← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقال المالكية: يجوز النظر إلى العورة المنفصلة حال الحياة، ويحرم النظر إلى العورة المنفصلة بعد الموت كالمتصلة. صوت المرأة: صوت المرأة عند الجمهور ليس بعورة؛ لأن الصحابة كانوا يستمعون إلى نساء النبي ﷺ لمعرفة أحكام الدين، لكن يحرم سماع صوتها بالتطريب والتنغيم ولو بتلاوة القرآن، بسبب خوف الفتنة. وعبارة الحنفية: الراجح أن صوت المرأة ليس بعورة. والخلاصة: أن العلماء اتفقوا على أن الفرجين عورة، وأن السرة ليست بعورة وأن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وأن عورة المرأة في الصلاة ما عدا الوجه والكفين، وما عدا القدمين عند الحنفية، وأن عورتها خارج الصلاة جميع بدنها. واختلفوا في الركبة، فقال الحنفية: إنها عورة، وقال الجمهور: إنها ليست بعورة، ولكن يجب ستر شيء منها ومن السرة، لأنها مقدمة الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأما عورة المرأة أمام أقاربها المحارم أو النساء المسلمات، فهي ما بين السرة والركبة عند الحنفية والشافعية، وقال المالكية: جميع بدنها ما عدا الوجه والأطراف: وهي الرأس والعنق واليدان والرجلان. وقال الحنابلة: جميع بدنها ما عدا الوجه والرقبة والرأس واليدين والقدم والساق فالقدم ليس بعورة عند الحنابلة والحنفية. حد عورة الصغير: اختلف الفقهاء في بيان حد عُمره الصغير والصغيرة، بين متشدد كالشافعية، ومخفف كالمالكية، ومتوسط كالحنابلة والحنفية. قال الحنفية (١): لا عورة للصغير جداً وهو من عُمره أربع سنين فأقل، فيباح

стр. 737

النظر إلى بدنه ومسه. ثم ما دام لم يشته فعورته القُبُل والدبر، ثم تغلظ عورته إلى عشر سنين، أي تعتبر عورته: الدبر وما حوله من الأليتين والقبل وما حوله. وبعد العاشرة تعتبر عورته كعورة البالغ في الصلاة وخارجها، سواء أكان ذكراً أم أنثى. وقال المالكية (١): يفرق بين الذكر والأنثى: أـ في الصلاة: عورة الصغير الذكر المأمور بالصلاة وهو بعد تمام السبع: هي السوأتان والأليتان والعانة والفخذ، فيندب له سترها كحالة الستر المطلوب من البالغ. وعورة الصغيرة المأمورة بالصلاة: ما بين السرة والركبة، ويندب لها سترها كالستر المطلوب من البالغة. ب - خارج الصلاة: ابن ثمان سنين فأقل لا عورة له، فيجوز للمرأة النظر إلى جميع بدنه وتغسيله ميتاً. وابن تسع إلى اثنتي عشرة سنة يجوز لها النظر إلى جميع بدنه، ولكن لا يجوز لها تغسيله. وابن ثلاث عشرة سنة فأكثر عورته كعورة الرجل. وبنت سنتين وثمانية أشهر لا عورة لها. وبنت ثلاث سنين إلى أربع لا عورة لها في النظر، فينظر إلى بدنها، ولها عورة في المس فليس للرجل أن يغسلها، والمشتهاة كبنت ست كالمرأة، لا يجوز للرجل النظر إلى عورتها ولا تغسيلها. وقال الشافعية (٢): عورة الصغير ولو غير مميز كالرجل: ما بين السرة والركبة. وعورة الصغيرة كالكبيرة أيضاً في الصلاة وخارجها.

стр. 738

وقال الحنابلة (١): الصغير الذي لم يبلغ سبع سنين: لا عورة له، فيباح النظر إليه ومس جميع بدنه. وابن سبع إلى عشر عورته الفرجان فقط في الصلاة وخارجها، وبنت سبع إلى عشر عورتها في الصلاة: ما بين السرة والركبة، وأما خارج الصلاة فمثل الكبيرة: أمام المحارم عورتها ما بين السرة والركبة ويستحب لها الاستتار وستر الرأس كالبالغة احتياطاً، وأمام الأجانب: عورتها جميع بدنها إلا الوجه والرقبة والرأس، واليدين إلى المرفقين، والساق والقدم. وابن عشر كالكبير تماماً. ويظهر لي أن هذا الرأي ورأي الحنفية أولى لاتفاقه مع حديث الأمر بالصلاة لسبع، والضرب عليها لعشر. الشرط الخامس - استقبال القبلة: اتفق الفقهاء على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة:١٥٠/ ٢] إلا في حالتين: في شدة الخوف، وصلاة النافلة للمسافر على الراحلة. وقيد المالكية والحنفية شرط الاستقبال بحالة الأمن من عدو وسبع وبحالة القدرة، فلا يجب الاستقبال مع الخوف، ولا مع العجز كالمربوط والمريض الذي لا قدرة له على التحول ولا يجد من يحوله، فيصلي لغيرها إلى أي جهة قدر، لتحقق العذر. واتفق العلماء على أن من كان مشاهداً معايناً الكعبة: ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقيناً. ومثله عند الحنابلة: أهل مكة أوالناشئ بها وإن كان هناك حائل محدث كالحيطان بينه وبين الكعبة.

стр. 739

وأما غير المعاين للكعبة ففرضه عند الجمهور (غير الشافعية) إصابة جهة الكعبة (١)، لقوله ﷺ : «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (٢) وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض إصابة عين الكعبة، لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها. وهذا هو الأرجح لدي. وقال الشافعي في الأم: فرضه - أي الغائب عن مكة - إصابة العين أي عين الكعبة؛ لأن من لزمه فرض القبلة، لزمه إصابة العين، كالمكي، ولقوله تعالى: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة:١٥٠/ ٢]، أي أنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة، فلزمه التوجه إلى عينها كالمعاين (٣). والمطلوب عند أئمة المذاهب في إصابة جهة الكعبة محاذاتها ببدنه وبنظره إليها (٤)، بأن يبقى شيء من الوجه مسامتاً (محاذياً) للكعبة، أو لهوائها عند الجمهور غير المالكية، بحيث لو امتد خط من وجهه في منتصف زاوية قائمة، لكان ماراً على الكعبة أو هوائها، والكعبة: من الأرض السابعة إلى العرش، فمن صلى في الجبال العالية والآبار العميقة السافلة، جاز، كما يجوز على سطحها وفي جوفها، ولو افترض زوالها، صحت الصلاة إلى موضع جدارها.

стр. 740

وقال المالكية: الواجب استقبال بناء الكعبة، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء. الاجتهاد في القبلة: يجب التحري والاجتهاد في القبلة أي بذل المجهود لنيل المقصود بالدلائل على من كان عاجزاً عن معرفة القبلة، واشتبهت عليه جهتها، ولم يجد أحداً ثقة يخبره بها عن علم أي يقين ومشاهدة لعينها، فمن وجده اتبعه؛ لأن خبره أقوى من الاجتهاد. والدليل على وجوب التحري: ما روى عامر بن ربيعة أنه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت ﴿فأينما تولوا فثَمَّ وجه الله﴾ [البقرة:١١٥/ ٢]» (١). ومن لم يجد ثقة يقلده اعتمد على الدلائل كالفجر والشفق والشمس والقطب وغيره من الكواكب، والريح الشرقي أو الغربي أو الجنوبي، وغيرها كثير، وأضعفها الرياح وأقواها نجم القطب في الليل. والقطب: نجم صغير من بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي، ويختلف باختلاف الأقاليم، ففي مصر يكون خلف أذن المصلي اليسرى، وفي العراق يكون خلف اليمنى، وفي أكثر اليمن يكون قبالته مما يلي جانبه الأيسر، وفي الشام وراءه.

