وتكره الصلاة في الثوب المزعفر للرجل، وكذلك المعصفر؛ لأن «النبي ﷺ نهى الرجال عن التزعفر» (١) وروى مسلم عن علي قال: «نهاني النبي ﷺ عن لباس المعصفر» وقال عبد الله بن عمرو: «رأى النبي ﷺ علي ثوبين معصفرين، فقال: إن هذا من ثياب الكفار، فلا تلبسهما».
ولا يكره شد الوسط بمنطقة أو مئزر أو ثوب أو شد قباء.
ويكره للرجال عند الحنابلة لبس الثوب الأحمر والصلاة فيه، لحديث عبد الله ابن عمرو السابق: أن النبي ﷺ لم يرد السلام على رجل عليه بردان أحمران، قال ابن القيم: وقد صح عنه ﷺ من غير معارض النهي عن لبس المعصفر والأحمر (٢).
٤ - ما يحرم لبسه والصلاة فيه:
وهو قسمان:
أـ قسم يعم الرجال والنساء: وهو نوعان: الأول: النجس: فلا تصح الصلاة فيه ولا عليه؛ لأن الطهارة من النجاسة شرط.
والثاني: المغصوب، وتصح الصلاة فيه عند الجمهور، ولا تصح فيه عند الحنابلة كما بينا.
ب - ما يختص تحريمه بالرجال دون النساء: وهو الحرير، والمنسوج بالذهب، والمموه به، يحرم لبسه وافتراشه في الصلاة وغيرها. لقوله ﷺ : «حرم لباس
стр. 947
الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم» (١) وقوله أيضاً: «لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة» (٢).
ولا خلاف في تحريم الحرير على الرجال إلا لعارض أو عذر. وسيأتي مزيد بيان لذلك في بحث الحظر والإباحة.
٥ - ما تخالف فيه المرأة الرجل:
يسن للمرأة مخالفة الرجل في ستة أمور ذكرها الشافعية:
أولاً - تضم بعضها إلى بعض في السجود، بأن تضم مرفقيها إلى جنبيها وتلصق بطنها بفخذيها، أما الرجل فيباعد مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، لحديث رواه البيهقي في المرأة (٣).
ثانياً - تخفض المرأة صوتها في حضرة الرجال الأجانب، أما الرجل فيسن له الجهر في الصلاة الجهرية.
ثالثاً - تصفق المرأة بيدها اليمنى على ظهر كف اليسرى إذا نابها شيء أثناء الصلاة، أما الرجل فيسبح بصوت مرتفع، لحديث رواه الشيخان عن سهل بن سعد (٤).
رابعاً - جميع بدن المرأة عورة إلا الوجه والكفين، أما الرجل فعورته ما بين سرته وركبته، كما تقدم في شروط الصلاة.
стр. 948
خامساً - تسن الإقامة للمرأة دون الأذان، فيكره لها رفع صوتها به، أما الرجل فيسن له الأذان والإقامة عند كل صلاة مكتوبة في مذهب الشافعية.
سادساً - تقف المرأة وسط النساء في إمامتهن، وخلف الرجال في إمامة الرجل، أما الرجل فيتقدم المأمومين، ويقف الرجال في الصف الأول (١).
المبحث الخامس - الأذكار الواردة عقب الصلاة:
يسن ذكر الله والدعاء المأثور عقب الصلاة، إما بعد الفريضة مباشرة إذا لم يكن لها سنة بعدية كصلاة الفجر وصلاة العصر، وإما بعد الانتهاء من السنة البعدية كصلاة الظهر والمغرب والعشاء؛ لأن الاستغفار يعوض نقص الصلاة، والدعاء سبيل الحظوة بالثوا ب والأجر بعد التقرب إلى الله بالصلاة.
ويأتي بالأذكار سراً على الترتيب التالي إلا الإمام المريد تعليم الحاضرين فيجهر إلى أن يتعلموا، ويقبل الإمام على الحاضرين، جاعلاً يساره إلى المحراب (٢)، قال سمرة: «كان النبي ﷺ إذا صلى أقبل علينا بوجهه» (٣).
١ - يقول: (أستغفر الله) ثلاثاً، أو (استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيوم وأتوب إليه) ثلاثاً. ثم يقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، وإليك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام) لما روى ثوبان أن النبي ﷺ
стр. 949
«كان إذا سلم - وفي لفظ إذا انصرف من صلاته - استغفر ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام
ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (١).
ثم يقول: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» لحديث معاذ ابن جبل، قال: «لقيني النبي ﷺ ، فقال: إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة - أو في دبر كل صلاة - اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٢).
٢ - يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص:١/ ١١٢]، والمعوذتين ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق:١/ ١١٣]، ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس:١/ ١١٤] والفاتحة؛ لما روى الحسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ آية الكرسي في د ُ بُر الصلاة المكتوبة، كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى» (٣)، ولخبر أبي أمامة: «من قرأ آية الكرسي، وقل: هو الله أحد، دُبُر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» (٤).
стр. 950
ولما روي عن عقبة بن عامر، قال: «أمرني النبي ﷺ أن أقرأ المعوذات (١) دبر كل صلاة» (٢).
٣ - يسبح الله يقول (سبحان الله)، ويحمده يقول (الحمد لله)، ويكبره يقول (الله أكبر) ثلاثاً وثلاثين، ثم يختم تمام المئة بقوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» لحديث أبي هريرة، قال: «من سبَّح الله دُ بُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحَمِد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسع وتسعون - عدد أسماء الله الحسنى - وقال: تمام المئة: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه، ولو كانت مثلَ زَبَد البحر» (٣) وورد أيضاً: «أن يسبح ويكبر ويحمد عشراً عشراً» (٤).
وعن المغيرة بن شُعبة: أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت (٥)، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجدّ» (٦)، وروى مسلم عن ابن الزبير نحوه، وزاد بعد (قدير): «ولا حول ولا قوة إلا بالله،
стр. 951
لا إله إلاالله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون».
٤ - يقول - قبل القراءة والتحميد وغيرهما من المذكور في الرقمين السابقين - بعد صلاتي الصبح والمغرب، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم، عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير» لخبر أحمد عن عبد الرحمن بن غُنم مرفوعاً (١).
ويقول أيضاً وهو على الصفة المذكوة سبع مرات: (اللهم أجرني من النار) لحديث مسلم بن الحارث التميمي عن أبيه: «أن النبي ﷺ أسرَّ إليه، فقال: إذا انصرفت من صلاة المغرب، فقل: اللهم أجرني من النار سبع مرات» وفي رواية: «قبل أن تكلم أحداً، فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك، كتب لك جواراً منها، وإذا صليت الصبح، فقل مثل ذلك، فإنك إن مت من يومك، كتب لك جواراً منها، قال الحارث: أسر بها النبي ﷺ ، ونحن نخص بها إخواننا» (٢).
