الخاتمة
بعد هذا العرض الموجز للقومية يتضح لنا بجلاء أنها أبعد ما تكون عن الحقيقة وأنها لا يمكن أن تتم عليها المودة والرحمة واجتماع الكلمة وأنها جاهلية أوروبية ورثها المتطفلون على الحياة الأوروبية وذهبوا يحاولون تجميل وجهها القبيح ويزخرفون القول فيها لتجتمع عليها الكلمة ولتحل محل الدين وأبلوا في ذلك بلاء لا يحمدون ولا يشكرون عليه وما هي إلا لعبة سياسية ومقصد يراد من ورائه أهدافا ومكاسب وقد جربتها أوروبا وتبين لهم أنها تفسد أكثر مما تصلح فنبذوها وقد تلقفها اليهود والنصارى وقدموها في شعارات براقة للعرب ليكملوا بها تفريق الكلمة والابتعاد عن الدين – وخصوصا الإسلام – وبعبارة أخرى نقول لو كانت القومية فيها خير وجمع للكلمة لوحدت – أقل ما يمكن – بين قلوب العرب المتنافرة بل ولو كانت كذلك لكان كل عربي يلهج بذكرها وتمجيدها خصوصا في أيامنا هذه وهي أيام نحس وحزن على العرب كلهم وهم يواجهون تهديدات الدول الكبرى في اكتساح العراق وغيره من بلدان العالم بقيادة أمريكا وبريطانيا وإسرائيل ولو كان ساسة العرب النابهين منهم يعلمون أن في الدعوة إلى القومية - العربية - فيه أدنى نفع للعرب فضلا عن غيرهم لملأوا الدنيا صياحا وعويلا على وجوب التزام القومية والعمل تحت لوائها ولكنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنها بضاعة مزجاة لا تصلح إلا للاستهلاك اليومي.
وكذلك أيضا الدول الكبرى قد اطمأنوا تماما ووثقوا من إحكام الفرقة بين العرب وبين غيرهم فلا يرون ضرورة للمناداة باسم القومية العربية فلهذا لم نعد نسمع التقديس للقومية الذي كان في زمن من قبلنا من دعاة القومية وآخرهم جمال عبد الناصر بل إسرائيل وأمريكا وسائر الكفار لا يريدون أن تطل دعوة القومية العربية برأسها لأن مصلحتهم تقتضي عدم ذلك في الوقت الحاضر ولأنها قد أتت ثمارها سابقا حينما قضوا بها على الخلافة الإسلامية في تركيا ممثلة في الحكم العثماني وبذلك يتبين أن كثيرا من دعاة القومية من العرب ومن غيرهم إنما هم ببغاوات يرددون ما يسمعونه حرفيا من مدربيهم رؤساء الكفر والضلال إذ لا يغيرون حتى كلمات العبارات.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٦٧
стр. 317
مراجع للتوسع
ـ القومية العربية تاريخها وقوامها، مصطفى الشهابي.
ـ اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية، ساطع الحصري.
ـ العروبة أولاً، ساطع الحصري.
ـ الإقليمية جذورها وبذورها، ساطع الحصري.
ـ قضية العرب، علي ناصر.
ـ القومية العربية، د. أبو الفتوح رضوان.
ـ أرض العروبة، عبد الحي حسن العمراني.
ـ بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية، أبو الأعلى المودودي.
ـ تطور المفهوم القومي عند العرب، أنيس صائغ.
ـ حقيقة القومية العربية، محمد الغزالي.
ـ دراسات تاريخية عن أصل العرب وحضارتهم الإنسانية، د. محمد معروف الدواليبي.
ـ الشعوبية الجديدة، محمد مصطفى رمضان.
ـ محنة القومية العربية، أركان عبادي.
ـ معنى القومية العربية، جورج حنا.
ـ نشوء القومية العربية، زين نور الدين زين.
ـ نقد القومية العربية، الشيخ عبد العزيز بن باز.
ـ يقظة العرب، ترجمة د. ناصر الدين الأسد، د. إحسان عباس.
ـ فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام، صالح بن عبد الله العبود.
ـ نشأة الحركة العربية الحديثة، محمد عزة دروزة.
ـ حول القومية العربية، عبد المجيد عبد الرحيم.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
١ - " فكرة القومية العربية في ضوء الإسلام " الشيخ صالح بن عبد الله العبود.
٢ - " حركات ومذاهب في ميزان الإسلام " الطبعة العاشرة سنة ١٤٠٣هـ فتحي يكن.
٣ - "الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها " جمعة الخولي.
٤ – "محمد والقومية العربية" – علي حسني خربوطلي.
٥ - "مذاهب فكرية معاصرة" – محمد قطب.
٦ – " نقد القومية العربية" – الشيخ عبد العزيز بن باز.
٧ - " القومية في نظر الإسلام " – محمد أحمد باشميل.
٨ - "الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام" – منير محمد نجيب.
٩ – " في الشعوبية " – إسماعيل العرفي.
١٠ - " الشعوبية الجديدة " – محمد مصطفى رمضان.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٦٨
стр. 318
أولا: التعريف
حزب البعث حزب قومي علماني، يدعو إلى الانقلاب الشامل في المفاهيم والقيم العربية لصهرها وتحويلها إلى التوجه الاشتراكي، شعاره المعلن (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) وهي رسالة الحزب، أما أهدافه فتتمثل في الوحدة والحرية والاشتراكية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 319
ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات
في سنة ١٩٣٢م عاد من باريس قادماً إلى دمشق كل من ميشيل عفلق (نصراني ينتمي إلى الكنيسة الشرقية)، وصلاح البيطار (سني) وذلك بعد دراستهم العالية محملين بأفكار قومية وثقافة أجنبية.
ـ عمل كل من عفلق والبيطار في التدريس، ومن خلاله أخذا ينشران أفكارهما بين الزملاء والطلاب والشباب.
ـ أصدر التجمع الذي أنشأه عفلق والبيطار مجلة الطليعة مع الماركسيين سنة ١٩٣٤م وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم (جماعة الإحياء العربي).
ـ في نيسان ١٩٤٧م تم تأسيس الحزب تحت اسم (حزب البعث العربي)، وقد كان من المؤسسين: ميشيل عفلق، صلاح البيطار، جلال السيد، زكي الأرسوزي كما قرروا إصدار مجلة باسم البعث.
ـ كان لهم بعد ذلك دور فاعل في الحكومات التي طرأت على سوريا بعد الاستقلال سنة ١٩٤٦م وهذه الحكومات هي:
١ ـ حكومة شكري القوتلي: من ١٩٤٦م وحتى ٢٩/ ٣/١٩٤٩م.
٢ ـ حكومة حسني الزعيم: استلم السلطة عدة شهور من سنة ١٩٤٩م.
٣ ـ حكومة اللواء سامي الحناوي: بدأ حكمه وانتهى في نفس عام ١٩٤٩م.
٤ ـ حكومة أديب الشيشكلي: استمر حكمه حتى سنة ١٩٥٤م.
٥ ـ حكومة شكري القوتلي: عاد إلى الحكم مرة ثانية واستمر إلى توقيع اتفاقية الوحدة مع مصر سنة ١٩٥٨م.
٦ ـ حكومة الوحدة برئاسة جمال عبد الناصر: ١٩٥٨ـ ١٩٦١م.
٧ ـ حكومة الانفصال برئاسة الدكتور ناظم القدسي: وقد دام الانفصال من ٢٨/ ٩/١٩٦١م وحتى ٨/ ٣/١٩٦٣م. وقد قاد حركة الانفصال عبد الكريم النحلاوي.
منذ ٨/ ٣/١٩٦٣م وإلى اليوم فقد وقعت سوريا تحت حكم حزب البعث، وقد مرت هذه الفترة بعدة حكومات بعثية هي:
ـ حكومة قيادة الثورة: ١٩٦٣م وفيها برز صلاح البيطار كرئيس للوزراء.
ـ حكومة أمين الحافظ: من ١٩٦٣م وحتى ١٩٦٦م.
ـ حكومة نور الدين الأتاسي: ١٩٦٦م ـ ١٩٧٠م حيث لعبت القيادة القطرية للحزب دوراً بارزاً في الحكم، وقد برز في هذه الفترة كل من صلاح جديد الذي عمل أميناً عاماً للقيادة القطرية وحافظ الأسد الذي عمل وزيراً للدفاع.
ـ حكومة حافظ الأسد: من سنة ١٩٧٠م وإلى يومنا هذا.
· ومن الشخصيات السورية البارزة التي ظهرت في تاريخ الحزب:
ـ سامي الجندي: تقلد منصب وزير الإعلام بعد انقلاب ١٩٦٣م.
ـ حمود الشوفي: عمل سكرتيراً عاماً للقيادة القطرية الأولى إلا أنه انشق وجماعته عن الحزب في آذار سنة ١٩٦٤م، وهو الآن في العراق.
ـ منيف الرزاز: (أردني سني) عمل سكرتيراً عاماً للقيادة القومية للحزب من نيسان ١٩٦٥م إلى شباط ١٩٦٦م.
ـ مصطفى طلاس: (سني): ولد سنة ١٩٣٢م، درس في الكلية العسكرية بحمص، انضم إلى الحزب في سنة ١٩٤٧م وعمل رئيساً لمحكمة الأمن القومي للمنطقة الوسطى من ١٩٦٣م، ورئيس أركان اللواء المدرع الخامس من ١٩٦٤م ـ ١٩٦٦م ورئيس الأركان للقوات المسلحة من شباط ١٩٦٨م ونائب وزير الدفاع من ١٩٦٨ـ ١٩٧٢م وفي آذار ١٩٧٣م وصار وزيراً للدفاع.
ـ اللواء يوسف شكور: خلف مصطفى طلاس في رئاسة الأركان وهو من منطقة حمص.
ـ اللواء ناجي جميل: من دير الزور، كان قائداً لسلاح الجو من تشرين الثاني ١٩٧٠م وحتى آذار ١٩٧٨م.
ـ سليم حاطوم: حاول أن يقود انقلاباً عام ١٩٦٦م لكنه فشل في ذلك. وقد أعدم في عام ١٩٦٧م.
ـ زكي الأرسوزي: (من لواء إسكندرون) مؤسس مع ميشيل عفلق ومنافس له.
ـ شبلي العيسمي: ولد عام ١٩٣٠م، عمل وزيراً للإصلاح الزراعي ثم وزيراً للمعارف، ثم وزيراً للثقافة والإرشاد القومي ١٩٦٣مـ ١٩٦٤م ونائباً للأمين العام لحزب البعث ١٩٦٥م.
ـ عبد الكريم الجندي: من أنصار صلاح جديد، انتهى منتحراً عام ١٩٦٩م.
ـ سليمان العيسى: (من لواء إسكندرون) منظّر ومفكّر وشاعر.
стр. 320
ـ أحمد الخطيب: استلم رئاسة الجمهورية من تشرين الثاني ١٩٧٠م واستقال في شباط ١٩٧١م وهي الفترة الانتقالية بين حكومة نور الدين الأتاسي وحكومة حافظ الأسد، وقد كان عضو القيادة القطرية الموسعة من ١٩٦٥م كما استلم رئاسة مجلس الشعب لفترة قصيرة.
ـ يوسف زعين: مولود في البوكمال ١٩٣١م طبيب، عمل وزيراً للإصلاح الزراعي ١٩٦٣ـ ١٩٦٤م، وسفيراً في بريطانيا، وفي ١٩٦٥م انتخب عضواً في القيادة القطرية، ومن شباط ١٩٦٦م إلى تشرين الأول ١٩٦٨م، كان رئيساً للوزراء حتى عام ١٩٧٠م.
ـ جلال السيد: عضو مؤسس في حزب البعث وهو من مدينة دير الزور وقد ترك الحزب لكنه بقي نشيطاً في السياسة السورية.
ـ عبد الحليم خدام: ولد ١٩٣٢م في بانياس، خريج كلية الحقوق بدمشق تنقل في عدة وظائف حيث عمل محافظاً لمدينة حماة ومحافظاً لمدينة القنيطرة ومحافظاً لمدينة دمشق ١٩٦٤م ووزيراً للاقتصاد ١٩٦٩م ووزيراً للخارجية من ١٩٧٠م وهو عضو القيادة القطرية منذ عام ١٩٦٩م وقد ارتقى عام ١٩٨٤م ليكون نائب رئيس الجمهورية للشؤون السياسية.
ـ حافظ الأسد: ولد بالقرداحة من قرى اللاذقية سنة ١٩٣٠م، تخرج في الكلية العسكرية بحمص ١٩٥٥م عمل قائداً لقاعدة الضمير الجوية ١٩٦٣م، وقائداً لسلاح الطيران ١٩٦٤م، انضم إلى المجلس الوطني لقيادة الثورة ١٩٦٥م، انضم إلى صلاح جديد في انقلاب ١٩٦٦م وصار وزيراً للدفاع من ١٩٦٦م إلى ١٩٧٠م. ومن تشرين الثاني ١٩٧٠م صار رئيساً للجمهورية بعد قيادته الحركة التغييرية التي أوصلته إلى السلطة.
ـ زهير مشارقة من حلب، عين مؤخراً نائب رئيس الجمهورية لشؤون الحزب.
