← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

كما يبرك البعير، وليضع يديه ثم ركبتيه» (١) قال ابن سيد الناس: أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح. وتوسط النووي فقال: لا يظهر لي ترجيح أحد المذهبين. مكان الصلاة: قال المالكية: تكره الصلاة على غير الأرض وما تنبته. وقال الحنابلة: تصح الصلاة على الثلج بحائل أو لا، إذا وجد حجمه لاستقرار أعضاء السجود، كما تصح على حشيش وقطن منتفش إذا وجد حجمه، وإن لم يجد حجمه، لم تصح صلاته، لعدم استقرار الجبهة عليه (٢). الركن السابع - الجلوس بين السجدتين: الجلوس بين السجدتين مطمئناً ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية (٣)، لحديث المسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تطمئن جالساً» وفي الصحيحين «كان ﷺ إذا رفع رأسه، لم يسجد حتى يستوي جالساً». وأضاف الشافعية: ويجب ألا يقصد برفعه غيره، فلورفع فزعاً من شيء لم يكف، وألا يُطوِّله، ولا الاعتدال؛ لأنهما ركنان قصيران ليسا مقصودين لذاتهما، بل للفصل بين السجدتين.

стр. 807

والسنة في هيئة السجود: أن يجلس بين السجدتين مفترشاً: وهو أن يثني رجله اليسرى، ويبسطها ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى ويخرجها من تحته، ويجعل بطون أصابعه على الأرض معتمداً عليها، لتكون أطراف أصابعه إلى القبلة. وذلك للاتباع، كما سيأتي في صفة صلاة رسول الله ﷺ : «ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، ثم اعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ثم هوى ساجداً» وفي حديث عائشة أن النبي ﷺ «وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى» (١). ويضع يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه، منشورتي الأصابع، اليمنى واليسرى سواء. الركن الثامن - القعود الأخير مقدار التشهد: هذا فرض عند الحنفية إلى قوله: (عبده ورسوله) على الصحيح، فلو فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام، فتكلم أو أكل، فصلاته تامة، وهو مع التشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ بعده قاعداً بمقدار: (اللهم صل على محمد) ركن عند الشافعية والحنابلة. والركن عند المالكية هو بمقدار الجلوس للسلام (٢). ويلاحظ أن التشهد الأول كالأخير واجب عند الحنفية، سنة عند الجمهور، كما أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير سنة عند الحنفية والمالكية. استدل الحنفية: بحديث ابن مسعود ﵁ حين علّمه النبي التشهد،

стр. 808

فقال له النبي ﷺ : «إذا قلت هذا، أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك» (١) أي إذا قلت التشهد أو فعلت القعود، فقد تمت صلاتك. فإنه ﷺ علق تمام الصلاة بالفعل، وهو القعود، سواء قرأ التشهد أو لم يقرأ، لأنه علقه بأحد الأمرين من قرادة التشهد والقعود، والقراءة لم تشرع بدون القعود، حيث لم يفعلها رسول الله ﷺ إلا فيه، فكان القعود هو المعلق به تمام الصلاة في الحقيقة، لاستلزامه القراءة، وكل ما علق بشيء لا يوجد بدونه، وبما أن تمام الصلاة واجب، أو فرض، وتمام الصلاة لا يوجد بدون القعود، فالقعود واجب أي فرض؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وكون خبر ابن مسعود خبر آحاد أثبت الفرضية، فلأنه بيان لمجمل الكتاب، ويصلح البيان الظني لذلك، بخلاف قراءة الفاتحة مع نص القرآن؛ لأن نص القراءة ليس بمجمل، بل هو خاص، فتكون الزيادة عليه نسخاً بخبر الواحد، وهو لايجوز. واستدل المالكية على أن التشهد والقعود ليسا بواجب: بأنهما يسقطان بالسهو، فأشبها السنن. وأما الشافعية والحنابلة فاستدلوا: بأن النبي ﷺ فعل الجلوس، وداوم على فعله، وأمر به في حديث ابن عباس، وقال: «قولوا: التحيات لله» (٢) وسجد للسهو حين نسيه، وقد قال ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقال ابن

стр. 809

مسعود: «كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فقال النبي ﷺ : لاتقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله .. » (١) الخ. والدلالة منه بوجهين: أحدهما - التعبير بالفرض، والثاني: الأمر به وفرضه في جلوس آخر الصلاة. وأما الجلوس له، فلأنه محله، فيتبعه. وأما فرضية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، فلإجماع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة، فتعين وجوبها فيها، ولحديث «قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد … الخ» (٢) وفي رواية «كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: قولوا .. الخ» (٣) والمناسب لها من الصلاة، التشهد آخرها، فتجب فيه، أي بعده. وقد صلى النبي ﷺ على نفسه في الوتر، كما رواه أبو عوانة في مسنده، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولم يخرجها شيء عن الوجوب. ومما يدل على الوجوب حديث علي عند الترمذي وقال: حسن صحيح: «البخيل من ذكرت عنده، فلم يصل علي» وقد ذكر النبي في التشهد، ومن أقوى الأدلة على الوجوب ما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ بلفظ: «إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد … » الحديث.

стр. 810

والصلاة على النبي سنة عند الشافعية على الأظهر في التشهد الأول، لبنائه على التخفيف، ولا تسن على الآل في التشهد الأول، وتسن الصلاة على الآل (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) في التشهد الأخير، وقيل: تجب فيه لقوله ﷺ في الحديث السابق: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» والأمر يقتضي الوجوب. صفة الجلوس: صفة الجلوس للتشهد الأخير عند الحنفية، كصفة الجلوس بين السجدتين، يكون مفترشاً كما وصفنا، سواء أكان آخر صلاته أم لم يكن، بدليل حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة رسول الله ﷺ «أن النبي ﷺ جلس - يعني للتشهد - فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته» (١) وقال وائل بن حجر: «قدمت المدينة، لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فلما جلس - يعني للتشهد - افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ونصب رجله اليمنى» (٢) وقال المالكية: يجلس متوركاً في التشهد الأول والأخير (٣)، لما روى ابن مسعود «أن النبي ﷺ كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركاً» (٤). وقال الحنابلة والشافعية: يسن التورك في التشهد الأخير، وهو كالافتراش، ولكن يخرج يسراه من جهة يمينه ويلصق وركه بالأرض، بدليل ما جاء في حديث

стр. 811

أبي حميد الساعدي: «حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته، أخرَّ رجله اليسرى، وقعد على شقه متوركاً، ثم سلَّم» (١) والتورك في الصلاة: القعود على الورك اليسرى، والوركان: فوق الفخذين كالكعبين فوق العضدين. لكن قال الحنابلة: لا يتورك في تشهد الصبح؛ لأنه ليس بتشهدٍ ثانٍ، والذي تورك فيه النبي بحديث أبي حميد هو التشهد الثاني للفرق بين التشهدين، وما ليس فيه إلا تشهد واحد لا اشتباه فيه، فلاحاجة إلى الفرق. والخلاصة: إن التورك في التشهد الثاني سنة عند الجمهور، وليس بسنة عند الحنفية. صيغة التشهد: للتشهد صيغتان مأثورتان: فقال الحنفية والحنابلة (٢): التشهد هو: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وهو التشهد الذي علَّمه النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود ﵁ (٣). وقال الإمام مالك: أفضل التشهد: تشهد عمر بن الخطاب ﵁ (التحيات لله، الزاكيات لله، الصلوات لله) وسائره كتشهد ابن مسعود السابق. وقال الشافعية (٤): أقل التشهد: التحيات لله، سلام عليك أيها