٥ - ثم يدعو المصلي لنفسه وللمسلمين بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وخصوصاً بعد الفجر والعصر، لحضور ملائكة الليل والنهار فيهما، فيؤمِّنون على الدعاء، فيكون أقرب للإجابة. وأفضل الدعا هو المأثور في السنة، مثل ما روى سعد بن أبي وقاص: أنه كان يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يُعلِّم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله ﷺ كا ن يتعوَّذ بهن دُبُر الصلاة: اللهم إني أعوذ
стр. 952
بك من البخل، وأعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العُمُر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» (١).
ومن أهم آداب الدعاء (٢):
رفع اليدين حتى يرى بياض إبطيه، وغاية الرفع إلى حذو المنكبين إلا إذا اشتد الأمر، ثم مسح الوجه بهما، اتباعاً للسنة، روى أبو داود بإسناد حسن عن مالك ابن يسار مرفوعاً: «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها»، وتكون اليدان مضمومتين لما روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس: «كان النبي ﷺ إذا دعا ضم كفيه، وجعل بطونهما مما يلي وجهه» لكن ضعفه في المواهب.
ثم يبدأ الدعاء بالحمد لله والثناء عليه، لقوله ﷺ : «إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربه، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء» (٣) وأفضل تحري مجامع الحمد مثل: (الحمد لله حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، ياربنا لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك).
ويختم دعاءه بالحمد لله، لقوله تعالى: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ [يونس:١٠/ ١٠] كما يختم دعاءه بالآية الكريمة: ﴿سبحان ربك رب
стр. 953
العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين﴾ [الصافات:١٨٢/ ٣٧]، قال علي كرم الله وجهه: «من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين» (١).
ويصلي على النبي ﷺ أول الدعاء وآخره، لخبر جابر قال: قال ﷺ : «لاتجعلوني كقَدَح الراكب (٢)، فإن الراكب يملأ قدحه، ثم يضعه، ويرفع متاعه، فإن احتاج إلى شراب شرب، أو لوضوء توضأ، وإلا أهراقه، ولكن اجعلوني في أول الدعاء، وأوسطه، وآخره» (٣).
ويستقبل الداعي غير الإمام القبلة؛ لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة. ويكره للإمام استقبال القبلة، بل يستقبل الإمام المأمومين للحديث السابق: أنه ﷺ كان ينحرف إليهم إذا سلم.
ويلحُّ الداعي في الدعاء مع الخشية، لحديث: «إن الله يحب الملحِّين في الدعاء» (٤) وحديث: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل» (٥) ويكرر الدعاء ثلاثاً؛ لأنه نوع من الإلحاح، قال ابن مسعود: «كان ﵇ إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً» (٦).
стр. 954
ويكون متطهراً، ويقدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار.
والدعاء سراً أفضل منه جهراً، لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف:٥٥/ ٧] لأنه أقرب إلى الإخلاص. ويكره رفع الصوت بالدعاء في الصلاة وغيرها إلا لحاج لحديث: «أفضل الحج: العَجّ والثجّ» (١).
ويعم بالدعاء، لقوله ﷺ لعلي: «يا علي عمم».
ويكون دعاؤه بتأدب في هيئته وألفاظه، وخشوع وخضوع، وعزم ورغبة، وحضور قلب ورجاء، للحديث السابق: «لا يستجاب من قلب غافل» وشرط الدعاء: الإخلاص.
ويتوسل بأسماء الله وصفاته وتوحيده، ويقدم بين دعائه صدقة، ويتحرى أوقات الإجابة وهي:
الثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام المنبر يوم الجمعة، حتى تنقضي الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من يوم الجمعة. ويوم عرفة ويوم الجمعة، وعند نزول الغيث، وعند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى، وحالة السجود.
وينتظر الإجابة، للحديث السابق: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، ولا يَعْجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي» لما في الصحيح مرفوعاً: «يستجاب لأحدكم، ما لم يَعْجل، قالوا: وكيف يعجل يا رسول الله؟ قال: يقول: قد دعوت، فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك».
стр. 955
ولا يكره عند الحنابلة رفع بصره إلى السماء (١)، ولا بأس أن يخص نفسه بالدعاء، لحديث أبي بكرة، وأم سلمة، وسعد بن أبي وقاص، إذ أولها: «اللهم إني أعوذ بك وأسألك» فهو يخص نفسه الكريمة ﷺ ، ولحديث عائشة: «أفضل الدعاء: دعاء المرء لنفسه» (٢).
ويستحب أن يخفف الدعاء؛ لأنه ﷺ «نهى عن الإفراط في الدعاء» (٣) والإفراط يشمل كثرة الأسئلة.
ويدعو بدعاء مأثور، إما من القرآن أو السنة أو عن الصحابة أو التابعين، أو الأئمة المشهورين. من ذلك ما روته أم سلمة: «أن النبي ﷺ كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً» (٤).
ومن الأدعية المأثورة الجامعة: (اللهم إني أسألك مُوجِبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل والفشل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال. اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودَرْك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وعضال الداء).
стр. 956
ما يستحب للمصلي بعد انتهاء الصلاة المفروضة:
استحب الفقهاء بعد انتهاء الفريضة مايأتي (١):
١ - يستحب الانتظار قليلاً أو اللبث للإمام مع المصلين، إذا كان هناك نساء، حتى ينصرف النساء ولا يختلطن بالرجال، لحديث أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم، قام النساء، حتى يقضي تسليمَه، وهو يمكث في مكانه يسيراً، قبل أن يقوم، قالت: فنُرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء، قبل أن يُدركَهن الرجال (٢).
٢ - وينصرف المصلي في جهة حاجته إن كانت له يميناً أو شمالاً، فإن لم تكن له حاجة، انصرف جهة يمينه، لأنها أفضل، لقول ابن مسعود: «لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته، يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله ﷺ كثيراً ما ينصرف عن شماله» (٣) وعن قبيصة بن هُلْب عن أبيه: «أنه صلى مع النبي ﷺ ، فكان ينصرف عن شقيه» (٤).
٣ - يندب أن يفصل المصلي بين الفرض والسنة بكلام أو انتقال من مكانه، والفصل بالانتقال أفضل، للنهي عن وصل ذلك إلا بعد المذكور، والانتقال أفضل تكثيراً للبقاع التي تشهد له يوم القيامة. ويفصل بين الصبح وسنته باضطجاع على جنبه الأيمن أو الأيسر، اتباعاً للسنة.
