٤٣ - أن ينتظر المسبوق فراغ إمامه من سلامه الثاني، حتى يعلم أنه ليس عليه سجود سهو.
مذهب المالكية:
للصلاة سنن ومندوبات، وسننها أربع عشرة وهي ما يأتي (١):
١ - قراءة آية بعد الفاتحة في الركعتين الأولى والثانية من الفرض الوقتي المتسع وقته. ويقوم مقام الآية بعض آية طويلة له بال نحو: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة:٢٥٥/ ٢]، وإتمام السورة مندوب.
٢ - القيام لقراءة ما زاد على الفاتحة في الفرض، فلو استند لشيء حال قراءتها بحيث لو أزيل لسقط، لم تبطل صلاته، أما إن جلس فقرأها جالساً، فتبطل لإخلاله بهيئة الصلاة؛ لأن القيام في الفريضة فرض. أما القيام في النفل فهو سنة.
٣ - الجهر في الصبح والجمعة وأولتي المغرب والعشاء.
٤ - الإسرار في الظهر والعصر وأخيرة المغرب وأخيرتي العشاء. ويتأكد الجهر والإسرار بالفاتحة دون السورة بعدها.
وهذه السنن الأربع مخصوصة بالفرض، فلا تسن في النفل. وأقل جهرالرجل، والمرأة حيث لا أجانب: إسماع من يليه فقط، لو فرض أن بجانبه أحداً متوسط السمع. وأقل السر للرجل والمرأة: حركة اللسان.
٥ - كل تكبيرة غير تكبيرة الإحرام.
стр. 877
٦ - كل لفظ «سمع الله لمن حمده» لإمام ومنفرد حال رفعه من الركوع، لا مأموم، فلا تسن في حقه، بل يكره له قولها.
٧ - كل تشهد، سواء أكان الأول أم غيره، ولو في سجود سهو.
٨ - كل جلوس تشهد.
٩ - الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير، بأي لفظ كان، وأفضلها: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد).
١٠ - السجود على صَدْر القدمين، وعلى الركبتين والكفَّيْن. والمشهور عند المالكية أن السجود الواجب إنما يكون على الجبهة.
١١ - رد المقتدي السلام على إمامه، وعلى من يساره إن وجد، إن شاركه في ركعة فأكثر، لا أقل. ويجزئ في سلام الرد: «سلام عليكم» أو «وعليكم السلام».
١٢ - جهر بتسليمة التحليل (١) فقط، دون تسليمة الرد.
١٣ - إنصات المقتدي للإمام في حالة الجهر، حتى ولو سكت الإمام أو لم يسمعه المأموم.
١٤ - الزائد على الطمأنينة الواجبة بقدر ما يجب.
وبه يتبين أن المالكية يتفقون مع الحنفية في تحديد السنن فيما عدا القيام للقراءة
стр. 878
والتشهد والجلوس له، والسجود على الأعضاء الستة، وإنصات المقتدي لقراءة الإمام في الصلاة الجهرية.
ومندوبات الصلاة عند المالكية ثمانية وأربعون (١)، أهمها ما يأتي:
١ - نية الأداء في الحاضرة، والقضاء في الفائتة.
٢ - نية عدد الركعات.
٣ - الخشوع، وهو استحضار عظمة الله تعالى وهيبته وأنه لا يعبد ولا يقصد سواه. واستحضار امتثال أمره بتلك الصلاة وهذا هو المندوب، وأما أصل الخشوع فواجب.
٤ - رفع اليدين حذو المنكبين عند تكبيرة الإحرام فقط، لا عند غيرها من ركوع ورفع منه.
٥ - إرسال اليدين بوقار، وجاز قبضهما على الصدر في النفل، وكره القبض في الفرض، لما فيه من الاعتماد، أي كأنه مستند إلى شيء.
٦ - إكمال سورة بعد الفاتحة، فلا يقتصر على بعضها، ولا على آية ولو طويلة.
٧ - قراءة سورة في الركعة الثانية غير التي قرأها في الركعة الأولى، في صلاة الفرض، لا في النفل. ويكره تكريرالسورة في الركعتين في الفرض، كما يكره فيه قراءة سورتين في ركعة. ويجوز بالنفل قراءة أكثر من سورة بعد الفاتحة. والمعتمد أنه يكره أيضاً تكرير السورة في الركعة في النفل.
стр. 879
٨ - تطويل قراءة الصبح والظهر على أن تكون قراءة الظهر دون الصبح. وأول المفصل على المعتمد: الحجرات. والتطويل لمنفرد، وإمام جماعة محصورين طلبوا التطويل، وإلا فالتقصير في حق الإمام أفضل؛ لأن الناس قد يكون فيهم الضعيف وذو الحاجة.
٩ - تقصير القراءة في العصر والمغرب، فيقرأ فيهما من قصار المفصَّل بدءاً من سورة: والضحى.
١٠ - توسط القراءة في العشاء، وأوسط المفصل: عبس، وآخره سورة: والليل.
١١ - تقصير الركعة الثانية عن الركعة الأولى في الزمن. وتجوز المساواة مع خلاف الأولى. ويكره تطويل الثانية عن الأولى.
١٢ - إسماع المصلي نفسه في السر؛ لأنه أكمل، وللخروج من خلاف من أوجبه.
١٣ - قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة السرية، وأخيرة المغرب، وأخيرتي العشاء.
١٤ - تأمين المنفرد والمأموم مطلقاً أي في السرية والجهرية بعد: «ولا الضالين» إن سمع المأموم إمامه، وتأمين الإمام في الصلاة السرية فقط.
١٥ - الإسرار بالتأمين لكل مصل.
١٦ - تسوية ظهر المصلي في الركوع.
١٧ - وضع اليدين على الركبتين في الركوع، وتمكين اليدين من الركبتين فيه أيضاً.
стр. 880
١٨ - نصب الركبتين في الركوع، فلا يحنيهما قليلاً.
١٩ - التسبيح في الركوع بأن يقول: (سبحان ربي العظيم وبحمده) وفي السجود بأن يقول: (سبحان ربي الأعلى وبحمده) ولا يدعو ولا يقرأ في الركوع، ويدعو مع التسبيح في السجود.
٢٠ - مباعدة (مجافاة) الرجل مِرْفقيه عن جنبيه، بأن يُجنِّح بهما تجنيحاً.
٢١ - التحميد للمنفرد والمقتدي بأن يقول بعد (سمع الله لمن حمده): (اللهم ربنا ولك الحمد) وجاز حذف الواو، وإثباتها أولى. فالإمام لا يقول حال القيام: (ربنا ولك الحمد) كما لا يقول المأموم: (سمع الله لمن حمده) وإنما يقول بعد الاعتدال قائماً: (ربنا) الخ، ويجمع المنفرد بينهما.
٢٢ - التكبير حال الخفض للركوع أو السجود، وحال الرفع من السجود في السجدة الأولى، وحال القيام من التشهد الأول.
٢٣ - تمكين الجبهة والأنف من الأرض في السجود. ويعتبر كالأرض ما اتصل بها من سطح كسرير أو سقف ونحوهما.
٢٤ - تقديم اليدين على الركبتين حال الانحطاط للسجود، وبالعكس عند القيام للقراءة.
٢٥ - وضع اليدين حذْو (أي قبالة) الأذنين أو قربَهما في سجوده، بحيث تكون أطراف أصابعهما حذو الأذنين.
٢٦ - ضم أصابع اليدين ورؤوسها لجهة القبلة.
٢٧ - مجافاة (مباعدة) الرجل في السجود بطنه عن فخذيه، فلا يجعل بطنه
стр. 881
عليهما ومجافاة مِرْفقيه عن رُكْبتيه، وضبْعيه (ما فوق المرفق إلى الإبط) عن جنبيه مباعدة وسطاً في الجميع.
وأما المرأة: فتكون منضمة في جميع أحوالها، ستراً لها.