стр. 812

النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. وأكمل التشهد: ما ورد في حديث ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يُعلِّمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله» (١). معاني ألفاظ التشهد: معنى (التحيات لله): الثناء على الله تعالى بأنه مالك مستحق لجميع التحيات الصادرة من الخلق. وهي جمع تحية يقصد بها البقاء والعظمة والملك، وقيل: السلام. والمباركات: الناميات. والصلوات: الصلوات الخمس وغيرها من العبادات الفعلية. والطيبات: الأعمال الصالحة. والسلام: أي اسم الله عليك، أو السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي. وعلينا: أي الحاضرين من إمام ومأموم وملائكة وغيرهم. والعباد: جمع عبد. والصالحين: جمع صالح، وهو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده. ومعنى رسول الله، هو الذي يبلغ خبر من أرسله، وسمي تشهداً لما فيه من النطق بالشهادتين. الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير: أقل الصلاة على النبي، الذي هو الركن عند الشافعية والحنابلة في التشهد الأخير: «اللهم صل على محمد» لظاهر الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا، صلوا عليه

стр. 813

وسلموا تسليماً﴾ (١) [الأحزاب:٥٦/ ٣٣] وهي تدل على الوجوب؛ لأن الأمر للوجوب، علماً بأنه قد حصل السلام على النبي في التشهد بقوله: «السلام عليك» وأما الصلاة على الآل فهي سنة. وأكمل الصلاة على النبي أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وقد ثبتت هذه الصيغة عند البخاري ومسلم، بل عند الجماعة عن كعب بن عُجْرة، قال: «إن النبي ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علّمنا الله، كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (٢). وقال الحنفية والمالكية: الصلاة على النبي سنة كما سيأتي. التشهد بالعربية: يشترط موالاة التشهد، وكونه بالعربية، هو وسائر أذكار الصلاة المأثورة، فلا يجوز من قدر على العربية التشهد والصلاة على النبي ﷺ بغيرها، كما ذكرنا في التكبير والقراءة، فإن عجز مؤقتاً حتى يتعلم تشهد بلغته، كالأخرس. ومن قدر على تعلم التشهد والصلاة على النبي ﷺ ، لزمه ذلك، لأنه من فروض الأعيان،

стр. 814

فلزمه كالقراءة. فإن صلى قبل تعلمه مع إمكانه، لم تصح صلاته. وإن خاف فوات الوقت، أو عجز عن تعلمه، أتى بما يمكنه، وأجزأه للضرورة. وإن لم يحسن بالكلية، سقط كله (١). الركن التاسع - السلام: السلام الأول للخروج من الصلاة حال القعود فرض عند المالكية، والشافعية، والتسليمتان: فرض عند الحنابلة (٢)، إلا في صلاة جنازة ونافلة وسجدة تلاوة وشكر، فيخرج منها بتسليمة واحدة، وتنقضي الصلاة عند المالكية والشافعية بالسلام الأول، وعند الحنابلة بالسلام الثاني. ودليلهم قوله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٣)، ولأن النبي ﷺ «كان يسلم من صلاته» (٤) ويديم ذلك، ولا يخل به، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥) وقال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائز».

стр. 815

وقال الحنفية (١): السلام ليس بفرض، بل واجب والواجب تسليمتان، فلو قعد قدر التشهد، ثم خرج من الصلاة بسلام أو كلام أو فعل أو حدث، أجزأه ذلك، فالفرض: إنما هو الخروج من الصلاة بصنع المصلي، عملاً بحديث ابن مسعود السابق: «إذا قضيت هذا تمت صلاتك» ولأن السلام لم يذكر في حديث المسيء صلاته. وتنقضي الصلاة عندهم بالسلام الأول قبل قوله (عليكم). ومما يدل على عدم فرضية السلام، وأن الفرض في آخر الصلاة هو القعود بمقدار التشهد: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن رسول الله ﷺ قال: إذا قضى الإمام الصلاة، وقعد، فأحدث قبل أن يتكلم، فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة» (٢) ويؤيده حديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من التشهد، أقبل علينا بوجهه، وقال: من أحدث حدثاً بعد ما يفرغ من التشهد، فقد تمت صلاته» (٣). صيغة السلام: أقل ما يجزئ في واجب السلام مرتين عند الحنفية: السلام، دون قوله: «عليكم»، وأكمله وهو السنة أن يقول: (السلام عليكم ورحمة الله) مرتين. وينوي الإمام بالتسليمتين السلام على من يمينه ويساره من الملائكة ومسلمي الإنس والجن. ويسن عدم الإطالة في لفظه والإسراع فيه لحديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود: (حذف التسليم سنة) قال ابن المبارك: معناه ألا يمد مداً.

стр. 816

وأقل ما يجزئ عند الشافعية والحنابلة: (السلام عليكم) مرة عند الشافعية، ومرتين عند الحنابلة وأكمله: (السلام عليكم ورحمة الله) مرتين يميناً وشمالاً، ملتفتاً في الأولى حتى يرى خده الأيمن، وفي الثانية: الأيسر، ناوياً السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وجن. وينوي الإمام أيضاً زيادة على ما سبق السلام على المقتدين. وهم ينوون الرد عليه وعلى من سلم عليهم من المأمومين، فينويه المقتدون عن يمين الإمام عند الشافعية بالتسليمة الثانية، ومن عن يساره بالتسليمة الأولى. وأما من خلفه وأمامه فينوي الرد بأي التسليمتين شاء. ودليل ذلك حديث سمرة بن جندب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض» (١). وقال الحنفية: ينوي المأموم الرد على الإمام في التسليمة الأولى إن كان في جهة اليمين، وفي التسليمة الثانية إن كان في جهة اليسار، وإن حاذاه نواه في التسليمتين. وتسن نية المنفرد الملائكة فقط. ولا يندب زيادة (وبركاته) على المعتمد عند الشافعية والحنابلة، ودليلهم يتفق مع دليل الحنفية: وهو حديث ابن مسعود وغيره المتقدم: «أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يُرى بياض خده». فإن نكس السلام فقال: (عليكم السلام) لم يجزه عند الشافعية والحنابلة. والأصح عندهم ألا يجزيه: (سلام عليكم). نية الخروج من الصلاة بالسلام: والأصح عند الشافعية: أنه لا تجب نية الخروج من الصلاة، قياساً على