- لقد اندمج في سنة ١٩٥٣م كل من (حزب البعث) و (الحزب العربي الاشتراكي) الذي كان يقوده أكرم الحوراني في حزب واحد أسمياه (حزب البعث العربي الاشتراكي).
أما عن الجناح العراقي من حزب البعث فقد استولى على السلطة في العراق بعد أحداث دامية سارت على النحو التالي:
- استيلاء حزب البعث على ناصية الحكم في العراق:
ـ في الرابع عشر من شهر يوليو عام ١٩٥٨م دخل لواء بقيادة عبد السلام عارف إلى بغداد قادماً من الأردن واستولى على محطة الإذاعة وأعلن الثورة على النظام الملكي وقتل الملك فيصل الثاني وولي عهده عبد الإله ونوري السعيد وأعوانه وأسقط النظام الملكي وبذلك انتهى عهد الملك فيصل ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية.
ـ وفي اليوم الرابع والعشرين من شهر يوليو عام ١٩٥٨م أي بعد عشرة أيام من نشوب الثورة وصل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وزعيمه إلى بغداد وحاول إقناع أركان النظام الجديد بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر) ولكن الحزب الشيوعي العراقي أحبط مساعيه ونادى بعبد الكريم قاسم زعيماً أوحد للعراق.
ـ وفي اليوم الثامن من شهر فبراير لعام سنة ١٩٦٣م قام حزب البعث بانقلاب على نظام عبد الكريم قاسم وقد شهد هذا الانقلاب قتالاً شرساً دار في شوارع بغداد، وبعد نجاح هذا الانقلاب تشكلت أول حكومة بعثية، وسرعان ما نشب خلاف بين الجناح المعتدل والجناح المتطرف من حزب البعث فاغتنم عبد السلام عارف هذه الفرصة وأسقط أول حكومة بعثية في تاريخ العراق في ١٨ نوفمبر سنة ١٩٦٣م وعين عبد السلام عارف أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين المعتدلين نائباً لرئيس الجمهورية.
ـ في شهر فبراير سنة ١٩٦٤م أوصى ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين عضواً في القيادة القطرية لفرع حزب البعث العراقي.
ـ في شهر سبتمبر سنة ١٩٦٦م قام حزب البعث العراقي بالتحالف مع ضباط غير بعثيين بانقلاب ناجح أسقط نظام عارف.
стр. 321
ـ وفي اليوم الثلاثين من شهر يوليو عام ١٩٦٨م طرد حزب البعث كافة من تعاونوا معه في انقلابه الناجح على عبد السلام عارف وعين أحمد حسن البكر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً للجمهورية وقائداً عاماً للجيش وأصبح صدام حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤولاً عن الأمن الداخلي.
ـ وفي ١٥ أكتوبر سنة ١٩٧٠م تم اغتيال الفريق حردان التكريتي في مدينة الكويت وكان من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي وعضواً في مجلس قيادة الثورة ونائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للدفاع.
ـ وفي شهر نوفمبر من عام ١٩٧١م تم اغتيال السيد فؤاد الركابي وكان المنظّر الأول للحزب وأحد أبرز قادته في العراق وقد تم اغتياله داخل السجن.
ـ وفي ٨ يوليو سنة ١٩٧٣م جرى إعدام ناظم كزار رئيس الحكومة وجهاز الأمن الداخلي وخمسة وثلاثين شخصاً من أنصاره وذلك في أعقاب فشل الانقلاب الذي حاولوا القيام به.
ـ وفي السادس من شهر مارس عام ١٩٧٥م وقّعت الحكومة البعثية العراقية مع شاه إيران الاتفاقية المعروفة باتفاقية الجزائر وقد وقعها عن العراق صدام حسين وتقضي الاتفاقية المذكورة بأن يوافق العراق على المطالب الإقليمية للشاه في مقابل وقف الشاه مساندته للأكراد في ثورتهم على النظام العراقي.
ـ في شهر أكتوبر لعام ١٩٧٨م طردت الحكومة البعثية الخميني من العراق وقامت في شهر فبراير عام ١٩٧٩م الثورة الخمينية في إيران.
ـ وفي شهر يونيو عام ١٩٧٩م أصبح صدام حسين رئيساً للجمهورية العراقية بعد إعفاء البكر من جميع مناصبه وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزله.
ـ في يوليو سنة ١٩٧٩م قام صدام حسين بحملة إعدامات واسعة طالت ثلث أعضاء مجلس قيادة الثورة وأكثر من خمسمائة عضو من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي.
ـ وفي اليوم الثامن من شهر أغسطس من العام نفسه أقدم صدام حسين على إعدام غانم عبد الجليل وزير التعليم ومحمد محجوب وزير التربية ومحمد عايش وزير الصناعة وصديقه الحميم عدنان الحمداني والدكتور ناصر الحاني سعيد، ثم قتل مرتضى سعيد الباقي تحت التعذيب، وقد سبق لكل من الأخيرين أن شغلا منصب وزير الخارجية، وقد بلغ عدد من أعدمهم صدام حسين خلال أقل من شهر واحد ستة وخمسين مسؤولاً حزبياً، ولم يبق على قيد الحياة من الذين شاركوا في انقلاب عام ١٩٦٨م سوى عزت إبراهيم الدوري وطه ياسين رمضان وطارق حنا عزيز.
ـ وفي اليوم التاسع من شهر إبريل عام ١٩٨٠م قام صدام حسين بإعدام محمد باقر الصدر أحد أبرز علماء الشيعة وأخته زينب الصدر المعروفة باسم (بنت الهدى).
ـ وفي يوم ٢٢ سبتمبر سنة ١٩٨٠م شن صدام حسين حربه على إيران التي أسفرت عن سقوط ما يقارب نصف المليون من أزاهير شباب العراق فضلاً عن سبعمائة ألف من المعاقين والمشوهين، إضافة إلى نفقات الحرب التي تجاوزت المائتي ألف مليون من الدولارات وكذلك تجميد كل تنمية طوال مدة زمنية تجاوزت الثماني سنوات، خرج صدام بعد كل هذه التضحيات ليعلن للعالم أن حربه مع إيران كانت خطأ وأن الحق كل الحق في العودة إلى الاتفاقية المبرمة بينهما ـ اتفاقية الجزائر ـ.
ـ وفي أثناء حربه مع إيران أنزل بالمواطنين الأكراد أبشع أنواع القتل والبطش والتنكيل والإبادة باستخدام الغازات السامة والكيماوية.
ـ وفي ٢ أغسطس سنة ١٩٩٠م (١١ محرم سنة ١٤١١هـ) قام باجتياح دولة الكويت واستباحة أرضها وطرد شعبها، إلى أن تم تحريرها.
ـ قامت أمريكا أخيرًا بإسقاط صدام ونظامه البعثي، واحتلت العراق، ونصبت حكومة علمانية موالية لها؛ وسط مقاومة عظيمة من الشعب العراقي السني المسلم.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 322
ثالثا: سلوكيات ومبادئ حزب البعث العراقي
نادى مؤسس الحزب بضرورة الأخذ بنظام الحزب الواحد لأنه كما يقول: (إن القدر الذي حمّلنا هذه الرسالة خولنا أيضاً حق الأمر والكلام بقوة والعمل بقسوة) لفرض تعليمات الحزب ومن ثم لا يوجد أي مواطن عراقي يتمتع بأبسط قدر من الحرية الشخصية أو السياسية فكل شيء في دولة حزب البعث العراقي يخضع لرقابة بوليسية صارمة، تشكل دوائر المباحث والمخابرات والأمن قنوات الاتصالات الوحيدة بين المواطنين والنظام.
ـ تركيز سياسة الحزب على قطع كافة الروابط بين العروبة والإسلام، والمناداة بفصل الدين عن السياسة، والمساواة في نظرتها للأمور بين شريعة حمورابي وشعر الجاهلية وبين دين محمد عليه والصلاة والسلام وبين ثقافة المأمون وجعلها جميعاً تتساوى في بعث الأمة العربية وفي التعبير عن شعورها بالحياة.
ـ ادّعت سياسة الحزب أن تحقيق الاشتراكية شرط أساسي لبقاء الأمة العربية ولإمكان تقدمها، مع أن النتيجة الحتمية للسياسة الاشتراكية التي طبقت في العراق لم تجلب الرخاء للشعب ولم ترفع مستوى الفقراء ولكنها ساوت الجميع في الفقر، وبعد أن كان العراق قمة في الثراء ووفرة الموارد والثروات أصبح بطيش حزب البعث عاجزاً عن توفير القوت الأساسي لشعبه.
ـ قيامه بتجريد الدستور العراقي من كل القوانين التي تمت إلى الإسلام بصلة، وأصبحت العلمانية هي دستور العراق ومعتقدات البعث ومبادئه هي مصدر التشريع لقوانينه.
ـ ورد في التقرير المركزي للمؤتمر القطري التاسع والمنعقد في بغداد في شهر يونيو من عام ١٩٨٢م ما يلي:
(وأما الظاهرة الدينية في العصر الراهن فإنها ظاهرة سلفية ومتخلفة في النظرة والممارسة).
(ومن الأخطاء التي ارتكبت في هذا الميدان أن بعض الحزبيين صاروا يمارسون الطقوس الدينية وشيئاً فشيئاً صارت المفاهيم الدينية تغلب على المفاهيم الحزبية).
(إن النضال ضد هذه الظاهرة ـ يقصد الظاهرة الدينية ـ يجب أن يستهدفها (الحزب) حيث وجدت .. لأنها كلها تعبر عن موقف معادٍ للشعب وللحزب وللثورة وللقضية القومية).
ـ حزب البعث العربي الاشتراكي حزب قومي علماني انقلابي له طروحات فكرية متعددة يتعذر الجمع بينها أحياناً فضلاً عن الإقناع بها، لقد كُتِبَ عنه كثيراً وتحدث زعماؤه طويلاً، ولكن هناك بون واسع بين ممارسات وأقوال فترة ما قبل السلطة، وممارسات وأقوال فترة ما بعدها.
ـ الرابطة القومية عنده هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة وتكبح جماح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية حتى قال شاعرهم:
آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثان
ـ تعلن سياسة الحزب التربوية أنها ترمي إلى خلق جيل عربي جديد مؤمن بوحدة أمته وخلود رسالتها أخذاً بالتفكير العلمي، طليقاً من قيود الخرافات والتقاليد والرجعية، مشبعاً بروح التفاؤل والنضال والتضامن مع مواطنيه في سبيل تحقيق الانقلاب العربي الشامل وتقدم الإنسانية، "والطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي هو خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن بأن الله والأديان والإقطاع ورأس المال وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ". (إبراهيم خلاص ـ فيلسوف الحزب في العراق).
من التوصيات العامة لمقررات المؤتمر القومي الرابع:
стр. 323
ـ تقول التوصية الرابعة: "يعتبر المؤتمر القومي الرابع الرجعية الدينية إحدى المخاطر الأساسية التي تهدد الانطلاقة التقدمية في المرحلة الحاضرة ولذلك يوصي القيادة القومية بالتركيز في النشاط الثقافي والعمل على علمانية الحزب، خاصة في الأقطار التي تشوه فيها الطائفية العمل السياسي".
ـ التوصية التاسعة تقول: "إن أفضل سبيل لتوضيح فكرتنا القومية هو شرح وإبراز مفهومها التقدمي العلماني وتجنب الأسلوب التقليدي الرومنطيقي في عرض الفكرة القومية وعلى ذلك سيكون نضالنا في هذه المرحلة مركزاً حول علمانية حركتنا ومضمونها الاشتراكي لاستقطاب قاعدة شعبية لا طائفية من كل فئات الشعب".
ـ أما عن الوحدة فهم يقولون: ليست الوحدة العربية مجرد تجميع ولصق لأجزاء الوطن العربي، بل هي التحام فصهر لهذه الأجزاء، لذا فإن الوحدة ثورة بكل أبعادها ومعانيها ومستوياتها، وهي ثورة لأنها قضاء على مصالح إقليمية عاشت وتوسعت وترسبت عبر القرون، وهي ثورة لأنها تجابه مصالح وطبقات تعارض الوحدة وتقف في وجهها (المنطلقات النظرية للمؤتمر القومي السادس).
ـ وأما الاشتراكية فهي تعني تربية المواطن تربية اشتراكية علمية تعتقه من كافة الأطر والتقاليد الاجتماعية الموروثة والمتأخرة لكي يمكن خلق إنسان عربي جديد يعقل علمي متفتح، ويتمتع بأخلاق اشتراكية جديدة ويؤمن بقيم جماعية.
ـ الرسالة الخالدة: يفسرونها بأن الأمة العربية ذات رسالة خالدة تظهر بأشكال متجددة متكاملة في مراحل التاريخ ترمي إلى تجديد القيم الإنسانية وحفز التقدم البشري وتنمية الانسجام والتعاون بين الأمم.
· هذا ويمكن ملاحظة ما يلي:
ـ إن كلمة الدين لم ترد مطلقاً في صلب الدستور السوري أو العراقي.
ـ كلمة الإيمان بالله على عموميتها لم ترد في صلب الدستور، لا في تفصيلاته ولا في عمومياته، مما يؤكد على الاتجاه العلماني لديه.
ـ في بناء الأسرة لا يشيرون إلى تحريم الزنى ولا يشيرون إلى آثاره السلبية.
ـ في السياسة الخارجية لا يشيرون إلى أية صلة مع العالم الإسلامي.
