← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

٢ - ألا يكون هناك ريع للوقف يعمر به. ٣ - ألا يكون البيع بغبن فاحش. ٤ - أن يكون المستبدل قاضي الجنة: وهو ذو العلم والعمل، لئلا يؤدي الاستبدال إلى إبطال أوقاف المسلمين، كما هو الغالب في الزمن الأخير. ٥ - أن يستبدل به عقار لا دراهم ودنانير، لئلا يأكلها النظار؛ ولأنه قل أن يشتري بها الناظر بدلاً. وأجاز بعضهم الاستبدال به نقوداً، ما دام المستبدل قاضي الجنة. ٦ - ألا يبيعه القاضي لمن لا تقبل شهادته له، ولا لمن له عليه دين، خشية التهمة والمحاباة. فإذا لم تتوافر هذه الشروط كان بيع الوقف باطلاً لا فاسداً. وإذا صح بيع الحاكم بطل وقفية ما باعه، ويبقى الباقي على ما كان. وهناك مسائل أربع يجوز فيها استبدال العامر من الأرض وهي: الأولى - لو شرطه الواقف. الثانية - إذا غصبه غاصب وأجرى عليه الماء، حتى صار بحراً، فيضمن القيمة، ويشتري المتولى بها أرضاً بدلاً. الثالثة - أن يجحده الغاصب ولا بينة، وأراد دفع القيمة، فللمتولي أخذها ليشتري بها بدلاً. الرابعة - أن يرغب إنسان فيه ببدل أكثر غلة أحسن مكاناً، فيجوز على قول أبي يوسف، وعليه الفتوى.

стр. 7422

مذهب المالكية في بيع الموقوف: ذكر المالكية (١) أن الأوقاف بالنسبة لبيعها ثلاثة أقسام: أحدها - المساجد: لا يحل بيعها أصلاً بالإجماع. الثاني - العقار لا يباع وإن خرب، ولا يجوز الاستبدال به غيره من جنسه، كاستبداله بمثله غير خرب، ولا يجوز بيع أنقاضه من أحجار أو أخشاب، لكن إن تعذر عودها في الموقوف، جاز نقلها في مثله. ويجوز بيع العقار الموقوف في حالة واحدة: وهي أن يشترى منه بحسب الحاجة لتوسعة مسجد أو طريق. الثالث - العروض والحيوان إذا ذهبت منفعتها، كأن يهرم الفرس، ويخلَق الثوب، بحيث لا ينتفع بهما، يجوز بيع الموقوف وصرف ثمنه في مثله، فإن لم تصل قيمته إلى شراء شيء كامل، جعلت في نصيب من مثله. فمن وقف شيئاً من الأنعام لينتفع بألبانها وأصوافها وأوبارها، فنسلها كأصلها في الوقف، فما فضل من ذكور نسلها عن النزو، وما كبر من إناثها، فإنه يباع، ويعوض عنه إناث صغار، لتمام النفع بها. وهذا قول ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: لا يباع أصلاً. الخلو: بناء على ما قرره المالكية من منع بيع الوقف وأنقاضه، ولو خرب، هل يجوز للناظر إذا خرب الوقف وتعذر عوده لإنتاج غلة وأجرة، بأن لم يجد ما يعمر به من ريع الوقف، ولا أمكنه إجارته بما يعمره: أن يأذن لمن يعمره من عنده

стр. 7423

ببناء أو غرس على أن البناء أو الغراس يكون للباني أو الغارس ملكاً وخلواً يباع ويورث عنه؛ لأن العمارة تكون لصاحبها، ويجعل في نظير الأرض الموقوفة حُكراً (مبلغاً دائماً) يدفع للمستحقين أو لخدمة المسجد؟ أفتى بعضهم وهو الشيخ الخرشي بالجواز، وأجازه الحنفية (١)، وهذا هو الذي يسمى خلواً، وقال الدردير شارح متن خليل: وهي فتوى باطلة قطعاً، وحاشا المالكية أن يقولوا بذلك؛ لأن منفعة الموقوف موقوفة، لا تملك بهذا العمل. مذهب الشافعية في بيع الموقوف: قال الشافعية (٢): ١ - إذا انهدم مسجد أو خرب وانقطعت الصلاة فيه، وتعذرت إعادته، أو تعطل بخراب البلد مثلاً، لم يعد إلى ملك أحد، ولم يجز التصرف فيه بحال ببيع أو غيره؛ لأن ما زال الملك فيه لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال، كما لو أعتق عبداً، ثم مرض مرضاً مزمناً، لايعود ملكاً لسيده. وتصرف غلة وقفه لأقرب المساجد إليه إذا لم يتوقع عوده، وإلا حفظ. وإن خيف على المسجد السقوط، نقض، وبنى الحاكم بأنقاضه مسجداً آخر، إن رأى ذلك، وإلا حفظه. والبناء بقربه أولى. ولا يبني به بئراً، كما لا يبني بأنقاض بئر خربت مسجداً، بل بئراً أخرى، مراعاة لغرض الواقف ما أمكن. ولو وقف الواقف على قنطرة، فاحترقت الوادي، واحتيج إلى قنطرة أخرى، جاز نقلها إلى محل الحاجة.

стр. 7424

وغلة وقف الثغر (وهو الطرف الملاصق من بلادنا لبلاد الكفار) إذا حصل فيه الأمن، يحفظه الناظر، لاحتمال عوده ثغراً. ويدخر من زائد غلة المسجد على ما يحتاج إليه ما يعمره، بتقدير هدمه، ويشتري له بالباقي عقاراً ويقفه؛ لأنه أحفظ له. وتقدم عمارة الموقوف على حق الموقوف عليهم، لما فيها من حفظ الوقف. ويصرف ريع الموقوف على المسجد وقفاً مطلقاً أو على عمارته: في مصالح المسجد من بناء وتجصيص وسلم ومظلات للتظليل بها، ومكانس يكنس بها، ومساحي ينقل بها التراب، وأجرة قيِّم، لا أجرة مؤذن وإمام وحصر ودهن؛ لأن القيِّم يحفظ العمارة، بخلاف الباقي. فإن كان الوقف لمصالح المسجد، صرف من ريعه لمن ذكر، لا في التزويق والنقش، بل لو وقف عليها لم يصح. ٢ - الأصح جواز بيع حُصْر المسجد الموقوفة إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت، ولم تصلح إلا للإحراق، لئلا تضيع ويضيق المكان به من غير فائدة، فتحصيل نزر يسير من ثمنها يعود إلى الوقف أولى من ضياعها، ولا تدخل تصفيتها تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، ويصرف ثمنها في مصالح المسجد. فإن صلحت لغير الإحراق كاتخاذ ألواح أو أبواب منها، فلا تباع قطعاً. والأصح جواز بيع نخلة موقوفة جفت إذا لم يمكن الانتفاع بجذعها بإجارة وغيرها، وبهيمة زمِنت؛ لأن ما لا يرجى منفعته، فكان بيعه أولى من تركه، بخلاف المسجد، فإن المسجد يمكن الصلاة فيه مع خرابه، وقد يعمر الموضع، فيصلى فيه.