стр. 817

سائرالعبادات، ولأن النية السابقة منسحبة على جميع الصلاة، ولكن تسن خروجاً من الخلاف، وهذا هو مشهور مذهب المالكية وهو المعتمد، ويسن بالتسليمتين معاً نية الخروج من الصلاة عند الحنابلة، لتمييز الصلاة عن غيرها، كما تتميز بتكبيرة الإحرام، فإن لم ينو، بطلت صلاته، والصحيح المنصوص عن أحمد: أنه لاتبطل صلاته. ولا يستحب نصاً الرد على الإمام والمأموم، فإن نوى مع الخروج من الصلاة السلام على الحفظة من الملائكة، والإمام والمأموم، جاز، لحديث سمرة عند أبي داود: «أمرنا النبي ﷺ أن نرد على الإمام، وأن يسلم بعضنا على بعض» وقال بعض الحنابلة: ينوي بالأولى الخروج من الصلاة، وينوي بالثانية السلام على الملائكة الحفظة والمأمومين إن كان إماماً، والرد على الإمام والملائكة إن كان مأموماً. وأقل ما يجزئ عند المالكية: (السلام عليكم) بالعربية، ويجزئ (سلام عليكم) وأكمله: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) لما رواه أبو داود عن وائل بن حُجْر، ورواه أيضاً ابن حبان في صحيحه وابن ماجه من حديث ابن مسعود (١) ويسلّم المأموم عند المالكية ثلاثاً: واحدة يخرج بها من الصلاة، وأخرى يردها على إمامه، والثالثة: إن كان على يساره أحد، رد عليه، في مشهور المذهب. ويسن رد المقتدي السلام على إمامه، وعلى من يساره إن وجد وشاركه في ركعة فأكثر، لا أقل. ودليل جواز الاقتصار على تسليمة واحدة عند المالكية والشافعية حديث عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه» وحديث

стр. 818

سلمة بن الأكوع قال: «رأيت رسول الله ﷺ صلى فسلم تسليمة واحدة» (١) ولأنه بالتسليمة الأولى قد خرج بها من الصلاة، فلم يشرع مابعدها كالثانية. ودليل إيجاب التسليمتين عند الحنفية والحنابلة: حديث ابن مسعود السابق، وحديث جابر بن سمرة عند مسلم أن النبي ﷺ قال: «إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخده، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله». الركن العاشر: الطمأنينة في أفعال معينة: الطمأنينة ركن أو شرط ركن عند الجمهور (٢) في الركوع والاعتدال منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، وواجب عند الحنفية للأمر بها في حديث المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في الصلاة كلها» (٣) ولحديث حذيفة: «أنه رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال له: ما صليت، ولو مِتَّ على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً ﷺ » (٤) وظاهره أنها ركن واحد في الكل، لأنه يعم القيام (٥). والطمأنينة: سكون بعد حركة، أو سكون بين حركتين بحيث ينفصل مثلاً رفعه عن هويه. وأقلها: أن تستقر الأعضاء في الركوع مثلاً بحيث ينفصل الرفع عن الهوي كما قال الشافعية. وذلك بقدر الذكر الواجب لذاكره، وأما الناسي

стр. 819

فبقدر أدنى سكون، كما قال بعض الحنابلة، والصحيح من المذهب: أنها السكون وإن قل. أو هي تسكين الجوارح قدر تسبيحة في الركوع والسجود، والرفع منهما، كما قال الحنفية. أو هي استقرار الأعضاء زمناً ما في جميع أركان الصلاة، كما قال المالكية. الركن الحادي عشر: ترتيب الأركان على النحو المشروع في صفة الصلاة في السنة: الترتيب ركن عند الجمهور، واجب في القراءة وفيما يتكرر في كل ركعة، وفرض فيما لايتكرر في كل الصلاة أو في كل ركعة كترتيب القيام على الركوع، وترتيب الركوع على السجود، عند الحنفية (١)، بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام، والتكبيرة على الفاتحة، والفاتحة على الركوع، والركوع على الرفع منه، والاعتدال على السجود، والسجود على السلام، والتشهد الأخير على الصلاة على النبي ﷺ عند الشافعية والحنابلة. والدليل أنه ﷺ كان يصلي الصلاة مرتبة، وعلمها للمسيء صلاته مرتبة بـ «ثم»، ولأنها عبادة تبطل عند الجمهور غير الحنفية بالحدث، فكان الترتيب فيها ركناً كغيره. ويترتب على كون الترتيب ركناً عند الجمهور، وكما ذكر الشافعية: أن من تركه عمداً كأن سجد قبل ركوعه، بطلت صلاته إجماعاً لتلاعبه. وإن سها

стр. 820

عن الترتيب فما فعله بعد المتروك لغو؛ لوقوعه في غير محله. فإن تذكر المتروك قبل بلوغ مثله من ركعة أخرى، فعله بعد تذكره فوراً، فإن تأخر بطلت صلاته. وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله، تمت به ركعته المتروك آخرها كسجدته الثانية منها، وتدارك الباقي من صلاته؛ لأنه ألغى ما بينهما. ولو تيقن في آخر صلاته ترك سجدة من الركعة الأخيرة، سجدها وأعاد تشهده. وإن كانت السجدة من ركعة أخرى غير الأخيرة، أو شك هل ترك السجدة من الأخيرة أو من غيرها، لزمه ركعة؛ لأن الناقصة قد تكمَّلت، بسجدة من الركعة التي بعدها، وألغي باقيها. وإن قام للركعة الثانية، وتذكر أنه ترك سجدة من الركعة الأولى: فإن كان قد جلس بعد سجدته التي قام عنها ولو للاستراحة، سجد فوراً من قيامه. وإن لم يكن قد جلس، جلس مطمئناً، ثم سجد. وإن علم في آخر صلاة رباعية ترك سجدتين أو ثلاث، جهل موضعها، وجب عليه ركعتان، أخذاً بأسوأ الافتراضات، فتنجبر الركعة الأولى بسجدة من الثانية، ويلغو باقيها، وتنجبر الركعة الثالثة بسجدة من الرابعة ويلغو باقيها. وإن علم ترك أربع سجدات، فعليه سجدة وركعتان. فإن كانت خمساً أو ستاً فعليه ثلاث ركعات. وإن كانت سبعاً فعليه سجدة وثلاث ركعات. وإن تذكر ترك ركن بعد السلام: فإن كانت النية، أو تكبيرة الإحرام، بطلت صلاته، وإن كان غيرهما، بنى على صلاته السابقة إن قرب الفاصل، ولم يأت بمناف للصلاة كمس نجاسة. ولا يضر استدبار القبلة إن قصر زمنه عرفاً، ولا الكلام إن قل عرفاً أيضاً، لأنهما يحتملان في الصلاة.

стр. 821

وإن طال الفصل عرفاً استأنف، أي ابتدأ صلاة جديدة. ويترتب على كون الترتيب واجباً فيما يتكرر في كل ركعة عند الحنفية (١): أنه لو سجد ثم ركع، لم يعتبر سجوده، ويلزمه سجود آخر، فإن سجده صحت صلاته لتحقيق الترتيب المطلوب، ويلزمه سجود السهو، لتقديمه السجود المفروض. ولو قعد القعود الأخير، وتذكر سجدة صلبية (٢)، فإنه يسجدها، ويعيد القعود، ويسجد للسهو، لاشتراط الترتيب بين القعود وما قبله، ويبطل القعود بالعود إلى السجدة الصلبية أو التلاوية. ولو ترك ركوعاً، فإنه يقضيه مع ما بعده من السجود. ولو تذكر قياماً أو قراءة، صلى ركعة. ولو نسي سجدة من الركعة الأولى، قضاها ولو بعد السلام قبل الكلام، ثم يتشهد، ثم يسجد للسهو، ثم يتشهد، أي يقرأ التشهد إلى (عبده ورسوله) فقط.