٢٨ - رفع العجز عن الرأس في السجود، فإن تساويا أو كان الرأس أعلى، لم تبطل الصلاة عند المالكية، وتبطل في الأصح عند الشافعية، والحنفية.
٢٩ - الدعاء في السجود بما يتعلق بأمور الدين أو الدنيا أو الآخرة لنفسه أو لغيره خصوصاً أو عموماً، بلا حدّ، بل بحسب ما يسر الله تعالى، كالتسبيح فيه، يندب بلا حد، ويقدم على الدعاء.
٣٠ - الإفضاء (الافتراش) في الجلوس بين السجدتين أو في التشهد الأول أو الأخير: وهو جَعْل الرجل اليسرى مع الإلية على الأرض، وقدم اليسرى جهة الرِجْل اليمنى، ونَصْبُ قدم اليمنى على قدم اليسرى خلفها، وجعل باطن إبهام اليمنى على الأرض.
٣١ - وضع الكفين في الجلوس على رأس الفخذين بحيث تكون رؤوس أصابعهما على الركبتين.
٣٢ - تفريج الرجل الفخذين في الجلوس، فلا يلصقهما، بخلاف المرأة.
٣٣ - عقد ما عدا السبابة والإبهام وهو الخنصر والبنصر والوسطى من اليمنى في جلوس التشهد مطلقاً (الأخير أو غيره) تحت الإبهام، مع مدّ السبابة والإبهام، وتحريك السبابة دائماً يميناً وشمالاً، من أول التشهد إلى آخره، تحريكاً وسطاً.
٣٤ - القنوت (١) في صلاة الصبح بأي لفظ نحو: (اللهم اغفر لنا وارحمنا)
стр. 882
ومحله قبل الركوع في الركعة الثانية، وندب إسراره ككل دعاء في الصلاة. وندب لفظه الوارد عن النبي ﷺ ، وهو الذي اختاره الإمام مالك ﵁، وهو: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونَخْنَع لك، ونخلع (١) ونترك من يَكْفُرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد (٢)، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك، إن عذابك الجدَّ (٣) بالكافرين ملحق» (٤).
٣٥ - الدعاء قبل السلام وبعد الصلاة على النبي ﷺ : بما أحب.
٣٦ - إسرار الدعاء كالتشهد؛ لأن كل دعاء يندب إسراره.
٣٧ - تعميم الدعاء؛ لأن التعميم أقرب للإجابة. ومن الدعاء العام: (اللهم اغفر لنا (٥) ولوالدينا ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزماً) أي جزماً. (اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا، ربناآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) أي أعطنا هداية وعافية وصلاح حال في الدنيا، ولحوقاً بالأخيار وإدخالاً تحت شفاعة النبي المختار، في الآخرة، واجعل بيننا وبين النار وقاية، حتى لا ندخلها.
وأحسن الدعاء: ما ورد في الكتاب أو السنة، ثم ما فتح به على العبد.
стр. 883
٣٨ - تيامن المأموم بتسليمة التحليل كلها فقط. وأما الإمام والمنفرد فيشير عند النطق بها للقبلة، ويختمها بالتيامن عند النطق بالكاف والميم من (عليكم) حتى يرى من خلفه صفحة وجهة.
٣٩ - سترة لإمام ومنفرد على الراجح. وأما المأموم: فالإمام سترته. والسترة: ما يجعله المصلي أمامه لمنع المارين بين يديه. وسنفصل الكلام فيها.
مذهب الشافعية:
السنن عندهم كما ذكرنا نوعان: أبعاض ثمانية سردناها، بل هي عشرون نذكرها في بحث سجود السهو. وهيئات منها أربعون (١) أهمها ما يأتي، علماً بأنهم كالحنابلة لا يفرقون بين السنة والمندوب والمستحب.
١ - رفع يديه حذو (مقابل) منكبيه في تحرُّم وركوع ورفع منه، كما روى الشيخان، ومعناه: أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه. والأصح رفع يديه مع ابتداء التكبير والتسميع.
٢ - إمالة أطراف الأصابع نحو القبلة، وتفريجها.
٣ - وضع يمين على شمال، وجعلهما تحت صدره وفوق سرته، اتباعاً للسنة كما روى ابن خزيمة.
٤، ٥ - دعاء افتتاح وتعوذ بفرض أو نفل، والافتتاح نحو «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي
стр. 884
ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لاشريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين» (١).
٦، ٧ - جهر وإسرار بقراءة الفاتحة والسورة في محلهما المعروف، اتباعاً كما روى الشيخان، وفي الصبح والجمعة والعيدين وخسوف القمر والاستسقاء وأوَّلَتي العشاءين، والتراويح، ووتر رمضان، وركعتي الطواف ليلاً، أو وقت الصبح. والإسرار في غير ذلك إلا نوافل الليل المطلقة فيتوسط فيها بين الجهر والإسرار، إن لم يشوش على نائم أو مصل أو نحوه.
والعبرة في قضاء الفريضة بوقت القضاء على المعتمد. والتوسط في نافلة الليل، أي بين الجهر والإسرار، لقوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [الإسراء:١١٠/ ١٧]، وجهر المرأة دون جهر الرجل إذا لم تكن بحضرة أجانب.
٨ - تأمين عقب قراءة الفاتحة، وجهر به في جهرية. أما السرية فيسر كل مصل به.
ويلاحظ أن هناك أحوالاً خمسة يجهر فيها المأموم خلف الإمام: وهو التأمين مع إمامه، ودعاؤه في قنوت الصبح، وفي قنوت الوتر في النصف الأخير من رمضان، وفي قنوت النازلة في الصلوات الخمس، وإذا فتح على إمامه.
٩ - قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين (٢) للإمام وغيره، إلا المأموم في الجهرية إذا جهر إمامه، فتكره السورة له، وإلا فاقد الطهورين ذا الحدث الأكبر، ومصلي الجنازة، وإلا المسبوق، فله القراءة في الركعتين الثالثة والرابعة من صلاة نفسه؛ لأن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته.
стр. 885
وأقل القراءة: آية طويلة أو ثلاث آيات كالكوثر.
ويسن تطويل قراءة الركعة الأولى عن الثانية، كما يسن كون السورتين متواليتين، وعلى ترتيب المصحف، وعكسه خلاف الأفضل.
ويحصل أصل السنة بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أحب، وإن كانت أقصر، إلا في التراويح فقراءة بعض السورة الطويلة أفضل؛ لأن السنة فيها القيام بجميع القرآن.
والمتنفل بركعتين تسن له السورة أيضاً، فإن تنفل بأكثر من ركعتين، فالأصح الذي أفتى به الأكثرون عدم استحباب السورة في الركعتين الثالثة والرابعة كالفريضة، وهذا خلافاً للحنفية.
ويستحب في ركعتي سنة الصبح التخفيف، فيقرأ في الأولى: ﴿قولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا…﴾ (الآية:١٣٦ من البقرة)، وفي الثانية: ﴿قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء…﴾ (الآية: ٦٤ من آل عمران) كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ .
وفي رواية لمسلم: «يقرأ فيهما: قل: ياأيه االكافرون، وقل: هو الله أحد» (١).
ويسن لصبح الجمعة في الأولى: ﴿الم﴾ [السجدة:١/ ٣٢]، وفي الثانية: ﴿هل أتى﴾ [الإنسان:١/ ٧٦]، اتباعاً للسنة (٢). فإن ترك ﴿الم﴾ في الأولى، سن أن يأتي بها في الثانية. وأن اقتصر على بعضهما، أو قرأ غيرهما، خالف السنة. وإن ضاق الوقت عنهما، أتى بالممكن، ولوآية السجدة، وبعض ﴿هل أتى﴾. وقال بعض الشافعية: لا تستحب المداومة عليهما ليعرف أن ذلك غير واجب.
