← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وينبغي إن طال الفصل أو وجد ما يعد قاطعاً كأكل أن تعاد الإقامة. ويسن أن يحرم الإمام عقب فراغ الإقامة، ولا يفصل إلا بمندوب كأمر الإمام بتسوية الصفوف. ولا تجزئ إقامة المرأة للرجال. ويسن عند الشافعية لمن كان أهلاً أن يجمع بين الأذان والإقامة. وكذلك قال الحنفية: الأفضل كون الإمام هو المؤذن، لأنه ﵇ كما في الضياء - أذن في سفر بنفسه وأقام وصلى الظهر. ولا يسن في الإقامة كونها في مكان مرتفع، ولا وضع الأصبع في الأذن، ولا الترجيع فيها والترتيل. ٦ - إذا أذن المؤذن وأقام، لم يستحب لسائر الناس أن يؤذن كل منهم أو يقيم، وإنما يقول مثل ما يقول المؤذن،؛ لأن السنة وردت بهذا. ٧ - يستحب للإمام تسوية الصفوف، يلتفت عن يمينه وشماله، فيقول: استووا رحمكم الله، قال رسول الله ﷺ : «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» (١). ملحق - الأذان لغير الصلاة. هذا ويندب الأذان لأمور غير الصلاة: منها الأذان في أذُن المولود اليمنى عند ولادته، كما تندب الإقامة في اليسرى لأنه ﷺ ْذَّن في أذ ُن الحسن حين ولدته فاطمة (٢). ومنها الأذان وقت الحريق ووقت الحرب، وخلف المسافر.

стр. 702

ومنها الأذان في أذن المهموم المصروع وللغضبان ولمن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة، وإذا تغولت الغيلان (١) أي سحرة الجن والشياطين، وذلك لدفع شرها بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر. ولا يسن عند إدخال الميت القبر على المعتمد عند الشافعية.

стр. 703

الفَصْلُ الرَّابع: شروطُ الصَّلاة تتوقف صحة الصلاة على توافر شروط وأركان معينة لها. أما الشرط في اللغة: فهو العلامة، وفي الشريعة: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان خارجاً عن حقيقته أو ماهيته. وأما الركن في اللغة: فهو الجانب الأقوى، وفي الاصطلاح: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءاً ذاتياً تتركب منه الحقيقة أو الماهية. ويطلق على كل من الشرط والركن وصف الفرضية، فكل منهما فرض، لذا عنون بعض الفقهاء لهذا البحث بفروض الصلاة. والشرطان نوعان: شروط تكليف أو وجوب، وشروط صحة أو أداء، وشروط الوجوب: هي ما يتوقف عليها وجوب الصلاة كالبلوغ عاقلاً، وشروط الصحة: هي ما يتوقف عليها صحة الصلاة كالطهارة. شروط وجوب الصلاة: تجب الصلاة على كل مسلم بالغ عاقل، لا مانع عنده كالحيض والنفاس، فتكون شروط وجوب الصلاة ثلاثة (١):

стр. 704

١ - الإسلام: تجب الصلاة على كل مسلم ذكر أو أنثى، فلا تجب على كافر عند الجمهور وجوب مطالبة بها في الدنيا، لعدم صحتها منه، لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة، لتمكنه من فعلها باعتناق الإسلام؛ لأن الكافر عند الجمهور مخاطب بفروع الشريعة أو الإسلام في حال كفره. ولا تجب عند الحنفية على الكافر، بناء على مبدئهم في أن الكافر غير مطالب بفروع الشريعة، لا في حكم الدنيا ولا في حكم الآخرة. ولا قضاء بالاتفاق على الكافر إذا أسلم، لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفَر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال:٣٨/ ٨] ولقوله ﷺ : «الإسلام يجبُّ ما قبله» (١) أي يقطعه، والمراد أنه يذهب أثر المعاصي التي قارفها حال كفره. أما المرتد فيلزمه عند غير الحنفية قضاء الصلاة بعد إسلامه تغليظاً عليه، ولأنه التزمها بالإسلام، فلا تسقط عنه بالجحود كحقوق الآدميين المالية. ولا قضاء عليه عند الحنفية كالكافر الأصلي. وأما الطاعات وأفعال الخير التي يفعلها الكافر: فلا تنفعه في الآخرة إن مات كافراً لقوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، فجعلناه هباء منثوراً﴾ [الفرقان:٢٣/ ٢٥]. وأما في الدنيا فتنفعه في سعة رزقه ومعيشته. وإن أسلم يثاب عليها ولا يجُبُّها (يقطعها) الإسلام، لحديث حكيم بن حزام عند مسلم وغيره: أنه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في

стр. 705

الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﷺ : أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير» وقال ﵇: «إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، يكفر الله عنه كل سيئة كان زَلِفها - أي قدمها - وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها» (١). وقال النووي: الصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم الإجماع فيه أن الكافر إذا فعل أفعالاً جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم ومات على الإسلام، أن ثواب ذلك يكتب له (٢). ٢ - البلوغ: لا تجب الصلاة على الصبي، لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم» (٣). ولكن يؤمر الصغير ذكراً أو أنثى بالصلاة، تعويداً له، إذا بلغ سبع سنين أي صار مميزاً، ويضرب - باليد لا بخشبة بما لا يزيد عن ثلاث ضربات إن أفاد وإلا فلا - على تركها لعشر سنين زجراً له، لقوله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» (٤) أي بحيث لا يشملهم ساتر واحد مع التجرد، فإن استقل كل منهم بساتر فلا يمنع والتفريق لعشر أمر مندوب، ويحرم تلاصق البالغين بعورتيهما بقصد اللذة، ويكره من غير لذة كتلاصقهم بالصدر.

стр. 706

٣ - العقل: فلا تجب الصلاة عند الجمهور غير الحنابلة على المجنون والمعتوه ونحوهما كالمغمى عليه إلا إذا أفاقوا في بقية الوقت؛ لأن العقل مناط التكليف، كما ثبت في الحديث السابق: «عن المجنون حتى يبرأ» لكن يسن لهم القضاء عند الشافعية. وقال الحنابلة: يجب القضاء على من تغطى عقله بمرض أو إغماء أو دواء مباح، لأن ذلك لا يسقط الصوم، فكذا الصلاة. ولا تطلب الصلاة ولا تقضى من حائض ونفساء، ولو طرّحت نفسها بضرب أو دواء ونحوها. ويجب القضاء على السكران، لتعديه بالسكر. ويجب القضاء على نائم ويجب إعلامه إذا ضاق الوقت، ودليل القضاء حديث: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (١) وهذا دليل على وجوب قضاء الصلوات المفروضة المتروكة عمداً أو سهواً، مهما طال الزمان. قال النووي في المجموع: ويسن إيقاظ النائم للصلاة ولا سيما إذا ضاق وقتها، ففي سنن أبي داود «أن النبي ﷺ خرج يوماً إلى الصلاة، فلم يمر بنائم إلا أيقظه» وكذا إذا رآه أمام المصلين، أو كان نائماً في الصف الأول، أو محراب المسجد، أو كان نائماً على سطح لا حجاز له، لورود النهي عنه، أو كان نائماً

