والنفخ بصوت مسموع يفسد الصلاة سواء أراد به التأفف أو لم يرد عند أبي حنيفة ومحمد، لقول ابن عباس: «النفخ في الصلاة كلام» (١).
ولا تفسد بالدعاء لذكر جنة أو نار عند قراءة الإمام، فجعل يبكي ويقول: بلى أو نعم، لدلالته على الخشوع.
وتفسد بجواب خبر سوء، بالاسترجاع على المذهب، أي بقوله: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة:١٥٦/ ٢]، لأنه يقصد الجواب، فصار ككلام الناس.
وتفسد بكل ما قصد به الجواب، كأن قيل: هل مع الله إله؟ فقال: (لا إله إلا الله) أو قيل: ما مالك؟ فقال: الخيل والبغال والحمير. أو سئل: من أين جئت؟ فقال: وبئر معطلة وقصر مشيد.
وتفسد بالخطاب كقوله لمن اسمه يحيى أو موسى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) أو (وما تلك بيمينك يا موسى) أو لمن بالباب: (ومن دخله كان آمنا).
وتفسد إن قصد الجواب: إذا قال عند سماع اسم الله تعالى: (لا إله إلا الله) أو قال: ﷻ ، أو عند ذكر النبي ﷺ ، فصلى عليه، أو عند قراءة الإمام، فقال: صدق الله ورسوله. أما إن لم يقصد الجواب، بل قصد الثناء والتعظيم، فلا تفسد؛ لأن تعظيم الله تعالى بذاته، والصلاة على نبيه ﷺ لا ينافي الصلاة.
ولا تفسد الصلاة بالنظر إلى مكتوب وفهمه، غير أنه مكروه، أما القراءة من المصحف فتفسد الصلاة عند أبي حنيفة؛ لأن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير، ولأنه يشبه التلقين من الآخرين. وقال الصاحبان: لا تفسد
стр. 982
وإنما تكره؛ لأن القراءة من المصحف عبادة انضافت إلى عبادة أخرى. وتكره لأنه تشبه بأهل الكتاب.
وقال المالكية (١): يشترط لصحة الصلاة ترك الكلام إلا بما هو من جنسها، أو مصلح لها. وتبطل بتعمد كلام أجنبي ولو كلمة، نحو «نعم» أو «لا» لمن سأله عن شيء، لغير إصلاح الصلاة، فإن كان الكلام لإصلاح الصلاة وبقدر الحاجة لا تبطل الصلاة إلا إن كان كثيراً، كأن يسلم الإمام بعد ركعتين في صلاة رباعية، أو يقوم لركعة خامسة، ولم يفهم بالتسبيح، فقال له المأموم: أنت سلمت من ركعتين أو قمت لخامسة، لم يضر عملاً بقصة ذي اليدين، روى أبو هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، إما الظهر، وإما العصر، فسلم في ركعتين، ثم أتى جِذْعاً في قبلة المسجد، فاستند إليها مغضباً، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سَرْعانُ الناس (أي المتسرعون)، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصل إلا الركعتين، فصلى ركعتين، وسلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢). ومن تلا وقصده التفهيم لشخص لم يضره كقوله: (ادخلوها بسلام).
وتبطل أيضاً بتعمد تصويت خال عن الحروف، كصوت الغراب، وبتعمد نفخ بفم، لا بأنف، وبتعمد سلام في حال العلم أو الظن أو الشك بعدم إكمال الصلاة.
стр. 983
وقال الشافعية (١): تبطل الصلاة بالنطق بكلام البشر بحرفين مفهمين ولو لمصلحة الصلاة كقوله: لا تقم أو اقعد، أم بحرف مفهم، أو بمدَّة حرف في الأصح؛ لأن الممدود في الحقيقة حرفان. والأصح أن التنحنح والبكاء والأنين، والنفخ إن ظهر به حرفان مبطل للصلاة. ويعذر في يسير الكلام إن سبق لسانه إليه، أو نسي الصلاة عملاً بقصة ذي اليدين السابقة، أو جهل تحريم الكلام في الصلاة إن قرب عهده بالإسلام، وتبطل بكثير الكلام (٢) في الأصح، ويعذر في اليسير عرفاً من التنحنح ونحوه كالسعال والعطاس وإن ظهر به حرفان ولو من كل نفخة ونحوها، لغلبة كل ما ذكر عليه فلا تقصير منه، أو لتعذر القراءة الواجبة وغيرها من الأركان القولية في حال التنحنح للضرورة، والجهر بالقراءة لا يصلح في الأصح عذراً ليسير التنحنح. ولو أكره المصلي على الكلام اليسير في صلاته بطلت صلاته في الأظهر؛ لأنه أمر نادر كالإكراه على الحدث.
وقال الحنابلة (٣): تبطل الصلاة بكلام الآدميين (وهو ما انتظم حرفين فصاعداً)، لغير مصلحة الصلاة، كقوله: يا غلام اسقني، ونحوه. ولا تبطل إن تكلم من سلَّم قبل إتمام صلاته سهواً بكلام يسير عرفاً لمصلحة الصلاة، عملاً بقصة ذي اليدين، سواء أكان إماماً أم مأموماً. ولا تبطل إن تكلم مغلوباً على الكلام، بأن خرجت الحروف منه بغير اختياره، كأن سلم سهواً أو نام فتكلم لرفع القلم عنه، أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة لا من القرآن، لأنه لا يمكنه التحرز عنه، أو غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب، فبان منه حرفان.
стр. 984
وتبطل الصلاة بالنفخ إن بان منه حرفان، لقول ابن عباس السابق: «من نفخ في صلاته فقد تكلم» وبالنحيب (هو رفع الصوت بالبكاء) إذا بان منه حرفان، لا من خشية الله، وبالتنحنح من غير حاجة، فبان منه حرفان، فإن تنحنح لحاجة لم تبطل.
وأجاز الحنابلة القراءة في أثناء الصلاة في المصحف، ويكره ذلك لمن يحفظ؛ لأنه يشغل عن الخشوع والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة، كما يكره في الفرض على الإطلاق؛ لأن العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها، وتباح في غير هذين الموضعين للحاجة إلى سماع القرآن والقيام به. والدليل على الجواز أن «عائشة كان يؤمها عبد لها في المصحف» (١)، وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف؟ فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف.
الفتح على غير الإمام وعلى الإمام: أي إرشاده إلى الصواب في القراءة. تبطل الصلاة بإرشاد المأموم غير إمامه إلى صواب القراءة لأنه تعليم وتعلم، فكان من جنس كلام الناس، أما إرشاد المأموم إمامه ففيه تفصيل بين الفقهاء:
قال الحنفية (٢): إذا توقف الإمام في القراءة أو تردد فيها، قبل أن ينتقل إلى آية أخرى، جاز للمأموم أن يفتح عليه أي يرده إلى الصواب، وينوي الفتح على إمامه دون القراءة على الصحيح؛ لأنه مرخص فيه، أما القراءة خلف الإمام فهي ممنوعة مكروهة تحريماً. فلو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى، تفسد صلاة الفاتح، وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله، لوجود التلقين والتلقن من غير ضرورة.
وينبغي للمقتدي ألا يعجل الإمام بالفتح، ويكره
стр. 985
له المبادرة بالفتح، كما يكره للإمام أن يلجئ المأموم إليه، بل يركع حين الحرج إذا جاء أوان التردد في القراءة، أو ينتقل إلى آية أخرى.
وتبطل الصلاة إن فتح المأموم على غير إمامه إلا إذا قصد التلاوة لا الإرشاد، ويكون ذلك مكروهاً تحريماً.
كما تبطل الصلاة بإرشاد غير المصلي له، أو بامتثال أمر الغير، كأن يطلب منه غيره سد فرجة، فامتثل وسدها، وإنما ينبغي أن يصبر زمناً ثم يفعل من تلقاء نفسه.
ودليل جواز الفتح على الإمام: حديث المُسَوَّر بن يزيد المكي قال: «صلى رسول الله ﷺ ، فترك آية، فقال له رجل: يا رسول الله، آية كذا وكذا، قال: فهلاّ ذكّرْتنيها؟» (١) وحديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ صلى صلاة، فقرأ فيها، فَلَبَس عليه، فلماانصرف، قال لأبي: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك؟» (٢).
وقال المالكية (٣): تبطل الصلاة بالفتح على غير الإمام سواء من المصلي أو من غيره، بأن سمعه يقرأ، فتوقف في القراءة، فأرشده للصواب؛ لأنه من باب المكالمة، أما الفتح على الإمام إذا وقف وتردد في القراءة، ولو في غير الفاتحة فجائز لا يبطل الصلاة، بل هو واجب، فإن وقف ولم يتردد كره الفتح عليه.