стр. 741

الخطأ في الاجتهاد: إن تيقن الخطأ في اجتهاده، فقال الحنفية: إن كان في الصلاة استدار وبنى عليها أي أكمل صلاته، فلو صلى كل ركعة لجهة، جاز. وإن كان بعد الصلاة صلى الصلاة القادمة، ولا إعادة عليه لما مضى، لإتيانه بما في وسعه، قال علي: «قبلة المتحري جهة قصده» ومن صلى بلا تحرٍ وأصاب، لم تصح صلاته، لتركه فرض التحري، إلا إذا علم إصابته بعد فراغه، فلا يعيد بالاتفاق عندهم. ومن أمَّ قوماً في ليلة مظلمة، فتحرى القبلة وصلى إلى جهة أخرى، وتحرى من خلفه، وصلى كل واحد منهم إلى جهة، وكلهم خلف الإمام، فمن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته، ومن لم يعلم ما صنع الإمام، صحت صلاته وأجزأه، لوجود التوجه إلى جهة التحري، ومخالفة المأمومين لإمامهم لا تمنع صحة الصلاة، كالصلاة في جوف الكعبة. وقال المالكية: إن تبين المجتهد في القبلة خطأ: يقيناً أو ظناً، في أثناء الصلاة، قطعها إن كان بصيراً منحرفاً كثيراً، بأن استدبر أو شرّق أو غرب، وابتدأها بإقامة، ولا يكفي تحوله لجهة القبلة. وإن كان أعمى، أو كان منحرفاً انحرافاً يسيراً، فلا إعادة عليه. وإن كان بصيراً منحرفاً كثيراً أو ناسياً للجهة التي أداه اجتهاده إليها، أو التي دله عليها العارف، أعاد في الوقت على المشهور. وقال الشافعية: إن تيقن الخطأ في الصلاة أوبعدها، استأنفها أي أعادها من جديد؛ لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلم يعتد بما مضى، كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه.

стр. 742

وإن تغير اجتهاده للصلاة الثانية، فأداه اجتهاده إلى جهة أخرى، صلى الصلاة الثانية إلى الجهة الثانية، ولا يلزمه إعادة ما صلاه إلى الجهة الأولى، كالحاكم إذا حكم باجتهاده، ثم تغير اجتهاده، لم ينقض ما حكم فيه بالاجتهاد الأول. ويجتهد لكل فرض، فإن تحير، صلى كيف شاء، ويقضي وجوباً لأن ذلك أمر نادر. وقال الحنابلة: إن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة، استدار إلى جهة الكعبة، وبنى على ما مضى من الصلاة، كما قرر الحنفية؛ لأن ما مضى منها كان صحيحاً، فجاز البناء عليه، كما لو لم يبن له الخطأ. وكذلك تستدير الجماعة مع الإمام إن بان لهم الخطأ في حال واحدة. وإن تبين خطأ اجتهاده بعد الصلاة، بأن صلى إلى غير جهة الكعبة يقيناً لم يلزمه الإعادة، ومثل المجتهد في هذا: المقلد الذي صلى بتقليده، وهذا موافق لمذهب الحنفية. أما من صلى في الحضر إلى غير الكعبة سواء أكان بصيراً أم أعمى، ثم بان له الخطأ، فعليه الإعادة؛ لأن الحضر ليس بمحل الاجتهاد؛ لأن من فيه يقدر على معرفة القبلة بالمحاريب، ويجد من يخبره عن يقين غالباً، فلا يكون له الاجتهاد، كالقادر على النص في سائر الأحكام. والخلاصة: أن الحنفية والحنابلة يقررون البناء على الصلاة في أثنائها، ولا يوجبون الإعادة في حال الاجتهاد. وتبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة إلا المقيم في الحضر عند الحنابلة. والمالكية والشافعية يقررون قطع الصلاة إذا عرف الخطأ فيها، وإعادة الصلاة إذا عرف الخطأ بعدها، لكن المالكية يوجبون الإعادة في الوقت

стр. 743

الضروري فقط. والشافعية يوجبون الإعادة مطلقاً في الوقت وبعده، لتبين فساد الأولى. هذا ويتعلق بشرط الاستقبال بحث أمرين: الصلاة في الكعبة، وصلاة المسافر على الراحلة. الصلاة في الكعبة: عرفنا أنه لا بد شرعاً من استقبال جزء من الكعبة، وعند غير المالكية: أو استقبال هوائها إلى السماء، والثابت عنه ﷺ أنه دخل الكعبة المشرفة يوم فتح مكة مرة واحدة وصلى فيها، روى ابن عمر أنه قال لبلال: هل صلى النبي ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين السَّاريتين عن يسارك إذا دخلتَ، ثم خرج، فصلى في وجهة الكعبة ركعتين» (١). وإذا كان ابن عباس عند البخاري وغيره روى «أنه ﷺ كبَّر في البيت ولم يصل فيه» فإنه يقدم حديث ابن عمر، لأنه مثبت، وحديث ابن عباس لأنه نافي، والمقرر عند جمهور الفقهاء غير الشافعية: أنه إذا تعارض المثبت والنافي قدم المثبت، لأنه يشتمل على زيادة علم (٢) ولأن ابن عمر كان مع النبي ﷺ ولم يكن ابن عباس معه، وأما نفي أسامة الصلاة فلأنه نقل ما لاحظه من اشتغال النبي ﷺ بالدعاء في ناحية وأسامة في ناحية، وذلك في حال الظلمة بسبب إغلاق باب الكعبة (٣).

стр. 744

وقد أقر الفقهاء مشروعية الصلاة في جوف الكعبة، فقال الحنفية (١): يصح أداء الصلاة فرضاً أو نفلاً ولوجماعة في الكعبة أو على سطحها وإن لم يتخذ سترة، لكنه يكره الصلاة فوقها، لإساءة الأدب، باستعلائه عليها، وترك التعظيم المطلوب لها، ونهي النبي عنه. وإن صلى الإمام بجماعة، فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام جاز، ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لم تجز صلاته، لتقدمه على الإمام. وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام، تحلَّق الناس حول الكعبة، وصلوا بصلاة الإمام، فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام، جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام؛ لأن التقدم والتأخر إنما يظهر عند اتحاد الجانب. وقال الشيخ خليل من المالكية (٢): يجوز لأي جهة الصلاة في الكعبة وعلى سطحها نفلاً غير مؤكد، ومنه سنن الرواتب كأربع ركعات قبل الظهر والضحى والشفْع (سنة العشاء)، كما يجوز النفل مستقبل القبلة في الحِجْر أي حجر إسماعيل. ولا تصح عندهم الفرائض في داخل الكعبة. وتكره السنن المؤكدة كالوتر والعيدين وركعتي الفجر وركعتي الطواف. ولا تجوز صلاة الفرض في الكعبة أو في الحِجْر، فإن وقع، أعاده بوقت ضروري (وهو في الظهرين للاصفرار وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح حتى طلوع الشمس). وتبطل صلاة الفرض على ظهر الكعبة، ويعاد أبداً؛ لأن الواجب استقبال البناء، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء.

стр. 745

والخلاصة: إن هذا التفصيل الذي قرره العلامة خليل والقول بجواز هذه الصلاة هو حكم ضعيف عند المالكية، كما صرح شارح خليل. وقال ابن جزي المالكي: تكره الصلاة على ظهر الكعبة، وتمنع في المذهب الفرائض داخل الكعبة. وقال الشافعية (١): تجوز الصلاة فرضاً أو نفلاً في الكعبة أو على سطحها إن استقبل من بنائها أوترابها شاخصاً (سترة) ثابتاً كعتبة وباب مردود أو عصا مسمَّرة أو مثبتة فيه، قدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر بذراع الآدمي، وإن بعد عنه ثلاثة أذرع فأكثر. وإنما صح استقبال هوائها لمن هو خارج عنها، فلأنه يعد حينئذ متوجهاً إليها كالمصلي على أعلى منها كأبي قبيس، بخلاف القريب منها المصلي فيها أو عليها. وأجاز الحنابلة (٢) أيضاً صلاة النافلة في الكعبة أو على سطحها، ولا تصح صلاة الفريضة لقوله تعالى: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة:١٥٠/ ٢]، والمصلي فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها، والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صلاتها قاعداً، أو إلى غير القبلة في السفر على الراحلة. صلاة النافلة على الراحلة للمسافر: يجوز التطوع على الراحلة للمسافر باتجاه مقصده بإجماع العلماء، ولما ثبت في السنة، عن عامر بن ربيعة قال: «رأيت رسول الله ﷺ ، وهو على راحلته يسبِّح، يومئ برأسه، قِبَل أي وِجْهة توجَّه، ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة (٣).