стр. 822

الفَصْلُ السَّادس: سُنَنُ الصَّلاة وصفتُها ومكروهاتُها والأذكارُ الواردة عقبها وفيه مباحث سبعة: ويلاحظ أن أنواع سنن الصلاة: سنن الصلاة قسمان: إما داخل فيها، وإما خارج عنها كالاستياك المذكور سابقاً، وكسترة المصلي وغير ذلك مما يأتي توضيحه. المبحث الأول - سنن الصلاة الداخلة فيها: سنن الصلاة: هي الأقوال والأفعال التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل يعاتب ويلام، ولا تنجبر إذا تركت بسجود السهو، ولا تبطل الصلاة بتركها عمداً. والسنة كما ذكر الحنفية (١): مافعله رسول الله ﷺ بطريق المواظبة، ولم يتركها إلا لعذر، كدعاء الثناء، والتعوذ، وتكبيرات الركوع والسجود. وللصلاة عندهم سنن وآداب، و الأدب فيها: ما فعله رسول الله ﷺ مرة أو مرتين، ولم يواظب عليه، كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود على الثلاثة، والزيادة على القراءة المسنونة، وقد شرع لإكمال السنة.

стр. 823

والسنة أو الأدب عندهم دون الواجب، لأن الواجب في الصلاة: ما تجوز الصلاة بدونه، ويجب بتركه ساهياً سجدتا السهو. وذكروا للصلاة إحدى وخمسين سنة، وسبعة آداب. وذكر المالكية (١) للصلاة أربع عشرة سنة، وثمانية وأربعين أدباً. والسنة عندهم: ما طلبه الشرع وأكد أمره وعظم قدره وأظهره في الجماعة. ويثاب فاعله ولا يعاقب تاركه كالوتر وصلاة العيدين. والمندوب عندهم: ما طلبه الشرع طلباً غير جازم، وخفف أمره، ويثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، كصلاة أربع ركعات قبل الظهر. ويُسجد سجود السهو لثمان من السنن وهي: السورة، والجهر، والإسرار، والتكبير، والتحميد، والتشهدان، والجلوس لهما. وسنن الصلاة عند الشافعية (٢) نوعان: أبعاض وهيئات. و الأبعاض: هي التي يجبر تركها بسجود السهو وهي ثمانية (٣): التشهد الأول، والقعود له، والصلاة على النبي ﷺ بعده، وعلى آله بعد التشهد الأخير، والقنوت في الصبح ووتر النصف الأخير من رمضان، والقيام للقنوت، والصلاة على النبي ﷺ ، وعلى آله بعد القنوت.

стр. 824

و الهيئات: هي أربعون كالتسبيحات ونحوها لا يجبر تركها بسجود السهو. والسنة أو المستحب عندهم إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بفرض آخر، فمن ترك التشهد الأول مثلاً، فذكره بعد اعتداله مستوياً، لا يعود إليه لكنه يسجد للسهو، فإن عاد إليه عامداً عالماً بتحريمه، بطلت صلاته، أما إن عاد إليه ناسياً أنه في الصلاة، فلا تبطل صلاته، ويلزم القيام عنه فوراً عند تذكره ثم يسجد للسهو. هذا إن كان المصلي إماماً أو منفرداً. فإن كان المصلي مأموماً عاد وجوباً لمتابعة إمامه؛ لأن المتابعة آكد من التلبس بالفرض، فإن لم يعد عامداً عالماً، بطلت صلاته إذا لم ينو المفارقة، فإن نواها لم تبطل. وقال الحنابلة (١): ما ليس بفرض نوعان: واجبات، وسنن. والواجبات: وهي ما تبطل الصلاة بتركه عمداً، وتسقط سهواً أو جهلاً، ويجبر تركها سهواً بسجود السهو، وهي ثمانية: ١ - التكبير (الله أكبر) للانتقال في محله: (وهو ما بين انتهاء فعل وابتداء فعل آخر) لأنه ﷺ كان يكبر كذلك، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فلو شرع المصلي في التكبير قبل الانتقال، كأن يكبر للركوع أو السجود قبل هُوِّيه إليه، لم يجزئه، ويجزئه فميا بين ابتداء الانتقال وانتهائه. وهذا التكبير غير تكبيرتي الإحرام، وتكبيرة ركوع مأموم أدرك إمامه راكعاً، فإن الأولى ركن، والثانية سنة للاجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام. ٢ - التسميع: أي قول (سمع الله لمن حمده) لإمام، ومنفرد دون مأموم.

стр. 825

٣ - التحميد: أي قول (ربنا لك الحمد) لكل من الإمام والمأموم والمنفرد. ٤ - تسبيح الركوع: (سبحان ربي العظيم). ٥ - تسبيح السجود: (سبحان ربي الأعلى). ٦ - دعاء (رب اغفر لي) بين السجدتين. والواجب مرة واحدة في كل ما سبق، والأكمل أن يكرر ذلك مراراً، وأدنى الكمال: ثلاث. ٧ - التشهد الأول: لأنه ﷺ فعله وداوم على فعله وأمر به، وسجد للسهو حين نسيه. وأقله: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله). ٨ - الجلوس للتشهد الأول. وهذا وما قبله واجب على غير مأموم قام إمامه عنه سهواً. وأما السنن: فهي سنن أقوال وأفعال وهيئات. وسنن الأقوال سبع عشرة وهي (الاستفتاح، والتعوذ، والبسملة، والتأمين، وقراءة السورة في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية والثلاثية، وفي صلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، وفي التطوع كله، والجهر والإخفات في محلهما، وقول: ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد بعد التحميد في حق الإمام والمنفرد، دون المأموم، وما زاد على المرة من تسبيح الركوع والسجود، ورب اغفر لي: بين السجدتين، والتعوذ في التشهد الأخير، أي قول: أعوذ با لله من عذاب جهنم … الخ، والدعاء في آخر التشهد الأخير، والصلاة في التشهد الأخير على آل النبي ﷺ والبركة فيه، أي قول: وبارك على محمد وعلى آل محمد … الخ، وما زاد على المجزئ من التشهد الأول، والقنوت في الوتر).