ـ لا يشيرون إلى التاريخ الإسلامي الذي أكسب الأمة العربية مكانة وقدراً بين الشعوب.
ـ رغم مطالبة الحزب بإتاحة أكبر قدر من الحرية للمواطنين، فإن ممارساته القمعية فاقت كل تصور وانتهكت كل الحرمات ووأدت كل الحريات وألجأت الكثيرين إلى الهجرة والفرار بعقيدتهم من الظلم والاضطهاد.
ـ القوانين في البلاد التي يحكمها البعث علمانية وحانات بيع الخمور مفتوحة ليل نهار، والنظام المالي ربوي ودعاة الإسلام مضطهدون بشكل سافر.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 324
رابعا: الجذور الفكرية والعقائدية
١ـ يعتمد الحزب على الفكر القومي الذي ظهر وبرز بعد سقوط الدولة العثمانية في العالم العربي والذي نادت به أوروبا، والذي نادى به منظَّر القومية العربية في العالم العربي آنذاك ساطع الحصري.
٢ـ يعتمد الحزب على الفكر العلماني إذ ينحي مسألة العقيدة الدينية جانباً ولا يقيم لها أي وزن سواء على صعيد الفكر الحزبي أو على صعيد الانتساب إلى الحزب أو على صعيد التطبيق العملي.
٣ـ يستلهم الحزب تصوراته من الفكر الاشتراكي ويترسم طريق الماركسية رغم انهيارها، والخلاف الوحيد بينهما أن اتجاهات الماركسية أممية، أما البعث فقومي، وفيما عدا ذلك فإن الأفكار الماركسية تمثل العمود الفقري في فكر الحزب ومعتقده، وهي لا تزال كذلك رغم انهيار البنيان الماركسي فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي.
٤ـ لقد كان الحزب واجهة انضوت تحته كل الاتجاهات الطائفية (درزية ـ نصيرية ـ إسماعيلية ـ مسيحية) وأخذ هؤلاء يتحركون من خلاله بدوافع باطنية يطرحونها ويطبقونها تحت شعار الثورة والوحدة والحرية والاشتراكية والتقدمية وقد كانت الطائفة النصيرية أقدر هذا الطوائف على استغلال الحزب لتحقيق أهدافها وترسيخ وجودها.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 325
خامسا: الانتشار ومواقع النفوذ
١ـ للحزب أعضاء ينتشرون في معظم الأقطار العربية، بعضهم يعمل بشكل علني وبعضهم الآخر سري، ويتفاوت وجودهم وتأثيرهم من بلد إلى آخر على حسب طبيعة البلد ونوعية حكمه.
٢ ـ يحكم حزب البعث بلدين عربيين مهمين هما سوريا والعراق، وقد عجز الحزب عن تحقيق الوحدة بين فصائله، بل إن الصراع بين شطري البعث مستمر وعلى أشده، واتهامات الخيانة بين الطرفين لا تنقضي، وإذا كان هذا هو شأن الحزب في بلدين يخضعان له فهو من باب أولى عاجز عن تحقيق وحدة الأمة العربية بكاملها.
والبعثيون يتطلعون إلى استلام السلطة في جميع أرجاء الوطن العربي باعتبار ذلك جزءً لا يتجزأ من طموحاتهم البعيدة، وقد أدت بهم هذه الرغبة العارمة إلى السقوط في حمأة الإنذار المقنع والتهديد السافر والعدوان الصريح وربما يكون حزب البعث في العراق أسوأ ما شهده التاريخ.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 326
الخلاصة
أن حزب البعث العربي الاشتراكي حزب قومي سلطوي يحاد الله ورسوله ويسعى إلى قلب الأوضاع في العالم العربي ويتخذ العلمانية وتحقيق الاشتراكية مطلباً يبرر سياسته القمعية، ورسالته التي يصفها، على خلاف الحقيقة، بالتقدمية ويجعل من الوحدة العربية هدفاً ينفذه بالضم والإرغام رغم إرادة الشعوب.
والعلاقة معه يجب أن يحكمها قول الله سبحانه: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢] الآية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 327
مراجع للتوسع
ـ نضال البعث، بشير الداعواق ـ بيروت ـ ١٩٧٠م.
ـ حزب البعث الاشتراكي مرحلة الأربعينات التأسيسية ١٩٤٠م ـ ١٩٤٩م، تأليف شبلي العيسمي ـ بيروت ١٩٧٥م.
ـ التجربة المرة، منيف الرزاز ـ بيروت ١٩٦٧م.
ـ البعث، سامي الجندي ـ بيروت ١٩٦٩م.
ـ تجربتي مع الثورة، محمد عمران ـ بيروت ١٩٧٠م.
ـ حزب البعث، مطاع صفدي.
ـ الصراع من أجل سورية، باتريك سيل ـ لندن ١٩٦٥م.
ـ أعاصير دمشق، فضل الله أبو منصور ـ بيروت ١٩٥٩م.
ـ مذكراتي عن الانفصال، عبد الكريم زهر الدين.
ـ الدروز، فؤاد الأطرش.
ـ الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام، محمد منير نجيب ـ ط ١ ـ ١٩٨١م ـ مكتبة الحرمين.
ـ حزب البعث تاريخه وعقائده، سعيد بن ناصر الغامدي دار الوطن للنشر.
ـ دراسة عن حزب البعث وردت للندوة من أحد الكتاب "لا يريد ذكر اسمه".
ـ جريدة الحياة البيروتية ١٠/ ٢/١٩٦٥م ـ ١٥/ ٢/١٩٦٦م ـ ٨/ ٩/١٩٦٦م.
ـ جريدة الرياض، مجموعة مقالات الأستاذ أحمد الشيباني.
ـ جريدة النهار البيروتية ١٥/ ٢/١٩٦٤م.
ـ جريدة المحرر البيروتية ١٣/ ٩/١٩٦٦م.
ـ مجلة المجتمع الكويتية العدد ٢٣١ ـ ٢٤/ ١٢/١٣٩٤هـ ـ ٧/ ١/١٩٧٥م.
ـ مجلة الدعوة المصرية الأعداد ٧٠، ٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٤.
ـ مقال لفهمي هويدي العدد ٥٧٢ بتاريخ ٢٣/ ١/١٩٩١م.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 328
أولا: التعريف
الناصرية حركة قومية عربية، نشأت في ظل حكم جمال عبد الناصر (رئيس مصر من عام ١٩٥٢م ـ ١٩٧٠م) واستمرت بعد وفاته واشتقت اسمها من اسمه وتبنت الأفكار التي كان ينادي بها وهي: الحرية والاشتراكية والوحدة وهي نفس أفكار الأحزاب القومية اليسارية العربية الأخرى.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
التأسيس وأبرز الشخصيات
أول من أطلق لفظ (الناصرية) محمد حسنين هيكل، الصحفي الذي رافق عبد الناصر إبان حكمه، وأصبح له شهرة في العالم العربي، وذلك بمقال له في جريدة الأهرام في ١٤/ ١/١٩٧٢م.
- جاء بعده كمال رفعت وأصدر في عام ١٩٧٦م كتيباً بعنوان ناصريون ذكر فيه مبادئ الناصرية وأهدافها.
- وبلور الدكتور عبد القادر حاتم الذي كان وزيراً في عهد عبد الناصر المذهب الناصري في تأبينه لعبد الناصر، كما جاء في جريدة الأخبار (٢/ ١٠/١٩٧٠م) حينما قال: " أصبح في العالم اليوم مذهب سياسي متميز ينتسب إلى عبد الناصر ".
- وقد وافق القضاء المصري على إعلان الناصرية كحزب باسم (الحزب الديمقراطي الناصري) وذلك في يوم الاثنين ١٨/شوال/١٤١٢هـ (٢٠/ ٤/١٩٩٢م) برئاسة ضياء الدين داود المحامي، وعضو مجلس الشعب المصري.
- وهناك من قادة الدول العربية ـ مثل معمر القذافي رئيس الجماهيرية الليبية ـ من يصرح بأنه على منهج عبد الناصر!!.
стр. 329
ثانيا: نظرة تاريخية على مؤسس الناصرية
ـ جمال عبد الناصر: وكان يتردد على مركز الإخوان المسلمين لسماع حديث الثلاثاء منذ عام ١٩٤٢م. (مذكرات عبد المنعم عبد الرؤوف).
ـ في أوائل عام ١٩٤٦م بايع الإخوان المسلمين على التضحية في سبيل الدعوة الإسلامية مجموعةٌ من الضباط منهم جمال عبد الناصر. (مذكرات عبد المنعم عبد الرؤوف).
ـ بدأت علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية منذ آذار (مارس) ١٩٥٢م أي قبل قيام الثورة بأربعة أشهر، كما اعترف بذلك أحد رفاقه وهو خالد محي الدين. وتحدث اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر بعد الثورة عن هذه العلاقة في مذكراته، وأنهم هم الذين كانوا يرسمون له الخطط الأمنية ويدعمون حرسه بالسيارات والأسلحة الجديدة.
ـ في ٢٧ يوليو ١٩٥٤م عقد اتفاقية الجلاء مع بريطانيا وعارضه فيها الإخوان المسلمون.
ـ في ١٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٥٤م أعفي محمد نجيب من منصبه كرئيس للجمهورية ليصبح عبد الناصر فرعون مصر الجديد ـ على حد تعبير رفاقه ـ كمال الدين حسين وحسن التهامي. ـ
ـ في ٨ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٥٤م (١٢ ربيع الآخر ١٣٧٤هـ) نفذ عبد الناصر حكم الإعدام في ستة من قادة جماعة الإخوان المسلمين منهم عبد القادر عودة مؤلف التشريع الجنائي في الإسلام. فضلاً عن الاعتقالات التي شملت الآلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وذلك بعد اتهامهم بالتآمر على قتله في حادث المنشية بالإسكندرية (في نفس العام) والتي قيل بأنها مسرحية دبرها عبد الناصر مع المخابرات المركزية للتخلص من الإخوان المسلمين الذين كانوا يشكلون عقبة كبيرة لحكمه الفردي البعيد عن الدين، ولتلميع شخصيته كزعيم وطني حتى تتعلق به الجماهير.
ـ في عام ١٩٥٦م كان الاعتداء الثلاثي على مصر من قبل انجلترا وفرنسا وإسرائيل .. ولم ينسحب المعتدون إلا بعد استيلاء إسرائيل على شرم الشيخ في سيناء، وجزيرة تيران في البحر الأحمر.
ـ شارك في الحرب اليمنية: التي قتل فيها الآلاف من الشعب المصري المسلم .. وخسرت فيها الملايين.
ـ في عام ١٩٦٥م أقدم عبد الناصر على إعدام ثلاثة من كبار الإخوان المسلمين منهم سيد قطب مؤلف في ظلال القرآن.
ـ في نفس العام صدر القرار الجمهوري (نيسان ـ أبريل ـ ١٩٦٥م) بالعفو الشامل عن جميع العقوبات الأصلية والتبعية ضد الشيوعيين في مصر، ودخل الماركسيون في جميع مجالات الحياة في مصر بعد ذلك.
ـ في عام ١٩٦٧م كانت النكبة الثانية للعرب والمسلمين، فقد احتلت دولة اليهود في فلسطين المحتلة، ثلاثة أمثال ما اغتصبوه عام ١٩٤٨م (سيناء والجولان والضفة الغربية) وسقطت القدس بلا قتال.
ـ وتوفي عبد الناصر سنة ١٩٧٠م بعد أن غرقت مصر في الديون وبعد أن خرّب مصر سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، وملأ العالم العربي بالشعارات الجوفاء.
- ومن أخلاق عبد الناصر على لسان رفاق حياته ومعاصريه:
ـ يقول حسن التهامي وهو من أقرب المقربين لعبد الناصر: " إن عبد الناصر هو الذي أمر القوات المصرية بالانسحاب إلى الضفة الغربية من قناة السويس عام ١٩٦٧م. وأن عبد الناصر هو الذي دس السم لعبد الحكيم عامر، في بيت عبد الناصر نفسه ". الأهرام ٥/ ٨/١٩٧٧م.
ـ حسين الشافعي وهو أحد الضباط الأحرار الذين قاموا بالانقلاب العسكري سنة ١٩٥٢م يقول في محاضرة له في جمعية الشبان المسلمين: " انقلوا عني: أن الجيش المصري لم يحارب في معركة ١٩٦٧م بل هزم بسبب الإهمال والخيانة، وأقول الخيانة وأضع تحتها عشرة خطوط ".
ـ خالد محيي الدين: زعيم التنظيم اليساري في مصر وهو أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، يقول: " إن عبد الناصر كانت له علاقة بالمخابرات الأمريكية منذ مارس ١٩٥٢م أي قبل قيام الثورة بأربعة أشهر ".
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 330
ثالثا: الأفكار والمعتقدات
من مبادئ الناصرية:
ـ الحرية والاشتراكية والوحدة، للقضاء على مشكلات العالم العربي الأربعة: وهي الاستعمار والتخلف والطبقية والتجزئة بين أقطار العالم العربي. (وهي نفسها أفكار حزب البعث القومي اليساري: الوحدة، الحرية، الاشتراكية).
ـ الحرية المطلوبة هي حرية الناصريين وليست حرية الشعب بكامله، إذ أن الناصرية القديمة (في عهد عبد الناصر نفسه) رفعت شعارات لا حرية لأعداء الحرية، وهي تعتقد بأن كل معارض لها من أعداء الحرية.