стр. 707

بعضه في الشمس وبعضه في الظل، أو كان نائماً بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، أو كان نائماً قبل صلاة العشاء، أو بعد صلاة العصر، أو نام خالياً وحده، أو كانت المرأة نائمة مستلقية ووجهها إلى السماء، أو نام الرجل منبطحاً فإنها ضجعة يبغضها الله، ويستحب أن يوقظ غيره لصلاة الليل، وللتسحر، والنائم بعرفات، وقت الوقوف؛ لأنه وقت طلب وتضرّع. قال الإسنوي: وهذا بخلاف ما لو رأى شخصاً يتوضأ بماء نجس، فإنه يلزمه إعلامه. زوال الأعذار أو الموانع في أثناء وقت الصلاة: إذا زالت هذه الأسباب المانعة من وجوب الصلاة، فبلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو طهرت الحائض أوالنفساء، أو أسلم الكافر، وبقي من الوقت عند الحنابلة والشافعية في الأظهر قدر تكبيرة الإحرام، فأكثر، وجب قضاء الصلاة. كما يجب عند جمهور الفقهاء غير الحنفية قضاء الصلاة الأخرى التي يمكن جمعها مع الصلاة التي زال المانع في وقتها. فإن زال المانع بمقدار تكبيرة الإحرام عند الشافعية والحنابلة في آخر وقت العصر، وجب قضاء الظهر أيضاً، وإن زال المانع في آخر وقت العشاء، وجب قضاء المغرب أيضاً؛ لاتحاد وقتي الظهر والعصر، ووقتي المغرب والعشاء في العذر، ففي الضرورة أولى. وذلك بشرط أن يخلو الشخص من الموانع قدر الطهارة، والصلاتين أخف ما يجزئ، كركعتين في صلاة المسافر. أما المالكية فقالوا: إن أدرك قدر خمس ركعات في الحضر، وثلاث في السفر من وقت الثانية وجبت الأولى أيضاً؛ لأن قدر الركعة الأولى من الخمس وقت للصلاة الأولى في حال العذر، فوجبت بإدراكه، كما لو أدرك ذلك من وقتها المختار، بخلاف ما لو أدرك دون ذلك.

стр. 708

وإن أدرك قدر ركعة فقط، وجبت الأخيرة وسقطت الأولى. وإن بقي من الوقت ما يسع أقل من ركعة، سقطت الصلاتان. وقال الحنفية: لا تجب إلا الصلاة التي زال المانع في وقتها وحدها؛ لأن وقت الأولى خرج في حال العذر، فلم تجب، كما لو لم يدرك من وقت الثانية شيئاً. وهذا في تقديري هو المعقول؛ لأن الصلاة تجب بوقت معين، فإذا فات الوقت، سقط الوجوب. حدوث الأعذار في وقت الصلاة بعد مضي قدر ما يسعها: وهذا يتصور في الجنون والإغماء والحيض والنفاس، ولا يتصور في الكفر والصبا، فلو جن البالغ أو أغمي عليه، أو حاضت المرأة أو نُفست في أول الوقت أو أثناءه بحيث يمكنه أداء الصلاة، وجب عليه عند الجمهور غير الحنفية قضاء تلك الصلاة، إن مضى قدر الفرض مع الطهر، ولا تجب الصلاة الثانية التي تجمع معها؛ لأن وقت الأولى لا يصلح للثانية إلا إذا صلاهما جمعاً، بخلاف العكس. ودليل الجمهور على وجوب قضاء الصلاة صاحبة الوقت؛ أن أول أجزاء الوقت هو سبب الإيجاب، أي علامة توجه الخطاب الشرعي، فمتى ابتدأ صار المكلف مطالباً بالفعل، مخيراً في جميع أجزاء الوقت، إذا كان أهلاً للتكليف أول الوقت، لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء:٧٨/ ١٧] فقد جعل الدلوك علامة على توجه الخطاب إلى المكلف، ولما بينت السنة أوائل الأوقات وأواخرها وقال الرسول ﷺ : «الوقت ما بين هذين» كما سبق، دل ذلك على التوسع على المكلف. ومتى وجب الواجب في الذمة استقر ولم يسقط. وهذا الرأي هو الأصح لدي.

стр. 709

وقال الحنفية (١): لاتجب صلاة ذلك الوقت على أصحاب الأعذار هؤلاء؛ لأن سبب إيجاب الصلاة: هو الجزء الذي يتصل به الأداء من الوقت، فإن لم يؤد تعين الجزء الأخير الذي يسع الواجب للسببية، وبعد خروج الوقت تضاف السببية إلى جملة الوقت. شروط صحة الصلاة: يشترط لصحة الصلاة: الإسلام والتمييز والعقل، كما يشترط ذلك لوجوب الصلاة، فتصح الصلاة من المميز، لكن لا تجب عليه، وهناك أحد عشر شرطاً أخرى متفق عليها بين الفقهاء: وهي دخول الوقت، والطهارة عن الحدثين، والطهارة عن النجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية، والترتيب في أداء الصلاة، وموالاة فعلها، وترك الكلام إلا بما هو من جنسها أو من مصالحها، وترك الفعل الكثير من غير جنس الصلاة، وترك الأكل والشرب (٢). الشرط الأول - معرفة دخول الوقت: لا تصح الصلاة بدون معرفة الوقت يقيناً أو ظناً بالاجتهاد، فمن صلى بدونها لم تصح صلاته، وإن وقعت في الوقت، لتكون عبادته بنية جازمة، لاشك فيها، فمن شك لم تصح صلاته؛ لأن الشك ليس بجازم. والدليل: هو قوله تعالى:

стр. 710

﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء:١٠٣/ ٤]، أي فرضاً مؤقتاً محدوداً بوقت. وقد سبق بحث مواقيت الصلاة، والاجتهاد في الوقت. الشرط الثاني - الطهارة عن الحدثين (١): الأصغر والأكبر (الجنابة والحيض والنفاس)، بالوضوء والغسل، أو التيمم. لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ … إلى قوله سبحانه: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، ولقوله ﷺ : «لايقبل الله صلاة بغير طهور» (٢) «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٣). والطهارة عن الحدث شرط في كل صلاة، مفروضة أو نافلة، كاملة أو ناقصة كسجدة التلاوة، وسجدة الشكر. فإذا صلى بغير طهارة، لم تنعقد صلاته. وإذا تعمد الحدث بطلت الصلاة بالإجماع، إلا في آخر الصلاة فلا تبطل عند الحنفية، وإن سبقه الحدث بطلت صلاته حالاً عند الشافعية والحنابلة، لقوله ﷺ : «إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته» (٤). وقال الحنفية: لا تبطل في الحال وإنما تبطل بمكثه قدر أداء ركن بعد سبق الحدث مستيقظاً بلا عذر. فإن وجد عذر كرعاف مثلاً بنى على صلاته إن شاء (أي أكملها من بعد وقت العذر) بعد استكمال الطهارة، وإن شاء استأنف الصلاة، أي ابتدأها من جديد، ويخرج من الصلاة واضعاً يده على أنفه تستراً.

стр. 711

وقال المالكية كالحنفية: يجوز البناء على الصلاة في حالة الرعاف بشروط ستة بعد أن يخرج من الصلاة ممسكاً أنفه من أعلاه وهو مارنه، لا من أسفله من الوترة لئلا يبقى الدم في طاقتي أنفه، وهذه الشروط هي: الأول: إن لم يتلطخ بالدم بما يزيد على درهم، وإلا قطع الصلاة. الثاني: ولم يجاوز أقرب مكان ممكن، لغسل الدم فيه، فإن تجاوزه بطلت الصلاة. الثالث: أن يكون المكان الذي يغسل فيه قريباً، فإن كان بعيداً بعداً فاحشاً بطلت. الرابع: ألا يستدبر القبلة بلا عذر، فإن استدبرها لغير عذر بطلت. الخامس: ألا يطأ في طريقه نجساً، وإلا بطلت. السادس: ألا يتكلم في مضيه للغسل، فإن تكلم ولو سهواً بطلت. الشرط الثالث - الطهارة عن الخبث: أي النجاسة الحقيقية. يشترط لصحة الصلاة الطهارة عن النجس الذي لا يعفى عنه في الثوب والبدن والمكان حتى موضع القدمين واليدين والركبتين، والجبهة على الأصح عند الحنفية، لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر:٤/ ٧٤]، قال ابن سيرين: هو الغسل بالماء، ولخبر الصحيحين السابق: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» ولحديث الأعرابي المتقدم الذي بال في المسجد: «أريقوا على بوله ذ َنوباً - دلواً - من ماء» فالآية دلت على وجوب طهارة الثوب، والحديث الأول دل على وجوب طهارة البدن، والحديث الثاني دل على وجوب طهارة المكان.