وقال أحمد: لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة، كما قال
стр. 957
علي ﵁. وقال أحمد أيضاً: من صلى وراء الإمام، فلا بأس أن يتطوع مكانه، كما فعل ابن عمر. روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: «لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصلي فيه بالناس» (١) وذكر الشافعية (٢) أن النفل الذي لا تسن فيه الجماعة صلاته في البيت أفضل منه بالمسجد، للخبر الصحيح: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» لتعود بركة صلاته على منزله.
المبحث السادس - القنوت في الصلاة:
يندب القنوت (٣) في الصلاة، لكن الفقهاء اختلفوا في تحديد الصلاة التي يقنت فيها على آراء، فقال الحنفية والحنابلة: يقنت في الوتر، قبل الركوع عند الحنفية، وبعد الركوع عند الحنابلة، ولا يقنت في غيره من الصلوات.
وقال المالكية والشافعية: يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع، والأفضل عند المالكية قبل الركوع، ويكره عند المالكية على الظاهر القنوت في غير الصبح.
ويستحب عند الحنفية والشافعية والحنابلة: القنوت في الصلوات المفروضة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وحصرها الحنابلة في صلاة الصبح، والحنفية في صلاة جهرية.
وتفصيل الكلام عن كل مذهب ما يأتي:
стр. 958
أولاً - قنوت الوتر أو الصبح: قال الحنفية (١): يقنت المصلي في صلاة الوتر، فيكبر بعد الانتهاء من القراءة، ويرفع يديه كرفعه عند الافتتاح، ثم يضعهما تحت سرته، ثم يقنت، ثم يركع، ولا يقنت في صلاة غير الوتر إلا لنازلة في الصلاة الجهرية، وأما قنوت النبيصلّى الله عليه وسلم في الفجر شهراً فهو منسوخ بالإجماع، لما روى ابن مسعود: أنه ﵇ قنت في صلاة الفجر شهراً ثم تركه (٢).
وحكمه عندهم: أنه واجب عند أبي حنيفة، سنة عند الصاحبين، كالخلاف الآتي في الوتر.
ومحل أدائه: الوتر في جميع السنة قبل الركوع من الركعة الثالثة، بدليل ماروي عن جماعة من الصحابة ﵃ وهم (عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب) أن قنوت رسول الله ﷺ كان في الوتر قبل الركوع (٣).
ومقداره كمقدار: إذا السماء انشقت، لما روي عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في القنوت: اللهم إنا نستعينك، أو اللهم اهدنا فيمن هديت الخ، وكلاهما على مقدار هذه السورة.
стр. 959
وصيغة الدعاء المفضلة عندهم وعند المالكية: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلَع ونترك من يفجُرُك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجِدَّ بالكفار مُلحق) (١) وهوالدعاء المشهور لابن عمر، ولا مانع من صحة نسبته لكل من عمر وابنه.
وذلك بدليل ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران، قال: «بينما رسول الله ﷺ يدعو على مضر، إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت، فسكت، فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعَّاناً، وإنما بعثك رحمة للعالمين، ليس لك من الأمر شيء، ثم علّمه القنوت: اللهم إنا نستعينك … إلخ» (٢) ولأن الصحابة ﵃ اتفقوا على هذا القنوت، فالأولى أن يقرأه. ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره، كان حسناً. والأولى أن يقرأه بعدما علَّم رسول الله ﷺ الحسن بن علي ﵄ في قنوته: اللهم اهدنا فيمن هديت … إلى آخره (٣). ثم بعده يصلي فيه على النبي ﷺ وآله، على المفتى به، فيقول: «وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم».
ومن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه، إما أن يقول: يا رب أو اللهم اغفر لي ثلاثاً أو ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار﴾ [البقرة:٢٠١/ ٢]، والآية الأخيرة أفضل.
стр. 960
وصفته من الجهر والإسرار: المختار أنه يخفيه الإمام والمقتدي.
وحكمه حال نسيانه: إذا نسي المصلي القنوت حتى ركع، ثم تذكر بعدما رفع رأسه من الركوع، لا يعود إليه، ويسقط عنه القنوت، كما يسقط في ظاهر الرواية إذا تذكره في الركوع، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته قبل السلام، لفوات القنوت عن محله، فإن عاد إليه وقنت، ولم يعد الركوع، لم تفسد صلاته، لكون ركوعه بعد قراءة تامة.
ويأتي المأموم بقنوت الوتر، ولو اقتدى بشافعي يقنت بعد الركوع، لأنه مجتهد فيه.
وإذا أدرك المقتدي الإمام في ركوع الثالثة من الوتر، كان مدركاً للقنوت حكماً، فلا يأتي به في آخر صلاته.
وقالوا أخيراً: إذا قنت الإمام في صلاة الفجر، سكت من خلفه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهو الأظهر؛ لأنه منسوخ ولا متابعة فيه، وقال أبو يوسف: يتابعه؛ لأنه تبع لإمامه، والقنوت مجتهد فيه.
مذهب المالكية:
يندب عند المالكية (١) قنوت سراً في الصبح فقط، لا في الوتر وغيره فيكره، وذلك قبل الركوع، وهو أفضل، ويجوز بعد الركوع. ولفظه المختار: اللهم إنا نستعينك .. إلخ كالحنفية، ولا يضم إليه: اللهم اهدنا فيمن هديت … إلخ على المشهور.
ويقنت الإمام والمأموم والمنفرد سراً، ولا بأس برفع اليدين فيه.
стр. 961
مذهب الشافعية:
يسن عندهم (١) القنوت في اعتدال ثانية الصبح، وصيغته المختارة هي: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت (٢)، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك) (٣)، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
ويقنت الإمام بلفظ الجمع؛ فيقول: اللهم اهدنا .. إلخ؛ لأن البيهقي رواه بلفظ الجمع، فحمل على الإمام، وعلله النووي في «أذكاره» بأنه يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء لخبر: «لا يؤم عبد قوماً، فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم» (٤).
ودليلهم على اختيار هذه الصيغة: ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة
стр. 962
﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، رفع يديه، فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت .. إلخ ما تقدم (١). وزاد البيهقي فيه عبارة: «فلك الحمد على ما قضيت (٢) .. إلخ».
وقال أنس بن مالك: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر، حتى فارق الدنيا» (٣) وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم.
والصحيح سن الصلاة على رسول الله ﷺ في آخر القنوت للأخبار الصحيحة في ذلك. كما يسن الصلاة على الآل، وسن رفع اليدين فيه كسائر الأدعية، اتباعاً للسنة (٤).
ويسن في الدعاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء إن دعا لرفع بلاء، وعكسه إن دعا لتحصيل شيء. وقد أفتى بعض الشافعية بأنه لا يسن ذلك عند قوله في القنوت: (وقني شر ما قضيت) لأن الحركة في الصلاة ليست مطلوبة.
