← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

تفاوتوا فيه. وقيل: توزع على حسب الرؤوس فالذكر كالأنثى، وقيل: توزع بحسب قواعد الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: توزع النفقة على قدر الميراث، فلو كان الرجل مريضاً زمناً وله أولاد، فعليهم نفقة أبيهم على قدر ميراثهم، لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وترتيب الحكم على مشتق وهو اسم الفاعل هنا، يدل علِى أن المشتق منه علة الحكم، فيثبت الحكم بقدر علته (١). ونص الحنابلة على أن الحجب عن الميراث في عمودي النسب لا يسقط النفقة عنه. ٩ - هل الإعفاف أو التزويج من النفقة الواجبة؟ يرى جمهور الفقهاء وفي رواية عند الحنفية (٢): أن الولد يلزمه تزويج أو إعفاف أبيه المعسر ولو كان كافراً معصوماً، وكذا على المشهور عند الشافعية. وعند الحنابلة وبعض الحنفية إعفاف الأجداد من الجهتين جهة الأب وجهة الأم؛ لأنه من وجوه حاجاتهم المهمة كالنفقة والسكنى، ولئلا يعرضهم للزنا المفضي إلى الهلاك، وهو لا يليق بحرمة الأبوة، وليس من المصاحبة بالمعروف المأمور بها، فالزواج مما تدعو الحاجة إليه ويتضرر الأب بفقده، فلزم ابنه تزويجه كالنفقة. والرواية الراجحة عند الحنفية عدم وجوب إعفاف الأب؛ لأنه من الكماليات. وإذا اجتمع أب وجد أو جدان، ولم يمكن الولد إلا إعفاف أحدهما قدم الأقرب، ويقدم الجد من جهة الأب على الجد من جهة الأم؛ لأن الأول عصبة، والشرع قد اعتبر جهته في التوريث والتعصيب، فيقدم في الإنفاق والاستحقاق.

стр. 7107

ولا يلزم الأب في المذهبين الحنفي والشافعي في تزويج ابنه الفقير. وأوجب الحنابلة على الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته وكان محتاجاً إلى إعفافه؛ لأنه تلزمه نفقته، فيلزمه إعفافه عند حاجته إليه، كما يلزم الولد إعفاف أبيه. وكل من لزمه إعفافه، لزمته نفقة زوجته؛ لأنه لايتمكن من الإعفاف إلا بها. والإعفاف: يكون بإعطاء مهر المثل، ويكون تعيين الزوجة إلى الزوج، ولا يجوز للولد أن يزوج أباه قبيحة ولا عجوزاً؛ لأن الإعفاف لا يحصل بواحدة منهما. وذكر الحنابلة أن الابن يلزمه إعفاف أمّ بتزويجها كالأب. نفقة زوجة الأب: يلزم الابن أيضاً نفقة زوجة أبيه في رأي الحنابلة والشافعية والمالكية وفي رواية عند الحنفية، فكل من لزمه إعفافه، لزمته نفقة زوجته، كما تقدم. وأما الرواية الأخرى عند الحنفية فلا تجب نفقة زوجة الأب إلا إذا كان الأب مريضاً أو به زمانة (أي مرض مزمن)، قال في الذخيرة: المذهب عدم وجوب نفقة امرأة الأب (١)، وهو المعمول به في مصر. ولا يلزم الابن عند الحنفية في الرواية الأولى نفقة أكثر من زوجة واحدة للأب، وهو مذهب المالكية والحنابلة إن حصل الإعفاف بها وإلا تعدّت النفقة لمن يعف.

стр. 7108

نفقة زوجة الابن: المذهب عند الحنفية (١): عدم وجوب النفقة على الأب لزوجة الابن، ولو كان صغيراً أو كبيراً غائباً، إلا إذا ضمنها، ويستدين الأب على ابنه، ثم يرجع عليه إذا أيسر. وقال الحنابلة والشافعية كما تقدم: كل من لزمه إعفافه، لزمته نفقة زوجته؛ لأنه لا يتمكن من الإعفاف إلا بها. وأما المالكية فقالوا: إذا كان الزوج معسراً سقطت نفقة الزوجة عنه ما دام معسراً. ١٠ - هل تتوقف النفقة على القضاء؟ قال الحنفية (٢): تجب نفقة الأصول والفروع من غير حاجة إلى قضاء القاضي، إلا أنه إذا كان للصغير مال غائب وأراد الأب أن يرجع عليه، فليس له الرجوع إلا بالقضاء أو بالإشهاد بأن يشهد أنه أنفق ليرجع عليه بعد أن نوى بقلبه، فلو أنفق بغير إذن القاضي وبغير إشهاد فليس له الرجوع قضاء، وله أن يرجع ديانة فيما بينه وبين الله تعالى. وأما نفقة غير الأصول والفروع، فلا تثبت إلا بالقضاء أو بالتراضي، وسبب التفرقة بين الحالتين: أن نفقة الأصول والفروع تجب باتفاق الفقهاء، فلا تحتاج في وجوبها إلى قضاء القاضي. أما نفقة الأقارب الآخرين، فمختلف في وجوبها بين الفقهاء، فتحتاج إلى ما يقويها وهو قضاء القاضي.

стр. 7109

١١ - سقوط النفقة: النفقة إما للزوجة وإما للأقارب، فمتى تسقط كل واحدة منها؟ سقوط نفقة الزوجة: تسقط نفقة الزوجة في الحالات التالية (١): ١) - مضي الزمان من غير فرض القاضي أو التراضي: فتسقط عند الحنفية بمضي المدة بعد الوجوب قبل صيرورتها ديناً في الذمة، ولا تسقط بمضي المدة بعد القضاء به، وتصير ديناً. والحالات الأخرى تسقط فيها النفقة بعد صيرورتها ديناً في الذمة. وقال المالكية وباقي المذاهب: لا تسقط النفقة بمضي الزمان، وترجع الزوجة على زوجها بالنفقة المتجمدة، وهذا بخلاف نفقة الأقارب، فإنها تسقط بمضي المدة؛ لأنه إذا مضى زمنها استغني عنها. ٢) - الإبراء من النفقة الماضية: تسقط النفقة الماضية بالإبراء أو الهبة ويكون الإبراء إسقاطاً لدين واجب. ولكن قال الحنفية: لا يصح الإبراء أو الهبة عن النفقة المستقبلة؛ لأن نفقة الزوجة تجب شيئاً فشيئاً على حسب حدوث الزمان، فكان الإبراء منها إسقاطاً لواجب قبل الوجوب، وقبل وجود سبب الوجوب أيضاً، وهو حق الاحتباس. ٣) - موت أحد الزوجين: لو مات الرجل قبل إعطاء النفقة، لم يكن للمرأة أن تأخذها من ماله. ولو ماتت المرأة لم يكن لورثتها أن يأخذوا نفقتها. فإن كان

стр. 7110

الزوج أسلفها نفقتها وكسوتها، ثم مات قبل مضي الوقت الذي أسلفها عنه، لم ترجع ورثته عليها بشيء في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف. وكذا لو ماتت هي لم يرجع الزوج في تركتها في رأيهما. ٤) - النشوز: هو معصية المرأة لزوجها فيما له عليها مما أوجبه له عقد الزواج. والنفقة تسقط بنشوز المرأة، ولو بمنع لمس بلا عذر بها، إلحاقاً لمقدمات الوطء بالوطء؛ لأن النفقة هي في مقابلة الاستمتاع، فإذا امتنعت فلا نفقة للناشز. وقال الحنفية: النفقة التي تسقط بالنشوز أو الموت هي النفقة المفروضة، لا المستدانة في الأصح. فإن وجد عذر لوجود قروح قرب فرجها، أو التهابات حادة، فلا تسقط نفقتها. ومن الأعذار: مرض يضر معه الوطء، وعَبَالة زوج، أي كبر آلته بحيث لا تحتملها الزوجة. أما خروج المرأة من بيت الزوج بلا إذنه، أو سفرها بلا إذنه، أو إحرامها بالحج بغير إذنه، فهو نشوز، إلا للضرورة أو العذر، كأن يشرف البيت على انهدام، أو تخرج لبيت أبيها لزيارة أو عيادة، فيعد خروجها عذراً، وليس نشوزاً. وأما سفر المرأة بإذن الزوج: فقد فصل فيه الشافعية فقالوا: إن كان السفر مع الزوج أو لحاجته، فلا تسقط نفقتها به، وإن كان لحاجتها فتسقط في الأظهر. ولا يعد نشوزاً عرفاً في رأي الشافعية خروج المرأة في غيبة زوجها لزيارة أقاربها أو جيرانها أو عيادتهم أو تعزيتهم، فلا تسقط نفقتها؛ لأن خروجها لا على وجه النشوز. وكذا قال الحنابلة: لا نفقة لمن سافرت بلا إذن زوج لحاجتها، أو لنزهة،