стр. 712

ومشهور مذهب المالكية: أن الطهارة من النجس سنة مؤكدة. والذي اعتبره شرطاً كالشيخ خليل وشراحه جرى على القول بأنها فرض مع الذكر والقدرة. مسائل متفرعة على طهارة الثوب والبدن والمكان: أولاً - طهارة الثوب والبدن: أـ لو وقعت ثياب المصلي كالعباءة على أرض نجسة عند السجود: لا يضر ذلك عند الحنفية؛ لأن المفسد للصلاة عندهم أن يكون النجس في موضع قيامه أو جبهته أوفي موضع يديه أو ركبتيه. وتفسد الصلاة عند الشافعية والحنابلة، فلا تصح صلاة ملاقٍ بعضُ لباسه أو بدنه نجاسة؛ لأن ثوب المصلي تابع له، وهو كعضو سجوده (١). ب - جهل النجاسة: لو صلى حاملاً نجاسة غير معفو عنها، ولا يعلمها: تبطل صلاته في المذاهب الثلاثة (غير المالكية) وعليه قضاؤها، لأن الطهارة مطلوبة في الواقع، ولو مع جهله بوجود النَّجِس أو بكونه مبطلاً، لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر:٤/ ٧٤] والمشهور عند المالكية: أن الطهارة من الخبث أو إزالة النجاسة واجبة في حال الذكر والقدرة، فمن صلى بها ذاكراً قادراً، أعاد، ويسقط الوجوب بالعجز والنسيان، فلا يعيد إن صلى ناسياً أو عاجزاً (٢). جـ - الثوب المتنجس أو المكان النجس: إن لم يجد المصلي غير ثوب عليه نجاسة غير معفو عنها ولم يتيسر غسل النجاسة، أو وجد الماء ولم يجد من يغسلها

стр. 713

وهو عاجز عن غسلها، أو وجده ولم يرض إلا بأجرة ولم يجدها، أو وجدها ولم يرض إلا بأكثر من أجرة المثل، أو حبس على نجاسة، واحتاج إلى فرش السترة عليها، لم يجز لبس الثوب النجس عند الشافعية لأنه سترة نجسة، وجاز لبسه عند الحنفية والمالكية والحنابلة، والصلاة به، وصلى عند المالكية قائماً عُرْياناً إن لم يجد ثوباً يستر به عورته، لأن ستر العورة مطلوب عند توفر القدرة على سترها، والمعتمد الإعادة في الوقت إن وجد ثوباً طاهراً، إن صلى بنجس أو بحرير أو بذهب ولو خاتماً، أو صلى عرياناً. ويصلي في حال فقد الساتر جالساً، يومئ إيماءً عند الحنابلة والحنفية، عملاً بفعل ابن عمر، روى الخلال بإسناده عن ابن عمر في قوم انكسرت مراكبهم، فخرجوا عراة، قال: «يصلون جلوساً، يومئون إيماءً برؤوسهم» وروى عبد الرزاق عن ابن عباس، قال: «الذي يصلي في السفينة، والذي يصلي عرياناً، يصلي جالساً». أما في حالة وجود الساتر النجس فيصلي فيه، ولا يعيد، ولا يصلي عرياناً؛ لأن الستر آكد من إزالة النجاسة، فكان أولى، ولأن النبي ﷺ قال: «غطِّ فخذك» وهذا عام، ولأن السترة متفق على اشتراطها، والطهارة من النجاسة مختلف فيها، فكان المتفق عليه أولى. ويصلي عند الشافعية عرياناً متماً الأركان، ولا إعادة عليه على المذهب عندهم، لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض. لكن لو كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها، ولم يجد ما يغسل به، صلى وأعاد كفاقد الطهورين؛ لأن الصلاة مع النجاسة لا يسقط بها الفرض. وفصل الحنفية (١) في الأمر فقالوا:

стр. 714

إن كان ربع الثوب فأكثر طاهراً، صلى فيه حتماً، ولم يصل عرياناً؛ لأن الربع كالكل، يقوم مقامه في مواضع منها كشف العورة (١)، ويتحتم عليه تقليل النجاسة بقدر الإمكان، ويلبس أقل ثوبيه نجاسة. وإن كان أقل من ربعه طاهراً، ندب صلاته فيه بالقيام والركوع والسجود، وجاز أن يصلي عارياً بالإيماء، والصلاة في ثوب نجس الكل أحب من الصلاة عرياناً. وهذا رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف (٢). وإذا لم يجد المسافر ما يزيل به النجاسة أو يقللها، صلى معها، أو عارياً، ولا إعادة عليه، والقاعدة عندهم: أن فاقد ما يزيل به النجاسة يصلي معها، ولا إعادة عليه، ولا على فاقد ما يستر عورته. والصلاة عُرْياناً: أن يمد رجليه إلى القبلة لكونه أستر، ويومئ إيماء بالركوع والسجود وهو أفضل من الصلاة قائماً؛ لأن الستر آكد. د - جهالة محل النجاسة في الثوب: إذا وجد ثوب متنجس، ولكن خفي عليه موضع النجاسة: يكفي عند الحنفية غسل طرف من الثوب، ولو من غير تحر، ويطهر. ويغسل الثوب كله أو البدن كله عند الشافعية إن كان الخفاء في جميعه، وكذلك يغسل كله على الصحيح إن ظن طرفاً، لأن الثوب والبدن واحد. ولو اشتبه عليه طاهر ونجس من ثوبين أو بيتين، اجتهد فيهما للصلاة (٣).

стр. 715

هـ - طرف الثوب على نجاسة: لو كان على المصلي ثوب أو غيره وطرفه واقع على نجاسة كطرف عمامته الطويلة أو كمه الطويل المتصل بنجاسة: لم تصح صلاته عند الشافعية كالمسألة الأولى، وإن لم يتحرك الطرف الذي يلاقي النجاسة بحركته أثناء قيامه وقعوده أو ركوعه وسجوده؛ لأن اجتناب النجاسة في الصلاة شرع للتعظيم، وهذا ينافيه هنا. وذلك بخلاف ما لو سجد على متصل بالنجاسة حيث تصح الصلاة إن لم يتحرك بحركته؛ لأن المطلوب في السجود كونه مستقراً على غيره، لحديث «مكّن جبهتك» فإذا سجد على متصل بنجس لم يتحرك بحركته، حصل المقصود، وعلى هذا لا يضر في صحة الصلاة نجس يحاذي صدر المصلي في الركوع والسجود وغيرهما على الصحيح، لعدم ملاقاته له. وقال الحنفية: تصح صلاته إن لم يتحرك الطرف النجس بحركته، فإن تحرك لم تصح؛ لأن الشرط عندهم طهارة ثوب المصلي وما يتحرك بحركته، أو يعد حاملاً له، كما سيأتي. وذلك بخلاف ما لم يتصل كبساط طرفه نجس، وموضع الوقوف والجبهة طاهر، فلا يمنع صحة الصلاة (١). وـ إمساك حبل مربوط بنجس: إذا أمسك المصلي حبلاً مربوطاً بنجس، كالحبل الذي يمسك به كلب بقلادة في عنقه، أو دابة أو مركب صغير يحملان نجساً: لم تصح صلاته عند الشافعية في الأصح؛ لأن الكلب سواء أكان صغيراً أم كبيراً نجس العين عندهم، ويصبح المصلي في هذه الحالة حاملاً نجساً، لأنه إذا مشى