стр. 746

وللفقهاء آراء وشروط في صلاة النافلة على الراحلة: قال الحنفية (١): إن قبلة العاجز لمرض أو ركوب على دابة جهة قدرته، ولو مضطجعاً، ويصلي بإيماء أي يتوجه العاجز إلى أي جهة قدر، سواء أكان مسافراً أم خائفاً من عدو أو سبع أو لص، أم هارباً من العدو. لكن يشترط في الصلاة على الدابة إيقافها إن قدر، وإلا بأن خاف الضرر، كأن تذهب القافلة وينقطع، فلا يلزمه إيقافها ولا استقبال القبلة، حتى في ابتداء الصلاة بتكبيرة الإحرام. والجائز هو صلاة النفل والسنن المؤكدة إلا سنة الفجر، فلا تجوز صلاة الفرض، والواجب بأنواعه كالوتر، والمنذور، وصلاة الجنازة، أي لا يجوز ذلك على الدابة بلا عذر لعدم الحرج. والنافلة تجوز للمقيم الراكب خارج المصر لمسافة يجوز القصر فيها (وهي ٩٨ كم) كما تجوز للمسافر بالأولى، فالأول في حكم الثاني. وتتم الصلاة بالإيماء بالركوع والسجود، إلى أي جهة توجهت دابته للضرورة، ولا يشترط استقبال القبلة في الابتداء كما ذكرت، لأنه لما جازت الصلاة إلى غير جهة الكعبة، جاز الافتتاح إلى غير جهتها. وظاهر المذهب والأصح: أنه تصح الصلاة ولو كان على سرج الدابة أو ركابها نجس كثير. وقال المالكية (٢): يجوز للمسافر الراكب في السفر الذي يخاف إن نزل لصاً أو سبعاً أن يتنفل بالصلاة ولو بوتر، على الدابة إلى القبلة وغيرها بحسب اتجاه

стр. 747

الدابة، ولو كان بمَحْمِل (وهو ما يركب فيه من مِحَفَّة (١) أو هَوْدَج ونحوهما مما يجلس فيه) ويصلي فيه متربعاً. والراكب يصلي بالإيماء، فيومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يتكلم ولا يلتفت، ولا يشترط طهارة الأرض. واشترطوا لجواز التنفل صوب السفر شروطاً: ١ - أن يكون السفر طويلاً سفر قصر (٩٨ كم) ومشروعاً، فلا يتنفل العاصي بسفره. ٢ - وأن يكون راكباً لا ماشياً ولا جالساً. أما الراكب في السفينة فيصلي إلى القبلة، فإن دارت السفينة استدار. ٣ - وأن يكون راكب دابة من حمار أو بغل أو فرس أوبعير، لا سفينة أو راجل. ٤ - وأن يكون ركوبه لها على الوجه المعتاد، لا مقلوباً، أو جاعلاً رجليه معاً لجنب واحد. ولا تصح صلاة فرض على ظهر الدابة، وإن كان المصلي مستقبلاً القبلة إلا في أحوال أربع هي: أولها - حالة التحام القتال مع العدو الكافر أو غيره، من كل قتال جائز لا يمكن النزول فيه عن الدابة، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، ولا يعيد الملتحم.

стр. 748

ثانيها - حالة الخوف من عدو كسبع أو لص إن نزل عن دابته، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، وإن لم يمكن صلى لغير القبلة. فإن أمن الخائف بعد صلاته، أعاد في الوقت. ثالثها - الراكب في خضخاض (قليل) من ماء، لا يطيق النزول فيه أو خشي تلطخ ثيابه، وخاف خروج الوقت الاختياري (المعتاد) أو الضروري (١) ويصلي الفرض على الدابة إيماء، فإن لم يخف خروج الوقت أخر الصلاة لآخر الاختياري. رابعها - حالة مرض الراكب الذي لا يطيق النزول معه، فيؤدي الفريضة إيماء على الدابة للقبلة بعد إيقافها، كما يؤديها على الأرض بالإيماء. وقال الشافعية (٢): يجوز للمسافر سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً صلاة النافلة على الراحلة، ولا يجوز ذلك للعاصي بسفره والهائم، ولا للماشي، فعليهم إتمام الشروط والأركان كلها من استقبال القبلة وإتمام الركوع والسجود، ولا يمشي الماشي إلا في قيامه وتشهده. ويومئ المتنفل بركوعه وسجوده، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ويشترط أن يبدأ الصلاة بالاتجاه إلى القبلة إن أمكنه. ولا تصح صلاة الآخذ بزمام الدابة إذا كان بها نجاسة. وإن وطئت نجاسة رطبة أو جافة لم تفارقها بطلت صلاته، وتفصيل ذلك فيما يأتي:

стр. 749

أـ إن كان الراكب في مَرْقَد أو هودج (محمل واسع)، لزمه أن يتوجه إلى القبلة في جميع صلاته وإتمام الأركان كلها أو بعضها الذي هو الركوع والسجود، لتيسره عليه، وإن لم يسهل عليه ذلك، فلا يلزمه إلا التوجه للقبلة في تكبيرة إحرامه إن سهل عليه: بأن تكون الدابة واقفة وأمكنه تحريفها، أو تكون سائرة وبيده زمامها، وهي سهلة القيادة. فإن كانت صعبة أو لم يمكن تحريفها، أو كانت مقطورة لم يلزمه التوجه للقبلة للمشقة واختلال أمر السير عليه. ويحرم انحراف المصلي عن طريقه إلا إلى القبلة. ودليل اشتراط استقبال القبلة في ابتداء الصلاة: حديث أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كان في السفر، وأراد أن يصلي على راحلته تطوعاً، استقبل القبلة، وكبر، ثم صلى، حيث توجهت به» (١). ب - وأما الملاح في سفينة (أي قائدها) فلا يلزمه التوجه للقبلة لمشقة ذلك عليه. وقال الحنابلة (٢): يجوز للمسافر الراكب لا الماشي، سفراً طويلاً أو قصيراً أن يتطوع في السفر على الراحلة إذا قصد جهة معينة، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، قال جابر: «بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، والسجود أخفض من الركوع» (٣) ولا يسقط الاستقبال إذا تنفل في الحضر كالراكب السائر في مصره أو قريته؛ لأنه ليس مسافراً، وليس للهائم والتائه والسائح التنفل؛ إذ ليس له جهة معينة.

стр. 750

ويجوز أن يصلي على البعير والحمار وغيرهما، قال ابن عمر: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر» (١) لكن إن صلى على حيوان نجس، فلا بد أن يكون بينهما سترة طاهرة. وقبلة المصلي: حيث كانت وجهته، ولا يجوز انحرافه عن جهة سيره عند الإمكان إلا إلى القبلة، فإن فعل ذلك مغلوباً أو نائماً فهو على صلاته. وإن كان في مركب أو سفينة كبيرة يدور فيه كيفما شاء، ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود، فعليه استقبال القبلة في صلاته، ويسجد على ماهو عليه إن أمكن ذلك. وإن قدر على الاستقبال دون الركوع والسجود، استقبل القبلة وأومأ بهما. وإن عجز عن الاستقبال سقط بغير خلاف، كما يسقط الاستقبال لأعذار أخرى كالتحام حرب وهرب من سيل أو نار أو سبع ونحوه، ولو كان العذر نادراً كمريض عجز عن الاستقبال، وكمقعد عجز عمن يديره إلى القبلة وكمربوط ونحوه. وإن عجز عن الاستقبال في ابتداء صلاته، كراكب راحلة لا تطيعه، أو كان في قافلة (قطار) فليس عليه استقبال القبلة في شيء من الصلاة. ولا يلزم الملاح في سفينة الاتجاه إلى القبلة ولو في الفرض، لحاجته إلى تسيير السفينة وإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة، كراكب راحلة منفردة تطيعه، ففي إلزامه التوجه إلى القبلة روايتان عن أحمد: إحداهما وهي الراجحة: يلزمه، لحديث أنس السابق في مذهب الشافعية، وعلى هذا يلزم الراكب إذا تنفل على راحلته افتتاح النافلة إلى القبلة بالدابة، بأن يديرها إلى القبلة إن أمكنه بلا مشقة، أو يدور بنفسه إلى القبلة إن أمكنه ذلك بلا مشقة.