стр. 7111

أولزيارة ولو بإذن الزوج، أو لتغريب في حد أو تعزير، أو لحبس ولو ظلماً، أو صامت للكفارة أو قضاء رمضان ووقته متسع، أو صامت أو حجت نفلاً أو نذراً معيناً في وقته بلا إذنه. ولا تسقط عندهم وعند المالكية لو أحرمت بحج فرض. ووافق الحنفية الحنابلة في أن حبس المرأة ولو ظلماً يسقط النفقة، إلا إذا حبسها الزوج بدين له، فلها النفقة في الأصح. ووافق الحنفية الشافعية في أن الحج مع غير الزوج ولو فرضاً، يسقط النفقة، لفوات الاحتباس. وقال المالكية: إن حبست ظلماً فلا يسقط حقها في النفقة؛ لأن منعه من الاستمتاع ليس من جهتها. وإن منعت المرأة نفسها عن الزوج بالصوم، فإن كان بصوم تطوع، فالصحيح لدى الشافعية أن نفقتها تسقط؛ لأنها منعت التمكين التام بما ليس بواجب، فسقطت نفقتها كالناشزة، وإن منعت نفسها بصوم رمضان أو بقضائه وقد ضاق وقته، لم تسقط نفقتها؛ لأن ما استحق بالشرع لا حقَّ للزوج في زمانه. وإن منعت نفسها بصوم القضاء قبل أن يضيق وقته، أو بصوم كفارة أو نذر في الذمة، سقطت نفقتها؛ لأنها منعت حقه، وهو على الفور بما هو ليس فورياً. وكذا تسقط نفقتها بنذر معين بعد الزواج إن كان بغير إذن الزوج. والاعتكاف مثل الصوم: إن كان باعتكاف تطوع أو نذر في الذمة، سقطت نفقتها. وإن منعت المرأة نفسها بالصلاة: فإن كانت بالصلوات الخمس، أو السنن الراتبة، لم تسقط نفقتها؛ لأن ما ترتب بالشرع لا حق للزوج في زمانه. وإن كان بقضاء فوائت، سقطت نفقتها؛ لأنها على التراخي، وحقه على الفور. وإذا سقطت نفقة المرأة بنشوزها، ثم أطاعت وعدلت عن النشوز، والزوج

стр. 7112

حاضر، عادت نفقتها، لزوال المسقط لها، ووجود التمكين المقتضي لها. وإن كان الزوج غائباً، لم تعد نفقتها في رأي الشافعية والحنابلة، لعدم تحقق التسليم والتسلم، إذ لا يحصلان مع الغيبة. وقال الحنفية: تعود نفقتها بعد عدولها عن النشوز ولو في غيبة الزوج. ٥) - الردة: إذا ارتدت المرأة، سقطت نفقتها، لخروجها عن الإسلام، وامتناع الاستمتاع بسبب الردة. فإذا عادت إلى الإسلام، عادت نفقتها بمجرد عودها عند الشافعية والحنابلة. والفرق بين النشوز والردة: أن المرتدة سقطت نفقتها بالردة، وقد زالت بالإسلام، والناشزة سقطت نفقتها بالمنع من التمكين، وهو لا يزول بالعود إلى الطاعة، وإنما بالتمكين الفعلي، ولا يحصل المقصود في غيبة الزوج. ٦) - كل فُرْقة جاءت من قبل المرأة بمعصية، مثل ردتها أو إبائها الإسلام إذا أسلم الزوج وظلت وثنية أو مجوسية، أو تمكينها ابن الزوج من نفسها، ففي هذه الحالات تسقط نفقتها؛ لأنها منعت الاستمتاع بمعصية، فصارت كالناشزة، ويظل لها حق السكنى في بيت الزوجية؛ لأن القرار فيه حق عليها، فلا يسقط بمعصيتها. فإن حدثت الفرقة بغير معصية كخيار البلوغ وعدم الكفاءة ووطء ابن الزوج لها مكرهة، فلا تسقط نفقتها؛ لأنها حسبت نفسها بحق لها أو بعذر عذرت شرعاً فيه. ولا تسقط نفقتها بفرقة جاءت من قبل الزوج مطلقاً، سواء أكانت بغير معصية، مثل الفرقة بطلاقه أو لعانه أو عنّته أو جبه، بعد الخلوة في رأي الحنفية، أو بمعصية مثل الفرقة بتقبيله بنت زوجته أوإيلائه مع عدم فيئه حتى مضت أربعة

стр. 7113

أشهر، أو إبائه الإسلام إذا أسلمت هي، أو ارتد هو، فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم؛ لأن بمعصيته لا تُحرم زوجته النفقة. والخلاصة: أن الحنفية قالوا: لا نفقة لإحدى عشرة امرأة (١): وهي مرتدة، ومقبِّلة ابن الزوج، ومعتدة موت، ومنكوحة بنكاح فاسد أو في أثناء العدة منه، وموطوءة بشبهة، وصغيرة لا توطأ، وخارجة من بيت الزوج بغير حق وهي الناشزة، ومحبوسة ولو ظلماً، ومريضة لم تزف إلى بيت زوجها أي لا يمكنها الانتقال معه أصلاً وإن لم تمنع نفسها، لعدم التسليم تقديراً، ومغصوبة كرهاً وهي من أخذها رجل وذهب بها، وحاجَّة ولو فرضاً وحدها ولو مع محرم لا مع الزوج لفوات الاحتباس. فإن حجت مع الزوج وخرج معها لأجلها، فعليه نفقة الحضر فقط، لا نفقة السفر وأجوره، أما لو أخرجها معه فيلزمه جميع نفقات السفر. وإذا فرضت النفقة على الزوج قضاء أو رضاء أصبحت ديناً صحيحاً ثابتاً في ذمته لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، وهذا ما نصت عليه المادة (٧٩) من القانون السوري: «النفقة المفروضة قضاء أو رضاء لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء». سقوط نفقة الأقارب: تسقط نفقة الأقارب للولد والوالدين وذي الأرحام في رأي الحنفية والشافعية والحنابلة (٢)، بمضي المدة، فإذا قضى القاضي بالنفقة للأقارب، فمضت مدة شهر فأكثر، فلم يقبض القريب ولا استدان عليه حتى مضت المدة، سقطت في رأي الحنفية. فمضي المدة يسقط النفقة إلا أن يأذن القاضي بالاستدانة على المنفق عليه؛

стр. 7114

لأن نفقة الأقرباء تجب سداً للحاجة، فلا تجب للموسرين، فإذا مضت المدة ولم يقبضها المستحق، دل على أنه غير محتاج إليها، بخلاف نفقة الزوجة فإنها لا تسقط بمضي المدة بعد القضاء بها؛ لأنها تجب جزاء الاحتباس، لا للحاجة، وتجب ولو كانت الزوجة موسرة. فإن أذن القاضي بالاستدانة على المفروض عليه، لا تسقط؛ لأنها تصير ديناً في ذمته، فلا يسقط بمضي المدة. واستثنى الزيلعي نفقة الصغير كالزوجة، فإنها لا تسقط بمضي المدة، وتكون ديناً في ذمة المحكوم عليه، نظراً لعجز الصغير والرأفة به. وقال المالكية (١): تسقط نفقة الأبوين أو الأولاد بمرور الزمن إلا أن يفرضها القاضي، فحينئذ تثبت. ويلاحظ أن القريب المنفق عليه إذا اكتسب لم تعد النفقة واجبة على قريبة، إلا إذا لم يكتسب ما يكفيه، فحينئذ تكمل له النفقة. والخلاصة: أن نفقة القريب فيما دون شهر، ونفقة الزوجة، والصغير لا تسقط بمضي الزمان، وإنما تصير ديناً بالقضاء. وكذا لا تسقط نفقة القريب غير الزوجة إذا استدان بأمر القاضي. ١٢ - جزاء الامتناع عن النفقة: ذكر الحنفية (٢): أنه إذا امتنع القريب من الإنفاق على قريبة المستحق، وأصر على الامتناع مع قدرته ويساره، فإنه يحبس ولو كان أباً، للضرورة؛ لأن في الامتناع عن النفقة إهلاكاً للقريب، وفي الحبس حمل على الإنفاق لحفظ حياة

стр. 7115

الإنسان، وهو أمر واجب شرعاً، ويتحمل الأب وغيره من باب أولى هذا القدر من الأذى لهذه الضرورة. ١٣ - تعدد مستحقي النفقة: إذا تعدد مستحقو النفقة ولم يكن لهم إلا قريب واحد، فإن استطاع أن ينفق عليهم جميعاً وجب عليه الإنفاق، وإن لم يستطع بدأ بنفسه ثم بولده الصغير أو الأنثى أو العاجز، ثم بزوجته - وقال الحنابلة: تقدم الزوجة على الولد، ويقدَّم الأب على الأم لفضيلته، وانفراده بالولاية، واستحقاق الأخذ من ماله. وقال ابن قدامة. الأولى التسوية بينهما. وقيل عند الشافعية: يقدم الأب، وقيل: الأم والأب سواء (١). ودليل هذا الترتيب: الأحاديث المتقدمة، حديث جابر: «أن النبي ﷺ قال لرجل: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» (٢)، أي وزعه في الناس كيف شئت. وحديث أبي هريرة: «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، عندي دينار؟ قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: أنت أبصر به» (٣).

