← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

إن جهالة الوارث مانع آخر؛ لأنها كموته حكماً كما في المفقود. وزاد بعض الحنفية مانعاً سابعاً وهوالنبوة، لحديث الصحيحين: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» فكل إنسان يرث ولا يورث، إلا الأنبياء لا يرثون ولا يورثون. والحق أن النبوة ليست من الموانع؛ لأن النبوة معنى قائم في المورث، والمانع: هو ما يمنع الإرث لمعنى قائم في الوارث. وذكر المالكية (١) عشرة موانع للميراث هي: ١ - اختلاف الدين: فلا يرث كافر مسلماً إجماعاً، ولا يرث مسلم كافراً عند الجمهور، ولا يرث كافر كافراً إذا اختلف دينهما، خلافاً لأبي حنيفة والشافعية. وإذا أسلم الكافر بعد موت مورثه المسلم، لم يرثه. والمرتد في الميراث كالكافر الأصلي، خلافاً لأبي حنيفة فإن المسلم يرث عنده من المرتد. وأما الزنديق فيرثه ورثته من المسلمين إذا كان يظهر الإسلام. ٢ - الرق: فالعبد، وكل من فيه شعبة من رق كالمكاتب والمدبر وأم الولد. والمعتق بعضه، والمعتق إلى أجل، لا يرث ولا يورث، وميراثه لمالكه. ٣ - القتل العمد: فمن قتل مورثه عمداً، لم يرث من ماله ولا ديته، ولم يحجب وارثاً. فإن قتله خطأ ورث من المال دون الدية، وحجب غيره. ٤ - اللعان: فلا يرث المنفي به النافي، ولا يرثه هو. ٥ - الزنا: فلا يرث ولد الزنا والده، ولا يرثه هو؛ لأنه غير لاحق به، وإن أقر به الوالد حُدَّ، ولم يلحق به.

стр. 7457

ومن تزوج أمّاً بعد ابنة، أو بنتاً بعد أم، لم ترثه واحدة منها. ومن تزوج أختاً بعد أخت، والأولى في عصمته، ورثته دون الثانية. ٦ - الشك في موت المورث: كالأسير والمفقود. ٧ - الحمل: فيوقف به المال إلى الوضع. ٨ - الشك في حياة المولود: فإن استهل صارخاً ورث ووُرث، وإلا فلا، ولا يقوم مقام الصراخ: الحركة والعطاس في المذهب إلا أن يطول أو يرضع. ٩ - الشك في تقدم موت المورث أو الوارث: كميتين تحت هدم أو غرق، فلا يرث أحدهما الآخر، ويرث كل واحد منهما سائر ورثته. وهذا هو جهالة تاريخ الموتى عند الحنفية. ١٠ - الشك في الذكورة والأنوثة: وهو الخنثى، ويختبر بالتبول واللحية والحيض، فإن لحق بالرجال ورث ميراث الرجال، وإن لحق بالنساء ورث ميراثهن. وإن أشكل أمره، أعطي نصف نصيب أنثى، ونصف نصيب ذكر. وذكر الشافعية والحنابلة (١): ثلاثة موانع للإرث هي: الرق، والقتل، واختلاف الدين. وأضاف الشافعية موانع ثلاثة أخرى، فتصبح الموانع عندهم ستة، وهذه الثلاثة هي: ١ - اختلاف ذوي الكفر الأصلي بالذمة والحرابة: المشهور أنه لا توارث بين حربي وذمي لانقطاع الموالاة بينهما. والمعاهد والمستأمن كالذمي.

стр. 7458

٢ - الردة: لا يرث المرتد من أحد مسلم أو كافر، ولا يورث بحال، للحديث السابق: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» بل يكون ماله فيئاً لبيت المال، سواء اكتسبه في أثناء الإسلام أم في الردة. ويدخل هذا المانع في اختلاف الدين، كما أبان المالكية سابقاً. ٣ - الدور الحُكْمي: وهو أن يلزم من التوريث عدم التوريث، مثل: أن يقرّ أخ حائز للتركة بابن للمتوفى، فيثبت نسبه بإقرار الأخ، لكن لا يرث هذا الابن للدور؛ لأنه بإقرار هذا الأخ بالابن وثبوت نسبه من الأب، تبين عدم إرثه؛ لأنه محجوب به، فيلزم عليه بطلان إقراره؛ لأنه حينئذ لم يكن حائزاً للتركة، فيبطل نسب الولد، وإذا بطل فإنه لا يرث. ولكن إذا كان صادقاً في نفس الأمر، فإنه يجب أن يدفع له التركة ديانة فيما بينه وبين الله تعالى. إن إثبات الإرث أدى إلى نفيه، وكل ما أدى إثباته إلى نفيه ينتفي من أصله. وبالتأمل أرى أن ماذكره الفقهاء من موانع الإرث غير الأربعة المشهورة لا تعد في الحقيقة موانع، وإنما ينتفي الإرث لعدم تحقق شرط من شروط الإرث السابقة. لذا أعود لشرح الموانع الأربعة المشهورة وهي: المانع الأول - الرق: وهو لغة: العبودية، واصطلاحاً: عجز حكمي يقوم بالإنسان، سببه في الأصل: الكفر. فهو مانع من الإرث مطلقاً، سواء أكان تاماً أم ناقصاً في رأي الحنفية والمالكية، فلا توارث بين حر ورقيق، أي لا يرث الرقيق أحداً ولا يورث؛ لأن الرق ينافي أهلية التملك، إذ مقتضى كون الرقيق مالاً مملوكاً للسيد، ألا يكون مالكاً للمال، باعتبار أن المملوكية تنبئ عن العجز والهوان، والمالكية تنبئ عن

стр. 7459

القدرة والكرامة، فتتنافيان، ويكون جميع ما في يده من المال لسيده، فلو ورثناه لوقع الملك لسيده، فيكون توريثاً للأجنبي بلا سبب، وإنه باطل إجماعاً. ولم يذكر القانون السوري هذا النسب لإلغاء الرق من العالم. المبعض: استثنى الشافعية في المذهب الجديد وهو الأصح (١) العبد المبعض وهو من بعضه حر، فإنه يورث عنه إذا مات المال الذي ملكه ببعضه الحر؛ لأنه تام الملك عليه كالحر، فيرثه عنه قريبه الحر، أو معتق بعضه، وزوجته، ولا شيء لسيده، لاستيفاء حقه مما اكتسبه بالرِّقية. وقال الحنابلة (٢): من بعضه حر يرث ويورث بجزئه الحر (٣)، ويحجب

стр. 7460

على مقدار ما فيه من الحرية، ولا يرث ولا يورث ولا يحجب بالقدر الباقي فيه من الرق، لما روى عبد الله بن أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال في العبد يعتق بعضه: «يرث ويورث على قدر ما عتق منه» المكاتب: المكاتب عند الحنابلة إن لم يملك قدر ما عليه من أقساط الكتابة، هو عبد لا يرث ولا يورث، وإن ملك قدر ما يؤدي، ففيه روايتان: إحداهما: أنه عبد مابقي عليه درهم، لايرث ولايورث، وهو رأي الجمهور من الأئمة الآخرين، لقوله ﷺ : «المكاتب عبد مابقي عليه درهم» (١). والثانية: أنه إذا ملك مايؤدي، فقد صار حراً، يرث ويورث، فإذا مات من يرثه، ورث، وإن مات هو فلسيده بقية كتابته، والباقي لورثته، لحديث أم سلمة، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : «إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده مايؤدي، فلتحجب منه» (٢). المانع الثاني - القتل: اتفق الفقهاء على أن القتل مانع من الميراث، فالقاتل لايرث من قتيله، لقوله ﷺ : «ليس لقاتل ميراث» (٣)؛ لأنه استعجل الميراث قبل أوانه بفعل محظور، فعوقب بحرمانه مما قصد، لينزجر عما فعل، ولأن التوريث مع القتل يؤدي إلى الفساد، والله لايحب الفساد.