стр. 7425

وقيمة المبيع لها حكم القيمة التي توجد من متلف الوقف أو منقطع الآخر، وهو أن تصرف لأقرب الناس إلى الواقف، فإن لم يكونوا صرف إلى الفقراء والمساكين، أو مصالح المسلمين. فإن أمكن الانتفاع بجذع الشجرة الموقوفة الجافة بإجارة وغيرها، لم ينقطع الوقف على المذهب، إدامة للوقف في عينها، ولا تباع ولا توهب، للخبر السابق عن عمر في أول بحث الوقف. والحاصل أن الشافعية في الجملة والمالكية أشد الآراء في عدم جواز بيع الوقف. و مذهب الحنابلة (١): أـ إذا خرب الوقف وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتاً، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انصرف أهل القرية عنه، وصار في موضع لايصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضع، أو تشعب جميعه، فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه، بيع جميعه. واستدلوا بما روي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد، لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل. وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان إجماعاً. ولأن فيما ذكر استبقاء الوقف بمعناه، عند تعذر إبقائه بصورته، فوجب البيع. ب - وإذا بيع الوقف، فأي شيء اشتري بثمنه، مما يرد على أهل الوقف،

стр. 7426

جاز، سواء أكان من جنسه أم من غير جنسه؛ لأن المقصود المنفعة، لا الجنس، لكن تكون المنفعة مصروفة إلى المصلحة التي كانت الأولى تصرف فيها؛ لأنه لا يجوز تغيير المصرف، مع إمكان المحافظة عليه، كما لا يجوز تغيير الوقف بالبيع، مع إمكان الانتفاع به. جـ - وإذا لم يف ثمن الفرس الحبيس لشراء فرس أخرى، أعين به في شراء فرس حبيس، يكوِّن بعض الثمن؛ لأن المقصود استبقاء منفعة الوقف الممكن استبقاؤها، وصيانتها عن الضياع، ولا سبيل إلى الصون إلا بهذه الطريق. د - وإذا لم تتعطل مصلحة الوقف بالكلية، لكن قلَّت، وكان غيره أنفع منه وأكثر فائدة على أهل الوقف، لم يجز بيعه؛ لأن الأصل تحريم البيع، وإنما أبيح للضرورة، صيانة لمقصود الوقف عن الضياع، مع إمكان تحصيله، وإمكان الانتفاع به، وإن قل النفع، اللهم إلا أن يبلغ في قلة النفع إلى حد لا يعد نفعاً، فيكون وجوده كالعدم. هـ - لا يجوز نقل المسجد وإبداله وبيع ساحته، وجعلها سقاية وحوانيت إلا عند تعذر الانتفاع به. ولا يجوز أن يغرس في المسجد شجرة كالنخلة وغيرها بعد أن صار مسجداً، وقال أحمد: لا أحب الأكل منها، ولو قلعها الإمام لجاز؛ لأن المسجد لم يبن لهذا، وإنما بني لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن؛ ولأن الشجرة تؤذي المسجد، وتمنع المصلين من الصلاة في موضعها، ويسقط ورقها في المسجد وثمرها، وتسقط عليها العصافير والطير، فتبول في المسجد، وربما رمى الصبيان ثمرها بالحجارة. أما إن كانت النخلة في أرض، فجعلها صاحبها مسجداً، والنخلة فيها، فلا بأس.

стр. 7427

وـ وما فضل من حصر المسجد وزيته، ولم يحتج إليه، جاز أن يجعل في مسجد آخر، أويتصدق منه على فقراء جيرانه وغيرهم. وكذلك إن فضل شيء من قصبه أو شيء من أنقاضه. موقف القانون من الاستبدال: نص القانون المصري رقم ٤٨ لسنة ١٩٤٦ في المادة ١٤ على مصير أموال البدل: تشتري المحكمة - بناء على طلب ذوي الشأن - بأموال البدل المودعة بخزانتها عقاراً أو منقولاً محل العين الموقوفة، ولها أن تأذن بإنفاقها في إنشاء مستغل جديد. ويجوز لها - إلى أن يتيسر ذلك - أن تأذن باستثمار أموال البدل بأي وجه من وجوه الاستثمار الجائز شرعاً. كما أن لها أن تأذن بإنفاقها في عمارة الوقف، دون رجوع في غلته. وإذا كانت هذه الأموال ضئيلة، ولم يتيسر استثمارها، ولم يحتج إلى إنفاقها في العمارة، اعتبرت كالغلة، وصرفت مصرفها. وصدر في سورية القانون رقم (١٠٤) في ٣/ ١٩٦٠/١٩ المتضمن جواز استبدال بعض العقارات (ذات الإجارة الطويلة) والقانون رقم (١٦٣) في ٩/ ١٩٥٨/٢٧ لاستبدال العقارات الوقفية المقرر عليها حق من حقوق القرار ذات الإجارة الطويلة، كالمرصد والحكر والكدك والمقاطعة والإجارتين والقميص ومشد المسَكَة، والكردار والقيمة (١).

стр. 7428

الفصل التاسع - الوقف في مرض الموت: أوضحت في بحث الشروط أنه يشترط في الواقف أهلية التبرع بألا يكون محجوراً عن التصرف، وبأن يكون مالكاً وقت الوقف ملكاً باتاً، ولو بسبب فاسد عند الحنفية. وبناء عليه فرع الحنفية (١): بأنه ينقض وقف استحق بملك أو شفعة، وإن جعله مسجداً، وينقض وقف مريض أحاط دينه بماله، بخلاف شخص صحيح، أي أنه يبطل وقف مريض مديون يحيط الدين بماله، فيباع وينقض الوقف كما يبطل وقف راهن معسر.

стр. 7429

فإن لم يكن الدين محيطاً بمال الواقف، صح، واعتبر الوقف في مرض الموت كالهبة فيه، ينفذ كالوصية من الثلث، فإن خرج من الثلث أو أجازه الوارث، نفذ في الكل، وإلا بطل في الزائد على الثلث. فإن أجاز البعض، جاز بقدره. والحاصل أن السلامة من المرض ليست شرطاً لصحة الوقف، وأن الواقف إذا وقف في حال المرض، جاز عند أبي حنيفة، ويعتبر من الثلث، ويكون بمنزلة الوصية بعد وفاته، حتى لا يتهم المريض بالإضرار بورثته أو دائنيه. أما عند الصاحبين، فالوقف جائز في حال الصحة والمرض على سواء. ويتفرع على هذا الخلاف: أنه على رأي الإمام: لا يلزم الوقف ولا تزول ملكية الشيء عن ملك الواقف إلا إذا أضافه إلى ما بعد الموت أو حكم به حاكم. وعند الصاحبين: يزول بدون الإضافة. وعلى قول أبي حنيفة: لو وقف مريض الموت على بعض الورثة، ولم يجزه باقيهم، لا يبطل أصل الوقف، وإنما يبطل ما جعل من الغلة لبعض الورثة دون بعض، فيصرف على قدر مواريثهم عن الواقف، ما دام الموقوف عليه حياً، ثم يصرف بعد موته إلى من شرطه الواقف؛ لأنه وصية ترجع إلى الفقراء، وليس كوصية لوارث ليبطل أصله بالرد عليه. ورأي الجمهور (١) القائلين بلزوم الوقف موافق لأبي حنيفة، يكون الوقف في مرض الموت بمنزلة الوصية في اعتباره من ثلث المال؛ لأنه تبرع، فاعتبر في مرض الموت من الثلث، كالعتق والهبة. فإذا خرج من الثلث نفذ من غير رضا

стр. 7430

الورثة ولزم، وما زاد على الثلث لزم الوقف منه في قدر الثلث، ووقف الزائد على إجازة الورثة؛ لأن حق الورثة تعلق بالمال بوجود المرض، فمنع التبرع بزيادة على الثلث، كالعطايا والعتق. ولا يجوز عند الجمهور أيضاً الوقف في مرض الموت على بعض الورثة، فإن وقف، توقف الوقف على إجازة سائر الورثة؛ لأنه تخصيص لبعض الورثة بماله في مرضه، فمنع منه كالهبات، ولأن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز بالمنفعة، كالأجنبي فيما زاد على الثلث. وعبارة المالكية فيه: بطل الوقف على وارث بمرض موته ولو كان من الثلث؛ لأن الوقف في المرض كالوصية، ولا وصية لوارث. وإن لم يكن الوقف في المرض على وارث، بل على غيره، ينفذ كسائر التبرعات من الثلث، فإن حمله الثلث صح، وإلا فلا يصح منه إلا ما حمله الثلث. واستثنى المالكية الوقف المعقَّب (١)، سواء أكان له غلة أم لا: وهو ما وقفه المريض على أولاده ونسله وعقبه، فإن حمله الثلث صح، ويكون حكمه في القسم كالميراث للوارث، وليس ميراثاً حقيقة، إذ لا يباع ولا يوهب. فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، ولو شرط الواقف تساويهما، ويكون للزوجة الثمن من مناب الأولاد وللأم السدس. والخلاصة: أن وقف المريض لازم له لا يجوز الرجوع عنه عند الجمهور، وباطل عند المالكية؛ لأنه وصية لوارث (٢).