الاشتراكية أساس التقدم الاقتصادي .. وهي أساس بناء مجتمع الكفاية والعدل، والمجتمع الذي ترفرف عليه الرفاهية كما يزعمون.
ـ ونادت الناصرية بتوزيع الثروة الوطنية لتحقيق التغيير الاجتماعي.
ـ ونادت بالاشتراكية العلمية .. وهي خليط من الاشتراكية الماركسية والليبرالية الغربية والأفكار والوطنية مع شيء من الأفكار الدينية.
ـ الوحدة هي أساس القوة العربية .. والعروبة أو القومية العربية هي أساس قيام الوحدة. وأغفلت الناصرية رباط العقيدة التي لا تؤمن الشعوب العربية إلا بها ولا تجتمع إلا حول رايتها. وهي أساس وحدة العرب في الصدر الأول.
ـ نادت الناصرية بالديمقراطية ومفهوم الديمقراطية لديها هو ديمقراطية التحالف السياسي، تبعاً لتحالف القوى الاجتماعية .. أو كما وصفها محمد حسنين هيكل بديمقراطية الموافقة: أي أن الزعيم الحاكم ينفرد بالحكم وبإصدار القرارات المصيرية .. ودور الشعب يقتصر على تأييد هذه القرارات. لأنه يفترض في الزعيم العصمة والصواب والحكمة وتجسيد إرادة الشعب وحقوق التعبير عنها.
ـ العلمانية ـ أو اللا دينية ـ من أسس الناصرية أيضاَ .. فليس للدين علاقة بالمجتمع وقوانينه ونظام حياته، وإنما هو طقوس تعبدية في المسجد فحسب.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 331
رابعا: الجذور الفكرية والعقائدية
الناصرية حركة قومية يسارية علمانية برزت بعد وفاة عبد الناصر لذلك فهي تعتمد على الفكر القومي الذي ظهر بعد سقوط الدولة العثمانية.
- الفكر الماركسي المادي أحد روافد فكرها الذي تلبسه الثوب القومي.
- الناصرية أبعدت الدين من كل مبادئها وممارساتها، من هنا جاء وصفها بالعلمانية (أو اللادينية)
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 332
خامسا: النفوذ وأماكن الانتشار
نشأت الناصرية في مصر وانتشرت في باقي البلاد العربية، وإن كان أتباعها في البلاد العربية قلة من المنتفعين، وقد طالب بعض الذين تعاونوا مع عبد الناصر إبان حكمه بتشكيل حزب ناصري في مصر وقد سمح لهم بذلك.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 333
الخلاصة:
أن الناصرية تتجسد في حفنة من الذين تعاونوا مع عبد الناصر إبان حكمه وأظهروا الولاء لشخصه فلما سمح بالتعددية الحزبية في مصر اتفقوا على التجمع باسم القومية العربية وتحت لواء الحرية والاشتراكية والوحدة دون تحديد واضح لمضمون هذه الأهداف. ولكنهم على أية حال يدينون بالولاء لعبد الناصر ويعتبرونه رائدهم مشيدين بمواقفه الإيجابية بحكم أنه أنهى الملكية الفاسدة في مصر وأمم قناة السويس، وأنهى الاحتلال البريطاني، وبنى السد العالي، وحرر اليمن الشمالي، وحقق مكاسب للعمال والفلاحين. ولكنهم يتغافلون عن سلبيات حكمه الفظيعة، التي تتمثل في إعلان الحرب على الاتجاه الإسلامي في الداخل والخارج، وتعذيب حملة لوائه عذاباً نكراً، تقتيل فطاحل علمائه من أمثال عبد القادر عودة وسيد قطب وغيرهم بعد محاكمات صورية.
- كما دأب على الوقوف دائماً في صف أعداء الإسلام ومناصرة سياستهم فأيد نهرو في مواقفه الجائرة ضد باكستان، وأيد نيريري الذي قام بمذبحة ضد مسلمي زنجبار، وأيد مكاريوس الذي كافح من أجل إضاعة حقوق المسلمين في قبرص.
وأحيا جاهلية القرن العشرين بإثارة نعرة القومية العربية وإعلان الحرب على ملوك البلدان الإسلامية وتشجيع المؤامرات الانقلابية.
- ورغم أنه في أول حكم الثورة كان قد جعل الديمقراطية أحد مبادئها، إلا أنه لم يسمح ببزوغ فجرها ووأدها في مهدها وقضى على كافة الأحزاب المطالبة بها، وأنشأ الحزب الشمولي وألغى الدستور وجمع السلطة كلها في يده وظل طوال حكمه مثال الحاكم المستبد الذي يضرب خصومه بيد من حديد، دون أدنى مراعاة للقيم الأخلاقية ويفتعل المؤامرات للقضاء عليهم قضاء مبرماً.
وانتشر في عهده التحلل الأخلاقي والتفكك الأسري والتزلف النفعي والفساد، وقام بإلغاء الأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية، وأضعف كيان الأزهر، وأصبح للمخابرات والمباحث العامة والأمن القومي السيطرة على كل المؤسسات في الدولة، وقاصمة الظهر في هذا كله أنه عرَّض الجيش المصري لهزيمة ساحقة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً وضاعت بسببها الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان والقدس الشريف وتمكنت إسرائيل من توسيع رقعتها بما لم تكن تحلم به.
- ويعتبر مسئولا عن انفصال السودان عن مصر وعن حرب اليمن وعن السماح لإسرائيل باستعمال مضيق تيران.
- والمؤمل، إذا تجملت الناصرية ـ بعد أن سمح لها من جديد بتشكيل حزب سياسي في مصر ـ أن تفتح أنصارها عيونهم على هذه الحقائق المؤلمة ويصححوا مسارها نحو فهم جديد مستند للإسلام كأهم عنصر إيجابي في تحقيق حكم نظيف قوامه العدالة الاجتماعية وإنجاز الحرية والشورى كأساس متين لتجمع المسلمين ووحدتهم. ولعلهم بذلك يخفون وجه الناصرية القبيح ويقضون على آثارها المتعفنة ورموزها القذرة، ولهم في ماضيهم عبرة وفيما حدث في الكويت تبصرة وذكرى (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد).
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 334
مراجع للتوسع
ـ كنت رئيساً لمصر محمد نجيب.
ـ تاريخ بلا وثائق ـ إبراهيم سعدة.
ـ البحث عن الذات، منير حافظ.
ـ مذكرات عبد المنعم عبد الرؤوف.
ـ الله أو الدمار، سعد جمعة.
ـ الناصرية في قفص الاتهام ـ عبد المتعال الجبري.
ـ الموتى يتكلمون ـ سامي جوهر.
ـ الناصرية وثنية سياسية ـ د. فهمي الشناوي.
ـ من أسرار علاقة الضباط الأحرار بالإخوان المسلمين ـ حسين محمد أحمد حمودة.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 335
أولا: بيان حقيقة الوطنية
الوطنية دعوة براقة وخدعة كبيرة تستثير في النفوس عاطفة حب الوطن في البدايات الأولى وفي نهايتها يراد بها الانسلاخ من رابطة الدين والاكتفاء بها في كل وطن له حدود جغرافية وموالاة أهله على حبه بغض النظر عن أي اعتبار.
وهي نسبة إلى الوطن: أي الأرض التي يعيش عليها مجموعة من الناس وقد ظهرت بعد ظهور القومية كرافد من روافد القومية يقصد بها أن يقدس كل إنسان وطنه فقط وأن يتعصب له بالحق والباطل وهي بهذا المفهوم لا يقبلها الإسلام ولا يقرها إلا إذا كان المقصود بها الناحية الطبيعية التي طبع عليها كل كائن حي من حبه لوطنه الذي يعيش فيه فقط فإن الإسلام لا يمنع هذا الإحساس والعاطفة بل يحبذه وكان الصحابة في المدينة يحنون إلى مكة وجبالها وأوديتها وأشجارها حتى قال بلال ﵁ أو غيره من المهاجرين:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي أذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجرة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
حتى دعا الرسول ﷺ ربه أن يحبب إليهم المدينة كحبهم مكة أو أشد حبا.
والوطنية التي نحن بصدد دراستها هي الوطنية الشريرة التي تريد أن تحل محل الإسلام إلى جانب القومية ومضيفة إليها بعدا جديدا في التفلت من رابطة الدين والأخوة الإسلامية والاكتفاء بالوطنية وكلتاهما تصب في مجرى واحد وإن اختلفت التسمية.
ذلك أن القومية هي التعصب للقوم ويدخل فيها التعصب للوطن. والوطنية هي التعصب لتلك الأرض ويدخل فيها التعصب للساكنين عليها أيضا. ومن هنا نجد أن القومية والوطنية يمد بعضها بعضا لتكونا معا رافدا من روافد الجاهلية والنفرة عن الدين والالتقاء على حب الوطن، بغض النظر عن اختلاف ديانة الموجودين عليها، فالوطنية أم الجميع، لأن الوطنية توجب أن يتعايش المسلم والنصراني واليهودي والمجوسي وغيرهم على حد سواء. والقارئ الكريم يجد عبارات القوميين تتضح تقديسا وتكريما للوطن كما قال شاعرهم:
بلادي هواها في لساني وفي دمي ... يمجدها قلبي ويدعو لها فمِ
وقوله:
بلادك قدسها على كل ملة ... ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم
وقول الآخر:
بلادي وإن جارت علي عزيزة ... وأهلي وإن ضنوا علي كرام
وكأنه لم يسمع قول ابن الورد:
حبك الأوطان عجز ظاهر ... فاغترب تلق عن الأهل بدل
وهذه الوطنية هي في حقيقتها دعوة لتجزئة أوطان المسلمين وانطواء كل جزء على نفسه وعدم الاهتمام بغيره من أوطان المسلمين الأخرى.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٧٢
стр. 336
ثانيا: القومية والوطنية
إن الوطنية دعوة جادة إلى تجمع أبناء الوطن الواحد على حب الوطن والتفاني في خدمته والولاء له بغض النظر عن أي اعتبار آخر فلا ينظر الوطنيون إلى اختلاف أبناء الوطن الواحد في الدين أو في اللهجات أو اللغات أو اختلاف الألوان بينهم فإن الوطنية تحتوي كل اختلاف يقع بين أبناء الوطن الواحد أما الدعوة إلى القومية فهي أشمل وأعم من الدعوة إلى الوطنية بقبولها انضمام أكثر من وطن إليها مع التقاء الجميع كما عرفت سابقا وكلتاهما من جملة السهام الموجهة إلى وحدة الأمة الإسلامية إن لم يصب هذا أصاب الآخر.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٧٤
стр. 337
ثالثا: كيف نشأت دعوى الوطنية
نشأت هذه الفكرة في أوروبا كغيرها من الأفكار الأخرى الكثيرة في رد فعل عارم تجاه أوضاعهم التعيسة التي كانت تقسم الناس إلى فريقين فريق هم السادة والقادة وأصحاب الامتياز وفريق آخر هم العمال العبيد الذين يساقون كما تساق البهائم لا قيمة لهم ولا يجمع بين قلوبهم وقلوب الطبقة الأولى غير الأحقاد والكراهية والرغبة في التمرد بأي ثمن يكون للخلاص من قبضة رجال الدين ورجال الدولة على حد سواء بعد أن التقت مصالح رجال الدين ورجال الحكومة على استعباد الناس وتسخيرهم لخدمتهم وحين وصلت الأمور إلى هذا الحد كان اختراع المبررات للخروج على ذلك الوضع هو التفكير الجاد فاخترعت الدعوة إلى القومية ثم إلى الوطنية ثم إلى الأفكار الأخرى كالحرية والمساواة وحقوق الإنسان .. إلى آخره.
وكان إلى جانب هؤلاء المتربصون بالكنيسة ورجالها وبالحكام الذين يظلمون الناس باسم المسيح كان إلى جانبهم اليهود الذين كانوا محل بغض الاضطهاد الديني النصراني حينما كانت النصرانية قوة متنمرة لكل المخالفين لها.
فكان الأمر يقتضي أن يقف اليهود إلى جانب أولئك بكل ما يستطيعون علها تظهر من وراء تلك الفتن فوائد لليهود وهم يعرفون كيف يستغلون الأوضاع لصالحهم بعد تأجيج الفتن.
ومن الجدير بالذكر أن دعوى الوطنية حين ظهرت في أوروبا ما كان لها وهي دعوى جاهلية أن تؤلف بين قلوب الأوروبيين برغم تلك الأوضاع فقامت الحروب الشرسة بينهم وسفكت دماء لا يعلم عددها إلا الله تعالى وكل تلك الحروب إنما كان يراد من ورائها السيطرة وبسط النفوذ وهي حروب كثيرة وقعت بين فرنسا والإنجليز والإيطاليون وغيرهم في مد وجزر استغرق وقتا طويلا وقفت أمامها القومية والوطنية ذليلتان.