стр. 7461

ولكنهم اختلفوا في نوع القتل المانع: رأى الحنفية: أنه القتل الحرام: وهو الذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة، ويشمل القتل العمد وشبهه والخطأ ومايجري مجرى الخطأ، والذي يوجب القصاص هو القتل العمد: وهو عند أبي حنيفة: الضرب قصداً بالمحدد من السلاح أو مايجري مجراه في تفريق أجزاء البدن كالمحدَّد من الخشب أو الحجر. وعند الصاحبين والأئمة الثلاثة الآخرين: هو الضرب قصداً بما يُقْتل به غالباً، وإن لم يكن محدداً كحجر عظيم. وأما الذي يوجب الكفارة فهو إما شبه العمد: كأن يتعمد ضربه بما لايقتل به غالباً. وإما الخطأ: كأن رمى إلى الصيد فأصاب إنساناً أو انقلب في النوم على آخر فقتله، أو سقط من سطح عليه، أو سقط عليه حجر من يده فمات، أو وطئ الراكب بدابته أحداً. وما لم يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة، فلا يمنع من الميراث. وهو القتل بحق، أو بعذر، أو بالتسبب، والصادر من غير المكلف. والقتل بحق: مثل قتل المورث لتنفيذ القصاص أو الحد بسبب الردة أو الزنى حال الإحصان، والقتل دفاعاً عن النفس، وقتل العادل مورثه الباغي باتفاق الحنفية، وبالعكس عند أبي حنيفة ومحمد وهو قتل الباغي مورثه العادل مع الإمام، فلا يحرم ذلك أصلاً. والقتل بعذر: كقتل الزوج زوجته أو الزاني بها عند التلبس بالزنا؛ لفقده الشعور والاختيار حينئذ، وكالقتل الذي يتجاوز به حدود الدفاع الشرعي؛ لأن أصل الدفاع لايمكن ضبطه، فيعفى عن التجاوز فيه. والقتل بالتسبب: هو مالا يباشره القاتل، كحفر بئر أو وضع حجر في غير ملكه.

стр. 7462

والقتل الصادر من غير المكلف: هو القتل من الصبي أو المجنون. ففي هذه الأنواع الأربعة لايحرم القاتل من الميراث. وإذا قتل الأب ابنه عمداً، وإن لم يثبت به قصاص ولا كفارة، يحرم من الميراث؛ لأن القتل في أصله موجب للقصاص، إلا أنه سقط بقوله ﷺ : «لايقتل الوالد بالولد» (١). و رأى المالكية: أن القتل المانع من الإرث: هو قتل العمد العدوان سواء أكان مباشرة أم تسبباً. ويشمل الآمر به والمحرض عليه، والمسهل له، والشريك، وواضع السم في الطعام أوالشراب، والربيئة (من يراقب المكان أثناء مباشرة القتل) وشاهد الزور إذا بني الحكم على شهادته، والمكرِه إكراهاً ملجئاً على قتل معصوم الدم، وحافر البئر لمورثه، وواضع الحجر في طريقه، فيصطدم به فيموت. أما القتل خطأ: فلا يمنع من ميراث المال، ويمنع من إرث الدية. و رأى الشافعية: أن القاتل لايرث من مقتوله مطلقاً، سواء أكان مباشرة أم تسبباً، لمصلحة كضرب الأب والزوج والمعلم أم لا، مكرِهاً أم لا، بحق أم لا، من مكلف أم من غير مكلف. وهذا أوسع الآراء، ودليلهم عموم خبر الترمذي وغيره: «ليس للقاتل شيء» أي من الميراث. و رأى الحنابلة: أن القتل المانع من الإرث: هو القتل بغير حق، وهو المضمون بقصاص (قود) أو دية أو كفارة، فيشمل العمد وشبه العمد والخطأ، وماجرى مجرى الخطأ كالقتل بالتسبب، وقتل الصبي والمجنون والنائم.

стр. 7463

والخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على أن القتل مانع من الميراث، واختلفوا في نوع القتل، فاعتبر أبو حنيفة المباشرة مع العدوان عمداً أو خطأً، واعتبر مالك العمد العدوان، دون الخطأ، واعتبر الشافعي كل قتل مانعاً ولو من قاصر، واعتبر أحمد القتل المضمون بقصاص أو دية أو كفارة ولو من قاصر. فالقتل العمد وشبه العمد والخطأ وشبه الخطأ مانع من الميراث عند الجمهور مع مراعاة معنى العمد عند أبي حنيفة واستثناء القتل بالتسبب عند الحنفية، والقتل العمد وحده، سواء أكان الفاعل أصيلاً أم شريكاً مباشرة أم تسبباً هو المانع عند المالكية. وأخذ القانون المصري (م ٥) والقانون السوري (م ٢٢٣، ٢٦٤) بمذهب المالكية في تحديد نوع القتل المانع من الميراث والوصية، خلافاً لمذهب الحنفية في موضعين: القتل بالتسبب، والقتل الخطأ. إرث الزوج دية القتل الخطأ: رأى الحنفية أن دية الخطأ كسائر الديون، يرث منها كل واحد من الزوجين وغيرهما، لحديث: «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته» ولأنه ﷺ أمر بتوريث امرأة أشيم الضبابي من عقل (دية) زوجها، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورأى المالكية عدم توارث الزوجين من الدية، لانقطاع الزوجية بالموت، ولا وجوب للدية بعده (١). المانع الثالث - اختلاف الدين: اختلاف الدين بين المورث والوارث بالإسلام وغيره مانع من الإرث باتفاق

стр. 7464

المذاهب الأربعة، فلا يرث المسلم كافراً، ولا الكافر مسلماً، سواء بسبب القرابة أو الزوجية، لقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (١) وقوله: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» (٢) وهذا هوالراجح لأن الولاية منقطعة بين المسلم والكافر، وبه أخذ القانون المصري (م ٦) والقانون السوري (م ٢٦٤): «لا توارث بين مسلم وغير مسلم». وذهب معاذ ومعاوية والحسن وابن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين ومسروق ﵃ إلى أن المسلم يرث من الكافر، ولا يرث منه، لحديث «الإسلام يعلو ولا يعلى» (٣) ورد عليهم بأن المراد العلو بحسب الحجة أو بحسب القهر والغلبة، أي النصرة في العاقبة للمسلمين. وقال أحمد: يرث المسلم عتيقه الكافر. لعموم الحديث السابق: «الولاء لمن أعتق» (٤). إرث غير المسلمين: أما اختلاف الدينين بين الكفار أنفسهم كاليهود والنصارى، ففي جعله ما نعاً من الميراث خلاف: ١ - قال المالكية: لا يرث كافر كافراً إذا اختلف دينهما من اليهودية والنصرانية، فلا يتوارث اليهود من النصارى ولا النصارى من اليهود، لأنهما دينان مختلفان، ولا يرثان من مشرك ولا يرثهما مشرك، لعموم الحديث السابق:

стр. 7465

«لا يتوارث أهل ملتين شتى» ولأنه لا موالاة بينهم. وأما غير اليهودية والنصرانية من سائر الملل والنحل، فإنها تعتبر شيئاً واحداً، ويتوارث بعضهم من بعض (١). ٢ - وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: يتوارث الكفار بعضهم من بعض؛ لأن الكفر ملة واحدة في الإرث، لقوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ [الأنفال:٧٣/ ٨] فهو بعمومه يشمل جميع الكفار، وقوله سبحانه: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس:٣٢/ ١٠] ولأن جميع ملل الكفر في نظر الإسلام سواء في البطلان كالملة الواحدة، ولأن غير المسلمين سواء في معاداة المسلمين والتمالؤ عليهم، فهم في حكم ملة واحدة. وبه أخذ القانون المصري، فنصت المادة (٦) على أنه «يتوارث غير المسلمين بعضهم من بعض». ٣ - وقال ابن أبي ليلى: اليهود والنصارى يتوارثون فيما بينهم، ولا توارث بينهم وبين المجوس. إرث المرتد والزنديق (٢): المرتد: هو من ترك الإسلام إلى غيره من الأديان أو أصبح لا دين له. ولا خلاف في أن المرتد ومثله المرتدة لا يرث من غيره شيئاً، لا من مسلم ولا من كافر؛ لأنه أصبح لا موالاة بينه وبين غيره، ولا يقره الإسلام على ردته، وإنما يقتل، ولكن لا تقتل المرتدة عند الحنفية؛ لأنه ﷺ نهى عن قتل النساء، وإنما تحبس حتى

стр. 7466

وأما الإرث من المرتد ففيه خلاف: ١ - قال أبو حنيفة: يرث الورثة المسلمون من الرجل المرتد ما اكتسبه في حال الإسلام، وأما ما اكتسبه في حالة الردة، فيكون فيئاً لبيت مال المسلمين. وأما المرتدة: فجميع تركتها لورثتها المسلمين. ولم يفرق الصاحبان بين المرتد والمرتدة، وقالا: جميع تركتها في حالي الإسلام والردة لورثتهما المسلمين؛ لأن المرتد لا يقر على ما اعتقده، بل يجبر على عوده إلى الإسلام، فيعتبر حكم الإسلام في حقه، لا فيما ينتفع هو به، بل فيما ينتفع به وارثه. ٢ - وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): لا يرث المرتد ولا يورث كالكافر الأصلي، بل يكون ماله فيئاً لبيت المال، سواء اكتسبه في الإسلام، أم في الردة؛ لأنه بردته صار حرباً على المسلمين، فيكون حكم ماله كحكم مال الحربي. هذا إن مات على ردته، وإلا فماله موقوف، فإن عاد إلى الإسلام فهو له. ردة أحد الزوجين: قال الحنابلة: إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول، انفسخ النكاح في الحال، ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول ففيه روايتان: إحداهما - يتعجل الفرقة. والأخرى - يقف على انقضاء العدة، وأيهما مات لم يرثه الآخر.