стр. 7431

الفصل العاشر - ناظر الوقف: أولاً - تعيين الناظر: يصح بالاتفاق (١) للواقف جعل الولاية والنظر لنفسه أو للموقوف عليه، أو لغيرهما، إما بالتعيين كفلان، أو بالوصف كالأرشد أو الأعلم أو الأكبر أو من هو بصفة كذا، فمن وجد فيه الشرط، ثبت له النظر عملاً بالشرط، وفي وقف علي ﵁ شرط النظر لابنه الحسن، ثم لابنه الحسين ﵄. واتبع شرط الواقف في تعيين الناظر، فإن لم يشرط الواقف النظر لأحد، فالنظر للقاضي في رأي المالكية وعلى المذهب لدى الشافعية؛ لأن له النظر العام، فكان أولى بالنظر فيه، ولأن الملك في الوقف عند الجمهور غير المالكية لله تعالى. وقال الحنابلة: يكون النظر حينئذ للموقوف عليه إن كان آدمياً معيناً كزيد، ولكل واحد على حصته إن كان الموقوف عليه جمعاً محصوراً كأولاده أو أولاد زيد، عدلاً كان أو فاسقاً؛ لأنه ملكه وغلته، ويكون النظر للحاكم أو نائبه إن كان الموقوف عليه غير محصور كالوقف على جهة لا تنحصر كالفقراء والمساكين والعلماء والمجاهدين، أو الموقوف على مسجد أو مدرسة أو رباط أو قنطرة وسقاية ونحوها؛ لأنه ليس له مالك معين. وقال الحنفية: تكون الولاية لنفس الواقف، سواء شرطها لنفسه أو لم يشترطها لأحد في ظاهر المذهب، ثم لوصيه إن كان، وإلا فللحاكم. ويجوز تعدد النظار، وقد نصت المادة (٤٨) من قانون الوقف المصري على أنه لا تقيم المحكمة أكثر من ناظر واحد إلا لمصلحة.

стр. 7432

قال الحنابلة: إذا تعدد النظار وكان لهما النظر معاً لم يصح تصرف أحدهما مستقلاً عن الآخر، عملاً بشرط الواقف. ثانياً - شروط الناظر: شرط الناظر ما يلي (١): ١ - العدالة الظاهرة وإن كان الوقف على معينين رشداء؛ لأن النظر ولاية، كما في الوصي والقيم. والعدالة: التزام المأمورات واجتناب المحظورات الشرعية. وهذا شرط عند الجمهور، وقال الحنابلة: لا تشترط العدالة، ويضم إلى الفاسق عدل، كما يضم إلى ناظر ضعيف قوي أمين. ٢ - الكفاية: وهي قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه. ووصف الكفاية يغني عن اشتراط الاهتداء إلى التصرف. والكفاية تتطلب وجود التكليف أي البلوغ والعقل. ولا تشترط في الناظر الذكورة؛ لأن عمر أوصى إلى حفصة ﵂. فإن لم تتوافر العدالة أو الكفاية نزع الحاكم الوقف منه، حتى وإن كان الواقف هو الناظر. فإن زال المانع عاد النظر إليه عند الشافعية إن كان مشروطاً في الوقف، منصوصاً عليه. ٣ - الإسلام إن كان الموقوف عليه مسلماً، أو كانت الجهة كمسجد ونحوه، لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ [النساء:١٤١/ ٤] فإن كان الوقف على كافر معين، جاز شرط النظر فيه لكافر. هذا ما ذكره الحنابلة، ولم يشترط الحنفية الإسلام في الناظر.

стр. 7433

ثالثاً - وظيفة الناظر: وظيفة الناظر عند التفويض العام له (١): حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه والمخاصمة فيه، وتحصيل الغلة من أجرة أو زرع أو ثمر، وقسمتها بين المستحقين، وحفظ الأصول والغلات على الاحتياط؛ لأنه المعهود في مثله، وعليه الاجتهاد في تنمية الموقوف وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق، ويقبل قوله فيما ذكر إن كان متبرعاً، فإن لم يكن متبرعاً لم يقبل عند الحنابلة قوله إلا ببينة. وإن كان الناظر مقيداً ببعض ما سبق تقيد به. وإذا عمل الناظر أثناء عمارة الوقف فيأخذ - كما أبان الحنفية (٢) - قدر أجرته، وذكروا أيضاً أنه يراعى شرط الواقف في إجارته وغيرها، لأن شرط الواقف كنص الشارع، ولا يجوز للقيم الزيادة في المدة، وإنما الزيادة للقاضي؛ لأن له ولاية النظر لفقير وغائب وميت. فلو أهمل الواقف مدة الإجارة قيل عند الحنفية: تطلق الزيادة للقيم، وقيل: تقيد بسنة. الإجارة الطويلة: ويفتى عندهم بمدة السنة في الدار، وبثلاث سنين في الأرض إلا إذا كانت المصلحة بخلاف ذلك، بحسب الزمان والموضع، فهو أمر يختلف باختلاف المواضع واختلاف الزمان. والفتوى عندهم على إبطال الإجارة الطويلة في الأوقاف وأرض اليتيم وأرض بيت المال ولو بعقود مترادفة، كل عقد سنة، لتحقق محذور وهو أن طول المدة يؤدي إلى إبطال الوقف. لكن هذا عند عدم الحاجة، فإذا اضطر إليها لحاجة عمارة الوقف بتعجيل أجرة سنين مقبلة، يزول المحذور الموهوم عند وجود الضرر المتحقق.

стр. 7434

جاء في الفتاوى البزازية: لو احتيج لذلك يعقد الناظر عقوداً مترادفة، ففي الدار كل عقد سنة بكذا، وفي الأرض كل عقد ثلاث سنين، بأن يقول: آجرك الدار الفلانية سنة (٤٩) بكذا، وآجرتك إياها سنة خمسين بكذا، وآجرتك إياها سنة (٥١) بكذا، وهكذا إلى تمام المدة، ويكون العقد الأول لازماً، وما عداه مضاف إلى المستقبل، والصحيح أن الإجارة المضافة تكون لازمة، ويؤخذ حينئذ برواية: كون الأجرة تملك، للحاجة في الإجارة المضافة، إلى اشتراط التعجيل. ويؤجر الموقوف بأجر المثل، فلا يجوز بالأقل المشتمل على غبن فاحش. ولا يضر الغبن اليسير (وهو ما يتغابن الناس فيه، أي ما يقبلونه ولا يعدونه غبناً). ولو رخص الناظر الأجرة بعد العقد، لا يفسخ العقد إذا طلب المستأجر فسخه، للزوم الضرر على الوقف. ولو زاد الأجرة عن أجر المثل بعد العقد بأجر المثل، أي الذي كان وقت العقد، يجدد العقد بالأجرة الزائدة، قال ابن عابدين: والظاهر أن قبول المستأجر الزيادة يكفي عن تجديد العقد. والمستأجر الأول أولى من غيره إذا قبل الزيادة. و الموقوف عليه الغلة أو السكنى ولو رجلاً معيناً: لا يملك الإجارة، ولا الدعوى إذا غصب منه الموقوف إلا بتولية أو إذن قاض بالدعوى والإيجار؛ لأن حقه في الغلة، لا في عين الوقف. وإذا آجر المتولي الموقوف بدون أجر المثل، لزم المستأجر لا المتولي تمام أجر المثل. وتضمن منافع عقار الوقف المغصوب إذا عطلها الغاصب ولم ينتفع بها أو أتلفها، كما لو سكن الشخص بلا إذن، أوأسكنه المتولي بلا أجر، ويكون على

стр. 7435

الساكن أجر المثل، ولو كان العقار غير معد للاستغلال، صيانة للوقف. ومثله منافع مال اليتيم. ويفتى بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه. ومتى قضي بالقيمة في غصب عقار الوقف وإجراء الماء عليه حتى صار بحراً لا يصلح للزراعة، شرى الناظر بها عقاراً آخر، فيكون وقفاً بدل الأول. و مذهب المالكية (١): جاز للناظر أن يكري الوقف السنة والسنتين إن كان أرضاً على معين كزيد أو عمرو، وإن لم يكن على معين، بأن كان على الفقراء أو العلماء أو نحوهم، فيكري لأربعة أعوام لا أكثر. وجاز الكراء لعشر سنوات لمن كان مرجع الوقف له، كأن يقف الأرض على زيد، ثم ترجع بعده لعمرو ملكاً أووقفاً، فيجوز لزيد أن يكريها لعمرو عشرة أعوام. وجاز الكراء لضرورة إصلاح وقف خرب لمدة أربعين سنة أو خمسين لا أزيد. ويكون الكراء بأجر المثل، فإن وقع بأقل من أجرة المثل، فسخ العقد المشتمل عليها، وقبلت الزيادة في العقود الأخرى. ولا يقسم الناظر أجرة الوقف على المستحقين إلا لما مضى زمنه، فلو تعجل قبض أجرة عن مدة مستقبلة، لم يجز قسمها على الحاضرين، لاحتمال موت من أخذ، فيؤدي إلى إعطاء من لا يستحق، وحرمان غيره ممن يستحق. وإذا كان الوقف على أناس معينين كفلان وفلان، فيسوى بينهم ولا تفضيل لأحد على الآخر.