وقال الشافعية (٤): الفتح على الإمام: هو تلقين الآية عند التوقف فيها. ويفتح عليه إذا سكت، ولا يفتح عليه ما دام يردد التلاوة وسؤال الرحمة
стр. 986
والاستعاذة من عذاب، لقراءة آيتهما. والفتح في حالة السكوت لا يقطع في الأصح موالاة قراءة المأموم، أما في حالة التردد فيقطع موالاة قراءته، ويلزمه استئناف القراءة.
ولا بد لمن يفتح على إمامه أن يقصد القراءة وحدها أو يقصدها مع الفتح، فإن قصد الفتح وحده، أو لم يقصد شيئاً أصلاً، بطلت صلاته على المعتمد. أما الفتح على غير إمامه فيقطع موالاة القراءة.
وقال الحنابلة (١): للمصلي أن يفتح على إمامه إذا أُرْتِج عليه (منع من القراءة) أو غلط في قراءته، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً. ويجب الفتح على إمامه إذا أرتج عليه أو غلط في الفاتحة، لتوقف صحة صلاته على ذلك، كما يجب تنبيهه عند نسيان سجدة ونحوها من الأركان.
وإن عجز المصلي عن إتمام الفاتحة بالإرتاج عليه، فكالعاجز عن القيام في أثناء الصلاة، يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه، ولا يعيدها.
وقال ابن قدامة في المغني: والصحيح أنه إذا لم يقدر على قراءة الفاتحة فإن صلاته تفسد؛ لأنه قادر على الصلاة بقراءتها، فلم تصح صلاته بدون ذلك، لعموم قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».
ويكره للمصلي الفتح على من هو في صلاة أخرى، أو على من ليس في صلاة؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته، ولا تبطل صلاته، وقد قال النبي ﷺ : «إن في الصلاة لشغلاً» (٢).
стр. 987
٢ - الأكل والشرب: هذا مبطل للصلاة على تفصيل في جزئيات يسيرة بين الفقهاء.
قال الحنفية: تبطل الصلاة بالأكل والشرب عامداً أم ناسياً، سواء أكان المأكول قليلاً أم كثيراً؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة، إلا إذا كا بين أسنانه مأكول دون الحِمِّصة، فابتلعه، فلا تبطل صلاته لمشقة الاحتراز عنه دائماً، كما هو الحال في الصوم.
أما المضغ الكثير بأن كان ثلاثاً متواليات فمفسد، وكذا لو ابتلع ذوب سكرأو حلوى في فمه.
وقال المالكية: تبطل الصلاة بتعمد أكل ولو لقمة بمضعها، وتعمد شرب ولو قلّ، ولا تبطل بأكل يسير مثل الحبة بين أسنانه، كما لا تبطل بأكل أو شرب سهواً على الراجح، ويسجد له بعد السلام. فإن اجتمع الأكل والشرب، أو وجد أحدهما مع السلام سهواً، فتبطل الصلاة.
وقال الشافعية والحنابلة: تبطل الصلاة بتعمد تناول قليل الأكل، لشدة منافاته للصلاة؛ لأن ذلك يشعر بالإعراض عنها، ولا تبطل بتناول قليل الأكل ناسياً أو جاهلاً تحريمه، وتبطل بكثير الأكل ولو مع النسيان والجهل في الأصح، ولو مفرقاً، بخلاف الصوم، فإنه لا يبطل بذلك.
كما تبطل بكثير المضغ، وإن لم يصل إلى الجوف شيء من الممضوغ.
وتبطل في الأصح ببلع ذوب سُكَّرة بفمه، لمنافاته للصلاة.
ولا يضر ما وصل مع الريق إلى الجوف من طعام بين أسنانه، إذا عجز عن تمييزه ومجه.
стр. 988
٣ - العمل الكثير المتوالي:
اتفق الفقهاء على بطلان الصلاة بالعمل الكثير المتوالي، ولو سهواً؛ لأن الحاجة لا تدعو إليه.
قال الحنفية: تبطل الصلاة بكل عمل كثيرليس من أعمالها ولا إصلاحها، كزيادة ركوع أو سجود، وكمشي لغير تجديد الوضوء لمن سبقه الحدث. ولا تفسد برفع اليدين في تكبيرات الزوائد ولكنه يكره. والعمل الكثير: هو الذي لا يشك الناظر لفاعله أنه ليس في الصلاة. فإن اشتبه فهو قليل على الأصح.
وقال المالكية: تبطل الصلاة بالفعل الكثير عمداً أو سهواً كحك جسد، وعبث بلحية، ووضع رداء على كتف، ودفع مارّ وإشارة بيد. ولا تبطل بالفعل القليل أو اليسير جداً كالإشارة وحك البشرة، أما المتوسط بين الكثير والقليل، كالانصراف من الصلاة، فيبطل عمده دون سهوه.
وقال الشافعية والحنابلة: تبطل الصلاة بكثير من العمل عمداً أو سهواً، لا بقليله، وتعرف الكثرة بالعرف والعادة، فالخُطوتان والضربتان قليل، والثلاث المتواليات عند الشافعية كثير. ومعنى التوالي: ألا تعد إحداها منقطعة عن الأخرى.
وتبطل بالوثبة الفاحشة وهي النطة لمنافاتها الصلاة، لا الحركات الخفيفة المتوالية، كتحريك أصابعه في سُبْحة أو عِقْد، أو حكّ أو نحو ذلك في الأصح، كتحريك لسانه أو أجفانه أو شفتيه أو ذكره مراراً ولاء، فلا تبطل بذلك.
ولا يضر العمل اليسير عادة من غير جنس الصلاة، لفتح النبي ﷺ الباب
стр. 989
لعائشة، وحمله أمامة ووضعها (١)، كما لايضر العمل المتفرق وإن كثر، ولا الحاصل بعذر كمرض يستدعي حركة لا يستطيع الصبر عنها زمناً يسع الصلاة.
ويكره العمل الكثير غير المتوالي بلا حاجة. ولا يقدر عند الحنابلة العمل الكثير بثلاث ولا بعدد.
وأضاف الشافعية (٢): أن العمل الكثير في العرف يضبط بثلاثة أفعال فأكثر، ولو بأعضاء متعددة، كأن حرك رأسه ويده. ويحسب ذهاب اليد وعودها مرة واحدة، ما لم يسكن بينهما، وكذا رفع الرجل، سواء عادت لموضعها الذي كانت فيه أو لا. أما ذهابها وعودها فمرتان. وقد عرفنا أن الوثبة الفاحشة كالعمل الكثير، وكذا تحريك كل البدن، أو معظمه ولو من غير نقل قدميه.
ومحل البطلان بالعمل الكثير: إن كان بعضو ثقيل، فإن كان بعضو خفيف، فلا بطلان، كما لو حرك أصابعه من غير تحريك كفه في سُبْحة أو حل عِقْد، أو تحريك لسان وأجفان وشفة أو ذكر ولو مراراً؛ إذ لا يخل ذلك بهيئة الخشوع والتعظيم، فأشبه الفعل القليل.
ولو تردد في فعل، هل هو قليل أو كثير، فالمعتمد أنه لا يؤثر.
والفرق بين الكلام في أن الصلاة تبطل بقليله وكثيره، وبين العمل في الصلاة لا تبطل إلا بكثيره: هو أن العمل يتعذر الاحتراز عنه، فعفي عن القليل؛ لأنه لا يخل بالصلاة، بخلاف الكلام العمد عند الشافعية، وأما غير العمد فلا يضر قليله، كما تقدم. وتبطل الصلاة عند أبي حنيفة بالقراءة في مصحف لسببين:
стр. 990
أحدهما - أن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير.
والثاني - أن تلقن من المصحف كما تلقن من غيره، وجوزه الصاحبان بالكراهة، وجوزه الشافعي وأحمد بلا كراهة.
المشي في الصلاة: لا تبطل الصلاة إن مشى مستقبل القبلة بنحو متقطع يفصل بين تقديم كل رجل والأخرى بقدر أداء ركن، فيقف، ثم يمشي وهكذا وإن كثر ما لم يختلف المكان، بأن خرج من المسجد، أو تجاوز الصفوف إن كانت الصلاة في الصحراء.
٤ - استدبار القبلة: بتحويل الصدر عنها بغير عذر، عند الحنفية والشافعية، فإن كان بعذر، كاستدبار القبلة للذهاب إلى الوضوء، فلا تبطل لأنه مغتفر. ومن العذر عند الشافعية: انحراف الجاهل والناسي إن عاد عن قرب.
ولا تبطل الصلاة عند المالكية ما لم تتحول قدما المصلي عن مواجهة القبلة. وعند الحنابلة: ما لم يتحول المصلي بجملته عن القبلة.