стр. 751

والثانية: لا يلزمه، لأنه جزء من أجزاء الصلاة، فأشبه سائر أجزائها، ولأن ذلك لا يخلو من مشقة، فسقط، وخبر أنس السابق يحمل على الفضيلة والندب. ويجوز للمسافرالتنفل على الراحلة ولو كانت النافلة وتراً أو غيره من سنن الرواتب وسجود التلاوة. والماشي في السفر لا تباح له الصلاة في حال مشيه، بل يلزمه افتتاح النافلة إلى القبلة، كما يلزمه الركوع والسجود إلى القبلة على الأرض لتيسر ذلك عليه مع متابعة سيره، ويفعل باقي الصلاة إلى جهة سيره. وأما الصلاة على الراحلة لأجل المرض، ففيه روايتان: إحداهما: ىجوز؛ لأن المشقة بالنزول في المرض أشد منها بالنزول في المطر. ومن صلى على الراحلة لمرض أو مطر، فليس له ترك الاستقبال. والثانية: لا يجوز ذلك؛ لأن ابن عمر (كان يُنزل مرضاه) ولأنه قادر على الصلاة أو على السجود، فلم يجز تركه كغير المريض. والخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على جواز الصلاة على الراحلة في السفر الطويل، وعلى كون الصلاة بالإيماء، واختلفوا في السفر القصير، فأجازها الشافعية والحنابلة، ومنعها المالكية والحنفية. وليس استقبال القبلة شرطاً عند الحنفية والمالكية، وهو شرط عند الشافعية والحنابلة في بداية الإحرام بالصلاة عند الإمكان، ويسقط بالعجز، بأن لم يمكنه افتتاح النافلة إلى القبلة، بلا مشقة، كأن يكون مركوبه حَرُوناً تصعب عليه إدارته. ولا يضر اشتمال الدابة على نجاسة عند الحنفية والمالكية، ويضر ذلك عند الشافعية، وتصح الصلاة عند الحنابلة بشرط وجود ساتر، إذ إنه يشترط لصحة التنفل طهارة محل المصلي نحو سرج وإكاف كغيره، لعدم المشقة فيه، فإن كان

стр. 752

المركوب نجس العين، أو أصاب موضع الركوب منه نجاسة، وفوقه حائل طاهر، من برذعة ونحوها، صحت الصلاة، وإن وطئت دابته نجاسة، لم تبطل صلاته عند الحنابلة. ولا تصح صلاة الفرض على الدابة إلا إذا أتى بها كاملة الأركان مستوفية الشروط. ومن صلى في سفينة عليه أن يستقبل القبلة متى قدر على ذلك، وعليه إذا غيرت جهتها أن يدور لو دارت السفينة وهو يصلي. الشرط السادس - النية: النية من شروط الصلاة عند الحنفية والحنابلة، وكذا عند المالكية على الراجح، وهي من فروض الصلاة أو أركانها عند الشافعية ولدى بعض المالكية؛ لأنها واجبه في بعض الصلاة، وهو أولها، لا في جميعها، فكانت ركناً كالتكبير والركوع. وهي لغة: القصد، وشرعاً: عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى. بأن يقصد بعمله الله تعالى، دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح أو نحوه. وهذا هو الإخلاص. والنية واجبة في الصلاة باتفاق العلماء لتمييز العبادة عن العادة، وليتحقق في الصلاة الإخلاص لله تعالى؛ لأن الصلاة عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة:٨٩/ ٥]، قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم النية. ودل الحديث المعروف على إيجابها أيضاً، وهوقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١) فلا تصح الصلاة بدون النية بحال.

стр. 753

وكمال النية: أن يستشعر المصلي الإيمان، وينوي التقرب إلى الله بالصلاة، ويعتقد وجوبها وأداءها في ذلك اليوم، ويعينها، وينوي عدد ركعاتها، وينوي الإمامة أو المأمومية (الاقتداء) أو الانفراد، ثم ينوي تكبيرة الإحرام. والواجب باتفاق الفقهاء استصحاب حكم النية دون حقيقتها، بمعنى أنه لا ينوي قطعها، فلو ذهل عنها وعزبت (غابت عنه) في أثناء الصلاة، لم يضر. شروط النية: إن شروط النية: الإسلام، والتمييز، والعلم بالمنوي. مقارنة النية للتكبير: يشترط اتصال النية بالصلاة بلا فاصل أجنبي عند الحنفية (١) بين النية والتكبيرة، والفاصل عمل لا يليق بالصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك، أما إذا فصل بينهما بعمل يليق بالصلاة كالوضوء والمشي إلى المسجد، فلا يضر، فلونوى، ثم توضأ أو مشى إلى المسجد، فكبر، ولم تحضره النية، جاز، لعدم الفاصل الأجنبي، بدليل أن من أحدث في الصلاة، له البناء عليها بعد تجديد الوضوء. ويندب اقتران النية بتكبيرة الإحرام، خروجاً من الخلاف، ولا يصح أن تتأخر النية عن التحريمة في الصحيح. وكذلك يجوز تقديم النية في الحج، فلو خرج من بيته يريد الحج، فأحرم ولم تحضره النية، وكذلك الزكاة تجوز بنية وجدت عند الإفراز. ولا تجزئ النية المتأخرة عن التكبير في الصلاة، أما الصوم فيجوز تأخيرها عن البدء به للضرورة، ولا ضرورة في الصلاة. وقال الحنابلة (٢): الأفضل مقارنة النية للتكبير، خروجاً من خلاف من

стр. 754

أوجبه، فإن تقدمت النية على التكبير بزمن يسير بعد دخول الوقت في أداء وراتبة، ولم يفسحها، وكان ذلك مع بقاء إسلامه، بأن لم يرتدّ، صحت صلاته؛ لأن تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناوياً مخلصاً، ولأن النية من شروط الصلاة، فجاز تقدمها كبقية الشروط، وفي طلب المقارنة حرج ومشقة، فيسقط لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج:٢٢/ ٨٧]، ولأن أول الصلاة من أجزأئها، فكفى استصحاب النية فيه كسائرها. وقال المالكية (١): يجب استحضار النية عند تكبيرة الإحرام، أو قبلها بزمن يسير. وقال الشافعية (٢): يشترط اقتران النية بفعل الصلاة، فإن تراخى عنه سمي عزماً، ولو قال: «نويت أن أصلي الظهر، الله أكبر، نويت» بطلت صلاته؛ لأن قوله «نويت» بعد التكبيرة كلام أجنبي عن الصلاة، وقد طرأ بعد انعقاد الصلاة، فأبطلها. تعيين المنوي: يشترط تعيين نوع الفرض الذي يصليه باتفاق الفقهاء، كالظهر أو العصر، لأن الفروض كثيرة، ولا يتأدى واحد منها بنية فرض آخر. محل النية: محل التعيين هو القلب بالاتفاق، ويندب عند الجمهور غير المالكية التلفظ بالنية، وقال المالكية: يجوز التلفظ بالنية، والأولى تركه في صلاة أو غيرها. والأصح عند الشافعية (٣) أيضاً وجوب نية الفرضية، دون الإضافة إلى الله تعالى، فتكون شروط النية عندهم ثلاثة، القصد، والتعيين،

стр. 755

والفرضية. آراء الفقهاء في النية: تفصيل آراء المذاهب في النية فيما يأتي: قال الحنفية (١): الكلام في النية يتناول مواضع ثلاثة: تفسير النية، وكيفية النية، ووقت النية. آـ تفسير النية: النية: هي الإرادة، فنية الصلاة: هي إرادة الصلاة لله تعالى، والإرادة عمل القلب، فمحل النية: هو القلب: بأن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي، ولا يشترط الذكر باللسان، وإنما يستحب إعانة للقلب الجمع بين نية القلب وتلفظ اللسان. أما التعيين فهو أفضل وأحوط عموماً، ثم إن كانت الصلاة فرضاً كظهر وعصر مثلاً أو واجباً كالوتر وسجود التلاوة والنذر وصلاة العيدين، فلابد من التعيين، كما لابد من تعيين اليوم أو الوقت في حالة القضاء، ولا يلزم نية القضاء. أما الأداء فلا يلزم قرن النية باليوم أو الوقت، كما لا يلزم تعيين عدد الركعات. وأما صلاة النفل ولو سنة الفجر والتراويح وغيرها في الصحيح، فيكفيها مطلق النية، والاحتياط: التعيين، فينوي مراعياً صفة النافلة بالتراويح أو سنة الوقت. ولا تبطل نية الصلاة أو الصوم بتعليقها بمشيئة الله، لأن محل النية: القلب. والمعتمد أن العبادات ذات الأفعال تنسحب نيتها على كلها.

