← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38726

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (776 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

سابعا: كيف تسربت دعوى القومية إلى البلدان العربية والإسلامية ؟ البلدان العربية والإسلامية أعزها الله بالإسلام الذي يجعل أتباعه كالجسد الواحد. وقد عاش المسلمون ردحا من الزمن ما كانوا يعيرون القومية الجاهلية أدنى اهتمام سواءً كانوا حكاما أو محكومين. إلى أن بدأ المسلمون في الضعف والتقهقر فنفذ أعداء الإسلام مخططاتهم بتفريقهم على أيدي القوميين وحينئذ مدوا أيديهم إلى فتات الغرب القذر. فإذا بهم أمام القوميات فدخلها الكثير من أوسع أبوابها مصدقين الدعايات الغربية أنها ثقافة وعلم مادي أوصلت الغرب إلى ما هو عليه من التقدم والرقي. بزعمهم ولم يفطن إلا القليل جدا إلى خطر القوميات وأبى الكثير بسبب ما كان عالقا بأذهانهم من وجوب استعادة الأمجاد السابقة للآباء والأجداد يساعدهم في هذا الاتجاه كل أعداء الإسلام من الصليبيين الذين تكبدوا في حروبهم مع المسلمين أفظع الهزائم التي لم يعرف في التاريخ لها أي مثيل ومستغلين كذلك الحملة ضد الحكم العثماني التركي على أيدي الصليبيين العرب في لبنان وسوريا. يقول محمد قطب: "وقد كانت دعاوى القومية والوطنية المصدرة عن عمد إلى العالم الإسلامي من بين وسائل الغزو الفكري الذي استخدمه الصليبيون المحدثون في غزو العالم الإسلامي " (١). وكان أوسع الأبواب لدخول القومية إلى بلدان المسلمين هو المناداة بإقامة الأمجاد والمفاخر – الزائفة – بالتراث الجاهلي الذي سلبه الأتراك ممثلا في الدولة العثمانية بزعمهم وكان الذي فتح هذا الباب الواسع هم اليهود الذين هم وراء كل جريمة فقد أشعلوا الخلاف الشديد بين الأتراك الذين ما كانوا يعيرون القومية التركية أدنى اهتمام وبين العرب الذين كان ولاؤهم للإسلام. فجاء دعاة القومية وحرضوا الأتراك على إقامة قوميتهم الطورانية كما حرضوهم على تتريك العرب أيضا ليتم التصادم بين الجميع وأنه لا يجب على الجميع احترام القومية الطورانية. ورمز الذئب الأغبر الذي تجتمع عليه قومية الأتراك وتم لجمعيات اليهود أن ينادوا بتمجيد القومية الطورانية بالنسبة للأتراك حيث جعلها عدو الله أتاتورك بديلا عن الدين الإسلامي وعرفوا كيف ينفخون في أذهان العرب بإيجاد أنفة شديدة في نفوسهم من خضوعهم للأتراك وقامت الدعايات والمؤامرات والكتاب وكل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة قامت كل تلك الوسائل كالصاعقة لإحياء تلك النعرات الجاهلية القومية والوطنية عند العرب والأتراك جميعا وما تبع ذلك من الرغبة الشديدة في إشعال الثورات المتلاحقة للتخلص من الحكم العثماني بفعل دسائس أعداء الإسلام من اليهود والنصارى في رد فعل عارم على القومية الطورانية. وكان ذلك كله بمرأى ومسمع من دهاة البشر وخبثائهم الدول الغربية المؤيدة لليهودية العالمية إلى أن سقطت الخلافة العثمانية جسما هامدا وجاء الحكام الجدد الذين لا هم لهم إلا تثبيت كراسيهم في الحكم على مفهوم القومية والوثنية ثم البعثية وصاروا يرددون كالببغاوات كل ما يسمعونه من مختلف الشعارات البراقة وكان أول بلد نجم عنه قرن القومية لبنان وسوريا بزعامة نصارى هذين البلدين- عيون الغرب الصليبيي في بلاد المسلمين – ومنها انتشرت الدعوة إلى القومية والوطنية بتأثير الدعايات والدراسات في الغرب وشراء الضمائر .. وما إلى ذلك من الوسائل الكثيرة التي استخدمت لإيصال هذه الأفكار وإخراجها كأمر واقع لابد منه لإيجاد الأمجاد العربية؟!. ولقد كان لليهود نصيب الأسد في إحياء القومية الطورانية لحقدهم الشديد على الدولة العثمانية التي أبت أن تمنحهم موضع قدم يمتلكونه في فلسطين وغيرها من بلدان المسلمين فكان من الطبيعي أن يستغل اليهود تلك النعرة الجاهلية ليحققوا من ورائها أهدافهم في الإطاحة بالخلافة الإسلامية ممثلة في السلطان عبد الحميد – ﵀ – الذي قال: " لن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا وليحتفظ اليهود ببلايينهم " (٢). ومن ها هنا قرر اليهود إنشاء جمعية " الاتحاد والترقي " والحقيقة أنها عكس هذا الاسم تماما – وكل أعضائها فيما يذكر الباحثون أنهم غير أتراك وغير مسلمين حقيقة وكانت المساعدات المالية تأتيهم كلها من الدول الغربية النصرانية ومن يهود الدونمة. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٢١

стр. 282

ثامنا: نتيجة ظهور القومية بين المسلمين تبين من الحوادث التاريخية أن دخول القومية إلى البلاد الإسلامية والعربية بخصوصها إنما كان بدافع الحقد الصليبي واليهودي والرغبة في تمزيق الوحدة الإسلامية والانتماء إلى الإسلام لأن الانتماء إلى العربية سيسهل عليهم مهمة استعمارهم لبلدان المسلمين بعد أن يفرقوا بين العرب وسائر إخوانهم المسلمين على طريقتهم " فرق تسد " وهو ما وقع بالفعل فما أن ضربت القومية بجرانها على بلاد العرب إلا وتفرقوا فرقا وأحزابا لا يلوي بعضهم على بعض في عنجهية جاهلية قومية فتمكن المستعمرون أعداء الإسلام منهم حين عرفوا من أين تؤكل الكتف فتخطفوهم وأخرجوهم من دينهم الإسلامي إلا من حفظه الله تعالى وأخذوا طرقا كثيرة من بلادهم – وفلسطين أقوى شاهد - على ما وقع فيه المسلمون العرب من ضياع وهزيمة والعراق الذي يعيش اليوم مرارة هزيمته على أيدي الصليبيين ومن قبل ذلك أسبانيا والبرتغال والهند وغيرها. ومن الجدير بالذكر أن ظهور القوميات لم يستفد منها أحد مثلما استفاد منها اليهود حين نادوا بالتعصب لقوميتهم اليهودية المتمثلة في الصهيونية وذلك لأن اليهود – وهو أمر مهم – قد مزقهم الله تعالى وشتتهم بسبب خبثهم ورعونة أخلاقهم وهذا الشتات يشكل خطرا عليهم أن يذوبوا في المجتمعات التي يعيشون فيها وأقوى ضمان لبقاء تماسكهم هو تعزيز القومية في نفوسهم لكي يتم ربطهم بها فكانت القومية مفيدة لهم بقدر ما هي ضارة بأمة تربطهم عقيدة واحدة مهما اختلفت قومياتهم وواقع الجميع أقوى شاهد على ذلك (١) على حد ما قاله أحد الشعراء: وتفرقوا شيعا فكل قبيلة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر أما بالنسبة لاستفادة النصارى من وراء قيام القوميات فحدث ولا حرج فلقد غرسوها بين المسلمين وتعاهدوها بكل ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليها حتى أتت ثمارها الخبيثة التي كانوا يتوقعونها وقد ملؤوا الدنيا صياحا ونياحا على عودة العرب إلى القومية العربية وإلى التراث المجيد؟! الذي كان للعرب قبل مجيء الإسلام وإلى حضارات الفينيقيين والآشوريين والفراعنة .. الخ. فكم ألفوا من الكتب نثرا ونظما لملأ عقول الناس بتقبل القومية التي ستكون هي المنقذ الوحيد للعرب من الذل وسيطرة غيرهم عليهم والتي أيضا ستكون هي النبتة الجميلة لبدايات التطور والتقدم ونبذ الماضي البغيض – هو الإسلام – الذي أخر عجلة تطور الدول الإسلامية .. إلى آخر الدعايات التي أجادوا حبكها والتخطيط لها وتكاتفت جهود الأقليات النصرانية واليهودية المبثوثة بين المسلمين وجهود الدول الاستعمارية الصليبية التي كانت تتربص بالمسلمين الدوائر متمثلة في أمريكا وبريطانيا وأسبانيا والبرتغال وغيرها من دول النصارى صارت كل هذه القوى الهائلة تحت تنظيم دقيق وخطط أعدت في غاية من الدهاء والخبث لإدخال فكرة القومية إلى عقل كل مسلم وأن العرب بخصوصهم لا منقذ لهم غير هذه القومية المباركة التي ستجمعهم وتؤلف بين قلوبهم وتجعلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى؟! وكانت دعوة القومية كعملة ذات وجهين الوجه الأول منها هو تلك الصورة الوردية والحلم السعيد والوجه الآخر هو ذلك الباب الذي ظاهره من قبله العذاب والذي صمم لتفريق وتشتيت الداخلين فيه تلقائيا وقد تمثل نشاط النصارى في الإرساليات التبشيرية والاستشراقية وفي إقامة نقاط التواصل القوي والتخطيط المشترك بين النصارى المنبثين في المجتمعات الإسلامية وبين النصارى الخارجين عنهم مستخدمين تلك الأساليب والوسائل التي تقدمت دراستها والنصارى على يقين من أن القومية لو انتصرت فإن انتصارها سيكون نصرا لكل نصراني في بلاد العرب فهي قوة في حقيقتها لهم حيث يكون شأنهم مثل شأن كل المسلمين وكل أصحاب الأديان لأن الرابط الجديد القومية والوطنية تعطيهم هذا الحق الذي لا يمنعه إلا الدين إذ لا يجتمع الحق والباطل وقد تأكد لدى كل نصراني أن إحلال القومية محل الدين هو السبيل لاستحمار المسلمين واستعمارهم ومن هنا نجد أن نصارى العرب كانوا الجواسيس الناصحين للنصرانية الغربية ومن أوفى المؤازرين لها ومن أكثر الناس نشاطا وأكثرهم اجتماعات ومؤامرات ومؤتمرات لدراسة كل الوسائل التي يستفيدون منها لإبعاد الإسلام وإحلال القومية محله. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٢٤

стр. 283

تاسعا: ماذا يراد من وراء دعوى القومية ؟ من البديهي أنه لا يراد من وراء هذه الدعوى وجه الله ولا إقامة شرعه ليكون للناس نورا يعيشون به. ولا يراد بها كذلك إعلاء شأن المسلمين وإقامة مجدهم وعزهم لأن مسلك القومية ونهايتها لا تؤدي إلى هذه النتيجة وعلى الافتراض البعيد نقول لو كان الهدف من وراء نشر القومية هي تلك الأهداف النبيلة بزعمكم لكان في تعاليم الإسلام والتمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما يغني ويكفي عن تعاليم القومية المخالفة لهما بل المضادة لهما ولو كان الهدف من ورائها إعلاء شأن المسلمين لكان في السير على نهج سلفنا الصالح ما لا يحتاج معه الشخص إلى أي شعار جديد يدعو الناس إلى الالتفاف حوله والنضال في سبيله. وما زعمه القوميون – كذبا وزورا – من أن القومية العربية ستكون فجرا جديدا على العرب كافة إن هي إلا منكر من القول وزور بل كانت ظلمة وجهالة وتفريقا وتمزيقا لا يزال المسلمون يتجرعون غصصها إلى اليوم وكانت على – الحقيقة – فجرا جديدا وعهدا زاهرا فقط على اليهود والنصارى الذين برزت قرونهم عالية تحت مظلة القومية الجاهلية بحجة أن القومية العربية لا تفرق بين مسلم ويهودي ونصراني أو غيرهم وأن الجميع يشتركون في القومية والوطنية وكلهم من حقهم أن يصلوا إلى الحكم على حد سواء. وإذا كان الأوروبيون قد نادوا بفصل الدين عن الدولة. للأسباب التي اضطرتهم إلى ذلك فإن الإسلام ليس فيه أي نزاع أو صراع بين الحكام والمحكومين لأنه ليس فيه طبقات كل طبقة تمثل جانبا في الحياة العامة بل إنه يعتبر المسلمين كلهم على درجة متساوية في المعاملات والقيام بالتكاليف الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلهم يجب عليهم الخضوع لشرع الله تعالى دون أن تستبد فئة بأخرى والحكام في الإسلام ليسوا في طبقة خاصة بل هم مثل سائر أفراد المسلمين لم تكن له مزية إلا تحمل الأمانة وتنفيذ شرع الله تعالى وأوجب لهم الإسلام السمع والطاعة في مقابل هذا العمل فأين هذا السلوك الذي تتحقق به سعادة الناس من سلوك الجاهليات الأوروبية وشرائعها القومية وإذا كان بعض المسلمين حكاما ومحكومين قد خالفوا هذا النهج الواضح فإن تبعة هذا الخلاف عليهم لا على الإسلام إذ الإسلام قد تبرأ من كل الجاهليات الوضعية وأبان حكمه في كل أمر فلا يجوز أن يحمل تبعة أي أمر لم يكن من تعاليمه. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٢٧