стр. 886
١٠ - التكبير في كل خفض ورفع من غير ركوع (١)، إلا تكبيرة الإحرام فإنها فرض.
١١ - وضع راحتيه على ركبتيه في الركوع، وتفرقة أصابعه للقبلة حالة الوضع (٢)
١٢ - التسبيح في الركوع ثلاثاً: (سبحان ربي العظيم) (٣) مع زيادة «وبحمده» وهو أدنى الكمال.
١٣ - التسميع أي قول: (سمع الله لمن حمده) (٤) لكل مصل إماماً أو غيره عند رفعه من الركوع، ويسن الجهر به للإمام والمبلِّغ إن احتيج إليه؛ لأنه من أذكار الانتقال، ولا يجهر بقوله: (ربنا لك الحمد) كالتسبيح وغيره من الأذكار. لكن قد عمت البلوى بالجهر به، وترك الجهر بالتسميع؛ لأن أكثر الأئمة والمؤذنين صاروا جهلة بسنة سيد المرسلين.
وإذا انتصب المصلي معتدلاً قائماً أرسل يديه، وقال: «ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد» (٥)، ويزيد المنفرد وإمام جماعة التطويل: «أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد» (٦).
стр. 887
١٤ - أن يضع في سجوده ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه (١).
١٥ - التسبيح في السجود ثلاثاً: «سبحان ربي الأعلى» (٢) مع إضافة «وبحمده» وهو أدنى الكمال.
١٦ - وضع يديه حِذْو منكبيه في السجود، وضم أصابعه منشورة نحو القبلة (٣).
١٧ - مجافاة الرجل عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه في ركوعه وسجوده. أما المرأة والخنثى فلا يجافيان، بل يضمان بعضهما إلى بعض؛ لأنه أستر لها، وأحوط للخنثى. ويسن أيضاً تفرقة ركبتيه وكذا قدميه بشبر (٤).
١٨ - توجيه المصلي رجلاً كان أو غيره أصابع رجليه نحو القبلة (٥).
١٩ - الدعاء في الجلوس بين السجدتين: بأن يقول: (ربي اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني واهدني وعافني) (٦)
٢٠ - الافتراش في جلوسه بين سجدتيه، وفي جلوس تشهد أول: بأن يجلس على يسراه، وينْصِبَ يمناه (٧). والحكمة: أن المصلي مستوفز للحركة غالباً، والحركة عن الافتراش أهون.
стр. 888
١٤ - أن يضع في سجوده ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه (١).
١٥ - التسبيح في السجود ثلاثاً: «سبحان ربي الأعلى» (٢) مع إضافة «وبحمده» وهو أدنى الكمال.
١٦ - وضع يديه حِذْو منكبيه في السجود، وضم أصابعه منشورة نحو القبلة (٣).
١٧ - مجافاة الرجل عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه في ركوعه وسجوده. أما المرأة والخنثى فلا يجافيان، بل يضمان بعضهما إلى بعض؛ لأنه أستر لها، وأحوط للخنثى. ويسن أيضاً تفرقة ركبتيه وكذا قدميه بشبر (٤).
١٨ - توجيه المصلي رجلاً كان أو غيره أصابع رجليه نحو القبلة (٥).
١٩ - الدعاء في الجلوس بين السجدتين: بأن يقول: (ربي اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني واهدني وعافني) (٦)
٢٠ - الافتراش في جلوسه بين سجدتيه، وفي جلوس تشهد أول: بأن يجلس على يسراه، وينْصِبَ يمناه (٧). والحكمة: أن المصلي مستوفز للحركة غالباً، والحركة عن الافتراش أهون.
٢١ - جلوس استراحة: بعد سجدة ثانية يقوم عنها مفترشاً (٨)، وذلك بقدر الطمأنينة، ولا يضر زيادتها على قدر الجلوس بين السجدتين على المعتمد. ويأتي بها المأموم وإن تركها الإمام.
٢٢ - الاعتماد على الأرض بيديه عند قيامه من جلوسه (٩)، أو سجوده؛ لأنه أبلغ في الخشوع والتواضع، وأعون للمصلي.
٢٣ - رفع يديه عند قيامه من تشهد أول (١٠).
٢٤ - تورك في التشهد الأخير: بأن يلصق وركه الأيسر بالأرض، وينصب رجله اليمنى (١١)، إلا أن يريد سجود سهو، أو يطلق بأن لم يرده ولا عدمه، فيفترش، لاحتياجه إلى السجود بعد.
٢٥ - وضع يديه على فخذيه، وقبض أصابع يده اليمنى، إلا المسبّحة، فيشير بها منحنية عند ((إلا الله)) بلا تحريك، وينشر أصابع اليسرى مضمومة (١٢).
٢٦ - ألا يجاوز بصرُه إشارته بالمسبحة (١٣).
٢٧ - التعوّذ من العذاب بعد التشهد الأخير (١٤)، ويسن الدعاء بغير ذلك كاللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت
стр. 889
أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً كبيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
٢٩،٢٨ - التسليمة الثانية (١)، ونية الخروج من الصلاة من أول التسليمة الأولى، فلو نوى الخروج قبل ذلك، بطلت صلاته، وإن نواه في أثنائها أو بعدها لم تحصل السنة.
٣٠ - تحويل وجهه يميناً وشمالاً في تسليمتيه، حتى يرى في الأولى خده الأيمن، وفي الثانية خده الأيسر (٢). وينوي السلام على من عن يمينيه وشماله ومحاذيه من ملائكة ومؤمني إنس وجن. ويسن أن يدرج السلام ولا يمده، وأن يسلم المأموم بعد سلام الإمام، ولو قارنه جاز كبقية الأركان إلا تكبيرة الإحرام.
٣١ - الاستياك ولو بِخرقة لا أصبعه عند قيامه إلى الصلاة (٣) ولو لفاقد الطهورين إلا بعد الزوال للصائم، فيكره له. وقد سبق تفصيل الكلام في السواك، وهو من السنن الخارجة عن الصلاة.
٣٢ - الخشوع في الصلاة كلها: وهو حضور القلب وسكون الجوارح: بأن يستحصر أنه بين يدي الله تعالى، وأن الله مطلع عليه، لقوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون:١/ ٢٣ - ٢]، وقوله ﷺ : «ما من عبد مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بوجهه وقلبه إلا وجبت له الجنة» (٤) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «أن
стр. 890
النبي ﷺ رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (١).
٣٣ - تدبر القراءة: أي تأملها؛ لأن بذلك يحصل مقصود الخشوع والأدب، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها﴾ [سورة سيدنا محمد:٤٧/ ٢٤] ويسن ترتيل القراءة: وهو التأني فيها، ويكره تركه والإسراع في القراءة.
ويسن للقارئ في الصلاة وخارجها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله الرحمة، أو بآية عذاب أن يستعيذ منه (٢)، أو بآية تسبيح أن يسبح، أو بآية مَثَل أن يتفكر. وإذا قرأ: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ [التين:٨/ ٩٥]، قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين؛ وإذا قرأ: ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ [المرسلات:٥٠/ ٧٧] قال: آمنت بالله؛ وإذا قرأ: ﴿فمن يأتيكم بماء معين؟﴾ [الملك:٣٠/ ٦٧]، قال: الله رب العالمين.
٣٤ - تدبر الذِّكر: قياساً على القراءة.
٣٥ - دخول الصلاة بنشاط وفراغ قلب من الشواغل الدنيوية: للذم على ترك الأول، قال تعالى في صفة المنافقين: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة، قاموا كسالى﴾ [النساء:١٤٢/ ٤]، والكسل: الفتور عن الشيء والتواني فيه، وضده النشاط، ولأن فراغ القلب أعون على الخضوع والخشوع.
стр. 891
ويكره أن يفكر في صلاته في أمر دنيوي أو مسألة فقهية. أما التفكر في أمور الآخرة، فلا بأس به، وأما فيما يقرؤه فمستحب.