стр. 756

ولو أدرك شخص القوم في الصلاة، ولم يدر أفرض أم تراويح، ينوي الفرض، فإن كانوا هم فيه صح، وإن لم يكن فيه تقع نفلاً. ب - كيفية النية: إن كان المصلي منفرداً: عين نوع الفرض أو الواجب، وإن كان تطوعاً تكفيه نية الصلاة، كما ذكرت. وإن كان المصلي إماماً: عين كما سبق، ولا يشترط للرجل نية إمامة الرجال، ويصح اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم. ويشترط له نية إمامة النساء لصحة اقتدائهن به، والفرق أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل، فربما تحاذيه، فتفسد صلاته، فيلحقه الضرر من غير اختياره، فشرط نية اقتدائها به، حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه، وهذا المعنى منعدم في جانب الرجال. والخلاصة: تلزم نية الإمام في صورة واحدة: وهي حالة صلاة الرجل إماماً بالنساء. وإن كان مقتدياً: عين أيضاً كما سبق، ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالإمام، كأن ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام، أو ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته. جـ - وقت النية: يندب أن تكون النية وقت التكبير، أي مقارناً له، ويصح عندهم تقديم النية على التحريمة، إذا لم يوجد بينهما عمل يقطع أحدهما عن الآخر، والقران ليس بشرط. وقال المالكية (١): النية: قصد الشيء، ومحلها القلب، ونية الصلاة فرض والراجح أنها شرط

стр. 757

بأن يقصد بقلبه أداء فرض الظهر مثلاً، والقصد للشيء خارج عن ماهية الشيء، والأولى ترك التلفظ بها، إلا الموسوس فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس، ويجب أن تكون النية مقارنة لتكبيرة الإحرام، فإن تأخرت النية أو تقدمت بوقت كثير، بطلت اتفاقاً، وإن تقدمت بوقت يسير، فقيل وهو المختار: تصح كالحنفية، وقيل: تبطل كالشافعية. ويجب التعيين في الفرائض، والسنن الخمس (وهي الوتر والعيد والكسوف والخسوف (١) والاستسقاء) وسنة الفجر، دون غيرها من النوافل، كالضحى والرواتب والتهجد، فيكفي فيه نية مطلق نفل، وينصرف للضحى إن كان قبل الزوال، ولراتب الظهر إن كان قبل صلاته، أو بعده، ولتحية المسجد إن كان حين الدخول فيه، وللتهجد إن كان في الليل، وللشفع (سنة العشاء) إن كان قبل الوتر. ولا يشترط نية الأداء أو القضاء أو عدد الركعات، فيصح القضاء بنية الأداء وعكسه. ويستثنى من وجوب التعيين صورة واحدة: وهي ما إذا دخل شخص المسجد، فوجد الإمام يصلي، فظن أن صلاته هي الجمعة، فنواها، فتبين أنها الظهر، فتصح، وعكس ذلك باطل. وتجب نية الانفراد، والمأمومية، ولا تجب نية الإمامة إلا في الجمعة والجمع بين الصلاتين تقديماً للمطر، والخوف، والاستخلاف (٢)، لكون الإمام شرطاً فيها، وزاد ابن رشد: الجنائز، فلو ترك الإمام نية الإمامة في الجمعة بطلت الصلاة

стр. 758

عليه وعلى المأمومين، ولو تركها في صلاة الجمع تقديماً للمطر بطلت الثانية، وإذا تركها في صلاة الخوف تبطل الصلاة على الطائفة الأولى من المأمومين فقط، وتصح للإمام وللطائفة الثانية، ولو تركها في صلاة الاستخلاف، صحت له، وبطلت على المأمومين. وقال الشافعية (١): النية: قصد الشيء مقترناً بفعله، ومحلها القلب، ويندب النطق بها قبيل التكبير. ولو عقب النية بقوله: إن شاء الله بقلبه أو لسانه، فإن قصد التبرك ووقع الفعل بمشيئة الله تعالى، لم يضره. وإن قصد به التعليق أو الشك، لم يصح. فإن كانت الصلاة فرضاً ولو فرض كفاية كصلاة الجنازة، أو قضاء كالفائتة، أو معادة، أو نذراً، يجب ثلاثة أمور: نية الفرضية (أي يلاحظ ويقصد كون الصلاة فرضاً)، وقصد إيقاع الفعل (بأن يقصد فعل الصلاة لتتميز عن سائر الأفعال) وتعيين نوع الفرضية من صبح أو ظهر مثلاً: بأن يقصد إيقاع صلاة فرض الظهر مثلاً (٢). ويشترط أن يكون ذلك مقارناً لأي جزء من أجزاء تكبيرة الإحرام، وهذا هو المقصود عندهم بالاستحضار والمقارنة العرفيين (أي يستحضر قبل التحريمة فعل الصلاة من أقوالها وأفعالها في أولها وآخرها ولو إجمالاً على المعتمد، ويقرن ذلك الاستحضار السريع في الذهن في أثناء تكبيرة الإحرام). وإن كانت الصلاة نفلاً ذات وقت كسنن الرواتب، أو ذات سبب كالاستسقاء، وجب أمران: قصد فعله، وتعيينه كسنة الظهرأو عيد الفطر أو الأضحى، ولا يشترط نية النفلية على الصحيح.

стр. 759

ويكفي في النفل المطلق (وهو الذي لا يتقيد بوقت ولا سبب نحو تحية المسجد وسنة الوضوء): نية فعل الصلاة. ولا تجب الإضافة إلى الله تعالى؛ لأن العبادة لاتكون إلا له ، لكن تستحب ليتحقق معنى الإخلاص. ويستحب نية استقبال القبلة وعدد الركعات خروجاً من الخلاف، فلو أخطأ في العدد، كأن نوى الظهر ثلاثاً أو خمساً، لم تنعقد صلاته، كما يستحب نية الأداء والقضاء. والأصح أنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه في حالة العذر، كجهل الوقت بسبب غيم أو نحوه، فلو ظن خروج الوقت، فصلاها قضاء، فبان بقاؤه، أو ظن بقاء الوقت فصلاها أداء، فبان خروجه، صحت صلاته. كذلك تصح صلاته في حالة عدم العذر إذا قصد المعنى اللغوي، لاستعمال كل بمعنى الآخر، تقول: قضيت الدين وأديته، بمعنى واحد، وهو دفعه. أما إذا فعل ذلك بلا عذر، ولم ينو المعنى اللغوي، لم تصح صلاته لتلاعبه. ولا يشترط التعرض للوقت، فلو عين اليوم وأخطأ، لم يضر. ومن عليه فوائت لا يشترط أن ينوي ظهر يوم كذا، بل يكفيه نية الظهر مثلاً. ولا يندب ذكر اليوم أو الشهر أو السنة على المعتمد. والنية شرط في جميع الصلاة، فلو شك في النية، هل أتى بها أو لا، بطلت صلاته. ولا يشترط للإمام نية الإمامة، بل يستحب ليحوز فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. وتشترط نية الإمامة في

стр. 760

حالات أربع: في الجمعة، والصلاة المجموعة مع غيرها للمطر جمع تقديم، والصلاة المعادة في الوقت جماعة، والصلاة التي نذر أن يصليها جماعة للخروج من الإثم. ويشترط للمقتدي نية الاقتداء: بأن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الائتمام أو الجماعة بالإمام الحاضر أو بمن في المحراب ونحو ذلك؛ لأن التبعية عمل، فافتقرت إلى نية، إذ ليس للمرء إلا ما نوى. ولا يكفي إطلاق نية الاقتداء، من غير إضافة إلى الإمام. فلو تابع بلا نية، أو مع الشك فيها، بطلت صلاته إن طال انتظاره. وقال الحنابلة (١): النية: عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى، فلا تصح الصلاة بدونها بحال. ومحلها القلب وجوباً، واللسان استحباباً. فإن كانت الصلاة فرضاً: اشترط أمران: تعيين نوع الصلاة: ظهراً أو عصراً أو غيرهما، وقصد الفعل، ولا يشترط نية الفرضية (٢) بأن يقول: أصلي الظهر فرضاً. أما الفائتة: فإن عينها بقلبه أنها ظهر اليوم، لم يحتج إلى نية القضاء ولا الأداء، ويصح القضاء بنية الأداء أو عكسه إذا بان خلاف ظنه. وإن كانت الصلاة نافلة: فيجب تعيينها إن كانت معينة أو مؤقتة بوقت كصلاة الكسوف والاستسقاء، والتراويح والوتر، والسنن الرواتب.