стр. 7116

وحديث أبي هريرة أيضاً: «قال رجل: يا رسول الله، أي الناس أحق مني بحسن الصحبة؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك» (١)، وفي رواية لمسلم: «من أبر». ١٤ - متى تجب النفقة على بيت المال أو الدولة؟ إذا لم يكن للقريب المعسر أحد من الأقارب الموسرين، كانت نفقته في بيت المال «خزينة الدولة» ولا يطالب بتكفف الناس؛ لأن من وظائف بيت المال في الإسلام أن يتحمل حاجة المحتاجين وينفق عليهم بقدر حاجاتهم. قال الكاساني (٢) في بيان ما يوضع في بيت المال من الأموال وبيان مصارفها: يوضع في بيت المال أربعة أنواع: أحدها - زكاة السوائم والعشور وما أخذه العشار من تجار المسلمين إذا مروا عليهم. والثاني - خمس الغنائم والمعادن والركاز. والثالث - خراج الأراضي وجزية الرؤوس .. وما أخذه العشار من تجار أهل الذمة والمستأمنين من أهل الحرب. والرابع - ما أخذ من تركة الميت الذي مات ولم يترك وارثاً أصلاً، أو ترك زوجاً أو زوجة. وأما النوع الرابع: فيصرف إلى دواء الفقراء والمرضى وعلاجهم، وإلى أكفان الموتى الذين لا مال لهم، وإلى نفقة اللقيط وعقل جنايته (أي دفع غرامة جنايته) وإلى نفقة من هو عاجز عن الكسب وليس له من تجب عليه نفقته، ونحوهم، وعلى الإمام صرف هذه الحقوق إلى مستحقيها. هذه مبادئ النفقة، وأذكر عقبها ما يترتب عليها من تفريعات وتفصيلات في المباحث الأربعة التالية:

стр. 7117

المبحث الأول - نفقة الزوجة: نفقة الزوجة حق أصيل من حقوقها الواجبة على زوجها بسبب عقد الزواج، والكلام عنها في مطالب أربعة هي: الأول - معنى النفقة وأنواعها ووجوبها ومن تجب عليه وسبب وجوبها. الثاني - شروط وجوبها. الثالث - كيفية تقدير النفقة بأنواعها، والحكم القضائي بها. الرابع - أحكام النفقة (الامتناع عن الإنفاق، وإعسار الزوج، نفقة زوجة الغائب، متى تعتبر النفقة ديناً على الزوج؟ نفقة المعتدة، تعجيل النفقة، الإبراء عنها، المقاصة بدين النفقة، الكفالة بالنفقة أو ضمانها، الصلح عن النفقة). المطلب الأول - معنى النفقة وأنواعها، ووجوبها، ومن تجب عليه، وسبب وجوبها: معنى النفقة: بيّنت سابقاً أن النفقة لغة: هي ما ينفقه الإنسان على عياله. وهي شرعاً: الطعام والكسوة والسكنى، وعرفاً في إطلاق الفقهاء: هي الطعام فقط، ولذا يعطفون عليه الكسوة والسكنى، والعطف يقتضي المغايرة (١). وجوبها: اتفق الفقهاء (٢) على وجوب النفقة للزوجة مسلمة كانت أو كافرة بنكاح صحيح، فإذا تبين فساد الزواج وبطلانه رجع الزوج على المرأة بما أخذته من النفقة، وثبت وجوبها بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول.

стр. 7118

أما القرآن: فقول الله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدِرَ عليه رزقه (١)، فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ [الطلاق:٧/ ٦٥] وقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له: رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] أي على قدر ما يجده أحدكم من السعة والمقدرة. والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأن المرأة لا تحصل النفقة إلا بالخروج والاكتساب. وأما السنة: فقوله ﷺ في حديث حجة الوداع عن جابر: «اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان (٢) عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (٣) ورواه الترمذي بإسناده عن عمرو بن الأحوص قال: «ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» (٤). وجاءت هند إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: «يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٥) وفيه دلالة على وجوب النفقة الزوجية، وأنها مقدرة بكفايتها كما بينا، وأن نفقة ولده عليه دونها وهي مقدرة بكفايتهم، وأن النفقة بالمعروف، وأن لها أن تأخذ نفقتها بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه.

стр. 7119

وأما الإجماع: فاتفق العلماء على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين، إلا الناشز منهن. ولا نفقة عند الحنفية للصغيرة التي لا يستمتع بها؛ لأن امتناع الاستمتاع لمعنى فيها. وأما المعقول: فهو أن المرأة محبوسة على الزوج بمقتضى عقد الزواج، ممنوعة من التصرف والاكتساب لتفرغها لحقه، فكان عليه أن ينفق عليها، وعليه كفايتها، لأن الغرم بالغنم والخراج بالضمان، فالنفقة جزاء الاحتباس، فمن احتبس لمنفعة غيره كالموظف والجندي، وجبت نفقته في مال الغير. من تجب عليه: اتفق الفقهاء (١) أيضاً على أن النفقة تجب على الزوج الحر الحاضر، فإذا سلمت المرأة نفسها إلى الزوج على النحو الواجب عليها، فلها عليه جميع ما تحتاجه من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن. سبب وجوبها: للعلماء رأيان (٢) فيه، فقال الحنفية: سبب وجوبها استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها، ورتبوا عليه ألا نفقة على مسلم في نكاح فاسد، لانعدام سبب الوجوب وهو حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب الزواج؛ لأن حق الحبس لا يثبت في الزواج الفاسد. وعلى الزوج النفقة في أثناء عدة المرأة بسبب الفرقة الحاصلة بطلاق أو بغير طلاق رجعي أو بائن، حامل أو غير حامل، من قبل الزوج أو من قبل المرأة إلا إذا كانت الفرقة من قبلها بسبب محظور استحساناً، لقيام حق الحبس بعد زواج صحيح.

стр. 7120

وقال الجمهور غير الحنفية: سبب وجوب النفقة: هو الزوجية وهو كونها زوجة للرجل، ورتبوا عليه أنه تجب النفقة للمطلقة طلاقاً رجعياً، أو بائناً وهي حامل، لبقاء حق الزوج، أما المبتوتة إذا كانت حاملاً، فلها عند المالكية والشافعية السكنى، ولا نفقة لها لزوال النكاح بالإبانة، وكان ينبغي ألا نفقة للمبتوتة ولا سكنى لها، لكن ترك القياس بالنص القرآني: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] والتزم الحنابلة بالقياس وبحديث فاطمة بنت قيس في أنه لا نفقة لها ولا سكنى. المطلب الثاني - شروط وجوب النفقة: أذكر هنا شروط وجوب النفقة عند الجمهور ثم عند المالكية. أما شروطها عند الجمهور (١)، فهي أربعة: ١ - أن تمكِّن المرأة نفسها لزوجها تمكيناً تاماً: إما بتسليم نفسها أوبإظهار استعدادها لتسليم نفسها إلى الزوج بحيث لا تمتنع عند الطلب، سواء دخل الزوج بها بالفعل أم لم يدخل، دعته الزوجة أو وليها إلى الدخول بها أم لم تدعه. واشترط المالكية لوجوب النفقة قبل الدخول دعوة المرأة أو وليها المجبر الزوج إلى الدخول. فإن ظلت في بيت أهلها برضاه واختياره وجبت نفقتها عليه. وإن منعت المرأة نفسها أو منعت وليها، أو تساكتا بعد العقد، فلم تبذل ولم