٣٦ - تنبيه الإمام على الخطأ في صلاته ونحو ذلك (١):
يسن للرجل الذي نابه شيء في صلاته، كتنبيه إمامه لنحو سهو، وإذنه لداخل استأذن في الدخول عليه، وإنذاره أعمى مخافة أن يقع في محذور أو نحو ذلك كغافل وغير مميز، ومن قصد ظالم أو نحوسبع: أن يسبح فيقول: «سبحان الله» بشرط ألا يقصد التنبيه وحده، وإلا بطلت الصلاة.
وأما المرأة: فتصفق بضرب بطن اليمين على اليسار، أو عكسه.
والدليل هو خبر الصحيحين: «من نابه شيء في صلاته، فليسبح، وإنما التصفيق للنساء» (٢) ومثلهن الخناثى ..
وهذه سنة متفق عليها، إلا أن المالكية قالوا: الشأن لمن نابه شيء وهو يصلي التسبيح (سبحان الله) ويكره التصفيق للمرأة.
الأمور التي تخالف فيها المرأة الرجل في الصلاة: ذكر الشافعية أربعة أمور تخالف فيها المرأة الرجل في الصلاة يمكن ملاحظتها مما سبق، وهي ما يأتي (٣):
١ - الرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه في الركوع والسجرد. والمرأة تضم بعضها إلى بعض، فتلصق بطنها بفخذيها وتضم ركبتيها وقدميها في ركوعها وسجودها؛ لأنه أستر لها.
стр. 892
٢ - يجهر الرجل في موضع الجهر، ويسر في موضع الإسرار، كما بينا سابقاً، وتخفض المرأة صوتها إن صلت بحضرة الرجال الأجانب، بحيث لا يسمعها من صلت بحضرته من الأجانب، دفعاً للفتنة، وإن كان الأصح أن صوتها ليس بعورة، فلا يحرم سماع صوت المرأة ولو مغنية، إلا عند خوف الفتنة، بأن كان لو اختلى الرجل بها، لوقع بينهما مُحرَّم.
٣ - إذا ناب الرجل شيء في الصلاة سبَّح، فيقول: «سبحان الله» بقصد الذكر فقط أو مع الإعلام، أو أطلق، ولا تبطل صلاته، لكن إن قصد الإعلام فقط بطلت صلاته.
أما المرأة إذا نابها شيء في الصلاة، فتصفق، وإن كانت خالية عن الرجال الأجانب على المعتمد، بضرب بطن اليمين على ظهر الشمال، فلو ضربت بطناً ببطن بقصد اللعب، ولو قليلاً، مع علم التحريم، بطلت صلاتها، فلو لم تقصد اللعب لم تبطل صلاتها. والخنثى كالمرأة في التصفيق والضم وغيرهما.
ولا يضر التصفيق وإن كثر وتوالى حيث كان بقدر الحاجة. وكذا لو صفق الرجل فإنه لا يضر وإن كثر وتوالى، ولا تبطل الصلاة؛ لأن الفعل خفيف، فأشبه تحريك الأصابع في سبحة، أو لنحو جرب.
ولا تبطل الصلاة بالتصفيق ولو بقصد الإعلام، ولو من الرجل على المعتمد، بخلاف التسبيح بقصد الإعلام فإنه يبطل الصلاة؛ لأن التسبيح لفظ يصلح لقصد الذكر، والتصفيق فعل لا يصلح له.
أما التصفيق خارج الصلاة فيكره بلا قصد اللعب على المعتمد عند الرملي، ولو بقصد اللعب على المعتمد عند ابن حجر، وذلك منعاً من التشبه بالعرب في
стр. 893
الجاهلية: ﴿وما كان صلاتُهم عند البيت إلا مُكاءً وتصدية، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ (١).
٤ - عورة الرجل: ما بين سرته وركبته في الصلاة والطواف وأمام الرجال الأجانب والنساء المحارم. أما عند النساء الأجانب فعورته جميع بدنه، وعورته في الخلوة: السوأتان فقط. والأمة كالرجل.
وليست السرة والركبة من العورة، لكن يجب ستر جزء منهما ليتحقق ستر العورة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.
وجميع بدن المرأة الحرة في الصلاة عورة إلا وجهها وكفيها، أما خارج الصلاة فعورتها جميع البدن.
مذهب الحنابلة:
سنن الصلاة عندهم ثلاث وسبعون، وهي قسمان: قولية وفعلية (٢). السنن القولية سبع عشرة، وقد ذكرناها في بدء البحث، والسنن الفعلية ست وخمسون تقريباً أهمها ما يأتي، علماً بأنهم كالشافعية لا يفرقون بين السنة والمندوب والمستحب.
١، ٢، ٣ - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام: بأن تكون مبسوطة (ممدودة الأصابع) مضمومة الأصابع، مستقبل القبلة ببطونها إلى حذو منكبيه عند الإحرام.
٤ - جهر الإمام بتكبيرة الإحرام، بحيث يسمع المأمومون ليكبروا، فإنهم لا يجوزون التكبير إلا بعد تكبيره.
стр. 894
٥، ٦ - رفع اليدين على الهيئة السابقة عند الركوع وعند الرفع من الركوع، وحطهما عقب ذلك.
٧، ٨ - وضع اليمين على كوع (١) الشمال، حال القيام والقراءة، وجعلهما تحت سرته بعد إحرامه.
٩ - نظر المصلي إلى موضع سجوده حال قيامه.
١٠، ١١ - ترتيل القراءة والتخفيف فيها للإمام، للحديث السابق: «من أم بالناس فليخفف».
١٢، ١٣ - إطالة الركعة الأولى، وتقصير الركعة الثانية في غير صلاة الخوف.
١٤ - تفريج المصلي بين قدميه حال قيامه يسيراً.
١٥، ١٦ - قبض ركبتيه بيديه حال الركوع، مفرجتي الأصابع.
١٧، ١٨ - مد ظهره مستوياً، وجعل رأسه حيال ظهره، فلا يخفضه ولا يرفعه.
١٩ - مجافاة عضديه عن جنبيه في الركوع.
٢٠، ٢١ - البدء في سجوده بوضع ركبتيه قبل يديه، ورفع يديه أولاً في القيام من السجود.
٢٢، ٢٣ - تمكين كل أعضاء السجود من الأرض، أي تمكين كل جبهته،
стр. 895
وكل أنفه وأطرافه، ومباشرة المصلَّى بيديه وجبهته بأن لا يكون ثم حائل متصل به، وعدم المباشرة بركبتيه.
٢٤ - مجافاة عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه في السجود.
٢٥ - التفريق بين ركبتيه في سجوده، ونصب قدميه، وجعل بطون أصابعهما على الأرض مفرقة في السجود وفي الجلوس بين السجدتين أو للتشهد.
٢٦ - وضع يديه في السجود حذو منكبيه، مبسوطة الأصابع.
٢٧ - توجيه أصابع يديه في السجود مضمومة نحو القبلة.
٢٨ - القيام من السجود إلى الركعة الثانية على صدور قدميه، معتمداً بيديه على ركبتيه في النهوض لبقية صلاته، إلا أن يشق عليه، فيعتمد على الأرض.
٢٩، ٣٠، ٣١ - الافتراش في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول، والتورك في التشهد الثاني.
٣٢ - ٣٥ - وضع اليدين على الفخذين، مبسوطتين، مضمومتي الأصابع، مستقبلاً بها القبلة، في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول والثاني.
٣٦ - قبض الخنصر والبنصر من يده اليمنى، وتحليق إبهامه مع الوسطى في التشهد مطلقاً.
٣٧ - الإشارة بالسبابة عند ذكر الله تعالى في التشهد.
٣٨، ٣٩ - ضم أصابع اليسرى في التشهد، وجعل أطراف أصابعها جهة القبلة.
стр. 896
٤٠ - الإشارة بوجهه نحو القبلة في ابتداء السلام.