стр. 7436

أما إن كان الوقف على غير معينين كالفقراء وأبناء السبيل وأهل العلم، أو على قوم وأعقابهم أو على إخوته أو بني عمه، فضل الناظر في الغلة والسكنى بالاجتهاد مما يقتضيه الحال أهل الحاجة وأهل العيال. ولا يُخرج ساكن بوقف بوصف استحقاقه، وإن استغنى، إلا لشرط من الواقف، كأن يقول: مادام فقيراً أو محتاجاً، أو كان هناك عرف أو قرينة. وإن بنى موقوف عليه بناء في الموقوف، أو غرس فيه شجراً، فإن مات ولم يبين أنه وقف أو ملك، فوقف، ولا شيء فيه لوارثه. وإن بين أنه ملك فهو لوارثه، فيؤمر بنقضه أو بأخذ قيمته منقوضاً، وإلا كان وقفاً، ويأخذ ما صرفه من غلته، كالناظر إذا بنى أو أصلح، فإن لم يكن له غلة، فلا شيء له. وللقاضي أن يجعل للناظر شيئاً من الوقف إذا لم يكن له شيء. وللناظر تغيير بعض الأماكن لمصلحة كتغيير الميضأة ونقلها لمحل آخر، وتحويل باب مثلاً من مكان لمكان آخر. و مذهب الشافعية (١): إذا أجر الناظر الموقوف على غيره بدون أجرة المثل، فإنه لا يصح قطعاً. وإذا أجر الناظر، فزادت الأجرة في المدة، أو ظهر طالب بالزيادة عليها، لم ينفسخ العقد في الأصح؛ لأن العقد قد جرى بالمصلحة في وقته، فأشبه ما إذا باع الولي مال الطفل، ثم ارتفعت القيم بالأسواق، أو ظهر طالب بالزيادة. أما إذا أجر الناظر العين الموقوفة عليه، ولو بدون أجرة المثل، فإنه يصح قطعاً.

стр. 7437

وخالفهم الحنابلة (١): فقالوا: إن أجر الناظر العين الموقوفة بأنقص من أجرة المثل، صح عقد الإجارة، وضمن الناظر النقص عن أجرة المثل، إن كان المستحق غيره، وكان أكثر مما يتغابن به في العادة، كالوكيل إذا باع بدون ثمن، أو أجر بدون أجرة المثل. ولا تنفسخ الإجارة حيث صحت، لو طلب الناظر زيادة عن الأجرة الأولى، وإن لم يكن فيها ضرر؛ لأنها عقد لازم من الطرفين. ولو غرس الموقوف عليه أو بنى لنفسه، فيما هو وقف عليه وحده، فله الغراس والبناء، لأنه وضعه بحق. أما إن كان الغارس أو الباني شريكاً فيما غرس أو بنى فيه، بأن كان الوقف عليه وعلى غيره، أو كان له النظر فقط دون الاستحقاق، فغرسه أو بناؤه غير محترم، ولباقي الشركاء المستحقين هدمه. ويأكل ناظر الوقف بمعروف نصاً، ولو لم يكن محتاجاً. رابعاً - عزل الناظر: تكاد تتفق وجهات النظر الفقهية حول عزل الناظر. ذكر الحنفية (٢): أن للواقف عزل الناظر مطلقاً، وبه يفتى. ولو لم يجعل الواقف ناظراً، فنصبه القاضي، لم يملك الواقف إخراجه. ويجب على القاضي عزل الناظر، سواء أكان هو الواقف أم غير الواقف إذا كان خائناً غير مأمون، أو عاجزاً، أو ظهر به فسق كشرب خمر ونحوه، أو كان يصرف ماله في غير المفيد كالكيمياء (أي السيمياء: تحويل المعادن إلى ذهب) حتى

стр. 7438

وإن شرط الواقف عدم عزل الناظر (١)، أو ألا ينزعه قاض ولا سلطان، لمخالفته لحكم الشرع، كالوصي فإنه ينزع وإن شرط الموصي عدم نزعه وإن خان. ولا يجوز للقاضي عزل الناظر المشروط له النظر أو صاحب وظيفة بلا خيانة، أو عدم أهلية. ويصح عزل الناظر المعين من قبل القاضي لا من قبل الواقف، بلا خيانة، وليس للقاضي الثاني أن يعيده، وإن عزله الأول، بلا سبب، لحمل أمره على السداد، إلا أن تثبت أهليته. وللناظر عزل نفسه عند القاضي، بتعيين غيره، ولا ينعزل بعزل نفسه حتى يبلغ القاضي. النزول عن الوظائف: ومن حالات عزل الناظر نفسه: التنازل أو الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيرها، فإن كان المتنازل له غير أهل، لم يقره القاضي، وإن كان أهلاً لا يجب عليه إقراره. وإذا فرغ الإنسان عن وظيفته سقط حقه، وإن لم يقر القاضي المتنازل له. والتنازل يصح أمام القاضي أو أمام غيره، ويصح الفراغ عن الوظيفة بمال أو مجاناً، ولكن يصح للمفروغ له الرجوع بالمال الذي دفعه؛ لأنه اعتياض عن حق مجرد، وهو لا يجوز. والحاصل أن الناظر ينعزل بعزل نفسه (أي بالاستقالة) أو بعزل الواقف إن عينه هو، أو بعزل القاضي. وقد نصت المادة (٥٢) من قانون الوقف المصري على أنه يجوز للمحكمة من أي درجة إحالة الناظر على محكمة التصرفات الابتدائية إذا رأت ما يدعو للنظر في عزله.

стр. 7439

ووافق المالكية (١) الحنفية: فقالوا: للناظر عزل نفسه، ولو ولاه الواقف. وللواقف عزله، ولو لغير جنحة، أما القاضي فلا يعزل ناظراً إلا بجنحة. وإذا عزل الناظر نفسه، فللحاكم تولية من شاء على الوقف، وتكون أجرته من ريعه، إذا كان المستحق غير معين كالفقراء. أما إن كان المستحق معيناً رشيداً، فهو الذي يتولى أمر الوقف. وإن كان غير رشيد، فيتولى وليه أمره. وكذلك رأى الشافعية (٢): للناظر عزل نفسه، وللواقف الناظر عزل من ولاه، ونصب غيره مكانه، كما يعزل الموكل وكيله، وينصب غيره، إلا أن يشرط الواقف (٣) لشخص نظرَه، أي إشرافه حال الوقف، فليس له ولا لغيره عزله، ولو لمصلحة، لأنه لا تغيير لما شرطه، ولأنه لا نظر له حينئذ. أما الواقف غير الناظر فلا يصح منه تولية ولا عزل، بل هي للحاكم. ولو شرط الواقف للناظر شيئاً من الريع، جاز، وإن زاد على أجرة المثل. بخلاف ما لو كان النظر له، وشرط لنفسه، فإنه لا يزيد على أجرة المثل. وكذلك قرر الحنابلة (٤): للواقف عزل الناظر؛ لأنه نائبه، فأشبه الوكيل. وللموقوف عليه المعين وللحاكم عزل الناظر لأصالة ولايتهما، وللناظر عزل نفسه، كما هو المقرر في الوكالة. وليس للناظر المشروط له النظر عزل الناظر ولا توليته.