стр. 7121

يطلب، فلا نفقة لها، وإن أقاما زمناً، فإن النبي ﷺ تزوج عائشة ودخلت عليه بعد سنتين، ولم ينفق إلا بعد دخوله. وإن كان الامتناع من تسليم نفسها بحق، فلها النفقة، كالامتناع لتسليم المهر المعجل أو الحالّ، أو لتهيئة مسكن لائق شرعاً. وأضاف الشافعية: أن يريد الزوج سفراً طويلاً. ٢ - أن تكون الزوجة كبيرة يمكن وطؤها: فإن كانت صغيرة لا تحتمل الوطء فلا نفقة لها؛ لأن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع، ولا يتصور الوجوب مع تعذر الاستمتاع، فلم تجب نفقتها. ويوافق المالكية رأي الجمهور في هذا الشرط. ٣ - أن يكون الزواج صحيحاً: فإن كان الزواج فاسداً، فلا نفقة على الزوج؛ لأن العقد الفاسد يجب فسخه، ولا يمكن اعتبار الزوجة محبوسة لحق الزوج، ولأن التمكين لا يصح مع فساد النكاح، ولا يستحق ما في مقابلته، وهذا متفق عليه. ٤ - ألا يفوت حق الزوج في احتباس الزوجة بدون مسوغ شرعي، أو بسبب ليس من جهته: فإن فات حقه بغير مسوغ شرعي كالنشوز، أو بسبب من جهته، فإن الزوجة تستحق النفقة. وهذا متفق عليه أيضاً، إلا أن المالكية يقولون بوجوب النفقة إذا كان فوات الاحتباس بأمر لا دخل لها فيه. وقد بان سابقاً أن نفقة الزوجة واجبة ولو مع اختلاف الدين. حكم القانون: أخذ القانون السوري بهذه الأحكام، فنص على ما يلي: (م ٧٢ - ١) - تجب النفقة للزوجة على الزوج ولو مع اختلاف الدين من حين العقد الصحيح، ولو كانت مقيمة في بيت أهلها إلا إذا طالبها الزوج بالنقلة وامتنعت بغير حق.

стр. 7122

٢ - يعتبر امتناعها بحق ما دام الزوج لم يدفع معجل المهر أو لم يهيء المسكن الشرعي. (م ٧٣) - يسقط حق الزوجة في النفقة إذا عملت خارج البيت دون إذن زوجها. (م ٧٤) - إذا نشزت المرأة، فلا نفقة لها مدة النشوز. (م ٧٥) - الناشز: هي التي تترك دار الزوجية بلا مسوغ شرعي، أو تمنع زوجها من الدخول إلى بيتها قبل طلبها النقل إلى بيت آخر. شروط وجوب النفقة عند المالكية: اشترط المالكية (١) لوجوب النفقة شروطاً قبل الدخول، وشروطاً بعد الدخول. أما شروط وجوب النفقة الزوجية قبل الدخول، فهي أربعة: ١ - التمكين من الدخول: بأن تدعو المرأة زوجها بعد العقد إلى الدخول بها، أو يدعوه وليها المجبر أو وكيلها، فإن لم تحصل هذه الدعوة، أو امتنعت من الدخول لغير عذر، فلا نفقة لها. ٢ - أن تكون الزوجة مطيقة الوطء: فإن كانت الزوجة صغيرة لا تصلح للدخول بها فلا نفقة لها، فإن دخل بها وكان بالغاً، لزمته النفقة. وإن كان بها مانع كرتق فلا نفقة لها إلا أن يتلذذ بها عالماً العيب.

стр. 7123

٣ - أن يكون الزوج بالغاً: فلو كان الزوج صغيراً ولم يدخل، فلا نفقه لها، وإن دخل فلها النفقة. وأوجب الجمهور النفقة على الصبي لامرأته الكبيرة؛ لأنها سلمت نفسها تسليماً صحيحاً، كما لو كان الزوج كبيراً. ٤ - ألا يكون أحد الزوجين مشرفاً على الموت عند الدعوة إلى الدخول: فإن كان في حالة النزع، فلا نفقة للزوجة، لعدم القدرة على الاستمتاع بها. فإن دخل ولو حال الإشراف على الهلاك فعليه النفقة. وأما شروط وجوب النفقة بعد الدخول، فهي اثنان: ١ - أن يكون الزوج موسراً: وهو الذي يقدر على النفقة بماله أو كسبه، فلو كان معسراً لا نفقة عليه مدة إعساره، لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ [الطلاق:٧/ ٦٥] فالمعسر لا يكلف إذن بالإنفاق. ٢ - ألا تفوِّت الزوجة على زوجها حق الاحتباس بدون مسوغ شرعي: فلو فوتت ذلك بالنشوز، أي الخروج عن طاعة الزوج، فلا نفقة لها. والخلاصة: أن المدخول بها تجب لها النفقة مطلقاً، وإن لم تكن الزوجة مطيقة الوطء، ولا الزوج بالغاً. وأما قبل الدخول فلا نفقة لغير ممكِّنة من نفسها، أو لم يحصل منها أو من وليها دعوة للدخول، أو حصل قبل مضي زمن يتجهز فيه كل منهما للدخول، ولا لغير مطيقة الوطء، ولا مطيقة بها ما نع كرتق إلا أن يتلذذ بها بغير الوطء حالة كونه عالماً بالمانع منه.

стр. 7124

مايترتب على شروط وجوب النفقة من مسائل المسألة الأولى - الزوجة الناشزة (١): عرفنا سابقاً أن النشوز يسقط النفقة؛ لأن احتباس الزوجة في بيت الزوجية واجب، فإذا خرجت الزوجة من بيت زوجها بغير مسوغ شرعي، سقطت نفقتها. والمسوغ الشرعي مثل عدم دفع المهر المعجل لها أوعدم تهيئة المسكن الشرعي الصالح عادة للسكنى. وتكون ناشزة أيضاً إذا منعت زوجها من الدخول إلى بيتها، ولم تكن قد طلبت نقلها إلى بيت آخر. وقد أخذ القانون السوري بهذه الأحكام كما تقدم. المسألة الثانية - الزوجة العاملة أو الموظفة: إذا عملت الزوجة نهاراً أو ليلاً خارج المنزل كالطبيبة والمعلمة والمحامية والممرضة والصانعة، فالمقرر في القانونين المصري والسوري أنه إذا رضي الزوج بخروجها ولم يمنعها من العمل، وجبت لها النفقة؛ لأن احتباس الزوجة حق للزوج، فله أن يتنازل عنه. وإن لم يرض بعملها، ونهاها عن العمل، فخرجت من أجله، سقط حقها في النفقة؛ لأن الاحتباس في هذه الحالة ناقص غير كامل، فلو سلمت المرأة نفسها بالليل دون النهار أو عكسه؛ فلا نفقة لنقص التسليم (٢).

стр. 7125

نصت المادة (٧٣) من القانون السوري على ذلك: يسقط حق الزوجة في النفقة إذا عملت خارج البيت دون إذن زوجها. فإن رضي الزوج بعمل الزوجة أولاً ثم منعها من الخروج، سقط حقها في النفقة أيضاً؛ لأن خروجها نشوز مسقط للنفقة. لكن جرى العمل في القضاء المصري على استحقاقها النفقة؛ لأن إقدام الزوج على الزواج بها وهو يعلم أن لهاعملاً خارجياً، ولم يشترط عليها ترك العمل، يعد رضا منه بسقوط حقه في الاحتباس الكامل. أما لو اشترطت الزوجة حين العقد البقاء في عملها، فهذا الشرط فاسد ملغي عند الحنفية، والعقد صحيح، وللزوج أن يمنعها من العمل، فإن استمرت فيه، سقط حقها في النفقة. وصحح المالكية هذا الشرط ولكنه مكروه لا يلزم الوفاء به، ولكن يستحب، فله أن يمنع الزوجة من العمل، فإن رفضت الاستجابة لمطلبه كانت ناشزة، يسقط حقها في النفقة. وصحح الحنابلة أيضاً هذا الشرط وأوجبوا الوفاء به، فلا يكون للزوج أن يمنع المرأة من العمل، ولو منعها لا تكون ناشزة. وقواعد الشافعية تأبى مثل هذا الشرط؛ لأن المذهب الجديد أن النفقة الزوجية تجب بالتمكين التام، لا العقد، وأن الخروج من بيت الزوج بلا إذن منه، نشوز منها، سواء أكان الخروج لعبادة كحج أم لا، ويسقط النشوز نفقتها لمخالفتها الواجب عليها، وأنها لو مكنت من الوطء ومنعت بقية الاستمتاعات، كان ذلك نشوزاً.