стр. 761

ولا يجب تعيينها إن كانت مطلقة، كصلاة الليل، فيجزئه نية الصلاة لاغير، لعدم التعيين فيها، فهم كالشافعية في هذا. وقالوا: إذا دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها، لم تصح؛ لأن النية عزم جازم، ومع التردد لا يحصل الجزم، وهذا باتفاق الفقهاء. وإن دخل في الصلاة بنية صحيحة، ثم نوى قطعها والخروج منها، بطلت عند الجمهور؛ لأن النية شرط في جميع الصلاة، وقد قطعها بما حدث. وقال أبو حنيفة: لا تبطل بذلك؛ لأنها عبادة صح دخوله فيها، فلم تفسد بنية الخروج منها، كالحج. الشك في النية: إن شك في أثناء الصلاة، هل نوى أو لا؟ أو شك في تكبيرة الإحرام، استأنفها، كما قال الشافعية؛ لأن الأصل عدم ما شك فيه. فإن ذكر أنه كان قد نوى، أو كبر قبل قطعها، فله البناء أي الإكمال؛ لأنه لم يوجد مبطل لها. وإن عمل في الصلاة عملاً مع الشك، بطلت الصلاة، كما قال الشافعية. تغيير النية: إذا أحرم بفريضة، ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى، بطلت الاثنتان، لأنه قطع نية الأولى، ولم ينو الثانية عند الإحرام، وهذا متفق مع الشافعية أيضاً. فإن حول الفرض إلى نفل ففيه رأيان عند الشافعية والحنابلة، أرجحهما أنها تنقلب نفلاً؛ لأن نية الفرض تتضمن نية النفل، بدليل أنه لو أحرم بفرض، فبان أنه لم يدخل وقته، كانت صلاته نافلة، والفرض لم يصح، ولم يوجد ما يبطل النفل. ولا يشترط إضافة الفعل إلى الله تعالى في العبادات كلها، بأن يقول: أصلي لله، أو أصوم لله، ونحوه؛ لأن العبادات لا تكون إلا لله، بل يستحب ذلك خروجاً من خلاف من أوجبه. كما لا يشترط أيضاً ذكر عدد الركعات، ولا استقبال القبلة، كما قال الشافعية.

стр. 762

ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام، إما مقارنة لها أو متقدمة عليها بزمن يسير، كما قال المالكية والحنفية، لكن الأفضل المقارنة، كما تقدم. ويشترط لصحة الجماعة: أن ينوي الإمام والمأموم حالهما، فينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم في أول الصلاة إلا في صورتين: الأولى: أن يكون المأموم مسبوقاً، فله أن يقتدي بعد سلام إمامه بمسبوق مثله في غير الجمعة. والثانية: ما إذا اقتدى مقيم بمسافر يقصر الصلاة، فله أن يقتدي بمثله في بقية الصلاة. الشرط السابع والثامن: الترتيب في أداء الصلاة، وموالاة أفعالها. الحقيقة أن كلاً منهما شرط لأركان الصلاة. الشرط التاسع: ترك الكلام الأجنبي عن الصلاة: الصلاة عبادة خالصة لله تعالى، لا يجوز الكلام فيها، فتبطل صلاة من تكلم بحرفين مفهمين ولو لمصلحة الصلاة مثل: قم أو اقعد، أو بحرف مفهم نحو (ق) من الوقاية، و (ع) من الوعي، و (ف) من الوفاء، و (ش) من الوشي، وكذا مَدَّة بعد حرف في الأصح عند الشافعية، وإن لم يفهم، نحو «آ» والمدُّ: ألف، أو واو، أو ياء، فالممدود في الحقيقة حرفان. لخبر مسلم عن زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة، حتى نزلت: - وقوموا لله قانتين - فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام». وخبر معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي الذي قال لمن عطس في الصلاة: «يرحمك الله» فقال له النبي ﷺ : «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما

стр. 763

هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (١). وسيأتي في بحث مبطلات الصلاة تفصيل هذا الموضوع. الشرط العاشر - ترك الفعل الكثير من غير جنس الصلاة: وهو ما يخيل للناظر إليه أن فاعله ليس في الصلاة. وسيأتي تفصيل الكلام فيه في بحث مبطلات الصلاة. الشرط الحادي عشر - ترك الأكل والشرب: وسيأتي توضيحه في مبطلات الصلاة. هذا وقد أضاف الشافعية شروطاً خمسة أخرى: وهي العلم بفرضية الصلاة؛ وألا يعتقد فرضاً من فروضها سنة؛ وألا يمضي ركن قولي أو فعلي مع الشك في نية الصلاة: هل نوى أو أتم النية أو أتى ببعض أجزائها أو بعض شروطها؛ وألا ينو قطع الصلاة أو يتردد في قطعها، فمتى نوى قطعها، ولو بالخروج منها إلى أخرى، أو تردد فيه أو في الاستمرار فيها بطلت، لمنافاة ذلك للجزم بالنية؛ وعدم تعليق قطعها بشيء، فإن علقه بشيء ولو محالاً، بطلت، لمنافاته للجزم بالنية. انتهى الجزء الأول من كتاب الفقه الإسلامي وأدلته

стр. 764

الفَصْلُ الخامِس: أركانُ الصَّلاةِ أركان الصلاة (أو فرائضها)، وواجباتها عند الحنفية: بحث الفقهاء تحت عنوان (صفة الصلاة أي كيفيتها) نظام الصلاة، المشتمل على الأركان والشروط، والأبعاض: وهي السنن المجبورة بسجود السهو، والهيئات: وهي السنن التي لا تجبر. والمقصود بكيفية الصلاة: الصورة الوصفية لها. والركن كالشرط في أنه لا بد منه، إلا أن الشرط: هو الذي يتقدم على الصلاة، ويجب استمراره فيها كالطهر والستر، ونحوهما مما سبق بيانه، والركن: ما تشمل عليه الصلاة، كالركوع والسجود، ونحوهما مما سيبحث هنا، ولا يسقط الركن عمداً ولا سهواً ولا جهلاً، وسمي ركناً تشبيهاً له بركن البيت الذي لا يقوم إلا به؛ لأن الصلاة لا تتم إلا به. وعلى هذا يكون الركن: هو الواجب فعله وكان جزءاً من حقيقة الفعل، والشرط: هو الواجب فعله ولكنه ليس جزءاً من حقيقة الفعل، بل من مقدماته. وقد اختلف الفقهاء في تصنيف وتعداد مطالب الصلاة الأساسية: فقال الحنفية (١): فرائض الصلاة ستة: التحريمة قائماً، والقيام، والقراءة

стр. 765

والركوع، والسجود، والقَعْدة الأخيرة مقدار التشهد. هذا ما ذكره القدوري وهو رأي محمد، إلا أن المعتمد عندهم أن تكبيرة الإحرام شرط عندهم كالنية وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لجمهور الفقهاء. واجبات الصلاة: واجبات الصلاة ثمانية عشر، والواجب عندهم ما ثبت بدليل فيه شبهة، وحكمه: استحقاق العقاب بتركه عمداً، لكن لا تفسد الصلاة بتركه، ويلزم سجود السهو لنقص الصلاة بترك الواجب سهواً، ويجب إعادة الصلاة بترك الواجب عمداً، أو سهواً إن لم يسجد سجود السهو له. وإن لم يعدها، يكون فاسقاً آثماً، كما هو الحكم في كل صلاة أديت مع كراهة التحريم. وهذه الواجبات هي ما يأتي: ١ - افتتاح الصلاة بلفظ (الله أكبر) لا في صلاة العيدين فقط. ٢ - قراءة الفاتحة: لقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١) وهذا عندهم لنفي الكمال؛ لأنه خبر آحاد، لا ينسخ قوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل:٢٠/ ٧٣]، فوجب العمل به. ويسجد للسهو بترك أكثرها، لا أقلها؛ لأن الواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف أكثرها، لا كلها. وقال الجمهور (غير الحنفية): إن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة من ركعات الصلاة. إلا أن الشافعية قالوا: هي ركن مطلقاً، وقال المالكية: هي فرض لغير المأموم في صلاة جهرية. ٣ - قراءة سور ة بعد الفاتحة: يجب قراءة سورة قصيرة كالكوثر ونحوها،