стр. 826

وما سوى ذلك: سنن أفعال وهيئات (١)، كسكون الأصابع مضمومة ممدودة حال رفع اليدين مبسوطة (ممدودة الأصابع) مضمومة الأصابع مستقبل القبلة ببطونها إلى حذو منكبيه، عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه، وحطهما عقب ذلك. بيان سنن الصلاة الداخلة فيها: ١ - رفع اليدين للتحريمة: لا خلاف في استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لافتتاح الصلاة، وذلك حَذْو (مقابل) المنكبين عند المالكية (٢) والشافعية، ويخير عند الحنابلة في رفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه. وقال الحنفية: يحاذي الرجل بإبهاميه أذنيه، وترفع المرأة حذاء منكبيها فقط؛ لأنه أستر لها. قال ابن قدامة: ومعناه أن يبلغ بأطراف أصابعه ذلك الموضع. وقال النووي: معناه أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وابهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه، واعتمد المالكية هذه الكيفية. وأضاف الفقهاء: ويسن إمالة أطراف الأصابع نحو القبلة لشرفها. ودليل الحنفية: حديث وائل بن حجر: «أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، وكبّر، وصفَّهما حيال أذنيه» (٣) وحديث البراء بن عازب: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى، رفع يديه حتى تكون إبهامه حذاء أذنيه» (٤) وحديث أنس: «رأيت رسول الله ﷺ كبر، فحاذى بإبهاميه أذنيه» (٥).

стр. 827

ودليل الشافعية والمالكية: حديث ابن عمر ﵄: «أنه ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة» (١). ودليل الحنابلة على التخيير: أن كلا الأمرين مروي عن رسول الله ﷺ ، فالرفع إلى حذو المنكبين: في حديث أبي حميد (٢) وابن عمرو علي وأبي هريرة. والرفع إلى حذو الأذنين: رواه وائل بن حجر ومالك بن الحويرث (٣). زمن الرفع: وقت الرفع في الأصح عند الحنفية: أنه يرفع أولاً، ثم يكبر؛ لأن في فعله نفي الكبرياء عن غير الله تعالى. وقال المالكية: ترفع اليدان مبسوطتين ظهورهما للسماء وبطونهما للأرض على صفة الخائف، عند الشروع في تكبيرة الإحرام، لا عند غيره. وقال الشافعية والحنابلة: إنه يرفع مع ابتداء تكبيرة الإحرام، ويكون انتهاؤه مع انقضاء التكبير، ولا يسبق أحدهما صاحبه، فإذا انقضى التكبير حط يديه، فإن نسي رفع اليدين حتى فرغ من التكبير لم يرفعهما؛ لأنه سنة فات محلها، وإن ذكره في أثناء التكبير رفع؛ لأن محله باق. فإن لم يمكنه رفع يديه إلى المنكبين، رفعهما قدر ما يمكنه، وإن أمكنه رفع إحداهما دون الأخرى رفعها، لقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وإن لم يمكنه رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما؛ لأنه يأتي بالسنة. حالة الأصابع: قال الحنفية والمالكية والشافعية: يسن نشر الأصابع أي ألا

стр. 828

تضم كل الضم، ولا تفرج كل التفريج، بل تترك على حالها منشورة، أي مفرقة تفريقاً وسطاً؛ لأنه ﷺ كان إذا كبّر، رفع يديه، ناشراً أصابعه» (١) أي مفرقاً أصابعه. وقال الحنابلة: يستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع، ويضم بعضها إلى بعض، لما روى أبو هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا» (٢) والمد: ما يقابل النشر. الجهر بتكبيرة الإحرام: قال المالكية (٣): يندب لكل مصل إماماً أو مأموماً أو منفرداً الجهر بتكبيرة الإحرام، وأما تكبيرات الانتقال فيندب للإمام دون غيره الجهر بها، والأفضل لغير الإمام الإسرار بها. رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام: قال الحنفية والمالكية: لا يسن رفع اليدين في غير الإحرام عند الركوع أو الرفع منه، لأنه لم يصح ذلك عندهم عن النبي ﷺ ، واستدلوا بما روي عن ابن عمر: «كان رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود» (٤). واستدلو بفعل ابن مسعود، قال: «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلى، فلم يرفع يديه إلا في أول أمره. وفي لفظ: «فكان يرفع يديه أول مرة، ثم لا يعود» (٥) وقال أيضاَ: «صليت مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلم

стр. 829

يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة» (١). وقال الشافعية والحنابلة: يسن رفع اليدين في غير الإحرام: عند الركوع، وعند الرفع منه، أي عند الاعتدال، لما ثبت في السنة المتواترة عن واحد وعشرين صحابياً (٢)، منها الحديث المتفق عليه عن ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحَذْو مِنْكَبيه، ثم يكبّر، فإذا أراد أن يركع، رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» (٣). وأضاف الشافعية في الصواب عندهم كما قال النووي: أنه يستحب الرفع أيضاً عند القيام من التشهد الأول، بدليل حديث نافع: أن ابن عمر ﵄: «كان إذا دخل الصلاة، كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ابن عمر ذلك إلى رسول الله ﷺ » (٤). والخلاصة: يراعى في رفع اليدين أن تكون الأصابع منشورة مفرقة وسطاً عند الجمهور، مضمومة عند الحنابلة، وأن تكون الأيدي باتفاق الفقهاء في اتجاه القبلة، بحيث يستقبلها المصلي ببطونها، لشرف القبلة.

стр. 830

٢ - مقارنة إحرام المقتدي لإحرام إمامه: قال الحنفية: تسن هذه المقارنة، لقوله ﷺ : «إذا كبر - أي الإمام - فكبر» بشرط ألا يفرغ المقتدي من لفظ (الله أكبر) قبل فراغ الإمام منه. ٣ - وضع اليد اليمنى على ظهر اليسرى: قال الجمهور غير المالكية: يسن بعد التكبير أن يضع المصلي يده اليمنى على ظهر كف ورسغ اليسرى، لما رواه وائل بن حجْر أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، وكبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد» (١)، ومارواه قَبيصة بن هُلب عن أبيه قال: «كان رسول الله ﷺ يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه» (٢) وما رواه سهل بن سعد قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» (٣) وعن ابن مسعود: «أن النبي ﷺ مرّ به، وهو واضع شماله على يمينه، فأخذ يمينه، فوضعها على شماله» (٤). وصفة الوضع عند الحنابلة والشافعية: أن يضع يده اليمنى على كوع اليسرى أو ما يقاربه، لحديث ابن حجر السابق، علماً بأن الكوع طرف الزند مما يلي الإبهام، أما عند الحنفية: فهو أن يجعل باطن كف اليمنى على ظاهر كف اليسرى، محلقاً الرجل بالخنصر والإبهام على الرسغ. أما المرأة فتضع يديها على صدرها من غير تحليق لأنه أستر لها.