стр. 7126

هذا .. وللزوجة أن تعمل في البيت عملاً لا يضعفها ولا ينقص جمالها، وللزوج أن يمنعها مما يضرها، ولكن لا تسقط نفقتها إذا خالفته، بل له أن يؤدبها، لعصيانها أمره. المسألة الثالثة - الزوجة المريضة: تجب النفقة اتفاقاً (١) للزوجة المريضة، سواء مرضت عنده بعد الزفاف، أم كانت مريضة حين الزفاف، لتحقق شرط النفقة وهو التسليم أو التمكين التام، ولأن الاستمتاع بها ممكن وإنما نقص بالمرض، ولأن المرض أمر طارئ لا دخل للزوجة فيه، فهو كالحيض والنفاس، وليس من حسن العشرة أن يكون هذا الأمر الطارئ مسقطاً للنفقة. ولا تسقط نفقتها حتى وإن كانت تمرَّض في بيت أهلها، إلا إذا طلب الزوج منها أن تعود إلى بيته، وكانت تستطيع العودة ولو محمولة، فامتنعت؛ لأنها بامتناعها تصبح ناشزة، أي خارجة عن طاعة الزوج بغير حق. نفقات العلاج: قرر فقهاء المذاهب الأربعة (٢) أن الزوج لا يجب عليه أجور التداوي للمرأة المريضة من أجرة طبيب وحاجم وفاصد وثمن دواء، وإنما تكون النفقة في مالها إن كان لها مال، وإن لم يكن لها مال، وجبت النفقة على من تلزمه نفقتها؛ لأن التداوي لحفظ أصل الجسم، فلا يجب على مستحق المنفعة، كعمارة الدار المستأجرة، تجب على المالك لا على المستأجر، وكما لا تجب الفاكهة لغير أدم.

стр. 7127

ويظهر لدي أن المداواة لم تكن في الماضي حاجة أساسية، فلا يحتاج الإنسان غالباً إلى العلاج؛ لأنه يلتزم قواعد الصحة والوقاية، فاجتهاد الفقهاء مبني على عرف قائم في عصرهم. أما الآن فقد أصبحت الحاجة إلى العلاج كالحاجة إلى الطعام والغذاء، بل أهم؛ لأن المريض يفضل غالباً ما يتداوى به على كل شيء، وهل يمكنه تناول الطعام وهو يشكو ويتوجع من الآلام والأوجاع التي تبرح به وتجهده وتهدده بالموت؟! لذا فإني أرى وجوب نفقة الدواء على الزوج كغيرها من النفقات الضرورية، ومثل وجوب نفقة الدواء اللازم للولد على الوالد بالإجماع، وهل من حسن العشرة أن يستمتع الزوج بزوجته حال الصحة، ثم يردها إلى أهلها لمعالجتها حال المرض؟!. وأخذ القانون المصري (م ١٠٠) لسنة ١٩٨٥ م برأي في الفقه المالكي أن النفقة الواجبة للزوجة تشمل الغذاء والكسوة والمسكن ومصاريف العلاج وغير ذلك بمايقضي به الشرع وأخذت المحاكم بهذا. المسألة الرابعة - الامتناع من الدخول أو الانتقال لبيت الزوج لعذر: إذا امتنعت الزوجة من الدخول بها، أو الانتقال إلى دار الزوج لعذر فلها النفقة (١)، كأن تمتنع حتى تقبض معجل مهرها، أو لعدم صلاحية المسكن للسكنى بسبب خلل فيه أو لنقص المرافق الضرورية له، أو للتأذي فيه من جار أو شيء مخيف، أو وجود أهل لا تحب مساكنتهم أو ضَرة تخشى شرها، أو لأن الزوج غير أمين عليها. أما إن امتنعت الزوجة من الانتقال إلى بيت الزوج بغير عذر، أو منعت

стр. 7128

الزوج من الدخول في بيتها الذي يقيمان فيه من غير طلب سابق بالانتقال إلى منزل آخر، فلا نفقة لها؛ لأنها تعد بامتناعها ناشزة، أي خارجة عن طاعة الزوج بغير حق، والناشزة لا تستحق النفقة مدة نشوزها، فإن عادت وجبت نفقتها من حين العودة. المسألة الخامسة - حبس الزوجة: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنه إذا حبست الزوجة، سقطت نفقتها؛ لأن فوات حق الاحتباس للزوج كان بسبب منها. أما إن حبست ظلماً أو خطفت بواسطة رجل، فتسقط نفقتها أيضاً عند الحنفية والحنابلة، لفوات حق الاحتباس بسبب لا دخل للزوج فيه. وقال المالكية (١): لا تسقط نفقتها بالحبس ظلماً وبخطفها من رجل؛ لأن فوات حق الاحتباس ليس من جهتها، ولا دخل لها فيه. المسألة السادسة - سفر الزوجة: اتفق الفقهاء (٢) على أنه إذا سافرت الزوجةمع غير زوجها لحج أو غيره قبل الدخول، فلا نفقة لها، لفوات الاحتباس في بيت الزوج. وكذا إن سافرت وحدها بدون محرم بعد الدخول، لا نفقة لها، لفوات الاحتباس بسبب من جهتها، ولعصيانها بهذا السفر بدون محرم. أما إن سافرت مع مَحْرم لأداء فريضة الحج، فلا يسقط حقها في النفقة ولو بغير إذنه عند المالكية والحنابلة وأبي يوسف؛ لأنه سفر لأداء فريضة دينية، فيكون

стр. 7129

فوات الاحتباس بمسوغ شرعي، لكن النفقة الواجبة عند أبي يوسف والحنابلة هي نفقة الإقامة لا السفر، وعند المالكية: يجب لها الأقل من نفقتي الإقامة والسفر. وتسقط نفقتها ولو بإذن الزوج عند جمهور الحنفية، والشافعية في الأظهر، لمخالفتها الواجب عليها وانتفاء التمكين، وفوات الاحتباس من جهتها، سواء سافرت لحج الفريضة أم لعمل آخر، كطلب العلم أم لحاجتها. وإن سافرت لحج النفل سقطت نفقتها عند الحنفية والشافعية والحنابلة. وقال المالكية: إن سافرت بإذن الزوج، فلا يسقط حقها في النفقة؛ لأنها لا تعد ناشزة، وإن سافرت بدون إذنه، سقط حقها في النفقة؛ لأنها تعد ناشزة. المسألة السابعة - انتقال الزوج إلى بلد آخر: قال الحنفية (١): للزوج السفر بزوجته إلى بلد آخر لغرض صحيح، كالتوظف في بلد غير بلده أو استثمار ماله، إذا أوفاها مهرها كله معجله ومؤجله، وكان مأموناً عليها، ولم يقصد الإضرار بها، فإن امتنعت من السفر معه حينئذ، سقط حقها في النفقة واعتبرت ناشزة. فإن لم يؤدها مهرها، أو لم يكن مأموناً عليها أو قصد إضرارها، فلها الحق في الامتناع من السفر معه، ولا تعد ناشزة، لقوله تعالى: ﴿ولا تضارّوهن لتضيقوا عليهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] وقوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار». وقال المالكية (٢): للزوج الانتقال بزوجته إذا أوفاها عاجل مهرها، وإن لم يكن دخل بها بالشروط التالية:

стр. 7130

١ - أن يكون الزوج مأموناً. ٢ - وأن يكون الطريق إلى البلد مأموناً. ٣ - وأن يكون البلد قريباً بحيث لا ينقطع خبر أهلها عنها ولا خبرها عن أهلها. المسألة الثامنة - حبس الزوج أو مرضه: تستحق الزوجة النفقة بالاتفاق إذا حبس زوجها بجريمة اقترفها أو بدين لزوجته، أو ظلماً، أو مرض مرضاً مانعاً من الجماع، أو كان به عيب يحول دون الاستمتاع كالجب (قطع العضو) والعُنَّة (العجز الجنسي) والخصاء (نزع الخصيتين)؛ لأن فوات الاحتباس بسبب من جهته لا من جهة الزوجة. وكذلك تستحق النفقة عند المالكية (١) إذا علم الزوج في زوجته بعيب يمنع الوطء كالرتَق (التحام محل الوطء) والقرَن (غدة تمنع الجماع)، واستمتع بها بغير الوطء. المطلب الثالث - كيفية تقدير النفقة بأنواعها والحكم القضائي بها: تشمل النفقة الزوجية ما يأتي: ١ - الطعام والشراب والإدام. ٢ - الكسوة. ٣ - المسكن.