стр. 7467

وأما الزنديق: فهو الذي يظهر الإسلام، ويستسر بالكفر، وهو المنافق، كان يسمى في عصر النبي ﷺ منافقاً، ويسمى اليوم زنديقاً، وهو يختلف عن المنافق في السعاية بالفساد والدعوة السرية لهدم الإسلام وتشكيك المسلمين بعقائدهم. وحكمه عند الجمهور غير المالكية كالمرتد على الخلاف والتفصيل السابق، فمال الزنديق عند الشافعية والحنابلة في بيت المال. وقال المالكية: يورث الزنديق خلافاً لسائر المرتدين، فيرثه ورثته المسلمون، إذا كان يظهر الإسلام. والخلاصة: إن الردة في الجملة تمنع الإرث، وقد عدها بعضهم مانعاً خاصاً غير اختلاف الدين؛ لأن للارتداد أحكاماً خاصة. فالمرتد لا يرث أحداً غيره مطلقاً، ولا يورث عند الجمهور غير الحنفية، ويورث عند الصاحبين مطلقاً، ويورث فقط ماله الذي اكتسبه حال الإسلام عند أبي حنيفة. المانع الرابع - اختلاف الدارين: المراد بالدار: الوطن الذي له منعة خاصة وسلطان مستقل. والمراد باختلاف الدارين: أن يكون كل من الوارث والمورث تابعاً لدولة تخالف الأخرى في المَنَعة (القوة أو الجيش) والمُلْك (السلطة) مع انقطاع العصمة بينهما، كأن يكون أحدهما من الهند والآخر من السويد. ويظهر هذا المانع بين دار الإسلام ودار الحرب أو بين أجزاء دار الحرب نفسها. أما دار الإسلام أو بلاد المسلمين، فتعتبر وطناً واحداً للمسلمين، فيرث المسلم في أي بلد آخر؛ لأن الإسلام صيَّر بلاد المسلمين وطناً واحداً، مهما تباعدت الديار، واختلفت الأنظمة وانقطعت الصلات. فلو مات مسلم في دار

стр. 7468

الحرب ورثه ورثته في دار الإسلام. فهذا المانع خاص بغير المسلمين؛ لأن بلاد الإسلام وطن واحد. وأما دار الحرب فتختلف أحكامها باختلاف دولها. واختلاف الدار مانع للإرث عند الحنفية فقط إذا كان بين الكفار، دون المسلمين، لثبوت التوارث بين أهل البغي وأهل العدل، وإن اختلفت المنَعة والمُلْك، فيكون هذا المانع خاصاً بغير المسلمين. واختلاف الدار ثلاثة أنواع: حقيقي وحكمي معاً، وحكمي فقط، وحقيقي فقط. أـ الاختلاف الحقيقي والحكمي معاً: يتحقق باختلاف التبعية والإقامة، كأن يكون الوارث حربياً في دار الحرب، والمورث ذمياً في دار الإسلام، فإذا مات الحربي في دار الحرب، وله أب أو ذمي في دار الإسلام، أو مات الذمي في دار الإسلام، وله أب أو ابن في دار الحرب، لم يرث أحدهما من الآخر؛ لأن الذمي من أهل دار الإسلام، والحربي من أهل دار الحرب، فهما وإن اتحدا ملة، لكن لتباين الدارين حقيقة تنقطع الولاية بينهما، فتنقطع الوراثة على الولاية؛ لأن الوارث خلف المورّث في ماله ملكاً ويداً وتصرفاً. ب - الاختلاف الحكمي فقط: يتحقق باختلاف التبعية أو الجنسية فقط، كأن يكون الوارث ألمانياً والمورث إنجليزياً معاً في ألمانيا وإنجلترا، أو يكون أحدهما ذمياً والآخر مستأمناً يقيمان معاً في دار الإسلام؛ لأن المستأمن من أهل دار الحرب حكماً. أو يكون كلاهما مستأمنين من دولتين مختلفتين، يقيمان معاً في دار الإسلام؛ لأن كلاً منهما حربي من دار مختلفة.

стр. 7469

فلا توارث بين هؤلاء جميعاً، لاختلاف التبعية. جـ - الاختلاف الحقيقي فقط: يتحقق باختلاف الإقامة مع اتحاد الرعوية أو التابعية. كألمانيين يقيم أحدهما في فرنسا، والآخر في أمريكا، مع الاحتفاظ بجنسيتهما، وكمستأمن في دارنا مع حربي في دار الحرب، كلاهما من دولة واحدة، يتوارثان، لاتحاد التبعية. النوعان الأول والثاني مانعان من الإرث، لاختلاف التبعية، ومناط المنع من الإرث دائر على التبعية، ويكون الاختلاف الحكمي هو السبب وحده في منع الميراث. أما النوع الثالث فغير مانع، للاتحاد في التبعية. وبه يظهر أن الحربيين: إن كانا في دارين من دور الحرب مع اتحاد الجنسية كان الاختلاف في الدار حقيقياً غير مانع، وإن كان في دارنا، كان الاختلاف حكمياً، مانعاً من الإرث، فلا يتوارثان في دار الإسلام إلا إذا صارا ذميين. واختلاف الدار لدى الشافعية ليس مانعاً من موانع الإرث، لكنهم قالوا: لاتوارث بين حربي ومعاهد، وهو يشمل الذمي والمستأمن، لانقطاع الموالاة بينهما، كما تقدم، فيوافقون الحنفية في النوع الأول. وليس اختلاف الدار مطلقاً لدى المالكية والحنابلة مانعاً للميراث، فيرث أهل الحرب بعضهم بعضاً، سواء اتفقت ديارهم أو اختلفت. أما القانون المصري في المادة (٦) فقد نص على أن اختلاف الدار لا يمنع من الإرث بين المسلمين. ولا يمنع بين غير المسلمين إلا إذا كانت شريعة الدار الأجنبية تمنع من توريث الأجنبي عنها.

стр. 7470

جرى هذا القانون على أن الأصل أن اختلاف الدار لا يمنع من التوارث بين غير المسلمين، كما يقول المالكية والحنابلة، إلا أنه شرط أن تكون شريعة الدار الأجنبية لا تمنع من توريث الأجنبي عنها، فإذا كانت شريعتها تمنع من توريث الأجنبي، كان اختلاف الدار عندنا مانعاً من الإرث، معاملة بالمثل. وأما القانون السوري في المادة (٢٦٤) فإنه نص على أنه «لا يمنح الأجنبي حق الإرث إلا إذا كانت قوانين بلاده تمنح مثل ذلك للسوريين» وذلك أخذاً بمبدأ المعاملة بالمثل، وهذا شامل مع الأسف المسلمين من جنسيات مختلفة، وهو لم يقل به فقيه. فمثلاً لا يورِّث السوريون الأتراك، ولا يورِّث الأتراك السوريين أخذاً بالمقابلة أو المعاملة بالمثل، وهذا غير جائز شرعاً لمخالفة النص القرآني: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الجحرات:٤٩/ ١٠]. لكن إذا فهم المقصود من كلمة (الأجنبي) أنه غير المسلم وغير المسيحي المقيم في بلاد إسلامية، لم يكن هناك مخالفة؛ لأن المسلم لا يعتبر في بلاد الإسلام أجنبياً، كما أن غير المسلمين المقيمين في البلاد الإسلامية يتوارث بعضهم من بعض (١). الفَصْلُ السَّادس: الحقوق المتعلِّقة بالتّركة: تعريف التركة: التركة لغة: ما يتركه الشخص ويبقيه، واصطلاحاً عند الجمهور غير الحنفية: هي كل ما يخلفه الميت من الأموال والحقوق الثابتة مطلقاً فتشمل الأشياء المادية من منقولات وعقارات، والحقوق العينية كحقوق الارتفاق