والصحيح أنه لا يمسح بيديه وجهه، لعدم وروده، كما قال البيهقي. والإمام يجهر بالقنوت، اتباعاً للسنة (٥)، ويؤمن المأموم للدعاء (٦) إلى قوله: (وقني شر ما قضيت)، ويجهر به كما في تأمين القراءة، ويقول الثناء سراً بدءاً من قوله: (فإنك تقضي .. ) إلخ؛ لأنه ثناء وذكر، فكانت الموافقة فيه أليق، أو يقول: أشهد،
стр. 963
والأول أولى، وقال بعضهم: الثاني أولى. فإن لم يسمع الإمام قنت ندباً معه سراً كسائر الدعوات والأذكار التي لا يسمعها.
وهل الصلاة على النبي ﷺ من قبيل الدعاء، فيؤمن فيها، أو من قبيل الثناء فيشارك فيها؟ المعتمد هو الأول، لكن الأولى الجمع بينهما. ولا يرد على اقتصاره على التأمين قوله ﷺ : «رغم أنف امرئ ذكرت عنده، فلم يصل علي» (١) لأنه في غير المصلي، على أن التأمين في معنى الصلاة عليه.
ويصح الدعاء بغير هذه الصيغة، بكل ذكر مشتمل على دعاء وثناء، مثل: «اللهم اغفر لي ياغفور» فقوله: «اغفر لي» دعاء، وقوله: «ياغفور» ثناء، ومثل «وارحمني يارحيم» أو «والطف بي يا لطيف» والأولى أن يقول: «اللهم اهدني .. » السابق.
ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، لكن يستحب له الجمع بين قنوت النبي ﷺ «اللهم اهدني .. إلخ» وقنوت عمر أو ابنه: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك» السابق. والجمع لمنفرد وإ مام جماعة التطويل، وإن اقتصر فليقتصر على الأول.
ويزاد عليهما: (اللهم عذب الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسولك، ويقاتلون أولياءك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم أصلح ذات بينهم، وألِّف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبِّتهم على ملة رسولك، وأوزعهم (أي ألهمهم) أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق، واجعلنا منهم).
стр. 964
والقنوت كما سنبين من أبعاض الصلاة، فإن تركه كله أو بعضه، أو ترك شيئاً من قنوت عمر إذا جمعه مع قنوت النبي ﵇، أو ترك الصلاة على النبي ﷺ بعده، سجد للسهو. كما يسجد للسهو إن ترك القنوت تبعاً لإمامه الحنفي، أو تركه إمامه المذكور وأتى به هو.
مذهب الحنابلة:
يسن القنوت عندهم (١) كالحنفية، في الوتر في الركعة الواحدة في جميع السنة، بعد الركوع، كما قال الشافعي في وتر النصف الأخير من رمضان، فإن قنت قبل الركوع فلا بأس، لما روى ابن مسعود: «أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع» (٢) وروى حميد، قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح؟ فقال: «كنا نقنت قبل الركوع وبعده» (٣).
ويقول في قنوته جهراً إن كان إماماً أو منفرداً: «اللهم إنا نستعينك .. إلخ» «اللهم اهدنا فيمن هديت» والثاني أولى كما ذكر ابن قدامة، لما روى الحسن بن علي ﵄، قال علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت .. إلخ (٤). وعن عمر ﵁: أنه قنت في صلاة الفجر، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك .. إلخ ثم يصلي على النبي ﷺ ، وعلى آله. ولا بأس أن يدعو في قنوته بما شاء غير ما تقدم.
стр. 965
وإذا أخذ الإمام في القنوت أمَّن من خلفه، ويرفع يديه، ويمسح وجهه بيديه، لقول النبي ﷺ : «إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، ولا تدع بظهورها، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك» (١)، وروى السائب بن يزيدعن أبيه: «أن النبي ﷺ كان إذا دعا، رفع يديه، ومسح بهما وجهه» (٢). ويؤمن المأموم بلا قنوت إن سمع، وإن لم يسمع دعا.
ولا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر، كما قال الحنفية، لما روي «أن النبي ﷺ قنت شهراً، يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه» (٣).
ثانياً - القنوت أثناء النوازل: قال الحنفية والشافعية والحنابلة (٤): يشرع القنوت للنازلة لا مطلقاً، في الجهرية فقط عند الحنفية، وفي سائر الصلوات المكتوبة عند غيرهم إلا الجمعة عند الحنابلة اكتفاءً في خطبتها (٥)، ويجهر في دعائه في هذا القنوت. والنازلة: أن ينزل بالمسلمين خوف أو قحط أو وباء أو جراد، أو نحوها، اتباعاً للسنة؛ لأنه ﷺ قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة (٦) وعن أبي هريرة «أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع .. » (٧).
стр. 966
وكون القنوت عند النازلة لم يشرع مطلقاً بصفة الدوام، على المشهور عند الشافعية، فلأنه ﷺ لم يقنت إلا عند النازلة.
ويدعو بنحو ما روي عن النبي ﷺ وأصحابه، وروي عن عمر ﵁ أنه كان يقول في القنوت: (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك).
ولا يسن السجود لترك قنوت النوازل؛ لأنه - كما قال الشافعية - ليس من أبعاض الصلاة.
المبحث السابع - صلاة الوتر:
الكلام عن الوتر في بيان حكمه أوصفته واجب أم سنة، ومن يجب عليه، ومقداره، ووقته، صفة القراءة فيه، القنوت فيه، ومحل القنوت (١).
١ - حكم الوتر أو صفته:
الوتر مطلوب بالإجماع، لقوله ﷺ : «يا أهل القرآن أو تروا فإن الله وتر يحب الوتر» (٢)، وكان واجباً على النبي ﷺ ، لحديث: «ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم: الضحى، والأضحى، والوتر» (٣).
стр. 967
وهو واجب كصلاة العيدين عن أبي حنيفة، سنة مؤكدة وآكد السنن عند الصاحبين وبقية الفقهاء.
استدل أبو حنيفة بقوله ﷺ : «إن الله تعالى زادكم صلاة، ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» (١) وهو أمر والأمر للوجوب، وإنما لم يكفر جاحده باتفاق الحنفية؛ لأن وجوبه ثبت بسنة الآحاد، وهو معنى ما روي عنه أنه سنة. وبناء عليه لا يجوز عنده أداؤه قاعداً أو على الدابة بلا عذر.
ويؤيده أحاديث أخرى، منها حديث أبي أيوب: «الوتر حق، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» (٢).
وحديث بريدة: «الوتر حق، فمن لم يوتر، فليس منا» (٣).
واستدل الجمهور على سنيته بأحاديث كثيرة منها: «قوله ﷺ للأعرابي، حين سأله عما فرض الله عليه من الصلاة؟ قال: خمس صلوات، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوَّع» (٤).