لقد جاءت الوطنية على غرار خبث القومية ولم يكن تصدير أوروبا الفكرة الوطنية إلا وسيلة من وسائلهم الكثيرة لغزو العالم كله وخصوصا العالم الإسلامي وتشتيته وتمزيق وحدته ليسهل عليهم إذلال تلك الشعوب حينما تنقطع فيما بينهم روابط العقيدة وتحل محلها روابط الجاهلية من قومية ووطنية شعوبية ويصبحون فريسة الأفكار الخادعة ويتخلون عن مصدر عزهم وقوتهم في الإسلام وقد عرفوا أن إحلال الوطنية محل الجهاد الإسلامي بخصوصه هو أقرب الطرق إلى تشرذم المسلمين وبالتالي يكون جهاد المسلمين لأعدائهم إنما هو لأجل الوطن لا لشيء آخر. فيتحول الجهاد من كونه لأجل نشر الإسلام إلى حركات وثورات وطنية لا تفرق بين الدين وعدم الدين بل ولا تدعو إلى الدين الإسلامي ولا إلى نشر تعاليمه ولا يقاتلون أعداء الإسلام لأجل الإسلام بل لأجل أن يتركوا لهم بلادهم وأوطانهم لا غير ومن السهل على أعداء الإسلام أن يعدوا المسلمين ويمنوهم بتركهم أوطانهم إذ أن الطلب في هذا أسهل من طلب الإسلام أو الجزية عن يد وهم صاغرون أو القتال كما هو شعار الإسلام فإذا صارت المفاوضات سياسية محضة فالخطب هين والوعود والكذب والاحتيال أمر مشروع عند الكفار ضد الإسلام والمسلمين ولا يصعب عليهم إخلاف الوعود والاعتذارات بحرارة عندما يتلاعبون بالمواعيد وبين تلك المواعيد واللقاءات المتكررة والمجاملات يسري في عروق الوطنيين ما يسري من الغزو المنظم والانبهار بما عند أعداء الإسلام مما مكنهم الله به من العلم بظاهر الحياة الدنيا وزينتها فتقوم صداقات تنمو شيئا فشيئا بين الوطنيين ممن يزعمون الإسلام وبين أعداء الإسلام بعد أن أبعد الدين ومبادئه في الجهاد عن الساحة وحلت محله الشعارات الخادعة من القومية والوطنية والإنسانية والتقدمية و .. إلى آخره ومادام الوطنيون لا يغضبون لله تعالى ولا لدينهم فبإمكان أعداء دينهم أن يقولوا لهم لماذا تغضبون لأجل الاستقلال؟ سنجود به عليكم بل وستكونون أنتم خلفنا على شعوبكم وسيقبل الوطنيون بكل بساطة بخلاف ما لو كان التعصب للدين.
ولهذا فمن الواضح أن دعاة الوطنية وقد أشربوا حبها بدلا عن الدين وتقديسها بدلا عن تعاليم الإسلام من الواضح أن هؤلاء غنيمة أعدائهم حيث يرتمون في أحضانهم للاستعانة بهم والركون إليهم في كل شيء سيواجههم حتى ولو كان ذلك ضد أبناء وطنهم الذين يفطنون لما يبيته لهم الوطنيون عباد الكراسي والشهوات وكانت قيادة دعاة الوطنية لشعوبهم كقيادة فرعون الذي قال لأبناء وطنه " ما أريكم إلا ما أرى " قادوهم إلى جعل الوطن هو المقدس أولا وأخيرا وإلى التعلق بأذيال أهل الشرق الشيوعي أو الغرب النصراني وأماتوا شخصية شعوبهم الإسلامية التي تبعث فيهم النخوة والشهامة والاعتزاز بالإسلام ومعلوم من هذا الكلام أنني لا أقصد به ذم الذين جمعوا بين حب الوطن وحب دينهم وتواضعوا للناس. وإنما أقصد أولئك الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم ودينهم بثمن بخس وفضلوا المبادئ والنظريات الكافرة وازدروا الدين الحق وسموه رجعية وتخلفا.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٧٥
стр. 338
رابعا: هل نجحت الوطنية في تأليف القلوب ؟
إن الوطنية من الشعارات الزائفة وهي أقل وأذل من أن تؤلف بين القلوب حينما تبتعد عن هدي خالقها وتعرض عن دينه القويم وما يجري في البلاد الإسلامية وغيرها من بطش أصحاب الوطن الواحد بعضهم ببعض عند قيام الفتن لهو أقوى شاهد على فشل الالتفاف حول الوطنية وأنها دعوى عنصرية لا تلين لها القلوب ولا تدمع لها العيون.
إن جمع الناس على الوطنية – بعيدا عن الدين الإلهي – هو ضرب من الخيال الساذج والسراب الكاذب لأن الله لا يصلح عمل المفسدين وقد أخبر أن الألفة بين القلوب أمر بعيد المنال إذا لم يوجد العامل الصحيح في إيجاد ذلك وقد امتن الله على عباده باجتماع كلمتهم على الدين فقد قال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:١٠٣].
وقال تعالى ممتنا على نبيه الكريم ﷺ بما وصل إليه المؤمنون من تآلف قلوبهم: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:٦٢ - ٦٣].
وأين هذا التآلف العجيب الذي كان أحدهم يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة والذي جعل الشخص المسلم يقدم نفسه دون أخيه في كل شيء والذي جعلهم كالجسد الواحد، وكالبنيان المرصوص أين هذا التآلف من دعوى التآلف على الوطنية القائمة على الجهل والغرور والكبرياء والبغي بغير الحق وتبادل المنافع أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟
إن الوطنية لم تقم على تقوى الله تعالى ولا على الخوف منه أو الحب فيه وإنما قامت على نزعات الشيطان. والشيطان يهدم ولا يصلح ويفرق القلوب ولا يجمعها فمن أين إذاً يأتي التآلف والمحبة بين أفرادها إنك لا تجني من الشوك العنب.
وإذا كان ما قدمنا دراسته عن القومية يعطي صورة واضحة عن فشلها وبعدها عن أهداف الدين الحنيف الذي يقول للناس: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٩٢].
إذا كان ما قدمنا يدل على خيبة القومية وهي الأصل فما هو الظن بالوطنية وهي المتفرعة عن القومية لا ريب أنهما نبتتان خبيثتان لا تقدمان إلا خبثا: وَاللهُ يَدْعُو إلى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [يونس:٢٥].
أرأيتم لو أن الرسول ﷺ – وحاشاه – تعصب لقومه ولوطنه مكة من كان سيوصل الإسلام إلى المدينة المنورة ولو أن الصحابة ﵃ تعصبوا لأوطانهم في الحجاز من كان سيوصل الإسلام من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي بل لو تعصب المسلمون لقومياتهم وأوطانهم فما الذي سيقدمونه للناس إن قدر لهم أن يفتحوا بلدانهم؟
وانظر في كتاب الله هل تجد آية خاطب الله فيها قوما أو وطنا أو جنسا على جنس بطريقة التعصب والقومية أو الوطنية أو الإشادة أو تجد في سنة المصطفى ﷺ شيئا من ذلك؟ كلا.
بل ستجد قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
وستجد: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:١٣].
وستجد إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٩٢].
وستجد آيات كثيرة كلها تنادي البشر بأنهم على حد سواء أمام الله تعالى وأن التفاضل بينهم عند الله لا يكون إلا بالتقوى وأن التفاخر والتعالي إنما هو من طبيعة الشيطان ومن يتبعه كما ستجد في السنة النبوية مثل هذا المفهوم الحق – وقد مر ذكر أحاديث في ذلك – والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٧٨
стр. 339
خامسا: الإسلام والوطنية
والإسلام وإن كان لا يمنع حب الشخص لوطنه لكنه يوجب ملاحظة أمور لابد أن تكون في حسبان المسلم وأن يلاحظها بدقة فلا يوالي ويعادي من أجل الوطن بل يجعل الولاء أولا لله تعالى عليه يوالي وعليه يعادي فلا يقدم محبة الوطن أو أهل الوطن على محبة الله تعالى ومحبة من يحبه كذلك يجب أن لا يكون حب الوطن ينشأ عن عصبية جاهلية أو على طريقة الجاهلين انصر أخاك ظالما أو مظلوما بمعنى الوقوف إلى جانبه سواء كان على حق أو على باطل بحجة أنه أخاه في الوطن بل عليه أن يراعي الأخوة الإسلامية قبل أخوة الوطن فإن أخوة العقيدة أثبت وأنفع من أخوة الوطن على طريقة خاطئة.
وكل محبة في الله تبقى ... على الحالين من فرج وضيق
وكل محبة فيما عداه ... فكالحلفاء في لهب الحريق
ومما لا مجال للشك فيه أن المسلمين ما ضعفوا وما استكانوا إلا يوم قدموا الوطنية وافتخر كل أهل وطن بوطنهم ولم يهتم بعضهم بالبعض الآخر فكان الجميع لقمة سائغة لأعدائهم فانفردوا بإذلال أهل كل وطن كما هو الوضع الآن وانتشرت مع الأسف دعوات جاهلية صار يرددها الكبير والصغير والمرأة والرجل وهو شعار التضحية في سبيل الوطن أو بذل الدم من أجل تراب الوطن ونحو ذلك من الكلمات التي أثمرت التخاذل حتى عن الدفاع الجاد عن أوطان المسلمين وأعراضهم ونصرة المظلومين وإرجاع الحق لأهله بعد أن ماتت هممهم وغيرتهم وتوزعتهم الأهواء وأثخنت فيهم الدعايات الجاهلية.
إن دعاة الوطنية لم يقفوا بها عند حد فقد قدسوا الوطنية إلى حد العبادة من دون الله تعالى وأحلوها محل الدين وصاروا لا يدعون إلا إلى تقديسها ونسيان كل أهل وطن ممن عداهم من أوطان المسلمين الأخرى ونشأ عن تلك الدعوات الفخر والخيلاء والاستكبار بغير الحق والتعالي والغطرسة الكاذبة بل وركن أهل كل وطن على قومهم في وطنهم في كل شيء حتى في الانتصار على الأعداء فقد نسوا أن النصر من عند الله تعالى فصاروا يمتدحون بأن الوطن سيمنحهم الشجاعة والنصر والعيش الكريم وأن وطن كل طائفة سيصبح مقبرة للغزاة والطامعين ولكنها جعجعة ولا ترى طحنا وعنترة جوفاء فضحتها الوقائع القائمة.
وقد بلغ من تقديس الأوطان عند دعاة الوطنية الجاهلية أن يطلبوا إلى كل شخص أن يقدس وطنه على كل الممل والأديان وأن يضحي بكل ما لديه لوطنه:
بلادك قدسها على كل ملة ... ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم
بل وقال:
سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلا وسهلا بعده بجهنم
وإذا وصل الإنسان في حب وطنه إلى هذا الحد فماذا سيبقى لحب الله وللمحبة في الله مادام حب الوطن هو كل شيء في حياة الإنسان عليه يحيا وعليه يموت وعليه يوالي وعليه يعادي وبه يفاخر وإياه يقدس إلى حد أن الأوطان أصبحت وكأنها أوثان تعبد من دون الله تعالى وكل صاحب وطن يدعي أن وطنه هو أفضل الأوطان وتربته أفضل تربة وأنه وطن معطاء يكفي من تمسك بحبه كل مكروه ويفتخر برجاله وبعطائهم اللا محدود – هكذا – وفي المقابل لابد وأن يحتقر البلدان الأخرى وجهود الرجال الآخرين من بلدان المسلمين ورجالاته في رد فعل سواء شعر بذلك أم لم يشعر به.
فلا حرج في دين الوطنية أن يفتخر الشخص برجال وطنه ويقدم حبهم على من سواهم حتى وإن كان أولئك غير مسلمين فالوطنية دين الجميع. ومعلوم أن هذه المبالغة لا يقرها الإسلام الذي يدعو أتباعه إلى أن ينصروا كلهم في بوتقة الإسلام، ويدعو أتباعه لأن يكونوا في هذه الأرض كأنهم جسم واحد وفي وطن واحد ويوجب على كل مسلم أن يدافع عن كل شبر من أوطان المسلمين وأن يغار عليها حتى لو أدى ذلك إلى قتله فإنه يكون شهيدا مقاتلا في سبيل الله تعالى فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم وقد ذكر بعض العقلاء أنه من ضيق الأفق تقوقع الإنسان في مكان واحد وصبره فيه على كل ما يصيبه من أنواع المكاره حبا لذلك المكان.