стр. 716

انجر معه. بخلاف السفينة الكبيرة التي لا تنجر بجره، فإنها كالدار، تصح الصلاة بحبل متصل بها. وتصح صلاته عند الحنفية كالحالة السابقة في حالة إمساك الكلب بناء على الراجح عندهم أنه ليس بنجس العين، بل هو طاهر الظاهر، كغيره من الحيوانات سوى الخنزير، فلا ينجس إلا بالموت. وذلك إذا لم يسل من الكلب ما يمنع الصلاة (١). ز - حمل بيضة صار مُحُّها (٢) دماً: لو صلى المصلي حاملاً بيضة مَذِرة (فاسدة) صار محها دماً، جاز عند الحنفية، كمسألة الكلب، لأن الدم في معدن البيض، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النجاسة، بخلاف ما لو حمل قارورة فيها بول، فلا تجوز صلاته؛ لأنه في غير معدنه. ولا تصح صلاته في الحالتين عند الشافعية في أصح الوجهين في البيضة، وفي الصحيح في القارورة؛ لأنه يكون حاملاً نجاسة (٣) ح - حمل صبي صغير في الصلاة: لو حمل المصلي صبياً صغيراً عليه نجس: تبطل صلاته عند الحنفية إن لم يستمسك بنفسه؛ لأنه يعد حاملاً للنجاسة، ويشترط عندهم طهارة ما يعد حاملاً له أي باستثناء ما يكون في الجوف كمسألة الكلب والبيضة السابقة. وتصح صلاته إن كان الصغير يستمسك بنفسه؛ لأنه لا يعد حاملاً للنجاسة.

стр. 717

وقال الشافعية كالحنفية وغيرهم اتفاقاً لا خلاف فيه: لا يضر حمل الصبي الذي لا تظهر عليه نجاسة، فلو حمل حيواناً طاهراً في صلاته، صحت صلاته؛ لأن النبي ﷺ حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته (١)، ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدن النجاسة هو كالنجاسة التي في جوف المصلي (٢). ط - وصل العظم بنجس: قال الشافعية: لو وصل عظمه المنكسر بنجس لفقد الطاهر، فهو معذور تصح صلاته معه للضرورة (٣). ثانياً - طهارة المكان: تشترط طهارة مكان المصلي مباشرة، فإن لم تباشره النجاسة جازت الصلاة كما في الصور الآتية: أـ الصلاة على بساط عليه نجاسة: إذا صلى على بساط عليه نجاسة: فإن صلى على الموضع النجس، فلا تصح صلاته بالاتفاق؛ لأنه ملاق للنجاسة، ووضع العضو على النجاسة بمنزلة حملها. وإن صلى على موضع طاهر، صحت صلاته اتفاقاً أيضاً، ولو كان البساط صغيراً في الأصح عند الحنفية؛ لأنه غير ملاق للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بالنجاسة (٤). ب - الصلاة على موضع نجس بحائل: إن فرش على الأرض النجسة شيئاً وصلى عليه، جاز بالاتفاق إن صلح الفرش ساتراً للعورة؛ لأنه غير مباشر للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بها. فإن لامس النجاسة من ثقوب الفرش،

стр. 718

بطلت صلاته (١)، وأضاف الحنفية: أنه تجوز الصلاة على لِبْد (فرش سميك) وجهه الأعلى طاهر، والأسفل نجس، وعلى ثوب طاهر وبطانته نجسة إذا كان غير مخيط بها، لأنه كثوبين فوق بعضهما. جـ - النجاسة في بيت أو صحراء: إذا كانت النجاسة في بيت أو صحراء وعرف مكانها، صلى في المواضع الخالية عن النجاسة. وإن خفي عليه موضعها: تحرى المكان الطاهر وصلى عند الحنفية. وقال الشافعية (٢): إن كانت الأرض واسعة كصحراء، فصلى في موضع منها جاز؛ لأنه غير متحقق لها، ولأن الأصل فيها الطهارة، ولا يمكن غسل جميعها. وإن كانت الأرض صغيرة كبيت، لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله، كما في حالة الشك بنجاسة جزء من الثوب؛ لأن البيت ونحوه يمكن غسله وحفظه من النجاسة، فإذا نجس أمكن غسله، وإذا خفي موضع النجاسة منه غسله كله كالثوب. وإن كانت النجاسة في أحد البيتين واشتبها عليه، تحرى، كما يتحرى في الثوبين. وإن حبس في موضع نجس - حُش (هو الخلاء)، وجب عليه أن يصلي عند جمهور العلماء، لقوله ﷺ : «وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم» (٣) وقياساً على المريض العاجز عن بعض الأركان.

стр. 719

وإذا صلى يجب عليه أن يتجافى عن النجاسة في قعوده بيديه وركبتيه وغيرهما القدر الممكن، ويجب عليه أيضاً الإيماء أو الانحناء في السجود إلى القدر الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة، ولا يسجد على الأرض، على الصحيح؛ لأن الصلاة قد تجزئ مع الإيماء، ولا تجزئ مع النجاسة. وتجب عليه الإعادة في موضع طاهر على الجديد الأصح، ومستحبة على القديم، لأنه ترك الفرض لعذر نادر غير متصل، فلم يسقط عنه الفرض، كما لو ترك السجود ناسياً. والذي يعتبر فرضاً هو الصلاة الثانية في أصح الأوجه عند الشافعية. الشرط الرابع - ستر العورة: العورة لغة: النقص، وشرعاً: ما يجب ستره وما يحرم النظر إليه، والمعنى الأول هو المراد هنا في الصلاة. يشترط ستر العورة عن العيون، ولو كان خالياً في ظلمة عند القدرة في رأي الجمهور. وقال الحنفية: يجب الستر بحضرة الناس إجماعاً، وفي الخلوة على الصحيح، فلو صلى في الخلوة عرياناً، ولو في بيت مظلم، وله ثوب طاهر، لا يجوز (١). ويجب ستر العورة في الصلاة وغيرها ولو في الخلوة إلا لحاجة كاغتسال وتغويط واستنجاء. والدليل على وجوب الستر: قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف ٣١/ ٧] قال ابن عباس: المراد به: الثياب في الصلاة.

стр. 720

وقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (١) والخمار: ما يغطى به رأس المرأة، وقوله ﵇: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» (٢). وأجمع العلماء على وجوب سترة المرأة مطلقاً، في الصلاة وغيرها. شروط الساتر: ١ - يجب أن يكون صفيقاً كثيفاً: فالواجب الستر بما يستر لون البشرة ولايصفها من ثوب صفيق أو جلد أو ورق، فإن كان الثوب خفيفاً أو رقيقاً يصف ما تحته أو يتبين لون الجلد من ورائه، فيعلم بياضه أو حمرته، لم تجز الصلاة به؛ لأن الستر لا يحصل بذلك. وإن كان يستر لونها، ويصف الخلقة أو الحجم؛ جازت الصلاة به؛ لأن هذا مما لا يمكن التحرز منه، حتى ولو كان الساتر صفيقاً، لكنه عند الشافعية للمرأة مكروه، وللرجل خلاف الأولى. وقال الشافعية: شرط الساتر: ما يمنع لون البشرة، ولو ماء كدراً أو طيناً، لاخيمة ضيقة وظلمة، ويجب عندهم أن يكون الساتر طاهراً، وقال المالكية: إن ظهر ما تحته فهو كالعدم، وإن وصف فهو مكروه (٣). ٢ - والشرط عند الشافعية والحنابلة: أن يشمل المستور لبساً ونحوه، فلا تكفي الخيمة الضيقة والظلمة. وتكفي الظلمة عند الحنفية والمالكية للضرورة؛ لأن