стр. 284

عاشرا: هل المسلمون في حاجة إلى التجمع حول القومية ؟ من البديهي أن يأتي الجواب بالنفي مطلقا والأمر واضح تمام الوضوح فقد أغنى الله المسلمين عن التجمع حول أي فكر جديد أو شعار أو حزب بل إنه حارب كل تجمع يقوم على غير هديه القويم معتبرا المسلمين كلهم إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] " ((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا)) (١) ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) (٢).ونصوص أخرى كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه كلها تحث المسلمين على أن يكون تجمعهم وتفرقهم وحربهم وسلمهم ومعاداتهم وموالاتهم كلها قائمة على هدى الله لا إلى العرب أو العروبة أو القومية أو الوطنية فهي وغيرها شعارات جاهلية يبغضها الإسلام ويحاربها وكل دعوى لا تلتزم هدى الله فهي دعوى جاهلية يجب الحذر منها ولقد أعلنها المصطفى ﷺ صريحة حيث قال للأنصاري الذي قال يا للأنصار وللمهاجرين حين قال يا للمهاجرين قال ﷺ : ((ما بال دعوى أهل الجاهلية)) (٣) وفي رواية ((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم)) (٤).وفي بعض الروايات قال لمن افتخر بعروبته ((دعوها فإنها خبيثة)) (٥) وفي رواية ((فإنها منتنة)) (٦) وفي بعضها ((دعوها فإنها ليست لكم بأب ولا أم)) (٧). لأن الإسلام أراد أن تجتث شجرة التعصب الخبيثة من أساسها لأن ثمارها لا خير فيها لأحد بل فيها العداوة والبغضاء والكبرياء والأحقاد وكل المساوئ والرذائل وأنها لا تؤلف القلوب بل تنفرها وتثير فيها كوامن حب التعالي والبغي بغير الحق فلا تفيدهم لا في دينهم ولا في دنياهم. ولقد جربت هذه الفكرة قديما وحديثا فكانت فاشلة تافهة ما إن يحصل خلاف وخصام بين أصحابها إلا ورموا بها عرض الحائط وصار بعضهم لا يخاف في الآخر إلاً ولا ذمة فهو لا يخاف من اختراقها نارا حامية ولا يرجو من تطبيقها جنة عالية فتكون النتيجة كما قال أبو فراس " إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر " (٨). وقد وضح لكل عاقل أن القومية لم تقدم أي نفع للناعقين بها بل إنها كانت معول هدم وتخريب وبغي فأي حاجة للمسلمين إلى النعرات الجاهلية بعد أن أعزهم الله بالإسلام الذي أكمله الله لهم ورضيه لهم إلى يوم القيامة. وجعل أحكامه شاملة كاملة وافية بجميع ما يحتاج إليه البشر لسعادتهم في الدارين أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:٥٠].

стр. 285

إن الدعوة إلى القومية دعوى إلى الفرقة والفخر والتعالي حيث يدخل التعصب بجميع أشكاله من جميع الأبواب فما الذي يمنع في شرع القومية أن يفتخر العربي بأنه عربي ومن بلد كذا وكذا والعجمي بأنه عجمي ومن بلد كذا وكذا سيفتخر حتما في شرع القومية العربي بعربيته والفارسي بفارسيته والهندي بهنديته والصيني بصينيته. وهكذا كل قوم أو بلد سيجدون ما يفتخرون به بالحق وبالباطل فالقومية ستلهمهم جميعا صواب ما يريدون وستعطي كل حزب أدلته على أنه أفضل عناصر البشر وأن وطنه أفضل الأراضي وأن كل ذرة منه مقدسة ومعلوم أنه لم يحتج المسلمون في تاريخهم الطويل – قبل انحرافهم عن الجادة – إلى قومية تجمعهم ولا أي رابط يربطهم غير كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ومعلوم أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. يقول د. جمعة الخولي بعد أن ذكر أن دول أوربا تحولت إلى شتات من البشر لا رابطة بينهم بعد أن أبعدوا عنهم النصرانية ورجال دينها وأنهم لجؤوا إلى القوميات كوسيلة لربط الشعوب كالقومية الألمانية والقومية الفرنسية والنمساوية .. إلخ وأنهم لم ينتفعوا بها بل كانت فتنة لهم وسببا من أسباب الحروب بينهم. ثم جاء يوم تحاربت فيه على أساس هذه القوميات في الحربين العالميتين الأولى والثانية فلما أحست بلعنة القومية أخذت تتخلى عنها وعد كثير من مفكريها العودة للدعوة لها دليلا على الرجعية والتخلف وعنصرا هداما للإنسانية واعتبروها نوعا من التجارب التي لجأت إليها أوروبا في ظروف خاصة وفي وقت محدود، ثم نقل عن المؤرخ الشهير " أرنولد توينبي " قوله: " القومية لا تستطيع أبدا أن توحد الإنسانية بل إنها توزعها وتشتت شملها ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل وأنها لا تستطيع إلا أن تدفن الإنسانية في ركامها وأننا إذا أردنا أن ننقذ أنفسنا من الهلاك والدمار فينبغي أن تحتضن الإنسانية كلها من غير استثناء ونتعلم كيف نعيش كأسرة واحدة ". ثم ألا يعلم القوميون العرب بخصوصهم أن العرب قبل الإسلام كانوا في غاية الأنفة والحمية والفصاحة العجيبة فما الذي أغنت عنهم وهل جنبتهم غضب الله أو جنبتهم الذل لغيرهم من سائر الأجناس أليس كان الفرس ينظرون إلى العرب كما ينظرون إلى الحشرات لا يقيمون لهم وزنا ولا قيمة فلماذا لم تدافع عنهم القومية وهل ستدافع عن المسلمين والعرب اليوم لولا ذوابها؟! وكم دعوا لها وكم لاذوا بها فكانت النتيجة ما نشاهده اليوم من تفرقهم وتشتتهم وذلهم الذي بلغ ذروته مع وصول القومية إلى ذروتها على أيدي ملاحدة البعث ونصارى العرب وغيرهم من مغفلي المسلمين وأصحاب المصالح الذين أذلتهم بطونهم ومطامعهم الذين هم أشبه ما يكونون بالقطط الذين يشبعون والنمور جياع، ثم أليست شريعة القوميين هي نفسها الشريعة التي كانت في الجاهلية من التعصب القبلي – انصر أخاك ظالما أو مظلوما – ومن الدعوة إلى الفجور والفواحش ومن التعالي والبغي على الناس بغير الحق ومن تقديس رؤوس الكفر واحترامهم وعدم وجود العزة والأنفة التي يتميز بها المسلم أمام أعداء الإسلام من اليهود والنصارى حتى أصبح راضيا مطمئنا بأن يتولى عليه من لا يساوي شراك نعله من ضلال اليهود والنصارى وغيرهم من كبار الفساق لأن شريعة القومية توجب ذلك لأن العروبة حين تجمع بين هؤلاء جميعا لا يبقى أي مزية للمسلم على الآخرين وهذا المفهوم منطقي مع استبدال الدين بالقومية.

стр. 286

ألم يعلم الأشرار دعاة القومية أن المسلمين كانت لهم بالإسلام عزة طأطأ الجبابرة لها جباههم ذلا وانكسارا وملكوا بها الشرق والغرب ودخل الناس في الإسلام أفواجا راهبين وراغبين فاغتبطوا به وفازوا في الدنيا والآخرة وأصبح المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وكانوا قلبا واحدا هدفهم واحد وتفكيرهم واحد وعبادتهم واحدة نشروا الإسلام رغبة في الأجر العظيم من الله لا حبا في التملك ولا رغبة في السيطرة حتى أدوا ما أوجبه الله عليهم من نشر دينه وقمع الفساد والمفسدين. وإذا كنا ننكر الدعوة إلى القوميات عموما والقومية العربية بخصوصها فما ذاك إلا من شدة الحرص على أن لا تفوت البقية الباقية من عز العرب المسلمين وليس تجاهلا لفضل العرب والعربية وليس ما نذكره هنا في فضل العرب بمبرر للافتخار به على طريقة القومية الجاهلية وإنما هو تبيان للحقيقة. فالعرب هم أول من أبلوا في سبيل الله وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأسدوا إلى البشرية عامة ما صلح به أمر دينهم ودنياهم ولا ننس كذلك أفذاذا من غير العرب كانوا إلى جانب الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار وقد اختار الله نبيه من العرب وأرسله رحمة للعالمين وفضله على جميع البشر كما أن الأماكن التي كان ينزل وحي الله فيها لا شك أنها محط الأنظار ومهوى الأفئدة. وقد شرف الله اللغة العربية وكرمها بنزول القرآن بها وهو معجزة المسلمين الخالدة كما لا ننس ما امتاز به العرب من صفات حميدة سجلها لهم التاريخ من الوفاء والكرم وحفظ حقوق الجار والشجاعة والفصاحة وغير ذلك من الصفات ولكن يجب أن نتفطن لأمر مهم جدا وهو أن العربية والعرب ما كانوا شيئا يذكر لولا الإسلام فالعربية هي إحدى اللغات في هذه الأرض والعرب هم أحد الأجناس من هذه الأمم فلا مزية لهم إلا بالدين الإسلامي ولنا أن نسأل الذين يتشدقون بأمجاد العرب قبل الإسلام ما هي ألم يعترف فضلاء الصحابة بأنهم كانوا جهالا وفقراء وقاتلين قبل الإسلام وأن الله رفعهم بالإسلام وأعزهم به. والآن تريد القومية العربية إرجاع العرب إلى حالتهم تلك السابقة وإبعادهم عن دينهم ومصدر مجدهم الحقيقي فأي جريمة سيرتكبونها بحق العرب وسائر المسلمين لو تم لدعاة القومية ما يهدفون إليه وليت تلك الدعوات إلى القومية الجوفاء كانت دعوة موجهة إلى لم شمل المسلمين عموما والعرب خصوصا في ظل ما يحدق بهم من أخطار تتهددهم على طول تاريخهم وإلى أن يتكاملوا فيما بينهم في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية وإلى أن يكونوا منهم عالما قويا ثابت الأقدام كما كان أسلافهم ثم لتكن تسمية هذا المسلك أياً ما تكون ما دام الهدف واضح المعالم لأنه إذا كانت كلمة الإسلام تجمعهم سيصبحون قلبا واحدا وهدفا واحدا ويصبح العربي وغير العربي المسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وكم ضحى العربي بنفسه في سبيل نجاة أخيه المسلم غير العربي وكم ضحى غير العربي عن أخيه العربي المسلم بنفسه في ميادين القتال وكم سجلوا جميعا أروع الانتصارات وأروع الإيثار. وليتذكر العرب والمسلمون جميعا تلك المواقف التي سجلها المماليك في رد الصليبيين عن بلاد العرب والمسلمين وليتذكروا صلاح الدين الأيوبي وهو من الأكراد ماذا سجل للمسلمين في إرجاع القدس وبلاد الشام ودحره النصارى وكم كانت من المواقف العظيمة التي خاضها المسلمون من أجناس شتى في آسيا وفي إفريقيا وفي أوروبا دفاعا عن الإسلام والمسلمين فكم كان المسلمون سيخسرون لو كانت الدعوة قومية من أول يوم؟ المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٢٩٢

стр. 287

حادي عشر: هل تحققت السعادة المزعومة في ظل القومية ؟ لقد نادى القوميون وملئوا الدنيا صياحا بأن الدعوة القومية ستحقق لمعتنقيها كل السعادة وأنهم سيعيشون في جنة عالية وعز لا يرام إذا طبقت الشعوب القومية سواء أكانت تلك الشعوب عربية أم غير عربية فالسعادة تنتظر الجميع وأنها تجمع ولا تفرق وتؤلف القلوب وتوحد الأحوال الاقتصادية وتحقق القوة على الأعداء أيا كانوا إلى غير ذلك من أنواع المديح والتزكية للقومية والقوميين. ولكن هل تحققت تلك المزاعم لأي قومية من القوميات عربا أو عجما؟ لقد قال بعضهم إن الناس بطبيعتهم فيهم غرائب لؤم فإن الشخص يبغض الآخرين لأنهم لا يتكلمون بلغته فإذا تكلموا بلغته فإنه يبغضهم لأنهم ليسوا من وطنه فإذا كانوا من وطنه بغضهم لأنهم ليسوا من قبيلته فإذا كانوا من قبيلته بغضهم حسدا على ما عندهم. والعرب بحد ذاتهم حينما مالوا إلى القومية ووالوا وعادوا من أجل العروبة ماذا كانت نتيجتهم لقد ازدادوا فرقة وفقرا وعداوة فيما بينهم وكاد بعضهم للبعض الآخر بل ودارت بينهم حروب شرسة حين بغى بعضهم على بعض ببركات حب القومية وافتخار كل بقومه فقامت الأحزاب والتكتلات الصغيرة والكبيرة على حمية القومية الجاهلية فازدادت المسافة بينهم وبين الوصول إلى السعادة المنشودة في ظل القومية وليت هؤلاء الهاربون عن طريق السعادة الحقيقية يرجعون بذاكرتهم إلى تاريخهم المشرق ويتذكرون حين قال رسول سعد بن أبي وقاص لرستم حينما سأله ما الذي أخرجكم علينا فقال له: أمرنا أن نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. وفي نهاية اجتماعهم قال له " واعلم أن لكم عندنا ثلاث خصال. إما الإسلام أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون أو القتال". وهو كلام ما كان يحلم به العرب في يوم من الأيام أن يواجهوا به سادة الفرس الذين كانوا يعتبرون العرب أذل البشر قبل أن يعزهم الله بالإسلام وقبل أن يصبحوا خير أمة أخرجت للناس حينما نبذوا جميع الخرافات الجاهلية وافتخروا بدينهم فوجدوا السعادة الحقيقية فيه، تراحموا بعد أن كانوا أشد الناس عداء فيما بينهم يقهر القوي الضعيف ويستعبد الأغنياء الفقراء تراحموا حتى أصبحوا كالجسد الواحد يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة يقول الشخص منهم للآخر تعال أقاسمك مالي وأهلي فيقول له صاحبه بارك الله في مالك وأهلك دلني على السوق، تراحموا حتى مدحهم رب العالمين بقوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح:٢٩]. ولقد نجوا من الهلاك الذي كان ينتظرهم باستمرارهم على الشرك حيث امتن الله عليهم بذلك فقال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:١٠٣].