٤١، ٤٢ - الالتفات يميناً وشمالاً في تسليمه، وزيادة التفات اليمين على الشمال.
٤٣ - أن ينوي بسلامه الخروج من الصلاة، كما قال الشافعية.
٤٤ - الخشوع في الصلاة: للآية السابقة: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون:٢/ ٢٣]
وللحديث السابق وقول النبي ﷺ في العابث بلحيته: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه»
والخشوع: معنى يقوم في االنفس يظهر منه سكون الأطراف.
والمرأة فيما فيما تقدم كالرجل إلا أنها لا يسن لها المجافاة السابقة في الركوع والسجود، بل السنة لها أن تجمع نفسها، وتجلس مسدلة رجلها عن يمينها، وهو الأفضل. ويجب عليها الإسرار بالقراءة إن كان يسمعها أجنبي. والخنثى المشكل كالأنثى.
المبحث الثاني - سنن الصلاة الخارجة عنها:
للصلاة سنن قبلها كالاستياك والأذان والإقامة، واتخاذ السترة، وهنا نبحث الأخير وقد سبق بحث ما قبله:
١ - تعريف سترة المصلي:
هي ما يجعله المصلي أمامه لمنع المرور بين يديه.
٢ - حكم سترة المصلي:
هي سنة مشروعة، لقوله ﷺ : «إذا صل أحدكم فليصل إلى سترة، ولْيَدْن منها، ولا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمر، فليقاتله، فإنه شيطان» (١)
стр. 897
وليست واجبة باتفاق الفقهاء؛ لأن الأمر باتخاذها للندب، إذ لا يلزم من عدمها بطلان الصلاة وليست شرطاً في الصلاة، ولعدم التزام السلف اتخاذها، ولو كان واجباً لالتزموه، ولأن الإثم على المار أمام المصلي، ولو كانت واجبة لأثم المصلي، ولأن «النبي ﷺ صلى في فضاء ليس بين يديه شيء» رواه البخاري.
٣ - و حكمتها:
منع المرور أمام المصلي بين يديه، مما يقطع خشوعه، وتمكين المصلي من حصر تفكيره في الصلاة، وعدم استرساله في النظر إلى الأشياء، وكف بصره عما وراء سترته لئلا يفوت خشوعه.
٤ - آراء الفقهاء في السترة:
للفقهاء رأيان في اتخاذها مطلقاً أو في حالة خشية مرور أحد: فقال المالكية والحنفية (١): السترة في الفرض أو النفل مندوبة للإمام والمنفرد إن خشيا مرور أحد بين يديهما في محل سجودهما فقط، وأما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ لأنه ﵇ صلى ببطحاء مكة إلى عَنَزة (٢)، ولم يكن للقوم سترة (٣). ولا بأس بترك السترة إذا أمن المصلي المرور، ولم يواجه الطريق. فالمستحب لمن صلى بالصحراء أن ينصب بين يديه عوداً أو يضع شيئاً، ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط؛ لأن المقصود وهو الحيلولة بينه وبين المار لا يحصل به.
стр. 898
وقال الشافعية والحنابلة (١): يستحب للمصلي أن يصلي إلى سترة، سواء أكان في مسجد أم بيت، فيصلي إلى حائط أو سارية (عمود)، أم في فضاء، فيصلي إلى شيء شاخص بين يديه كعصا مغروزة أو حربة، أو عرض البعير أو رحله عند الحنابلة، فإن لم يجد خطَّ خطاً قبالته، أو بسط مصلَّى كسجادة كما ذكر الشافعية.
ودليلهم حديث أبي جحيفة: «أن النبي ﷺ ركزت له العَنَزة، فتقدم وصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع» (٢) وحديث طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤَخَّرة الرحل، فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك» (٣).
وسترة الإمام سترة لمن خلفه بالاتفاق؛ لأن النبي ﷺ صلى إلى سترة، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، كما ذكر في رأي المالكية والحنفية.
وفي حديث عن ابن عباس قال: «أقبلت راكباً على حمار أتان، والنبي ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض أهل الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر علي أحد» (٤).
وذكر الحنابلة: أنه لا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة، فقد روي عن النبي ﷺ فيما ذكر أحمد - «أنه صلى ثَمَّ، ليس بينه وبين الطواف سترة» أي كأن مكة مخصوصة.
стр. 899
٥ - صفة السترة وقدرها:
للفقهاء آراء متقاربة في ذلك فقال الحنفية: أدنى السترة طول ذراع (٢،٤٦ سم) فصاعداً وغلظ أصبع، لقوله ﷺ : «إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل، فلا يضر ك من مر بين يديك» (١) وقدرت العنزة التي كان يصلي إليها النبي ﷺ في الصحراء بذراع طولاً. ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط كما بينا. ويجوز عندهم الاستتار بظهر آدمي جالس أو قائم، أو بدابة لا إلى مصحف أو سيف، وحيلة الراكب: أن ينزل فيجعل الدابة بينه وبين المصلي، فتصير سترة، فيمر. ومن احتاج إلى المرور بين يدي المصلي، ألقى شيئاً بين يدي المصلي، ثم يمر من ورائه.
وقال المالكية أيضاً: أقلها طول الذراع في غلظ الرمح، بشرط أن تكون بشيء ثابت، طاهر، وكره النجس، لا يشوش القلب، فلا يستر بصبي لا يثبت، ولا بامرأة، ولا إلى حلقة المتكلمين، ولا بسوط وحبل ومنديل ودابة غير مربوطة، ويجوز الاستتار بالإبل والبقر والغنم المربوطة؛ لأنها عندهم طاهرة الفضلة، ولايجوز الاستتار بخط في الأرض ولا حفرة. بدليل ما روي عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يو م العيد، يأمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها الناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر» (٢) وعن أبي جحيفة قال: «وبين يديه عَنَزة» وهي عصا قصيرة فيها زُجّ (٣). وأما حديث أبي هريرة في الخط فهو ضعيف مضطرب (٤).
стр. 900
ويكره عندهم الاستتار بظهر امرأة أجنبية أو كافر، ويجوز من غير كراهة الاستتار برجل غير كافر، أو بامرأة محرم على الراجح.
وقال الشافعية: يستحب أن يصلي إلى شاخص قدر ثلثي ذراع طولاً وإن لم يكن له عرض كسهم، لخبر: «استتروا في صلاتكم ولو بسهم» (١)، ولا يستتر بدابة.
وقال الحنابلة كالحنفية والمالكية: قدر السترة في طولها ذراع أو نحوه، وأما قدرها في الغلظ والدقة فلا حد له عندهم، فيجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، فإن النبي ﷺ كان يستتر بالعنزة.
واستدل الشافعية والحنابلة على إجزاء الخط بحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينْصِب عصاً، فإن لم يكن معه عصا، فليخط خطاً، ولا يضره ما مر بين يديه» (٢).
وصفة الخط عند الشافعية: أنه مستقيم طولاً. وعند الحنابلة: أنه مثل الهلال عرضاً كالقنطرة، وقال بعض الحنابلة: كيفما خطه أجزأه، إن شاء معترضاً وإن شاء طولاً.
وإن كان معه عصا، فلم يمكنه نصبها، ألقاها عند الجمهور عرضاً؛ لأن هذا في معنى الخط، فيقوم مقامه. وقال المالكية: لا بد من وضعها منصوبة.
وأجاز الحنابلة أن يستتر ببعير أو حيوان أو إنسان، وفعله ابن عمر وأنس،
стр. 901
بدليل ماروى ابن عمر: «أن النبي ﷺ صلَّى إلى بعير» (١) وفي لفظ: «كان رسول الله ﷺ يعرض راحلته، ويصلي إليها» قال: قلت: فإذا ذهب الركاب؟ قال: يعرض الرحل، ويصلي إلى آخرته، فإن استتر بإنسان، فلا بأس، فإنه يقوم مقام غيره من السترة. وعن نافع قال: «كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد، قال: ولّني ظهرك».