قال علي بن أبي طالب ﵁ فيما ينسب إليه:
إني رأيت وقوف الماء يفسده ... إن يجر طاب وإن لم يجر لم يطب
ووطن العاقل هو المكان الذي يتهيأ له فيه عبادة الله تعالى ويقوم بدينه ويصون نفسه وعقيدته من الانحراف آمنا مطمئنا على نفسه ودينه وعرضه.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٨٢
стр. 340
سادسا: نشأة الفكرة الوطنية في البلاد العربية
وتحت شعار الحركة القومية والحركة البعثية نشأت في دول أخرى - مثل دول الجزيرة العربية - الفكرة الوطنية التي لم تكن معروفة من قبل، ففي هذه البلاد وعمان واليمن - مثلاً - لم يكن الناس يعرفون على الإطلاق فكرة التفاخر بالحضارات القديمة وبالوطنية، ولا يعلمون عنها أي شيء فضلاً عن القومية، فنجد أن القوميين تبنوا إحياء هذه الحضارات والآثار القديمة؛ بل مع أنهم يَدَّعون القومية العربية؛ ويتعصبون للغة العربية، أحيوا ما يسمونه التراث الشعبي والأشعار النبطية وما أشبه ذلك، وهذه كلها عوامل تفتيت للأمة إلى قوميات، فالقومية تفتت إلى وطنيات، والوطنية تفتت إلى قبليات وحزبيات وحضارات مختلفة، وكل هذا بغرض تفريق وتمزيق الأمة الإسلامية ورابطة الولاء فيما بينهم؛ فأصبح الإنسان لا يوالي ولا يعادي إلا فيما يعتقد من قومية أو وطنية ........ ,
ورسخت فكرة القومية العربية، حتى قال شاعرهم:
سلامٌ على كفرٍ يوحد بيننا
وأهلاً وسهلاً بعده بجهنّمِ
هبوني ديناً يجعل العرب أمةً
وطوفوا بجثماني على دين برهمِ
بلادك قدمها على كل ملةٍ
ومن أجلها أفطر ومن أجلها صُمِ
داع من العهد الجديد دعاكِ
فاستأنفي في الخافقين علاكِ
يا أمة العرب التي هي أمنا
أي افتخارٍ نميته ونماكِ
والثاني يقول:
ولقد كان ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وإيليا حاوي، وإلياس أبو شبكة ... إلخ، هم الشعراء الذين يتغنى الناس بأفكارهم، بل قال أحمد شوقي:
بلاد العرب أوطاني
من الشام لبغداد
فلا دين يفرقنا
ولا حد يباعدنا
وأصبحت المفاخرة بأن أبناء الوطن جميعاً يعملون ضد الاستعمار وضد القوى الرجعية، والرجعية هي الدين في نظرهم، فكانوا يستغلون فكرة القومية والوطنية لإشعال الحرب الضروس على الدين، وعلى كل من يدعو إلى الانتماء إلى الإسلام أو يوالي أو يعادي في هذا الدين، حتى مسخت الأمة - تقريباً - مسخاً كاملاً أو شبه كامل.
وأصبحت نظرة كل الناس إلى الأمة العربية والوطن العربي؛ فإن درست الجغرافيا فهي جغرافية الوطن العربي، وإن درست الثروة فثروة الوطن العربي، وإن درس السكان فهم سكان الوطن العربي، وإن تحدث أحد عن الأخطار فإنه يتحدث عن الأخطار على الأمة العربية، وفي الحقيقة أنه مجاملةً لهؤلاء الحفنة من النصارى في لبنان ومصر تخلى الباقون عن دينهم، والتعبير الذي كان ولا يزال إلى هذه الأيام هو أن يقال: (الأمتين) الأمة العربية والأمة الإسلامية! ومن أجل هؤلاء تجعل الأمة الواحدة التي قال الله تعالى عنها: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الأنبياء:٩٢] تجعل أمتين!! ونتيجة لهذا الشعور - رسوخ الفكرة القومية عند الناس - أصبح لا يمكن أن تنظر إلى أي إنسان وتقول: هذا مسلم أو نصراني، ولا يمكن أن تسأل عن هذا، ولم يكن أحد يستطيع أن يتحدث بهذا إلا ويُحتقر!! ولا يستطيع أن يكتب في مجلة أو يتكلم في الإذاعة وهو يخالف فكرة القومية العربية، أو الأخوة العربية، أو الرابطة العربية، أو اللغة المشتركة والتاريخ المشترك، وهذا خلاف لما ذكر الله ﵎ في قوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:١٣] ولما قاله ﷺ : ((لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى)) (١).
стр. 341
وكان العراقي - مثلاً - وإن كان يدَّعي القومية العربية إلا أنه يفتخر بالآشورية والبابلية والكلدانية، وأهل الشام وإن كانوا - أيضاً - يدعون القومية العربية والبعثية إلا أنهم يفتخرون بآثار السومريين والفينيقيين، وفي مصر يفتخرون بالآثار الفرعونية وغيرها ........... ,
وقد بقيت النزعة التي تظهر هذه الأيام مثل النازية والفاشية، وهذه ظهرت نتيجة التأثر بالفكر التلمودي اليهودي، وكل ما فعله هتلر أنه قرأ ما في التلمود؛ ووجد الفكر اليهودي يجعل اليهود فوق الجميع، فأراد هتلر مضادة اليهود، فقال: الألمان فوق الجميع، وأخذ كل الخصائص التي يدعيها اليهود وجعلها في الألمان، وتعاون معه موسيليني في إيطاليا بالفاشية، وقامت اليابان على هذا المبدأ أيضا؛ ولذلك لما قامت الحرب العالمية الثانية كانت هذه الدول الثلاث تحارب بريطانيا وفرنسا، ثم بعد ذلك تدخلت أمريكا وكانت النهاية المعلومة لدى الجميع.
هذه العنصرية المقيتة البغيضة هي التي يحاربها الإسلام أشد الحرب، والتي كان أول من رفع راية الحرب عليها هو محمد ﷺ عندما أنزل الله تعالى عليه هذا الدين العظيم، وأصبح الناس سواسية، فبلال الحبشي وأبو سفيان وسلمان الفارسي ومن أسلم من اليهود، ومن كان أنصارياً أو مهاجرياً فلا فرق بينهم: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:١٣].
المصدر: القومية العربية لسفر الحوالي
وبهذا التوسيع المقصود الذي يراد به كيد المسلمين مالكي الأوطان الحقيقيين، عدا هؤلاء النزلاء والضيوف المقيمون بعهد أو أمان أو ذمة لهم في الملكية العامة للوطن حقوق متساوية لحقوق مالكيه الأصليين.
وبمكر مدبر انطلقت عبارة: "الدين لله والوطن للجميع". وأطلق مروجو شعار الوطنية بين المسلمين حديثاً لا أصل له، نسبوه إلى النبي، وهو: "حب الوطن من الإيمان".
وهذا التوسيع في حق الملكية العامة المشاعة للوطن، جر إلى التسليم بحق الجميع في إدارته السياسية.
ولما كان هؤلاء الجميع مختلفي الأديان والمبادئ والعقائد، وقد صار لهم جميعاً الحق في الإدارة السياسية للوطن الواحد، بمقتضى مكيدة الزحف الانتقالي من فكرة إلى فكرة، كان لا بد من اللجوء إلى مكيدة أخرى، هي المناداة بفصل الدين عن السياسة، والمناداة بعلمانية الدولة.
ثمّ إن الأخذ بعلمانية الدولة التي تتضمن إبعاد الدين عن الإدارة السياسية لبلاد المسلمين وأوطانهم، قد مكّن الطوائف غير المسلمة فيها من الوصول إلى مراكز الإدارة السياسية، والقوة العسكرية، حتى مستوى القمة أو قريباً منها.
وتدخلت ألاعيب كيدية كثيرة خارجية وداخلية معادية للإسلام والمسلمين، في تهيئة الظروف السياسية، وتقبلت جماهير المسلمين ذلك ببراءة وغفلة وحسن نية، وكان بعض قادتهم السياسيين والعسكريين وغيرهم عملاء وأجراء لأعدائهم.
ثمّ لما تمكنت هذه الطوائف غير المسلمة من القوى الفعالة داخل بعض بلاد المسلمين، كشفت الأقنعة عن وجوهها التي كانت تخادع بها، وتدّعي الإخاء الوطني، وصارت تدعي أن الوطن لها، وأخذت تنبش الدفائن لتستخرج مزاعم تاريخية قديمة، سابقة للفتح الإسلامي، وهذه المزاعم لا أساس لها من الصحة.
ثمّ أخذت تفرض سلطانها بالقوة في هذه البلاد، مؤيَّدةً من الدول الكبرى المعادية للإسلام والمسلمين، وحارب الأكثرية المسلمة بضراوة وحق، وأخذت تحرمها من حقوقها في أوطانها، حتى جعلتها بمثابة أقليات مستضعفة.
ونسفت الطوائف غير المسلمة بعد تمكنها أفكار الحق الوطني القائم على العلمانية نسفاً، ونسفت الإخاء الوطني، وأظهرت تعصبها الطائفي المقيت، القائم على الانتماء لأديانها وعقائدها التقليدية الموروثة.
وكانت لعبة شعار الوطنية مكيدة انخدع بها جمع غفير من المسلمين ببراءة وسلامة صدر، حتى استلّ أعداؤهم منهم معظم حقوقهم، ومعظم مقدّراتهم
المصدر: كواشف زيوف لعبد الرحمن حبنكة ص ٢٥٨ - ٢٦٠
стр. 342
سابعا: نتائج تقديس الوطنية
أثمرت الدعوة إلى الوطنية ثمارا خبيثة وبرزت العصبية البغيضة وانتزعت الرحمة بين الناس وحل محلها الفخر والخيلاء والكبرياء حيث تعصب كل شعب لوطنه واحتقر ما عداه في صور مخزية مفرقة ومن أقوى الأمثلة على ذلك ما حصل عند الأتراك – بفعل دسائس اليهود ضد الدولة الإسلامية العثمانية – حيث نفخوا في أذهان الوطنيين الأتراك وجوب العودة إلى الافتخار بوطنيتهم الطورانية التي كانت موجودة قبل الإسلام والعودة إلى تقديس شعار الذئب الأغبر معبودهم قبل الإسلام ونفخوا في الوقت نفسه في أذهان العرب الوطنيين الحنين إلى الاعتزاز بالوطنية العربية وتقديمها على كل شيء بل جعلها إلها كما قال تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:٤٣] وقد عبر شاعرهم عن ذلك بقوله:
هبوني عيدا يجعل العرب أمة ... وسيروا بجثماني على دين برهم
فماذا ينتظر من الوطنيين حينما تكون الكلمة لهم؟ غير جعل الوطنية هي الدين، وهل حقق هؤلاء السفهاء الأشرار كلامهم في حب الوطنية العربية؟!، وماذا فعلوا ضد اليهود في فلسطين وفي غير فلسطين؟، ماذا قدموا غير الصراخ والعويل والنباح والتهديدات الجوفاء لتحرير القدس والأمة العربية؟ يرددون كلاما ممجوجا مكررا وشعارات أصبحت مهازل يستحي منها العقلاء على أنه لم يقتصر الضرر فقط على ما تقدم وإنما كانت وراء خدعة الوطنية أغراضا سياسية وثقافية واجتماعية حيث بدأت الدعوة للوطن تفرق بين الولاء لله تعالى وبين الولاء لغيره تحت شعار " الدين لله والوطن للجميع "، وبالغوا في وجوب حب الوطن وأنه مشاع بين جميع المواطنين حتى السياسية منها ومن هنا تمت اللعبة على كثير من بلدان المسلمين حيث أصبح المواطن النصراني أو اليهودي أو العلماني أو الشيوعي حتى وإن لم يكن من أهل ذلك البلد في الأساس فإن من حقه كمواطن أن يصل إلى أعلى الرتب التي يتمكن من خلالها من التحكم في مصائر أهل تلك الشعوب الإسلامية وهو ما هدف إليه أعداء الإسلام من دعمهم السخي لأولئك الأقليات في تلك البلدان الذين هم في الأساس عملاء لتلك القوى الكفرية العالمية ونجحوا في ذلك وفي نهاية الأمر وهو نتيجة لتمكن أولئك من السلطة أصبح هؤلاء ينادون بأن الوطن والعيش فيه هو في الدرجة الأولى لهم وصاروا ينظرون إلى أهل تلك الأوطان الإسلامية بأنهم غرباء وأحيانا يسمونهم عملاء وبالتالي فمن حقهم أن يضطهدوهم وهو ما تم في بعض ديار المسلمين التي أصبح الحكم فيها لغير المسلمين بل وطرد المسلمين وحوربوا ونفذ المخطط المعادي للإسلام بكل دقة وكأن الشاعر يندب حظهم حينما قال مفتخرا:
يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل
стр. 343
وبهذا يتضح أن دعوى الوطنية وكذلك القومية وكذا الإنسانية والأخوة والمساواة وحرية الكلمة وتقبل الرأي والرأي الآخر ما هي إلا لعب سياسية ماكرة ودعوات يراد من ورائها مكاسب سياسية وعقدية. وفي لبنان وفلسطين أقوى الشواهد واتضح أن الدعوة إلى كل النعرات الجاهلية لم ينتفع بها إلا أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ليندمجوا مع المسلمين تحت هذا الاسم. لأن الغرض من قيامها في الأساس هو لتحقيق هذا الهدف. فلا يبتلى بها مجتمع إلا وأصيب بهذا الداء العضال من تراخي القبضة على الدين ومن تمجيد تراب الوطن وكل ذرة رمل فيه وأنه وطن مقدس دون غيره من بلاد الآخرين فاخترعت له طقوس وشعارات واخترعت له أعياد – هي غير الأعياد الإسلامية – ويتبادل الناس فيها التهاني والتبريكات وتتعطل كثير من المصالح لانشغال الناس بتلك الأعياد بينما الإسلام ليس فيه إلا عيدين عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد صغير هو يوم الجمعة وطلب أقطابها من الناس أن يقدموا دماءهم رخيصة من أجل تراب الوطن بدلا عن الجهاد في سبيل الله تعالى.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل جاءت ثالثة الأثافي وهي كثرة الأماكن المقدسة فمرة يدعون إلى تقديس تراب الوطن كله ومرة يدعون إلى تقديس بعض المدن أو الأماكن التي قد لا يعرف لها ذكر ولا سابقة خير بل أحيانا يدعون إلى تقديس أماكن عرف عنها الشر وربما وصل الحال إلى أن يختلط الأمر على من لا معرفة له بالأماكن المحترمة من غير الأماكن المحترمة والمسلمون يعلمون أن الإسلام لا يدعوا أحدا إلى تقديس أي مكان في هذه الدنيا ولا يجد المسلمون بلدا تحن إليها النفوس وتترقرق عنده الدموع إلا مكة المكرمة والمدينة النبوية وليس ذلك لذات المكان أو لترابه وإنما هو لما شرفهما الله به من جعلهما أماكن عبادة فاضلة ومن بعثة نبيه محمد ﷺ .