стр. 7131

٤ - الخدمة إن لزمتها أو كانت ممن تخدم. ٥ - آلة التنظيف ومتاع البيت. وقد نصت المادة (٧١) من القانون السوري على أنواع النفقة وتقديرها آخذة بوجوب نفقات التطبيب والعلاج: ١ - النفقة الزوجية تشمل الطعام والكسوة والسكنى والتطبيب بالقدر المعروف، وخدمة الزوجة التي يكون لأمثالها خادم. ٢ - يلزم الزوج بدفع النفقة إلى زوجته إذا امتنع عن الإنفاق عليها أو ثبت تقصيره. الواجب الأول - الطعام وتوابعه: قرر الفقهاء (١) أنه يجب للزوجة الطعام والشراب والإدام، وما يتبعها من ماء وخل وزيت ودهن للأكل وحطب ووقود ونحوها، ولا تجب الفاكهة. ما تقدر به نفقة الطعام: قال الجمهور غير الشافعية: تقدر بالكفاية، أي بما يكفي الزوجة من الطعام كنفقة الأقارب، لقول النبي ﷺ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير، وإنما باجتهادها في التقدير، ولأن الله تعالى قال: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقال النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: «ولهن عليكم رزقهن

стр. 7132

وكسوتهن بالمعروف» وإيجاب أقل من الكفاية من الرزق ترك للمعروف، وكل هذه الأدلة صريحة في إيجاب قدر الكفاية. ولا يصح تقدير النفقة بالكفارة؛ لأن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار، وإنما اعتبر الشرع الكفارة بالنفقة في الجنس دون القدر، بدليل عدم وجوب الأدم فيها. وإذا قام الزوج بتولي الإنفاق على الزوجة، فليس لها أن تطلب منه تقديراً معيناً لتنفق هي بنفسها، فإن ثبت تقصيره، رفع الأمر إلى القاضي ليفرض عليه النفقة، ويرجع في تقدير الواجب إليه إن لم يتراض الزوجان على شيء. ولا يشترط فيها الحَب، وإنما يصح أن تكون أصنافاً من الطعام بحسب العرب كالخبز والإدام. ويجب في النفقة تسليم الطعام، وتضمن النفقة المقدرة باليوم أو الشهر أو غيرهما بالقبض من الزوجة، وأجاز الحنفية والمالكية دفع الثمن أو النقود عنه، لتنفق على نفسها، وهو ما يجري عليه القضاء الآن، لأنه أضبط وأيسر. وقال الحنابلة: لا يملك الحاكم فرض غير واجب القوت الغالب في البلد كدراهم مثلاً إلا باتفاق الزوجين. وتقدر نفقة الطعام بحسب الأعراف والعادات في كل بلد، أو بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال، من رخص وغلاء، وشباب وهرم، وشتاء وصيف. وإذا قدر القاضي النفقة، ثم تغير حال الزوج يساراً أو إعساراً، زاد القاضي نفقة اليسار في المستقبل، أو نقصها. وقال الشافعية: تقدر نفقة الطعام من الحب بمقادير معينة بحسب حال الزوج

стр. 7133

يساراً أو إعساراً؛ لأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الشخص الواحد مدّ (١) من الحبوب، والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل، فقال تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] فاعتبروا النفقة بالكفارة بجامع أن كلاً منهما مال يجب بالشرع، ويستقر في الذمة. فعلى الزوج الموسر لزوجته كل يوم مدان من الطعام، وعلى المعسر مُدّ، وعلى المتوسط مدّ ونصف، واحتجوا لهذا التفاوت بقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ [الطلاق:٧/ ٦٥] وأكثر ما وجب في الكفارة لكل مسكين مدان، وهو في كفارة الأذى من إزالة شعر أوظفر في الحج، وأقل ما وجب له مُدّ في نحو كفارة الظهار، فأوجبوا على الموسر الأكثر وهو مدّان؛ لأنه قدر الموسع، وعلى المعسر الأقل وهو مد؛ لأن المد الواحد يكتفي به الزهيد، ويتقنع به الرغيب، وعلى المتوسط ما بينهما دفعاً للضرر عنه. والراجح لدي هو رأي الجمهور، بدليل ما قال الأذرعي الشافعي: لا أعرف لإمامنا ﵁ سلفاً في التقدير بالأمداد، ولولا الأدب لقلت: الصواب أنها بالمعروف تأسياً واتباعاً. وأما الأدم عند الشافعية فيجب أدم غالب كزيت وسمن وجبن وتمر وخل، وفاكهة لمن اعتادتها، ولحم بحسب يسار الزوج وإعساره كعادة البلد وتقدير القاضي. حال من تقدر به نفقة الطعام: للفقهاء رأيان في كيفية تقدير نفقة الطعام.

стр. 7134

أـ ذهب المالكية والحنابلة: إلى أنه تقدر بحسب حال الزوجين يساراً وإعساراً، ومراعاة منصب المرأة وحال البلاد، لقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدِر عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله﴾ [الطلاق:٧/ ٦٥] وللحديث السابق: «خذي ما يكفيك» وذلك عند الحنابلة وقت عقد الزواج، واعتبار حال الزوجين للجمع بين الأدلة، ورعاية لكل من الجانبين، وهو الأولى؛ لأن الآية راعت حال الزوج، والحديث راعى كفاية الزوجة بالمعروف. فإن كانا موسرين فالواجب نفقة اليسار، وإن كانا معسرين فالواجب نفقة الإعسار، وإن تفاوت حالهما فالواجب نفقة الوسط بين الموسرين والمعسرين. قال المالكية: والوسط من النفقة بالأندلس: رطل ونصف في اليوم من قمح أو شعير أو ذرة أو قطنية على حسب الحال. ب - وذهب الحنفية والشافعية: إلى أنه تقدر نفقة الطعام والكسوة بحسب حال الزوج يساراً وإعساراً، للآية السابقة: ﴿لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدِرَ عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ [الطلاق:٧/ ٦٥] ولقوله ﷺ : «أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ولا تضربوهن ولا تقبِّحوهن» (١)، ولأن النفقة واجبة على الزوج، وقد رضيت الزوجة بحاله، ويقصد من كلمة «المعروف» في حديث هند تحديد الواجب على الزوج. وهذا القول هو الراجح لدي، عملاً بما نصت عليه الآية صراحة، وهو ما أخذت به القوانين في سورية ومصر، وفيه مرونة وعدالة؛ لأن القاضي له تعديل النفقة إذا تغيرت أحوال الزوج من الإعسار إلى اليسار وبالعكس.

стр. 7135

المدة التي تقدر بها نفقة الطعام: تقدر نفقة الطعام في رأي الحنفية والمالكية (١) بحسب ما يناسب الزوج من الأصلح والأيسرفي الدفع يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً أو سنوياً، فالعامل المحترف تقدر نفقته باليومية أو بالأسبوع، والموظف بالشهر، والأغنياء أصحاب الثروة بالسنة، وتدفع النفقة مساء كل يوم لليوم التالي، أو في نهاية الأسبوع كالصناع الذين لا يقبضون أجرهم إلا في آخر الأسبوع، أو في بدء الشهر أو آخره بحسب قبض الرواتب الوظيفية، أو سنة بسنة للأثرياء. وقال الشافعية والحنابلة: تدفع النفقة بطلوع شمس كل يوم؛ لأنه أول وقت الحاجة، فإن اتفق الزوجان على التعجيل أو التأجيل جاز. الواجب الثاني - الكسوة: أجمع العلماء (٢) على أنه تجب على الزوج لزوجته كسوتها؛ لأنها لا بد منها على الدوام، ولقوله : ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقول النبي ﷺ : «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» وقوله ﵊ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» والكسوة بالمعروف: هي الكسوة التي جرت عادة أمثالها بلبسه. وهي مقدرة بالاتفاق حتى عند الشافعية بكفاية الزوجة؛ للإجماع على أنه لا يكفي ما ينطلق عليه الاسم، وليست مقدرة بالشرع، وتقدر باجتهاد الحاكم،

стр. 7136

فيفرض لها على قدر كفايتها، على قدر يسرهما وعسرهما، وما جرت عادة أمثالهما به من الكسوة، فللموسرة ثياب رفيعة من حرير وكتان جيد، وللمعسرة ثياب غليظة من قطن وكتان، وللمتوسطة ما بينهما. وأقل ما يجب من الكسوة قميص (ثوب مخيط يستر جميع البدن) وسراويل (وهو ثوب مخيط يستر أسفل البدن ويصون العورة) وخمار أو مقنعة (وهو ما يغطى به الرأس) ومداس أو مِكْعَب (وهو مداس الرجل من نعل أو غيره). ويجب لها الكسوة في كل سنة مرتين: صيفية وشتوية، لتجدد الحاجة في الحر والبرد، وتكون كسوة الشتاء والصيف بما يناسبها بالاتفاق من غِطاء ووطاء في الشتاء بما يناسب، والصيف بما يناسبه بحسب العرف والعادة. وتدفع الكسوة عند المالكية والحنابلة أول كل عام، وتملك بالقبض، فلا بدل لما سرق أو بلي. وقال الشافعية والحنفية: تدفع الكسوة في كل ستة أشهر؛ لأن العرف في الكسوة أن تبدَّل في هذه المدة. فإن بليت الكسوة قبل هذه المدة، لم يجب عليه بدلها، كما لا يجب عليه بدل الطعام إذا نفد قبل انقضاء اليوم. الواجب الثالث - المسكن: يجب للزوجة أيضاً مسكن لائق بها (١) إما بملك أو كراء أوإعارة أووقف، لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] أي