стр. 7440

البَابُ السَّادس: المِيرَاث وفيه تسعة عشر فصلاً هي: الأول - تعريف علم الميراث أو علم الفرائض، ومبادئه ومصطلحاته. الثاني - أركان الميراث الثالث - أسباب الإرث الرابع - شروط الإرث الخامس - موانع الإرث السادس - الحقوق المتعلقة بالتركة السابع - أنواع الوارثين وعددهم ومراتبهم وطريقة توريثهم في المذاهب الثامن - أصحاب الفروض التاسع - العصبات العاشر - المسائل الشواذ

стр. 7441

الحادي عشر - الحجب الثاني عشر - العول الثالث عشر - الرد على ذوي الفروض الرابع عشر - الحساب: مخارج الفروض وأصول المسائل وتصحيحها الخامس عشر - توريث ذوي الأرحام السادس عشر - ميراث باقي الورثة السابع عشر - أحكام متنوعة الثامن عشر - المناسخة التاسع عشر - التخارج أو المخارجة

стр. 7442

الفَصْلُ الأوّل: تعريف علم الميراث أو علم الفرائض ومبادئه ومصطلحاته: الإرث لغة: بقاء شخص بعد موت آخر بحيث يأخذ الباقي ما يخلفه الميت. وفقهاً: ما خلفه الميت من الأموال والحقوق التي يستحقها بموته الوارث الشرعي. وعلم الميراث: هو قواعد فقهية وحسابية يعرف بها نصيب كل وارث من التركة. وعرفه صاحب الدر (١) بقوله: هو علم بأصول من فقه وحساب، تعرِّف حق كل واحد من الورثة من التركة والحقوق. وعرفه بعضهم بأنه علم بأصول فقه وحساب يتوصل بهما لمعرفة ما يخص كل ذي حق من التركة. وهذا أعم من الوارث؛ لأنه يشمل الوصية والدين وغيرهما. وسمي أيضاً علم الفرائض، أي مسائل قسمة المواريث؛ لأن الفرائض جمع فريضة، مأخوذة من الفرض بمعنى التقدير، وفريضة بمعنى: مفروضة أي مقدرة لما فيها من السهام المقدرة، والفرائض: السهام المقدرة. فغلبت على غيرها. وإنما خص بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى سماه به، فقال بعد القسمة: ﴿فريضة من الله﴾ [التوبة:٦٠/ ٩] وكذا قال النبي ﷺ : «تعلَّموا الفرائض». ويدخل فيه الضوابط والقواعد المتعلقة بأحوال الوارث من كونه صاحب فرض أو تعصيب أو ذا رحم، وما يتعرض له من حجب ورد ومنع من الإرث. فأصبح علم الفرائض يشتمل على عناصر ثلاثة: معرفة الوارث وغير الوارث، ومعرفة نصيب كل وارث، والحساب الموصل إليه. مبادئه (٢): عشرة، أما موضوعه: فهو كيفية قسمة التركة بين المستحقين.

стр. 7443

وأما استمداده: فهو من الكتاب والسنة والإجماع، وليس للقياس أو الاجتهاد فيه مدخل إلا إذا صار مجمعاً عليه. والواقع أن الفقهاء استعملوا القياس في بعض مسائل الميراث. أما الكتاب: فقد جاء في سورة النساء ثلاث آيات: الأولى (١١ من النساء) في ميراث الأولاد والأبوين: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف .. ﴾. ثمبينميراثالأبوين: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه، فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس، من بعد وصية يُوصي بها أو دين .. ﴾ [النساء:١١/ ٤]. والثانية (١٢ من النساء) في ميراث الزوج والزوجة: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد، فلكم الربع مما تركن، من بعد وصية يوصين بها أو دين. ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد، فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أود ين﴾ [النساء:١٢/ ٤]. ثم بيَّن ميراث الكلالة (وهو من لا والد له ولا ولد) وله إخوة لأم: ﴿وإن كان رجل يورث كلالةً، أو امرأةٌ وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك، فهم شركاء في الثلث، من بعد وصية يوصى بها أو دين .. ﴾ [النساء:١٢/ ٤]. وفي الآية الثالثة (١٧٦ من النساء) ذكر ميراث الكلالة وله أخت أوأختان: ﴿يستفتونك، قل: الله يفتيكم في الكلالة: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت،

стр. 7444

فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد. فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾. وفي الآية:٧٥ من سورة الأنفال بيان ميراث أولي الأرحام: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، إن الله بكل شيء عليم﴾. وأما السنة النبوية: فقد ورد فيها طائفة من الأحاديث أختار منها مايلي: ١ - حديث ابن عباس: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» (١). ٢ - وحديث أسامة بن زيد: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (٢). وحديث عبد الله بن عمرو: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» (٣). ٣ - حديث عبادة بن الصامت: «أن النبي ﷺ قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما» (٤). ٤ - حديث ابن مسعود في بنت وبنت ابن وأخت: «قضى النبي ﷺ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة للثلثين، وما بقي فللأخت» (٥) فدل على أن الأخت مع البنت عصبة تأخذ الباقي بعد فرضها. ٥ - حديث المقدام بن معْدِ يَكْرِب في ذوي الأرحام: «من ترك مالاً فلورثته،

стр. 7445

وأنا وارث من لا وارث له، أعْقِل ُ عنه وأرِثُ، والخال وارث من لا وارث له، يَعْقِل عنه ويرثه» (١). ٦ - حديث عائشة في الميراث بالولاء: «الوَلاء لمن أعتق» (٢). وأما الإجماع: فهو إجماع الصحابة والتابعين على أن فرض الجدة الواحدة السدس، وكذلك فرض الجدتين والثلاث، كما حكى البيهقي عن محمد بن نصر من أصحاب الشافعي. لكن الشافعية والمالكية لا يورثون إلا جدتين. و فضل هذا العلم عظيم، فقد قيل: إنه نصف العلم، لتعلقه بحال الإنسان بعد موته، كما تتعلق سائر المعاملات به في حياته، وقال النبي ﷺ : «تعلموا الفرائض وعلموها، فإنها نصف العلم، وهو يُنسى، وهو أول شيء يُنْزَع من أمتي» (٣). و واضعه: الشارع الذي أنشأ الشرع وهو الله . و نسبته لسائر العلوم: كونه بعض علم الفقه، وأخص منه ومن الحساب، ومباين لغيرهما. ومن المعلوم أن موضوع علم الفقه عمل المكلفين، وقسمة التركة من أعمالهم.

стр. 7446

و ثمرته أو فائدته: أن تحصل لمتعلمه ملكة يكون له بها قدرة على قسمة التركة بين المستحقين بالوجه الشرعي. ويسمى صاحب تلك الملكة العالم به: فَرَضي وفارض وفرَّاض. واصطلاحاً: فرائضي. و غايته: إيصال كل ذي حق حقه من التركة. و مسائله: قضاياه وفروعه المستخرجة من قواعده، ككون النصف للبنت. و حسابه: قسمته؛ لأنها بعض علم الفرائض المتوقف عليها، والمراد بالحساب: تأصل المسائل والتصحيح وما يتبع ذلك. مصطلحاته: وأما أهم مصطلحات الفرائض فهي ما يأتي: ١ - الفرض: هو النصيب المقدر شرعاً للوارث، أي الحظ المقدر صريحاً من التركة بنص أو إجماع، كالثمن والربع، بحيث لايزيد إلا بالرد ولا ينقص إلا بالعول. ٢ - السهم: يراد به الجزء المعطى لكل وارث من أصل المسألة الذي هو مخرج فرض الورثة، أو عدد رؤوسهم مثل اثنين من ستة. وقد يطلق على النصيب مع قرينة من القرائن. ٣ - التركة: ما يتركه الميت مما كان يملكه من الأموال النقدية والعينية والحقوق. فلا يدخل في التركة الأمانات ونحوها مما لم يكن يملكه. ٤ - النسب: هو البنوة والأبوة والإدلاء بأحدهما، عن طريق تغليب الأبوة على الأمومة. ٥ - الجمع والعدد: يراد به في الميراث كل ما زاد على الواحد، فالبنتان والبنات جمع.