стр. 721

٣ - والمطلوب هو ستر العورة من جوانبها، على الصحيح عند الحنفية، وغيرهم من الفقهاء، فلا يجب الستر من أسفل أو من فتحة قميصه، فلو صلى على زجاج يصف ما فوقه، جاز. وإن وجد مإ يستر بعض عورته، يجب سترها ولو بيده في الأصح عند الشافعية، لحصول المقصود، فإن كفى الساتر سوأتيه أو الفرجين تعين لهما، وإن كفى أحدهما تعين عليه ستر القُبُل ثم الدبر عند الشافعية، وبالعكس عند الحنفية والمالكية. ويجب أن يزر قميصه أو يشد وسطه إن كانت عورته تظهر منه في الركوع أو غيره. الصلاة في الثوب الحرام: يصح الستر مع الحرمة عند المالكية والشافعية، وتنعقد الصلاة مع الكراهة التحريمية عند الحنفية: بما لا يحل لبسه كثوب حرير للرجل، ويأثم بلا عذر، كالصلاة في الأرض المغصوبة. وقال الحنابلة: لا تصح الصلاة بالحرام كلبس ثوب حرير، أو صلاة في أرض مغصوبة ولو منفعتها أو بعضها، أو صلاة في ثوب ثمنه كله أو بعضه حرام أو كان متختماً بخاتم ذهب، إن كان عالماً ذاكراً (١)، لما روى أحمد عن ابن عمر: «من اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة، ما دام عليه» ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: «صُمَّتا إن لم يكن النبي ﷺ سمعته يقوله» (٢)،

стр. 722

ولحديث عائشة: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، ولأن قيامه وقعوده ولبثه فيه محرم منهي عنه، فلم يقع عبادة كالصلاة في زمن الحيض، وكالنجس. فإن جهل كونه حريراً أو غصباً، أو نسي كونه حريراً أو غصباً، أو حبس بمكان غصب أو نجس، صحت صلاته؛ لأنه غير آثم. وأجاز المالكية والحنفية الصلاة بثوب نجس كما أوضحت سابقاً. واتفق علماء المذاهب: أن ستر العورة واجب ولو بإعارة، فإن صلى عرياناً مع وجود ثوب عارية، أو مع وجود ثوب من حرير طاهر عند الجمهور غير الحنابلة، بطلت صلاته. ولو وُعد به، ينتظر ما لم يخف فوات الوقت، وهو الأظهر عند الحنفية، ويلزمه الشراء بثمن المثل (٢) كالمقرر في شراء الماء سابقاً. عادم الساتر: من لم يجد ساتراً لعورته: صلى عرياناً عند المالكية؛ لأن ستر العورة مطلوب عند القدرة، ويسقط بالعجز. وصلى قاعداً يومئ إيماء عند الحنابلة، عملاً بفعل ابن عمر كما أبنت سابقاً في الشرط الثالث. ويجب عليه أن يصلي عند الشافعية والحنفية ولو بطين يتطين به يبقى إلى تمام صلاته، أو بماء كدر غير صاف، وتكفيه الظلمة للاضطرار عند الحنفية والمالكية، وباليد عند الشافعية في الأصح وعند الحنابلة لحصول المقصود كما تقدم، ويصلي قائماً عند الشافعية متمماً الأركان، ولا إعادة عليه على المذهب عندهم كما أوضحت. ويصلي قاعداً مومياً بركوع وسجود عند الحنفية والحنابلة، وهو أفضل من الصلاة قائماً بإيماء أو بركوع وسجود؛ لأن الستر أهم من أداء الأركان.

стр. 723

قال الحنابلة: ومن كان في ماء وطين ولم يمكنه السجود على الأرض إلا بالتلوث بالطين والبلل بالماء صلى على دابته، يومئ بالركوع والسجود (١). انكشاف العورة فجأة: إن انكشفت عورة المصلي فجأة بالريح مثلاً عن غير عمد، فستره في الحال، لم تبطل صلاته عند الشافعية والحنابلة لانتفاء المحذور، وإن قصر أو طال الزمان، بطلت بسبب تقصيره، ولأن الكثير يفحش انكشاف العورة فيه، ويمكن التحرز منه، فلم يعف عنه (٢). وقال المالكية: تبطل الصلاة مطلقاً بانكشاف العورة المغلظة. وقال الحنفية: إذا انكشف ربع العضو من أعضاء العورة، فسدت الصلاة إن استمر بمقدار أداء ركن، بلا صنعه، فإن كان بصنعه فسدت في الحال. صلاة العراة جماعة: الجماعة مشروعة للعراة، فلهم عند الشافعية والحنابلة أن يصلوا فرادى أو جماعة، وفي حال الصلاة جماعة يقف الإمام معهم في الصف وسطاً، ويكون المأمومون صفاً واحداً، حتى لا ينظر بعضهم إلى عورة بعض، فإن لم يمكن إلا صفين، صلوا وغضوا الأبصار. وإن اجتمع نسوة عراة، استحب لهن الجماعة، وتقف المرأة الإمام وسطهن في كل حال لأنهن عورات؛ لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد، كما هو الثابت في السنة. ويصلون قياماً مع إتمام جميع الأركان عند الشافعية، ويومئون إيماء، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم عند الحنابلة. وهل الأفضل أن يصلوا جماعة أو فرادى؟

стр. 724

قال الشافعية: إن كانوا عُمْياً أو في ظلمة بحيث لا يرى بعضهم بعضاً، استحبت الجماعة بلا خوف، ويقف إمامهم قُدَّامهم. وإن كانوا بحيث يرون، فأصح الأقوال أن الجماعة والانفراد سواء. وإن وجد مع إنسان كسوة، استحب أن يعيرهم، فإن لم يفعل، لم يغصب منه؛ لأن صلاتهم تصح من غير سترة. وقال المالكية والحنفية: يصلون فرادى، ويتباعد بعضهم من بعض، وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويتقدمهم إمامهم (١). وإن لم يمكن تفرقهم صلوا جماعة قياماً صفاً واحداً مع ركوع وسجود، إمامهم وسطهم، غاضين أبصارهم وجوباً. حد العورة: يشترط عند أئمة المذاهب لصحة الصلاة ستر العورة كما تقدم، لكن الفقهاء اختلفوا في حد العورة للرجل والأمة والمرأة الحرة، فما آراؤهم تفصيلاً؟ مذهب الحنفية (٢): أـ عورة الرجل: هي ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته، فالركبة من الفخذ عورة في الأصح، عملاً بالمأثور عندهم: «عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته» أو «مادون سرته حتى يجاوز ركبته» (٣) ولحديث ضعيف عند الدارقطني: «الركبة من

стр. 725

: العورة» (١). ب - الأمَة (الرقيقة): كالرجل في العورة، مع ظهرها وبطنها وجنبها، لقول عمر رضي الله: «ألق عنك الخمار يا دفار، أتتشبهين بالحرائر» (٢)، ولأنها تخرج لحاجة مولاها في ثياب مهنتها عادة، فاعتبرت كالمحارم في حق الأجانب عنها دفعاً للحرج. جـ - المرأة الحرة ومثلها الخنثى: جميع بدنها حتى شعرها النازل في الأصح، ما عدا الوجه والكفين، والقدمين ظاهرهما وباطنهما على المعتمد لعموم الضرورة، والصوت على الراجح (٣) ليس بعورة، لكن ظهر الكف عورة على المذهب، والأصح أن باطن الكفين وظاهرهما ليسا بعورة. والقدمان ليسا بعورة في حق الصلاة على المعتمد، والصحيح أنهما عورة في حق النظر والمس. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور:٣١/ ٢٤] والمراد محل زينتهن، وما ظهر منها: الوجه والكفان، كما قال ابن عباس وابن عمر، وبقوله ﷺ : «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (٤) وبحديث عائشة السابق: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفه» (٥).