стр. 7137

بحسب سعتكم وقدرتكم المالية، وقوله سبحانه: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء:١٩/ ٤] ومن المعروف أن يسكنها في مسكن، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون وحفظ المتاع. وذكر الشافعية أن الواجب في المسكن هو الإمتاع أي الانتفاع لا التمليك، أما المستهلك كطعام فيجب فيه التمليك. ويكون المسكن كالطعام والكسوة على قدر يسار الزوجين وإعسارهما، لقوله تعالى: ﴿من وجدكم﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥]، وبناء عليه يجب أن تتوافر في المسكن الأوصاف الآتية: ١ - أن يكون ملائماً حالة الزوج المالية، للآية السابقة: ﴿من وُجْدكم﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥]. ٢ - أن يكون مستقلاً بها ليس فيه أحد من أهله إلا أن تختار ذلك، وهذا عند الحنفية؛ لأن السكنى من كفايتها، فتجب لها كالنفقة، وقد أوجبه الله تعالى مقروناً بالنفقة، وإذا وجب حقاً لها ليس له أن يشرك غيرها فيه؛ لأنها تتضرر به؛ لأن السكن المشترك يمنعها معاشرة زوجها والاستمتاع بها، ولأنها لا تأمن على متاعها. والحد الأدنى للمسكن عند المالكية وغيرهم حجرة واحدة مستقلة بمرافقها، بشرط قرره المالكية وبعض الحنفية: وهو ألا يكون في حجرة أخرى في نفس الشقة (الطابق) زوجة ثانية؛ لأن سكنى المرأة مع ضرتها يؤدي إلى الإضرار بها. فإن كان للرجل أقارب فله عند الحنفية أن يسكن زوجته معهم إلا إذا ثبت أن الأقارب يؤذونها بقول أو فعل. وفرق المالكية بين الزوجة الشريفة والوضيعة، فإذا كانت الزوجة شريفة (وهي ذات القدر) فلها الامتناع من السكنى مع أقاربه، ولو الأبوين في دار

стр. 7138

واحدة، لما فيه من الضرر عليها باطلاعهم على حالها وشؤونها الخاصة، إلا إذا شرط الزوج عليها عند العقد أن تسكن معهم، فليس لها الامتناع من السكنى معهم إلا إذا حصل منهم الضرر من سكناها معهم أو الاطلاع على شؤونها وعوراتها. وأما إن كانت الزوجة وضيعة (وهي التي لا قدر لها)، فللزوج أن يسكنها مع أقاربه في دار واحدة، إلا إذا اشترطت حين العقد ألا يسكن معها أحد من أقارب الزوج، أو حصل لها ضرر منهم. وليس للزوجة عند الحنفية أن يسكن معها أحد من غير الزوج، ولو كان صغيراً غير مميز إلا إذا رضي الزوج بالسكنى. وأجاز المالكية أن يسكن معها ولد صغير من غير الزوج إذا لم يكن له حاضنة غيرها، وكان الزوج يعلم به عند الزواج، أو لم يعلم به ولم يكن له حاضنة غيرها. وإذا كان المسكن في مكان منقطع موحش أو كانت الدار كبيرة خالية من السكان ومرتفعة الجدران، فيلزم الزوج مؤنسة تؤنس الزوجة على ما اختاره الحنفية والحنابلة. ٣ - أن يكون المسكن مؤثثاً مفروشاً في رأي الجمهور غير المالكية: بأن يشتمل على مفروشات النوم من فراش ولحاف ووسادة، وأدوات المطبخ من آلات الأكل والشرب والطبخ من قِدْر (آلة الطبخ) وقَصْعة (آلة أكل) وكوز (إبريق) وجَرَّة (آلة شرب) ونحوها بحسب العادة مما لا غنى لها عنه كمغرفة، وما تغسل فيه ثيابها وأدوات الإضاءة؛ لأن المعيشة لا تتم بدون المذكور، فكان من المعاشرة بالمعروف. وقال المالكية الذين يوجبون على الزوجة الجهاز المتعارف في حدود المهر المقبوض قبل الدخول: لا يكلف الزوج بتأثيث المنزل، بل المكلف هو الزوجة. واتفق الفقهاء على اشتراط كون المسكن مشتملاً على المرافق الضرورية

стр. 7139

اللازمة للسكنى من دورة مياه ومطبخ ومنشر، وأن تكون تلك المرافق خاصة بالسكن إلا إذا كان الزوج فقيراً ممن يسكن في غرفة في دار كبيرة متعددة الغرف والسكان، بشرط كون الجيران صالحين. الواجب الرابع - نفقة الخادم إن كانت ممن تخدم: اتفق الفقهاء (١) على أنه يلزم للزوجة نفقة الخادم إذا كان الزوج موسراً، وكانت المرأة ممن تُخدم في بيت أبيها مثلاً، ولا تخدم نفسها لكونها من ذوي الأقدار أو مريضة؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، ولأن كفايتها واجبة عليه، وقال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء:١٩/ ٤]. والأولى للموسر إخدام زوجته التي تخدم نفسها لأنه معاشرة بالمعروف. ولا يجب لها في رأي الجمهور (أبي حنيفة ومحمد والشافعي وأحمد) أكثر من خادم واحد؛ لأن الخادم الواحد يكفيها لنفسها، فتتحقق الكفاية بواحد، ولا ضرورة إلى اثنين، والزيادة من باب الترف الذي لا يلزم الزوج به. وقال أبو يوسف وأبو ثور: تفرض النفقة لخادمين؛ لأنها تحتاج إلى أحدهما لمصالح الداخل، والآخر لمصالح الخارج. وكذلك قال المالكية في المشهور: يلزم الزوج أكثر من خادم إذا كانت الزوجة أهلاً لذلك، وقضي لها عند التنازع مع الزوج بخادمها؛ لأنه أطيب لنفسها، إلا لريبة في خادمها تضر بالزوج في الدين أو الدنيا.

стр. 7140

و الخادم: هو من يحل له النظر إلى المرأة، بأن يكون امرأة أو ذا رحم محرم؛ لأن الخادم يلزم المخدوم في أغلب أحواله، فلا يسلم من النظر. ويجوز في الصحيح عند الحنابلة: أن يكون الخادم من أهل الكتاب؛ لأن استخدامهم مباح، ولأن الصحيح عندهم إباحة النظر لهم. ونفقة الخادم ومؤنته من الكسوة والطعام، مثل نفقة امرأة المعسر في رأي الحنابلة، إلا أنه لا يجب لها المشط والدهن لرأسها والسدر؛ لأن ما ذكر يراد للزينة والتنظيف؛ ولايراد من الخادم. ومذهب الشافعية: تلزم نفقة الخادمة كالزوجة، وجنس طعامها جنس طعام الزوجة: وهو مُدّ على معسر وكذا متوسط على الصحيح، ومد وثلث على موسر، ولها كسوة تليق بحالها، ولها أدم على الصحيح، لكن ليس لها آلة تنظيف، إلا إن كثر وسخ وتأذت بقمَّل، فيجب لها ما يزيله. أما إن كان الزوج معسراً فلا يجب عليه إحضار خادم لزوجته ولا نفقته؛ لأن الخادم ليس ضرورياً، وعلى الزوجة أن تخدم نفسها مااستطاعت. الواجب الخامس - آلة التنظيف ومتاع البيت: اتفق الفقهاء (١) على وجوب أجرة القابلة وآلات التنظيف، واختلفوا في أدوات التجميل ومتاع البيت. فقال الحنفية: يجب على الزوج آلة طحن وخبز وآنية شراب وطبخ ككوز وجرة وقِدْر ومغرفة، وكذا سائر أدوات البيت كحصر