стр. 288

وصاروا ينظرون إلى الشرك وأهله بعين الاحتقار والازدراء والرحمة لحال المشركين أن يموتوا على شركهم فكانوا يذهبون إلى القباب وإلى الأصنام فيهدمونها ويكسرونها دون خوف أو وجل يا عزى لا عزى لك إني رأيت الله قد هانك، واتجهوا إلى عبادة خالقهم وحده فارتاحت نفوسهم من تشتت الفكر وعبادة الأرباب المتشاكسين والخوف من أصحاب القبور والجن والسحرة والمشعوذين وحققوا التوكل على الله فكفاهم الله كل ما يخيفهم أو يحزنهم لا تزيدهم الشدائد إلا صلابة: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:١٧٤]. وصار فخرهم بالإسلام وحده بعد أن كان فخرهم بأمجادهم الجاهلية وبآبائهم وقبائلهم وغير ذلك من المفاخر الجاهلية وصار شعارهم: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم وصارت مراقبة الله تعالى نصب أعينهم في بيعهم وشرائهم وجميع معاملاتهم لا ربا ولا غش ولا فجور ولا ظلم ولا سوء خلق. فهل توجد هذه الأخلاق في القوميات؟ هيهات هيهات وهل يتصور القوميون أن العودة إلى تلك الحال المظلمة للجاهلية هو الذي سيجمع شمل المسلمين – والعرب خصوصا – وأنه سيكون منهم أمة ذات حضارة وسيادة تحت مظلة القومية البالية؟! وأما غير العرب فإن الأتراك أقرب مثال لنكسة القومية لهم حينما فشت فيهم نخوة القومية الجاهلية ماذا كانت النتيجة لقد تفرقوا وفتر نشاطهم في حرب أعداء الإسلام بل وضعفوا واستكانوا وهانوا على الدول الغربية إلى يومنا الحاضر حيث يطلب حكامها الدخول في المنظمة الأوروبية ومع ذلك يتجاهل الغرب مطالبهم في احتقار لا يحتمله الأحرار دون أن يتذكروا ماضيهم في ظل الإسلام وكيف كانوا سادة كثير من بلدان العالم وقادتهم يحسب لهم أعداؤهم ألف حساب قبل التفكير في التنغيص عليهم ولو بأدنى اعتداء. ذهب بعض دعاة القومية إلى ابتكار حيل وتلفيق شبهات كاذبة مفادها أنه لا فرق بين الالتزام بالقومية والالتزام بالدين وأنه لا تعارض بينهما مادام الشخص متمسكا بدينه وبعروبته أيا كان دينه مسلم أو نصراني إذ اسم العروبة يجمعهم. ثم زعموا أن النبي ﷺ وحد العرب تحت راية العروبة وأوجب على كل مسلم أن يستشعر القومية العربية قبل كل شيء وأن جهاده في نشر الإسلام هو نشر كذلك لسيادة القومية العربية. ومن أدلتهم الباطلة على هذا الزعم قول الله تعالى: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ [التوبة:١٢٠]، لأن واجب العروبة يحتم عليهم الوفاء لهذا النبي العربي ومثلها الآيات الأخرى التي فيها التشهير بالمتخلفين من الأعراب عن الجهاد في سبيل الله الذي هو جهاد في سبيل رفع راية العروبة أيضا؟! ومما استدلوا به كذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:٢]، وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا [الرعد:٣٧]، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:٣]. وكل هذه الآيات في خيالهم السقيم دعوة إلى تمجيد العربية والعروبة ويجعلون جهاد أولئك الميامين إنما كان لنصرة العروبة لإيمانهم بها ومعنى كلامهم أن انتصار الإسلام هو انتصار للعروبة بل هي هدف من الأهداف المهمة التي كانت في ذهن الرسول ﷺ وأصحابه حسب زعم دعاة القومية العربية المفترين. واستدلالهم بما تقدم إنما هو من باب أن الغريق بكل حبل يمسك فالنصوص في واد وفهمهم لها في واد آخر وهل يليق وصفهم للرسول ﷺ وأصحابه الكرام بأنهم كانوا يهدفون إلى تقوية العرب؟ فلماذا حاربوهم إذا كان كلام دعاة القومية صحيحا. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٣٦

стр. 289

ثاني عشر: إبطال فكرة القومية إن أول ما يدل على بطلان فكرة القومية وأنها شر لا خير فيها أن وراء قيامها اليهود والنصارى وسائر الملاحدة فماذا ننتظر أن تأت به من الخير للبشرية أو للمسلمين بخصوصهم بعد هذه التيارات المنشئة لها. ألم يكن غرض القوميون هو تفتيت أي مجتمع متماسك والانفراد بكل تجمع لا يتفق وأهدافهم؟ ألم يتفرق المسلمون بعد دخول القوميات بينهم اعتزاز كل قطر بقوميته ومآثره الجاهلية؟ وأصبح المسلمون بصفة عامة لا يلوي بعضهم على بعض بعد أن تقطعت الدولة الإسلامية إلى أوصال ممزقة يقاتل بعضهم بعضا في حروب أهلية تأخذ الأخضر واليابس والقومية تمدهم بكل المبررات لهذا السلوك الذي حذر منه الإسلام؟ وبالرغم من تلك المناداة الجوفاء التي أطلقها دعاة الفكرة القومية من أن الناس سيعيشون في منتهى السعادة حينما يطبقون تعاليم القومية بحذافيرها وأن كل قطر يلتزم بها سيصبح محترما فكانت النتيجة أن حل بهم الشقاء والذل سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم بل لقد شقى بها من كان مهد نشأتها من الدول الأوروبية ونداءات من ينتسبون إلى العرب بخصوصهم إنما هي دلالات على حمقهم ورعونتهم وإلا فأي مستند لهم أفي القرآن الكريم؟ أم في السنة النبوية؟ هل وجدوا نصا فيهما يمجد العروبة أو يدعو إليها؟ كلا. نعم ورد في القرآن الكريم ما يفيد نسبة الشخص إلى قومه وهذا معروف فإن لكل شخص قوما وفيه نسبه بحسب الواقع وهي أمر معروف وبدهي وليس في القرآن الكريم الافتخار بالقومية أو الدعوة إلى التجمع حولها أو جعلها بديلا عن الدين بل ما ورد في السنة يدل على عكس ذلك حيث وصفها الرسول ﷺ بأنها دعوى جاهلية وأنها خبيثة يجب الانتهاء منها. ودعاة القومية تجدهم في تلمسهم لأي أمر يمدحون به القوميات الجاهلية يذكرون بعض الصفات الحميدة من الصدق والكرم والشجاعة والإيثار ونحو ذلك ويجعلونها حضارة عريقة لهم ويهولون من أمرها ليحببوا الناس إلى الرجوع إليها. ويكرون كذلك بعض الآثار من العمران أو التحف ثم يقفون أمامها خاشعين ذليلين زاعمين أن أهل العصور المتأخرة لا يمكنهم بحال عمل ذلك أو ما يقاربه وذلك ليملأوا فراغ قلوب من يصغون لكلامهم ممن قصر فهمهم للإسلام. ومن غرائب الأمور أن ينادي القوميون سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم بأن في التمسك بالقومية تحقيق للوحدة والتآلف فهل تمت الوحدة الشاملة التي ينادي بها زعماء القومية العربية أو غيرهم أم أن القومية كانت هي المعول الهدام للوحدة في كل بلد حلت به من بلدان العرب أو من غير العرب فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور [الحج:٤٦٦]. لقد ظن دعاة القومية – إن أحسنا بهم الظن – أنها رابطة حقيقية لتوحيد من يتعصبون لهم أيا كانت تلك القومية إما وطنية أو اللغة بعينها أو تاريخا مشتركا ولكنها في الحقيقة سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. فقد ثبت بتجارب الأمم على مر التاريخ أن الذي يوحد الناس حقيقة ويؤلف بين قلوبهم ويجعلهم كالجسد الواحد أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا إنما هو الالتزام بمنهج الله تعالى ودينه القويم وما عدا ذلك فإنه خدع وتضليلات يراد من ورائها مصالح بشرية تزول بزوال تلك المصالح شأن التشريعات والاجتماعات الجاهلية التي أبت شرع الله تعالى ورضوا بالتحاكم إلى الطاغوت والاجتماع على ما يمليه عليهم. وعلى القوميين أن يتفهموا مقالة الناس"الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل"، أو قولهم "الاعتراف بالحق فضيلة".

стр. 290

ثالث عشر: نقض الأسس التي قامت عليها القومية لم يكن لدعاة القومية أسس خاصة في الدعوة إليها وأنى يجدون ذلك وهم مختلفون فيما بينهم اختلافا كثيرا فلم يجدوا غير آراء تصوروها لبناء القومية ثم اختلفوا أيضا فيها – شأن الباطل دائما – وقد عرفت فيما سبق أن من القوميين من ذهب إلى أن أساس القومية هو الاتحاد في اللغة ومنهم من قال الاتفاق في التاريخ ومنهم من جعلها الأرض ومنهم من قال هي المصلحة المشتركة بين أفراد الأمة، ولعل سبب اختلافهم يعود إلى هذه الآراء التي لا تركن إليها النفس تماما ولا تصل إلى حد القناعة التامة فلهذا كل أدلى بدلوه أو رمى بحجره عله يصيب. (أ) أما اللغة فالقول بأنها رباط قومي كذب ينقضه واقع حياة الناس فقد وقع أن أمما كثيرة تتكلم لغة واحدة ولكن بينهم من التفاوت بل والعداوة ما لا يخفى وأقرب مثال على ذلك العرب أنفسهم فهم يتكلمون لغة واحدة ولكن كم الفرق بين العربي اليهودي والعربي النصراني والعربي المسلم والعربي المشرك؟ بل وأين المسلم من غير العرب من غيره أيضا ممن يتكلم بلغته؟ ولماذا لم تتحد أمريكا وبريطانيا في قومية واحدة ما دامت اللغة الإنجليزية تجمعهم؟ وبالتالي يقال لهم كيف تجمع أهل سويسرا واتحدوا مع أنهم يتكلمون ثلاث لغات دون تمييز بينها (١) وكثير من الأمم على هذا النحو لم يكن للغة أي تأثير في سير حياتهم وانتماءاتهم وإنما هي لإتمام مصالحهم الدنيوية. (ب) وأما التاريخ فإن التاريخ مراحل تمر بها البشرية تشتمل على صعود وانحدار على خير وشر وتقدم وتأخر في جميع نواحي الحياة ويحوي كذلك اختلافات كثيرة أما بالنسبة للمسلمين فإن تاريخهم الحقيقي المشرق إنما يبدأ بظهور الإسلام يحنون إليه خلفا عن سلف إلا من أفسدت الحضارة الأوروبية فطرته منهم حين يحن إلى الحضارات الجاهلية السابقة ويتباكى عليها ويفتخر بها ويود بجدع الأنف لو عاد عهدها وهي حضارات قديمة عاشها أهلها بخيرها وشرها ولم يعد لها في حياتنا الإسلامية أي أثر وبالتالي تكون المناداة بإقامة القومية على تلك الحضارات إما بسبب الجهل المطبق وإما لأغراض أخرى وفي أولها الانفلات من الشريعة الإسلامية وربط المسلمين بالغرب أو بالشرق بعيدا عن كتاب ربهم وسنة نبيهم. لأن هؤلاء الدعاة قد تشبعوا بثقافات وتاريخ تلك الأمم المعادية للإسلام فلا يعرفون بعد ذلك مسلكا إلا الانضواء تحت الرايات الجاهلية وكل إناء بما فيه ينضح. وأنى للتاريخ المشترك أن يوجد الألفة الحقيقية بين المختلفين فكريا وعقديا فليس وراءه لا ثواب ولا عقاب يرجى بعد الموت فأي مبرر يجعل الإنسان يؤثر غيره على نفسه ولو أدى إلى موته هو؟ (ج) أما الأرض