стр. 7471

من مسيل أوشِرب وغيرهما، والمنافع كحق الانتفاع بالمأجور والمستعار، والحقوق الشخصية كحق الشفعة وحق الخيار كخيار الشرط. وتشمل أيضاً ما تسبب فيه: من خمر صار خلاً بعد وفاته، وشبكة نصبها فوقع فيها بعد موته صيد، وكذلك الدية المأخوذة في قتله، بناء على الأصح عند الشافعية من دخولها في ملكه قبيل موته (١). وهي عند الحنفية: الأموال والحقوق المالية التي كان يملكها الميت. فتشمل الأموال المادية من عقارات ومنقولات وديون على الغير، والحقوق العينية التي ليست مالاً، ولكنها تقوم بمال أو تتصل به، كحق الشرب والمسيل والمرور والعلو، والرهن إذ يرث الورثة الدين موثقاً برهنه. وخيارات الأعيان، كخيار العيب وخيار التعيين وخيار فوات الوصف المرغوب فيه. ولا تشمل عندهم الخيارات الشخصية، كخيار الشرط وخيار الرؤية وحق الشفعة، فإنها حقوق متعلقة بشخص المتوفى لا بماله. ولاتشمل أيضاً المنافع كالإجارة والإعارة، لانتهاء العقد بالموت، ولأن المنافع ليست مالاً عند متقدمي الحنفية. ولا تشمل قبول الوصية، فتلزم الوصية بموت الموصى له، أي قبل أن يقبل أو يرد، ويعتبر عدم الرد قبولاً. والحنفية يحصرون التركة في المال أوالحق الذي له صلة بالمال فقط، فالذي يورث عندهم هو الأعيان المالية، أما الحقوق فمنها ما يورث كحق حبس المبيع وحبس الرهن، ومنها ما لا يورث كحق الشفعة وخيار الشرط وحد القذف وحق

стр. 7472

التزويج. وكذا لا يورث خيار القبول والإجارة والإجازة في بيع الفضولي والأجل. ولا تورث الولايات والعواري والودائع والرجوع عن الهبة. أما خيار العيب وخيار التعيين والقصاص وخيار الرؤية وخيار الوصف، فيورث. وأما الحقوق المتعلقة بالتركة فهي قسمان (١): الأول - أن يتعلق بها حق الغير حال الحياة: وهذا لا يسمى تركة، فيقدم على تجهيز الميت لتعلقه بالمال قبل صيرورته تركة، وإنما يسمى بالحقوق العينية: وهي التي تتعلق بعين الأموال التي يتركها المتوفى، كحق البائع في تسلم المبيع، وحق المرتهن في المرهون، ومثله عند الحنفية: حق المستأجر الذي عجل الأجرة، فإنه أحق بالمأجور إلى انتهاء مدة الإجارة، أو يرد إليه ما عجل من أجرة؛ لأنه إذا عجل المستأجر إعطاء الأجرة ثم مات المؤجر، صارت الدار هنا بالأجرة. والثاني - ألا يتعلق بها حق الغير: هذا هو المسمى تركة ويتعلق به حقوق أربعة على الترتيب التالي: تجهيز الميت وتكفينه، ثم قضاء ديونه، ثم تنفيذ وصاياه، ثم حق الورثة في قسمة الباقي. وبيان كل حق فيما يلي: ١ - تجهيز الميت وتكفينه: يبدأ وجوباً بتكفين الميت وتجهيزه بالمعروف بحسب يساره وإعساره عند المالكية والشافعية والحنابلة، أوبلا تبذير ولا تقتير عند الحنفية؛ لأن ذلك من الأمور الضرورية التي تتعلق بحق الميت ورعاية حرمته وكرامته الإنسانية بمواراته في قبره،

стр. 7473

ولقوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان:٦٧/ ٢٥] وذلك بحسب السنة باعتبار العدد (ثلاثة أثواب للرجل وخمسة للمرأة)، وباعتبار القيمة بقدر ما كان يلبسه في حياته، من أوسط ثيابه، لا الذي يتزين به في الجمع والأعياد. ويراعى أيضاً حال الورثة وخاصة الصغار. والتجهيز المطلوب: هو كل ما يحتاج إليه الميت من حين موته إلى أن يوارى في قبره من نفقات غسله وكفنه وحمله ودفنه وحفر قبره، لقوله ﷺ في الذي وقصته ناقته في الحج: «كفنوه في ثوبيه» (١) ولم يسأل: هل عليه دين، أو لا، لاحتياجه إلى ذلك. ويكون التجهيز من التركة، فإذا لم يكن للميت تركة، فكفنه على من وجبت عليه نفقته في حال حياته. . ويقدم أيضاً تجهيز من مات قبله ولو بلحظة واحدة، ممن تلزمه نفقته كوالده وولده وزوجته وخادمها. ويدخل عند الشافعية وأبي يوسف (ورأيه هو المفتى به عند الحنفية) في الزوجة: المرأة البائن الحامل، والرجعية؛ لأن نفقة الزوجة على زوجها، وتجهيزها من نفقتها، وقال محمد بن الحسن ومالك وأحمد: ليس على الزوج تجهيز الزوجة مطلقاً ولو كانت معسرة؛ لأن الزوجية قد انقطعت بالموت، فتجهز من مالها أو من أقاربها. وهذا في تقديري غير مقبول عشرة وأدباً وعرفاً. ولا يعد من نفقات التجهيز: ما استحدثه الناس في عصرنا من بدع ومظاهر من إقامة المآتم وحفلات التشييع وولائم أيام الخميس والجمع والأربعين والذكرى السنوية، وما يدفع لبعض المنشدين والمرتلين من أذكار وتلاوات، فهو كله من البدع التي لا يجوز الإنفاق عليها من التركة.

стр. 7474

فمن أنفق شيئاً على هذه الأمور فهو الضامن له، فإن كان وارثاً فهو من ماله الخاص، وإن كان أجنبياً فهو متبرع، ولا تنفذ النفقة على الدائنين إذا كانت التركة مدينة إلا برضاهم. وتقديم نفقات التجهيز على الديون هو مذهب الحنابلة، أما الحنفية والشافعية فقدموا قضاء الديون على مؤن التجهيز، وقدم المالكية الدين الموثق برهن على التجهيز. جاء في العذب الفائض ١/ ١٣: قدَّم الجمهور غير الإمام أحمد الحقوق المتعلقة بعين التركة على التجهيز. ٢ - قضاء ديونه: ثم بعد التجهيز تقضى ديون (١) الميت من جميع ماله الباقي بعد التجهيز، والسبب في تأخيره عن الكفن وتوابعه أنه لباسه بعد وفاته كلباسه في حياته؛ إذ لا يباع ماعلى المديون من ثيابه مع قدرته على الكسب، ويقدم على الوصية، وإن قدم ذكرها عليه في الآية، لقول علي ﵁: «رأيت رسول الله ﷺ بدأ بالدين قبل الوصية» (٢) وحكمة تقديمها: الاهتمام بها وعدم التفريط فيها، لكونها تشبه الميراث في أخذها بلا عوض، فيشق على الورثة إخراجها، فقدمت حثاً على أدائها مع الدين، وتنبيهاً على أنها مثله في وجوب الأداء، أما الدين فنفوس الدائنين مطمئنة إلى أدائه. والحاصل أن أسباب تقديم الوصية على الدين في النظر القرآني هي ما يأتي: أولاً - لأن الوصية أقل لزوماً من الدين، فقدمها اهتماماً بها، وأخر الدين