стр. 831

ويضعهما عند الحنفية والحنابلة تحت السُّرة، لما روي عن علي أنه قال: «من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة» (١)، وهذا ينصرف إلى سنة النبي ﷺ . والمستحب عند الشافعية: أن يجعلهما تحت الصدر فوق السرة، مائلاً إلى جهة اليسار؛ لأن القلب فيها، فتكونان على أشرف الأعضاء، وعملاً بحديث وائل بن حجر السابق: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فوضع يديه على صدره، إحداهما على الأخرى» ويؤيده حديث آخر عند ابن خزيمة في وضع اليدين على هذه الكيفية. وقال المالكية: يندب إرسال اليدين في الصلاة بوقار، لا بقوة، ولايدفع بهما من أمامه لمنافاته للخشوع. ويجوز قبض اليدين على الصدر في صلاة النفل لجواز الاعتماد فيه بلا ضرورة، ويكره القبض في صلاة الفرض لما فيه من الاعتماد أي كأنه مستند، فلو فعله لا للاعتماد، بل استناناً لم يكره، وكذا إذا لم يقصد شيئاً فيما يظهر. والراجح المتعين لدي هو قول الجمهور بوضع اليد اليمنى على اليسرى، وهو المتفق مع حقيقة مذهب مالك الذي قرره لمحاربة عمل غير مسنون: وهو قصد الاعتماد، أي الاستناد، أو لمحاربة اعتقاد فاسد: وهو ظن العامي وجوب ذلك. ٤ - النظر إلى موضع السجود: قال الشافعية وغيرهم: يستحب النظر إلى موضع سجود المصلي؛ لأنه أقرب إلى الخشوع، ولما روى ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا

стр. 832

استفتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده» (١) وذلك إلا عند التشهد فينظر إلى سبابته التي يشير بها (٢). ٥ - دعاء الثناء أو الاستفتاح: قال المالكية: يكره دعاء الاستفتاح، بل يكبر المصلي ويقرأ، لما روى أنس قال: «كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» (٣). وقال الجمهور: يسن دعاء الاستفتاح بعد التحريمة في الركعة الأولى، وهو الراجح لدي، وله صيغ كثيرة، المختار منها عند الحنفية والحنابلة: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك) لما روت عائشة، قالت: «كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمد ك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك» (٤). وسبحانك: من التسبيح: وهو تنزيه الله تعالى، وتبارك اسمك: من البركة وهي ثبوت الخبر الإلهي في الشيء، وتعالى جَدُّك: الجَدُّ: العظمة، وتعالى: تفاعل من العلو، أي

стр. 833

علت عظمتك على عظمة كل أحد غيرك، أو علا جلالك وعظمتك. ومعناه إجمالاً: تنزيهاً لك يارب، وإنما أنزهك بحمدك، دام خبر اسمك في كل شيء، وعلا جلالك، ولا معبود غيرك. قالوا: ولايخفى أن ماصح عن النبي ﷺ أولى بالإيثار والاختيار. والمختار عند الشافعية صيغة: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحيايَ ومماتِي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) لما رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه عن علي ابن أبي طالب (١) وهو آية قرآنية ماعدا مايناسب المسلم في آخره: وهو «من المسلمين» وأصلها (أول المسلمين) كما روى مسلم. ومعناه: قصدت بعبادتي خالق السموات والأرض، مائلاً إلى الدين الحق وهو الإسلام، مبتعداً عن كل شرك بالله، مخلصاً كل شيء لله، فصلاتي وعبادتي وحياتي وموتي لله، وأنا مسلم. وأجاز الإمام أحمد الاستفتاح بغير: (سبحانك اللهم)، وأجاز الحنفية في النافلة الجمع بين الثناء والتوجه، لكن في صلاة الجنازة يقتصر على الثناء فقط. وإذا شرع الإمام في القراءة الجهرية أو غيرها، لم يكن للمقتدي عند الحنابلة والحنفية على المعتمد (٢) أن يقرأ الثناء، سواء أكان مسبوقاً أم مدركاً، أي لاحقاً الإمام بعد الابتداء بصلاته، أو مدركاً الإمام بعد مااشتغل بالقراءة، لأن الاستماع

стр. 834

للقرآن في الجهرية فرض، وفي السرية يسن تعظيماً للقراءة، فكان سنة غير مقصودة لذاتها، وعدم قراءة المؤتم في السرية لا لوجوب الإنصات، بل لأن قراءة الإمام له قراءة. ويستفتح المأموم ويستعيذ عند الحنابلة في الصلاة السرية، أو الجهرية في مواضع سكتات الإمام. ويجوز عند الشافعية (١) البدء بنحو (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، ونحو (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلاً) ونحو (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بالماء والثلج والبرد). ويستحب الجمع بين جميع ذلك للمنفرد، ولإمام قوم محصورين راضين بالتطويل. ويزاد على ذلك لهما: (اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، فإنه لايغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لايهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لايصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسَعْديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت ربي وتعاليت، فلك الحمد على ماقضيت، أستغفرك وأتوب إليك). ويستحب التوجه عند الشافعية في افتتاح الفريضة والنافلة، للمنفرد والإمام والمأموم، حتى وإن شرع إمامه في الفاتحة أو أمَّن هو لتأمين إمامه قبل شروعه فيه، ولكن لايبدأ به إذا بدأ هو بالفاتحة أو بالتعوذ، فإنهم قالوا: لايستحب إلا بشروط خمسة:

стр. 835

أولاً - أن يكون في غير صلاة الجنازة، فليس فيها توجه، وإنما يسن فيها التعوذ. ثانياً - ألا يخاف فوت وقت الأداء: وهو مايسع ركعة، فلو لم يبق من الوقت إلا مايسع ركعة لم يسن التوجه. ثالثاً - ألا يخاف المأموم فوت بعض الفاتحة، فإن خاف ذلك لم يسن، وإن بدأ به قرأ بقدره من الفاتحة. رابعاً - ألا يدرك الإمام في غير القيام، فلو أدركه في الاعتدال مثلاً لم يسن. وإن أدركه في التشهد، وسلَّم الإمام أو قام قبل أن يجلس معه، سن له الافتتاح به. خامساً- ألا يشرع في التعوذ أو القراءة ولو سهواً، فإن شرع لم يعد له. ٦ - التعوذ أو الاستعاذة (١) قبل القراءة في الصلاة: قال المالكية: يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة، لحديث أنس السابق: «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين». وقال الحنفية: يتعوذ في الركعة الأولى فقط. وقال الشافعية والحنابلة: يسن التعوذ سراً في أول كل ركعة قبل القراءة، بأن يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وعن أحمد أنه يقول: (أعوذ بالله السميع

стр. 836

العليم من الشيطان الرجيم) (١) ثم يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) سراً عند الحنفية والحنابلة، وجهراً في الجهرية عند الشافعية كما قدمنا، واستدلوا على سنية التعوذ بقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل:٩٨/ ١٦]. ٧ - التأمين: هو أن يقول المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً: (آمين) أي استجب، بعد الانتهاء من الفاتحة، وذلك عند الحنفية والمالكية سراً، وعند الشافعية والحنابلة: سراً في الصلاة السرية، وجهراً فيما يجهر فيه بالقراءة. ويؤمن المأموم مع تأمين إمامه. ودليلهم حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمَّن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ماتقدم من ذنبه» وقال ابن شهاب الزهري: كان رسول الله ﷺ يقول: آمين (٢). وأضاف الحنابلة (٣): فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم، ورفع صوته، ليذكّر الإمام، فيأتي به؛ لأنه سنة قولية إذا تركها الإمام أتى بها المأموم كالاستعاذة، وإن أخفاها الإمام جهر بها المأموم. وإن ترك المصلي التأمين نسياناً أو عمداً حتى شرع في قراءة السورة لم يأت به؛ لأنه سنة فات محلها.