стр. 291

فقد صادف دعاة القومية في بناء قومياتهم على الأرض المشتركة متاعب وتناقضات جمة وذلك أن الذين يتكلمون لغة واحدة وفوق أرض واحدة ليس بالضرورة أن يكونوا كلهم من جنس واحد وعلى لغة واحدة من البداية إلى النهاية في أي أرض فقد تنشأ لغة جديدة في بلد وتنتهي عن بلد لأمور كثيرة اعتقادية أو سياسية إذ لا يمكن لأي أمة أن تدعي أنه لا يوجد لأي شخص بينهم انتماء إلى غيرهم ومن الأمثلة القريبة على ذلك الأمة العربية قبل الإسلام وبعده إذ أنه قبل الإسلام كانت الأرض العربية هي شبه الجزيرة ولكن بعد مجيء الإسلام دخلت أمم أخرى في الإسلام وحين أن الإسلام لا يشعر أحد بأنه غريب عنه وأن الأرض كلها مخلوقة لأجله فقد دخلت تلك الأمم في الإسلام وأحبوه وأحبوا لغته وصارت هي اللغة الأساسية بينهم كمصر والمغرب وغيرهما من البلدان التي أصبحت عربية تعتز بدينها ولغتها فهل يقال أن الأرض هي التي وحدت بينهم وبين سائر إخوانهم العرب المسلمين إن قالوا هذا فقد ظهر كذبهم وإن قالوا إنه الإسلام فقد قالوا بالحقيقة التي تناقض دعواهم صلاحية التجمع القومي على الأرض بدلا عن الإسلام. بل كان الجاهليون العرب أفقر منهم لأن هؤلاء ما كانوا ينادون لا بالقومية العربية ولا بالتحزب والتعصب لها وحينما جاء الإسلام لم يذمهم على عدم شعورهم بأنهم على أرض العروبة وإنما أخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم وعزهم وهو الشعور بالفخر بالإسلام وتعاليمه وأن العرب قد جاءهم ما يحفظ وحدتهم في اللغة والأرض والتاريخ وسائر الاتجاهات فكانوا في جهادهم يدعون الناس إلى الدخول في الإسلام لا إلى الإنضمام إلى العربية أو إلى شبه الجزيرة العربية. ولو أن دعوة الرسول ﷺ كانت موجهة من أول يوم إلى التعصب للعروبة والقومية وما إلى ذلك لسارع كل العرب إلى الالتزام بذلك والترحيب بها بسبب ما كانوا يحسون به من ضعف عام وتشتت وتمزق في الآراء والأفكار والأنظمة. فكانوا في حاجة إلى أي شخص يتزعمهم على أي نعرة جاهلية ليحققوا به مبادئهم انصر أخاك ظالما أو مظلوما. وليحققوا به شيم النفوس حينما توغل في الظلم كما قال شاعرهم: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم فكانوا لا ينقصهم إلا الشخصية المؤهلة لتتزعمهم، لأن الشجاعة موجودة والإحساس بالفوضى في حياتهم موجود وكذا الإحساس بالظلم الفادح بل إن الإحساس ببعدهم عن ربهم كان موجودا وما عبادتهم للأصنام إلا لتقربهم إلى الله زلفى بشفاعتها لهم لشعورهم بالذنوب والتقصير في جنب الله تعالى وكثير منهم كان يعلم أن شريعة "من عز بز ومن غلب استلب" ليست هي الطريق الصحيح وأن ما هم فيه من الذل لغيرهم والفقر الشديد والحروب المستعرة. وأحيانا على بكر أخينا إذ ما لم نجد إلا أخانا كانوا يشعرون بأنها أوضاع فاسدة لا يمكن أن تصلحها لا القومية ولا الوطنية ولا سائر النعرات الجاهلية. وإنما يصلحها أمر لا يمكن أن يأتي من قبل الإنسان الظلوم الجهول وحينما عرفوا الإسلام وجدوا الحقيقة التي كانت تنقصهم ولا يعرفون الطريق إليها. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٤٢

стр. 292

رابع عشر: الإسلام والقومية العربية ذكرنا في البداية أن الإسلام لا يقف في طريق الشخص إذا انتسب لقومه أو لوطنه أو أهله بل إنه يشجع هذا المسلك ويحبذه إذا كان على أساس التواصل وصلة الرحم بل أخبر الله تعالى أن انقسام الناس إلى شعوب وقبائل هو أمر منه أن الحكمة من وراء هذا بينها بقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:١٣].وقد نهى الرسول ﷺ أن ينتسب الشخص إلى غير أبيه أو ينتمي إلى غير مواليه (١) ولا يمنع كذلك أن ينتسب الإنسان إلى الوطن الذي يعيش فيه ولا لوم عليه إذا أحبه لا على أساس الفخر الجاهلي وإنما لأنه وطنه أواه فإن تلك الأمور كلها لا حرج فيها وواقع تعيشه البشرية كلها ولا يمنعها الإسلام إلا في حالة واحدة وهي الحالة التي يصبح ولاء الناس ومعاداتهم ومحبتهم واجتماعهم وافتراقهم كله قائم على دعوى القومية والتعصب لها وتقديمها على الأخوة الإسلامية لأن هذا الوضع منحرف لأنه يصبح تشريعا جديدا لا تستند فيه مشروعية إلا على الحكم الوضعي البشري لا إلى حكم الله تعالى وما أجمل أن يترك الإنسان كل علاقة خارجة عن الإسلام محاكيا في ذلك قول سلمان ﵁ حينما سمع بعض الناس يفتخر بنسبه وبقومه فقال عن نفسه: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم وأما حينما يصل التعصب للقومية إلى أن يقدم الشخص ولاءه ومحبته للآخر لأنه من قومه بينما يبتعد عن الآخر من غير قومه حتى وإن كان صالحا تقيا فهذا لا يعترف به الإسلام بل تعترف به القومية الجاهلية وما أكثر ما ورد عن سير السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة ومن بينهم إحسان ما أكثر ما ورد عنهم تقديم أخوة الإيمان على أخوة النسب أو الدم ولنا في مؤاخاة الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار في أول الإسلام خير شاهد على ذلك فإن قصصهم العطرة وسيرتهم المرضية لا تزال تضيء نورا وهاجا وعبيرا فواحا إلى يومنا هذا تخليدا من الله تعالى لهم وإكراما لأوليائه.

стр. 293

وأما القومية العربية التي دعى إليها ساطع الحصري فهي قومية جاهلية مغرضة لها نفس الأهداف التي كانت نصب أعين المتربصين بالإسلام كما أنه هو نفسه أحد أولئك وإن ظهر بمظهر الغيور على مجد العرب كما يزعم فإن العرب لا مجد لهم بغير الإسلام بل هم أمة كانوا في حمئة الجاهلية كسائر الأمم حتى أنقذهم الله بالإسلام ورفع شأنهم به ومن زعم غير هذا فقد جانب الحقيقة وكذب على التاريخ وتشبع بما ليس فيه ولا قيمة لأمجاده التي يزعمها قبل الإسلام فإن زعمه هذا هو من جنس مزاعم هذا العصر المعكوسة التي تسمي الأشياء بغير اسمها فتستحل الحرام وتحرم الحلال بذلك حيث أضحت الخمر مشروبات روحية والربا فائدة والزنا حرية شخصية وعداوة الآخرين من غير وطنه وطنية والآراء الفاجرة حرية الكلمة واحترام الماديات والعلامات وبعض الأماكن واجب وطني لا يجوز الخروج عليه والمساس به وكأنه جزء من الدين فما الذي يبقى لله تعالى في قلب اقتنع بترهات القوميين ونسي أن المجد الحقيقي إنما هو في اتباع النور الذي أنزله الله. أما الخدع التي يرددها القوميون بتوافق الإسلام والقومية على أساس التسامح في الإسلام فإنه كذب محض وكذا دعوى أن القومية تتسع لكل الخلافات الدينية واستمع لما يقوله مصطفى الشهابي (١) من أن المسلم والنصراني كل واحد يؤدي عبادته في المسجد أو في الكنيسة مادام يجمعها حب القومية العربية لأن الإسلام سمح يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والنصرانية كذلك تأمر بالمحبة وكذلك سائر الملل والفرق لا لوم على أي واحد منهم مادام يتوجه إلى القومية ويتخذها رباطا جامعا لأن القومية قابلة لكل اختلافات الأديان وتذوب في القومية كل الاختلافات الدينية وهؤلاء الدعاة الذين لا يفرقون بين الإسلام وبين غيره من الملل والنحل هم أعداء الدين الإسلامي حقيقة وهم طلائع الاستعمار الشرقي والغربي وهم المفرقون بين الناس والمثيرون للعداوة والبغضاء بين الشعوب المتجاورة والمتعايشة على حسن المعاملة فيما بينهم مع اختلافهم أحيانا في المعتقدات. واستمع كذلك إلى مزيد من أكاذيب القوميين فيما يزعمه د. علي حسن الخربوطلي (٢) من أن النبي حاول أن يتحرر عن القومية العربية ويعلن نفسه لجميع البشر ولكنه لم يستطع إذ غلبت عليه القومية العربية وصار يتعصب لها ويدافع عنها. وهذا من أشد الكذب والبهتان فإن النبي ﷺ كان من أشد أعداء الدعوات الجاهلية ومنها القومية والنصوص في هذا أشهر من أن تذكر. ومن الأمور البديهة أن الإسلام ودعوى القومية لا يتفقان لأن مصدر الإسلام هو الله جل وعلا ومصدر القوميات هي الجاهليات وعقول البشر القاصرة وكذلك فإن إعراض القومية عن الدين وعدم تحكيمه والرجوع إليه والاستغناء عنه بشعار تلك الجاهليات أمر لا يقره الإسلام ولا يسايره بحال.

стр. 294

كما أن تقديم الأخوة القومية على الأخوة على الدين هو كذلك أمر يرفضه الإسلام. وكذا الموالاة يجب أن تكون بين المسلمين لا أن تكون على أساس قومي وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:٧١]. كذلك فإن الإسلام يدعو إلى التآلف والتراحم والتساوي في الحقوق والواجبات وأن أكرم الناس هو أتقاهم لله تعالى بينما القومية لا تقوم على هذه المفاهيم المشرقة الجميلة بل تقوم على بغض الآخرين والتعالي عليهم والفخر بالأحساب والأنساب وغيرها من مخازي الجاهلية التي حاربها الإسلام. بل إن القومية إضافة إلى أنها رجوع إلى الجاهلية هي كذلك قدح في كمال الإسلام ورد لما تفضل الله تعالى به على هذه الأمة من إكمال الدين ورضاه به وإخراجهم بالإسلام من الظلمات إلى النور وإخراج العرب بخصوصهم من حياتهم الجاهلية وخمول ذكرهم بين الأمم بالرغم من كل ذلك وغيره نجد الكثير من الكتاب السفهاء والكاتبات السفيهات يقلدون أعداء الإسلام من اليهود والنصارى في ذم الإسلام والإلحاح في طلب العودة إلى الجاهلية التي كانت قبل الإسلام وإلى العودة إلى حضاراتها العظيمة وقوانينها التي هي في غاية العدالة وإلى تاريخها المجيد .. إلى آخر الأكاذيب التي تخيلوها وسجلوها في شكل كتب ونشرات وتمثيليات ومسرحيات وكلها توحي بصراحة إلى أن العرب وكل الأمم كانوا قبل الإسلام على خير عظيم وأنهم كانوا على جانب عظيم من الحضارة والقوة والمنعة ويمجدون ذلك مما يوحي إلى أن الإسلام هو الذي عطل مواصلة تلك الحضارات وأن في الرجوع عنه التقدم والرقي والألفة ضاربين بكل ما عرفه الناس من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ ومما عرفه العقل والمشافهة عن من سبق من أخبار العرب بخصوصهم قبل الإسلام ضاربين بذلك كله عرض الحائط فمتى يدرك المنخدعون والمخادعون أن الخير كله في هذا الدين الذي أخبر عنه رب العالمين وشهد له بالخير والحق والكمال. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٥٠

стр. 295

خامس عشر: مصادر دعم القومية • (أ) اليهود. • (ب) النصارى. • (ج) الحرب على الدين. • (د) الحركات والمذاهب الهدامة الأوربية. • (هـ) العلمانية والعلمانيون. • (و) الاشتراكية والشيوعية. • (ز) قيام حزب البعث.