стр. 726

وبحديث عائشة المتقدم أيضاً: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» والخمار: ما يغطى به رأس المرأة. وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة، أي الفجور بها، أو الشهوة. والمعنى أنها تمنع من الكشف خوفاً أن يرى الرجال وجهها، فتقع الفتنة؛ لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة. ولا يجوز النظر إلى وجه المرأة والفتى الأمرد بشهوة، إلا لحاجة، كقاض أو شاهد أو للشهادة عليها، وخاطب يريد زواجها، فينظر ولو عن شهوة، بنية العمل بالسنة، لا قضاء الشهوة، وكذا في حال المداواة إلى موضع المرض بقدر الضرورة. والمعتمد عند الحنفية: أن كشف ربع عضو من أعضاء العورة (الغليظة وهي القبل والدبر وما حولهما، أو المخففة: وهي ما عدا السوأتين) (١) إن استمر بمقدار أداء ركن، بدون تعمد، وإنما سهواً، يبطل الصلاة؛ لأن ربع الشيء له حكم الكل، كما تقدم سابقاً. ولا تبطل بما دون ذلك، فمن كشف ربع بطن أو فخذ أو شعر نزل من الرأس، أو دبر، أو ذكر، أو أنثيين، أو فرج بطلت صلاته، إن استمر مقدار أداء ركن، وإلا لا يبطل. مذهب المالكية (٢): يجب ستر العورة عن أعين الناس إجماعاً، أما في الصلاة فالصحيح من المذهب وجوب ستر ما يأتي:

стр. 727

أـ عورة الرجل في الصلاة: هي المغلظة فقط وهي السوأتان وهما من المقدم: الذكر مع الأنثيين، ومن المؤخر: ما بين الأليتين. فيجب إعادة الصلاة في الوقت لمكشوف الأليتين فقط، أو مكشوف العانة. فليس الفخذ عورة عندهم، وإنما السوأتان فقط، لحديث أنس: «أن النبي ﷺ يوم خيبر حَسَر الإزار عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه» (١). ب - عورة الأمة هي السوأتان مع الأليتين، فإذا انكشف منها شيء من ذلك أو كشفت فخذاً كله أو بعضه، أعادت أبداً في الوقت، كالرجل. ووقت الإعادة في الظهر والعصر للاصفرار، وفي المغرب والعشاء: الليل كله، وفي الصبح لطلوع الشمس. جـ - عورة الحرة المغلظة: جميع البدن ما عدا الصدر والأطراف من رأس ويدين ورجلين. وما قابل الصدر من الظهر كالصدر. فإن انكشف من العورة المخففة شيء من صدرها أو أطرافها، ولو ظهر قدم لا باطنه، أعادت في الوقت الضروري السابق بيانه: في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح للطلوع. هذا بالنسبة للصلاة. أما بالنسبة للرؤية والصلاة أيضاً فيجب ولا يشترط ستر عورة الرجل وعورة الأمة. أما عورة الحرة أمام امرأة أخرى مسلمة أو كافرة، فهي للرؤية ما بين السرة والركبة. كما يجب على الحرة أمام رجل أجنبي، أي ليس بمحرم لها ستر جميع البدن

стр. 728

غير الوجه والكفين، أما هما فليسا بعورة، وإن وجب عليها سترها لخوف الفتنة، ولا يجوز للرجل أن يرى من المرأة المَحْرم ولو بمصاهرة ورضاع صدرها ونحوه غير الوجه والأطراف وإن لم يلتذ، خلافاً للشافعية وغيرهم الذين أجازوا رؤية ما عدا ما بين السرة والركبة، وذلك فسحة، والأطراف تشمل العنق والرأس وظهر القدم. يتبين من ذلك أن العورة في الرجل والمرأة بالنسبة للصلاة: مغلظة ومخففة. فالمغلظة للرجل: السوأتان (القبل وحلقة الدبر)، والمخففة له: ما زاد على السوأتين مما بين السرة والركبة. والمغلظة للأمة: الأليتان وما بينهما من فم الدبر، والفرج وما والاه من العانة. والمخففة: الفخذ وما فوق العانة للسرة. والمغلظة للحرة: جميع بدنها ما عدا الأطراف والصدر وما حاذاه من الظهر، والمخففة لها: هي جميع البدن ما عدا الوجه والكفين. فمن صلى مكشوف شيء من العورة المغلظة مع الذِّ كْر والقدرة على الراجح ولو بشراء أو إعارة، بطلت صلاته، ويعيد أبداً على المشهور. ومن صلى مكشوف شيء من العورة المخففة، لا تبطل صلاته، وإن كان كشفها مكروهاً ويحرم النظر إليها، ولكن يستحب لمن صلى مكشوف العورة المخففة أن يعيد الصلاة في الوقت الضروري (في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين: الليل كله، وفي الصبح للطلوع). ويحرم النظر للعورة ولو بلا لذة إذا كانت غير مستورة، أما النظر إليهما مستورة فهو جائز بخلاف جسها من فوق الساتر، فإنه لا يجوز. والعورة بالنسبة للرؤية: للرجل ما بين السرة والركبة، وللمرأة أمام رجل

стр. 729

أجنبي جميع بدنها غير الوجه والكفين، وأمام محارمها جميع جسدها غير الوجه والأطراف: وهي الرأس والعنق واليدان والرجلان، إلا أن يخشى لذة، فيحرم ذلك، لا لكونه عورة. والمرأة مع المرأة أو مع ذوي محارمها كالرجل مع الرجل: ترى ما عدا ما بين السرة والركبة، وأما المرأة في النظر إلى الأجنبي فهي كحكم الرجل مع ذوات محارمه وهو النظر إلى الوجه والأطراف (الرأس واليدين والرجلين). مذهب الشافعية (١): أـ عورة الرجل: ما بين سُرَّته وركبته (٢) في الصلاة والطواف وأمام الرجال الأجانب والنساء المحارم، لما روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: «عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته» وروى البيهقي «وإذا زوج أحدكم أمته - عبده أو أجيره - فلا تنظر - أي الأمة - إلى عورته» وروي في ستر الفخذ أحاديث، منها: «لا تُبرز فخِذاك، ولا تنظر إلى فخذي حي ولا ميت» (٣) ومنها قوله ﷺ لجَرْهد الأسلمي: «غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة» (٤). فالسرة والركبة ليستا من العورة على الصحيح، لحديث أنس السابق في مذهب المالكية المتضمن إظهار النبي ﷺ فخذه. لكن يجب ستر شيء من الركبة لستر الفخذ، ومن السرة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما أبان الشافعية والحنابلة والمالكية في الأصول (٥).

стр. 730

وأماعورة الرجل أمام النساء الأجانب بالنسبة للنظر، فجميع بدنه، وفي الخلوة: السوأتان فقط. وقد رد على استدلال المالكية بحديث أنس وعائشة المتضمنين أن الفخذ ليست بعورة، بوجوه أربعة: الأول: أنه حكاية فعل، وطرف الفخذ قد يتسامح في كشفه، لا سيما في مواطن الحرب ومواقف الخصام، والمقرر في الأصول: أن القول أرجح من الفعل. والثاني: أن حديث أنس وعائشة لا يقويان على معارضة تلك الأقوال الصحيحة العامة لجميع الرجال. والثالث: حديث عائشة في رواية مسلم فيه تردد: «كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه» والساق ليس بعورة إجماعاً، فهو مشكوك في المكشوف. والرابع: غاية ما في هذه الواقعة بكشف الفخذ: أن يكون ذلك خاصاً بالنبي ﷺ ؛ لأنه لم يظهر فيها دليل يدل على التأسي به في مثل ذلك، فيكون الواجب التمسك بالأقوال الناصعة على أن الفخذ عورة (١). ب - عورة الأمة كالرجل في الأصح، إلحاقاً لها بالرجل بجامع أن رأس كل منهما ليس بعورة، ولأن الرأس والذراع مما تدعو الحاجة إلى كشفه. جـ - عورة الحرة ومثلها الخنثى: ما سوى الوجه والكفين، ظهرهما وبطنهما من رؤوس الأصابع إلى الكوعين (الرسغ أو مفصل الزند) لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور:٣١/ ٢٤]، قال ابن عباس وعائشة رضي