стр. 7475

لندرته، فإنه قد يكون وقد لا يكون، فبدأ بالذي لا بد منه، وعطف الذي قد يقع أحياناً. ويؤكده العطف بأو، ولو كان الدين راتباً لكان العطف بالواو. ثانياً - إن الوصية حظ مساكين ضعفاء فقدمها، لأنه حظ غريم يطلبه بقوة، وله فيه مقال. ثالثاً - إن الوصية حظ مساكين ضعفاء فقدمها، والدين ثابت مُؤدى، سواء ذكره أو لم يذكره. رابعاً - تقديم الدين على الوصية ظاهر؛ لأن قضاء الدين فرض على المدين يجبر على أدائه في حال حياته، والوصية تطوع، والفرض أقوى. والدين الواجب الوفاء عند الحنفية: هو الذي له مطالب من جهة العباد، وأما ديون الله كالزكاة والكفارات، فلا يجب على الورثة أداؤها إلا إذا كان المتوفى قد أوصى بأدائها. وعلى كلٍ ف الديون أربعة أنواع: ١) - الديون المتعلقة بالأعيان كالدين المتعلق بالمرهون إذا لم يكن للميت شيء سواه، وقد بينت أنها تقدم عند الحنفية على التكفين والتجهيز، وأما في القانون فتؤخر عن التجهيز، أخذاً بمذهب الحنابلة. ٢) - ديون الله تعالى: كالزكاة والكفارة والنذور، تسقط بالموت عند الحنفية، ولا يجب على الورثة أداؤها عن الميت إلا بإنابة منه بأن يوصي بها أن تؤدى عنه من تركته، فتؤدى من ثلث المال فقط. وقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: هذه الديون واجبة الأداء

стр. 7476

ومتعلقة بالتركة، وتؤدى ولو لم يوص بها الميت، وهذا الرأي أصح لما فيه من إبراء الذمة. ٣) - ديون العباد أوديون الميت التي لزمته في ذمته حال الصحة: تقدم على دين المرض، وديون الصحة في منزلة واحدة مهما اختلفت أسبابها كالقرض والمهر والأجرة ونحوها من كل ما وجب في الذمة بدلاً عن شيءآخر. ودين الصحة: هو ماكان ثابتاً بالبينة، أو بالإقرار في زمان صحته، أو بالإقرار في زمان مرضه، وعلم ثبوته بطريق المعاينة بأن كان سببه معلوماً للناس كثمن دواء أو غيره، أو بدل شيء استهلكه. ودين المرض، أي مرض الموت: هو ما ثبت بإقرار المدين في مرض موته. وهو أضعف من دين الصحة لضعف إقرار المريض. وتقدم عند المالكية حقوق العباد على حقوق الله تعالى، وعند الشافعي بالعكس كما سأوضح. وأما عند الحنفية فتسقط حقوق الله ولا تؤدى. ٤) - ديون المرض التي لزمت الميت عن طريق الإقرار ولم يعلم الناس بها: تؤخر عن ديون الصحة؛ لأن الإقرار في مرض الموت مظنّة التبرع أو المحاباة، فتكون في حكم الوصايا التي تنفذ من الثلث، وهي مؤخرة عن الديون. ولم يفرق الجمهور بين ديون الصحة وديون المرض، فهي في مرتبة سواء، لأنه إن عرف سببها للناس فهي ملحقة بديون الصحة على رأي الحنفية، وإن لم يعرف سببها يكفي الإقرار في إثباتها؛ لأن الإقرار حجة ملزمة لا تلغى إلا إذا ثبت ما يبطلها أو يكذبها. وأخذ القانون المصري (م ٤) والسوري (م ٢٣٨) برأي الجمهور، فلم يفرق بين الديون، وأطلق تقديمها بدون تفصيل. ويحسن بيان آراء المذاهب الأخرى في الديون، كل رأي على حدة.

стр. 7477

قال المالكية (١): يبدأ من تركة الميت بحق تعلق بذات كمرهون، ثم بمؤن التجهيز، ثم بقضاء الديون، فالوصايا، بأن يقدم قضاء الدين من رأس المال على الوصايا، أي دينه الذي عليه لآدمي، سواء حل أجله أم لا؛ لأن الدين يحل بموت المدين. ثم يقدم هدي التمتع، سواء أوصى به أم لا، ثم زكاة فطر فرط فيها، وكفارات أشهد في صحته أنها بذمته أو أوصى فقط. وتعد زكاة نقد حلَّت وأوصى بها مثلَ كفارات أشهد بها. والحاصل: أن زكاة الفطر التي فرط فيها، والكفارة التي لزمته، مثل كفارة اليمين والصوم والظهار والقتل، إذا أشهد في صحته أنهما بذمته، فإن كلاً منهما يخرج من رأس المال، سواء أوصى بإخراجهما أو لم يوص. ومثلهما الزكاة التي حل وقت أدائها. وقال الشافعية (٢): تقضى الديون بذمة الميت من رأس المال سواء أذن الميت في قضائها، أم لا، لزمته لله تعالى أم لآدمي؛ لأنها حقوق واجبة عليه. ويقدم دين الله تعالى كالزكاة والكفارة والحج على دين الآدمي في الأصح. ويقدم على مؤنة التجهيز الدين المتعلق بعين التركة، كزكاة المال الذي وجبت فيه؛ لأنه كالمرهون بها، والمرهون لتعلق حق المرتهن به، والمبيع بثمن في الذمة، إذا مات المشتري مفلساً بثمنه، تقديماً لحق صاحب التعلق على حق غيره، كما في حال الحياة. وهذا موافق لرأي الحنفية المتقدم. وقال الحنابلة (٣): ما بقي بعد مؤنة التجهيز بالمعروف يقضى من ديونه، سواء

стр. 7478

وصى بها أم لا، ويبدأ منها بالمتعلق بعين المال كدين برهن، وأرش جناية برقبة الجاني ونحوه، ثم الديون المرسلة في الذمة، سواء أكانت الديون لله تعالى كزكاة المال وصدقة الفطر، والكفارات والحج الواجب والنذر، أم كانت لآدمي كالديون من قرض وثمن وأجرة وجعالة استقرت في الذمة ونحوها، والعقل (الدية) بعد الحول، وأرش الجنايات (تعويضها) والغصوب وقيم المتلفات وغيرها، لما تقدم من أنه ﷺ قضى بالدين قبل الوصية. فإن ضاق المال تحاصوا. ٣ - تنفيذ وصاياه: تنفذ الوصايا من ثلث المال الباقي لامن ثلث أصل المال بعد أداء الحقوق المتقدمة، لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [النساء:١١/ ٤]؛ لأن ما تقدم قد صرف في ضروراته التي لا بد منها، فالباقي هو مال الميت الذي أجاز له الشرع أن يتصرف في ثلثه، ولا تنفذ وصاياه فيما زاد عليه إلا بإجازة الورثة، سواء أكان الموصى له أجنبياً أم وارثاً؛ فإن أجازوا نفذت، وإن أجاز بعضهم دون بعض، نفذت في مقدار حصة المجيز دون غيره. كما لاتنفذ الوصية لوارث مطلقاً إلا بإجازة الورثة، سواء أكانت أقل من الثلث أم أكثر. وتقدم الوصية على الإرث، سواء أكانت مطلقة كأن تكون بجزء شائع من التركة كالثلث أو الربع، أم معينة وهي ما تكون بشيء من التركة كدار معلومة أو نقود مقدرة. هذا في الوصايا الاختيارية، أما الوصية الواجبة التي أخذ بها القانون المصري (م ٧٦) لأولاد المتوفى في حياة والده، والقانون السوري (م ٢٥٧) لأولاد الابن المتوفى في حياة أبيه دون أولاد البنت، فتقدم بعد قضاء الدين على الوصية الاختيارية.

стр. 7479

ترتيب الوصايا عند الحنفية في حقوق الله وحقوق العباد: يرى الحنفية: أن الوصية إن كانت بفرض من فروض الله تعالى، فيقدم عليها الدين؛ لأن الدين أقوى منها، فإن كانت الوصية في الزكاة التي تساوي الدين في الإجبار بالحبس على الأداء، فالدين أقوى؛ لأن القاضي إذا وجد من مال المدين ما يجانس الدين، يأخذه بلا رضاه ويدفعه لصاحبه، وليس له الأخذ في الزكاة، وإن ظفر بجنسها. وإن كانت الوصية بما سوى الزكاة كحَجَّة الإسلام والنذر والكفارة، فدين العباد مقدم عليها أيضاً، وإن استويا في الفريضة؛ لأنه يجبر على أداء الدين بالحبس، ولا يجبر به على أداء شيء من تلك الفروض، فالدين أقوى. وإن اجتمع حق الله تعالى وحق العباد في عين كالتركة، وضاقت عن الوفاء بهما، يقدم حق العباد، لاحتياجهم مع استغناء الله تعالى وكرمه. وإن كان الدين من حق الله تعالى: فإن أوصى به الميت، وجب تنفيذه من ثلث ماله الباقي بعد الدين المستحق للعباد، وإن لم يوص لم يجب. ومن فاتته صلوات وأوصى أن يطعم عنه، فعلى الورثة أن يطعموا عنه من الثلث، لكل صلاة نصف صاع من بر، وكذا للوتر؛ لأنه واجب عند أبي حنيفة. وإن فاته صوم رمضان لسفر أو مرض، وتمكن من قضائه ولم يقض حتى مات، وأوصى بالإطعام، فعلى الورثة أن يطعموا من الثلث، لكل يوم نصف صاع من بر. وإن أوصى بالحج يؤدى من الثلث أيضاً.