стр. 837

والدليل على كون التأمين سراً عند المالكية والحنفية قول ابن مسعود: «أربع يخفيهن الإمام: التعوذ والتسمية والتأمين والتحميد» (١) أي قول: ربنا لك الحمد. ودليل الجهر به عند الشافعية والحنابلة: حديث أبي هريرة: «كان رسول الله ﷺ إذا تلا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول» (٢) وحديث وائل بن حُجْر: «سمعت النبي ﷺ قرأ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، يُمدُّ بها صوته» (٣). ٨ - السكتة اللطيفة: قال الشافعية (٤): ست سكتات لطيفة تسن في الصلاة بقدر: (سبحان الله) إلا التي بين: آمين والسورة، فهي في حق الإمام في الجهرية بقدر قراءة المأموم الفاتحة. ويسن للإمام أن يشتغل فيها بقراءة أو دعاء سراً، والقراءة أولى، فمعنى السكوت فيها: عدم الجهر، وإلا فلا يطلب السكوت حقيقة في الصلاة. والسكتات الست: هي مابين التوجه والتعوذ، ومابين التحرم والتوجه، وبين التعوذ والبسملة، وبين الفاتحة وآمين، وبين آمين والسو رة، وبين السورة وتكبيرة الركوع، أي ثلاثة قبل الفاتحة وثلاثة بعد الفاتحة. والحكمة من السكتة الرابعة: أن يعلم المأموم أن لفظة (آمين) ليست من القرآن. وقال الحنابلة (٥): يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة يستريح

стр. 838

فيها، ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة، كيلا ينازعوه فيها، كما يستحب السكوت عقب التكبير، وبعد الانتهاء من القراءة، وبعد الفاتحة قبل قوله: «آمين». ودليل مشروعية السكتات: حديث سمرة: «أن النبي ﷺ كان يسكت سكتتين، إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها» وفي رواية: «سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة: غير المغضوب عليهم ولا الضالين» (١) ففيه دليل على مشروعية سكتات ثلاث: بعد التكبير، وبعد الفاتحة، وبعد القراءة كلها. وقال الحنفية والمالكية: السكتة مكروهة. إلا أن المالكية (٢) قالوا في بحث وجوب الفاتحة على المشهور: يندب الفصل بسكوت، أو ذكر وهو أولى بين تكبيرة الإحرام والركوع، لئلا تلتبس تكبيرة الإحرام بتكبيرة الركوع، فإن لم يفصل وركع أجزأه. وقال الحنفية (٣): يخير مصلي الفريضة (المفترض) على المذهب في الركعتين الأخريين (الثالثة والرابعة) بين قراءة الفاتحة وتسبيح ثلاثاً، وسكوت قدرها، ولايكون مسيئاً بالسكوت، لثبوت التخيير عن علي وابن مسعود، وهو الصارف لمواظبة النبي على الفاتحة عن الوجوب. ٩ - تفريج القدمين: قال الحنفية: يسن تفريج القدمين في القيام قدر أربع أصابع؛ لأنه أقرب إلى الخشوع.

стр. 839

وقال الشافعية: يفرق بين القدمين بمقدار شبر، ويكره لصق إحدى القدمين بالأخرى حيث لاعذر؛ لأنه تكلف ينافي الخشوع. وقال المالكية والحنابلة: يندب تفريج القدمين، بأن يكون بحالة متوسطة بحيث لايضمهما ولايوسعهما كثيراً حتى يتفاحش عرفاً. ١٠ - قراءة سورة بعد الفاتحة: هذا واجب عند الحنفية كما بينا، سنة عند الجمهور في الركعتين الأولى والثانية من كل صلاة، ويجهر بهما فيما يجهر فيه بالفاتحة، ويسر فيما يسر بها فيه، لفعل النبي ﷺ ، فإن أبا قتادة روى: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، يسمع الآية أحياناً، وكان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وكان يطول في الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية» (١) وروى أبو برزة «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الصبح من الستين إلى المئة» (٢) وقد اشتهرت قراءة النبي ﷺ للسورة مع الفاتحة في صلاة الجهر، ونقل نقلاً متواتراً وأمر به معاذاً، فقال: «اقرأ بالشمس وضحاها، وبسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى» (٣). نوع السورة المقروءة: قال الحنفية (٤): لا بأس بأن يقرأ سورة ويعيدها في

стр. 840

الثانية، وأن يقرأ في الركعة الأولى من محل، وفي الثانية من محل آخر، ولو كان المقروء من سورة واحدة إن كان بينهما آيتان أو أكثر. ويكره الفصل بسورة قصيرة، وأن يقرأ منكوساً، بأن يقرأ في الثانية أعلى مما قرأ في الأولى؛ لأن ترتيب السور في القرآن من واجبات التلاوة، وإنما جوز للصغار تسهيلاً لضرورة التعليم، واستثنوا من كراهة التنكيس: أن يختم القرآن، فيقرأ من البقرة. ولو قرأ في الأولى ﴿الكافرون﴾ [الكافرون:١٠٩/ ١] وفي الثانية ﴿ألم تر﴾ [الفيل:١٠٥/ ١] أو ﴿تبت﴾ [المَسد:١١١/ ١]، ثم تذكر القراءة يتم. ولا يكره في النفل شيء من ذلك. وقراءة ثلاث آيات تبلغ قدر أقصر سورة من آية طويلة؛ لأن التحدي والاعجاز وقع بذلك القدر، لا بالآية. والأفضلية ترجع إلى كثرة الثواب. والعبرة الأكثر آيات في قراءة سورة وبعض سورة. مواطن الجهر والإسرار في القراءة: اتفق الفقهاء على أنه يسن الجهر في الصبح والمغرب والعشاء والجمعة والعيدين والتراويح ووتر رمضان، ويسر في الظهر والعصر. وللفقهاء في النوافل كالوتر وغيره تفصيل: فقال الحنفية: يجب الجهر على الإمام في كل ركعات الوتر في رمضان، وصلاة العيدين، والتراويح. ويجب الإسرار على الإمام والمنفرد في صلاة الكسوف والاستسقاء والنوافل النهارية. وأما النوافل الليلية فهو مخير فيها. ويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية أداء، أو قضاء في وقتها أو غيروقتها، إلا أن الجهر أفضل في الجهرية ليلاً. أما الصلاة السرية فيجب عليه أن يسر بها على الصحيح.