стр. 731

الله عنهم: «هو الوجه والكفان» ولأن النبي ﷺ نهى المرأة الحرام (المحرمة بحج أو عمرة) عن لبس القفازين والنقاب (١)، ولو كان الوجه عورة لما حرم سترهما في الإحرام، ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء، وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء، فلم يجعل ذلك عورة. وإذا انكشف بعض العورة في الصلاة مع القدرة على سترها بطلت صلاته، إلا إن كشفها ريح أو سهواً، فسترها في الحال فلا تبطل، كما تقدم سابقاً. وإن كشفت بغير الريح أو بسبب بهيمة أو غير مميز فتبطل. ولا يجب على الرجل ستر عورته عن نفسه، لكنه يكره نظره إليها. وعورة المرأة الحرة بالنسبة للنظر: خارج الصلاة جميع بدنها أمام الرجال الأجانب، وأمام النساء الكافرات ما عدا ما يبدو عند المهنة أي الخدمة والاشتغال بقضاء حوائجها. وأما أمام النساء المسلمات والرجال المحارم: فعورتها كالرجل ما بين السرة والركبة. ودليل العلماء كافة على وجوب ستر العورة وعدم جواز نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة: حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة في الثوب الواحد» (٢) وحديث بَهْز بن حََكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، عوراتُنا ما نأتي منها، وما نَذَر؟ قال: احفظ عورتَك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك، قلتُ: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت ألا يراها أحد، فلا يَرَينَّها، قلت: فإذا

стр. 732

كان أحدنا خالياً؟ قال: فالله ﵎ أحقُ أن يُسْتَحيا منه» (١) فهو يدل على أن التعري في الخلاء غير جائز. ويؤيده حديث ابن عمر عند الترمذي بلفظ: «قال رسول الله ﷺ : إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط»، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم». واستدل البخاري على جواز التعري في الغسل بقصة موسى وأيوب. مذهب الحنابلة (٢): أـ عورة الرجل: ما بين سرته وركبته، للأحاديث السابقة التي استدل بها الحنفية والشافعية، وليست سرته وركبتاه من عورته، لحديث عمرو بن شعيب السابق: « .. فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة» وحديث أبي أيوب الأنصاري بلفظ: «أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة» (٣)، ولأن الركبة حد، فلم تكن من العورة كالسرة. والخنثى المشكل كالرجل، إذ لا نوجب عليه الستر بأمر محتمل متردد. ويجب بالإضافة لذلك لصحة الصلاة في ظاهر المذهب: أن يستر الرجل أحد منكبيه، ولو بثوب خفيف يصف لون البشرة؛ لأن وجوب ستر المنكبين بالحديث، ولفظه: «لا يصلي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء» (٤) وهذا نهي يقتضي التحريم، ويقدم على القياس، وروى أبو داود عن بريدة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يصلي في لحاف، ولا يتوشح به».

стр. 733

لكن من لم يجد إلا ما يستر عورته فقط أو منكبيه فقط، ستر عورته وصلى قائماً وجوباً، وترك ستر منكبيه، لقوله ﷺ : «إذا كان الثوب واسعاً، فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقاً فاشدده على حَقْوك» (١) أي خصرك. وعلى الرجل أن يستر عورته في الصلاة عن النظر، حتى عن نفسه، فلو رأى عورته من جيب واسع لقميصه، إذا ركع أو سجد، وجب زره ونحوه ليسترها، لعموم الأمر بستر العورة. كما يجب عليه سترها ولو في خلوة أو ظلمة، لحديث بَهْز بن حكيم السابق «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك … ». ولا يجب سترها بحصير وحفيرة وطين وماء كدر؛ لأن ذلك لا يثبت، وفي الحفيرة حرج. وإن انكشف من العورة يسير، لم تبطل صلاته، لما رواه أبو داود عن عمرو ابن سلمة الذي كانت تنكشف عنه بردته لقصرها إذا سجد. وإن انكشف من العورة شيء كثير، تبطل صلاته. والمرجع في التفرقة بين اليسير والكثير إلى العرف والعادة. لكن إن انكشف الكثير من العورة عن غير عمد، فستره في الحال، من غير تطاول الزمان، لم تبطل؛ لأن اليسير من الزمان أشبه اليسير في القَدْر. فإن طال كشفها، أو تعمد كشفها، بطلت الصلاة مطلقاً. ب - عورة الأمة كالرجل: ما بين السرة والركبة على الراجح، لحديث عمرو ابن شعيب السابق مرفوعاً: «إذا زوج أحدكم عبده - أمَتَه أو أجيره - فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإن ما تحت السرة إلى ركبته عورة».

стр. 734

هذا بالنسبة لعورة الأمة في الصلاة، بقصد التخفيف عنها، ودفع الحرج والتيسير عليها وعلى الآخرين، لانشغالها بخدمة سيدها، ولأن من شأن الأمة الابتذال والقيام بالأعمال، ولضعف الميل إليها غالباً، أما بالنسبة للنظر فيحرم على الناس غير السيد إدمان النطر إلى الإماء، منعاً من الفتنة، وللأمر بغض البصر عن جميع النساء. جـ - عورة الحرة البالغة: جميع بدنها سوى وجهها، وكفيها على الراجح - عند جماعة - من الروايتين، لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها﴾ [النور:٣١/ ٢٤]، قال ابن عباس وعائشة: «وجهها وكفيها» (١) وليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها في الصلاة، بدليل الأحاديث السابقة عند الشافعية. والدليل على وجوب تغطية القدمين: ما روت أم سلمة قالت: «قلت: يا رسول الله، أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: نعم، إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها» (٢) وهذا يدل على وجوب تغطية القدمين، ولأنه محل لا يجب كشفه في الإحرام، فلم يجز كشفه في الصلاة كالساقين. ويجزئ المرأة من اللباس ما سترها الستر الواجب، لحديث أم سلمة السابق والمستحب أن تصلي المرأة في دِرْع (قميص سابغ يغطي قدميها) وخمار يغطي رأسها وعنقها، وجلباب تلتحف به من فوق الدرع. وحكم انكشاف شيء من عورة المرأة غير الوجه والكفين بالتفرقة بين اليسير والكثير، كحكم الرجل سابقاً. و عورة المرأة مع محارمها الرجال: هي جميع بدنها ما عدا الوجه والرقبة واليدين والقدم والساق.

стр. 735

وجميع بدن المرأة حتى الوجه والكفين خارج الصلاة عورة كما قال الشافعية، لقوله ﷺ السابق: «المرأة عورة». ويباح كشف العورة لنحو تداوٍ وتخل في الخلاء، وختان، ومعرفة بلوغ، وبكارة وثيوبة، وعيب. عورة المسلمة أمام الكافرة: عورة الحرة المسلمة أمام الكافرة عند الحنابلة والمالكية كالرجل المحرم: ما بين السرة والركبة. وقال الحنفية والشافعية: جميع البدن ماعدا مايظهر عند المهنة أي الأشغال المنزلية. ومنشأ الخلاف تفسير المراد من آية النور ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ .. إلى أن قال: ﴿أو نسائهن﴾ [النور:٣١/ ٢٤] فال الحنابلة وآخرون: المراد بهن: عموم النساء، بلا فرق بين المسلمات والكافرات، فيجور للمرأة المسلمة أن تبدي من زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة. وقال الحنفية والشافعية: إن المراد بهن خصوص النساء المسلمات، أي المختصات بهن في الصحبة والأخوة في الدين، وعلى هذا فلا يحل للمسلمة أن تبدي شيئاً من زينتها الباطنة للكافرة (١). العورة المنفصلة: يحرم النظر إلى عورة الرجل عند الحنفية والشافعية متصلة كانت أو منفصلة من شعر أو ذراع أو فخذ. وقال الحنابلة: العورة المنفصلة لا يحرم النظر إليها لزوال حرمتها بالانفصال.