стр. 7447

٦ - الفرع: إذا أطلق الفرع في الميراث يراد به ابن الميت وبنته، وابن ابنه وبنت ابنه وإن نزل أبوها. فإذا قيل (الفرع الوارث) يراد به الابن والبنت، وابن الابن وبنت الابن وإن نزل. ويلاحظ أن ابن الابن بمثابة الابن، أما ابن الأخ فليس بمثابة الأخ. وفرع الأب: يراد به الإخوة والأخوات وبنو الأخ الشقيق أو الأب. وفرع الجد: يراد به العم الشقيق والعم لأب وبنوهما. ٧ - الأصل: إذا أطلق يراد به الأبوان والأجداد الصحاح (من جهة الأب) والجدات الصحيحات (من جهة الأب) وإن علوا. فإذا قيل: الأصل الذكر يراد به الأب والجد. ٨ - الولد: من ولده الإنسان قبل موته مباشرة، سواء الذكر والأنثى. ٩ - الوارث: من يستحق حصته من التركة، وإن لم يأخذها بالفعل كالمحروم والمحجوب. ١٠ - الأخ والعم: إذا أطلق الأخ يعم الأخ الشقيق أو لأب أو لأم؛ لأنه وارث. أما العم فلا يعم العم لأم؛ لأنه من ذوي الأرحام. ١١ - العَصَبة: من لم يكن له نصيب مقدرصريحاً. والعصبة بالنفس: هو كل ذكر لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى. ١٢ - الإدلاء: هو الاتصال بالميت: إما مباشرة بالنفس كأبي الميت وأمه وابنه وبنته، أوبواسطة كإدلاء ابن الابن بالابن، وبنت الابن بالابن. والإدلاء بالعصبة: هو العصبة بنفسه: وهو كل ذكر لا تدخل في نسبته إلى

стр. 7448

الميت أنثى وحدها، سواء أكان الميت ذكراً أم أنثى، مثل ابن الابن، وابن ابن الابن، وابن البنت. ١٣ - الميْت: بسكون الياء: من خرجت روحه من جسده من العقلاء. والميِّت - بتشديد الياء: من كانت حالته كحالة الأموات من الأحياء. والميتة: من زهقت روحها من سائر الحيوانات بغير ذكاة شرعية. الفَصْل الثَّاني: أركان الميراث: للميراث أركان ثلاثة: هي مورث، ووارث، وموروث. ١ - المورِّث: هو الميت الذي ترك مالاً أو حقاً. ٢ - والوارث: هو الذي يستحق الإرث بسبب من أسبابه الآتية، وإن لم يأخذها بالفعل لمانع، فهو مستحق الإرث من غيره لقرابة حقيقية أو حكمية. ٣ - الموروث: هو التركة، ويسمى أيضاً ميراثاً وإرثاً، وهو ما يتركه المورث من المال، أوالحقوق التي يمكن إرثها عنه، كحق القصاص، وحبس المبيع لاستيفاء الثمن، وحبس المرهون لاستيفاء الدين. فإذا فقد ركن من هذه الأركان انتفى الإرث؛ لأن الإرث عبارة عن استحقاق شخص مال شخص آخر بفرض أو عصوبة أو رحم، فإذا فقد واحد منها فقد الإرث. فلو مات شخص عن ابن وابن ابن، أخذ المال الابن، ولا شيء لابن الابن؛ لأنه محجوب بالابن، مع أن فيه قوة الأخذ. إذ لولا وجود الابن لأخذ التركة. وكذا لو عدمت التركة، كما لو مات عن أقارب، ولم يترك شيئاً، كانت الأقارب وارثة له؛ لأن فيهم قوة الأخذ، ولكنهم لم يأخذوا شيئاً لعدم التركة.

стр. 7449

الفَصْلُ الثَّالث: أسباب الميراث: يتوقف الإرث على ثلاثة أمور: وجود أسبابه وشروطه وانتفاء موانعه، ولكل منها مبحث. أما أسباب الإرث المتفق عليها فهي ثلاثة: وهي القرابة، والزوجية، والوَلاء (١). ١ - أما القرابة أو النسب الحقيقية ويسمى عند الحنفية الرحم: فيراد بها القرابة الحقيقية، وهي كل صلة سببها الولادة، وتشمل فروع الميت وأصوله وفروع أصوله، سواء أكان الإرث بالفرض فقط كالأم، أم بالفرض مع التعصيب كالأب، أم بالتعصيب فقط كالأخ، أم بالرحم كذوي الأرحام مثل العم لأم، ويكون الميراث بسبب النسب شاملاً الآتي: ١ - الأولاد وأبناءهم ذكوراً وإناثاً. ٢ - الآباء وآباءهم والأمهات، أي الأم وأمها وأمهات الآباء. ٣ - الإخوة والإخوات. ٤ - الأعمام وأبناءهم الذكور فقط. ٢ - وأما الزوجية أو النكاح الصحيح: فيراد به العقد الصحيح، سواء صحبه دخول بالزوجة أم لا. وهو يشمل الزوج والزوجة. فإذا مات أحد الزوجين ولو قبل الدخول، ورثه الآخر، لعموم آية

стр. 7450

التوارث (١) بين الزوجين، ولأن النبي ﷺ قضى في بَرْوع بنت واشق أن لها الميراث، وكان زوجها قد مات عنها قبل الدخول بها، ولم يكن فرض لها صداقاً. وترث المرأة من زوجها إذا كانت في العدة مطلقة طلاقاً رجعياً؛ لأن الزوجية في الطلاق الرجعي قائمة ما دامت في العدة، وهذا متفق عليه فقهاً وقانوناً (٢). أما المطلقة طلاقاً بائناً فلا ترث ولو كانت في العدة إذا طلقها زوجها في حال صحته، لعدم اتهامه بالفرار من إرثها. فإن طلقها في مرض موته فراراً من إرثها منه، وهو ما يسمى طلاق الفرار، فترث منه عند الحنفية إذا مات ما لم تنقض عدتها معاملة له بنقيض مقصوده. وترث منه عند المالكية ولو انقضت عدتها، وتزوجت غيره فعلاً لإطلاق الآثار فيها، وترث منه عند الحنابلة ولو انقضت عدتها، ما لم تتزوج غيره، لقول أبي سلمة ﵁: إن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة، وهو مريض، فورَّثها عثمان بن عفان بعد انقضاء عدتها. والخلاصة: إن الجمهورـ غير الشافعية يورثون هذه المرأة لقصد الزوج السيء. ولا ميراث لهذه الزوجة المطلقة طلاقاً بائناً عند الشافعية، وإن كانت العدة باقية لمعنى آخر؛ لأن البينونة قطعت الزوجية التي هي سبب الإرث. ولا توارث في النكاح الفاسد المجمع على فساده، كالنكاح بغير شهود، ولا في النكاح الباطل، كنكاح المتعة، فليس بنكاح شرعي، ولو أعقبه دخول أو خلوة؛ لأن وجوده كعدمه. واختلفوا في التوارث في النكاح الفاسد المختلف فيه،