стр. 7480

٤ - حق الورثة: يقسم الباقي بعد أداء الحقوق المتقدمة على الورثة بحسب مراتبهم. والورثة: هم الذين ثبت نسبهم أو صلتهم بالميت، واستحقوا الإرث الثابت نصيبهم بالكتاب أو السنة أو الإجماع. ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة في القانون: نص القانون المصري (م ٤) على أنه يؤدى من التركة بحسب الترتيب الآتي: أولاً - ما يكفي لتجهيز الميت ومن تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن. ثانياً - ديون الميت. ثالثاً - ما أوصى به في الحد الذي تنفذ فيه الوصية. رابعاً - ما بقي بعد ذلك على الورثة. فإذا لم توجد ورثة قضي من التركة بالترتيب الآتي: أولاً - استحقاق من أقر له الميت بنسب على غيره. ثانياً - ما أوصى به فيما زاد على الحد الذي تنفذ فيه الوصية. فإذا لم يوجد أحد من هؤلاء آلت التركة أو ما بقي منها، إلى الخزانة العامة. ويلاحظ أن القانون - عملاً بمذهب الحنابلة خلافاً للجمهور- قدم تجهيز الميت على كل الحقوق؛ لأن المدين حال حياته لا تؤدى ديونه إلا مما فضل عن حاجاته، فلا يباع منزله ولا ثوبه، فكذلك الأمر بعد وفاته لا تؤدى ديونه إلا مما فضل بعد التجهيز.

стр. 7481

وتظهر ثمرة الخلاف بين الرأيين في العين المرهونة إذا مات عنها صاحبها ولم تكن كافية لقضاء ديونه، فالمالكية والحنفية، والشافعية يقدمون أداء الدين، ويجعلون التجهيز على أقاربه أو من حضر من المسلمين أو على بيت المال، والحنابلة يقدمون التجهيز، كما أن المالكية يقدمون التجهيز على الديون العادية غير الموثقة برهن. ونص القانون السوري (م ٢٦٢) على ما يلي: يؤدى من التركة بحسب الترتيب الآتي: أـ ما يكفي لتجهيز الميت ومن تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن بالقدر المشروع. ب - ديون الميت. جـ - الوصية الواجبة. هـ - المواريث بحسب ترتيبها في هذا القانون. الفَصْلُ السّابع: أنواع الوارثين وعددهم ومراتبهم وطريقة توريثهم في المذاهب: أولاً - أنواع الوارثين: الإرث المجمع عليه اثنان: إما أن يكون بالفرض أو بالتعصيب، وأضاف الحنفية والحنابلة: أو بقرابة الرحم (١). أما الإرث بالفرض: فهو استحقاق سهم معين مقدر بكتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله ﷺ ، أو بالإجماع.

стр. 7482

وأما الإرث بالتعصيب: فهو استحقاق ما أبقته الفرائض، أو استحقاق جميع التركة عند عدم أصحاب الفرائض. ويقدم الأول على الثاني، لقوله ﵊: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقته الفرائض، فلأولى - أي أقرب - رجل ذكر». وقد يرث المرء بالفرض فقط، وهم تسعة - ستة: الأم، والجدة، والزوج، والزوجة، والأخ لأم، والأخت لأم. وقد يرث بالتعصيب فقط: وهم الابن وابن الابن، والأخ الشقيق، وللأب، والعم، وابن الأخ، وابن العم، والمولى، والمولاة. وقد يرث مرة بالفرض، ومرة بالتعصيب ولا يجمع بينهما، وهم أربعة أصناف من النساء: البنت، وابنة الابن، والأخت الشقيقة، وللأب، فإن كان مع كل واحدة منهن ذكر من صنفها ورثت معه بالتعصيب، للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن لم يكن معها ذكر ورثت بالفرض، والأخوات الشقيقات وللأب عصبة مع البنات. وقد يرث مرة بالفرض، ومرة بالتعصيب ويجمع بينهما، وهما اثنان: الأب والجد، فإن كل واحد منهما يرث سهمه، فإن فضل بعد ذوي السهام شيء أخذه بالتعصيب. وأما الإرث بقرابة الرحم فهو عند الحنفية والحنابلة: استحقاق عند عدم العصبات وذوي الفرائض، واستثنى الحنابلة من أصحاب الفروض الزوجين، فقالوا: يرث ذو الرحم عند عدم العصبات وأصحاب الفروض غيرا لزوجين. والمشهور عند المالكية وأصل المذهب الشافعي: أنه لا يرث ذوو الأرحام ولا

стр. 7483

يرد على أهل الفرض، بل المال لبيت المال، وأفتى المتأخرون من الشافعية إذا لم ينتظم بيت المال، بالرد على أهل الفرض غير الزوجين، ما فضل عن فروضهم بالنسبة، فإن لم يكونوا صرف إلى ذوي الأرحام، وكذلك قال متأخرو المالكية: يرد على ذوي الفروض، فإن لم يكن فعلى ذوي الأرحام. ثانياً - عدد الوارثين: حصر الفقهاء عدد الوارثين من الرجال والنساء (١)، فقالوا: الوارثون من الرجال المجمع على توريثهم عشرة، وهم بطريق الاختصار: الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، والأب، ثم الجد وإن علا، والأخ ثم ابن الأخ، والعم ثم ابن العم، والزوج، ومولى النعمة أي المُعْتِق. أما بطريق البَسْط فهم خمسة عشر: الابن، وابنه وإن نزل، والأب، والجد وإن علا، والأخ الشقيق، والأخ للأب، والأخ للأم، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ للأب، والعم الشقيق، والعم للأب، وابن العم الشقيق، وابن العم للأب، والزوج، والمعتق. ومن عدا هؤلاء من الذكور: فمن ذوي الأرحام. والوارثات من النساء المجمع على توريثهن سبعة، وهم بطريق الاختصار: البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم، والجدة وإن علت، والأخت، والزوجة، ومولاة النعمة، أي المعتقة. وأما بطريق البَسْط فعشرة: البنت، وبنت الابن، والجدة لأم، والجدة لأب، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم، والزوجة، والمعتقة. ومن عدا هؤلاء من الإناث، فمن ذوي الأرحام.

стр. 7484

ثالثاً - مراتب الورثة: يبدأ في قسمة الباقي من التركة بين الورثة بعد التجهيز وتسديد الديون وتنفيذ الوصايا على الترتيب التالي (١): ١ - أصحاب الفروض: وهم الذين لهم سهام مقدرة في كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله ﷺ ، أو الإجماع، سواء أكانوا من ذوي القرابة النسبية أم السببية، وهم اثنا عشر: فمن النسب: ثلاثة من الرجال، وسبعة من النساء، ومن التسبب اثنان، وهما الزوجان. أما الرجال الثلاثة: فهم الأب والجد والأخ لأم. وأما النساء السبعة: فهن البنت، وبنت البنت، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم، والأم، والجدة. فذو الفرض: هو ذو النصيب المقدر شرعاً، فلا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول. ٢ - العصبات النسبية: وهم الأقارب الذكور من جهة الأب الذين يأخذون الباقي من التركة بعد أصحاب الفرض، ويأخذون التركة كلها إن لم يكن هناك صاحب فرض أصلاً كالابن والأب والأخ الشقيق أو لأب، والعم الشقيق أو لأب. والعصوبة النسبية أقوى من السببية، بدليل أن أصحاب الفروض النسبية يرد علىهم دون أصحاب الفروض السببية، أي الزوجين.