وكذَّب عبادة بن الصامت رجلاً يقول: الوتر واجب، وقال: «سمعت النبي ﷺ يقول: خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة» (٥).
стр. 968
وعن علي قال: «الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكنه سنة سنها النبي ﷺ » (١).
ولأنه يجوز فعله على الراحلة من غير ضرورة، فأشبه السنن، وروى ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان يوتر على بعيره» (٢).
وهذا الرأي هو الحق؛ لأن أحاديث أبي حنيفة إن صحت فهي محمولة على التأكيد، وقد تكلم المحدثون فيها، فحديث «من لم يوتر فليس منا» فيه ضعيف، وحديث أبي أيوب «الوتر حق» وإن كان رواته ثقاتاً، فمحمول على تأكيد الاستحباب، لقول الإمام أحمد: «من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة».
٢ - من يجب عليه الوتر عند أبي حنيفة:
الوتر عند أبي حنيفة كالجمعة والعيدين واجب على كل مسلم، ذكر أم أنثى، بعد أن يصبح أهلاً للوجوب، لحديث أبي أيوب السابق: «الوتر حق واجب على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليوتر، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليوتر» (٣).
وهو عند الجمهور سنة مؤكدة على كل مسلم.
٣ - مقداره وكيفيته:
الوتر عند الحنفية ثلاث ركعات، لا يفصل بينهن بسلام، وسلامه في آخره،
стр. 969
كصلاة المغرب، حتى لو نسي قعود التشهد الأول، لا يعود إليه، ولو عاد فسدت الصلاة. لحديث عائشة: «كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، لا يسلم إلا في آخرهن» (١).
ولا يجوز بدون نية الوتر، فينويه ثلاث ركعات، ويقرأ الفاتحة وسورة في الركعات الثلاث، ويتشهد تشهدين: الأول والأخير، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح في بداية الركعة الثالثة، ويكبر ويرفع يديه ثم يقنت بعد القراءة قبل ركوع الثالثة، وبانتهائه يسلم يميناً وشمالاً، ففيه تكبيرة إحرام واحدة وسلام واحد.
وقال المالكية: الوتر ركعة واحدة، يتقدمها شَفْع، (سنة العشاء البعدية). ويفصل بينهما بسلام، يقرأ فيها بعد الفاتحة: الإخلاص والمعوذتين.
وكذلك قال الحنابلة (٢): الوتر ركعة، قال أحمد: إنا نذهب في الوتر إلى ركعة، وإن أوتر بثلاث أو أكثر فلا بأس.
وقال الشافعية: أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة، والأفضل لمن زاد على ركعة الفصل بين الركعات بالسلام، فينوي ركعتين من الوتر ويسلم، ثم ينوي ركعة من الوتر ويسلم، لما روى ابن حبان: «أنه ﷺ كان يفصل بين الشفع والوتر».
ودليل المالكية والحنابلة وهو دليل الشافعية على أقل الوتر: خبر مسلم عن ابن عمر وابن عباس: «الوتر ركعة من آخر الليل» وروى أبو داود من حديث أبي أيوب السابق: «من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل»، وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن عباس: «أنه ﷺ أوتر بواحدة».
стр. 970
وأدنى الكمال ثلاث، وأكمل منه خمس، ثم سبع، ثم تسع، ثم إحدى عشرة فأكثره إحدى عشرة للأخبار الصحيحة، منها خبر عائشة: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة» فلا تصح الزيادة عليها كسائر الرواتب. وفي رواية لمسلم عن عائشة: «كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشر ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة» وقال النبي ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خِفْت الصبح، فأوتر بواحدة» (١).
والوتر بخمس ثابت في حديث أبي أيوب السابق: «الوتر حق واجب على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليوتر .. »، وروي عن زيد بن ثابت: أنه كان يوتر بخمس، لا ينصرف إلا في آخرها. وفي حديث عائشة المتفق عليه: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لايجلس في شيء منها إلا في آخرها» وروي مثل ذلك عن ابن عباس عن النبي ﷺ (٢)، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا توتروا بثلاث، أو تروا بخمس أو سبع، ولاتشبَّهوا بصلاة المغرب» (٣).
والوتر بسبع أو تسع ثبت في حديث عائشة عند مسلم وأبي داود، وأيدها بذلك ابن عباس.
والوتر بإحدى عشرة ثبت أيضاً في حديث عائشة المتقدم في الصحيحين.
قال أحمد ﵀: الأحاديث التي جاءت «أن النبي ﷺ أو تر بركعة» كان قبلها صلاة متقدمة.
стр. 971
٤ - وقت الوتر:
أصل الوقت، والوقت المستحب:
وقته عند الجمهور: ما بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فلا يصح أداؤه قبل صلاة العشاء، فلو أوتر قبل العشاء عمداً أو سهواً لم يعتد به.
وعند أبي حنيفة: وقته وقت العشاء، إلا أنه شرع مرتباً عليه، فلا يجوز أداؤه قبل صلاة العشاء، مع أنه وقته، لعدم شرطه، وهو الترتيب، إلا إذا كان ناسياً، فلو صلاه قبل العشاء ناسياً لم يعده. وقال الصاحبان وغيرهما: يعيد، بدليل الخبر: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حُمْر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم من العشاء إلى طلوع الفجر» (١).
ودليل امتداد وقته في الليل: حديث عائشة قالت: «من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، من أول الليل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحر» (٢) وحديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: «أوتروا قبل أن تصبحوا» (٣).
ووقته الاختياري عند المالكية: إلى ثلث الليل، ووقته الضروري من طلوع الفجر لتمام صلاة الصبح، فإن صلاها خرج وقته الضروري وسقط، لأنه لا يقضى عندهم من النوافل إلا سنة الفجر، فتقضى للزوال، وكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر. والأفضل الوتر آخر الليل.
ومن أوتر أول الليل، ثم تنفل فلا يعيد الوتر عندهم وهو رأي الجمهور؛ إذ لا وتران في ليلة.
стр. 972
ووقته المختار عند الشافعية إلى نصف الليل، والباقي وقت جواز، وإذا جمع العشاء مع المغرب جمع تقديم، كان له أن يوتر وإن لم يدخل وقت العشاء. ويسن جعله آخر صلاة الليل، ولو نام قبله، لخبر الشيخين: «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً». فإن كان له تهجد، أخرَّ الوتر إلى أن يتهجد، وإلا أوتر بعد فريضة العشاء وسنتها الراتبة إذا لم يثق بيقظته آخر الليل، وإلا بأن وثق من اليقظة فتأخيره أفضل، لخبر مسلم: «من خاف ألا يقوم آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة» وذلك أفضل، وعليه يحمل خبر مسلم أيضاً: «بادروا الصبح بالوتر» (١).