стр. 7451

كالنكاح بغير ولي، فبعضهم يجيز التوارث بين الزوجين، لشبهة الخلاف، وبعضهم يمنع التوارث لمقتضى الفساد. ٣ - وأما الولاء: فهو قرابة حكمية أنشأها الشارع من العتق. وأضاف الحنفية للأسباب الثلاثة المذكورة خلافاً لغيرهم: ولاء الموالاة. فولاء العتق: هو العصوبة السببية، أو هو صلة بين السيد وبين من أعتقه، وتجعل للسيد أو عصبته حق الإرث ممن أعتقه، إذا مات ولا وارث له من قرابته، وهذا ما يسمى بالنسب الحكمي (١)، وفي الحديث: «الولاء لُحْمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب» (٢) فيرث المعتق العتيق ولا عكس، أي لا يرث العتيق المعتق. وولاء الموالاة: هو عقد بين اثنين على أن يعقل كل منهما عن الآخر، وأن يتوارثا. ٤ - وأضاف الشافعية والمالكية سبباً رابعاً وهو جهة الإسلام: فإنها الوارثة كالنسب، فتصرف تركة المسلم أو باقيها لبيت المال إرثاً للمسلمين عصوبة، لا مصلحة، إذا لم يكن وارث بالأسباب الثلاثة المتقدمة، أو كان هناك سبب لم يستغرق التركة، لقوله ﷺ : «أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه» (٣) وهو ﷺ لا يرث لنفسه شيئاً، وإنما يصرف ذلك في مصالح المسلمين. الإرث بجهتين: إذا كان لوارث جهتا إرث ورث بهما معاً، كما لو ماتت امرأة عن زوج وأم، وكان زوجها ابن عمها أيضاً، فتأخذ الأم نصيبها وهو الثلث،

стр. 7452

ويأخذ الزوج نصيبه وهو النصف، ثم يأخذ الباقي؛ لأنه عصبة، ولكن يستثنى الجدات في الميراث لهن السدس بالسوية، سواء أكانت الجدة ذات قرابة أم ذات قرابتين، ويستثنى أيضاً ذوو الأرحام، فإنهم يرثون بجهة واحدة، ولا يعتبر تعدد الجهات. أسباب الإرث في القانون: نص القانون المصري في المادة (٧) على أن أسباب الإرث ثلاثة: الزوجية والقرابة والعصوبة السببية، أي ولاء العتق، وأما ولاء الموالاة فلم يجعله من أسباب الإرث، لعدم وجوده من زمن بعيد. ونصت المادة (١١) على إرث الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً إذا مات الزوج وهي في العدة. أما المطلقة طلاقاً بائناً فتعتبر في حكم الزوجة إذا لم ترض بالطلاق، ومات المطلق في ذلك المرض، وهي في عدته. أما قانون الأحوال الشخصية السوري فنص في المادة (٢٦٣) على أن أسباب الإرث: الزوجية والقرابة، ولم يعتبر الولاء سبباً في القانون، لإلغاء الرق من العالم. ونص في المادة (٢٦٨) على أن للزوجة ولو كانت مطلقة رجعياً إذا مات الزوج وهي في العدة فرض الربع عند عدم الولد وولد الابن وإن نزل. ونصت المادة (١١٦) على أن الطلاق البائن في مرض الموت لا يمنع الإرث، إذا مات الرجل في ذلك المرض والمرأة في العدة، وعد الطلاق طلاقاً تعسفياً. الفَصْلُ الرَّابع: شروط الإرث: يشترط لثبوت الحق في الميراث ثلاثة شروط: وهي موت المورث، وحياة الوارث، ومعرفة جهة القرابة (١).

стр. 7453

١ - موت المورث: لا بد من تحقق موت المورث، إما حقيقة، أو حكماً أو تقديراً، بإلحاقه بالأموات. فالحقيقي: هو انعدام الحياة، إما بالمعاينة كما إذا شوهد ميتاً، أو بالسماع، أو بالبينة. والحكمي: هو أن يكون بحكم القاضي، إما مع احتمال الحياة أو تيقنها. مثال الأول: حكم القاضي على إنسان بموته، وهو الحكم على المفقود بموته. ومثال الثاني: حكم القاضي على المرتد باعتباره في حكم الأموات إذا لحق بدار الحرب. وتقسم التركة في الحالتين من وقت صدور الحكم بالموت. والتقديري: هوإلحاق الشخص بالموتى تقديراً، وذلك في الجنين الذي انفصل بجناية على أمه، وهي التي توجب الغُرَّة (٥٠ ديناراً)، بأن يضرب شخص امرأة حاملاً، فتلقي جنيناً ميتاً، فتجب الغرة وهي عبد أو أمة، وتقدر بنصف عشر الدية الكاملة. لكن اختلف الفقهاء في إرث هذا الجنين (١). قال أبو حنيفة: إن هذا الجنين يرث ويورث؛ لأنه يقدر أنه كان حياً وقت الجناية، وأنه مات بسببها. وقال الجمهور: لا يرث هذا الجنين؛ لأنه لم تتحقق حياته، فلم تتحقق أهليته للتملك بالإرث، ولا يورث عنه سوى الغرة وهي دية الجنين؛ لأنه يعتبر حياً بالنسبة لها فقط. وأخذ القانون المصري (م ٣) بمذهب الليث بن سعد وربيعة بن عبد الرحمن:

стр. 7454

وهو أن هذا الجنين لا يرث ولا يورث؛ لأنه لم يتحقق موته بسبب الجناية، ولا حياته وقتها، والجزاء يكون للأم وحدها؛ لأن الجريمة عليها وحدها. ٢ - حياة الوارث: لا بد أيضاً من تحقق حياة الوارث بعد موت المورث، إما حياة حقيقية مستقرة أو إلحاقه بالأحياء تقديراً. الحقيقية: هي الحياة المستقرة الثابتة للإنسان المشاهدة له بعد موت المورث. والتقديرية: هي الحياة الثابتة تقديراً للجنين عند موت المورث، فإذا انفصل حياً حياة مستقرة لوقت يظهر وجوده عند موت المورث، ولو كان حينئذ مضغة أو علقة، ثبت له الحق في الميراث، فيقدر وجود حياته بولادته حياً. ٣ - العلم بجهة الميراث: إن انتفاء المانع وهو ألا يكون هناك مانع من موانع الإرث الآتية. ليس شرطاً في الإرث، وإنما الشرط هو الأولان فقط، كما نص القانون المصري، حيث نص في المادة الثانية على الشرطين الأولين فقط، كما نص القانون السوري في المادة ٢٦ على هذين الشرطين أيضاً، ونص في المادة (٢٦١) على شرط وراثة الحمل. لكن لابد من العلم بالجهة المقتضية للإرث: بأن يعلم أنه وارث من جهة القرابة النسبية، أو من جهة الزوجية أو منهما، أو من جهة الولاء، لاختلاف الحكم في ذلك. الفَصْلُ الخامس: موانع الإرث: المانع لغة: الحائل، واصطلاحاً: ما ينتفي لأجله الحكم عن شخص لمعنى فيه، بعد قيام سببه، ويسمى محروماً، فخرج ما انتفى لمعنى في غيره، فإنه محجوب، أو لعدم قيام السبب كأجنبي، والمراد بالمانع هنا: المانع عن الوراثة، لا

стр. 7455

التوريث، وإن كان بعض الموانع كاختلاف الدين مانعاً عن الأمرين معاً: الوراثة والتوريث. و اتفق الفقهاء على ثلاثة موانع للإرث: هي الرق، والقتل، واختلاف الدين. و اختلفوا فيما عداها. ذكر الحنفية (١) أربعة موانع مشهورة: هي الرق، والقتل، واختلاف الدين، واختلاف الدارين، السببان الأولان يمنعان صاحبهما من أن يرث من غيره، والأخيران يمنعان التوارث من الجانبين. قال القدوري في الكتاب: لا يرث أربعة: المملوك، والقاتل من المقتول، والمرتد، وأهل الملتين، وكذا أهل الدارين، وسأوضح هذه الموانع كلاً على حدة. وأضافوا مانعين آخرين، فتصبح الموانع لديهم ستة، والمانعان هما: ١ - جهالة تاريخ الموتى كالغرقى والحرقى والهدمى والقتلى في آن واحد؛ لأن من شروط الإرث السابقة: وجود الوارث حياً عند موت المورث، وهو منتف هنا لعدم العلم بوجود الشرط، ولا توارث مع الشك. ٢ - وجهالة الوارث: وهي في خمس مسائل أو أكثر، منها: ١ - امرأة أرضعت صبياً مع ولدها، وماتت، ولم يعلم أيهما ولدها، أي جهل ولدها، فلا يرثها واحد منهما. ٢ - استأجر مسلم وكافرلولديهما ظئراً (مرضعاً)، فكبرا عندها، ولم يعلم ولد المسلم من ولد الكافر، فالولدان مسلمان، ولا يرثان من أبويهما، إلا أن يصطلحا، فلهما أن يأخذا الميراث بينهما.