стр. 7485

٣ - العصبة السببية: وهو المعتق (أو مولى العَتَاقَة) ذكر كان أو أنثى، فإن من أعتق عبداً أو أمة، كان الولاء له، ويرثه به إذا لم يكن للمتوفى عصبة نسبية، فيأخذ الباقي بعد أصحاب الفرض، ويأخذ التركة كلها إن لم يكن للمتوفى أحد من ذوي الفروض. ويسمى المذكور ولاء العتاقة والنعمة. ٤ - عصبة مولى العتاقة: يرث عصبة المعتق إذا مات العبد ولم يكن مولاه حياً. هذا مارتبه الحنفية ولكن القانون المصري (م ٣٩) خالف الترتيب، فأخَّر مولى العتاقة وعصبته عن الرد على أصحاب الفروض وعن ذوي الأرحام. ٥ - الرد على أصحاب الفروض النسبية: إذا كان للمتوفى أقارب من أصحاب الفروض، ولم يكن له عصبة نسبية ولا سببيه، وقد بقي من التركة شيء، فيرد الباقي على ذوي الفروض النسبية فقط، يقتسمونه بنسبة أنصبائهم لبقاء قرابتهم بعد أخذ فرائضهم، ولا يرد أصحاب الفروض السببية، أي الزوج والزوجة؛ إذ لا قرابة لهما بعد أخذ فرضهما. والقائلون بالرد هم الحنفية والحنابلة، أما المالكية، والشافعية المتقدمون، فلا يرد عندهم، وإنما يدفع الباقي لبيت المال. وأفتى متأخرو الشافعية بالرد على غير الزوجين إذا لم ينتظم بيت المال، وكذلك متأخرو المالكية أفتوا بالرد. وخالف القانون المصري (م ٣٠) أيضاً هذا الترتيب، فأخر الرد عن إرث ذوي الأرحام. ٦ - ذوو الأرحام: وهم أقارب الميت الذين ليسوا ذوي فروض ولاعصبة، إما من الإناث كالعمة والخالة وبنت الأخ، أو من الذكور الذين تتوسط بينهم وبين الميت أنثى كأب الأم، وأولاد الأخت، وأولاد البنت.

стр. 7486

ويرث هؤلاء إذا لم يكن للميت أحد من أصحاب الفروض الذين يرد عليهم، ولا أحد من العصبة النسبية أو السببية. هذا عند الحنفية والحنابلة. ولكن يلاحظ ما تقدم: أن متأخري المالكية اعتمدوا الرد على ذوي السهام، فإن لم يكن فعلى ذوي الأرحام. وأن متأخري الشافعية أفتوا بالرد إذا لم ينتظم بيت المال، فإن لم يكن أحد من ذوي الفروض أو العصبات، صرف المال إلى ذوي الأرحام. ٧ - مولى الموالاة: وهو أن يتعاقد شخص مجهول النسب مع آخر على أن يعقل (١) عنه إذا جنى، ويرثه إذا مات، ويسمى القابل مولى الموالاة، فيأخذ جميع التركة إذا انعدم أصحاب الفروض النسبية والعصبات وذوو الأرحام، أو يأخذ الباقي منها بعد فرض أحد الزوجين إذا كان الحليف متزوجاً، وإذا لم يكن مولى الموالاة حياً وقت موت الحليف، ورثت عصبته هذا الحليف. وإذا كان الآخر أيضاً مجهول النسب، وقال للأول مثل قوله: (أنت مولاي ترثني إذا مت، وتعقل عني إذا جنيت) وقبله، ورث كل منهما صاحبه وعقل عنه. وانفرد الحنفية بالقول بولاء الموالاة. وأخروا مولى الموالاة عن ذوي الأرحام لقرابتهم. ورأي الحنفية: هو مذهب عمر وعلي وابن مسعود ﵃. وخالفهم الجمهور، فلم يأخذوا به، وهو مذهب زيد بن ثابت ﵁. وكان الشعبي يقول: لا ولاء إلا ولاء العتاقة، وأخذ القانون في مصر وسورية برأي الجمهور.

стр. 7487

٨ - المقر له بنسب محمول على الغير (١): إذا مات الإنسان ولم يترك وارثاً ممن تقدم من المراتب، كانت التركة للمقر له بنسب على الغير، ثم للموصى له بالزائد عن الثلث، ثم لبيت المال. فالمقر له بنسب محمول على الغير يرث من المقر نفسه إذا مات المقر، وليس له ذو فرض، ولا عاصب، ولا ذو رحم، ولا مولى الموالاة. والمقر له بالنسب على الغير: هو أن يقر شخص لآخر مجهول النسب بأنه أخوه أو عمه أو ابن ابنه، ولم يثبت نسبه بدليل آخر غير الإقرار، فالأول فيه حمل النسب على الأب، والثاني فيه حمل النسب على الجد، والثالث فيه حمل النسب على الابن. فلا يثبت به نسب المقر له من المقر عليه؛ لأنه لا يملك إنسان أن يلحق نسب شخص بآخر بمجرد الدعوى، فلا يرث شيئاً من تركة المقر عليه، وإنما يستحق من تركة المقر نفسه إذا مات، ولم يكن له أحد من أصحاب المراتب السابقة، وذلك بقيود ثلاثة: الأول - أن يكون الإقرار بالنسب متضمناً لإقراره بنسبه على غيره: فإن تضمن إقراره بنسبه منه، كأن يقر له بأنه ابنه، ثبت نسبه منه. الثاني - أن يكون الإقرار بحيث لا يثبت به نسبه من ذلك الغير: كما إذا لم يصدقه أبوه في هذا النسب، في المثال الأول المتقدم. فإذا صدقه أبوه في الإقرار بالنسب، ثبت بإقرار المقر نسبه من أبيه أيضاً،

стр. 7488

وكان المجهول نسبه أخاً للمقر. وكذلك الحال إذا أقر بأنه عمه، وصدقه في إقراره جده، فإنه يكون عماً له. الثالث - أن يموت المقر على إقراره: لأنه إذا رجع المقر عن الإقرار لا يعتد به قطعاً، فلا يثبت به الإرث أصلاً. واستحقاق المقر له الإرث على النحو المذكور، ليس بطريق الإرث، وإنما هو في معنى الوصية، فيصح للمقر الرجوع في إقراره، أما النسب فلا يمكن الرجوع فيه بعد ثبوته. ويثبت الإرث بهذا الإقرار عند الحنفية دون غيرهم؛ لأن الإقرار بحمل النسب على الغير باطل، ودعوى لا تسمع. وإنما يثبت نسب المقر له بأحد طريقتين عند الحنفية: الأول - أن يقر شخص بنسب آخر على نفسه: بأن يقر ببنوة آخر له، وكان المقر عاقلاً بالغاً وصدقه المقر له، وكان مثله يولد لمثل المقر، فإنه يثبت به نسب المقر له من المقر ثبوتاً لا يقبل الرجوع. الثاني - أن يقر رجل بنسب حمله على غيره، وصدقه الغير، أو شهد بالنسب مع المقر رجل آخر، فإنه يثبت به نسب المقر له من المقر عليه ثبوتاً لا يقبل الرجوع. أما القانون المصري (م ٤١) والسوري (م ٢٩٨) فقد أثبتا استحقاق المقر له من تركة المقر بالشرائط التالية: ١ - ألا يثبت نسب المقر له من المقر عليه. ٢ - ألا يرجع المقر عن إقراره. ٣ - ألا يقوم به مانع من موانع الإرث. ٤ - أن يكون المقر له حياً وقت موت المقر، أو وقت الحكم باعتباره ميتاً.

стр. 7489

٩ - الموصى له بأكثر من الثلث: يستحق الموصى له بما زاد عن الثلث الزائد على الثلث إذا انعدم من ذكر قبله، أو وجد واحد منهم وأجاز الوصية، والاستحقاق هنا كالمرتبة السابقة ليس بطريق الإرث، وإنما بطريق الوصية، لكن هذه وصية حقيقية، وتلك في حكم الوصية أي وصية حكمية. فإذا أوصى شخص لآخر بنصف ماله أو كله، ولم يكن له وارث ممن ذكر في المراتب السابقة، استحق جميع الموصى به عند الحنفية خلافاً لغيرهم؛ لأن توقف الوصية فيما زاد على الثلث، إنما هو لمراعاة حق الورثة في الزائد عن الثلث. فلو مات شخص عن زوج وموصى له بنصف المال، أخذ الموصى له أولاً الثلث، ثم أخذ الزوج نصف الباقي، وهو الثلث، ثم يأخذ الموصى له بقية المال وهو الثلث؛ لأن الزوجين لا يرد عليهما عند أبي حنيفة، لكن القانون المصري (م ٣٠) والسوري (٢٨٨) أخذا بالرد على الزوجين إذا لم يوجد عصبة نسبية أو أحد من ذوي الأرحام. والرد مقدم على المقر له النسب، وعلى الموصى له بالزائد عن الثلث، وعلى بيت المال. ١٠ - بيت المال: توضع التركة في بيت مال المسلمين إذا لم يوجد أحد من المراتب السابقة كلها، لا على أنها إرث عند الحنفية والحنابلة، وإنما على أنها من الأموال الضائعة التي لا يعرف لها مالك، أو على أنها فيء، فيصرف المال في المصالح العامة وينفق منه على المحتاجين، فإذا ظهر وارث، وأقام الدليل على إرثه، استرد التركة من بيت المال.