стр. 841

ويجب على المأموم الإنصات في كل حال. وقال المالكية: يندب الجهر في جميع النوافل الليلية، والسر في جميع النوافل النهارية إلا النافلة التي لها خطبة كالعيد والاستسقاء، فيندب الجهر فيها. ويندب للمأموم الإسرار. وقال الشافعية: يسن الجهر في العيدين وخسوف القمر والاستسقاء والتراويح ووتر رمضان وركعتي الطواف ليلاً أو وقت الصبح، والإسرار في غير ذلك إلا نوافل الليل المطلقة فيتوسط فيها بين الجهر والإسرار، والتوسط: أن يجهر تارة، ويسر أخرى، اتباعاً للسنة، إن لم يشوش على نائم أو مصل أو نحوه. والعبرة في قضاء الفريضة بوقته أي وقت القضاء على المعتمد. وجهر المرأة دون جهر الرجل. ومحل جهرها إن لم تكن بحضرة أجانب. وقال الحنابلة: يسن الجهر في صلاة العيد والاستسقاء والكسوف والتواويح والوتر إذا وقع بعد التراويح، ويسر فيما عدا ذلك. ويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية، كما قال الحنفية. الدعاء أثناء القراءة: يستحب طلب الرحمة والمغفرة عند قراءة آية رحمة، والتعوذ من النار عند المرور بذكره؛ لأن النبي ﷺ كان يقول عند ذكر الجنة والنار: «أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار» (١) وكان لا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ، ورَغب إليه (٢)، وكان إذا قرأ ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾؟ [القيامة:٤٠/ ٧٥]، قال:

стр. 842

«سبحانك، فَبَلى» (١)، كذلك يسن التسبيح عند آية التسبيح نحو ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة:٧٤/ ٥٦] وأن يقول عند آخر ﴿والتين﴾ [التين:١/ ٩٥] وآخر القيامة: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وفي آخر المرسلات: آمنا بالله. متى وكيف تقرأ السورة؟ قال الشافعية: ولا سورة في الجهرية للمأموم، بل يستمع، فإن بعد، أو كانت الصلاة سرية، قرأ في الأصح؛ إذ لا معنى لسكوته. وغير الشافعية قالوا: لاسورة على المأموم. وقال المالكية والحنابلة: ويسن أن يفتتح السورة بقراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) ويندب كمال سورة بعد الفاتحة، فلا يقتصر على بعضها، ولا على آية أو أكثر، ولو من الطوال، ويندب قراءة خلف إمام سراً في الصلاة السرية، وفي أخيرة المغرب، وأخيرتي العشاء. ويكره تكرير السورة عند الجمهور في الركعتين، بل المطلوب أن يكون في الثانية سورة غير التي قرأها في الأولى، أنزل منها لا أعلى، فلا يقرأ في الثانية (سورة القدر) بعد قراءته في الأولى (سورة البينة). وقال الحنفية: لا بأس أن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية. ويندب عند الجمهور تقصير قراءة ركعة ثانية عن قراءة ركعة أولى في فرض، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يندب تطويل الركعة الأولى في الفجر فقط. والفتوى على قول محمد كالجمهور بتطويل الركعة الأولى في كل الصلوات على الثانية، اتباعاً للسنة، رواه الشيخان في الظهر والعصر، ورواه مسلم في الصبح، ويقاس غير ذلك عليه.

стр. 843

ويندب باتفاق الفقهاء أن يكون ترتيب السور في الركعتين على نظم المصحف، فتنكيس السور مكروه. ولا تكره قراءة أواخر السور وأوساطها؛ لأن أبا سعيد قال: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر». وجاز الجمع بين السورتين فأكثر في صلاة النافلة؛ لأن النبي ﷺ «قرأ في ركعة سورة البقرة وآل عمران والنساء» أما الفريضة: فالمستحب أن يقتصر على سورة مع الفاتحة من غير زيادة عليها؛ لأن النبي ﷺ هكذا كان يصلي أكثر صلاته. المستحب في مقادير السور في الصلوات: يسن أن تكون السورة لإمام جماعة محصورين رضوا بالتطويل في صلاة الفجر من طوال المفصَّل (١) باتفاق الفقهاء، وفي الظهر أيضاً عند المالكية والحنفية والشافعية، أما عند الحنابلة فمن أوساط المفصل (٢)، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل. وقال المالكية: العصر كالمغرب يقرأ فيه. والدليل حديث أبي هريرة قال: «ما رأيت رجلاً أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه، فكان يقرأ في الغداة بطوال المفصل، وفي المغرظ بقصاره، وفي العشاء بوسط المفصل» (٣) والحكمة في إطالة القراءة في الفجر والظهر: طول وقتهما، وليدركهما من كان في غفلة بسبب النوم آخر الليل وفي القيلولة. والتوسط في العصر لانشغال الناس بالأعمال آخر النهار، وفي العشاء لغلبة النوم والنعاس. والتخفيف في المغرب لضيق وقته. والحديث الجامع للقراءة في الصلوات عن جابر بن سمرة: «أن النبي ﷺ كان

стр. 844

يقرأ في الفجر بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ [ق:٥٠/ ١] ونحوها، وكان صلاته بعد إلى تخفيف. وفي رواية: كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحوَ ذلك، وفي الصبح أطولَ من ذلك» (١) وفي رواية: «كان إذا دحَضَت - مالت - الشمس، صلى الظهر، وقرأ بنحو من: والليل إذا يغشى، والعصر كذلك، والصلوات كلِّها كذلك إلا الصبح، فإنه كان يطيلها» (٢). وروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد» ويندب للإمام التخفيف عموماً، لحديث جابر: أن النبي ﷺ قال: «يا معاذ، أفتَّانٌ أنت؟! أو قال: أفاتن أنت، فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى» (٣) وفي رواية عند البخاري وغيره: «من أمَّ بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة». تحديد مقادير السور: للفقهاء آراء في تحديد السور الطوال والأوساط والقصار: قال الحنفية في المعتمد عندهم (٤): طوال المفصل: من سورة الحجرات إلى آخر البروج (أو قدر أربعين أو خمسين آية) وأوساط المفصل: من الطارق إلى أول البينة (أو مقدار خمس عشرة آية)، وقصار المفصل: من البينة إلى آخر القرآن الكريم (أو مقدار خمس آيات في كل ركعة).

стр. 845

وقال المالكية (١): طوال المفصل: من الحجرات إلى سورة النازعات. وأوسط المفصل من عبس إلى سورة: والليل. وقصاره من سورة (والضحى) إلى آخر القرآن. وقال الشافعية (٢): طوال المفصل: من الحجرات إلى النبأ (عمَّ)، وأوسطه من النبأ إلى الضحى، وقصاره: من الضحى إلى آخر القرآن. ويقرأ في الركعة الأولى من صبح الجمعة ﴿الم تنزيل﴾ [السجدة:٣٢/ ١] وفي الثانية: ﴿هل أتى﴾ [الإنسان:٧٦/ ١] لما ثبت من حديث أبي هريرة (٣). وقال الحنابلة (٤): أول المفصل سورة ﴿ق﴾ [ق:٥٠/ ١] وقيل: الحجرات. وأوضح الحنابلة أنه يقرأ بما وافق مصحف عثمان، وهو ماصح تواتره وسنده ووافق اللغة، ولا تصح الصلاة ويحرم قراءة بما يخرج عن مصحف عثمان، كقراءة ابن مسعود وغيرها من القراءات الشاذة (وهي التي اختل فيها ركن من أركان القراءة المتواترة الثلاثة: موافقة العربية ولو بوجه، وموافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصح إسنادها) (٥). حد الجهر والإسرار: قال الحنفية: أقل الجهر إسماع غيره ممن ليس بقربه كأهل الصف الأول، فلو سمع واحد أو اثنان لا يجزئ. وأقل المخافتة إسماع نفسه أو من بقربه من رجل أو رجلين.
следующие страницы →