وروي عن حميد بن هلال قال: «رأى عمر بن الخطاب رجلاً يصلي، والناس يمرون بين يديه، فولاه ظهره، وقال بثوبه هكذا، وبسط يديه هكذا، وقال: صل ولاتعجل» (٢).
والخلاصة: يصح الاستتار بظهر آدمي أو امرأة عند الحنفية والمالكية، وقال الحنابلة: يصح الاستتار بالآدمي مطلقاً بظهره أو غيره، وقال الشافعية: لا يصح الاستتار بالآدمي مطلقاً، ويصح عند الجمهور الاستتار بسترة مغصوبة ولا يصح بها وتكره الصلاة إليها عند الحنابلة، ويصح الاستتار عند الجمهور بالسترة النجسة، ولا يصح ذلك عند المالكية، ويصح بالاتفاق الاستتار بجدار.
٦ - استقبال وجه الإنسان أو الصلاة إلى نار أو صورة أو امرأة تصلي (٣):
اتفق الفقهاء على أنه يكره أن يصلي مستقبلاً وجه إنسان؛ لأن عمر ﵁ أدَّب على ذلك، وفي حديث عائشة: «أن النبي ﷺ كان يصلي حذاء وسط السرير، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة، فأكره أن أقوم، فاستقبله، فأنسل انسلالاً» (٤)، وأنه شبه السجود لذلك الشخص. والكراهة فيه عند الحنفية تحريمية.
стр. 902
ويكره اتفاقاً أن يصلي إلى نار من تنور، وسراج وقنديل وشمع ومصباح ونحوها؛ لأن النار تعبد من دون الله، فالصلاة إليها تشبه الصلاة لها.
وتكره الصلاة إلى صورة منصوبة في وجهك؛ لأن الصورة تعبد من دون الله، وقد روي عن عائشة قالت: «كان لنا ثوب فيه تصاوير، فجعلته بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، فنهاني: أو قالت: كره ذلك» (١) ولأن التصاوير تشغل المصلي بالنظر إليها، وتذهله عن صلاته، قال أحمد: يكره أن يكون في القبلة شيء معلق، مصحف أو غيره، ولا بأس أن يكون موضوعاً على الأرض. وقال الحنفية: لا بأس بأن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق؛ لأنهما لا يعبدان. ولا بأس أن يصلي على بساط فيه تصاوير، لاستهانته بها.
ويكره أن يصلي، وأمامه امرأة تصلي، لقول النبي ﷺ : «أخروهن من حيث أخرهن الله» (٢). أما في غير الصلاة، فلا يكره لخبر عائشة المتقدم. وروى أبو حفص بإسناده عن أم سلمة قالت: «كان فراشي حيال مصلَّى النبي ﷺ ».
٧ - مدى بُعْد السترة عن المصلي: يستحب عند الجمهور أن يقرب من سترته قدر ثلاثة أذرع فأقل من ابتداء قدميه، لحديث بلال: «أن النبي ﷺ دخل الكعبة، فصلى وبينه وبين الجدار نحوٌ من ثلاثة أذرع» (٣) وروى الاسماعيلي عن سلمة: «كان المنبر على عهد رسول الله ﷺ ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز» وممر العنز: ثلاثة أذرع.
стр. 903
وقال المالكية: يجعل بينه وبينها قدر ممر الهر أو الشاة، وقيل: ثلاثة أذرع. للحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد: «كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر شاة».
٨ - موقف المصلي من السترة:
السنة باتفاق المذاهب الأربعة: أن يميل المصلي عن السترة يميناً أو يساراً، بحيث لا يقابلها، ولا يصمُد لها صمداً (أي لا يجعلها تلقاء وجهه)، لما روى أبو داود عن المقداد بن الأسود، قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلَّى إلى عود أو إلى عمود، ولا شجرة، إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمُد له صَمْداً» (١).
٩ - المرور بين يدي المصلي:
قال الحنفية (٢): يكره تحريماً المرور بين يدي المصلي، ويأثم المار في موضع سجود المصلي، إذا اتخذ سترة، دون أن يكون بينهما حائل كعمود أو جدار، وتحاذت بعض أعضاء المار أعضاء المصلي كمحاذاة رأس المار قدمي المصلي، وذلك إذا كان يصلي في الصحراء. ولو مر رجلان، فالإثم على من يلي المصلي.
فإن مر إنسان فيما بعد موضع سجود المصلي، أو لم يكن المصلي متخذاً سترة، أو وجد حائل ولو ستارة، أو لم تتحاذ كل أعضاء المار مع أعضاء المصلي بأن مشى جانبه، أو مر في المسجد وراء السترة، لم يحرم المرور ولم يأثم المار؛ لأن المؤثم المرور بين يدي المصلي، ولأن المسجد كبقعة واحدة، ويجوز المرور بين يدي المصلي لسدّ فرجة في الصف.
стр. 904
كذلك يكره للمصلي أن يتعرض بصلاته لمرور الناس بين يديه، بأن يصلي بدون سترة في طريق مثلاً، فيأثم بمرور الناس بين يديه بالفعل، لا بترك السترة، فلو لم يمر أحد لا يأثم؛ لأن اتخاذ السترة في ذاته ليس واجباً.
ومن الذي يأثم؟ المصلي أم المار؟ هناك صور أربع: الأولى: إثم المار وحده: أن يكون للمار مندوحة عن المرور بين يدي المصلي، ولم يتعرض المصلي لذلك، فيختص المار بالإثم إن مر. الثانية: إثم المصلي وحده: وهي عكس الأولى: أن يكون المصلي تعرض للمرور وليس للمار مندوحة عن المرور، فيختص المصلي بالإثم دون المار. الثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور ويكون للمار مندوحة، فيأثمان. الرابعة: ألا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة، فلا يأثم واحد منهما.
وقال المالكية (١): يأثم المار بين يدي المصلي فيما يستحقه من محل صلاته، سواء صلى لسترة أم لا، ما لم يكن محرماً بصلاة، فيجوز له المرور لسد فرجة بصف أو لغسل رعاف، وما لم يكن طائفاً بالبيت الحرام، فلا حرمة على الطائف والمصلي إذا مرّا بين يدي المصلي، ولو كان لهما مندوحة، أي سعة وطريق يمران فيهما. وحرمة المرور هذه إذا كان للمار مندوحة أي سعة وطريق آخر يمر فيه. فإن لم يكن له طريق إلا ما بين يدي المصلي، فلا إثم عليه إن احتاج للمرور، وإلا أثم.
ويأثم مصل تعرَّض بصلاته من غير سترة في محل يظن به المرور، ومرَّ بين يديه أحد.
وقد يأثمان معاً إن تعرض بغير سترة، وكان للمار مندوحة.
стр. 905
وقد يأثم أحدهما، فيأثم المصلي إن تعرض، ولا مندوحة للمار، ويأثم المار إن كان له مندوحة ولم يتعرض المصلي، أي إن قصر أحدهما دون الآخر أثم وحده.
وقد لا يأثم واحد منهما إن اضطر المار، ولم يتعرض المصلي.
وقال الشافعية (١): الصحيح تحريم المرور إن اتخذ المصلي سترة، ولو لم يجد المار سبيلاً آخر، لخبر أبي جهم الأنصاري: «لو يعلم المار بين يدي المصلي (أي إلى السترة) ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خريفاً، خيراً له من أن يمر بين يديه» (٢).
ويكره تعرض المصلي بصلاته في موضع يحتاج للمرور فيه.
وقال الحنابلة (٣): يأثم المار بين يدي المصلي، ولو لم يكن له سترة، لحديث أبي جهم الأنصاري السابق. ويكره تعرض المصلي لمكان فيه مرور، كما قال الشافعية.