فإن أوتر، ثم تهجد، لم يعد الوتر أي لا يسن له إعادته لخبر: «لا وتران في ليلة» (٢).
ووقته المستحب عند الحنفية: آخر الليل، لما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: تارة كان يوتر في أول الليل، وتارة في وسط الليل، وتارة في آخر الليل، ثم صار وتره في آخر عمره في آخر الليل (٣). وقال النبي ﷺ : «يصلي أحدكم مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح، صلى واحدة، فأوترت له ماصلى من الليل» (٤).
وكذلك الأفضل عند الحنابلة: فعل الوتر في آخر الليل، فهذا متفق عليه،
стр. 973
لخبر مسلم السابق: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل .. » وخبر الشيخين السابق: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً، فإن خاف ألا يقوم من آخر الليل استحب أن يوتر أوله» وهذا متفق عليه أيضاً؛ لأن النبي ﷺ أوصى أبا هريرة وأبا ذر وأبا الدرداء بالوتر قبل النوم، وقال: «من خاف ألا يقوم آخر الليل، فليوتر من أوله» (١).
ومن أوتر من الليل، ثم قام للتهجد، فالمستحب عند الحنابلة أن يصلي مثنى مثنى، ولا ينقض وتره، ومعناه أنه إذا قام للتهجد صلى ركعة تشفع الوتر الأول، ثم يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر في آخر التهجد، لقول النبي ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» وهذا مخالف لرأي الجمهور السابق.
وذكر الحنابلة أنه إذا صلى شخص مع الإمام، وأحب متابعته في الوتر، وأحب أن يوتر آخر الليل، فإنه إذا سلم الإمام لم يسلم معه، وقام فصلى ركعة أخرى، يشفع بها صلاته مع الإمام.
٥ - صفة القراءة في الوتر: القراءة تجب عند الحنفية في كل ركعات الوتر، ويندب عندهم أن يقرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى وفي الثانية سورة الكافرون وفي الثالثة سورة الإخلاص لحديث أبي ابن كعب «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد، ولا يسلِّم إلا في آخرهن» (٢).
стр. 974
ويندب عند المالكية القراءة في وتر الركعة الواحدة بالإخلاص والمعوذتين بعد الفاتحة، ويقرأ في الشفع بسبِّح اسم ربك الأعلى في الأولى، والكافرون في الثانية بعد الفاتحة فيهما، ويفصل بينهما بسلام، إلا في حالة الاقتداء لمن يواصل، فيوصله معه، وينوي بالأوليين الشفع، وبالأخيرة الوتر، وكره وصل الوتر بالشفع بغير سلام لغير مقتد يواصل، وكره وتر بواحدة من غير تقدم شفع، ولو لمريض أو مسافر.
ويستحب عند الشافعية لمن أوتر بثلاث: أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث بعد الفاتحة: في الأولى بسبح، وفي الثانية ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون:١/ ١٠٩] وفي الثالثة ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص:١/ ١١٢] والمعوذتين، وينبغي لمن زاد على الثلاثة أن يقرأ فيها ذلك، لحديث عائشة: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بفاتحة الكتاب، وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: يقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة: يقل هو الله أحد، والمعوذتين (١): الفلق ثم الناس.
واستحب الحنابلة الاقتصار في الثالثة على سورة الإخلاص لحديث أبي بن كعب السابق، قائلين: إن حديث عائشة في هذا لا يثبت، فإنه يرويه يحيى بن أيوب، وهو ضعيف، وقد أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين.
٦ - قنوت الوتر:
قال الحنفية والحنابلة (٢): يقنت المصلي في الوتر في جميع السنة، إلا أن الحنفية قالوا: يقنت في الثالثة قبل الركوع أداء وقضاء؛ لأن رسول الله ﷺ قنت قبل
стр. 975
الركوع (١)، وكيفيته: أن يكبر ويرفع يديه ثم يقنت، لحديث علي عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد أن يقنت كبر وقنت. وهذا رأي المالكية أيضاً في الصبح لا في الوتر كما تقدم.
وقال الحنابلة: يقنت بعد الركوع، لما رواه مسلم عن ابن مسعود «أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع»، ولحديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وعن أنس وغيره: أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع (٢). وطعنوا في حديث أبي بأنه قد تكلم فيه، وفي حديث ابن مسعود بأن فيه متروك الحديث.
وصيغة القنوت عند الحنفية: هي الدعاء المشهور عن عمر وابنه: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك .. إلخ»، ما ذكرناه في بحث القنوت، ويصلي على النبي ﷺ في آخره، على المفتى به.
والأولى عند الحنابلة دعاء: «اللهم اهدني فيمن هديت»، وللمصلي الدعاء بـ «اللهم إنا نستعينك» والأصح عند الحنفية أن يكون الدعاء مخافتاً فيه (٣)،
وعند الحنابلة: يجهر به الإمام والمنفرد.
وقال الشافعية: يندب القنوت في آخر الوتر في النصف الثاني من رمضان بعد الركوع، وهو كقنوت الصبح، ويقول بعده في الأصح: «اللهم إنا نستعينك
стр. 976
ونستهديك ونستغفرك .. إلخ»، لما روى أبو داود والبيهقي: «أن أبي بن كعب كان يقنت في النصف الأخير من رمضان حين يصلي التراويح» (١).
الذكر بعد الوتر:
ويستحب أن يقول بعد الوتر: سبحان الملك القدوس ثلاثاً، ويمد صوته بها في الثالثة، لما روى أبي بن كعب، قال: «كان ر سول الله ﷺ إذا سلم من الوتر، قال: سبحان الملك القدوس» (٢) وروى عبد الرحمن بن أَبْزى: «كان رسول الله ﷺ يوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وإذا أراد أن ينصرف من الوتر قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم يرفع صوته بها في الثالثة» (٣).
الدعاء بعد الوتر:
عن علي بن أبي طالب ﵇ أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (٤).
صفة وتر رسول الله ﷺ : عن سعيد بن هشام أنه قال لعائشة: أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت:
стр. 977
كنا نُعِدُّ له سواكه وطهوره، فيبعثه الله متى شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات (١)، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده، ويدعوه ثم ينهض ولا يسلِّم.
ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يُسمعنا. ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم، وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يابني.
فلما أسنَّ رسول الله ﷺ وأخذه اللحم، أو تر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بُنيَّ.
وكان نبي الله إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجَع عن قيام الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم رسول الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان (٢).
وفي رواية لأحمد والنسائي وأبي داود نحوه، وفيها: فلما أسنَّ وأخذه اللحم، أوتر بسبع ركعات، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة.
وفي رواية للنسائي قالت: فلما أسن وأخذه اللحم، صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن.