стр. 7490

موقف القانون من مراتب الورثة: عدل القانون المصري والسوري عن الترتيب السابق، وجعل كل منهما بعضهم وارثين، وبعضهم مستحقين، وجاءت درجات الاستحقاق في كلا القانونين في مواضع متعددة خلافاً لما فعله الفقهاء. ويفهم من القانون المصري في المواد (٤، ٨، ١٦، ٣٠، ٣١، ٣٩، ٤١) والقانون السوري في المواد (٢٦٢، ٢٦٥، ٢٧٤، ٢٧٨، ٢٨٩) الترتيب التالي لمراتب الورثة: ١ - أصحاب الفروض. ٢ - العصبات النسبية. ٣ - الرد على ذوي الفروض غير الزوجين. ٤ - ذوو الأرحام. ٥ - الرد على أحد الزوجين عند عدم ذوي الأرحام. ٦ - العصبة السببية (مولى العتاقة وعصبته) في القانون المصري (م ٣٩) دون السوري. ٧ - المقر له بنسب محمول على الغير. ٨ - الموصى له بأكثر من الثلث. ٩ - الخزانة العامة (بيت المال). والمراتب الثلاث الأخيرة تأخذ التركة بصفة الاستحقاق لا بالإرث. ويلاحظ ما يلي من الفروق بين رأي الحنفية وموقف القانون.

стр. 7491

أـ أبقى كلا القانونين المرتبة الأولى والثانية على حالهما. ب - حذف كلا القانونين مرتبة مولى الموالاة، فلم تجعل من المستحقين أصلاً، لعدم وجودها الآن. جـ - ألغى القانون السوري من بين درجات الاستحقاق: مرتبة مولى العتاقة وعصبته؛ لأن الرق لم يبق له وجود، وهذا مستمد من مذهب الإباضية، وأبقى القانون المصري (م ٣٩) هذه المرتبة. د - أوجد كلا القانونين مرتبة جديدة لم تكن من قبل وهي الرد على أحد الزوجين عند عدم وجود ذوي الأرحام. هـ - قدم القانون المصري (م ٣٠) الرد على الزوجين وإرث ذوي الأرحام على مولى العتاقة وعصبته (العصبة السببية)، فأصبح الرد في المرتبة الثالثة بدل الخامسة، وذوو الأرحام في المرتبة الرابعة بدل السادسة، وجعل الرد على أحد الزوجين عند عدم ذوي الأرحام في المرتبة الخامسة، فإذا كان مع أحد الزوجين أحد ذوي الأرحام، أخذ الباقي بعد نصيب أحد الزوجين. وـ أخذ القانونان بتوريث ذوي الأرحام، كما هو مذهب الحنفية والحنابلة، ومذهب متأخري المالكية والشافعية. ز - جعل القانون المصري العصبة السببية وعصبتهم في المرتبة السادسة من مراتب الاستحقاق بالإرث. ح - جعل القانونان المقر له بالنسب والموصى له بالزيادة عن الثلث، وبيت المال، من المستحقين، ولم يطلق عليهم صفة الوارثين، ولا شيء لهؤلاء في القانونين، ولا للعاصب السببي في القانون المصري مع وجود أحد الزوجين.

стр. 7492

رابعاً - طريقة توريث الوارثين في المذاهب: هناك طريقتان للفقهاء في التوريث، مأخوذتان عن الصحابة، وهما الطريقة الحجازية، والطريقة العراقية. أما الطريقة الحجازية: فمأخوذة عن زيد بن ثابت ﵁ الذي شهد له النبي ﷺ بأنه أفرض الصحابة، فقال: «أفرضكم زيد» (١) وسار على هذه الطريقة الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، وهي الطريق المتبعة في الكويت والسودان وبلاد المغرب العربي وغربي إفريقية. وأما الطريقة العراقية: فمأخوذة عن عبد الله بن مسعود ﵁، وسار على نهجها فقهاء الحنفية، وهي المتبعة في مصر وسورية والعراق. وبين الطريقتين اختلافات كثيرة في جزئيات المسائل. الفَصْلُ الثَّامن: أصحاب الفروض: فيه مبحثان: الأول - في بيان أصحاب الفرض، والثاني - في أحوال أصحاب الفروض. المبحث الأول - بيان أصحاب الفروض: الإرث نوعان: فرض وتعصيب.

стр. 7493

وأصحاب الفرض: هم الورثة الذين قدرت لهم شرعاً أنصباء معينة في التركة. والوارثون ذوو الفروض اثنا عشر: أربعة من الرجال: وهم الزوج والأب والجد والأخ لأم، وثمانية من النساء: وهن الزوجة، والأم، والجدة، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم. وأنصباؤهم المقدر ة في كتاب الله تعالى ستة: هي النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس. وأصحاب كل نصيب ما يأتي (١): أولاً - أصحاب النصف: أصحاب النصف خمسة بالإجماع وهم: ١ - الزوج: عند عدم الفرع الوارث، أي عند عدم الابن والبنت، وابن الابن وبنت الابن. ٢ - البنت: إذا انفردت عمن يساويها وخلَت عن معصب كالابن. ٣ - بنت الابن: إذا انفردت وخلَت عن معصب، ولم يكن هناك بنت ولا ابن؛ لأنه يحجبها عن النصف. ٤ - الأخت الشقيقة: إذا انفردت وخلت عن معصب وحاجب، ولم يكن هناك بنت ولا بنت ابن. ٥ - الأخت لأب: إذا انفردت وخلت عن معصب وحاجب، ولم يكن هناك بنت ولا بنت ابن، ولا أخت شقيقة.

стр. 7494

ودليل فرض النصف في ثلاثة مواضع من القرآن، فقال تعالى في البنت: ﴿وإن كانت واحدة، فلها النصف﴾ ـأيالبنتـ[النساء:١١/ ٤] وقال سبحانه في الزوج: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد﴾ [النساء:١٢/ ٤]. وقال تعالى في الأخت: ﴿يستفتونك، قل: الله يفتيكم في الكلالة، إن امرؤ هلك، ليس له ولد، وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ [النساء:١٧٦/ ٤]. أما بنت الابن فدليلها الإجماع. ثانياً - أصحاب الربع: الربع فرض اثنين وهما: ١ - الزوج: مع الفرع الوارث. ٢ - الزوجة فأكثر: مع عدم الفرع الوارث. ودليل الربع فيهما قوله تعالى: ﴿فإن كان لهن ولد، فلكم الربع مما تركن﴾ [النساء:١٢/ ٤] ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد﴾ [النساء:١٢/ ٤]. ثالثاً - صاحب الثمن: الثمن: فرض واحد وهو الزوجة فأكثر عند وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: ﴿فإن كان لكم ولد، فلهن الثمن مما تركتم﴾ [النساء:١٢/ ٤]. رابعاً - أصحاب الثلثين: الثلثان فرض أربعة وهم: ١ - البنتان فأكثر عند عدم المعصب لهن، لقوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ [النساء:١١/ ٤].

стр. 7495

٢ - بنتا الابن فأكثر عند عدم الولد للمتوفى وعدم المعصب لهن وعدم البنتين للإجماع. ٣ - الأختان الشقيقتان فأكثر عند عدم البنتين وبنتي الابن وعدم المعصب لهن وعدم الحاجب ٤ - الأختان لأب فأكثر عند عدم البنتين وبنتي الابن والأختين الشقيقتين وعدم المعصب لهن وعدم الحاجب. ودليل إرث الأخوات مطلقاً قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين، فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء:١٧٦/ ٤]. خامساً - أصحاب الثلث وثلث الباقي: الثلث فرض اثنين: ١ - الأم عند عدم الفرع الوارث (الولد) والعدد من الإخوة. ٢ - العدد من الإخوة والأخوات لأم عند عدم الفرع الوارث والأصل الذكر. ودليل الثلث قوله تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه، فلأمه الثلث﴾ [النساء:١١/ ٤]، ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء:٢١/ ٤]. وثلث الباقي للأم مع الأب وأحد الزوجين، وهي مسألة الغرَّاوين الآتية (١). سادساً - أصحاب السدس: السدس فرض سبعة وهم:
следующие страницы →