стр. 7456

إن جهالة الوارث مانع آخر؛ لأنها كموته حكماً كما في المفقود. وزاد بعض الحنفية مانعاً سابعاً وهوالنبوة، لحديث الصحيحين: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» فكل إنسان يرث ولا يورث، إلا الأنبياء لا يرثون ولا يورثون. والحق أن النبوة ليست من الموانع؛ لأن النبوة معنى قائم في المورث، والمانع: هو ما يمنع الإرث لمعنى قائم في الوارث. وذكر المالكية (١) عشرة موانع للميراث هي: ١ - اختلاف الدين: فلا يرث كافر مسلماً إجماعاً، ولا يرث مسلم كافراً عند الجمهور، ولا يرث كافر كافراً إذا اختلف دينهما، خلافاً لأبي حنيفة والشافعية. وإذا أسلم الكافر بعد موت مورثه المسلم، لم يرثه. والمرتد في الميراث كالكافر الأصلي، خلافاً لأبي حنيفة فإن المسلم يرث عنده من المرتد. وأما الزنديق فيرثه ورثته من المسلمين إذا كان يظهر الإسلام. ٢ - الرق: فالعبد، وكل من فيه شعبة من رق كالمكاتب والمدبر وأم الولد. والمعتق بعضه، والمعتق إلى أجل، لا يرث ولا يورث، وميراثه لمالكه. ٣ - القتل العمد: فمن قتل مورثه عمداً، لم يرث من ماله ولا ديته، ولم يحجب وارثاً. فإن قتله خطأ ورث من المال دون الدية، وحجب غيره. ٤ - اللعان: فلا يرث المنفي به النافي، ولا يرثه هو. ٥ - الزنا: فلا يرث ولد الزنا والده، ولا يرثه هو؛ لأنه غير لاحق به، وإن أقر به الوالد حُدَّ، ولم يلحق به.

стр. 7457

ومن تزوج أمّاً بعد ابنة، أو بنتاً بعد أم، لم ترثه واحدة منها. ومن تزوج أختاً بعد أخت، والأولى في عصمته، ورثته دون الثانية. ٦ - الشك في موت المورث: كالأسير والمفقود. ٧ - الحمل: فيوقف به المال إلى الوضع. ٨ - الشك في حياة المولود: فإن استهل صارخاً ورث ووُرث، وإلا فلا، ولا يقوم مقام الصراخ: الحركة والعطاس في المذهب إلا أن يطول أو يرضع. ٩ - الشك في تقدم موت المورث أو الوارث: كميتين تحت هدم أو غرق، فلا يرث أحدهما الآخر، ويرث كل واحد منهما سائر ورثته. وهذا هو جهالة تاريخ الموتى عند الحنفية. ١٠ - الشك في الذكورة والأنوثة: وهو الخنثى، ويختبر بالتبول واللحية والحيض، فإن لحق بالرجال ورث ميراث الرجال، وإن لحق بالنساء ورث ميراثهن. وإن أشكل أمره، أعطي نصف نصيب أنثى، ونصف نصيب ذكر. وذكر الشافعية والحنابلة (١): ثلاثة موانع للإرث هي: الرق، والقتل، واختلاف الدين. وأضاف الشافعية موانع ثلاثة أخرى، فتصبح الموانع عندهم ستة، وهذه الثلاثة هي: ١ - اختلاف ذوي الكفر الأصلي بالذمة والحرابة: المشهور أنه لا توارث بين حربي وذمي لانقطاع الموالاة بينهما. والمعاهد والمستأمن كالذمي.

стр. 7458

٢ - الردة: لا يرث المرتد من أحد مسلم أو كافر، ولا يورث بحال، للحديث السابق: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» بل يكون ماله فيئاً لبيت المال، سواء اكتسبه في أثناء الإسلام أم في الردة. ويدخل هذا المانع في اختلاف الدين، كما أبان المالكية سابقاً. ٣ - الدور الحُكْمي: وهو أن يلزم من التوريث عدم التوريث، مثل: أن يقرّ أخ حائز للتركة بابن للمتوفى، فيثبت نسبه بإقرار الأخ، لكن لا يرث هذا الابن للدور؛ لأنه بإقرار هذا الأخ بالابن وثبوت نسبه من الأب، تبين عدم إرثه؛ لأنه محجوب به، فيلزم عليه بطلان إقراره؛ لأنه حينئذ لم يكن حائزاً للتركة، فيبطل نسب الولد، وإذا بطل فإنه لا يرث. ولكن إذا كان صادقاً في نفس الأمر، فإنه يجب أن يدفع له التركة ديانة فيما بينه وبين الله تعالى. إن إثبات الإرث أدى إلى نفيه، وكل ما أدى إثباته إلى نفيه ينتفي من أصله. وبالتأمل أرى أن ماذكره الفقهاء من موانع الإرث غير الأربعة المشهورة لا تعد في الحقيقة موانع، وإنما ينتفي الإرث لعدم تحقق شرط من شروط الإرث السابقة. لذا أعود لشرح الموانع الأربعة المشهورة وهي: المانع الأول - الرق: وهو لغة: العبودية، واصطلاحاً: عجز حكمي يقوم بالإنسان، سببه في الأصل: الكفر. فهو مانع من الإرث مطلقاً، سواء أكان تاماً أم ناقصاً في رأي الحنفية والمالكية، فلا توارث بين حر ورقيق، أي لا يرث الرقيق أحداً ولا يورث؛ لأن الرق ينافي أهلية التملك، إذ مقتضى كون الرقيق مالاً مملوكاً للسيد، ألا يكون مالكاً للمال، باعتبار أن المملوكية تنبئ عن العجز والهوان، والمالكية تنبئ عن

стр. 7459

القدرة والكرامة، فتتنافيان، ويكون جميع ما في يده من المال لسيده، فلو ورثناه لوقع الملك لسيده، فيكون توريثاً للأجنبي بلا سبب، وإنه باطل إجماعاً. ولم يذكر القانون السوري هذا النسب لإلغاء الرق من العالم. المبعض: استثنى الشافعية في المذهب الجديد وهو الأصح (١) العبد المبعض وهو من بعضه حر، فإنه يورث عنه إذا مات المال الذي ملكه ببعضه الحر؛ لأنه تام الملك عليه كالحر، فيرثه عنه قريبه الحر، أو معتق بعضه، وزوجته، ولا شيء لسيده، لاستيفاء حقه مما اكتسبه بالرِّقية. وقال الحنابلة (٢): من بعضه حر يرث ويورث بجزئه الحر (٣)، ويحجب

стр. 7460

على مقدار ما فيه من الحرية، ولا يرث ولا يورث ولا يحجب بالقدر الباقي فيه من الرق، لما روى عبد الله بن أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال في العبد يعتق بعضه: «يرث ويورث على قدر ما عتق منه» المكاتب: المكاتب عند الحنابلة إن لم يملك قدر ما عليه من أقساط الكتابة، هو عبد لا يرث ولا يورث، وإن ملك قدر ما يؤدي، ففيه روايتان: إحداهما: أنه عبد مابقي عليه درهم، لايرث ولايورث، وهو رأي الجمهور من الأئمة الآخرين، لقوله ﷺ : «المكاتب عبد مابقي عليه درهم» (١). والثانية: أنه إذا ملك مايؤدي، فقد صار حراً، يرث ويورث، فإذا مات من يرثه، ورث، وإن مات هو فلسيده بقية كتابته، والباقي لورثته، لحديث أم سلمة، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : «إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده مايؤدي، فلتحجب منه» (٢). المانع الثاني - القتل: اتفق الفقهاء على أن القتل مانع من الميراث، فالقاتل لايرث من قتيله، لقوله ﷺ : «ليس لقاتل ميراث» (٣)؛ لأنه استعجل الميراث قبل أوانه بفعل محظور، فعوقب بحرمانه مما قصد، لينزجر عما فعل، ولأن التوريث مع القتل يؤدي إلى الفساد، والله لايحب الفساد.
следующие страницы →