стр. 766

وهو ثلاث آيات قصار، تقدر بثلاثين حرفاً، كقوله تعالى: ﴿ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر﴾ [المدثر:٢١/ ٤٧ - ٢٢ - ٢٣] أو آية طويلة أو آيتان بمقدار ثلاثين حرفاً. ودليلهم على الوجوب: حديث أبي سعيد الخدري: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر» (١) والأمر للوجوب. وقال الجمهور: تسن قراءة سورة أو آيات بعد الفاتحة، لقول أبي هريرة: «في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير» (٢). ٤ - يجب قراءة السورة في الركعتين الأوليين من الفرض على المذهب، لمواظبة النبي ﷺ على القراءة فيهما. ولا يكره تحريماً بل تنزيهاً في الركعتين الأخريين (الثالثة والرابعة) على المختار. ولو ترك السورة في ركعة أو ركعتين من أوليي المغرب أو العشاء، وجب قراءتها في الأصح في أخرى العشاء، وثالثة المغرب مع الفاتحة جهراً بهما على الأصح، ويقدم الفاتحة، ثم يقرأ السورة. ولو ترك الفاتحة لا يكررها في الأخريين. وتجب أيضاً في جميع ركعات الوتر لمشابهته السنة، وفي جميع ركعات النافلة؛ لأن كل شفع (أي ركعتين) من النافلة صلاة على حدة، ولحديث أبي سعيد المتقدم بلفظ «لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وسورة في فريضة أو غيرها» (٣).

стр. 767

٥ - تقديم الفاتحة على قراءة السورة، لمواظبة النبي ﷺ على ذلك. فلو بدأ بالسورة قبل الفاتحة سهواً، ثم تذكر، قطع القراءة، وقرأ الفاتحة، ثم السورة، ويسجد للسهو، كما لو كرر الفاتحة ثم قرأ السورة، لتأخير الابتداء بالفاتحة في الحالة الأولى، ولتأخير القراءة في الحالة الثانية. ولو تذكر الفاتحة قبل الركوع، قرأها، ثم قرأ سورة، وسجد للسهو. ٦ - ضم الأنف للجبهة في السجود، لمواظبة النبي ﷺ عليه. ولا تجوز الصلاة بالاقتصار على الأنف في السجود، على الصحيح. ٧ - مراعاة الترتيب فيما شرع مكرراً من الأفعال في الصلاة وهو السجدة الثانية: والأدق أن يقال: رعاية الترتيب بين القراءة والركوع، وفيما يتكرر في كل ركعة، فيأتي بالسجدة الثانية قبل الانتقال لغيرها من أفعال الصلاة، بدليل المواظبة منه ﷺ على مراعاة الترتيب. ومعنى كون الترتيب فيما يتكرر في كل ركعة واجباً: أن الصلاة بعد إعادة ما قدمه لا تفسد بترك الترتيب صورة، الحاصل بزيادة ما قدمه. فلو نسي سجدة من الركعة الأولى (١)، قضاها، ولو بعد القعود الأخير، أو بعد السلام قبل الكلام، ثم يعيد التشهد والقعود، ويسجد للسهو بعد التسليمة الأولى، ثم يتشهد. أما ما لا يتكرر في كل ركعة أو في كل الصلاة ماعدا القراءة كترتيب القيام والركوع والسجود الأول والقعود الأخير، فإن الترتيب فيه فرض، وعلى هذا فترتيب القيام على الركوع، والركوع على السجود فرض. فلو ركع قبل القراءة

стр. 768

صح ركوعه، لأنه لا يشترط في الركوع أن يكون مترتباً على قراءة في كل ركعة. بخلاف الترتيب بين الركوع والسجود مثلاً، فإنه فرض، فلو سجد قبل الركوع لم يصح سجود هذه الركعة؛ لأن أصل السجود يشترط ترتبه على الركوع في كل ركعة، كترتيب الركوع على القيام. ٨ - الاطمئنان في الأركان: بتسكين الجوارح في الركوع والسجود ونحوهما من الرفع والاعتدال، حتى تطمئن مفاصله قدر تسبيحة في الركوع والسجود والرفع منهما، ويستقر كل عضو في محله، لمواظبته ﷺ على ذلك كله، ولحديث المسيء صلاته، وقول النبي ﷺ له: «ارجع فصلّ، فإنك لم تصلِّ» ثم علمه كيفية الطمأنينة: «إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في الصلاة كلها» (١). ٩ - القعود الأول في صلاة ثلاثية أو رباعية: لمواظبة النبي ﷺ عليه، وسجوده للسهو لما تركه وقام ساهياً (٢). ويجب ترك الزيادة فيه كما يجب ترك الزيادة في كلمات التشهد، أو بعد تمام التشهد. ١٠ - قراءة التشهد في القعود الأول، في الصحيح، لقوله ﷺ : «إذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحيات لله … » (٣) والأمر للوجوب. وقال غير الحنفية عن هذين الأمرين: إنهما سنة؛ لأن عدم تداركه من النبي يدل على عدم وجوبه.

стр. 769

١١ - قراءة التشهد في الجلوس الأخير، لمواظبة النبي ﷺ عليه. أما الجلوس الأخير فهو فريضة. ويسجد للسهو بترك بعض أو كل من التشهدين: الأول والأخير. ١٢ - القيام إلى الركعة الثالثة من غير تراخ بعد قراءة التشهد الأول: فلو زاد عليه بمقدار أداء ركن ساهياً، وأقل الزيادة المفوتة للواجب عن التشهد الأول مقدار (اللهم صل على محمد) فقط على المذهب، سجد للسهو، لتأخير واجب القيام للثالثة. ١٣ - لفظ (السلام) دون (عليكم) مرتين في آخر الصلاة، عن اليمين واليسار، لمواظبة النبي ﷺ ، وأما (عليكم ورحمة الله) فهو سنة. وكل من التسليمة الأولى، والثانية واجب في الأصح، فلو فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام، فتكلم أو أكل، فصلاته تامة. وليس السلام فرضاً، لحديث ابن مسعود: «أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يُرى بياض خدِّه» (١) وهو يدل على مشروعية التسليمتين. وقال غير الحنفية: السلام للخروج من الصلاة فرض. ١٤ - جهر (٢) الإمام بالقراءة في ركعتي الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، ولو قضاء، وفي صلاة الجمعة والعيدين، والتراويح، والوتر في رمضان، لفعله ومواظبته ﷺ . أما المنفرد: فهو مخير بين الجهر والإسرار، والأفضل الجهر، ليكون الأداء على هيئة الجماعة.

стр. 770

والمتنفل بالليل مخير أيضاً بين الجهر والإسرار، ويكتفي بأدنى الجهر لئلا يصير نائماً، لأنه ﷺ جهر في التهجد بالليل، وكان يؤنس اليقظان، ولا يوقظ الوسنان. وسئلت عائشة: كيف كانت قراءة النبي ﷺ بالليل؟ فقالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما أسرَّ، وربما جهر (١). ١٥ - إسرار الإمام والمنفرد في صلاتي الظهر والعصر، وفيما عدا الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، وفي صلاة النفل بالنهار. ١٦، ١٧ - قنوت الوتر، وتكبيرات العيدين (وهي ثلاث في كل ركعة)، وتكبيرة القنوت عند أبي حنيفة وعند الصاحبين: هي سنة كالوتر نفسه، وتجب تكبيرة الركوع في الركعة الثانية من صلاة العيد تبعاً لتكبيرات الزوائد فيها، لاتصالها بها، بخلاف تكبيرة الركوع في الركعة الأولى. ١٨ - إنصات المقتدي، ومتابعة الإمام، في صلاة الجماعة. أركان الصلاة عند غير الحنفية: قال المالكية كما ذكر العلامة خليل وشرّاح متنه (٢): فرائض الصلاة أربع عشرة فريضة وهي: النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام لها في الفرض، وقراءة الفاتحة للإمام والمنفرد، والقيام لها أي (الفاتحة) بفرض، والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والسلام، والجلوس له، والطمأنينة في جميع الأركان. والاعتدال بعد الركوع والسجود، وترتيب الأركان بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام، ثم الفاتحة، ثم الركوع، ثم الاعتدال، ثم السجود .. الخ

стр. 771

ووضع المالكية ضابطاً للأركان فقالوا: الصلاة مركبة من أقوال وأفعال، فجميع أقوالها ليست بفرائض إلا ثلاثة: تكبيرة الإحرام، والفاتحة والسلام، وجميع أفعالها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلوس للتشهد، والتيامن بالسلام. و قال الشافعية (١): أركان الصلاة ثلاثة عشر وهي: النية، وتكبيرة الإحرام، القيام في الفرض للقادر عليه، والفاتحة لكل مصلي إلا المعذور لسبق أو غيره، الركوع، والسجود مرتين، والجلوس بين السجدتين، التشهد الأخير، القعود في التشهد الأخير، الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير قاعداً، السلام، الترتيب كما ذكر. والفرض لا ينوب عنه سجود السهو، بل إن تذكره وهو في الصلاة أو بعد السلام والزمان قريب أتى به وبنى على صلاته وسجد للسهو. و قال الحنابلة (٢): أركان الصلاة أربعة عشر وهي: تكبيرة الإحرام، والقيام في فرض لقادر عليه، وقراءة الفاتحة في كل ركعة للإمام والمنفرد، والركوع، والاعتدال بعده، والسجود، والاعتدال عنه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في هذه الأفعال (الركوع وما بعده)، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير عند أكثر الحنابلة، والجلوس له وللتسليمتين، والتسليمتان، وترتيب الأركان، على النحو المذكور. والفرض أو الركن لا يسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً.