стр. 7141

ولِبْد وطنفسة (بساط صوف) وما تنتظف به وتزيل الوسخ كمشط وأشنان وصابون وسِدْر ودهن وخِطْمي على عادة أهل البلد، ويجب عليه مداس رجلها وما تغسل به ثيابها وبدنها، وينقل لها ماء الغسل من الجنابة، ويجب لها ماء الوضوء. وأما أجرة القابلة فعلى من استأجرها من زوجة وزوج، فإن جاءت القابلة بلا استئجار، قيل: تجب عليه، لأنه مؤنة الجماع، وقيل: تجب عليها كأجرة الطبيب. وأما الطيب فيجب عليه ما يوضع بعد الحيض والرائحة الكريهة، أما الخضاب والكحل فلا يلزمه، بل هو على اختياره، ولا تجب لها الفاكهة والقهوة والدخان. وقال المالكية: تجب على الزوج آلة التنظيف على حسب الحال والمنصب وعوائد البلاد، فيفرض لها ماء الشرب والغسل وغسل الثوب والإناء واليد والوضوء، وزيت الأكل والادِّهان، والوقود من حطب أو غيره على حسب العادة، وما يصلح الطعام من ملح وبصل وغيرهما، واللحم في كل أسبوع مرة من غير الفقير، لا كل يوم، أما الفقير فعلى حسب قدرته. وتجب عليه أجرة القابلة؛ لأنها من متعلَّقات الولد، والغطاء والوطاء في الشتاء والصيف بما يناسبهما بحسب العرف والعادة، وحصير الفرش، وليس لها بيع جهازها إلا بعد مضي أربع سنين، ولا يلزم الزوج ببدل الجهاز إذا بلي إلا الغطاء والفراش، فإنه يلزم به؛ لأنه ضروري. وتجب عليه أيضاً أدوات الزينة التي تتضرر المرأة بتركها ككحل ودُهْن من زيت أوغيره كحناء إذا كانا معتادين، لا غير معتادين، ولا يجب عليه مالا تتضرر المرأة بتركه، كما لا يجب لها المُشْط والمُكْحلة وباقي أثاث البيت، لأنها ملزمة بأثاث المنزل وحاجاته بعد قبض صداقها.

стр. 7142

والمقرر لدى الشافعية: أنه يجب آلة تنظيف كمُشْط ودُهْن وما تكنس به الدار، وما تغسل به الرأس والبدن، وأجرة حمام بحسب العادة، وثمن ماء غسل جماع ونفاس، لا حيض واحتلام في الأصح، ولها آلات الأكل والشرب والطبخ، وعلى الزوج الطحن والعجن والخبز في الأصح، ولها مفروشات النوم من فراش ومخدة ولحاف، وما تقعد عليه من لبْد وحصير ونحوهما. ولا يجب لها الكحل والخضاب وما تزين به إلا إذا طلبه الزوج. وأما الطيب فيلزمه إن كان لقطع السهوكة (الرائحة الكريهة). وقرر الحنابلة: أنه يجب للمرأة ما تحتاج إليه من المشط ودهن الرأس والسدر وصابون ونحوهما مما تغسل به رأسها وتنظف بدنها وبيتها، وثمن ماء شرب ووضوء وغسل من حيض أو نفاس وجنابة ونجاسة وغسل ثياب. ويجب عليه الخضاب والحناء إن طلبه منها للزينة، ولا يجب عليه إن لم يطلبه؛ لأنه يراد للزينة، وعليه الطيب لقطع أثر الحيض والعرق والرائحة الكريهة، ولا يلزمه ما يراد للتلذذ والاستمتاع أو التجمل والزينة. ويجب كل ما تحتاجه للنوم من فراش ولحاف ومِخدَّة مع حشوها بالقطن بحسب عرف البلد، وما تحتاجه للجلوس من بساط صوف وهو الطنفسه، وما لا بد منه للطبخ كماعون الدار ونحوه، الموسر على حسب إيساره والمعسر على قدر إعساره على حسب العوائد. الحكم القضائي بالنفقة وتعديلها: تجب نفقة الزوجة ديانة مهما امتد الزمن، لكن منع القانون السوري الحكم بالنفقة أكثر من أربعة أشهر سابقة للادعاء تيسيراً على الزوج ومنع إرهاقه، وقد نص هذا القانون على ذلك في المادة (٧٨):

стр. 7143

١ - يحكم للزوجة بالنفقة من تاريخ امتناع الزوج عن الإنفاق الواجب عليه. ٢ - لا يحكم بأكثر من نفقة أربعة أشهر سابقة للادعاء. والمقرر لدى الحنفية (١) أنه لا تستحق الزوجة النفقة عن مدة ماضية إلا بفرض القاضي أو بالتراضي؛ لأن النفقة عندهم صلة وليست بعوض، فلا يتأكد وجوبها إلا بالقضاء، كالهبة لا توجب الملك إلا بمؤكد وهو القبض، والصلح بمنزلة القضاء. ويجوز تعديل النفقة المقدرة قضاء في حالتين (٢): الأولى - تبدل حال الزوج من عسر إلى يسر؛ لأن النفقة تختلف بحسب اليسار والإعسار. والثانية - تبدل أسعار الحاجيات تبدلاً ملحوظاً، من رخص إلى غلاء وبالعكس، في أحوال الظروف الطارئة كالحرب والقحط والكوارث العامة. فإذا لم تحدث طوارئ عامة لا تقبل دعوى التعديل زيادة أو نقصاً قبل مضي ستة أشهر على فرض النفقة، اعتماداً على الغالب في أن الأسعار لا يظهر أثر تبدلها في أقل من تلك المدة. وهذا ما نصت عليه المادة (٧٧) من القانون السوري: ١ - تجوز زيادة النفقة ونقصها بتبدل حال الزوج وأسعار البلد. لا تقبل دعوى الزيادة أو النقص في النفقة المفروضة قبل مضي ستة أشهر على فرضها إلا في الطوارئ الاستثنائية.

стр. 7144

كيف يقدر القاضي النفقة؟ يقدر القاضي النفقة بالاستناد لمعرفة حاجات الزوجة وتكاليف المعيشة وأسعار السلع، مستعيناً بآراء أهل الخبرة فيها. وهذا ما نصت عليه المادة (٨١) من القانون السوري. يقدر القاضي النفقة، ويجب أن يكون تقديره مستنداً إلى أسباب ثابتة، وله الاستئناس برأي الخبراء. الاستدانة أثناء الدعوى: للقاضي أثناء النظر في دعوى النفقة أن يأمر الزوج بإسلاف زوجته مبلغاً من المال، لا يزيد عن نفقة شهر واحد، ويمكن تجديد الأمر، وقد نصت على هذا الأمر المادة (٨٢) من القانون السوري: ١ - للقاضي أثناء النظر بدعوى النفقة، وبعد تقديرها: أن يأمر الزوج عند اللزوم بإسلاف زوجته مبلغاً على حساب النفقة لا يزيد عن نفقة شهر واحد، ويمكن تجديد الإسلاف بعده. ٢ - ينفذ هذا الأمر فوراً كالأحكام القطعية. المطلب الرابع - أحكام النفقة الزوجية: هناك أحكام متنوعة لنفقة الزوجة أهمها ما يأتي: أولاً - حكم الامتناع عن الإنفاق: إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته بعدما فرضه على نفسه أو بعد فرض القاضي، ففيه تفصيل عند الحنفية: أـ إن كان الزوج موسراً وله مال ظاهر، باع القاضي من ماله جبراً عليه، وأعطى الثمن لزوجته للنفقة. وإن لم يكن له مال ظاهر وكان موسراً، حبسه

стр. 7145

القاضي إذا طلبت الزوجة (١)، لقول النبي ﷺ : «مَطْل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته» ويظل محبوساً حتى يدفع النفقة، فإن لم يدفع وثبت للقاضي عجزه عن الإنفاق، ترك إلى الميسرة، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة، فنظِرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢]. ب - وأما إن كان الزوج معسراً: فلا يحبس؛ إذ أنه ليس ظالماً بامتناعه عن الإنفاق، ولأنه لا فائدة من حبسه. ثانياً - إعسار الزوج بالنفقة: للفقهاء آراء في إعسار الزوج، وهي ما يأتي (٢): قال الجمهور غير المالكية: لا تسقط النفقة المفروضة على الزوج بإعساره، بل تصبح ديناً عليه إلى وقت اليسار، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢]. وحينئذ يأذن القاضي في رأي الحنفية للزوجة بالاستدانة، وإن أبى الزوج، وفائدة الإذن بالاستدانة: أن يتمكن الدائن من أخذ دينه من الزوج أو الزوجة، وأن النفقة المستدانة لا تسقط بموت أحد الزوجين. ويجب إقراض الزوجة على من تجب عليه نفقتها، فإن امتنع فللقاضي أن يحكم بحبسه بعد إنذاره. ولا يفرق عند الحنفية بين الزوجين بسبب الإعسار؛ لأن النفقة تصير ديناً بفرض القاضي، فيستوفى في المستقبل، ويتحمل أدنى الضررين لدفع الأعلى.
следующие страницы →