стр. 296

(أ) اليهود واليهود كما وصفهم وراء كل جريمة ومؤامرة فقلما تنشأ فكرة ضد البشرية إلا ووقفوا لتقويتها ولا طائفة تتربص بالدين إلا ووقفوا إلى جانبهم وهذا الإجراء منهم هو ما أوصتهم به كتبهم التي يقدسونها وحاخامتهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله تعالى. ولقد حافظ اليهود على تماسكهم وتضامنهم طوال تاريخهم في اعتزاز بجنسهم وقوميتهم وعقائدهم التي ورثها لهم أكابرهم قديما، فلم يذوبوا في أي مجتمع مهما امتدت بهم السنوات ومهما كانت أعدادهم ومهما كان تفرقهم وبالإضافة إلى تعصبهم لقوميتهم فهم يتعصبون أيضا للغتهم العبرية وكان من مكاسب اليهود في انتشار القومية اليهودية والتدين بها هو الحفاظ على أفرادهم من الذوبان في أي مجتمع يكونون فيه وبالتالي فإن في انتشار القومية بين مخالفيهم أيضا مكسب لهم من حيث تمزق هؤلاء وتشرذمهم وانطواء كل جماعة على قوميتهم وما يتبع ذلك من التنافس بينهم واستعلاء بعضهم على بعض بحكم شريعة القومية وحينئذ يكونون لقمة سائغة لليهود لينفردوا بمن يشاءون منهم حتى يكتمل الدور عليهم جميعا وقد ظهر هذا واضحا في مكائدهم الكثيرة بالشعوب حكاما ومحكومين وما فعلوه تجاه الدولة العثمانية بالخصوص حين عملوا على تشجيع قيام القوميات والنعرات الجاهلية أقوى مثال ووصل الأمر حتى إلى قصور الخلفاء أنفسهم في آخر دولتهم فنسي الكثير منهم أن عزتهم إنما هي بالإسلام والتعصب له فاستخذوا أمام الضغوط اليهودية والنصرانية في كثير من المواقف بسبب تأثرهم بمختلف التيارات من ناحية ومن ناحية أخرى لخذلان المسلمين لهم. وقد أقامت اليهودية العالمية روافد عدة لإحياء القوميات في النفوس من ماسونية وعلمانية وجمعيات أخرى وثورات عارمة للشعوب ضد حكامها ودعاوى الحرية والإخاء والمساواة وغيرها من الشعارات فكانت أكبر كارثة حلت بالمسلمين هي سقوط الدولة العثمانية بمؤامرات اليهود حينما ركن إليهم سلاطين هذه الدولة فكانوا كالذي يفقأ عينه بيده في سماحتهم وتساهلهم ضد أهداف اليهود ومطالبهم المتتابعة وما يتبع ذلك من استفحال العلمانية جنبا إلى جنب مع نعرات القومية التركية التي كان يذكي نارها جمعية الاتحاد والترقي التركية اليهودية الماسونية المعتقد أو كما يسمونها "تركيا الفتاة". وكل هؤلاء أخذوا يرجعون إلى الوراء بصورة حثيثة لجعل القومية الطورانية هي كل الأمجاد والمعتقدات عليها يلتقون وعليها يفتقرون مدعين أن الإسلام هو الذي أخفت صوتها وحضارتها. ومن الجدير بالذكر أن جمعية الاتحاد والترقي - أو تركيا الفتاة - ليسوا أتراكا حقيقيين ولا هم مسلمين أيضا وإنما وفدوا من عدة أقطار متظاهرين بالإسلام - وهم يهود في جملتهم - كما يذكر الباحثيون تظاهروا بالتباكي والحنين إلى القومية الطورانية لجمع الأتراك كلهم عليها. وقد علمت مما سبق أن اليهود قد عملوا على إثارة كل القوميات وضرب بعضها بالبعض الآخر فإنهم حينما أنشأوا حركة الطورانيين كان عليهم أن يثيروا الحركة العربية والاعتزاز بها في مقابل اعتزاز الأتراك بقومياتهم القديمة وأخذت تلك الحركات تشتعل لا تلوي على شيء في الوقت الذي نسي فيه الجميع الرجوع إلى الحق والدين واشتط الأتراك وبدؤوا في التعسف وإجبار الناس على اعتناق اللغة التركية وإحلالها محل كل لغة وهم يعرفون أن النتيجة ستكون فوضى وحمية جاهلية وهو ما حصل بالفعل حيث استطاع اليهود أن يثيروا حمية العرب لعربيتهم لجعلها مصدر إلهامهم بدلا عن الإسلام والاعتزاز به ليبقى الكاسب الوحيد لهذا التمزق والتفاخر الأجوف هم اليهود ولا شك أن النصارى سينالهم نصيبهم من هذه المكاسب أيضا فالكل عدو للمسلمين وللإسلام وتعاليمه وهو ما حصل بالفعل ولقد عرف العالم ويلات الحروب التي وقعت بين العرب والأتراك وتدخلات الدول الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا العدو اللدود للمسلمين قديما وحديثا.

стр. 297

(ب) النصارى لقد قام النصارى على مختلف عقائدهم واتجاهاتهم بالمؤامرات المستمرة لتمزيق وحدة المسلمين وإبعادهم عن دينهم بكل ما يستطيعون من جد واجتهاد وكان أشد هؤلاء النصارى إيغالا في المؤامرات هم نصارى العرب في لبنان وفلسطين وغيرهما من بلاد العرب بدعم مباشر من دول النصارى الكبيرة وكان أكثر تركيزهم يتمثل في استجلاب الشباب العربي إلى الدراسة في الدول النصرانية وفي المحاضرات والمراسلات بينهم وبين ممثلي النصرانية الحاقدة ومجيء المنصرين إلى بلاد العرب مدرسين وكتابا ووعاظا وفتحوا المدارس والمستشفيات وجادوا بشتى مطبوعاتهم من المقررات الدراسية إلى الموسوعات فأنشأوا أجيالا من دعاة القومية من شتى المراحل الدراسية وكانوا من ورائهم دعما وتوجيها وأصبحت تلك الأجيال من دعاة القومية المخلصين لها وكان للجامعة الأمريكية في بيروت حظ الأسد في نشر القومية العربية ولا تزال ولم ينس هؤلاء الدعاة إنشاء الجمعيات والمنظمات تحت هدف إحياء العربية وإيقاظ العرب بغض النظر عن الدين وأن الالتفاف على القومية يغني عنه ونشروا المقالات والأشعار يتغنون فيها بماضي العرب ويحضونهم على عداوة كل من ليس عربي وخصوصا الأتراك وكان أبرز القادة في هذا الميدان هم نصارى لبنان وسوريا الذين كانوا يتلقون الدعم السخي من دول النصارى الكبرى أمريكا وبريطانيا وفرنسا تملؤهم الغطرسة بإحياء القومية العربية وإحلالها محل الدين متباكين على حقوق العرب الضائعة ولغتهم المظلومة وحقوقهم المهضومة حسب مزاعم هؤلاء ومن مشاهير هؤلاء الدعاة ناصيف اليازجي اللبناني، وبطرس البستاني اللبناني، وإبراهيم بن ناصيف اليازجي. وعبد الرحمن الكواكبي، ونبيه فارس، وكان هؤلاء الزعماء يعرفون أنهم في حاجة ماسة إلى وقوف المسلمين إلى جانبهم في حربهم – خصوصا – مع الدولة العثمانية وحيث أنهم على اختلاف في الدين فإن القومية العربية هي القاسم المشترك والموحد بينهم.

стр. 298

(ج) الحرب على الدين وهو مصدر هام من مصادر قيام القوميات ومحاولة من جملة المحاولات لتشجيع القومية وقيامها على البعد عن الدين وأن أوروبا لم يمكنها التخلص من الجهل والحال الذي هم فيه حسب زعمهم إلا بإعلان الحرب على الدين ومن يمثله بدعوى أن الذي جرهم إلى هذا المصير هو الدين والبابوات الذين كانوا يزعمون للناس أنهم مفوضين من قبل الرب المسيح ونادى أولئك الهاربون من الدين بأن البديل عنه موجود وهو الرجوع إلى القوميات السابقة وأمجادها الغابرة أما الدين فهو طغيان واستبداد واستعلاء بعض البشر على البعض الآخر. ولم تكن الحرب على الدين من قبل النصارى والملاحدة فقط وإنما وجد من بعض المغفلين المسلمين الذين تشبعوا بالقومية العربية من يحارب المسلمين بدافع من حرص على استعلاء القومية العربية وهذه هي إحدى المكائد التي نجح فيها أعداء الإسلام في محاربة الدين.

стр. 299

(د) الحركات والمذاهب الهدامة الأوربية حينما أفاق الأوروبيون ورؤوا ما حل بهم من الغبن الفاحش على أيدي رجال الدين النصراني هالهم الأمر وثاروا كالبركان الهادر في وجه الديانة النصرانية ورجالها الطغاة مستعملين كل ما لديهم من الأسلحة الفكرية وغيرها في إيقاف ذلك الطغيان فقامت حركات وآراء فكرية ومذاهب مختلفة كل يعمل من جهته والمصب واحد هو القضاء على الدين ورجاله وكانوا في ذلك الهياج العارم منطقيين مع الحال الذي أوصلتهم النصرانية وطغاتها إليه فلجئوا إلى القومية وإلى غيرها علهم يجدون فرجا مما هم فيه وكانت تلك المذاهب المختلفة تمثل تيارا عاتيا خارجا عن أي سلطة وفي الوقت نفسه كانت هذه المذاهب في حاجة لملأ الفراغ الذي خلفه ترك الدين فكانت القومية البديل الجديد في نظرهم إلى أن يتيسر ما هو أحسن منها.

стр. 300

(هـ) العلمانية والعلمانيون العلمانية كما هو معروف مذهب هدام والعلمانيون كما عرفنا سابقا هم من أعداء الدين الإسلامي وممن تفانوا في تضليل المسلمين بكل ما أمكنهم من الوسائل عن طريق المنصرين وعن طريق نشر الكتب وعن طريق نشر الإعلام المرئي والمسموع وعن طريق عملاء لهم من عرب النصارى ومن غيرهم ممن تأثر بأفكارهم وارتوى من سمومهم وقد جعلوا المجلات التي يصدرونها من لبنان ومصر وغيرها سلما إلى قلوب الناس وتهيئتهم للانتقال من التعصب للدين إلى التعصب للقومية العربية وأمجادها. ولقد كان للعلمانيين وما يزال تأثير قوي بين كثير من طبقات الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاقتصادية وما من نعرة جاهلية تقوم إلا وللعلمانيين فيها يد طولى وقد ذكرناها لما لها من الأهمية والتأثير المتزايد خصوصا في هذه الأوقات التي انتشرت الفتن الهوجاء فيها سواء في حرب أمريكا وبريطانيا للعراق أو أفغانستان أو غيرهما من البلدان الإسلامية والتي إلى الآن نسمع التهديدات تلو التهديدات للدول التي لا تنصاع إلى السلوك الأمريكي وخصوصا فيما يتعلق بالمناهج الدراسية بعد أن جرت هذه الأمور فتنا مختلفة على أيدي أحزاب وحركات ثم اصطلى بنارها من لا ناقة له فيها ولا جمل فكانوا على حد قول الشاعر: وذنب جره سفهاء قوم وحل بغير جارمه العذاب

стр. 301

(و) الاشتراكية والشيوعية الاشتراكية أحد المعاول الهدامة لحرب الأديان وقيام الأحزاب المتصارعة على كل شيء. وهدم كل ما يقف في طريق الاشتراكية من الأديان والأخلاق وسائر السلوك الذي لا ينسجم مع هذه الاشتراكية من الأديان والأخلاق وسائر السلوك الذي لا ينسجم مع هذه الاشتراكية وما من شخص ينادي بالاشتراكية إلا ويقرنها بالقومية وأن لا انفكاك لبعضهما عن البعض الآخر غير أن القومية تعتبر بمثابة التهيئة الأولى للاشتراكية والخادمة لها. والاشتراكية هي الغذاء لقيام القوميات وانتشار الشيوعية بعد ذلك وكل فتنة ترقق التي قبلها مما يوحي بوقوع أخطار جسيمة ستحل بالمسلمين إن لم يتداركهم الله برحمته. وقد ورد في الحديث أن كل فتنة ترقق التي قبلها ويقصد ﷺ في آخر الزمان وما هو عنا ببعيد نسأل الله العلي العظيم اللطف والتوفيق.

стр. 302

(ز) قيام حزب البعث كان وراء قيام حزب البعث الاشتراكي النصارى العرب وعلى رأسهم النصراني ميشيل عفلق الذي جعل حب القومية العربية عقيدة راسخة تجمع بين مختلف الناس ومختلف عقائدهم وكانت الاشتراكية أيضا من ضمن منابع القومية التي امتزج بها حزب البعث وأخذ زعماء حزب البعث على عواتقهم المناداة بأنه يجب أن تبقى الآراء الفكرية هي القاسم المشترك بين العرب تحت لواء الوحدة الثقافية للأمة العربية ذات التاريخ المشترك واللغة الواحدة تحت بعث جديد يقوده القوميون الاشتراكيون دعاة الاشتراكية التي تبعث على التطور والازدهار وصد كل الحركات التي تعطل الأمة وتؤخر مسيرتها وحينما تمكن هؤلاء البعثيون النصارى من الحكم في لبنان وسوريا كشفوا عن حقيقتهم فإذا هم ينادون بعبادة البعث والعروبة والكفر بما عداهما وفي هذا قال أحد شعرائهم: آمنت بالبعث ربا لا شريك له ... وبالعروبة دينا ماله ثان وقال آخر: بلادك قدسها على كل ملة ... ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم هبوني عيدا يجعل العرب أمة ... وسيروا بجثماني على دين برهم سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلا وسهلا بعده بجهنم وكان قيام حزب البعث العربي الاشتراكي على دعوى القومية من الأمور البديهية إذ لا يمكن أن تقبل آراءهم المجتمعات العربية الإسلامية ما داموا يقدسون دينهم. فإذا تراخت قبضتهم على دينهم أمكن حينئذ أن تطل عليهم مبادئ القومية وأن تزحزحهم عن التعصب للدين إلى التعصب للقومية شيئا فشيئا إلى أن يتم المقصود ونحن اليوم نعيش خيانة هذا الحزب في ظرف هذه الحرب الضروس التي يخوضها الغرب في العراق.

стр. 303

١ - أبو خلدون ساطع الحصري لقد تفانى هذا الشخص في الدعوة إلى القومية العربية بخصوصها وأعاد وأبدى فيها وجعلها دينه ومصدر إلهامه عليها يوالي وعليها يعادي – لحاجة في نفس يعقوب – وغرضه ربط العرب بها بدلا عن ربطهم بدينهم وربطهم كذلك بالغرب قلبا وقالبا ومن الغرائب أن بعض الباحثين يذكر أن لغته الأصلية الأولى هي التركية وليست العربية فما الذي حمله على هذا التقديس للعربية والتعصب لها؟ وقد تأثر في دعواه إلى القومية بالقوميين الأوروبيين وحذا حذوهم إلا أنه كان يرى أن القومية ترتكز على أمرين هما وحدة الأمة. ووحدة التاريخ دون ما سواهما خصوصا الدين الذي تواطأ على إبعاده جميع القوميين، تنقل في مناصب مختلفة أهمها شغله وزارة التربية وقد وصف بأنه فيلسوف الفكرة القومية العربية ومرجع القوميين العرب وقد جد في دعوته إلى القومية بحذر شديد فكان يساير الحكام والمذاهب المختلفة الملحدة وغير الملحدة مع غمزه في دين الإسلام وتفضيل رباط القومية على رابطة الإسلام وأن الإيمان بالقومية العربية يجب أن تكون في حسبان كل عربي وأن تجتمع الكلمة عليها قبل كل شيء، وأن انضمام الأقوام الذين يتكلمون لغة واحدة وتاريخهم واحد وآمالهم وآلامهم واحدة يجب أن يجعلوا القومية هي الرباط العام بينهم ويجب أن تقوم دولتهم وثقافتهم عليها. وأنحى باللائمة في تأخر ظهور القومية إلى تمسك الناس بحكامهم ولم يقل بدينهم حذرا منه حسب تعاليم الأديان وكان هؤلاء يعيقون تطلع الشعوب إلى الانضواء تحت راية القومية لئلا يضعف الولاء للحكام حسب زعمه وكان دائما يثير الحماس في نفوس العرب ويبشرهم بأن النصر سيكون في النهاية للقومية وأنها ستكون هي الرباط الوحيد بين الشعوب وليس الإسلام الذي يطلب أن تقوم الشعوب بزعمه على التعصب له بعد أن تعقدت الأمور وظهرت النوازع السياسية المختلفة وتغير مفاهيم الناس.

стр. 304

٢ - مصطفى الشهابي كان من النشطاء في الدعوة إلى القومية العربية وكان يسميها عقيدة القومية العربية وأن من يناضل في سبيلها فيصاب يسمى شهيدا عنده وزعم كذلك أن الناس في القديم كانوا يجتمعون على رابطة التدين ولكن حينما ظهرت العقيدة القومية أظهرت تفوقا كبيرا على رابطة التدين وأن العرب أحسوا حينما تمسكوا بالقومية أنهم سيحققون كل ما يريدونه لشعوبهم في السياسة وفي الاقتصاد وفي جميع مرافق الحياة بسبب وجود جامع اللغة فيما بينهم على مختلف ديارهم مضافا إليها تاريخهم المشترك الذي يجدون فيه ما كان بين أسلافهم من التكاتف والتفاني وما قدموه من خدمة لبعضهم بعضا على مر التاريخ وما أدت إليه هذه المواقف من قوة ومنعة وصمود في وجوه أعدائهم من غيرهم بزعمه فانظر كيف يرمي بأنظار الناس إلى التاريخ الجاهلي ويتناسى فضل الإسلام وكان يردد دائما أن الفرق بين القومية العربية والإسلام أن القومية أدق وأقوى في الارتباط لأن العقيدة الإسلامية لم تقتصر على ما اقتصرت عليه القومية من شد أزر العرب فقط وإنما كانت شاملة للعرب وغيرهم؟! ويرى أن رباط الإسلام لا يهتم بالعرب ولا يجعل لهم مزية على غيرهم أو احتراما لحقوقهم خاصة بهم ولا يعطيهم التميز الذي تعطيه لهم القومية العربية وهو تحريض سافر على إقصاء الإسلام عن الحياة.

стр. 305

٣ - محمد معروف الدواليبي من مشاهير دعاة القومية العربية والمغالين في تقديسها وقد زعم أن العرب قبل أن ينتبهوا للقومية العربية كانوا في فراغ مميت وانحطاط شديد وأن ظهور دعاة القومية العربية من تباشير الخير العميم ودعا بكل حرارة إلى أن يجند كل عربي نفسه لخدمة القومية وإعلاء شأنها والإيمان الراسخ بعقيدة انتشار القومية وانضواء كل العرب تحت رايتها التي سترفرف فوق كل بلد عربي ويستظل بظلها كل عربي وكان يعتقد أن على العرب ألا ينظروا إلى رابطة الدين وانضواء الناس على مختلف لغاتهم تحت لوائه لأن هذه النظرة الشاملة ليست هي القومية العربية الخالصة التي يجب أن تقدم على الروابط العامة لأن رابطة اللغة العربية – من وجهة نظره – هي الأساس قبل الإسلام وبعده وكان العرب قبل الإسلام على مذاهب وأفكار شتى من جاهليين ووثنيين ونصارى ويهود ولم يكن لهم رابط إلا اللغة العربية والتاريخ المشترك وهو يهدف إلى إقصاء فكرة أن الدين الإسلامي يجب أن يكون هو الرابط العام ولكن لا أدري لو سئل هذا السؤال وكيف كان حالهم حينما كانوا لا تربطهم إلا اللغة والتاريخ المشترك قبل الإسلام لا أدري بماذا سيجيب؟ وله مبالغات في مدح اللغة واجتماع كل أمة عليها وأنها مصدر إلهام ومحبة وتوافق وأن الأمة العربية من أدناها إلى أقصاها يجب أن يستنيروا بالقومية في جميع مجالات حياتهم ما داموا كلهم يتكلمون اللغة العربية إلى آخر ما عنده من الترهات والهذيان.

стр. 306

٤ - جمال عبد الناصر ومن المشاهير في تقديس القومية رئيس مصر جمال عبد الناصر الذي كانت له صولات وجولات وألقاب فخمة وتزعم في هذا العصر الدعوة إلى القومية العربية وعمل ما في وسعه في سبيل تقويتها وانتشارها بل وجعلها دينا مقدسا وعقيدة أساسية واستحوذ على كثير من مصادر الإعلام في وقته وسخرها لترديد أفكاره القومية وتمجيد العروبة وأنها هي المنقذ الوحيد لإزالة المستعمرين والطريق القويم إلى التقدم ونبذ الرجعية وأن العرب سيعيشون في الجنة التي وعدهم بها الدين سيعيشونها في هذه الدنيا تحت ظل راية القومية العربية إن استقاموا على الالتزام بتقديس القومية والاشتراكية وكانت له صولات وجولات ودعايات هائلة حتى مرغ الله أنفه تحت رجليه بهزيمته أمام إسرائيل في دقائق معدودة فإذا بهذا الجبار الذي كان يمدح بأنه أبو الأحرار وقامع الرجعية ورائد العروبة .. و .. و .. بل كان يقال لن ننهزم وناصر فينا ثم انحلت المعركة عنه فإذا به دمية صغيرة وأن فأسه كان من طين ولقى الخزي والهوان وهو ينظر إليه. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٥٥

стр. 307

سابع عشر: كلام الشيخ ابن باز في نقد القومية ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن الدعوة إلى القومية العربية أو غيرها من القوميات، دعوة باطلة وخطأ عظيم، ومنكر ظاهر، وجاهلية وكيد سافر للإسلام وأهله، وذلك لوجوه: الأول: أن الدعوة إلى القومية العربية تفرق بين المسلمين، وتفصل المسلم العجمي عن أخيه العربي، وتفرق بين العرب أنفسهم؛ لأنهم كلهم ليسوا يرتضونها، وإنما يرضاها منهم قوم دون قوم، وكل فكرة تقسم المسلمين وتجعلهم أحزابا فكرة باطلة، تخالف مقاصد الإسلام وما يرمي إليه؛ وذلك لأنه يدعو إلى الاجتماع والوئام، والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، كما يدل على ذلك قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:١٠٣] وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:٦٣] وقال تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:٣٢] فانظر أيها المؤمن الراغب في الحق كيف يحارب الإسلام التفرق والاختلاف، ويدعو إلى الاجتماع والوئام، والتمسك بحبل الحق والوفاة عليه، تعلم بذلك أن هدف القومية غير هدف الإسلام، وأن مقاصدها تخالف مقاصد الإسلام، ويدل على ذلك أيضا أن هذه الفكرة، أعني الدعوة إلى القومية العربية وردت إلينا من أعدائنا الغربيين، وكادوا بها المسلمين، ويقصدون من ورائها فصل بعضهم عن بعض، وتحطيم كيانهم، وتفريق شملهم، على قاعدتهم المشئومة (فرق تسد) وكم نالوا من الإسلام وأهله بهذه القاعدة النحيسة، مما يحزن القلوب ويدمي العيون وذكر كثير من مؤرخي الدعوة إلى القومية العربية، ومنهم مؤلف الموسوعة العربية: أن أول من دعا إلى القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، هم الغربيون على أيدي بعثات التبشير في سوريا، ليفصلوا الترك عن العرب، ويفرقوا بين المسلمين ........ , الوجه الثاني: أن الإسلام نهى عن دعوى الجاهلية وحذر منها، وأبدى في ذلك وأعاد في نصوص كثيرة بل قد جاءت النصوص تنهى عن جميع أخلاق الجاهلية، وأعمالهم إلا ما أقره الإسلام من ذلك، ولا ريب أن الدعوة إلى القومية العربية من أمر الجاهلية، لأنها دعوة إلى غير الإسلام، ومناصرة لغير الحق، وكم جرت الجاهلية على أهلها من ويلات وحروب طاحنة، وقودها النفوس والأموال والأعراض، وعاقبتها تمزيق الشمل وغرس العداوة والشحناء في القلوب، والتفريق بين القبائل والشعوب ........ , ولا ريب أيضا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر؛ لأن القومية ليست دينا سماويا يمنع أهله من البغي والفخر، وإنما هي فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها والتعصب لها على من نالها بشيء، وإن كانت هي الظالمة وغيرها المظلوم، فتأمل أيها القارئ ذلك يظهر لك وجه الحق.

стр. 308

الوجه الثالث من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية هو أنها سلم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من غير المسلمين، واتخاذهم بطانة، والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم ومعلوم ما في هذا من الفساد الكبير، والمخالفة لنصوص القرآن والسنة، الدالة على وجوب بغض الكافرين من العرب وغيرهم، ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة والنصوص في هذا المعنى كثيرة منها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [المائدة:٥٢] الآية سبحان الله ما أصدق قوله وأوضح بيانه، هؤلاء القوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية مسلمها وكافرها، يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة، نخشى أن يعود الاستعمار إلى بلادنا، نخشى أن تسلب ثرواتنا بأيدي أعدائنا، فيوالون لأجل ذلك كل عربي من يهود ونصارى، ومجوس ووثنيين وملاحدة وغيرهم، تحت لواء القومية العربية، ويقولون: إن نظامها لا يفرق بين عربي وعربي، وإن تفرقت أديانهم، فهل هذا إلا مصادمة لكتاب الله، ومخالفة لشرع الله، وتعد لحدود الله، وموالاة ومعاداة، وحب وبغض على غير دين الله؟ فما أعظم ذلك من باطل، وما أسوأه من منهج والقرآن يدعو إلى موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين أينما كانوا وكيفما كانوا، وشرع القومية العربية يأبى ذلك ويخالفه: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ويقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١] إلى قوله تعالى وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ. ونظام القومية يقول: كلهم أولياء مسلمهم وكافرهم والله يقول: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣] ويقول سبحانه قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤] وقال تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: ٢٢] وشرع القومية أو بعبارة أخرى شرع دعاتها يقول: أقصوا الدين عن القومية، وافصلوا الدين عن الدولة، وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم، حتى تدركوا مصالحكم وتستردوا أمجادكم، وكأن الإسلام وقف في طريقهم، وحال بينهم وبين أمجادهم، هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية، سبحانك هذا بهتان عظيم

стр. 309

والآيات الدالة على وجوب موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين، والتحذير من توليهم كثيرة لا تخفى على أهل القرآن، فلا ينبغي أن نطيل بذكرها وكيف يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل، وأبو لهب، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث وأضرابهم من صناديد الكفار في عهد النبي ﷺ وبعده إلي يومنا هذا، إخوانا وأولياء لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة، ومن سلك سبيله من العرب إلى يومنا هذا. هذا والله من أبطل الباطل وأعظم الجهل وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه، وإن أنكره بعض دعاتها جهلا أو تجاهلا وتلبيسا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد أوجب الله على المسلمين: أن يتكاتفوا ويتكتلوا تحت راية الإسلام، وأن يكونوا جسدا واحدا، وبناء متماسكا ضد عدوهم، ووعدهم على ذلك النصر والعز والعاقبة الحميدة، كما تقدم ذلك في كثير من الآيات، وكما في قوله تعالي: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥] الآية وقال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١] فوعد الله سبحانه عباده المرسلين، وجنده المؤمنين بالنصر والغلبة، واستخلافهم في الأرض والتمكين لدينهم، وهو الصادق في وعده، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ [الزمر:٢٠] وإنما يتخلف هذا الوعد في بعض الأحيان بسبب تقصير المسلمين، وعدم قيامهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالله، والنصر لدينه، كما هو الواقع، فالذنب ذنبنا لا ذنب الإسلام، والمصيبة حصلت بما كسبت أيدينا من الخطايا، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:٣٠]

стр. 310

فالواجب على العرب وغيره: التوبة إلى الله سبحانه، والتمسك بدينه، والتواصي بحقه، وتحكيم شريعته، والجهاد في سبيله، والاستقامة على ذلك من الرؤساء وغيرهم، فبذلك يحصل لهم النصر ويهزم العدو، ويحصل التمكين في الأرض، وإن قل عددنا وعدتنا، ولا ريب أن من أهم الواجبات الإيمانية: أخذ الحذر من عدونا، وأن نعد له ما نستطيع من القوة، وذلك من تمام الإيمان، ومن الأخذ بالأسباب التي يتعين الأخذ بها، ولا يجوز إهمالها، كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ وقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [النساء: ٧١] وليس للمسلمين أن يوالوا الكافرين أو يستعينوا بهم على أعدائهم، فإنهم من الأعداء ولا تؤمن غائلتهم وقد حرم الله موالاتهم، ونهى عن اتخاذهم بطانة، وحكم على من تولاهم بأنه منهم، وأخبر أن الجميع من الظالمين، كما سبق ذلك في الآيات المحكمات، وثبت في: (صحيح مسلم)، عن عائشة ﵂ قالت: ((خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك وقال له رسول الله ﷺ أتؤمن بالله ورسوله؟ قال لا قال "فارجع فلن استعين بمشرك قالت ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة فقال لا قال "فارجع فلن استعين بمشرك" قالت ثم رجع فأدركه في البيراء فقال له كما قال أول مرة "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال نعم فقال له رسول الله ﷺ "فانطلق")) (١) فهذا الحديث الجليل، يرشدك إلى ترك الاستعانة بالمشركين، ويدل على أنه لا ينبغي للمسلمين أن يدخلوا في جيشهم غيرهم، لا من العرب ولا من غير العرب؛ لأن الكافر عدو لا يؤمن. وليعلم أعداء الله أن المسلمين ليسوا في حاجة إليهم، إذا اعتصموا بالله، وصدقوا في معاملته. لأن النصر بيده لا بيد غيره، وقد وعد به المؤمنين، وإن قل عددهم وعدتهم كما سبق في الآيات وكما جرى لأهل الإسلام في صدر الإسلام،

стр. 311

ويدل على تلك أيضا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ [آل عمران: ١١٨] فانظر أيها المؤمن إلى كتاب ربك وسنة نبيك ﵊ كيف يحاربان موالاة الكفار، والاستعانة بهم واتخاذهم بطانة، والله سبحانه أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من أنفسهم، فلو كان في اتخاذهم الكفار أولياء من العرب أو غيرهم والاستعانة بهم مصلحة راجحة، لأذن الله فيه وأباحه لعباده، ولكن لما علم الله ما في ذلك من المفسدة الكبرى، والعواقب الوخيمة، نهى عنه وذم من يفعله، وأخبر في آيات أخرى أن طاعة الكفار، وخروجهم في جيش المسلمين يضرهم، ولا يزيدهم ذلك إلا خبالا، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [آل عمران: ١٤٩:] وقال تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة:٤٧] فكفى بهذه الآيات تحذيرا من طاعة الكفار، والاستعانة بهم، وتنفيرا منهم، وإيضاحا لما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة، عافى الله المسلمين من ذلك، وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:٧١] وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:٧٣] أوضح سبحانه أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض، فإذا لم يفعل المسلمون ذلك، واختلط الكفار بالمسلمين، وصار بعضهم أولياء بعض، حصلت الفتنة والفساد الكبير، وذلك بما يحصل في القلوب من الشكوك، والركون إلى أهل الباطل والميل إليهم، واشتباه الحق على المسلمين نتيجة امتزاجهم بأعدائهم وموالاة بعضهم لبعض، كما هو الواقع اليوم من أكثر المدعين للإسلام حيث والوا الكافرين، واتخذوهم بطانة، فالتبست عليهم الأمور بسبب ذلك، حتى صاروا لا يميزون بين الحق والباطل ولا بين الهدى والضلال، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فحصل بذلك من الفساد والأضرار ما لا يحصيه إلا الله سبحانه ..... , وللقوميين هنا شبهة، وهي أنهم يقولون: إن التكتل حول القومية العربية بدون تفرقة بين المسلم والكافر يجعل العرب وحدة قوية، وبناء شامخا، يهابهم عدوهم ويحترم حقوقهم، وإذا انفصل المسلمون عن غيرهم من العرب، ضعفوا وطمع فيهم العدو، وشبهة أخرى وهي أنهم يقولون: إن العرب إذا اعتصموا بالإسلام، وتجمعوا حول رايته، حقد عليهم أعداء الإسلام، ولم يعطوهم حقوقهم، وتربصوا بهم الدوائر، خوفا من أن يثيروها حروبا إسلامية، ليستعيدوا بها مجدهم السالف، وهذا يضرنا ويؤخر حقوقنا ومصالحنا المتعلقة بأعدائنا، ويثير غضبهم علينا.

стр. 312

والجواب: أن يقال: إن اجتماع المسلمين حول الإسلام، واعتصامهم بحبل الله، وتحكيمهم لشريعته، وانفصالهم من أعدائهم والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، هو سبب نصر الله لهم وحمايتهم من كيد أعدائهم، وهو وسيلة إنزال الله الرعب في قلوب الأعداء من الكافرين، حتى يهابوهم ويعطوهم حقوقهم كاملة غير منقوصة، كما حصل لأسلافهم المؤمنين. فقد كان بين أظهرهم من اليهود والنصارى الجمع الغفير، فلم يوالوهم ولم يستعينوا بهم، بل والوا الله وحده، واستعانوا به وحده، فحماهم وأيدهم ونصرهم على عدوهم والقرآن والسنة شاهدان بذلك، والتاريخ الإسلامي ناطق بذلك، قد علمه المسلم والكافر. وقد خرج النبي ﷺ يوم بدر إلى المشركين، وفي المدينة اليهود، فلم يستعن بهم، والمسلمون في ذلك الوقت ليسوا بالكثرة، وحاجتهم إلى الأنصار والأعوان شديدة، ومع ذلك فلم يستعن نبي الله والمسلمون باليهود، لا يوم بدر ولا يوم أحد، مع شدة الحاجة إلى المعين في ذلك الوقت، ولا سيما يوم أحد، وفي ذلك أوضح دلالة على أنه لا ينبغي للمسلمين أن يستعينوا بأعدائهم، ولا يجوز أن يوالوهم أو يدخلوهم في جيشهم، لكونهم لا تؤمن غائلتهم، ولما في مخالطتهم من الفساد الكبير، وتغيير أخلاق المسلمين، وإلقاء الشبهة، وأسباب الشحناء والعداوة بينهم، ومن لم تسعه طريقة الرسول ﷺ وطريقة المؤمنين السابقين فلا وسع الله عليه. وأما حقد غير المسلمين على المسلمين إذا تجمعوا حول الإسلام، فذلك مما يرضي الله عن المؤمنين ويوجب لهم نصره، حيث أغضبوا أعداءه من أجل رضاه، ونصر دينه والحماية لشرعه. ولن يزول حقد الكفار على المسلمين، إلا إذا تركوا دينهم واتبعوا ملة أعدائهم، وصاروا في حزبهم، وذلك هو الضلال البعيد والكفر الصريح، وسبب العذاب والشقاء في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة:١٢٠] وقال تعالى: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:٢١٧] وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية:١٨] فأبان الله في هذه الآيات البينات: أن الكفار لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم، وندع شريعتنا، وإنهم لا يزالون يقاتلونا حتى يردونا عن ديننا إن استطاعوا. وأخبر أنه متى أطعناهم واتبعنا أهواءهم، كنا من المخلدين في النار، إذا متنا على ذلك، نسأل الله العافية من ذلك، ونعوذ بالله من موجبات غضبه وأسباب انتقامه.

стр. 313

الوجه الرابع: من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال: إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن؛ لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن، فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاما وضعية تخالف حكم القرآن، حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام، وقد صرح الكثير منهم بذلك كما سلف، وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين والردة السافرة، كما قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [:]

стр. 314

وقال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] وقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤] وقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:٤٥] وقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:٤٧] وكل دولة لا تحكم بشرع الله، ولا تنصاع لحكم الله، ولا ترضاه فهي دولة جاهلية كافرة، ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله، وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده، وتحكم شريعته، وترضى بذلك لها وعليها، كما قال : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:٤] فالواجب على زعماء القومية ودعاتها، أن يحاسبوا أنفسهم ويتهموا رأيهم، وأن يفكروا في نتائج دعوتهم المشئومة، وغاياتها الوخيمة، وأن يكرسوا جهودهم للدعوة إلى الإسلام ونشر محاسنه والتمسك بتعاليمه والدعوة إلى تحكيمه بدلا من الدعوة إلى قومية أو وطنية، وليعلموا يقينا أنهم إن لم يرجعوا إلى دينهم ويستقيموا عليه ويحكموه فيما شجر بينهم، فسوف ينتقم الله منهم، ويفرق جمعهم، ويسلبهم نعمته، ويستبدل قوما غيرهم، يتمسكون بدينه ويحاربون ما خالفه كما قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:٣٨] وقال تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٤٤] صح عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ قوله تعالى وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢])) (١) فيا معشر القوميين: راقبوا الله سبحانه، وتوبوا إليه، وخافوا عذابه واشكروه على إنعامه، وذلك بتعظيم كتابه وسنة نبيه ﷺ والعمل بهما ودعوة الناس إلى ذلك، وتحذيرهم مما يخالفه، ففي ذلك عز الدنيا والآخرة، وصلاح أمر المجتمع، وراحة الضمير وطمأنينة القلب، والسعادة العاجلة والآجلة، والأمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة.

стр. 315

وكل ما خالف ذلك من الدعوات، فهو دعوة إلى جهنم، وسبيل إلى قلق الضمائر، واضطراب المجتمع، وتسليط الأعداء، وحرمان السعادة والأمن في الدنيا والآخرة، كما قال ذو العزة والجلال في كتابه المبين: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:١٣٣] فأبان سبحانه في هذه الآيات أن من اتبع هداه لم يضل ولم يشق، بل له الهدى والسعادة في الدنيا والآخرة ومن أعرض عن ذكره فله المعيشة الضنك في الدنيا، والعمى والعذاب في الآخرة، ومن ضنك المعيشة في الدنيا ما يبتلى به أعداء الإسلام من ظلمة القلوب وحيرتها، وما ينزل بها من الغموم والهموم والشكوك والقلق، وأنواع المشاق في طلب الدنيا وجمعها والخوف من نقصها وسلبها، وغير ذلك من أنواع العقوبات المعجلة في الدنيا، كما قال الله سبحانه: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ٥٥] وقال تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: ٢١] والآيات في هذا المعنى كثيرة، نسأل الله أن يصلح قلوبنا، وأن يعرفنا بذنوبنا، ويمن علينا بالتوبة منها، وأن يهدينا وسائر إخواننا سواء السبيل، إنه على كل شيء قدير. المصدر: نقض القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع لعبد العزيز بن باز ص١١ - ٤٣

стр. 316

الخاتمة بعد هذا العرض الموجز للقومية يتضح لنا بجلاء أنها أبعد ما تكون عن الحقيقة وأنها لا يمكن أن تتم عليها المودة والرحمة واجتماع الكلمة وأنها جاهلية أوروبية ورثها المتطفلون على الحياة الأوروبية وذهبوا يحاولون تجميل وجهها القبيح ويزخرفون القول فيها لتجتمع عليها الكلمة ولتحل محل الدين وأبلوا في ذلك بلاء لا يحمدون ولا يشكرون عليه وما هي إلا لعبة سياسية ومقصد يراد من ورائه أهدافا ومكاسب وقد جربتها أوروبا وتبين لهم أنها تفسد أكثر مما تصلح فنبذوها وقد تلقفها اليهود والنصارى وقدموها في شعارات براقة للعرب ليكملوا بها تفريق الكلمة والابتعاد عن الدين – وخصوصا الإسلام – وبعبارة أخرى نقول لو كانت القومية فيها خير وجمع للكلمة لوحدت – أقل ما يمكن – بين قلوب العرب المتنافرة بل ولو كانت كذلك لكان كل عربي يلهج بذكرها وتمجيدها خصوصا في أيامنا هذه وهي أيام نحس وحزن على العرب كلهم وهم يواجهون تهديدات الدول الكبرى في اكتساح العراق وغيره من بلدان العالم بقيادة أمريكا وبريطانيا وإسرائيل ولو كان ساسة العرب النابهين منهم يعلمون أن في الدعوة إلى القومية - العربية - فيه أدنى نفع للعرب فضلا عن غيرهم لملأوا الدنيا صياحا وعويلا على وجوب التزام القومية والعمل تحت لوائها ولكنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنها بضاعة مزجاة لا تصلح إلا للاستهلاك اليومي. وكذلك أيضا الدول الكبرى قد اطمأنوا تماما ووثقوا من إحكام الفرقة بين العرب وبين غيرهم فلا يرون ضرورة للمناداة باسم القومية العربية فلهذا لم نعد نسمع التقديس للقومية الذي كان في زمن من قبلنا من دعاة القومية وآخرهم جمال عبد الناصر بل إسرائيل وأمريكا وسائر الكفار لا يريدون أن تطل دعوة القومية العربية برأسها لأن مصلحتهم تقتضي عدم ذلك في الوقت الحاضر ولأنها قد أتت ثمارها سابقا حينما قضوا بها على الخلافة الإسلامية في تركيا ممثلة في الحكم العثماني وبذلك يتبين أن كثيرا من دعاة القومية من العرب ومن غيرهم إنما هم ببغاوات يرددون ما يسمعونه حرفيا من مدربيهم رؤساء الكفر والضلال إذ لا يغيرون حتى كلمات العبارات. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٦٧

стр. 317

مراجع للتوسع ـ القومية العربية تاريخها وقوامها، مصطفى الشهابي. ـ اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية، ساطع الحصري. ـ العروبة أولاً، ساطع الحصري. ـ الإقليمية جذورها وبذورها، ساطع الحصري. ـ قضية العرب، علي ناصر. ـ القومية العربية، د. أبو الفتوح رضوان. ـ أرض العروبة، عبد الحي حسن العمراني. ـ بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية، أبو الأعلى المودودي. ـ تطور المفهوم القومي عند العرب، أنيس صائغ. ـ حقيقة القومية العربية، محمد الغزالي. ـ دراسات تاريخية عن أصل العرب وحضارتهم الإنسانية، د. محمد معروف الدواليبي. ـ الشعوبية الجديدة، محمد مصطفى رمضان. ـ محنة القومية العربية، أركان عبادي. ـ معنى القومية العربية، جورج حنا. ـ نشوء القومية العربية، زين نور الدين زين. ـ نقد القومية العربية، الشيخ عبد العزيز بن باز. ـ يقظة العرب، ترجمة د. ناصر الدين الأسد، د. إحسان عباس. ـ فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام، صالح بن عبد الله العبود. ـ نشأة الحركة العربية الحديثة، محمد عزة دروزة. ـ حول القومية العربية، عبد المجيد عبد الرحيم. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي ١ - " فكرة القومية العربية في ضوء الإسلام " الشيخ صالح بن عبد الله العبود. ٢ - " حركات ومذاهب في ميزان الإسلام " الطبعة العاشرة سنة ١٤٠٣هـ فتحي يكن. ٣ - "الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها " جمعة الخولي. ٤ – "محمد والقومية العربية" – علي حسني خربوطلي. ٥ - "مذاهب فكرية معاصرة" – محمد قطب. ٦ – " نقد القومية العربية" – الشيخ عبد العزيز بن باز. ٧ - " القومية في نظر الإسلام " – محمد أحمد باشميل. ٨ - "الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام" – منير محمد نجيب. ٩ – " في الشعوبية " – إسماعيل العرفي. ١٠ - " الشعوبية الجديدة " – محمد مصطفى رمضان. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٦٨

стр. 318

أولا: التعريف حزب البعث حزب قومي علماني، يدعو إلى الانقلاب الشامل في المفاهيم والقيم العربية لصهرها وتحويلها إلى التوجه الاشتراكي، شعاره المعلن (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) وهي رسالة الحزب، أما أهدافه فتتمثل في الوحدة والحرية والاشتراكية. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 319

ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات في سنة ١٩٣٢م عاد من باريس قادماً إلى دمشق كل من ميشيل عفلق (نصراني ينتمي إلى الكنيسة الشرقية)، وصلاح البيطار (سني) وذلك بعد دراستهم العالية محملين بأفكار قومية وثقافة أجنبية. ـ عمل كل من عفلق والبيطار في التدريس، ومن خلاله أخذا ينشران أفكارهما بين الزملاء والطلاب والشباب. ـ أصدر التجمع الذي أنشأه عفلق والبيطار مجلة الطليعة مع الماركسيين سنة ١٩٣٤م وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم (جماعة الإحياء العربي). ـ في نيسان ١٩٤٧م تم تأسيس الحزب تحت اسم (حزب البعث العربي)، وقد كان من المؤسسين: ميشيل عفلق، صلاح البيطار، جلال السيد، زكي الأرسوزي كما قرروا إصدار مجلة باسم البعث. ـ كان لهم بعد ذلك دور فاعل في الحكومات التي طرأت على سوريا بعد الاستقلال سنة ١٩٤٦م وهذه الحكومات هي: ١ ـ حكومة شكري القوتلي: من ١٩٤٦م وحتى ٢٩/ ٣/١٩٤٩م. ٢ ـ حكومة حسني الزعيم: استلم السلطة عدة شهور من سنة ١٩٤٩م. ٣ ـ حكومة اللواء سامي الحناوي: بدأ حكمه وانتهى في نفس عام ١٩٤٩م. ٤ ـ حكومة أديب الشيشكلي: استمر حكمه حتى سنة ١٩٥٤م. ٥ ـ حكومة شكري القوتلي: عاد إلى الحكم مرة ثانية واستمر إلى توقيع اتفاقية الوحدة مع مصر سنة ١٩٥٨م. ٦ ـ حكومة الوحدة برئاسة جمال عبد الناصر: ١٩٥٨ـ ١٩٦١م. ٧ ـ حكومة الانفصال برئاسة الدكتور ناظم القدسي: وقد دام الانفصال من ٢٨/ ٩/١٩٦١م وحتى ٨/ ٣/١٩٦٣م. وقد قاد حركة الانفصال عبد الكريم النحلاوي. منذ ٨/ ٣/١٩٦٣م وإلى اليوم فقد وقعت سوريا تحت حكم حزب البعث، وقد مرت هذه الفترة بعدة حكومات بعثية هي: ـ حكومة قيادة الثورة: ١٩٦٣م وفيها برز صلاح البيطار كرئيس للوزراء. ـ حكومة أمين الحافظ: من ١٩٦٣م وحتى ١٩٦٦م. ـ حكومة نور الدين الأتاسي: ١٩٦٦م ـ ١٩٧٠م حيث لعبت القيادة القطرية للحزب دوراً بارزاً في الحكم، وقد برز في هذه الفترة كل من صلاح جديد الذي عمل أميناً عاماً للقيادة القطرية وحافظ الأسد الذي عمل وزيراً للدفاع. ـ حكومة حافظ الأسد: من سنة ١٩٧٠م وإلى يومنا هذا. · ومن الشخصيات السورية البارزة التي ظهرت في تاريخ الحزب: ـ سامي الجندي: تقلد منصب وزير الإعلام بعد انقلاب ١٩٦٣م. ـ حمود الشوفي: عمل سكرتيراً عاماً للقيادة القطرية الأولى إلا أنه انشق وجماعته عن الحزب في آذار سنة ١٩٦٤م، وهو الآن في العراق. ـ منيف الرزاز: (أردني سني) عمل سكرتيراً عاماً للقيادة القومية للحزب من نيسان ١٩٦٥م إلى شباط ١٩٦٦م. ـ مصطفى طلاس: (سني): ولد سنة ١٩٣٢م، درس في الكلية العسكرية بحمص، انضم إلى الحزب في سنة ١٩٤٧م وعمل رئيساً لمحكمة الأمن القومي للمنطقة الوسطى من ١٩٦٣م، ورئيس أركان اللواء المدرع الخامس من ١٩٦٤م ـ ١٩٦٦م ورئيس الأركان للقوات المسلحة من شباط ١٩٦٨م ونائب وزير الدفاع من ١٩٦٨ـ ١٩٧٢م وفي آذار ١٩٧٣م وصار وزيراً للدفاع. ـ اللواء يوسف شكور: خلف مصطفى طلاس في رئاسة الأركان وهو من منطقة حمص. ـ اللواء ناجي جميل: من دير الزور، كان قائداً لسلاح الجو من تشرين الثاني ١٩٧٠م وحتى آذار ١٩٧٨م. ـ سليم حاطوم: حاول أن يقود انقلاباً عام ١٩٦٦م لكنه فشل في ذلك. وقد أعدم في عام ١٩٦٧م. ـ زكي الأرسوزي: (من لواء إسكندرون) مؤسس مع ميشيل عفلق ومنافس له. ـ شبلي العيسمي: ولد عام ١٩٣٠م، عمل وزيراً للإصلاح الزراعي ثم وزيراً للمعارف، ثم وزيراً للثقافة والإرشاد القومي ١٩٦٣مـ ١٩٦٤م ونائباً للأمين العام لحزب البعث ١٩٦٥م. ـ عبد الكريم الجندي: من أنصار صلاح جديد، انتهى منتحراً عام ١٩٦٩م. ـ سليمان العيسى: (من لواء إسكندرون) منظّر ومفكّر وشاعر.

стр. 320

ـ أحمد الخطيب: استلم رئاسة الجمهورية من تشرين الثاني ١٩٧٠م واستقال في شباط ١٩٧١م وهي الفترة الانتقالية بين حكومة نور الدين الأتاسي وحكومة حافظ الأسد، وقد كان عضو القيادة القطرية الموسعة من ١٩٦٥م كما استلم رئاسة مجلس الشعب لفترة قصيرة. ـ يوسف زعين: مولود في البوكمال ١٩٣١م طبيب، عمل وزيراً للإصلاح الزراعي ١٩٦٣ـ ١٩٦٤م، وسفيراً في بريطانيا، وفي ١٩٦٥م انتخب عضواً في القيادة القطرية، ومن شباط ١٩٦٦م إلى تشرين الأول ١٩٦٨م، كان رئيساً للوزراء حتى عام ١٩٧٠م. ـ جلال السيد: عضو مؤسس في حزب البعث وهو من مدينة دير الزور وقد ترك الحزب لكنه بقي نشيطاً في السياسة السورية. ـ عبد الحليم خدام: ولد ١٩٣٢م في بانياس، خريج كلية الحقوق بدمشق تنقل في عدة وظائف حيث عمل محافظاً لمدينة حماة ومحافظاً لمدينة القنيطرة ومحافظاً لمدينة دمشق ١٩٦٤م ووزيراً للاقتصاد ١٩٦٩م ووزيراً للخارجية من ١٩٧٠م وهو عضو القيادة القطرية منذ عام ١٩٦٩م وقد ارتقى عام ١٩٨٤م ليكون نائب رئيس الجمهورية للشؤون السياسية. ـ حافظ الأسد: ولد بالقرداحة من قرى اللاذقية سنة ١٩٣٠م، تخرج في الكلية العسكرية بحمص ١٩٥٥م عمل قائداً لقاعدة الضمير الجوية ١٩٦٣م، وقائداً لسلاح الطيران ١٩٦٤م، انضم إلى المجلس الوطني لقيادة الثورة ١٩٦٥م، انضم إلى صلاح جديد في انقلاب ١٩٦٦م وصار وزيراً للدفاع من ١٩٦٦م إلى ١٩٧٠م. ومن تشرين الثاني ١٩٧٠م صار رئيساً للجمهورية بعد قيادته الحركة التغييرية التي أوصلته إلى السلطة. ـ زهير مشارقة من حلب، عين مؤخراً نائب رئيس الجمهورية لشؤون الحزب. - لقد اندمج في سنة ١٩٥٣م كل من (حزب البعث) و (الحزب العربي الاشتراكي) الذي كان يقوده أكرم الحوراني في حزب واحد أسمياه (حزب البعث العربي الاشتراكي). أما عن الجناح العراقي من حزب البعث فقد استولى على السلطة في العراق بعد أحداث دامية سارت على النحو التالي: - استيلاء حزب البعث على ناصية الحكم في العراق: ـ في الرابع عشر من شهر يوليو عام ١٩٥٨م دخل لواء بقيادة عبد السلام عارف إلى بغداد قادماً من الأردن واستولى على محطة الإذاعة وأعلن الثورة على النظام الملكي وقتل الملك فيصل الثاني وولي عهده عبد الإله ونوري السعيد وأعوانه وأسقط النظام الملكي وبذلك انتهى عهد الملك فيصل ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية. ـ وفي اليوم الرابع والعشرين من شهر يوليو عام ١٩٥٨م أي بعد عشرة أيام من نشوب الثورة وصل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وزعيمه إلى بغداد وحاول إقناع أركان النظام الجديد بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر) ولكن الحزب الشيوعي العراقي أحبط مساعيه ونادى بعبد الكريم قاسم زعيماً أوحد للعراق. ـ وفي اليوم الثامن من شهر فبراير لعام سنة ١٩٦٣م قام حزب البعث بانقلاب على نظام عبد الكريم قاسم وقد شهد هذا الانقلاب قتالاً شرساً دار في شوارع بغداد، وبعد نجاح هذا الانقلاب تشكلت أول حكومة بعثية، وسرعان ما نشب خلاف بين الجناح المعتدل والجناح المتطرف من حزب البعث فاغتنم عبد السلام عارف هذه الفرصة وأسقط أول حكومة بعثية في تاريخ العراق في ١٨ نوفمبر سنة ١٩٦٣م وعين عبد السلام عارف أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين المعتدلين نائباً لرئيس الجمهورية. ـ في شهر فبراير سنة ١٩٦٤م أوصى ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين عضواً في القيادة القطرية لفرع حزب البعث العراقي. ـ في شهر سبتمبر سنة ١٩٦٦م قام حزب البعث العراقي بالتحالف مع ضباط غير بعثيين بانقلاب ناجح أسقط نظام عارف.
следующие страницы →