стр. 978
الفَصْل ُالسَّابع: مُبْطِلاتُ الصَّلاة أو مُفْسِداتُها الصلاة عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة كما عرفنا، ويجب أداؤها مستوفية شرائطها وأركانها لتكون صحيحة على النحو الذي بينه النبي ﷺ ، وأمر به المسلمين فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١).
فإذا اشتملت الصلاة على أمر مخالف للكيفية المشروعة، فسدت أو بطلت، والفساد والبطلان في العبادات بمعنى واحد باتفاق الفقهاء، أما في المعاملات كالبيع فهما عند الحنفية مفترقان بمعنى مختلف.
وإذا فسدت العبادة وجب إعادتها، والفساد أو البطلان: هو خروج العبادة عن كونها عبادة بسبب فوات بعض الفرائض.
والصلاة قد تبدأ فاسدة بترك شرط من شروطها الصحيحة كالطهارة وستر العورة، أما كشف العورة في أثناء الصلاة فمفسد لها عند الحنفية إذا دام قدر أداء ركن وهو مقدار ثلاث تسبيحات، كما قد تكون فاسدة بترك فريضة من فرائضها كتكبيرة الإحرام، وقد يطرأ الفساد بترك ركن من أركانها كترك الركوع أو السجود.
стр. 979
أولاً - مفسدات الصلاة عند الفقهاء: إن أهم مفسدات الصلاة عند الفقهاء هي مايأتي (١)، علماً بأن الحنفية ذكروا ثمانية وستين أمراً مفسداً للصلاة، والمالكية حوالي ثلاثين، والشافعية سبعة وعشرين، والحنابلة حوالي ستة وثلاثين.
١ - الكلام: أي النطق بحرفين ولو لم يفهما أو حرف مفهم أجنبي عن الصلاة، عمداً أو سهواً؛ لخبر زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلّم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه حتى نزلت: وقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» (٢) وخبر معاوية بن الحكم السُّلَمي: «بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطَس رجل من القوم، فقلت: يرحمُك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكل أمَّاه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني لكني سكتُّ، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله، ما كهرني (انتهرني) ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٣).
ومن الكلام المبطل: التنحنح بلا عذر إذا صحبه حرفان فأكثر، ومنه التأوه والأنين والتأفف والبكاء إذا اشتمل على حروف مسموعة، إلا إذا نشأ من مرض أو
стр. 980
قوله لكني سكت، قال المنذري: يريد لم أتكلم لكني سكت. من خشية الله، ومنه تشميت العاطس، ورد السلام ومنه الدعاء بما يشبه كلام الناس، غير أن للفقهاء تفصيلات في ذلك يحسن إيرادها:
قال الحنفية (١): تفسد الصلاة بالكلام عمداً أو سهواً، أو جاهلاً، أو مخطئاً، أو مكرهاً، على المختار، وذلك بالنطق بحرفين أو حرف مفهم، مثل (عِ) و (قِِ)، وكما لو سلم على إنسان، أو رد السلام بلسانه، لا بيده، ويكره ذلك على المعتمد، أو شمَّت عاطساً، أو نادى إنساناً بقوله (يا) ولو ساهياً، لكن لو سلم ساهياً للخروج من الصلاة قبل إتمامها على ظن إكمالها، فلا تفسد الصلاة، ولو صافح بنية السلام، تفسد، لأنه عمل كثير. ولو استعطف كلباً أو هرة أو ساق حماراً بما ليس من حروف الهجاء لا تفسد صلاته؛ لأنه صوت لا هجاء له.
ومن ارتفع بكاؤه لمصيبة بلغته، فسدت صلاته، لأنه تعرض لإظهارها.
وتبطل بالتنحنح بحرفين بلا عذر، فإن وجد عذر، كأن نشأ من طبعه فلا تفسد، كما لا تفسد إن كان لغرض صحيح كتحسين الصوت، أو ليهتدي إمامه إلى الصواب، أو للإعلام أنه في الصلاة، فلا فساد على الصحيح، وهكذا فإن التنحنح عن عذر لا يفسد الصلاة. وتفسد بالدعاء بما يشبه كلام الناس: وهو ما ليس في القرآن ولا في السنة، ولا يستحيل طلبه من العباد، وبالأنين (هو قوله: أه)، والتأوه (هو قوله: آه) والتأفف (أف أو تف)، والبكاء بصوت يحصل به حروف، لوجع أو مصيبة في الحالات الأربع الأخيرة، إلا لمرض لا يملك نفسه عن أنين وتأوه؛ لأنه حينئذ كعطاس وسعال وجشاء وتثاؤب، وإن ظهرت حروف للضرورة.
стр. 981
والنفخ بصوت مسموع يفسد الصلاة سواء أراد به التأفف أو لم يرد عند أبي حنيفة ومحمد، لقول ابن عباس: «النفخ في الصلاة كلام» (١).
ولا تفسد بالدعاء لذكر جنة أو نار عند قراءة الإمام، فجعل يبكي ويقول: بلى أو نعم، لدلالته على الخشوع.
وتفسد بجواب خبر سوء، بالاسترجاع على المذهب، أي بقوله: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة:١٥٦/ ٢]، لأنه يقصد الجواب، فصار ككلام الناس.
وتفسد بكل ما قصد به الجواب، كأن قيل: هل مع الله إله؟ فقال: (لا إله إلا الله) أو قيل: ما مالك؟ فقال: الخيل والبغال والحمير. أو سئل: من أين جئت؟ فقال: وبئر معطلة وقصر مشيد.
وتفسد بالخطاب كقوله لمن اسمه يحيى أو موسى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) أو (وما تلك بيمينك يا موسى) أو لمن بالباب: (ومن دخله كان آمنا).
وتفسد إن قصد الجواب: إذا قال عند سماع اسم الله تعالى: (لا إله إلا الله) أو قال: ﷻ ، أو عند ذكر النبي ﷺ ، فصلى عليه، أو عند قراءة الإمام، فقال: صدق الله ورسوله. أما إن لم يقصد الجواب، بل قصد الثناء والتعظيم، فلا تفسد؛ لأن تعظيم الله تعالى بذاته، والصلاة على نبيه ﷺ لا ينافي الصلاة.
ولا تفسد الصلاة بالنظر إلى مكتوب وفهمه، غير أنه مكروه، أما القراءة من المصحف فتفسد الصلاة عند أبي حنيفة؛ لأن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير، ولأنه يشبه التلقين من الآخرين. وقال الصاحبان: لا تفسد
стр. 982
وإنما تكره؛ لأن القراءة من المصحف عبادة انضافت إلى عبادة أخرى. وتكره لأنه تشبه بأهل الكتاب.