٥ - كشف العورة عمدا ً أو انكشافها بنحو ريح ومضي مقدار أداء ركن أو مقدار ثلاث تسبيحات عند الحنفية إذا انكشف ربع عضو من أعضاء العورة، وإن سترها حالاً لم تبطل صلاته عند الشافعية والحنابلة. وتبطل الصلاة عند المالكية بمجرد انكشاف العورة المغلظة مطلقاً، لا غيرها والمعتبر في ستر العورة من الجوانب، لا من الأسفل، فإن ظهرت عورته من أسفل سقيفة أو سدّة مثلاً لم يضر.
٦ - طروء الحدث الأصغر أو الأكبر ولو من فاقد الطهورين عمداً أو سهواً، ولو من دائم الحدث غير حدثه الدائم. لكن لو شك في الحدث استمر.
стр. 991
ومن الحدث: نوم غير المتمكن مقعدته من الأرض. والمفسد للصلاة عند الحنفية: هو الحدث العمد بعد الجلوس الأخير قدر التشهد، أو قبل ذلك، فإن سبقه الحدث قبل السلام بعد الجلوس الأخير صحت الصلاة عندهم. كما أنه يبني على صلاته استحساناً إن سبقه الحدث من غير قصد في أثناء الصلاة: وهو ما يخرج من بدنه من بول أو غائط أو ريح أو رعاف أو دم سائل من جرح أو دمل به بغير صنعه.
٧ - حدوث النجاسة التي لا يعفى عنها في البدن والثوب والمكان: فمن تنجس جسده أو ثوبه، أو سجد على شيء نجس بنجاسة لا يعفى عنها، أو سالت نجاسة داخل فمه أو أنفه أو أذنه، بطلت صلاته. ولا تبطل الصلاة بالنجاسة التي يعفى عنها، ولا بما إذا وقع على ثوبه نجاسة يابسة فنفض ثوبه حالاً.
٨ - القهقهة: أي الضحك بصوت، تفسد الصلاة عند الجمهور (غير الحنفية) إن ظهر بها حرفان فأكثر، أو حرف مفهم. فالبطلان فيها من جهة الكلام المشتملة عليه.
وفرق الحنفية (١): بين الضحك والقهقهة، فالأول: هو ما يكون مسموعاً للمصلي فقط دون جيرانه، وحكمه أنه يفسد الصلاة فقط، ولا يبطل الوضوء. وأما القهقهة: فهي ما يكون مسموعاً للمصلي ولجيرانه، وحكمه: أنه يفسد الصلاة ويبطل الوضوء. أما التبسم وهو ماخلا عن الصوت فلا يفسد شيئاً.
стр. 992
ودليل الحنفية حديث: مضمونه: ألا من ضحك منكم قهقهة، فليعد الصلاة والوضوء جميعاً (١).
وتبطل الصلاة عند الحنفية بالقهقهة، كما تبطل بالحدث العمد إذا حصلت قبل القعود الأخير قدر التشهد، فإن كانت بعده فلا تبطل الصلاة التي تمت بها، وإن نقض الوضوء. ويفسد الجزء الذي حصلت فيه، كما يفسد مثله من صلاة المسبوق، فلا يمكن بناؤه الفائت عليه؛ لأن الجزء الذي لا بسته القهقهة، أفسدته من وسط صلاة المأمومين، فإذا فسد الجزء، فسدت الصلاة.
٩ - الردة (وهي قطع الإسلام بقول أو فعل) والموت والجنون والإغماء.
١٠ - تغيير النية: تبطل الصلاة بفسخ النية أو تردده فيها، أو عزمه على إبطالها أو نية الخروج من الصلاة، أو إبطالها وإلغاء ما فعله من الصلاة، أو شكه هل نوى أم لا، فعمل مع الشك عملاً. وهذا متفق عليه. وتبطل الصلاة أيضاً عند الحنفية (٢) بالانتقال من صلاة إلى مغايرتها، كأن ينوي الانتقال من صلاته التي هو فيها إلى صلاة أخرى: كمن صلى ركعة من الظهر، ثم افتتح بتكبير العصر أو التطوع، فقد نقض الظهر؛ لأنه صح شروعه في غيره، فيخرج عنه. ولو كان يصلي منفرداً في فرض، فكبر ناوياً الشروع في الاقتداء بإمام، أو كبر ناوياً إمامة النساء، فسدت الصلاة الأولى، وصار شارعاً في الصلاة الثانية.
стр. 993
وكذا لو نوى نفلاً أو واجباً، أو شرع في جنازة، فجيء بأخرى، فكبر ينويهما، أو كبر ناوياً الصلاة على الثانية، بطل ما مضى، ويصير شارعاً في الثانية.
لكن لو بدأ صلاة الظهرمثلاً، فصلى ركعة أو دونها أو فوقها، ثم كبر ناوياً استئناف الظهر بعينها، لا يفسد ما أداه، وتحتسب الركعة أو غيرها التي صلاها، لعدم صحة الشروع في الثانية، إذ إنه نوِى الشروع في عين ما هو فيه، فلغت نيته، إلا إذا كبر ينوي إمامة النساء أو الاقتداء بالإمام، أو كان مقتدياً، فكبر ينوي الانفراد، فحينئذ يكون شارعاً فيما كبر له، ويبطل ما مضى من صلاته.
وإن تلفظ بنية جديدة يصير مستأنفاً مطلقاً، أي سواء انتقل إلى صلاة مغايرة أو متحدة؛ لأن التلفظ بالنية كلام مفسد للصلاة الأولى، فصح الشروع الثاني.
والخلاصة: إذا كبر المصلي ينوي الاستئناف (أي البدء بصلاة جديدة) ينظر:
فإن كانت الثانية التي نوى الشروع فيها هي الأولى بعينها من كل وجه، ولم تخالفها في شيء، لا تبطل صلاته، ويجتزئ بما مضى من صلاته، إلا إذا تلفظ أو اقتدى بإمام أو نوى إمامة النساء.
وإن كانت تخالفها تبطل صلاته، ويستأنف، سواء نوى بقلبه أو تلفظ. هذا وقد أجاز الشافعية تحويل الصلاة المفروضة إلى نفل مطلق، دون أن يبطل ما مضى من الصلاة كما سنبين.
١١ - اللحن في القراءة، أو زلة القارئ: للحنفية (١) في هذا رأيان: رأي المتقدمين، ومعهم الشافعية في الجملة، وهو الأحوط، ورأي المتأخرين، وهو الأيسر.
стр. 994
ويتلخص رأي المتقدمين فيما يأتي:
تبطل الصلاة بكل ما غيَّر المعنى تغيراً يكون اعتقاده كفراً، وبكل ما لم يكن مثله في القرآن، والمعنى بعيد متغير تغيراً فاحشاً، كهذا الغبار مكان ﴿هذا الغراب﴾ [المائدة:٥/ ٣١]، وبكل ما لم يكن له مثل في القرآن، ولا معنى له، كالسرائل مكان ﴿السرائر﴾، وتبطل أيضاً عند أبي حنيفة ومحمد بما له مثل في القرآن، والمعنى بعيد، ولم يكن متغيراً تغيراً فاحشاً. ولا تبطل عند أبي يوسف؛ لعموم البلوى. فإن لم يكن له مثل في القرآن، ولم يتغير به المعنى، كقيامين مكان ﴿قوامين﴾ فعكس الخلاف السابق: لا تبطل عند الطرفين، وتبطل عند أبي يوسف.
وقال المتأخرون: إن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقاً، ولو كان اعتقاده كفراً؛ لأن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب.
وإن كان الخطأ بإبدال حرف مكان حرف: فإن أمكن الفصل بينهما بلا كلفة، كالصاد مع الطاء، بأن قرأ الطالحات مكان ﴿الصالحات﴾ فتفسد الصلاة اتفاقاً. وإن لم يكن الفصل إلا بمشقة، فالأكثر على عدم الفساد، لعموم البلوى، كالصاد مع السين، كالسراط بدل ﴿الصراط﴾.
ولا تفسد الصلاة بتخفيف مشدّد ولا عكسه (تشديد مخفّف)، كما لو قرأ ﴿أفعيينا﴾ بالتشديد، و ﴿اهدنا الصراط﴾ بإظهار اللام، كما لا تفسد بزيادة حرف فأكثر نحو (الصراط الذين)، أو بوصل حرفٍ بكلمة نحو (إياكنعبد)، أو بوقف وابتداء، وإن غيَّر المعنى.
стр. 995
لكن تفسد الصلاة بعدم تشديد ﴿ربّ العالمين﴾ و ﴿إيّاك نعبد﴾ [الفاتحة:١/ ٥].