стр. 772

وسنفصل الكلام في هذه الأركان كلها، علماً بأن النية بحثت في الشروط عملاً بمنهج الحنفية والحنابلة وبعض المالكية (ابن رشد وابن جزي)، والمعتمد عند المالكية أن النية ركن، وأن الإحرام عبارة عن النية والتكبير. أركان الصلاة المتفق عليها: يلاحظ أن الفقهاء اتفقوا على ستة فروض أو أركان وهي: التحريمة، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد إلى قوله: «عبده ورسوله». الركن الأول - التحريمة أو تكبيرة الإحرام: هي أن يقول المصلي قائماً مسمعاً نفسه: (الله أكبر) (١) إلا في حال العجز عن القيام، وذلك بالعربية، لمن قدر عليها، لا بغيرها من اللغات، وبلا فصل بين المبتدأ والخبر عند المالكية والحنابلة بكلمة أخرى ولا بسكوت طويل. هذا إذا كان المصلي غير إمام، فأدناه أن يسمع نفسه، فإن كان إماماً يستحب له أن يجهر بالتكبير ليسمع من خلفه (٢) والتكبير ركن لا شرط، فلا تنعقد الصلاة إلا بقول (الله أكبر)، وإن عجز عن التكبير كأن كان أخرس أو عاجزاً عن التكبير بكل لسان، سقط عنه. وإن قدر على الإتيان ببعضه، أتى به، إن كان له معنى (٣).

стр. 773

ودليلهم على اشتراط لفظ (الله أكبر) وأنه ركن: هو قوله تعالى: ﴿وربَّك فكبر﴾ [المدثر:٣/ ٧٤]، والحديث السابق عن علي: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير» (١) وحديث رفاعة بن رافع: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر» (٢)، وقال ﵇ للمسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» (٣) وقال ﷺ أيضاً: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» قرن التكبير بالقراءة، فدل على أنه مثله في الركنية. وقال الشافعية ومحمد من الحنفية (٤) كالمالكية والحنابلة: التكبير ركن لا شرط، إلا أن الشافعية قالوا: لا تضر زيادة لا تمنع اسم التكبير، مثل (الله الأكبر)؛ لأنه لفظ يدل على التكبير، وعلى زيادة مبالغة في التعظيم، ومثل (الله الجليل أكبر) في الأصح، وكذا كل صفة من صفاته تعالى، إذا لم يطل بها الفصل، لبقاء النظم. ويشترط إسماع نفسه التكبير كالقراءة وسائر الأركان القولية، ويُبين التكبير كما أوضح الشافعية والحنابلة، ولا يمد في غير موضع المد، فإن فعل بحيث تغير المعنى، مثل أن يمد الهمزة الأولى، فيقول (آلله) أو يمد (آكبر) أو يزيد ألفاً بعد باء (أكبر)، لم يصح؛ لأن المعنى يتغير به. والأصح عند الشافعية: أن من عجز عن التكبير بالعربية أتى بمدلول التكبير بأي لغة شاء. ووجب التعلم إن قدر عليه. ومن عجز عن النطق بالتكبير كأخرس، لزمه تحريك لسانه، وشفتيه ولهاته ما أمكنه، فإن عجز نواه بقلبه.

стр. 774

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف (١): التحريمة شرط، لا ركن، وقولهما هو المعتمد لدى الحنفية، لقوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى:٨٧/ ١٥] قالوا: المراد بالذكر هنا التحريمة، وهي غير الصلاة، بدليل العطف عليها، والعطف يقتضي المغايرة، ولأن حديث علي السابق «وتحريمها التكبير» أضيف التحريم فيه إلى الصلاة، والمضاف غير المضاف إليه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه. وتظهر ثمرة الخلاف بين الشيخين (أبي حنيفة وأبي يوسف) القائلين بالشرطية وبين محمد القائل بفرضية التكبير. فيما لو أحرم حاملاً النجاسة، فألقاها فور فراغه من التكبير، أو كان مكشوف العورة، فسترها عند فراغه من التكبير، أو كان منحرفاً عن القبلة، فاستقبلها عند الفراغ من التكبير، أو شرع في التكبير بالظهر قبل الزوال مثلاً، ثم زالت الشمس بعد فراغه من التكبير، تجوز الصلاة عند الشيخين، ولا تجوز عند محمد. وكذلك إذا فسدت الفريضة، تنقلب نفلاً عند الشيخين، وعند محمد: لاتنقلب. واتفق الحنفية على أن التحريمة ركن في صلاة الجنازة كبقية تكبيراتها. وقد عرفنا في بحث واجبات الصلاة: أنه يجب عند الحنفية بدء الصلاة بلفظ (الله أكبر) ويكره تحريماً الشروع بغير هذا اللفظ. وأجاز أبو حنيفة ومحمد افتتاح الصلاة بكل تعبير خالص لله تعالى، فيه تكبير وتعظيم، كقول المصلي: الله أجل، الله أعظم، وكبير أو جليل، والرحمن أعظم، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والحمد لله، ونحوه، لأن ذلك كله يؤدي

стр. 775

معنى التكبير، ويشتمل على معنى التعظيم، فأشبه قوله: (الله أكبر) ولو افتتح الصلاة بـ (اللهم اغفر لي) لا يجوز؛ لأنه مشوب بحاجته، فلم يكن تعظيماً، ولو افتتح بقوله: (اللهم) فالأصح أنه يجزئه؛ لأن معناه: يا الله. وخص أبو يوسف الافتتاح بالتكبيرومشتقاته، مثل: (الله أكبر) والكبير، والكُبَّار، وتردد في (الله كبير) ومن عجز عن التكبير كالأخرس، سقط عنه ذلك، لتعذر الواجب في حقه، وتكفيه النية عن التحريمة. وقال أبو حنيفة: إنه يجزئ التكبير بغير العربية، لقول الله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه، فصلى﴾ [الأعلى:١٥/ ٨٧]، وهذا قد ذكر اسم ربه. أما الصاحبان فقالا كالشافعية: إن كان لا يحسن العربية أجزأه غيرها، فإن كان يحسنها وكبر بغير العربية لا يجزئه لقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١). واشترط الحنفية لأداء تكبيرة الإحرام عشرين شرطاً: وهي دخول الوقت، واعتقاد دخوله أو غلبة الظن به، وستر العورة، والطهر من الحدث والنجاسة المانعة عن البدن والثوب والمكان، والقيام لقادر عليه في غير نفل، وفي سنة فجر، ونية اتباع الإمام (وهو في الواقع شرط لصحة الاقتداء لا لصحة التحريمة)، والنطق بها: (وهو أن يسمع بها نفسه، فمن همس بها أو أجراها على قلبه لا تجزئه، كجميع أقوال الصلاة)، وتعيين الفرض أنه ظهر أوعصر مثلاً، وتعيين الوجوب كركعتي الطواف والعيدين والوتر والمنذرو وقضاء أفسده، وأن تكون بجملة ذكر خالص لله غير مشوب بحاجته وأهوائه، ولا يصح باستغفار نحو اللهم اغفر لي، وصح بلفظ (اللهم) في الأصح: مثل (الله أكبر) فلا يصير شارعاً بأحدهما في
следующие страницы →