وقال المالكية (١): يشترط لصحة الصلاة ترك الكلام إلا بما هو من جنسها، أو مصلح لها. وتبطل بتعمد كلام أجنبي ولو كلمة، نحو «نعم» أو «لا» لمن سأله عن شيء، لغير إصلاح الصلاة، فإن كان الكلام لإصلاح الصلاة وبقدر الحاجة لا تبطل الصلاة إلا إن كان كثيراً، كأن يسلم الإمام بعد ركعتين في صلاة رباعية، أو يقوم لركعة خامسة، ولم يفهم بالتسبيح، فقال له المأموم: أنت سلمت من ركعتين أو قمت لخامسة، لم يضر عملاً بقصة ذي اليدين، روى أبو هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، إما الظهر، وإما العصر، فسلم في ركعتين، ثم أتى جِذْعاً في قبلة المسجد، فاستند إليها مغضباً، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سَرْعانُ الناس (أي المتسرعون)، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصل إلا الركعتين، فصلى ركعتين، وسلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢). ومن تلا وقصده التفهيم لشخص لم يضره كقوله: (ادخلوها بسلام).
وتبطل أيضاً بتعمد تصويت خال عن الحروف، كصوت الغراب، وبتعمد نفخ بفم، لا بأنف، وبتعمد سلام في حال العلم أو الظن أو الشك بعدم إكمال الصلاة.
стр. 983
وقال الشافعية (١): تبطل الصلاة بالنطق بكلام البشر بحرفين مفهمين ولو لمصلحة الصلاة كقوله: لا تقم أو اقعد، أم بحرف مفهم، أو بمدَّة حرف في الأصح؛ لأن الممدود في الحقيقة حرفان. والأصح أن التنحنح والبكاء والأنين، والنفخ إن ظهر به حرفان مبطل للصلاة. ويعذر في يسير الكلام إن سبق لسانه إليه، أو نسي الصلاة عملاً بقصة ذي اليدين السابقة، أو جهل تحريم الكلام في الصلاة إن قرب عهده بالإسلام، وتبطل بكثير الكلام (٢) في الأصح، ويعذر في اليسير عرفاً من التنحنح ونحوه كالسعال والعطاس وإن ظهر به حرفان ولو من كل نفخة ونحوها، لغلبة كل ما ذكر عليه فلا تقصير منه، أو لتعذر القراءة الواجبة وغيرها من الأركان القولية في حال التنحنح للضرورة، والجهر بالقراءة لا يصلح في الأصح عذراً ليسير التنحنح. ولو أكره المصلي على الكلام اليسير في صلاته بطلت صلاته في الأظهر؛ لأنه أمر نادر كالإكراه على الحدث.
وقال الحنابلة (٣): تبطل الصلاة بكلام الآدميين (وهو ما انتظم حرفين فصاعداً)، لغير مصلحة الصلاة، كقوله: يا غلام اسقني، ونحوه. ولا تبطل إن تكلم من سلَّم قبل إتمام صلاته سهواً بكلام يسير عرفاً لمصلحة الصلاة، عملاً بقصة ذي اليدين، سواء أكان إماماً أم مأموماً. ولا تبطل إن تكلم مغلوباً على الكلام، بأن خرجت الحروف منه بغير اختياره، كأن سلم سهواً أو نام فتكلم لرفع القلم عنه، أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة لا من القرآن، لأنه لا يمكنه التحرز عنه، أو غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب، فبان منه حرفان.
стр. 984
وتبطل الصلاة بالنفخ إن بان منه حرفان، لقول ابن عباس السابق: «من نفخ في صلاته فقد تكلم» وبالنحيب (هو رفع الصوت بالبكاء) إذا بان منه حرفان، لا من خشية الله، وبالتنحنح من غير حاجة، فبان منه حرفان، فإن تنحنح لحاجة لم تبطل.
وأجاز الحنابلة القراءة في أثناء الصلاة في المصحف، ويكره ذلك لمن يحفظ؛ لأنه يشغل عن الخشوع والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة، كما يكره في الفرض على الإطلاق؛ لأن العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها، وتباح في غير هذين الموضعين للحاجة إلى سماع القرآن والقيام به. والدليل على الجواز أن «عائشة كان يؤمها عبد لها في المصحف» (١)، وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف؟ فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف.
الفتح على غير الإمام وعلى الإمام: أي إرشاده إلى الصواب في القراءة. تبطل الصلاة بإرشاد المأموم غير إمامه إلى صواب القراءة لأنه تعليم وتعلم، فكان من جنس كلام الناس، أما إرشاد المأموم إمامه ففيه تفصيل بين الفقهاء:
قال الحنفية (٢): إذا توقف الإمام في القراءة أو تردد فيها، قبل أن ينتقل إلى آية أخرى، جاز للمأموم أن يفتح عليه أي يرده إلى الصواب، وينوي الفتح على إمامه دون القراءة على الصحيح؛ لأنه مرخص فيه، أما القراءة خلف الإمام فهي ممنوعة مكروهة تحريماً. فلو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى، تفسد صلاة الفاتح، وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله، لوجود التلقين والتلقن من غير ضرورة.
وينبغي للمقتدي ألا يعجل الإمام بالفتح، ويكره
стр. 985
له المبادرة بالفتح، كما يكره للإمام أن يلجئ المأموم إليه، بل يركع حين الحرج إذا جاء أوان التردد في القراءة، أو ينتقل إلى آية أخرى.
وتبطل الصلاة إن فتح المأموم على غير إمامه إلا إذا قصد التلاوة لا الإرشاد، ويكون ذلك مكروهاً تحريماً.
كما تبطل الصلاة بإرشاد غير المصلي له، أو بامتثال أمر الغير، كأن يطلب منه غيره سد فرجة، فامتثل وسدها، وإنما ينبغي أن يصبر زمناً ثم يفعل من تلقاء نفسه.
ودليل جواز الفتح على الإمام: حديث المُسَوَّر بن يزيد المكي قال: «صلى رسول الله ﷺ ، فترك آية، فقال له رجل: يا رسول الله، آية كذا وكذا، قال: فهلاّ ذكّرْتنيها؟» (١) وحديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ صلى صلاة، فقرأ فيها، فَلَبَس عليه، فلماانصرف، قال لأبي: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك؟» (٢).
وقال المالكية (٣): تبطل الصلاة بالفتح على غير الإمام سواء من المصلي أو من غيره، بأن سمعه يقرأ، فتوقف في القراءة، فأرشده للصواب؛ لأنه من باب المكالمة، أما الفتح على الإمام إذا وقف وتردد في القراءة، ولو في غير الفاتحة فجائز لا يبطل الصلاة، بل هو واجب، فإن وقف ولم يتردد كره الفتح عليه.
وقال الشافعية (٤): الفتح على الإمام: هو تلقين الآية عند التوقف فيها. ويفتح عليه إذا سكت، ولا يفتح عليه ما دام يردد التلاوة وسؤال الرحمة