ولا تفسد لو زاد كلمة، أو نقص كلمة، أو نقص حرفاً أو قدمه أو بدله بآخر، نحو (من ثمره إذا أثمر واستحصد) و (تعال جدّ ربنا) و (انفرجت) بدل «انفجرت» و (إياب) بدل (أواب) إلا إذا تغير المعنى.
ولا تفسد لو كرر كلمة وإن تغير المعنى، مثل (رب رب العالمين).
وتفسد لو بدل كلمة بكلمة، وغير المعنى، مثل: (إن الفجار لفي جنات) و (لعنة الله على الموحدين) وكتغيير النسب نحو (عيسى بن لقمان) بخلاف موسى ابن لقمان، ونحو (مريم بنت غيلان). فإن لم يتغير المعنى، مثل الرحمن بدل الكريم لم تفسد اتفاقاً.
وقال الحنابلة (١): إن أحال اللحان المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة ولا الائتمام به إلا أن يتعمده، فتبطل صلاتهما. أما إن أحال المعنى في الفاتحة فتبطل الصلاة مطلقاً.
١٢ - ترك ركن بلا قضاء، وشرط بلا عذر: الأول: مثل ترك سجدة من ركعة، وسلم قبل الإتيان بها. والثاني: كترك ستر العورة بلا عذر، فإن وجد عذر كعدم وجود ساتر أو مطهر للنجاسة، وعدم قدرة على استقبال القبلة، فلا فساد.
١٣ - أن يسبق المقتدي إمامه عمداً بركن لم يشاركه فيه: كأن يركع ويرفع قبل أن يركع مع الإمام. فإن كان سهواً، رجع لإمامه ولا تبطل صلاته، لكن
стр. 996
الحنفية قالوا: تبطل الصلاة ولو سبق سهواً إن لم يعد ذلك مع الإمام، أو بعده ويسلم معه، فإن أعاده معه أو بعده وسلم معه، فلا تبطل.
وقال الشافعية: لا تبطل صلاة المأموم إلا بتقدمه عن الإمام بركنين فعليين بغير عذر، كسهو مثلاً، وكذا لو تخلف عنه عمداً من غير عذر، كبطء قراءة.
١٤ - محاذاة المرأة الرجل في الصلاة من غير فرجة تسع مكان مصلٍ، أو من غير حائل، سواء أكانت المرأة مَحْرماً كأخت أو بنت، أم غير محرم كزوجة.
وتتحقق المحاذاة عند الحنفية بالشروط الآتية:
أولاً - أن تكون المحاذاة بالساق والكعب.
ثانياً - أن تكون الصلاة مشتركة بينهما في التحريمة، والأداء، ونية الإمام إمامتها، أو باقتدائها مع الرجل بإمام آخر، أو باقتدائها برجل، ولم يشر إليها لتتأخر عنه. فإن لم ينو الإمام إمامتها، لا تكون معه في الصلاة، وإن لم تتأخر بإشارته فسدت صلاتها هي، لا صلاته.
ثالثاً - أن يكون مكانهما متحداً ولا حائل بينهما.
رابعاً - أن تكون المرأة مشتهاة.
ومقدار المحاذاة المفسدة: أداء ركن عند محمد، أو قدره عند أبي يوسف، ويقدر بمقدار ثلاث تسبيحات.
١٥ - إذا وجد المتيمم ماء قدر على استعماله وهو في الصلاة: تبطل الصلاة عند الحنابلة والحنفية بمجرد رؤية الماء، إلا أن الحنفية قالوا: تبطل إذا رأى الماء قبل القعود الأخير قدر التشهد، وإلا فلا تبطل؛ لأن الصلاة تكون قد تمت عندهم.
стр. 997
ولا تبطل الصلاة برؤية الماء عند المالكية والشافعية، إلا إذا كان عند المالكية ناسياً للماء الموجود معه، ثم تذكره، فتبطل الصلاة حينئذ إذا اتسع الوقت لإدراك ركعة من الصلاة بعد استعماله.
١٦ - القدرة على الساتر لعورته: إذا وجد العريان ثوباً ساتراً لعورته أثناء الصلاة واحتاج إلى عمل كثير لإحضاره، بطلت صلاته. إلا أن المالكية قالوا: لاتبطل إن كان بعيداً عنه أكثر من نحو صفين من صفوف الصلاة غير صفه، وإنما يكمل الصلاة، ويعيدها في الوقت فقط.
١٧ - أن يسلم عمداً قبل تمام الصلاة: فإن سلم سهواً، لم تبطل صلاته إذا لم يعمل عملاً كثيراً، ولم يتكلم كلاماً كثيراً على الخلاف السابق في بحث (السلام).
١٨ - المسائل الاثنتا عشرة عند أبي حنيفة خلافاً للصاحبين (١):
تفسد الصلاة عند الإمام أبي حنيفة ﵀ باثنتي عشرة مسألة وهي:
رؤية المتيمم الماء، وتمام مدة المسح على الخفين، وتعلم الأمي آية ما لم يكن مقتدياً بقارئ، ووجدان العاري ساتراً، وقدرة المومي على الركوع والسجود، وتذكر فائتة إن كان من أصحاب الترتيب (٢)، واستخلاف من لا يصلح إماماً كالمرأة، وطلوع الشمس في صلاة الفجر، وزوال الشمس في صلاة العيدين، ودخول وقت العصر في الجمعة، وسقوط الجبيرة عن برء، وزوال عذر المعذور.
стр. 998
ودليله أن هذه المذكورات مغيرة للفرض، فاستوى حدوثها في أول الصلاة وفي آخرها.
وقال الصاحبان: لا تفسد الصلاة بهذه المذكورا ت إن حدثت بعد الجلوس الأخير بقدر التشهد، عملاً بحديث ابن مسعود السابق: «إذا قلت هذا أوفعلت هذا، فقد تمت صلاتك» فإنه نص على أن تمام الصلاة بالقعود، فلا شيء يفترض بعد ذلك، وافتراضه زيادة على هذا النص، وهذه الأمور وإن كانت مفسدة للصلاة، إلا أنها حدثت بعد تمام الفرائض والأركان، فلا تفسد الصلاة.
وهناك مبطلات أخرى نادرة مذكورة فيما يأتي من آراء المذاهب.
ثانياً - مبطلات الصلاة في كل مذهب على حدة: مذهب الحنفية:
تبطل الصلاة بثمانية وستين سبباً (١):
الكلام ولو سهواً أو خطأ، والدعاء بما يشبه كلام الناس، مثل: اللهم ارزقني فلانة أو ألبسني ثوباً، والسلام بنية التحية ولو ساهياً، ورد السلام بلسانه أو بالمصافحة.
والعمل الكثير، وتحويل الصدر عن القبلة، وأكل شيء من خارج فمه ولو قل، وأكل ما بين أسنانه: وهو قدر الحِمَّصه، والشرب. ولو مضغ العلْك في الصلاة فسدت صلاته؛ لأن الناظر إليه من بُعْد لا يشك أنه في غير الصلاة.
والتنحنح بلا عذر، والتأفيف كنفخ التراب والتضجر والأنين والتأوه بأن يقول «آه»، وارتفاع البكاء من وجع أو مصيبة، لا من ذكر جنة أو نار.
стр. 999
وتشميت عاطس بقوله (يرحمك الله)، وجواب مستفهم عن شريك أو ندّ لله بقوله: (لا إله إلا الله) وعن خبر السوء بقوله: (إنا لله وإنا إليه راجعون) وعن بشارة بقوله: (الحمد لله) وعن تعجب بقوله: (لا إله إلا الله) أو (سبحان الله)، وكل شيء قصد به الجواب مثل: (يا يحيى خذ الكتاب) لمن طلب كتاباً ونحوه، وقوله: (آتنا غداءنا) لمستفهم عن شيء يأتي به، وقوله (تلك حدود الله فلا تقربوها) لمن استأذن في الأخذ. وإذا لم يرد بذلك الجواب، بل أراد الإعلام بأنه في الصلاة، لاتفسد.
ورؤية المتيمم ماء قدر على استعماله قبل قعوده قدر التشهد الأخير. وتمام مدة المسح على الخفين، ونزع الخف، وتعلم الأمي آية ما لم يكن مقتدياً، وقدرة المومي على الركوع والسجود، وتذكر فائتة إذا كان من أهل الترتيب، وكان الوقت متسعاً، واستخلاف من لا يصلح إماماً، ووجدان العاري ساتراً، وطلوع الشمس في الفجر، وزوالها في العيدين ودخول وقت العصر في الجمعة، وسقوط الجبيرة عن برء، وزوال عذر المعذور إذا حدث كل ذلك من المسائل الاثنتي عشرة قبل الجلوس الأخير قدر التشهد.
والحدث عمداً، أو بصنع غيره كوقوع ثمرة أدمته، والإغماء، والجنون، والجنابة بنظر أو احتلام نائم متمكن.
ومحاذاة المرأة المشتهاة للرجل بساقها وكعبها في الأصح، ولو محرماً له أو زوجة، أو عجوزاً شوهاء، في أداء ركن عند محمد، أو قدره عند أبي يوسف، في صلاة ذات ركوع وسجود، فلا تبطل صلاة الجنازة، إذ لا سجود لها، اشتركت معه بتحريمة باقتدائها بإمام، أو اقتدائها به، في مكان متحد، بلا حائل قدر ذراع أو فرجة تسع رجلاً، ولم يشر إليها لتتأخر عنه، فإن لم تتأخر بإشارته، فسدت
стр. 1000
صلاتها، لاصلاته، ولا يكلف بالتقدم عنها لكراهته. وأن يكون الإمام قد نوى إمامتها، فإن لم ينوها لا تكون في الصلاة، فلم تتحقق المحاذاة. فهذه شروط تسعة للمحاذاة المبطلة أوجزناها سابقاً بخمسة.
وظهور عورة من سبقه الحدث في ظاهر الرواية، ولو اضطر إليه ككشف المرأة ذراعها للوضوء، أو عورة الرجل بعد سبق الحدث، على الصحيح.
وقراءة من سبقه الحدث وهو ذاهب للوضوء أو عائد منه، لإتيانه بركن مع الحدث، ومكثه قدر أداء ركن بعد سبق الحدث مستيقظاً، بلا عذر، فلومكث لزحام أو لقطع رعاف، لا تبطل.
ومجاوزة ماء قريب لغيره بأكثر من صفين، وخروج المصلي من المسجد لظن الحدث، لوجود النافي بغير عذر، فإن لم يخرج من المسجد فلا تفسد.
وانصرافه عن مقامه للصلاة، ظاناً أنه غير متوضئ، أو أن مدة مسحه انقضت، أو أن عليه فائتة، أو نجاسة، وإن لم يخرج من المسجد.
وفتح المأموم على غير إمامه لتعليمه، بلا ضرورة. أما فتحه على إمامه فهو جائز، ولو قرأ المقدار المفروض في القراءة. وأخذ المصلي بفتح غيره، وامتثال أمر الغير في الصلاة.
والتكبير بنية الانتقال لصلاة أخرى غير صلاته، كما إذا نوى المنفرد الاقتداء بغيره، أوالعكس، أو انتقل بالتكبير من فرض لفرض، أو من فرض إلى نفل، وبالعكس. وذلك إذا حصل قبل القعود الأخير قدر التشهد، وإلا فلا تفسد على المختار، فإن عرض المنافي قبيل السلام بعد القعود، فالمختار صحة الصلاة؛ لأن الخروج منها بفعل المصلي واجب على الصحيح.
стр. 1001
ومدُّ الهمزة في التكبير، وقراءة ما لا يحفظه في المصحف، أو يلقنه غيره القراءة. وأداء ركن كركوع أو مضي زمن يسع أداء ركن مع كشف العورة أو مع نجاسة مانعة من الصلاة، وأن يسبق المقتدي إمامه بركن لم يشاركه فيه، ومتابعة المسبوق إمامه في سجود السهو بعد تأكد انفراده (١) (أي المسبوق) بأن قام إلى الإتيان بما فاته بعد سلام الإمام أو قبله بعد قعوده (أي الإمام) قدر التشهد (٢)، وقيد ركعته (أي المسبوق) بسجدة، فتذكر الإمام سجود سهو، فتابعه، فتفسد صلاته؛ لأنه اقتدى بعد وجود الانفراد ووجوبه.
وعدم إعادة الجلوس الأخير بعد أداء سجدة صلبية أو تلاوية تذكرها بعد الجلوس.
وعدم إعادة ركن أداه نائماً.
وقهقهة إمام المسبوق أو حدثه العمد، أي إذا قهقه الإمام وإن لم يتعمد، أو أحدث عمداً بعد قعوده قدر التشهد تمت صلاته، وصلاة المدرك خلفه، وفسدت صلاة المسبوق خلفه، لوقوع المفسد قبل تمام أركانه، إلا إذا قام قبل سلام إمامه وقيد الركعة بسجدة، لتأكد انفراده.
والسلام على رأس الركعتين في الرباعية أو الثلاثية، إذا ظن أنه مسافر أو يصلي غيرها، كأن كان يصلي الظهر، فظن أنه يصلي الجمعة أو التراويح، أو كان قريب عهد بالإسلام، فصلى الفرض ركعتين.
وتقدم المأموم على الإمام بقدمه، أما مساواته فلا تبطل.
стр. 1002
والقراءة بالألحان، وزلة القارئ أي اللحن في القراءة بما يغير المعنى، مثل: (فما لهم يؤمنون) بترك (لا) على الصحيح. فإن لم تغير المعنى مثل (وجزاء سيئة مثلها) بترك (سيئة) الثانية، لا تفسد.
ولا تفسد الصلاة بالنظر إلى مكتوب وفهمه، لعدم النطق بالكلام، ولا بأكل ما بين أسنانه بقدر الحمصة، لعسر الاحتراز عنه، ولا بمرور بين يدي المصلي في بيت أو مسجد كبير أو صغير، أو صحراء أو في مكان أسفل من موضع المصلي، ولو كان المار امرأة أو كلباً، وإن كان المرور بمحل السجود في الأصح مكروهاً، كما سبق بيانه.
مذهب المالكية:
تبطل الصلاة بحوالي ثلاثين سبباً (١) وهي:
رفض النية (أي تركها، وإبطالها وإلغاء وقطع ما فعله منها)، ترك ركن أو شرط من أركان وشروط الصلاة عمداً، وترك ركن سهواً حتى سلم وطال تركه عرفاً، زيادة ركن فعلي عمداً كركوع أو سجود، بخلاف زيادة ركن قولي كالقراءة، زيادة تشهد بعد الركعة الأولى أو الثالثة عمداً في حالة الجلوس.
القهقهة عمداً أو سهواً، تعمد أكل ولو لقمة بمضغها، أو شرب ولو قل، الكلام عمداً لغير إصلاح الصلاة، فإن كان لإصلاحها، فإن الصلاة تبطل بكثيره دون يسيره، التصويت عمداً، كصوت الغراب، النفخ بالفم عمداً، القيء عمداً، ولو كان قليلاً.
السلام عمداً حال الشك في تمام الصلاة، طروء ناقض للوضوء أو تذكره،
стр. 1003
كشف العورة المغلظة أو شيء منها، لا غيرها، طروء نجاسة على المصلي أو علمه بها أثناء الصلاة.
فتح المصلي على غير الإمام، الفعل الكثير عمداً أو سهواً الذي ليس من جنس الصلاة، كحك جسد وعبث بلحية ووضع رداء على كتف ودفع مارّ دفعاً قوياً وإشارة بيد، فإن كان الفعل قليلاً لم تبطل.
طروء شاغل عن إتمام فرض كاحتباس بول يمنع من الطمأنينة مثلاً، أو هم كثير أو غثيان (فوران النفس)، أو وضع شيء في فمه.
تذكر أولى الصلاتين المشتركتي الوقت في الصلاة الثانية، كالظهر والعصر. فإذا كان يصلي العصر، فتذكر أنه لم يصل الظهر، بطلت صلاته، لأنه يجب عليه ترتيبها.
زيادة أربع ركعات سهواً على الصلاة الرباعية ولو في السفر، أو على الثلاثية، وزيادة ركعتين على الثنائية كالصبح والجمعة، أو على الوتْر، وزيادة مثل النفل المحدود كالعيد والاستسقاء والكسوف.
سجود المسبوق الذي لم يدرك ركعة مع الإمام، سجود سهو، سواء أكان السجود قبل السلام أم بعده؛ لأن سجوده لا يلزم ذلك المسبوق؛ لأنه ليس بمأموم حقيقة، فسجوده معه محض زيادة في الصلاة. فإن أدرك معه ركعة بسجدتيها، سجد معه السجود القبلي، وقام لقضاء ما عليه بعد سلامه، وأخر السجود البَعْدي لتمام صلاته، فإن قدمه قبل إتمام ما عليه، بطلت صلاته.
السجود قبل السلام لترك سنة خفيفة كتكبيرة أو تسميعة، أو لترك مستحب أو فضيلة كالقنوت.
стр. 1004
ترك ثلاث سنن من سنن الصلاة سهواً، مع ترك السجود لها، حتى سلم، وطال الأمر عرفاً.
الردة، والاتكاء حال قيامه على حائط أو عصا لغير عذر، بحيث لو أزيل عنه متكَؤه، لسقط.
الجهل بالقبلة، وصلاة الفريضة في الكعبة أوعلى ظهرها، وتذكر المتيمم الماء في صلاته، واختلاف نية المأموم والإمام، وفساد صلاة الإمام بغير سهو.
مذهب الشافعية:
تبطل الصلاة بسبعة وعشرين سبباً وهي ما يأتي (١):
١، ٢ - طروء الحدث الأصغر أو الأكبر، ولو بلا قصد، واتصال النجاسة التي لا يعفى عنها بالبدن أو الملبوس، والمكان، إلا إن نحاها حالاً.
٣ - الكلام العمد الذي يخاطب به البشر بحرفين، أو حرف مفهم، ولو لمصلحة الصلاة، كما لو قال لإمامه إذا قام لركعة زائدة: لا تقم أو اقعد، أو هذه خامسة. أما كلام الله تعالى أو الذكر أو الدعاء فلا تبطل به الصلاة، كما لا تبطل بخطاب الرسول عند ذكره، قائلاً: (الصلاة والسلام عليك يا رسول الله)، أما لو نطق بالقرآن بقصد آخر، كأن استأذنه شخص في أخذ شيء، فقال: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ [مريم:١٢/ ١٩] فإن قصد القراءة، ولو مع التفهيم، لم تبطل صلاته، وإلا بطلت.
وكما لا تبطل الصلاة بالذكر والدعاء بلا خطاب لمخلوق غير النبي ﷺ ، لا
стр. 1005
تبطل بالتلفظ بقربة بلا تعليق ولا خطاب لمخلوق غير النبي كالنذر؛ لأنه من جنس الدعاء، ولا تبطل بالسكوت الطويل بلا عذر، لأنه لا يخل بنظم الصلاة.
ولو قرأ الإمام: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة:١/ ٥] فقال المقتدي: استعنا بالله، بطلت صلاته، إلا إن قصد بذلك الدعاء.
ولو قال: (صدق الله العظيم) لم تبطل صلاته؛ لأنه ثناء.
ومن المبطلات: البكاء والأنين والضحك والتنحنح إن ظهر فيه حرفان وإن لم يكونا مفهمين، والذكر والدعاء إن قصد به مخاطبة الناس، كقوله لإنسان: يرحمك الله.
٤ - تناول مفطر للصائم من أكل، أو شرب، قليل أو كثير، ولو بالإكراه إلا أن يكون الشخص في هذه الحالة جاهلاً تحريم ذلك.
٥ - الفعل الكثير المتوالي من غير جنس الصلاة، كثلاث خطوات وذهاب اليد وعودها ثلاث مرات، وحركة البدن كله، وقفزة، في غير صلاة شدة الخوف ونفل السفر، عمداً كان ذلك أو سهواً، إذ لا مشقة في الاحتراز عنه. أما الفعل القليل كتحريك أصابعه في سبحة، فلا يفسد، لخبرالصحيحين أنه ﷺ صلَّى وهوحامل أمامة، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
وكذلك لا تفسد الصلاة بالفعل الكثير إذا كان لشدة جرب، أو كان منفصلاً لاتوالي فيه.
٦، ٧، ٨ - القهقهة، والردة، والجنون في الصلاة.
٩، ١٠ - ترك استقبال القبلة حيث يشترط أي في غير صلاة الخوف، بتحول
стр. 1006
الصدر عنها، وكشف عورة عمداً مع القدرة على سترها، أو قهراً ولم يسترها حالاً، فإن كشفها الريح، فسترها في الحال، لم تبطل صلاته.
١١ - أن يجد من يصلي عارياً ثوباً بعيداً منه: بأن احتاج في المضي إليه إلى أفعال كثيرة، أو طالت مدة الكشف. أما لو كان قريباً منه: فإن استتر به حالاً بلا أفعال كثيرة دامت صلاته على الصحة، وإلا بطلت.
١٢ - فعل ركن من أركان الصلاة أو مضي زمن يسع ركناً، مع طروء الشك في النية، أو في شروط الصلاة كالطهارة، أو الشك في كيفية النية: هل نوى ظهراً أو عصراً مثلاً؟
١٣ - تغيير النية إلى صلاة أخرى، أي صرف الفرض إلى غيره: فلو قلب صلاته التي هو فيها صلاة أخرى عالماًَ عامداً بطلت صلاته، إلا إذا قلب فرضاً نفلاً مطلقاً ليدرك جماعة مشروعة، وهومنفرد، فسلم من ركعتين ليدركها، لم تبطل صلاته، بل يندب له القلب إن كان الوقت متسعاً، فإن ضاق الوقت حرم القلب. ولو قلبها نفلاً معيناً كركعتي الضحى لم تصح لافتقاره إلى التعيين حال النية، أو كانت الجماعة غير مشروعة، كما لو كان يصلي الظهر، فوجد من يصلي العصر، فلا يجوز له القلب، وكما لو كان الإمام ممن يكره الاقتداء به، فلا يندب القلب، بل يكره. ولو قام للركعة الثالثة من الثلاثية أو الرباعية لم يندب القلب، بل يباح، كما يباح ولا يندب لو كان في الركعة الأولى ولو من الصلاة الثنائية؛ لأن النفل المطلق يجوز فيه الاقتصار على ركعة.
١٤، ١٥، ١٦ - نية الخروج من الصلاة قبل تمامها أو العزم على قطعها، والتردد في قطع الصلاة والاستمرار فيها، وتعليق قطعها بشيء ولو كان محالاً في العادة كعدم قطع السكين، كأن قال بقلبه: إن جاء زيد، قطعت الصلاة. أما إن علق الخروج من الصلاة على محال عقلي، كالجمع بين الضدين، فلا يضر.
стр. 1007
١٧، ١٨، ١٩ - ترك ركن من أركان الصلاة ولو قولياً عمداً، فإن تركه سهواً لعذر لا تبطل ويتداركه، وتكرير ركن فعلي عمداً لتلاعبه، وتقديمه على غيره؛ لأن ذلك يخل بصورة الصلاة، أما تكرير الركن القولي عمداً كالفاتحة والتشهد وتقديمه على غيره، أو تكرير الركن الفعلي سهواً، فلا يفسد الصلاة على المعتمد.
٢١،٢٠ - ظهور بعض ما يستر بالخف من الرِجل، أو الخِرَق (جمع خرقة)، وخروج وقت مسحه، لبطلان بعض طهارته.
٢٢ - اقتداء بمن لا يقتدى به، لكفر أو غيره، ولو مع الجهل بحاله في بعض الصور، بأن اقتدى به بعد تحرّم صحيح.
٢٣ - تطويل ركن قصير عمداً: بأن يزيد في الاعتدال (الرفع من الركوع) على الدعاء الوارد فيه بقدر الفاتحة، أو أن يزيد في الجلوس بين السجدتين على الدعاء الوارد فيه بقدر التشهد.
ويستثنى من ذلك تطويل الاعتدال في الركعة الأخيرة من سائر الصلوات لأنه معهود في الصلاة في الجملة، كما في صلاة النازلة، وتطويل الجلوس بين السجدتين في صلاة التسابيح، كما سيأتي في النوافل.
٢٤ - سبق المأموم إمامه بركنين فعليين أو تأخره عنه بهما من غير عذر.
٢٥ - التسليم عمداً قبل محله.
٢٦ - تكرير تكبيرة الإحرام مرة ثانية بنية الافتتاح.
٢٧ - العود بعد الانتصاب للتشهد الأول عامداً عالماً بتحريمه؛ لأنه زاد قعوداً عمداً. فإن عاد ناسياً أنه في صلاة أو جاهلاً بتحريم العود، فلا تبطل في الأصح.
стр. 1008
مذهب الحنابلة:
عدوا مبطلات الصلاة بحوالي ستة وثلاثين وهي ما يأتي (١)، وهي تشبه كثيراً المبطلات عند الشافعية:
طروء ناقض للطهارة، واتصال نجاسة به إن لم يزلها حالاً، واستدبار القبلة حيث شرط استقبالها، وكشف عورة إلا إن كشفتها الريح فسترها حالاً، ووجود سترة بعيدة لعريان، واستناد قوي على شيء بلا عذر بحيث لو أزيل سقط.
ترك ركن مطلقاً، وترك واجب عمداً، وتعمد زيادة ركن فعلي كركوع، وتقديم بعض الأركان على بعض عمداً، ورجوعه للتشهد الأول بعد الشروع في القراءة إن كان عالماً ذاكراً للرجوع.
السلام عمداً قبل تمام الصلاة وسلام المأموم قبل إمامه عمداً، أو سهواً ولم يعده بعد سلام إمامه، والتلحين في القراءة لحناً يغير المعنى مع قدرته على إصلاحه، كضم تاء ﴿أنعمت﴾ [الفاتحة:٧/ ١].
فسخ النية بأن ينوي قطع الصلاة، والتردد في الفسخ، والعزم على الفسخ، وإن لم يفسخ بالفعل، والشك في النية هل نوى أوعين، وعمل عملاً مع الشك كأن ركع أو سجد، والشك في تكبيرة الإحرام.
مرور الكلب الأسود البهيم (٢) بين يدي المصلي، للحديث السابق الذي رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي ذر: «الكلب الأسود شيطان».
تسبيح ركوع وسجود بعد اعتدال، وجلوس وسؤال مغفرة بعد سجود، والدعاء بملاذ الدنيا كأن يسأل عروساً حسناء مثلاً.
стр. 1009
الكلام مطلقاً ولو قل، أو سهواً أو مكرهاً أو تحذيراً من مهلكة، والنطق بكاف الخطاب لغير الله تعالى ورسوله أحمد ﷺ ، والقهقهة مطلقاً، والتنحنح بلا حاجة، والنفخ إذا بان منه حرفان، والبكاء لغير خشية الله تعالى إذا بان منه حرفان، إلا إذا غلبه، وكلام النائم غير الجالس والقائم.
العمل المتوالي الكثير عادة من غير جنس الصلاة بلا ضرورة كخوف وهرب من عدو ونحوه، ولو سهواً أو جهلاً، ولا يقدر العمل اليسير بثلاث، ولا غيرها من العدد، وإشارة الأخرس كفعله.
الأكل والشرب إلا اليسير لناسٍ (ساهٍ) وجاهل، وبلع ذوب نحو سكر بفم أي ما يتحلل منه إلا إن كان يسيراً من ساه وجاهل.
ومن علم ببطلان الصلاة ومضى فيها أدّب.
ولا تبطل الصلاة بعمل يسير، أو كثير غير متوال، وكره بلا حاجة. ولا يشرع له سجود، ولا تبطل ببلع ما بين أسنان عمداً بلا مضغ، ولو لم يجر به ريق، ولايبطل النفل بيسير شرب عمداً، ولا بإطالة نظر لشيء، ولو لكتاب، وقرأ ما فيه بقلبه، ولا بعمل قلبي ولو طال (١)، فلا تبطل صلاة من غلبة وسواس على أكثرها، ولا تبطل إذا غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب وإن بان منها حرفان، ولا تبطل بكلام النائم القليل إذا كان نوماً يسيراً، وكان جالساً أو قائماً.
وتبطل الصلاة عند الحنابلة كما بينا في المقبرة وموضع الخلاء والحمام وفي أعطان الإبل (مباركها)، لقوله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة (٢)»
стр. 1010
وحديث «لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين» (١) والنهي يقتضي التحريم، ولأن بعض هذه الأماكن موضع نجاسة، أوتعري.
ثالثاً - ما تقطع الصلاة لأجله: قد يجب قطع الصلاة لضرورة، وقد يباح لعذر (٢).
أما ما يجب قطع الصلاة له لضرورة فهو ما يأتي:
١ - تقطع الصلاة ولو فرضاً باستغاثة شخص ملهوف، ولو لم يستغث بالمصلي بعينه، كما لو شاهد إنساناً وقع في الماء، أو صال عليه حيوان، أو اعتدى عليه ظالم، وهو قادر على إغاثته.
ولا يجب عند الحنفية قطع الصلاة بنداء أحد الأبوين من غير استغاثة؛ لأن قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة.
٢ - وتقطع الصلاة أيضاً إذا غلب على ظن المصلي خوف تردي أعمى، أو صغير أو غيرهما في بئر ونحوه. كما تقطع الصلاة خوف اندلاع النار واحتراق المتاع ومهاجمة الذئب الغنم؛ لما في ذلك من إحياء النفس أوالمال، وإمكان تدارك الصلاة بعد قطعها، لأن أداء حق الله تعالى مبني على المسامحة.
وأما ما يجوز قطع الصلاة له ولو فرضاً لعذر فهو ما يأتي:
١ - سرقة المتاع، ولو كان المسروق لغيره، إذا كان المسروق يساوي درهماً فأكثر.
стр. 1011
٢ - خوف المرأة على ولدها، أو خوف فوران القدر، أواحتراق الطعام على النار. ولو خافت القابلة (الداية) موت الولد أو تلف عضو منه، أو تلف أمه بتركها، وجب عليها تأخير الصلاة عن وقتها، وقطعها لو كانت فيها.
٣ - مخافة المسافر من اللصوص أو قطاع الطرق. ٤ - قتل الحيوان المؤذي إذا احتاج قتله إلى عمل كثير. ٥ - رد الدابة إذا شردت. ٦ - مدافعة الأخبثين (البول والغائط) وإن فاتته الجماعة.
٧ - نداء أحد الأبوين في صلاة النافلة، وهولا يعلم أنه في الصلاة، أما في الفريضة فلا يجيبه إلا للضرر، وهذا متفق عليه.
стр. 1012
الفَصْلُ الثَّامِن: النَّوافِل أو صَلاةُ التَّطوّع التطوع في الأصل: فعل الطاعة: وشرعاً وعرفاً، طاعة غير واجبة.
فصلاة التطوع: هي ما طلب فعلها من المكلف زيادة على الفرائض طلباً غير جازم. وتكمل به صلاة الفرض يوم القيامة، إن لم يكن المصلي أتمها، وفيه حديث صحيح مرفوع رواه أحمد في المسند (١)، وهو أن فريضة الصلاة والزكاة وغيرهما إذا لم تتم تكمل بالتطوع.
وحكمها: أنه يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها.
وهي إما أن تكون مستقلة عن الفرائض المكتوبة كصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والخسوف والتراويح. وقال الحنفية: صلاة العيدين واجبة، وقال الحنابلة: صلاة العيدين فرض كفاية.
وإما أن تكون تابعة للفرائض كالسنن القَبْلية والبَعْدية.
والنوافل جمع نافلة، والنفل والنافلة في اللغة: الزيادة، والتنفل: التطوع، وشرعاً: عبارة عن فعل مشروع ليس بفرض ولا واجب ولا مسنون (٢).
وعند
стр. 1013
الشافعية: النوافل: ما عدا الفرائض، سمي النفل بذلك لأنه زائد على ما فرضه الله تعالى (١). وقد ثبتت مشروعية النوافل بفعل النبي ﷺ . «روى مسلم عن ربيعة بن مالك الأسلمي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : سَلْ، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك، قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود».
وأفضل عبادات البدن: الصلاة، لقوله ﷺ : «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (٢) ولأنها تجمع من القرَب ما لا يجمع غيرها، من الطهارة واستقبال القبلة، والقراءة، وذكر الله ، والصلاة على رسول الله ﷺ ، ويمنع فيها من كل ما يمنع منه في سائر العبادات، وتزيد عليها بالامتناع عن الكلام، والمشي، وسائر الأفعال. وتطوعها أفضل التطوع (٣).
وللمذاهب الفقهية اصطلاحات في تقسيم النوافل، يحسن ذكرها في كل مذهب على حدة:
النوافل عند الحنفية:
تنقسم النوافل عند الحنفية قسمين: مسنونة ومندوبة (٤)، والسنة: هي
стр. 1014
المؤكدة التي واظب الرسول ﷺ على أدائها، ولم يتركها إلا نادراً، إشعاراً بعدم فرضيتها.
والمندوب: هو السنة غير المؤكدة التي فعلها الرسول ﷺ أحياناً وتركها أحياناً.
أولاً - السنن المؤكدة: هي ما يأتي:
١ - ركعتان قبل صلاة الفجر (الصبح)، وهما آكد (آقوى) السنن، لقوله ﷺ : «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (١)، وقالت عائشة: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر» (٢).
وبناء عليه قالوا: لا يجوز أن يؤديهما قاعداً أو راكباً بدون عذر. ولا يقضى شيء من السنن سوى الفجر، إذا فاتت معه، وقضاه من يومه قبل الزوال، فإن صلى الفرض وحده، لا يقضيان. ووقتهما وقت صلاة الصبح. والسنة أن يقرأ في أولاهما سورة الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص. وأن يصليهما في بيته في أول الوقت. وإذا قامت صلاة الجماعة لفرض الصبح قبل أن يصليهما: فإن أمكنه إدراكهما بعد صلاتهما ولو في الركعة الثانية، فعل، وإلا تركهما، وأدرك الجماعة، ولا يقضيهما بعد ذلك. والإسفار بسنة الفجر أفضل.
٢ - أربع ركعات قبل صلاة الظهر أو قبل الجمعة، بتسليمة واحدة، لحديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل
стр. 1015
الغداة» (١) أي سنة الفجر. وهذه آكد السنن بعد سنة الفجر، ثم الكل الباقي سواء.
ترتيب أفضلية النوافل: تبين مما ذكر أن آكد السنن: سنة الفجر اتفاقاً، ثم الأربع قبل الظهر في الأصح، ثم الكل سواء.
٣ - ركعتان بعد الظهر، ويندب أن يضم لها ركعتين، وأربع بعد الجمعة بتسليمة واحدة، لقوله ﷺ بالنسبة للظهر: «من صلى أربع رَكَعات قبل الظهر، وأربعاً بعدها، حرَّمه الله على النار» (٢)، ولأن النبي ﷺ «كان يركع من قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن، وأربعاً بعدها» (٣).
٤ - ركعتان بعد المغرب: ويسن إطالة القراءة فيهما، كما كان رسول الله ﷺ يفعل.
٥ - ركعتان بعد فرض العشاء: والدليل على تأكد هذه السنن قوله ﷺ : «من صلَّى في يوم وليلة ثِنْتَي عشرة ركعة سوى المكتوبة بنى الله له بيتاً في الجنة» (٤) ولفظ مسلم: «من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بُني له بهن بيت في الجنة» ورواية الترمذي: «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، بني له بيت في الجنة: أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر» وذكر النسائي «ركعتين قبل العصر» ولم يذكر ركعتين بعد العشاء».
стр. 1016
ومشروعية السنن القبلية لقطع طمع الشيطان: بأن يقول: إنه لم يترك ما ليس بفرض، فكيف يترك ما هو بفرض؟ والسنن البَعْدية لجبر النقصان أي ليقوم في الآخرة مقام ما ترك منها لعذر كنسيان.
٦ - صلاة التراويح: التراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء لمواظبة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين عليها، ويسن فيها الجماعة، بدليل أن النبي ﷺ صلاها جماعة في رمضان في ليالي الثالث والخامس والسابع والعشرين، ثم لم يتابع خشية أن تفرض على المسلمين، وكان يصلي بهم ثمان ركعات، ويكملون باقيها في بيوتهم، فكان يسمع لهم أزيز كأزيز النحل (١).
ووقتها: في رمضان بعد صلاة العشاء إلى الفجر، قبل الوتر وبعده في الأصح عند الحنفية. ويستحب تأخيرها إلى ثلث الليل أو نصفه، ولا تكره بعده في الأصح عند الحنفية. ولا تقضى عندهم إذا فاتت أصلاً، فإن قضاها، كانت نفلاً مستحباً، وليس بتراويح، كسنة مغرب وعشاء؛ لأن القضاء من خصائص الواجبات كالوتر والعيدين.
والجماعة فيها سنة على الكفاية في الأصح، فلو تركها أهل مسجد أثموا، وكل ما شرع بجماعة، فالمسجد فيه أفضل، والمتخلف عن الجماعة إذا أقامها البعض تارك للفضيلة؛ لأن أفراد الصحابة روي عنهم التخلف.
وتؤدى أيضاً فرادى، والأفضل فيها الجماعة، ويسن أن يختم فيها القرآن كله مرة خلال شهر رمضان. وإذا مل الناس سن قراءة ما تيسر من القرآن بقدر ما لا يثقل عليهم، كآية طويلة أو ثلاث قصار، ولا يكره الاقتصار على آية أو آيتين،
стр. 1017
بشرط الترتيل، والاطمئنان في الركوع والسجود مع التسبيح، ولا يترك دعاء الثناء والتعوذ والصلاة على النبي ﷺ في كل تشهد.
وعدد ركعاتها عشرون ركعة، تؤدى ركعتين ركعتين، يجلس بينهما، مقدار الترويحة، بعشر تسليمات ثم يوتر بعدها، ولا يصلى الوتر بجماعة في غير شهر رمضان. ودليلهم على العدد فعل عمر ﵁ كما أخرج مسلم في صحيحه، حيث إنه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد، ووافقه الصحابة على ذلك، ولم يخالفهم بعد الراشدين مخالف، وقد قال النبي ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (١). وأخرج البيهقي عن ابن عباس «كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر» (٢). وقد سئل أبو حنيفة عما فعله عمر ﵁ فقال: التراويح سنة مؤكدة، ولم يتخرجه عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه، وعهد من رسول الله ﷺ .
لكن قال بعض أهل الحديث: إن العدد الثابت عنه ﷺ في صلاته في رمضان هو ثمان ركعات، بدليل ما أخرجه البخاري وغيره عن عائشة أنها قالت: «ماكان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث جابر أنه ﷺ : «صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر» (٣).
ثانياً - أما المندوب أو السنن غير المؤكدة: فهي ما يأتي، ولا يعني كونها غير مؤكدة تركها، بل كان النبي ﷺ يصليها غالباً، ويتركها أحياناً:
стр. 1018
١ - ركعتان أخريان إلى سنة الظهر البعدية، كما بينا.
٢ - أربع ركعات قبل العصر بتسليمة واحدة، لقوله ﷺ : «رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر» (١). أما جواز صلاة ركعتين فقط قبل العصر، فيشملها حديث «بين كل أذانين صلاة» (٢).
٣ - أربع ركعات قبل صلاة العشاء وأربع بعدها بتسليمة واحدة، لما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي قبل العشاء أربعاً، ثم يصلي بعدها أربعاً، ثم يضطجع (٣).
وإن شاء اقتصر على الركعتين المؤكدتين بعدها، عملاً بالحديث السابق: «من ثابر على ثنتي عشر ركعة … ».
٤ - صلاة الأوابين (٤): وهي ست ركعات بعد المغرب، بتسليمة أو ثنتين أو ثلاث، والأول أدوم وأشق، لقوله تعالى: ﴿فإنه كان للأوابين غفوراً﴾ [الإسراء:١٧/ ٢٥]، ولما روي عن عمار بن ياسر: «من صلى بعد المغرب ست ركعات، غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبَد البحر» (٥).
واستحب الكمال بن الهمام كالشافعية والحنابلة ركعتين خفيفتين قبل المغرب لخبر الصحيحين عن عبد الله المزني: «صلوا ركعتين قبل المغرب» ثم قال في الثالثة: (لمن شاء) وهذه النوافل تابعة للفرائض، أما النوافل المستقلة فهي ما يأتي:
стр. 1019
٥ - صلاة الضحى: وهي أربع ركعات على الصحيح إلى ثمانية، وأقلها ركعتان، ووقتها من بعد طلوع الشمس قدر رمح أي حوالي ثلث أو نصف ساعة إلى قبيل الزوال، لحديث عائشة: «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربع ركعات، لا يفصل بينهن بكلام» (١) ورواية مسلم: «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله» وثبت في الصحيحين من رواية أبي هريرة «وركعتي الضحى» ووقتها المختار: بعد ربع النهار.
٦ - ركعتا الوضوء قبل جفافه للحديث السابق: «ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه، إلا وجبت له الجنة» (٢).
٧ - تحية المسجد: يندب ركعتان لمن دخل المسجد تحية لرب المسجد، لقوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين» (٣). يصليهما عند الحنفية في غير وقت الكراهة، وأداء الفرض أو غيره ينوب عنهما بلا نية. وتكفيه لكل يوم مرة إذا تكرر دخوله لعذر، ولا تسقط بالجلوس عندهم، لحديث ابن حبان في صحيحه: «يا أبا ذر، إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما» وأما الحديث السابق: «إذا دخل أحدكم .. » فهو بيان للأولى.
ويستثنى من المساجد المسجد الحرام، فإن تحيته الطواف.
ومن لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو غيره يقول ندباً كلمات التسبيح الأربع: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر).
стр. 1020
٨ - صلاة التهجد (الليل): يندب الصلاة ليلاً خصوصاً آخره، وهي أفضل من صلاة النهار، لقوله تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة:١٧/ ٣٢] وقوله سبحانه: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة:١٦/ ٣٢]، ولقوله ﷺ فيما روى مسلم في صحيحه - «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وروى الطبراني مرفوعاً: «لابد من صلاة بليل، ولو حلب شاة، وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل»، وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : «عليكم بصلاة الليل، فإنها دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم».
وعدد ركعاتها من ركعتين إلى ثمانية.
ويندب إحياء ليالي العيدين (الفطر والأضحى)، وليالي العشر الأخير من رمضان لإحياء ليلة القدر، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، ويكون بكل عبادة تعم الليل أو أكثره، للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك (١).
ويندب الإكثار من الاستغفار بالأسحار، وسيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء (أعترف) لك بنعمتك، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنب إلا أنت).