المرور أمام المصلي في أثناء الطواف: اتفق الفقهاء على أنه يجوز المرور بين يدي المصلي للطائف بالبيت أو داخل الكعبة أوخلف مقام إبراهيم ﵇، وإن وجدت سترة، وأضاف الحنابلة أنه لا يحرم المرور بين يدي المصلي في مكة كلها وحرمها.
стр. 906
١٠ - موضع حرمة المرور:
قال الحنفية (١): إ ن كان يصلي في الصحراء أو في مسجد كبير، فيحرم المرور في الأصح بين يديه، من موضع قدمه إلى موضع سجوده. وإن كان يصلي في بيت أو مسجد صغير (وهو ما كان أقل من أربعين ذراعاً على المختار)، فإنه يحرم المرور من موضع قدميه إلى حائط القبلة؛ لأنه كبقعة واحدة، إن لم يكن له سترة.
فلو كانت له سترة لا يضر المرور وراءها.
ولا يجعل المسجد الكبير أو الصحراء كمكان واحد؛ لأنه لو جعل كذلك، لزم الحرج على المارة، فاقتصر على موضع السجود.
وقال المالكية (٢): إن صلى لسترة حرم المرور بينه وبين سترته، ولا يحرم المرور من ورائها، وإن صلى لغير سترة، حرم المرور في موضع قيامه وركوعه وسجوده فقط.
وقال الشافعية (٣): يحرم المرور فيما بين المصلي وسترته بقدر ثلاثة أذرع فأقل.
وقال الحنابلة (٤): إن اتخذ المصلي سترة حرم المرور بينه وبينها ولو بعدت، وإن لم يتخذ سترة حرم المرور في مسافة بقدر ثلاثة أذرع من قدمه.
стр. 907
١١ - دفع المار بين يدي المصلي:
يرى أكثر العلماء أن للمصلي منع المار بين يديه ودفعه، لما ثبت في السنة من الأحاديث الصحيحة، منها ما رواه ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمرّ بين يديه، فإن أبى فلْيقاتلْه، فإن معه القَرين» (١).
ومنها حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستُره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» (٢).
ولكن اختلف الفقهاء في أفضلية دفع المار:
فقال الحنفية (٣): هو رخصة، والأولى تركه، والعزيمة ترك التعرض له. أما الأمر بمقاتلة المار، فكان في بدء الإسلام حين كان العمل في الصلاة مباحاً، فهو منسوخ.
وإذا أراد الرجل الدفع عملاً بالرخصة: دفع بالإشارة، أو التسبيح، أو الجهر بالقراءة، ولا يزاد عليها، ويكره الجمع بينهما. وتدفع المرأة بالإشارة أو بالتصفيق لابباطن الكفين، وإنما ببطن اليمنى على ظهر اليسرى.
ودليل الدفع بالإشارة: ما فعله الرسول ﷺ بولدي أم سلمة ﵂ (٤). ودليل الدفع بالتسبيح حديث: «من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا
стр. 908
سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء» (١).
وقال المالكية (٢): يندب للمصلي أن يدفع المار بين يديه دفعاً خفيفاً فإن كثر أبطل صلاته، ولو دفعه فأتلف له شيئاً، كما لو خرق ثوبه أو سقط منه مال، ضمن على المعتمد، ولو دفعه دفعاً مأذوناً فيه.
وقال الشافعية والحنابلة (٣): يسن للمصلي أن يدفع المار بينه وبين سترته، عملاً بالأحاديث الثابتة المتقدمة، ويضمن المصلي المار إن قتله أو آذاه، هذا ولا يرد المار بين يدي المصلي في مكة والحرم، بدليل ماروى أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن المُطّلِب بن وَدَاعة: «أنه رأى النبي ﷺ يصلِّي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سُترة».
١٢ - هل المرور بين يدي المصلي يقطع الصلاة؟ اتفق أئمة المذاهب الأربعة على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطعها ولا يبطلها، وإنما ينقص الصلاة إذا لم يرده (٤)، لقول ﷺ : «لا يقطع صلاة المرء شيء، وادرؤوا ما استطعتم» (٥).
وروي عن ابن مسعود: «أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة، وكان عبد الله إذا مر بين يديه رجل التزمه حتى يرده» (٦). قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: ينبغي
стр. 909
أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد، فلم يفعله، أما إذا رد فلم يمكنه الرد، فصلاته تامة، لأنه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة، فلا يؤثر فيها ذنب غيره.
وقال الإمام أحمد: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم (١)، قال معاذ ومجاهد: الكلب الأسود شيطان، وهو يقطع الصلاة.
وقال الظاهرية: يقطع الصلاة مرور المرأة والكلب والحمار، لحديث أبي هريرة: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل» (٢) وحديث أبي ذر: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود، قال عبد الله بن الصامت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان» (٣)
واقتصر الحنابلة على بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود، لمعارضة هذين الحديثين بحديث الفضل بن عباس عند أبي داود المتضمن صلاة النبي ﷺ أمام حمار، وحديث عائشة السابق المتضمن صلاة الرسول ﵇ وهي معترضة بينه وبين القبلة، وحديث ابن عباس المتفق عليه الذي مر راكباً على حمار، ثم نزل وترك الأتان ترتع بين الصفوف، فبقي الكلب الأسود خالياً عن معارض، فيجب القول به لثبوته، وخلوه عن معارض.
ورد النووي على هذه الأحاديث الصحيحة لدى الحنابلة والظاهرية بما أجاب
стр. 910
به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين: بأن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر، للشغل بها والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة (١).
تقديم العَشَاء على صلاة العشاء: إذا حضر العشاء في وقت الصلاة، فالمستحب عند الشافعية والحنابلة أن يبدأ بالعَشَاء قبل الصلاة إذا كانت نفسه تتوق إلى الطعام كثيراً، ليكون أفرغ لقلبه، وأحضر لباله، ولا يستحب أن يعجل عن عشائه أو غدائه. روى مسلم وغيره عن أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا قُرِّب العَشَاء، وحضرت الصلاة فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» وقالت عائشة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بحضور طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» أي البول والغائط. ولا فرق بين كون الصلاة جماعة أو غير جماعة، لما رواه مسلم عن ابن عمر: «إذا قرِّب عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشَاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه» أي وأقيمت الجماعة.
وقال مالك: تبدأ الجماعة بالصلاة إلا أن يكون طعاماً خفيفاً (٢).
المبحث الثالث - صفة الصلاة أو كيفيتها:
صفة صلاة رسول الله ﷺ : عن أبي حميد الساعدي أنه قال وهو في عَشَرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، أحدُهم أبو قتادة: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: ماكنتَ أقدم منا له صُحبة، ولا أكثَرنا له إتياناً؟ قال: بلى، قالوا: فاعرض (٣)، فقال:
стр. 911
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً، ورفع يديه، حتى يحاذي بهما مَنْكبيه، ثمَ يكبر، فإذا أراد أن يركع، رفع يديه، حتى يحاذي بهما مَنْكبيه، ثم قال: الله أكبر، وركع.
ثمّ اعتدل، فلم يُّصوِّب رأسه ولم يُقْنِع (١)، ووضع يديه على ركبتيه، ثمّ قال: سمع الله لمن حمِدَه، ورفع يديه واعتدل، حتى يرجِع كل عظم في موضعه معتدلاً (٢).
ثم هوى (٣) إلى الأرض ساجداً، ثم قال: الله أكبر، ثم ثنى رجله وقعد عليها (٤)، واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض.
ثم صتع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السجدتين، كبّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكبيه، كما صنع حين افتتح الصلاة، ثم صنع كذلك، حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته، أخَّر رجله اليسرى، وقعد على شقه متورِّكاً (٥)، ثمَّ سلَّم.
قالوا: صدقت، هكذا صلى رسول الله ﷺ (٦).
ويقول النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصّلي» (٧).