وبزوغ فجر الإسلام فيهما ومن ظن أن هذا الاحترام والتقدير إنما هو لترابهما فهو جاهل فقد كانت المدينة تسمى يثرب وكان فيها ما ذكره العلماء عنها من أنها أرض وباء وحرة جرداء حتى شرفها الله تعالى بنزول نبيه فيها ودعاؤه لها بالبركة وأن ينقل حماها إلى الجحفة ويبارك في مدها وصاعها وأن يحببها إليهم كحبهم مكة أو أشد إلى غير ذلك من أخبار هذا البلد الطيب وكذلك مكة فإنها واد غير ذي زرع شرفها الله بالكعبة ولكن في عرف الوطنية ليس العبرة بالصفات وإنما العبرة بذات الأرض وأحيانا تقدس الوطنية الأرض لأن هواءها جميل وأشجارها باسقة ونحو ذلك مما ينظر إليه الشخص القصير النظر الضيق الفكر.
وليت شعري ما الفائدة من تقديس الوطنية إذا كانت ثمارها قطع كل صلة للشخص بما وراء وطنه وبالتالي قطع أواصر المودة بين أوطان المسلمين وأن كون الولاء والبراء قائما على الوطنية لا على الأخوة الإسلامية وأن يغضب الشخص لوطنه أكثر من غضبه لدينه والتعصب لبني وطنه وتقديسهم سواء كانوا قبل الإسلام أو بعده مقدما لهم على أواصر الأخوة في الدين بحيث يجب أن يحب الملحد الوطني على الصالح من غير وطنه حسب شريعة الوطنية أليست هذه معاول هدم تفرق ولا تجمع؟ وتشتت المسلمين وتضعفهم؟
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٨٥
стр. 344
تعقيب على ما سبق
وأخيرا فإنه يتضح مما سبق:
١ - أن القومية والوطنية بينهما ترابط شديد وإن كان مفهومهما في الظاهر مختلفا ولكن في حقيقتهما تلازم يرتبط بعضه بالبعض الآخر إذ لا تجد من يتصف بأحدهما إلا وهو متصف بالآخر حتما.
٢ - إن الدعوة إلى هاتين النعرتين الجاهليتين قد أراد أصحابهما أن يحلوها محل الدين.
٣ - إن الإسلام قد حاربهما حربا شعواء وبين الأخطار التي تكمن من وراء قيامهما.
٤ - إن ظهورهما في بلاد المسلمين - على الصورة المستعرة التي هي عليه اليوم – إنما كان بدسائس اليهود والنصارى وسائر الدول الغربية الحاقدة.
٥ – يجب على كافة الدعاة إلى الله وطلاب العلم أن يجتهدوا في محاربتهما وبيان ما تحملانه من تدمير للإسلام والمسلمين، وبيان أن الإسلام دين كامل إلى يوم القيامة وأن الخير والسعادة للبشرية تكمن في الانضواء تحته وتطبيق تعاليمه ومعرفة ما كان عليه حال العرب قبل الإسلام وكيف تحولوا بعده إلى أن كانوا قادة العالم ووجه الأرض المشرق.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي٢/ ٩٨٩
стр. 345
أولا: التعريف
حركة تحرير المرأة. حركة علمانية، نشأت في مصر في بادئ الأمر، ثم انتشرت في أرجاء البلاد العربية والإسلامية. تدعو إلى تحرير المرأة من الآداب الإسلامية والأحكام الشرعية الخاصة بها مثل الحجاب، وتقييد الطلاق، ومنع تعدد الزوجات والمساواة في الميراث وتقليد المرأة الغربية في كل أمر ونشرت دعوتها من خلال الجمعيات والاتحادات النسائية في العالم الغربي.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 346
ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات
قبل أن تتبلور الحركة بشكل دعوة منظمة لتحرير المرأة ضمن جمعية تسمى الاتحاد النسائي .. كان هناك تأسيس نظري فكري لها .. ظهر من خلال كتب ثلاث ومجلة صدرت في مصر.
ـ كتاب المرأة في الشرق تأليف مرقص فهمي المحامي، نصراني الديانة، دعا فيه إلى القضاء على الحجاب وإباحة الاختلاط وتقييد الطلاق، ومنع الزواج بأكثر من واحدة، وإباحة الزواج بين النساء المسلمات والنصارى.
ـ كتاب (تحرير المرأة) تأليف قاسم أمين، نشره عام ١٨٩٩م، بدعم من الشيخ محمد عبده وسعد زغلول، وأحمد لطفي السيد. زعم فيه أن حجاب المرأة السائد ليس من الإسلام، وقال إن الدعوة إلى السفور ليست خروجاً على الدين.
ـ كتاب (المرأة الجديدة) تأليف قاسم أمين أيضاً ـ نشره عام ١٩٠٠م يتضمن نفس أفكار الكتاب الأول ويستدل على أقواله وادعاءاته بآراء الغربيين.
ـ مجلة السفور، صدرت أثناء الحرب العالمية الأولى، من قبل أنصار سفور المرأة، وتركز على السفور والاختلاط.
· سبق سفور المرأة المصرية، اشتراك النساء بقيادة هدى شعراوي (زوجة علي شعراوي) في ثورة سنة ١٩١٩م، فقد دخلن غمار الثورة بأنفسهن، وبدأت حركتهن السياسية بالمظاهرة التي قمن بها في صباح يوم ٢٠ مارس سنة ١٩١٩م.
وأول مرحلة للسفور كانت عندما دعا سعد زغلول النساء اللواتي يحضرن خطبه أن يزحن النقاب عن وجوههن. وهو الذي نزع الحجاب عن وجه نور الهدى محمد سلطان التي اشتهرت باسم: هدى شعراوي مكونة الاتحاد النسائي المصري وذلك عند استقباله في الإسكندرية بعد عودته من المنفى. واتبعتها النساء فنزعن الحجاب بعد ذلك.
تأسس الاتحاد النسائي في نيسان ١٩٢٤م بعد عودة مؤسسته هدى شعراوي من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي الذي عقد في روما عام ١٩٢٢م .. ونادى بجميع المبادئ التي نادى بها من قبل مرقص فهمي المحامي وقاسم أمين.
ـ مهد هذا الاتحاد بعد عشرين عاماً لعقد مؤتمر الاتحاد النسائي العربي عام ١٩٤٤م وقد حضرته مندوبات عن البلاد العربية. وقد رحبت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بانعقاد المؤتمر حتى أن حرم الرئيس الأمريكي روزفلت أبرقت مؤيدة للمؤتمر.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 347
ثالثا: من أبرز شخصيات حركة تحرير المرأة
الشيخ محمد عبده ـ فقد نبتت أفكار كتاب (تحرير المرأة) في حديقة أفكار الشيخ محمد عبده. وتطابقت مع كثير من أفكار الشيخ التي عبر فيها عن حقوق المرأة وحديثه عنها في مقالات الوقائع المصرية وفي تفسيره لآيات أحكام النساء. (التفاصيل في كتاب (المؤامرة على المرأة المسلمة) د. السيد أحمد فرج ص ٦٣ وما بعدها. دار الوفاء سنة ١٩٨٥م كتاب (عودة الحجاب) الجزء الأول، د. محمد أحمد بن إسماعيل المقدم).
سعد زغلول، زعيم حزب الوفد المصري، الذي أعان قاسم أمين على إظهار كتبه وتشجيعه في هذا المجال.
لطفي السيد الذي أطلق عليه أستاذ الجيل وظل يروج لحركة تحرير المرأة على صفحات الجريدة لسان حال حزب الأمة المصري في عهده.
صفية زغلول. زوجة سعد زغلول وابنة مصطفى فهمي باشا رئيس الوزراء في تلك الأيام وأشهر صديق للإنكليز عرفته مصر.
هدى شعراوي ابنة محمد سلطان باشا الذي كان يرافق الاحتلال الإنكليزي في زحفه على العاصمة وزوجة علي شعراوي باشا أحد أعضاء حزب الأمة (حاليًّا الوفد) ومن أنصار السفور.
سيزا نبراوي (واسمها الأصلي زينب محمد مراد)، وهي صديقة هدى شعراوي في المؤتمرات الدولية والداخلية. وهما أول من نزع الحجاب في مصر بعد عودتهما من الغرب إثر حضور مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي الذي عقد في روما ١٩٢٣م.
درية شفيق. من تلميذات لطفي السيد، رحلت وحدها إلى فرنسا لتحصل على الدكتوراه، ثم إلى إنكلترا، وصورتها وسائل الإعلام الغربية بأنها المرأة التي تدعو إلى التحرر من أغلال الإسلام وتقاليده مثل: الحجاب والطلاق وتعدد الزوجات.
ـ لما عادت إلى مصر شكلت حزب (بنت النيل) في عام ١٩٤٩م بدعم من السفارة الإنكليزية والسفارة الأمريكية .. وهذا ما ثبت عندما استقالت إحدى عضوات الحزب وكان هذا الدعم سبب استقالتها. وقد قادت درية شفيق المظاهرات، وأشهرها مظاهرة في عام ١٩ فبراير١٩٥١م و١٢ مارس ١٩٥٤م بالتنسيق مع أجهزة عبد الناصر فقد أضربت النساء في نقابة الصحافيين عن الطعام حتى الموت إذا لم تستجب مطالبهن. وأجيبت مطالبهن ودخلت درية شفيق الانتخابات ولم تنجح. وانتهى دورها. وحضرت المؤتمرات الدولية النسائية للمطالبة بحقوق المرأة ـ على حد قولها ـ.
سهير القلماوي: ـ تربت في الجامعة الأمريكية في مصر ـ وتخرجت من معهد الأمريكان ـ وتنقلت بين الجامعات الأمريكية والأوربية، ثم عادت للتدريس في الجامعة المصرية.
أمينة السعيد: وهي من تلميذات طه حسين، الأديب المصري الذي دعا إلى تغريب مصر .. ترأست مجلة حواء. وقد هاجمت حجاب المرأة بجرأة ـ ومن أقوالها في عهد عبد الناصر: " كيف نخضع لفقهاء أربعة ولدوا في عصر الظلام ولدينا الميثاق؟ ". تقصد ميثاق عبد الناصر الذي يدعو فيه إلى الاشتراكية ـ وسخرت مجلة حواء للهجوم على الآداب الإسلامية.
· د. نوال السعداوي زعيمة الاتحاد المصري حاليًّا.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 348
رابعا: الأفكار والمعتقدات
نجمل أفكار ومعتقدات أنصار حركة تحرير المرأة فيما يلي:
· تحرير المرأة من كل الآداب والشرائع الإسلامية وذلك عن طريق:
ـ الدعوة إلى السفور والقضاء على الحجاب الإسلامي.
ـ الدعوة إلى اختلاط الرجال مع النساء في كل المجالات في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية، والأسواق.
ـ تقييد الطلاق، والاكتفاء بزوجة واحدة.
ـ المساواة في الميراث مع الرجل.
الدعوة العلمانية الغربية أو اللادينية بحيث لا يتحكم الدين في مجال الحياة الاجتماعية خاصة.
· المطالبة بالحقوق الاجتماعية والسياسية.
· أوروبا والغرب عامة هم القدوة في كل الأمور التي تتعلق بالحياة الاجتماعية للمرأة: كالعمل، والحرية الجنسية، ومجالات الأنشطة الرياضية والثقافية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
الجذور الفكرية والعقائدية:
بعد تبلور حركة تحرير المرأة على شكل الاتحادات النسائية في البلاد العربية خاصة والدولية عامة، أصبحت اللادينية أو ما يسمونه (العلمانية) الغربية هي الأساس الفكري والعقدي لحركة تحرير المرأة. وهي موجهة وبشكل خاص في البلاد العربية والإسلامية إلى المرأة المسلمة؛ لإخراجها من دينها أولاً. ثم إفسادها خلقيًّا واجتماعيًّا .. وبفسادها، يفسد المجتمع الإسلامي وتنتهي موجة حماسة العزة الإسلامية التي تقف في وجه الغرب الصليبي وجميع أعداء الإسلام وبهذا الشكل يسهل السيطرة عليه.
ومن الأدلة على أن جذور حركة تحرير المرأة تمتد نحو العلمانية الغربية ما يلي:
ـ في عام ١٨٩٤م ظهر كتاب للكاتب الفرنسي الكونت داركور، حمل فيه على نساء مصر وهاجم الحجاب الإسلامي، وهاجم المثقفين على سكوتهم.
ـ في عام ١٨٩٩م ألف قاسم أمين كتابه (تحرير المرأة) أيد فيه آراء داركور.
ـ وفي نفس العام هاجم الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل (زعيم الحزب الوطني) كتاب (تحرير المرأة) وربط أفكاره بالاستعمار الإنكليزي.