стр. 736

وقال المالكية: يجوز النظر إلى العورة المنفصلة حال الحياة، ويحرم النظر إلى العورة المنفصلة بعد الموت كالمتصلة. صوت المرأة: صوت المرأة عند الجمهور ليس بعورة؛ لأن الصحابة كانوا يستمعون إلى نساء النبي ﷺ لمعرفة أحكام الدين، لكن يحرم سماع صوتها بالتطريب والتنغيم ولو بتلاوة القرآن، بسبب خوف الفتنة. وعبارة الحنفية: الراجح أن صوت المرأة ليس بعورة. والخلاصة: أن العلماء اتفقوا على أن الفرجين عورة، وأن السرة ليست بعورة وأن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وأن عورة المرأة في الصلاة ما عدا الوجه والكفين، وما عدا القدمين عند الحنفية، وأن عورتها خارج الصلاة جميع بدنها. واختلفوا في الركبة، فقال الحنفية: إنها عورة، وقال الجمهور: إنها ليست بعورة، ولكن يجب ستر شيء منها ومن السرة، لأنها مقدمة الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأما عورة المرأة أمام أقاربها المحارم أو النساء المسلمات، فهي ما بين السرة والركبة عند الحنفية والشافعية، وقال المالكية: جميع بدنها ما عدا الوجه والأطراف: وهي الرأس والعنق واليدان والرجلان. وقال الحنابلة: جميع بدنها ما عدا الوجه والرقبة والرأس واليدين والقدم والساق فالقدم ليس بعورة عند الحنابلة والحنفية. حد عورة الصغير: اختلف الفقهاء في بيان حد عُمره الصغير والصغيرة، بين متشدد كالشافعية، ومخفف كالمالكية، ومتوسط كالحنابلة والحنفية. قال الحنفية (١): لا عورة للصغير جداً وهو من عُمره أربع سنين فأقل، فيباح

стр. 737

النظر إلى بدنه ومسه. ثم ما دام لم يشته فعورته القُبُل والدبر، ثم تغلظ عورته إلى عشر سنين، أي تعتبر عورته: الدبر وما حوله من الأليتين والقبل وما حوله. وبعد العاشرة تعتبر عورته كعورة البالغ في الصلاة وخارجها، سواء أكان ذكراً أم أنثى. وقال المالكية (١): يفرق بين الذكر والأنثى: أـ في الصلاة: عورة الصغير الذكر المأمور بالصلاة وهو بعد تمام السبع: هي السوأتان والأليتان والعانة والفخذ، فيندب له سترها كحالة الستر المطلوب من البالغ. وعورة الصغيرة المأمورة بالصلاة: ما بين السرة والركبة، ويندب لها سترها كالستر المطلوب من البالغة. ب - خارج الصلاة: ابن ثمان سنين فأقل لا عورة له، فيجوز للمرأة النظر إلى جميع بدنه وتغسيله ميتاً. وابن تسع إلى اثنتي عشرة سنة يجوز لها النظر إلى جميع بدنه، ولكن لا يجوز لها تغسيله. وابن ثلاث عشرة سنة فأكثر عورته كعورة الرجل. وبنت سنتين وثمانية أشهر لا عورة لها. وبنت ثلاث سنين إلى أربع لا عورة لها في النظر، فينظر إلى بدنها، ولها عورة في المس فليس للرجل أن يغسلها، والمشتهاة كبنت ست كالمرأة، لا يجوز للرجل النظر إلى عورتها ولا تغسيلها. وقال الشافعية (٢): عورة الصغير ولو غير مميز كالرجل: ما بين السرة والركبة. وعورة الصغيرة كالكبيرة أيضاً في الصلاة وخارجها.

стр. 738

وقال الحنابلة (١): الصغير الذي لم يبلغ سبع سنين: لا عورة له، فيباح النظر إليه ومس جميع بدنه. وابن سبع إلى عشر عورته الفرجان فقط في الصلاة وخارجها، وبنت سبع إلى عشر عورتها في الصلاة: ما بين السرة والركبة، وأما خارج الصلاة فمثل الكبيرة: أمام المحارم عورتها ما بين السرة والركبة ويستحب لها الاستتار وستر الرأس كالبالغة احتياطاً، وأمام الأجانب: عورتها جميع بدنها إلا الوجه والرقبة والرأس، واليدين إلى المرفقين، والساق والقدم. وابن عشر كالكبير تماماً. ويظهر لي أن هذا الرأي ورأي الحنفية أولى لاتفاقه مع حديث الأمر بالصلاة لسبع، والضرب عليها لعشر. الشرط الخامس - استقبال القبلة: اتفق الفقهاء على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة:١٥٠/ ٢] إلا في حالتين: في شدة الخوف، وصلاة النافلة للمسافر على الراحلة. وقيد المالكية والحنفية شرط الاستقبال بحالة الأمن من عدو وسبع وبحالة القدرة، فلا يجب الاستقبال مع الخوف، ولا مع العجز كالمربوط والمريض الذي لا قدرة له على التحول ولا يجد من يحوله، فيصلي لغيرها إلى أي جهة قدر، لتحقق العذر. واتفق العلماء على أن من كان مشاهداً معايناً الكعبة: ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقيناً. ومثله عند الحنابلة: أهل مكة أوالناشئ بها وإن كان هناك حائل محدث كالحيطان بينه وبين الكعبة.

стр. 739

وأما غير المعاين للكعبة ففرضه عند الجمهور (غير الشافعية) إصابة جهة الكعبة (١)، لقوله ﷺ : «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (٢) وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض إصابة عين الكعبة، لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها. وهذا هو الأرجح لدي. وقال الشافعي في الأم: فرضه - أي الغائب عن مكة - إصابة العين أي عين الكعبة؛ لأن من لزمه فرض القبلة، لزمه إصابة العين، كالمكي، ولقوله تعالى: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة:١٥٠/ ٢]، أي أنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة، فلزمه التوجه إلى عينها كالمعاين (٣). والمطلوب عند أئمة المذاهب في إصابة جهة الكعبة محاذاتها ببدنه وبنظره إليها (٤)، بأن يبقى شيء من الوجه مسامتاً (محاذياً) للكعبة، أو لهوائها عند الجمهور غير المالكية، بحيث لو امتد خط من وجهه في منتصف زاوية قائمة، لكان ماراً على الكعبة أو هوائها، والكعبة: من الأرض السابعة إلى العرش، فمن صلى في الجبال العالية والآبار العميقة السافلة، جاز، كما يجوز على سطحها وفي جوفها، ولو افترض زوالها، صحت الصلاة إلى موضع جدارها.

стр. 740

وقال المالكية: الواجب استقبال بناء الكعبة، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء. الاجتهاد في القبلة: يجب التحري والاجتهاد في القبلة أي بذل المجهود لنيل المقصود بالدلائل على من كان عاجزاً عن معرفة القبلة، واشتبهت عليه جهتها، ولم يجد أحداً ثقة يخبره بها عن علم أي يقين ومشاهدة لعينها، فمن وجده اتبعه؛ لأن خبره أقوى من الاجتهاد. والدليل على وجوب التحري: ما روى عامر بن ربيعة أنه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت ﴿فأينما تولوا فثَمَّ وجه الله﴾ [البقرة:١١٥/ ٢]» (١). ومن لم يجد ثقة يقلده اعتمد على الدلائل كالفجر والشفق والشمس والقطب وغيره من الكواكب، والريح الشرقي أو الغربي أو الجنوبي، وغيرها كثير، وأضعفها الرياح وأقواها نجم القطب في الليل. والقطب: نجم صغير من بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي، ويختلف باختلاف الأقاليم، ففي مصر يكون خلف أذن المصلي اليسرى، وفي العراق يكون خلف اليمنى، وفي أكثر اليمن يكون قبالته مما يلي جانبه الأيسر، وفي الشام وراءه.
следующие страницы →