стр. 912
توضيح كيفية الصلاة:
يتبين من هذا الحديث ومما ذكرناه من شروط الصلاة وأركانها وسننها وآدابها ومندوباتها في المذاهب المختلفة أن صفة الصلاة على النحو التالي (١):
يراعي المصلي شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة البدن والثوب والمكان وغيرهما، ثم يتوضأ للصلاة، ثم يؤذن لها ويقيم بعد دخول وقتها، ثم يستقبل القبلة، ثم يشرع في الصلاة ناوياً بقلبه، مكبراً للافتتاح، ويسن التلفظ بالنية عند الجمهور (غير المالكية)، قائلاً وجوباً بلا مد: «الله أكبر» جاهراً بها عند المالكية، رافعاً يديه مع ابتداء التكبير، مخرجاً كفيه من كميه، بخلاف المرأة، مفرجاً أصابعه عند الجمهور (غير الحنابلة)، مستقبلاً بها القبلة، محاذياً بإبهاميه شحمتي أذنيه عند الحنفية، وحذو منكبيه عند غيرهم وعند الحنفية للمرأة، كما ثبت في السنة، ثم يضع عند الجمهور (غير المالكية) كفَّه اليمنى على اليسرى تحت سرته عند الحنفية والحنابلة، وتحت صدره عند الشافعية، ويرسلهما عند المالكية.
وينظر المصلي إلى موضع سجوده، ثم يقرأ الثناء (٢) عند الحنفية والحنابلة، والتوجه (٣) عند الشافعية، ولا يقرؤهما عند المالكية، ثم يتعوذ سراً للقراءة بالاتفاق، ويسمي سراً عند الحنفية والحنابلة، ويجهر بالبسملة عند الشافعية، ولايسمي عند المالكية، ثم يقرأ الفاتحة، ويؤمِّن المصلي بعد ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة:٧/ ١] سراً عند المالكية والحنفية، جهراً عند الشافعية والحنابلة، ثم يقرأ
стр. 913
سورة أو آيات بعد الفاتحة من طوال المفصل في الفجر والظهر، ومن أوساطه في العصر والعشاء، وكذا في الظهر عند الحنابلة، ومن قصاره في المغرب، وكذا في العصر عند المالكية، ويجهر بالقراءة ليلاً، ويسر بها نهاراً.
ثم يكبر للركوع مع ابتداء الانحناء وينهيه بانتهائه، رافعاً يديه عند الجمهور غير الحنفية، آخذاً ركبتيه بيديه، مطمئناً، مفرجاً أصابعه، باسطاً ظهره مستقيماً، مسوياً رأسه بعجزه، غير رافع رأسه ولا خافضه، ناصباً ساقيه، مجافياً مرفقيه عن جنبيه، قائلاً ثلاثاً: (سبحان ربي العظيم) مع إضافة (وبحمده) عند غير الحنفية.
ثم يرفع رأسه من الركوع قائلاً: (سمع الله لمن حمده)، ويقول المقتدي فقط سراً عند الجمهور غير الشافعية: (ربنا لك الحمد)، ويجمع بينهما عند الشافعية كالإمام ولا يجهر بالتحميد، كما يجمع بينهما المنفرد عند المالكية. ويجمع بينهما الإمام عند الحنفية والحنابلة، ولا يحمد الإمام عند المالكية، رافعاً يديه عند غير الحنفية، مطمئناً بالاتفاق حال الاعتدال، ولا يرفع يديه عند الحنفية إلا في التكبيرة الأولى.
ثم يهوي للسجود واضعاً عند غير المالكية ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، ويقدم اليدين عند المالكية، ناصباً قدميه، موجهاً أصابعها نحو القبلة، واضعاً عند الحنفية وجهه بين كفيه، مجافياً بطنه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، والمرأة لاتجافي؛ لأنه أستر لها، واضعاً عند غير الحنفية كفيه حذو منكبيه، ناشراً أصابعهما مضمومة للقبلة، معتمداً عليهما، مطمئناً في سجوده، ويقول ثلاثاً: (سبحان ربي الأعلى) ويضيف عند غير المالكية: (وبحمده).
ثم يرفع رأسه مكبراً، ويجلس بين السجدتين مطمئناً، مفترشاً رجله اليسرى ويجلس عليها، ناصباً رجله اليمنى، واضعاً يديه على فخذيه، ويقول عند
стр. 914
غيرالحنفية: (رب اغفر لي). ثم يكبر للسجود، ويسجد السجدة الثانية، كالأولى.
ثم يكبر للنهوض إلى الركعة الثانية، ويقوم عند الحنفية على صدور قدميه (١)، ولا يقعد، ولا يعتمد بيديه على الأرض، وإنما يعتمد عندهم على ركبتيه إلا أن يشق عليه فيعتمد على الأرض، ولا يجلس للاستراحة عند غير الشافعية. ويعتمد بيديه على الأرض عند الشافعية والحنابلة، ويجلس للاستراحة ويرفع يديه حالة النهوض عند الشافعية.
فإذا استوى قائماً لم يقرأ الاستفتاح بالاتفاق، وإنما يتعوذ سراً عند الشافعية والحنابلة، ولا يتعوذ عند الحنفية والمالكية، ولا يبسمل عند المالكية، وكذا عند الحنفية إذا كان إماماً، ويبسمل عند الجمهور، ويقرأ الفاتحة وسورة، ويقصر قراءة الركعة الثانية عن الأولى.
ثم يركع ويسجد كما فعل في الركعة الأولى، ويقنت في صلاة الصبح قبل الركوع عند المالكية وهو أفضل، ويجوز بعده، وبعده عند الشافعية، وبعده في الوتر في جميع السنة عند الحنابلة، كما سنبين.
فإذا أتم السجدة الثانية من الركعة الثانية، جلس للتشهد الأول مفترشاً عند الجمهور (غير المالكية) متوركاً عند المالكية، كما بينا، موجهاً أصابعه نحو القبلة، واضعاً يديه على فخذيه، باسطاً أصابعه عند الحنفية، باسطاً اليسرى، قابضاً ما عدا السبابة والإبهام عند المالكية، وما عدا السبابة فقط عند الشافعية، ويحلِّق الإبهام مع الوسطى عند الحنابلة. ويشير بالسبابة عند الحنفية عند قوله: (لا إله)
стр. 915
ثم يضعها عندهم عند (إلا الله)، ويشير في رأي الشافعية والحنابلة عند قوله: (إلا الله) بلا تحريك، ومع التحريك والإشارة بها من أول التشهد عند المالكية.
ثم يقرأ التشهد بإحدى الصيغ الثلاث السابقة إلى قوله «عبده ورسوله» (١)، دون أن يضم إليه عند الجمهور (غير الشافعية) أي زيادة في القعدة الأولى، ويضم إليه عند الشافعية الصلاة على النبي ﷺ فقط. أما في التشهد الأخير فيضم إليه الصلاة الإبراهيمة.
ويتورك عند غير الحنفية في التشهد الأخير، ثم يدعو عند الحنفية بالمأثور من القرآن والسنة، أو بما شاء عند الجمهور.
ثم يسلم عن يمينه وشماله في الصلاة الثنائية، قائلاً: (السلام عليكم ورحمة الله) ويضيف عند المالكية (وبركاته) دون أن يمده مداً أي لا يطيله ويسرع فيه، لقوله ﷺ : «حذف التسليم سنة» (٢) قال ابن المبارك: معناه ألا يمد مداً.
فإن كانت الصلاة ثلاثية، أتى بركعة ثالثة، ثم يتشهد ويسلم، وإن كانت الصلاة رباعية، أتى بركعتين، ثم يتشهد ويسلم. ولا يقرأ غير الفاتحة في الفريضة في الركعتين الثالثة والرابعة، ويقرأ فيهما سورة عند الحنفية في النافلة وجميع ركعات الوتر، ولا يقرأ فيهما كالفرض سورة عند الشافعية.