ـ ألف الاقتصادي المصري الشهير محمد طلعت حرب كتاب (تربية المرأة والحجاب في الرد على قاسم أمين ومما قاله): " إن رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوروبا ".
ـ ترجم الإنكليز ـ أثناء وجودهم في مصر ـ كتاب (تحرير المرأة إلى الإنكليزية ونشروه في الهند والمستعمرات الإسلامية).
ـ الدكتورة (ريد) رئيسة الاتحاد النسائي الدولي التي حضرت بنفسها إلى مصر لتدرس عن كثب تطور الحركة النسائية.
ـ اغتباط الدوائر الغربية بحركة تحرير المرأة العربية وبنشاط الاتحاد النسائي في الشرق وتمثلت ببرقية حرم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية للمؤتمر النسائي العربي عام ١٩٤٤م.
ـ صلة حزب (بنت النيل) بالسفارة الإنكليزية والدعم المالي الذي يتلقاه منهما ـ كما رأينا عند حديثنا عن درية شفيق.
ـ ترحيب الصحف البريطانية بدرية شفيق زعيمة حزب (بنت النيل) وتصويرها بصورة الداعية الكبرى إلى تحرير المرأة المصرية من أغلال الإسلام وتقاليده.
ـ برقية جمعية (سان جيمس) الإنكليزية إلى زعيمة حزب بنت النيل تهنئها على اتجاهها الجديد في القيام بمظاهرات للمطالبة بحقوق المرأة.
ـ مشاركة الزعيمة نفسها في مؤتمر نسائي دولي في أثينا عام ١٩٥١م ظهر من قرارته التي وافقت عليها أنها تخدم الاستعمار أكثر من خدمتها لبلادها.
إعلان (كاميلا يفي) الهندية أن الاتحاد النسائي الدولي واقع تحت ريادة الدول الغربية والاستعمارية واستقالتها منه.
ـ إعلان الدكتورة نوال السعداوي رئيسة الاتحاد النسائي المصري عام ١٩٨٧م أثناء المؤتمر أن الدول الغربية هي التي هيأت المال اللازم لعقد مؤتمر الاتحاد النسائي والدول العربية لم تساهم في ذلك.
هذه بعض الوقائع التي تدل دلالة لا ريب فيها على صلة حركة تحرير المرأة بالقوى الاستعمارية الغربية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 349
الخلاصة
أن حركة تحرير المرأة هي حركة علمانية، نشأت في مصر، ومنها نُشرت في أرجاء البلاد العربية والإسلامية، وهدفها هو قطع صلة المرأة بالآداب الإسلامية والأحكام الشرعية الخاصة بها كالحجاب، وتقييد الطلاق ومنع تعدد الزوجات والمساواة في الميراث وتقليد المرأة الغربية في كل شيء. ويعتبر كتاب (المرأة في الشرق) لمرقص فهمي المحامي، وتحرير المرأة والمرأة الجديدة لقاسم أمين من أهم الكتب التي تدعوا إلى السفور والخروج على الدين، وتمتد أهداف هذه الحركة لتصل إلى جعل العلمانية واللادينية أساس حركة المرأة والمجتمع.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 350
أولا: التعريف
البانتشاسيلا (أو المبادئ الخمسة المتلاحمة) هي خمسة مبادئ رئيسة أعلنت غداة الاستقلال سنة ١٩٤٥م ووضعت في دستور إندونيسيا المسلمة، ليسير على هديها الشعب الإندونيسي المسلم، بديلاً عن العقيدة الإسلامية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 351
ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات
في سنة ١٩٤٥م عقدت لجنة الإعداد للاستقلال في إندونيسيا، لوضع أسس للدولة المقبلة.
ـ واحتدم الخلاف بين القوى الإسلامية والوطنية ـ كما يقال عنهم ـ حول أساس الدولة، هل هو الإسلام أو اللادينية؟.
ـ في أثناء ذلك وضع سوكارنو ـ وهو أول رئيس لإندونيسيا بعد الاستقلال - المبادئ الخمسة (البانتشاسيلا) لتكون أساس وفلسفة الدولة.
ـ وأنجزت اللجنة التساعية التي ضمت الزعماء الإسلاميين والزعماء الوطنيين مهمتها في وضع ميثاق جاكرتا وتم التوقيع عليه في ٢٢ يونيو ١٩٤٥م. وهذا الميثاق أصبح مقدمة لدستور سنة ١٩٤٥م. بعد إلغاء جملة: "مع وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية على معتنقيها". ويقال إن سبب إلغاء هذه الجملة هو صدور إنذار من النصارى ـ وهم قلة قليلة في إندونيسيا ـ بعدم المشاركة في النضال لنيل الاستقلال إذا لم تحذف هذه العبارة.
ـ وهكذا ضاع أمل الإسلاميين في إنشاء دولة إسلامية في إندونيسيا نتيجة فكر الدول الصليبية وتلاميذها من القادة العلمانيين.
ـ وكان سوكارنو ـ واضع المبادئ الخمسة ـ يحكم إندونيسيا مثل باقي العسكريين الذين استولوا على السلطة في دول العالم الثالث بالحديد والنار.
ـ وعرف سوكارنو ببعده عن الإسلام وتحلله الأخلاقي طوال فترة حكمه وقد لقيت الدعوة الإسلامية في إندونيسيا أشد العنت إبان حكمه.
ـ الرئيس (سوهارتو) الذي استولى على السلطة بانقلاب عسكري وأقصى سوكارنو عن الحكم .. سار على نهجه، في صبغ إندونيسيا المسلمة بالصبغة العلمانية (اللادينية) وأطلق يد كل أعداء الإسلام للعمل في البلاد وفتح أبواب إندونيسيا للتنصير وإحياء الوثنية ونشر الفساد والتحلل الأخلاقي في البلاد.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 352
ثالثا: الأفكار والمعتقدات
يقوم البانتشاسيلا على خمسة مبادئ هي:
الإيمان بالله الواحد الأحد (الربانية المتفردة).
القومية وتنادي (بالوحدة الإندونيسية).
الديمقراطية أو (الشعبية الموجهة بالحكمة في الشورى النيابية).
الإنسانية العادلة المهذبة.
العدالة الاجتماعية.
على أساس أن هذه المبادئ هي نقاط التفاهم بين جميع الطوائف في إندونيسيا.
ـ هذه المبادئ الخمسة بقيت مبادئ نظرية محضة، أو شعارات مرفوعة ـ كما هي الحال في الحكومات العسكرية في العالم الإسلامي ـ وتخفي وراءها العلمانية التي تسعى إلى سلخ الشعب المسلم في إندونيسيا عن الإسلام شيئاً فشيئاً. ـ لا يقصد بـ (الإيمان بالله) (المبدأ الأول من المبادئ الخمسة)، الإيمان القائم على العقيدة الصحيحة والوحي الإلهي المجرد من كل المؤثرات، وفكرة الله عند سوكارنو (المنظِّر لهذه المبادئ): (أن الإنسان الذي لا يزال يعيش على الزراعة يشعر بحاجة إلى الله، وإذا بلغ مرحلة الصناعة لم يعد يرى ثمة ضرورة لوجود الله). ـ إذاً المقصود بوجود هذا المبدأ (الإيمان بالله) هو الخداع والتمويه على الحقيقة اللادينية للبانتشاسيلا.
• العلمانية والتغريب هما خلفية البانتشاسيلا ومن هذا الباب دخلت الصليبية والجمعيات التنصيرية من كل طائفة وملة إلى إندونيسيا بتسهيلات من الحكومة الإندونيسية، والأمم المتحدة باسم رعاية الأمومة والطفولة، ومكافحة الأمراض وفتح المستشفيات .. الخ.
• بلغ عدد الذين تركوا الإسلام واعتنقوا الكاثوليكية في إندونيسيا ٢٠ ميلوناً ضمن سكان الدولة المسلمة التي كانت مسلمة مائة بالمائة.
• الرابطة القومية ـ اللادينية ـ هي التي تربط أفراد الشعب الإندونيسي بعضهم ببعض .. وهذه الرابطة صدى للدعوات القومية التي ظهرت في أوروبا وتسعى الآن للتخلص منها وإحياء الانتماء لديهم للنصرانية واليهودية .. وهدف القومية الإندونيسية إبعاد العقيدة الإسلامية عن عوامل وحدة الشعب الإندونيسي وبالتالي إبعاد الشعب عنها شيئاً فشيئاً.
• الإنسانية فكرة أصبحت مبدأ من المبادئ الخمسة، تخفي وراءها الدعوة اللادينية، والحقد على الإسلام .. باعتبار أن الشعب الإندونيسي ليس كله مسلماً .. وأن الذي يجمعهم هو الإنسانية.
• العدالة الاجتماعية .. مقولة جميع الحكام العسكريين في دول العالم الثالث ولكن بدون ممارسة حقيقية، أو وجود واقعي .. وإلا فلماذا انتشر الفساد واللصوصية والرشوة والمحسوبية بين المسؤولين في إندونيسيا وفي سواها ممن نهج نهجها؟.
ـ انطلاقاً من التزام الحكومة بالبانتشاسيلا باعتبارها الأساس الوحيد المعترف به للسياسة العامة للدولة فقد صدرت القوانين التي اعتبرت أية دعوة لتطبيق الدين الإسلامي دعوة تخريبية تهدد أساس استقرار المجتمع ـ كما حاولت الحكومة عام ١٩٧٣م منع المسلمين من التحاكم لقوانين الشريعة الإسلامية المتعلقة بالزواج والطلاق والأحوال الشخصية إلا أن تلك المحاولة أسقطتها المظاهرة التاريخية الكبرى التي قام بها الشباب المسلم آنذاك.
• كما اتجهت الحكومة لمنع حجاب الشابات المسلمات وألحقت جهاز بوليس بكل مصلحة حكومية لتولي مسؤولية مراقبة وملاحقة أنشطة الدعوة الإسلامية.
• وعلى أساس البانتشاسيلا اعترفت الحكومة بالنصرانية وتمثل ٥ % والأديان الوثنية (البوذية ٢ % والهندوكية ٢ % وباقي الوثنية ٢ %) على الرغم من أن الإسلام يمثل ٨٨ % من عدد السكان البالغ ١٦٠ مليون نسمة.
• وتعامل الحكومة ـ انطلاقاً من البانتشاسيلا ـ الأديان معاملة متساوية لذلك أتاحت للهيئات التبشيرية كامل الحرية في نشر الديانة النصرانية بين المسلمين وكذلك تقدم الحكومة برامج متساوية على شاشة التلفزيون لنشر تعاليم كل الأديان!!. ـ ونظراً لأعمال البانتشاسيلا فإن عدد الكنائس والمعابد البوذية والهندوكية أصبحت مقاربة لعدد مساجد المسلمين.
• أدخلت الحكومة مبادئ البانتشاسيلا كمادة أساسية في مجال التربية والتعليم في جميع المراحل التعليمية، وأعدَّت دورات تدريبية لجميع موظفي الحكومة والقطاع الخاص لدراسة مبادئها. زعماً بأن البانتشاسيلا ليست ضد الإسلام والمسلمين وإنما تعني حرية الأديان للتعايش السلمي.
• ومما تجدر ملاحظته ما قيل من أن الرئيس سوكارنو قد اقتبس مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والإنسانية من الزعيم الوطني " سون يات سن " وأضاف إليها مبدئي الألوهية ووحدة إندونيسيا.
• وهكذا انطلقت الجمعيات التنصيرية لتنصير المسلمين في إندونيسيا حتى أصبح المُنَصَّرُون من المسلمين الإندونيسيين يتعدون عشرين مليوناً انطلاقاً من البانتشاسيلا التي باركها الغرب.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 353
الخلاصة
أن البانتشاسيلا هي خمسة مبادئ أعلنت غداة استقلال إندونيسيا المسلمة ليسير الشعب على هديها وهي: الإيمان بالله الواحد الأحد والقومية والديمقراطية والإنسانية والعدالة الاجتماعية، وفي ظل هذه الشعارات النظرية عربدت العلمانية في إندونيسيا. ففي بيان المبدأ الأول قال سوكارنو منظِّر هذه المبادئ إن المزارع يشعر بحاجته إلى الله أما الصانع فلا يرى ضرورة لوجوده، وفي ظل هذه المبادئ تم تنصير الملايين من المسلمين في إندونيسيا، وفي ظل هذه المبادئ تمنع الحكومة الحجاب وتلاحق الدعاة إلى الله.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 354
مراجع للتوسع
ـ اختاروا إحدى السبيلين: الدين أو اللادينية للدكتور محمد ناصر رئيس وزراء إندونيسيا السابق الدار السعودية للنشر ط ٢، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
صفحات من تاريخ إندونيسيا المعاصرة لمحمد أسد شهاب.
مجلة الاعتصام ـ القاهرية ـ عدد ربيع الآخر ١٤١٠هـ ـ نوفمبر ١٩٨٩م.
ـ مجلة الدبلوماسي العدد الثامن ذو القعدة ١٤٠٧هـ يوليو ١٩٨٧م مقال "البانتشاسيلا أساس الدولة في الجمهورية الإندونيسية".
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 355
أولا: التعريف
" أمة الإسلام "، حركة ظهرت بين السود في أمريكا وقد تبنت الإسلام بمفاهيم خاصة غلبت عليها الروح العنصرية، وعرفت فيما بعد باسم (البلاليون) بعد أن صححت كثيراً من معتقداتها وأفكارها.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي