مراجع للتوسع
- الموسوعة الفلسفية المختصرة، مترجمة عن الإنكليزية .. دار القلم – بيروت.
- قصة الفلسفة الحديثة، أحمد أمين وآخر- لجنة التأليف والنشر – القاهرة – ١٩٧٨م.
- معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، د. أحمد زكي – مكتبة لبنان – بيروت.
- History of Philosophy by F.C. Copleston Burns – London ١٩٤٧.
- Epicurus and his gods Y.A.J. Festugire tre. C.W. Chilton, Oxford ١٩٥٥.
- Bentham, ed. W. Harrison Blackwell, Oxford and Macmillan. New York ١٩٤٨.
- Two Treatises of Government by J. Locke ed T. Cook, Hafner, London ١٩٥٦.
- J. Looke by D.J. O’connor, London ١٩٥٢.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 387
أولا: التعريف
الأفلاطونية الجديدة تسمية حديثة لآراء مجموعة من الفلاسفة والمفكرين الملاحدة تمتد من ٢٥٠ ق. م حتى ٥٥٠م وهذه الآراء تحاول إعطاء تفسير للكون والإنسان والحياة، لتلبية طموح الإنسان من النواحي الدينية والأخلاقية والعقلية. وهي تختلف اختلافاً جوهريًّا عن آراء أفلاطون اليوناني: إذ إنها تؤمن بإله مفارق للكون. وهذا الإله يفيض عنه الكون والوجود كله بما فيه من مخلوقات.
والأفلاطونية الجديدة أثّرت كثيراً – في طور أحدث – بأفكار بعض الفلاسفة المسلمين أمثال ابن سينا وغيره، ولا تزال تؤثر في كثير من الطرق الصوفية في العالم الإسلامي .. ومن هنا كان اهتمامنا بتوضيحها للقارئ المسلم.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 388
ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات
تأسست الأفلاطونية الجديدة في مدينة الإسكندرية على يد أفلوطين ٢٠٥ – ٢٧٠م الذي درس الفلسفة اليونانية واطلع على الديانات القديمة والأساطير والسحر والشعوذة .. وكتب كتابات كثيرة في مذهبه الذي سنوضح أفكاره لاحقاً.
ثم جاء فرفرويوس ٢٣٤ –٣٠٥ م ونشر كتابات أفلوطين وهاجم النصرانية بكتابه ضد المسيحيين وله عدة مؤلفات أخرى.
ثم أتى مبليخوس توفي عام ٣٣٠م الذي ألف عدة رسائل فلسفية، منها أسرار مصرية وهي تفسير فلسفي لطقوس مصر وتعاليمها الدينية قبل الإسلام.
وجاء أبرقلس ٤١٠ – ٤٨٥م الرجل المدرسي في الأفلاطونية الجديدة الذي عرض المذهب في مؤلفين: مبادئ اللاهوت ولاهوت أفلاطون.
أما أوغسطين ٣٥٤ – ٤٤٠م القديس الذي ولد في الجزائر من أم نصرانية وأب وثني، فقد انتسب إلى الأفلاطونية الجديدة، وقارن بينها وبين النصرانية، وقال بأن النصرانية هي الفلسفة الحقة!!
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 389
ثالثا: الأفكار والمعتقدات
الأفلاطونية الجديدة خليط من الأفكار والفلسفات والمعتقدات الوثنية واليهودية والنصرانية، والأساطير، وغيرها.
تدعو الأفلاطونية إلى إله تفيض عنه الأشياء جميعاً بحيث لا تنفصل عنه، فيضاً لا يتحدد بزمن أو تاريخ ولا يتقيد بإرادة ولا ينقطع، وهذا الفيض لا ينقص مصدره، بل يظل كاملاً غير منقوص.
وهذا الإله المبدأ الأسمى للوجود يطلق عليه واحد غير محدد بسيط لا كيف له، وهو الخير المطلق عندهم.
عملية الفيض الأزلية تبدأ أولاً بالعقل أو الروح ثم النفس ثم الواقع الحسي في الزمان والمكان.
عملية الفيض دقيقة موزونة بحيث لا تترك نقصاً أو ثغرات في الكون، أما النقص الذي في الإنسان أو الشر فهو ناتج عن ابتعاد الإنسان عن الخير أو عن الألوهية، وينتج عن ذلك الشوق إلى العودة إلى الله.
الألوهية لا يمكن الوصول إليها عن طريق العقل، لأنه قاصر عن ذلك وإنما يمكن الوصول إليها عن طريق نوع آخر من المعرفة لا يتوصل إليها إلا بعد القضاء على نوازع الجسم المادي، والتطهير، ثم الفناء في الواحد، وهذه هي حالة الوجد أو النشوة التي يطمح أن يصل إليها الإنسان.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 390
رابعا: تأثير هذه الأفكار والمعتقدات
أثرت الأفلاطونية الجديدة في تفكير كثير من الفلاسفة المسلمين أمثال ابن سينا والفارابي وغيرهم وأخذوا عنها نظرية الفيض الإلهي، التي تدعي أن العالم يجيء صدوراً عن الله في صورة فيض، فمرتبة تفيض عن مرتبة .. وهكذا حتى تصل إلى أدنى المراتب.
وأثرت الأفلاطونية الجديدة في التصوف الإسلامي أيضاً وخاصة في أولئك المتصوفة المتأثرين بالفلسفة .. ثم فشا تأثيرها في طرق التصوف. وخاصة فيما يتعلق بعملية التطهير أو التزكية للوصول إلى المعرفة الكاملة أو الإيمان الكامل، وهو سعي الإنسان جاهداً للوصول إلى المصدر الذي صدر عنه والفناء فيه، وما يحتاج إليه ذلك من مجاهدة شديدة الصلابة لإماتة نوازع الجسد المفطور عليها.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 391
خامسا: الجذور الفكرية والعقائدية
أخذت الأفلاطونية الجديدة من أفلاطون خيالاته في عالم المثل، ومن أرسطو تساؤلاته عن المعاني الكلية وهل لها وجود مستقل؟ ومن الرواقيين السمو الخلقي والترقي الروحي، ومن النصرانية تأثيراتها الروحية والخلقية، ومن البوذية مسألة التطهير والتزكية والفناء في المصدر الأول.
إلا أن ما جاء به أفلوطين من أفكار وآراء حول عملية الفيض أو الصدور عن الله يعد جديداً في بابه كما يرى كثير من المفكرين.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 392
سادسا: الانتشار ومواقع النفوذ
تأسست الأفلاطونية الجديدة في الإسكندرية، وانتشرت في الفكر الأوربي اللاهوتي كله والفكر الصوفي النصراني والإسلامي.
ولا شك أن هذه الآراء مرفوضة من وجهة النظر الإسلامية وقد أبان مفكرو الإسلام تهافتها من أكثر من وجه.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 393
الخلاصة
أن الأفلاطونية الجديدة، هي خلاصة آراء بعض الفلاسفة الملحدين، وهي خليط من الأفكار والفلسفات والمعتقدات الوثنية واليهودية والنصرانية والأساطير وغيرها، تقول بوجود إله "هو المبدأ الأسمى للوجود، بسيط لا نظير له، وهو الخير المطلق عند أتباعها، وهذا الإله تفيض عنه الأشياء جميعاً ولا تنفصل عنه، والعقل هو الأساس الوحيد لإدراك حقيقة الألوهية التي لا يمكن الوصول إليها عن طريق نوع آخر من أنواع المعرفة". ولا شك أن هذه الآراء مرفوضة من وجهة النظر الإسلامية وقد أبان مفكرو الإسلام تهافتها من أكثر من وجه.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 394
مراجع للتوسع
- تهافت الفلاسفة، لأبي حامد الغزالي.
- الإشارات والتنبيهات، لابن سينا.
- نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، د. علي سامي النشار.
- الأفلاطونية المحدثة عند العرب، د. عبد الرحمن بدوي.
المراجع الأجنبية:
- History of Philosophy by F.C. Copleston Burns, London ١٩٤٧.
- The Philosophy of Plotinus by W.r. Inge Logmans. London and New York, rev. ed. ١٩٤٨.
- The Architecture of the Intelligible Universe in the Philosophy of Plotinus by A.H. Armstrong. C.U.P. Cambridge ١٩٤٠.
- Complete English Translation by S. Mackenma rev. B.S. page Warner, London ١٩١٧-٣٠.
- Saint Augustine by II. Marron. Longmans. London ١٩٥٧.
- Avicenna on Theology by A.J. Arberry. Murray. London ١٩٥١.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 395
أولا: التعريف
العقلانية مذهب فكري يزعم أنه يمكن الوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود عن طريق الاستدلال العقلي بدون الاستناد إلى الوحي الإلهي أو التجربة البشرية وكذلك يرى إخضاع كل شيء في الوجود للعقل لإثباته أو نفيه أو تحديد خصائصه.
ويحاول المذهب إثبات وجود الأفكار في عقل الإنسان قبل أن يستمدها من التجربة العملية الحياتية أي أن الإدراك العقلي المجرد سابق على الإدراك المادي المجسد.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
والعقلانية نسبة إلى العقل كما هو الواضح من التسمية ولقد كان العقل في المفاهيم الأوروبية دينية – أي نصرانية - وغير دينية مواقف غاية في التناقض والاختلاف.
وكان للعقل في مفاهيمهم أطوارا مختلفة قوة وضعفا كما ستجد ذلك من خلال دراسة هذا المذهب.
ويعرف القارئ تماما أن أكثر المبادئ الفكرية إنما جاءت من البلاد المضيافة لمختلف الأفكار وهي أوربا وأمريكا، بسبب تلك الظروف القاسية التي أنتجتها حماقات رجال الدين النصراني وما نشأ عنها من أفكار شتى مختلفة الأسماء والاتجاهات والمبادئ ثم تلقفتها اليهودية العالمية ممثلة في الصهيونية والماسونية الحاقدة فشبت وترعرعت على أيديهم وحدبهم وعنايتهم بها حتى أتت ثمارها في إقصاء الأديان وتمزيق وحدة الشعوب وإثارة النعرات الجاهلية وضرب الناس بعضهم بالبعض الآخر وأفسدت الأخلاق وسائر القيم لترجع المكاسب كلها في النهاية إلى اليهود لتحقيق مخططهم في استعمار العالم (الجوييم) مكتسحة في طريقها تعاليم الكنيسة وأفكارها الباطلة المنحرفة التي ادعت أنها من عند الله تعالى ثم فرضتها بالقوة رغم رفض العقل لها وإنزال العقاب الشديد بمن يتجرأ على ردها أو حتى طلب مناقشتها بالعقل بسبب عدم ثقة القائمين عليها بما فيها من آراء فاسدة لا تقبل النقاش.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ١/ ٦١٧
стр. 396
ثانيا: المقصود بعصر التنوير
المقصود بعصر التنوير هو ما نجم عن خضم العراك بين الدين النصراني ورجال الفكر حيث ظهرت مذاهب عديدة للإجهاز على سلطة الدين النصراني ورجاله فنشأ ما يسمى بعصر التنوير وهي الفترة التي أقصي فيها الدين النصراني وحل محله العقل في كل شيء وصار له الحكم على الدين وعلى سلوك الناس بداية من النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، الذي عرف فيما بعد ذلك بعصر التنوير أي سيادة العقل وحده دون منازع في رد فعل عارم لكبت الكنيسة له والإتيان بخرافات وخزعبلات لا يقرها العقل بحال.
ولشدة هربهم من ظلم الكنيسة فقد اعتبروا تقديم العقل على الدين هو بداية النور مع أنهم بعد فترة أداروا ظهورهم لهذا الإله – العقل عندهم – وتفلتوا منه كذلك ما سيأتي بيانه.
قال تعالى وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:٨٢] خصوصا وأن الذين أقاموا هذا المذهب ودعوا إليه كانوا يريدون هذا الخلاف ويؤججون ناره لحاجات في أنفسهم.
وحين غزت حركة التنوير العالم الغربي اتجهت بقوة إلى الفكر والآداب في دعوة جادة إلى نبذ الدين وسائر القيم الدينية وكل السلوك القائم في استكبار وعتو شديد عن الدين – أي دين – حيث حل محله العقل الذي حكموه في كل شيء سواء كان أهلا لذلك أو ليس أهلا له فهو الحاكم في المحسوسات والمغيبات أيضا حيث عللوا لكل ظواهر هذا الكون وما يقع فيه بتعليلات أكثرها خرافية مستندين إلى تأييد العقل لهم بزعمهم.
وفي النهاية إنما يكون الحكم أولا وأخيرا للأهواء والمصالح المختلفة وأنى للفلسفة أن تفلح في بيان الحقائق الإلهية والعقائد الربانية أو سعادة البشر وهي لا تملك هذا الجانب وقد قيل "فاقد الشيء لا يعطيه" ولهذا فإن تدخل الفلاسفة في بيان الجوانب العقدية إنما هو تطفل عليها وتطاول قبيح لا يقدم للنفس غذاءها الذي تحيا به وتسير بموجبه راضية مطمئنة، وإنما يقدم للعقل نظريات وافتراضيات ليلهو بها إلى حين.
وما ذكرناه من أن خروج أهل أوربا بتلك الأفكار إنما كان بسبب الدين النصراني فإنما هو وصف لما وقع وليس بعذر منج لهم عند الله تعالى لعدم بحثهم عن الدين الصحيح الذي سيجدون فيه السعادة والعدل لو أنهم طلبوه بعد أن أقام الله الحجة على جميع البشر.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ١/ ٦١٩
стр. 397
ثالثا: التأسيس وأبرز الشخصيات
العقلانية مذهب قديم جديد بنفس الوقت. برز في الفلسفة اليونانية على يد سقراط وأرسطو، وبرز في الفلسفة الحديثة والمعاصرة على أيدي فلاسفة أثَّروا كثيراً في الفكر البشري أمثال: ديكارت وليبنتز وسبينوزا وغيرهم.
رينيه ديكارت ١٥٩٦ – ١٦٥٠م فيلسوف فرنسي اعتمد المنهج العقلي لإثبات الوجود عامة ووجود الله على وجه أخص وذلك من مقدمة واحدة عُدت من الناحية العقلية غير قابلة للشك وهي: "أنا أفكر فأنا إذن موجود".
ليبنتز: ١٦٤٦ – ١٧١٦م فيلسوف ألماني، قال بأن كل موجود حي وليس بين الموجودات مِنْ تفاوت في الحياة إلا بالدرجة – درجة تميز الإدراك – والدرجات أربع: مطلق الحي أي ما يسمى جماداً، والنبات فالحيوان فالإنسان.
وفي المجتمع الإسلامي نجد المعتزلة تقترب من العقلانية جزئيًّا، إذ اعتمدوا على العقل وجعلوه أساس تفكيرهم ودفعهم هذا المنهج إلى تأويل النصوص من الكتاب والسنة التي تخالف رأيهم. ولعل أهم مقولة لهم قولهم بسلطة العقل وقدرته على معرفة الحسن والقبيح ولو لم يرد بها شيء. ونقل المعتزلة الدين إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية وذلك لتأثرهم بالفلسفة اليونانية.
وقد فنَّد علماء الإسلام آراء المعتزلة في عصرهم، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل ثم جاء بعد ذلك ابن تيمية وردَّ عليهم ردًّا قويًّا في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) وبيّن أن صريح العقل لا يمكن أن يكون مخالفاً لصحيح النقل. وهناك من يحاول اليوم إحياء فكر المعتزلة إذ يعدونهم أهل الحرية الفكرية في الإسلام، ولا يخفى ما وراء هذه الدعوة من حرب على العقيدة الإسلامية الصحيحة، وإن لبست ثوب التجديد في الإسلام أحياناً.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 398
رابعا: العقائد والأفكار
تعتمد العقلانية على عدد من المبادئ الأساسية هي:
العقل لا الوحي هو المرجع الوحيد في تفسير كل شيء في الوجود.
يمكن الوصول إلى المعرفة عن طريق الاستدلال العقلي وبدون لجوء إلى أية مقدمات تجريبية.
عدم الإيمان بالمعجزات أو خوارق العادات.
العقائد الدينية ينبغي أن تختبر بمعيار عقلي.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 399
خامسا: الجذور الفكرية والعقائدية
كانت العقلانية اليونانية لوناً من عبادة العقل وتأليهه وإعطائه حجماً أكبر بكثير من حقيقته. كما كانت في الوقت نفسه لوناً من تحويل الوجد إلى قضايا تجريدية.
وفي القرون الوسطى سيطرت الكنيسة على الفلسفة الأوروبية، حيث سخَّرت العقل لإخراج تحريفها للوحي الإلهي في فلسفة عقلية مسلَّمة لا يقبل مناقشتها.
وفي ظل الإرهاب الفكري الذي مارسته الكنيسة انكمش نشاط العقل الأوروبي، وانحصر فيما تمليه الكنيسة والمجامع المقدسة، واستمرت على ذلك عشرة قرون.
وفي عصر النهضة، ونتيجة احتكاك أوروبا بالمسلمين – في الحروب الصليبية والاتصال بمراكز الثقافة في الأندلس وصقلية والشمال الإفريقي – أصبح العقل الأوربي في شوق شديد لاسترداد حريته في التفكير، ولكنه عاد إلى الجاهلية الإغريقية ونفر من الدين الكنسي، وسخَّر العقل للبعد عن الله، وأصبح التفكير الحر معناه الإلحاد، وذلك أن التفكير الديني معناه عندهم الخضوع للفقيد الذي قيدت به الكنيسة العقل وحجرت عليه أن يفكر.
حقيقة العقل
لا يعلم حقيقة العقل وماهيته ومكانه إلا الذي خلقه وحده ومهما قيل في شأنه من استنتاجات فإنما هي في الحقيقة تخرصات لا قيمة لها.
وهو أكبر النعم التي أنعم الله بها على الإنسان وسائر المخلوقات التي ركبه فيها.
وهو الحد الفاصل بين الإنسان وبين البهيمة وبين تصرفات العقلاء وتصرفات المجانين وبين تصرفات الجادين وتصرفات العابثين.
ثناء الله تعالى على العقل
وردت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تمدح العقل والتعقل وتذم الجهل والحمق وتوجب على أصحاب العقول أن يشكروا الله تعالى على هذه النعمة كما تجب عليهم أن يستفيدوا منه لينير لهم الطريق فقد جعله الله هاديا ومرشدا أمينا ومساعدا لصاحبه في هذه الحياة المعقدة وقد جاء ذكره في القرآن الكريم على نواح مختلفة.
١ـ فبعض الآيات ورد فيها ذم من يقدم على ما لا يليق مهملا عقله مقدما هواه.
قال تعالى في ذم أهل الكتاب حينما يأمرون الناس بالبر ولا يفعلونه أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة:٤٤]
وهذا الاستفهام الإنكاري تجده في آيات كثيرة يخبر بالأمر ثم يقول: أَفَلاَ تَعْقِلُونَ؟ مما يدل لحكم الهوى والجهل.
٢ـ وبعض الآيات ورد فيها التعليل لما يفعله الله تعالى حسب مشيئته لكي يزداد العقل الإنساني معرفة وعلما.
فقال تعالى في بيان نعمته على عباده ببيان الآيات وجعلها واضحة مفهومة المعنى لكي تعم بها الفائدة: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد:١٧] وغيرها من الآيات التي تدل على مثل هذا السياق.
٣ـ وبعض الآيات فيها مدح الذين يعقلون ويفهمون قال تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:٤٣]
٤ـ وبعض الآيات فيها الإخبار بأن الذين لا يستفيدون من العقل ويعرضون عنه ويتبعون الهوى كأنهم في حكم فاقدي العقل.
قال تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ [المائدة:٥٨]
وورد مثل هذا الذم في حق المنافقين والذين يكذبون على الله والذين دخلوا جهنم حيث قالوا فيما أخبر الله عنهم: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:١٠]
وذم الأصنام والآلهة التي تعبد من دون الله .. إلى غير ذلك من الآيات التي وردت على نواح مختلفة في قضية العقل ووردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة أيضا تدل على منزلة العقل والعقلاء.
стр. 400
والخلاصة أن العقل من أكبر النعم التي ميز الله بها الإنسان وأننا لا نعرف حقيقته ولكن بإمكاننا الاستفادة منه والاهتداء به حينما نعرف حدود قدرته وحينما نربطه بالاستفادة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ .
هل وُفِقَت العقلانية إلى الحق بالنسبة لموقفهم من العقل؟
وإذا كانت العقلانية فكرة قامت على دعوى احترام العقل والاستفادة منه فهل وفقت فعلا إلى احترامه الاحترام الذي يليق به؟ وهل استفادت منه الفائدة الصحيحة والجواب عن هذا السؤال يتطلب أولاً معرفة مدى قدرة العقل في بيان الأمور وإيضاحها وقد علمت أن العقل مر بمراحل في مفاهيم الناس في أوربا.
ـ فمنهم من غلا في تقديسه.
ـ ومنهم من غلا في احتقاره.
ومنهم من اعتمده لكن بشرط أن يقترن بشهادة التجربة له.
ـ ومنهم من استبعده تماما.
وإنما كلها تخبطات جاهلية وإن الله تعالى وفق المؤمنين إلى الحق في تقديره وفي الاستفادة منه.
أما الذين غلوا في تقديسه فقد ارتكبوا خطأ فاحشا إذ تصوروا أنه لا حدود لمعرفته فذهبوا يبنون عليه كل ما يريدون ويحملونه ما لا يحتمل ومن هؤلاء الغلاة العقلانيون الذين أحلوه محل الإله في القداسة وهو صاحب التشريع عندهم إليه يتحاكمون وإليه يفوضون، وقد عرف عن فرقة المعتزلة تأثرهم بهذا الاتجاه فهو عندهم مقدم على النصوص في حال الخلاف لدلالات مرفوضة لا لزوم لذكرها وتقديسه إلى هذا الحد لا شك أنها مكابرة خاطئة إذ المعلوم أن العقل له حد إذا تجاوزه انقلب إلى الجهل.
ـ وأما الذين غلوا في احتقاره وزعموا أنه لا قيمة له في المعرفة بل يجب اتهامه ولا يعول عليه فقد عرفت أن على رأس هؤلاء طغاة رجال الدين لوقوفهم إلى جانب العقل في معرفة العقلانيين ساموهم سوء تعليلات الكتاب المقدس والسبب غير خاف على القارئ فإن الدين النصراني – بعد أن حرفه بولس – أصبح في غاية التناقض والاضطراب بل إن فهمه استعصى على كبار علمائه فإن العقل لم ولن يدرك أن الثلاثة واحد وأن شرب الخمر وأكل الخبز هو شرب لدم المسيح وأكل للحمه وأن المسيح صلب ليكفر عن خطايا البشر من سبق ولادته ومن جاء بعدها وخرافة صكوك الغفران وغير ذلك من الآراء السخيفة الغامضة التي قام عليها الدين النصراني.
ومن هنا قرر رجال الدين بالقوة أن يضحوا بالعقل لتقوية خزعبلات بولس فكانوا كلما أشكل عليهم فهم قضية في دينهم وأبى العقل قبولها سارعوا إلى مقالتهم المشهورة – اتهم عقلك- وكان لزاما أن يحتقروه في مقابل دينهم وهو ما تم بالفعل ولم ينقذه من هذا الاحتقار إلا قيام صحوة العقلانية في أوربا مرة أخرى حينما ضعف سلطان الكنيسة إلا أن هذه الصحوة كانت هوجاء لا تلوي على شيء فهي رج عنيف لكتب العقل وجاءت كالمارد الجبار حرب لا هوادة فيها على الظلم الذي وقع على العقل وعلى الدين الذي اتهمته أنه كان المشجع القوي على إقصاء دور العقل وهو المزلق الخطير الذي سار فيه الهاربون من الدين " الكنيسي".
ـ وأما الذين اعتمدوا العقل لكن بشرط أن تشهد له التجربة فهي نقلة من النقلة التي مر بها العقل في المفهوم الأوربي وكأن هؤلاء أرادوا أن يتوسطوا بين رفض العقل أو اعتماده فاعترفوا بفائدة العقل لكنهم لم يثقوا به تماما فقرنوه بشهادة التجربة له وظهرت هذه النقلة حين بدأ العلماء التجريبيون في استظهار هذا العلم وتطويره.
ولا يخفى ما في هذا المسلك من الغموض إذ العلم التجريبي لا يمكن أن يقوم أو يؤتي ثماره إلا على أساس العقل فهو المدبر والمستنتج وعليه يقوم التفكير وبدونه لا يمكن لأي تجربة أو عمل أن تتم على الوجه الصحيح فكيف ساغ لهم هذا الوقوف في منتصف الطريق؟
стр. 401
وبالنسبة للعلم التجريبي فقد ثبت بما لا ريب فيه أن المسلمين هم الذين اخترعوه وسبقوا إليه وأفادوا واستفادت أوربا منه الأساس لحضارتها الحالية كلها ثم تنكرت له شأن التلميذ العاق – كما تقدم.
وقد عرفت أن العلم التجريبي كان باعثا للمسلمين على زيادة الإيمان بالله تعالى فما أن يكتشفوا شيئا إلا وطأطأوا رؤوسهم إجلالا لله وشكرا له وزادهم إيمانا وتسليما.
أما الحضارة الأوروبية الهاربة من الدين والإله فقد زادهم العلم التجريبي واكتشافاته بعدا وطغيانا وكفرا واعتقدوا أنهم أصبحوا في غنى عن كل شيء يتصل بالإله والدين وفسروا كل ما مكنهم الله من اكتشافات على أنه يؤيد كفرهم واستغناءهم عن الله تعالى.
ـ وأما الذين هداهم الله إلى الحق فهم طائفة أهل السنة والجماعة الذين تأتي أحكامهم دائما بهدوء وتعقل ومقارنة وهؤلاء لم يغلوا في تقديس العقل ولم يغلوا في احتقاره بل العقل عندهم من أكبر النعم الإلهية وعليه قيام المعرفة ويجب الاستفادة منه كما أمر الله بذلك في كتابه الكريم وفي سنة النبي العظيم ﷺ .
لكنهم لا يختلفون أن العقل له دور في المعرفة والهداية محددا إذا تجاوزه انقلب إلى الحمق والجهل وإذا وقف عند حده كان دلالة على جودته وصفائه والأمثلة على هذا كثيرة جدا ومن أقربها ما وقع بين الفرق الإسلامية من اختلاف في الواجب على المسلم تجاه الإيمان بصفات الله تعالى فمنهم من تجاوز حدود العقل في طلب المعرفة فنفى أسماء الله تعالى وصفاته وعطلها عن معانيها ومدلولاتها وظن أنه وصل إلى علم عزيز وتنزيه لله عظيم ومنهم من أثبتها وأثبت مدلولاتها وأنها لا تختلف عن أسماء وصفات المخلوقين فوقع في حمئة التشبيه البغيض وظن أنه وصل إلى علم عزيز وكأن الجميع على باطل وجهل وحمق بسبب تجازوهم حد معرفة العقل وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى المعتقد الصحيح الذي يوفق بين النصوص فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه دون تعطيل ولا تشبيه وقالوا معرفة الصفات فرع عن معرفة الذات فكما أننا لا نعرف ذاته فكذلك لا نكيف صفاته مع معرفتنا بمعانيها ولكن المجهول عنها هو تلك الكيفيات لسمع الله وبصره ونزوله ورحمته ... إلى آخر الصفات الإلهية، وهذا هو الحق الذي يجمع بين النصوص كلها والعقل أيضا يؤيد هذا الموقف ويرتاح إليه.
فلو سأل الله الشخص: لماذا أثبت لي السمع والبصر والكلام ... إلخ؟
وأجابه بأن أنت الذي أثبتها لكان جوابا حقا.
ولو قال له لماذا لم تثبتها كصفات المخلوقين؟ وقال له لم أجد نصا يفيد ذلك مع معرفتي بالفرق الهائل بين المخلوق والخالق لكان جوابا موفقا.
وكذلك لو قال الله له: لماذا لم تنف عني مدلولات تلك الصفات؟ فأجابه بنفس الجواب السابق لكان جوابا موفقا.
ومن هنا يتضح أن الإسلام لا يحتقر العقل ولا يرفعه فوق منزلته وهذا هو الحق والصواب بخلاف ما وقفه العقلانيون منه فإنه باطل وقاصر عن الحق وتعد عليه سواء الذين احترموه أو الذين احتقروه لأن هذا الموقف منهم لم يبن على هدى من الله تعالى وإنما بني على الأمزجة والهوى وهما من أكبر مصادر الجهل.
ومن هنا تزول الغرابة حينما تجد ذلك الاختلاف والتباين في الآراء والأهواء عند دعاة العقلانية فإن الله لم يجعل الناس كلهم على مستوى واحد في العقل فكانت النتيجة ذلك الاختلاف المرير بينهم سواء أكان فيما يتعلق بالعقل أو العلم أو بالإنسان نفسه واحتار المفكرون وأصحاب الأقلام كلهم في أمر الحقائق المشاهدة في خلق هذا الكون لأن الحيرة لابد وأن تقع لأنه لا يملك التعليل الصحيح لهذا الوجود كله إلا الذي خلقه وما عدا ذلك فهي تخرصات وتخمينات قابلة للتخبط.
وأن يسلم لله تعالى أمره ويسره بحسب ما جاء في كلام رب العالمين ويؤمن به إيمانا جازما دون تردد أو شك ويتحرر من كلام أصحاب الفلسفة والمنطق والكلام وتعليلاتهم السخيفة. ومن جميع الآراء التي قامت على الهوى وتصنع العلم ورد في الحديث القدسي الشريف: ((يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)) (١)
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 402
سادسا: ظهور المدرسة العقلية عند الغرب
لقد ظلت الاتجاهات الفلسفية الإغريقية – التي تمثل العقلانية قسماً بارزاً منها – تسيطر على الفكر الأوروبي، حتى جاءت المسيحية الكنسية فغيرت مجرى ذلك الفكر في انعطافه حادة تكاد تكون مضادة لمجراه الأول الذي استغرق من تاريخ الفكر الأوروبي عدة قرون. فلم يعد العقل هو المرجع في قضايا الوجود إنما صار هو الوحي – كما تقدمه الكنيسة – وانحصرت مهمة العقل في خدمة ذلك الوحي في صورته الكنسية تلك ومحاولة تقديمه في ثوب (معقول)!. يقول الدكتور محمد البهي في كتابه (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) (١): "كان الدين أو النص طوال القرون الوسطى سائداً في توجيه الإنسان في سلوكه وتنظيم جماعته، وفي فهمه للطبيعة. وكان يقصد بالدين (المسيحية) وكان يراد من المسيحية الكثلكة) وكانت الكثلكة تعبر عن (البابوية) والبابوية نظام كنسي ركز (السلطة العليا) باسم الله في يد البابا، وقصر حق تفسير (الكتاب المقدس) على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى، وسوى في الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وإفهام الكنيسة الكاثوليكية ".
وقد نشأت عن ذلك في الحياة الأوربية والفكر الأوروبي مجموعة من الاختلالات التي لم تنشأ – كما تصور الفكر الأوروبي في مبدأ عصر النهضة- من إهمال الفلسفة والعلوم الإغريقية والالتجاء إلى الفكر (الديني). فلم يكن (الفكر الديني) من حيث المبدأ، ولا إخضاع العقل للوحي هو مصدر الخلل في فكر العصور الوسطى في أوروبا، إنما كان الخلل كامناً في ذلك الفكر الذي قدمته الكنيسة باسم الدين، وفي إخضاع العقل لما زعمت الكنيسة أنه الوحي، بعد تحريفها ما حرفت منه، وإضافتها ما أضافت إليه، ومزج ذلك كله بعضه إلى بعض وتقديمه باسم الوحي.
والفلسفة الإغريقية التي ظنت أوروبا في عصر النهضة أن ضلالها في العصور الوسطى كان بسبب إهمالها، وأن العلاج هو الرجوع إليها والاستمداد منها، لم تكن هي في ذاتها بريئة من الخلل ولا سليمة من العيوب، ولا كانت في صورتها التي قدمها فلاسفة الإغريق القدامى زاداً صالحاً لحياة إنسانية مستقيمة راشدة، على الرغم من كل ما احتوته من إبداع فكري في بعض جوانبها .. وإنما ظل الفكر الأوروبي في الحقيقة ينتقل من جاهلية إلى جاهلية حتى عصره الحاضر. فمن الجاهلية الإغريقية والرومانية، إلى جاهلية الدين الكنسي المحرف في العصور الوسطى، إلى جاهلية عصر الإحياء، إلى جاهلية عصر (التنوير) إلى جاهلية الفلسفة الوضعية .. إلى الجاهلية المعاصرة.
كانت العقلانية الإغريقية لوناً من عبادة العقل وتأليهه، وإعطائه حجماً مزيفاً أكبر بكثير من حقيقته، كما كانت في الوقت نفسه لوناً من تحويل الوجود كله إلى (قضايا) تجريدية مهما يكن من صفائها وتبلورها فهي بلا شك شيء مختلف عن الوجود ذاته، بحركته الموارة الدائمة، بمقدار ما يختلف (القانون) الذي يفسر الحركة عن الحركة ذاتها، وبمقدار ما تختلف البلورة عن السائل الذي نتجت عنه .. قضايا تعالج معالجة كاملة في الذهن بصرف النظر عن وجودها الواقعي! وبصرف النظر عن كون وجودها الواقعي يقبل ذلك التفسير العقلاني في الواقع أو لا يقبله، ويتمشى معه أو يخالفه!.
وكان أشد ما يبدو فيه هذا الانحراف معالجة تلك الفلسفة (لقضية) الألوهية و (قضية) الكون المادي وما بينهما من علاقة. ويتشعب هذا الانحراف شعباً كثيرة في وقت واحد.
فأول انحراف هو محاولة إقحام العقل فيما ليس من شأنه أن يلم به فضلاً عن أن يحيط بكنهه في قضية الذات الإلهية.
стр. 403
والانحراف الثاني هو تحويل الموضوع كله إلى قضايا فلسفية ذهنية بحتة، تبدأ في العقل وتنتهي في العقل، ويثبت ما يثبت منها وينفى ما ينفى بالعقل، فلا تمس الوجدان البشري، ولا تؤثر في سلوك الإنسان العملي، فتفقد قيمتها وأما الانحراف الثالث الناشئ من التناول العقلاني لقضية الألوهية، وعدم الرجوع فيها إلى المصدر اليقيني الأوحد وهو الوحي الرباني، فهو تخبط الفلاسفة فيما بينهم وتعارض ما يقوله كل واحد منهم مع ما يقوله الآخر.
ولا عجب في ذلك، فما دام (العقل) هو الحكم في هذه القضية، فعقل من؟! إن العقل المطلق أو العقل المثالي تجريد لا وجود له في عالم الواقع! إنما الموجود في الواقع هو عقل هذا المفكر وذاك المفكر. ولكل منهم طريقته الخاصة في (تعقل) الأمور، ولكل منهم (نوازعه) الخاصة التي يحسبها بعيدة عن التأثير في عقله وهو واهم في حسابه، ولكل منهم اهتماماته الخاصة التي تجعله يركز على أمور ويغفل غيرها من الأمور
ومن ثم لا تصبح تلك الفلسفة في هذه القضية بالذات أداة هداية وإنما أداة تشتيت وأداة تضليل.
من هذه الجاهلية انتقل الفكر الأوروبي إلى عصر (سيادة الدين).
وكان المفروض أن يخرج ذلك الفكر إذن من الجاهلية إلى النور. ولكنه في الحقيقة دخل إلى ظلمات حالكة ليس فيها حتى ذلك ((لبريق) الذي تميزت به الفلسفة الإغريقية في كثير من المواضع بصرف النظر عن القيمة الحقيقية لذلك البريق، وعن كونه بريقاً هادياً أم مضللاً عن الطريق!.
كان المفروض وقد التزم العقل بالوحي، واستمد منه اليقين والهدى- في المسائل التي لا يهتدي فيها وحده ولا يستيقن فيها بمفرده- أن ينطلق الفكر في ميادينه الأصيلة يبدع وينتج، ويمد (الإنسان) بما يحتاج إليه في شؤون (الخلافة) وعمارة الأرض.
ولكن الكنيسة الأوروبية أفسدت ذلك كله بما أدخلته من التحريف على الوحي الرباني المنزل من السماء لهداية البشرية على الأرض، وتخبطت في قضية الألوهية تخبطاً من نوع جديد، حين قالت إن الله ثلاثة أقانيم، وإن المسيح ابن مريم ﵇ واحد من هذه الأقانيم الثلاثة، وإنه ابن الله وفي الوقت ذاته إله، وشريك لله في تدبير شؤون الكون.
وفضلاً عن ذلك – أو ربما بسبب ذلك – حُجِرَ على العقل البشري أن يعمل وأن يفكر.
فإن هذه الألغاز التي ابتدعتها المجامع المقدسة في شأن الألوهية لم تكن (معقولة) ولا مستساغة. فما يمكن للعقل البشري أن يتصور ثلاثة أشياء هي ثلاثة وهي واحد في ذات الوقت. وما يمكن أن يتصور أن الله ظل متفرداً بالألوهية وتدبير شأن هذا الكون ما لا يحصى من الزمان، ثم إذا هو –فجأة- يوجد كائناً آخر ليكون شريكاً له في الألوهية ومعيناً له في تدبير الكون!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن أجل كون هذا العبث (المقدس!) الذي ابتدعته المجامع (المقدسة!) غير معقول ولا مستساغ فقد سخرت الكنيسة (العقل) في محاولة إخراج هذا المزيج المتنافر المتناقض في صورة (فلسفية) مستساغة (أو هم قالوا عنها إنها مستساغة!) وفي الوقت ذاته حجرت على العقل أن يناقشها، لئلا تجر المناقشة إلى القول بأنها غير معقولة على الرغم من أن كل الصناعة (العقلية) وضعت فيها!.
ومن ثم نشأت في الفكر الأوروبي تلك (المسلمات) أو العقائد المفروضة فرضاً التي لا يجوز مناقشتها لا لأنها – في حقيقتها – من الأمور التي ينبغي للعقل أن يسلم بها دون مناقشة، ولكن لأنها مناقضة للعقل، ومفروضة عليه فرضاً من قبل رجال الدين، الذين زعموا لأنفسهم حق صياغة العقائد وفرضها على الناس بالقوة دون أن يكون لهم حق المناقشة أو الاعتراض وإلا كانوا مهرطقين مارقين. يجوز فيهم كل شيء حتى إهدار الدم وإزهاق الأرواح.
المصدر: نقض أصول العقلانيين لسليمان الخراشي
стр. 404
سابعا: العقل عند المعتزلة
أما عند أصحابنا من علماء الكلام (وأعني بهم المعتزلة خاصة) فكيف تطورت أحوالهم حتى ضاهوا الشرع بعقولهم وجعلوه حاكماً على النصوص لا محكوماً لها؟ فأقول: "لما ظلمت الأرض وبعد عهد أهلها بنور الوحي وتفرقوا في الباطل فرقاً وأحزاباً لا يجمعهم جامع ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم فإنهم فقدوا نور النبوة ورجعوا إلى مجرد العقول فكانوا كما قال ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: ((إني خلقت عبادي حنفاء وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً وأن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)) (١). فكان أهل العقول كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو الكواكب والشمس والقمر أو الحيرة والشك أو السحر أو تعطيل الصانع والكفر به فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه لهم وإعراضه عنهم فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجاً منيراً وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكوراً فأبصروا بنور الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه ورأوا في ضوء الرسالة ما لم يكونوا بآرائهم يرونه فكانوا كما قال الله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧] وقال: الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: ٥٢] وقال: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا [الأنعام: ١٢٢] فمضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم وأن لا يخرجوا عن طريقتهم" (٢).
стр. 405
فكان من شأن الصحابة أنهم لم يقدموا عقولهم بين يدي الله ورسوله ﷺ بل كان دليل أحدهم إذا استدل إنما هو آية من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ . فهاتان هما الحجتان الملزمتان للناس عند الصحابة: كتاب من الله أو سنة من رسوله ﷺ مصداقاً لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [محمد: ٣٣] وكان أحدهم ﵃ يغضب إذا عورض حديث رسول الله ﷺ بقول غيره من البشر ولو كان من حكماء اليونان! فقد جاء في صحيح مسلم أن عمران بن حصين ﵁ ذكر لأصحابه حديث رسول الله ﷺ أنه قال: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) فقال أحدهم وهو بشير بن كعب "أنه مكتوب في الحكمة أن منه وقاراً ومنه سكينة" فقال عمران "أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك"! وفي رواية: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال "ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه" قال فأعاد عمران الحديث. قال فأعاد بشير. فغضب عمران قال فمازلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به" (١) قال النووي "وقولهم إنه منا لا بأس به معناه ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة" (٢).إذن فالصحابة لم يعارضوا ولم يرضوا بمعارضة حديث رسول ﷺ بغيره من المعقولات، وإذا أشكل عليهم شيء من ذلك كانوا يوردون إشكالاتهم على النبي ﷺ فيجيبهم عنها وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولاً يعارض النص البتة، ولا عرف فيهم أحد –وهم أكمل الأمم عقولاً – عارض نصاً بعقله يوماً من الدهر، وإنما حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار، كما تقدم، وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نوقش الحساب عذب، فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الإنشقاق: ٧ - ٨]. فقال: بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب)) (٣)، فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها صلوات الله وسلامه عليه أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لابد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: ١٨] حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولابد ...
стр. 406
إلى غير ذلك من مراجعتهم لرسول الله ﷺ (فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج، والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يَدَّع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرءوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا، فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولاً مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان مروان يسمى مروان الجعدي وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة، فلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميراً على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليماً وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً إلى أن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامراً بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات، فأمر بتعريب كتب اليونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها) (١). ومنذ ذلك الحين تميزت فرقة أهل الاعتزال بمغالاتها في العقل ومقاييسه وتقديمه على ما يظن مخالفاً له من النصوص الشرعية وعرفت بذلك بين فرق الإسلام المختلفة. والذي دعاهم إلى هذا الالتفاف حول العقل في ظني أمور كثيرة –والعلم عند الله تعالى- منها: أولاً: أخذهم من تراث الأولين من فلاسفة اليونان ممّن لم ينعموا بمصاحبة وحي إلهي يقود مسيرتهم فصاروا يقضون في شؤونهم كلها بهذا العقل الذي زادوا من سلطانه وانفراده فكانت مصنفات أولئك الفلاسفة تضم المقاييس العقلية في شكل منطق يتحاكم إليه في القضايا العقلية. فتابعهم في ذلك المتكلمون والمعتزلة من أهل الإسلام وأعجبوا بصنيعهم ذلك. وكل هذا بفضل جهود الترجمة التي قام بها بعض الخلفاء فأوقعوا الأمة في هذه المصائب المتتالية من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعاً بها. ويشهد لذلك: أن المعتزلة لم يعلُ صيتهم وتظهر عقلانيتهم واضحة إلا في عهد الخليفة المأمون الذي مهّد السبيل للاقتباس من كتب اليونان وأعانهم عليها (٢).
стр. 407
حتى أحدثت الفلسفة – كما يقول زهدي حسين – "في حياتهم انقلاباً خطيراً وفي تفكيرهم ثورة عنيفة لأنهم بعد أن وقفوا على مواضيعها وتعمقوا فيها أحبوها لذاتها وتعلقوا بها فنتج عن ذلك أمران:
أنهم صاروا يعظمون فلاسفة اليونان وينظرون إليهم نظرة أسمى وأقدس من نظرتنا إليهم اليوم ويضعونهم في مرتبة تقرب من عتبة النبوة. ثم آمنوا بأقوالهم واعتبروها كما يقول أوليري مكملة لتعاليم دينهم. وانهمكوا لذلك في إظهار الاتفاق الجوهري بينها فبدأ عمل المعتزلة الآخر المهم ألا وهو التوفيق بين الدين الإسلامي وبين الفلسفة اليونانية .. ذلك العمل الذي تركوه لمن خلفهم من الفلاسفة المسلمين كابن رشد والفارابي والكندي الذين قاموا بنصيبهم فيه وكانوا لا يقلون عنهم عناية به وتحمساً له. أن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية ويهملون تدريجياً عقائدهم اللاهوتية ويزدادون انصرافاً إلى المسائل الفلسفية حتى جاء وقت كادت جهودهم فيه تقتصر على البحث في مواضيع الفلسفة البحتة كالحركة والسكون والجوهر والعرض والموجود والمعدوم والجزء الذي لا يتجزأ إن اشتغال المعتزلة بالتوفيق بين الدين والفلسفة وشغفهم بالأبحاث الفلسفية وتعمقهم فيها جعلهم يتأثرون بالفلسفة كثيراً ويصبغون بها معظم أقوالهم. ولهذا قال شتينز: إن الاعتزال في تطوراته الأخيرة كان أكثره متأثراً بالفلسفة اليونانية (١). فإن قيل بأنهم قد سبقوا هذه الترجمة. فنقول إن ترجمة تراث الأقدمين ليست مقصورة على الخليفة المأمون ولكنه هو الذي تولى كِبْرها. فقد بدأت الترجمة كما يُذكر في عهد الخليفة المنصور الذي أوعز إلى ابن المقفع بترجمة بعض كتب المنطق ككتاب (المقولات) (وبعد مضي عصر المنصور أتى عصر المهدي وانتهى ومر عصر الهادي بعد عصر المهدي دون أن تُؤثر عنهما أو عن واحد من الأشخاص البارزة في وقتهما شيء يتعلق بالترجمة في عمومها فضلاً عن ترجمة الفلسفة بمعناها الخاص) (٢). أما الرشيد فقد أمر بإعادة ترجمة الكتب التي سبقت ترجمتها في العهود التي قبله أكثر من تشجيعه على ترجمة كتب جديدة. ثم جاء عصر المأمون وهو العصر الذهبي للترجمة كما يقال. قال ابن صاعد في (طبقات الأمم) "لما أفضت الخلافة إلى المأمون تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم من مواطنه واستخراجه من معادنه بفضل همته الشريفة! وقوة نفسه الفاضلة! فداخل ملوك الروم وأتحفهم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو وبقراط وغيرهم من الفلاسفة فاختار لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما يمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها" (٣).
قلت: والذي دعاه إلى هذه الهمة في الترجمة تشربه بمبدأ الاعتزال القائم على العقل ومقاييسه واستصغاره لنصوص الوحي – لا سيما الحديث – أن تفي بحاجات الأمة. إضافة إلى جلساء السوء من رموز الاعتزال وما يُذكر عنه من حبه للاطلاع والاستزادة من ثقافات الآخرين. ثانياً: ومما جعلهم ينحون هذا الاتجاه العقلاني هو ضعفهم في مجال الرواية وجهلهم لعلم الحديث النبوي واقتصارهم على آيات القرآن وبعض الأحاديث التي رأوا أنها تؤيد أقوالهم. فهذا الضعف في علم الحديث قد ألجأهم إلى المعقولات ليعوضوا بها ما عندهم من نقص ويسدوا به ثغرات مذهبهم. وهذا مصداق ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال "إن أصحاب الرأي أعداء السنة أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم فلم يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا علم لنا فعارضوا السنة برأيهم إياك وإياهم" (٤).
المصدر: نقض أصول العقلانيين لسليمان الخراشي
стр. 408
ثامنا: المدرسة العقلية الحديثة
وفي عصر الزهاوي بدأت تتكامل ملامح مدرسة التجديد الديني التي غرس بذرها جمال الدين الأفغاني وتلاميذه في مصر. وهي المدرسة الوحيدة التي استطاعت مع بعض الاختلافات الطفيفة أن تشكل تياراً عقلانياً كتيار المعتزلة، فهو القاسم المشترك بين أعضائها وإن اختلفت وجهات كل واحد منهم في الأصول الدينية الأخرى.
والحديث عن هذه المدرسة العقلانية الحديثة –أعني مدرسة الأفغاني ومحمد عبده وتلاميذهما- مما يطول مداه وتكثر كلماته، حيث أن هذه المدرسة بحق قد خرَّجت كثيراً من العقلانيين المعاصرين الذين تتلمذوا على شيوخها مباشرة، أو عن طريق تراثهم، فأصبحوا يشكلون تياراً ضخماً في فترة من الفترات، فكان لهم رجالهم في السياسة وفي المجتمع وفي علوم الشريعة .. وهكذا في خليط عجيب لا يجمعهم سوى الالتقاء على مبادئ هذه العقلانية الجديدة التي زاحمت النصوص الشرعية وردت أو تأولت كثيراً منها بدعوى معارضتها للعقل أو للحضارة المادية المعاصرة.
فكان منهم: سعد زغلول وقاسم أمين وعبد العزيز جاويش وأحمد أمين ومحمود شلتوت .. إلخ.
ثم تبع آثارهم من بعدهم كالغزالي والقرضاوي ومحمد عمارة وحسين أحمد أمين. ثم من بعدهم كفهمي هويدي. وهكذا في سلسلة يطول الحديث عنها. وفي ظني أن هذه المدرسة لم تحظ إلى الآن بدراسة شاملة عن أفكارها وأفرادها المنتمين إليها .. إنما هي أشتات دراسات (١).
فلعل نابتها يقوم بهذه المهمة المفيدة (لتستبين سبيل) هذه المدرسة الغامضة التي احتفى بها الغرب كثيراً. بعد هذه المدرسة القريبة العهد بنا، أصبحنا نسمع ونرى بين الحين والآخر رجالاً قد طالتهم أيدي هذا التيار فتمذهبوا بمذهبه في الرفع من شأن العقل والعقلانية على تفاوت في جرعات العقل فيما بينهم. فاسمع لأحدهم يقول "أكاد أقطع بأننا لو سرنا في طريق التقليد مئات السنوات وانحرفنا عن نهر العقل فلن نستطيع التقدم خطوة واحدة في سبيل إرساء دعائم فلسفتنا العربية وكشف ما فيها من مواطن القوة والضعف" (٢). ويعني بالتقليد اتباع النصوص الشرعية! لا التقليد المتعارف عليه عند الفقهاء وأهل الأصول. لأنه جاهل لا شك بذلك!.
لا تثريب على فلاسفة اليونان وفلاسفة الغرب أن يقدسوا عقولهم ويرجعوا إليها في كل شاردة وواردة من أمور الغيب ونظم الحياة لأنهم قد ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. فقد حرموا نعمة الوحي الإلهي الذي يكشف للإنسان عن تلك العوالم المجهولة التي تخفى عليه ولا تطولها حواسه ولا عقله مهما عَظُم أو كبر وتكشف له قبل ذلك عن صفات الإله المعبود وذاته المقدسة وتريحه من عناء البحث المضني في ذلك والذي لن يأتِ بأي نتيجة لهذا الإنسان تكشف له عن أشياء كثيرة غائبة بل وحاضرة ولكن تخفى حكمتها عليه. لا تثريب على فلاسفة اليونان والغرب! الذين ضلوا مع قوة عقولهم وذكائهم، ولكن كما قال الإمام الذهبي "لعن الله الذكاء بلا إيمان ورضي الله عن البلادة مع التقوى" (٣).
ولكن اللوم والأسى على من أنار الله بصيرته بالإسلام وشرح صدره بالقرآن من فلاسفتنا ومتكلمينا فنبذ كل ذلك وراء ظهره وآثر الضلال بعد الهدى والعمى بعد البصيرة جانحاً إلى فلاسفة اليونان الوثنيين وعقولهم يزاحم بها نصوص الكتاب والسنة. قال الحافظ ابن حجر "قد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهاً ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف" (٤).
المصدر: نقض أصول العقلانيين لسليمان الخراشي
стр. 409
تاسعا: عقلانيون يتوبون قبل الموت !
رغم فتنة العقلانية الساحرة التي تُخيل للمرء أنه سيستطيع من خلالها الوقوف على كثير من أسرار الخلق والوجود، وأنه من الممكن بواسطتها الاستغناء عن جميع أو كثير مما جاءت به الأديان من العبادات والسلوكيات.
رغم كل هذا، وأن المتابع لهذا السراب الخادع قلّما يعود إلى فطرته ويراجع دينه ويعلم حدود عقله المخلوق، إلا أن الله بحكمته ورحمته يجتبي بين الحين والآخر بعضاً من هؤلاء العقلانيين ويقذف نور الهداية في قلوبهم من جديد بعد أن يكونوا قد أمضوا شوطاً طويلاً في اللهاث خلف سراب العقلانية الذي يكتشفونه بهداية الله لهم أنه (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً).
وإليك أخي القارئ مواقف لبعض هؤلاء العقلانيين قيدوا فيها خواطرهم عندما أراد الله لهم الهداية من جديد بعد رحلة مضنية خلف معقولاتهم.
هذه المواقف سجلها لنا السلف الصالح لنكون حذرين لا ننزلق فيما انزلق فيه الآخرون الذين ندموا على ما أضاعوه من ساعات عمرهم في تحصيل ما لا حاصل منه ..
فهذا الرازي مع سبقه في باب المعقول، وفرط ذكائه يشكو حيرته وعجزه فيقول:
نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فكم قد رأينا في رجال ودولة ... فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: الرحمن على العرش استوى [طه:٥]. إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: ١٠].
وأقرأ في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]. وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠] ثم قال: "ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي" (١).
وقال الشهرستاني: "فقد أشار إليَّ من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له مشكلات الأصول، وأحل له ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول لحسن ظنه بي أني وقفت على نهاية النظر، وفزت بغايات مطارح الفكر، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم: لعمري":
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسَيَّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذَقَن أو قارعاً سن نادم (٢)
وقال الجويني: "لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي، وها أنذا أموت على عقيدة أمي! "
وقال الخونجي: "اشهدوا عليّ أني أموت وما عرفت شيئاً إلا الممكن يفتقر إلى واجب ثم قال: والافتقار أمر عدمي، فلم أعرف شيئاً! "وقال آخر: "أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام. وقال آخر وقد نزلت به نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث قال: ثم استغثت برب الجهمية فلم يغثني، ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني، ثم استغثت برب المعتزلة فلم يغثني. قال: فاستغثت برب العامة فأغاثني" (٣).
المصدر: نقض أصول العقلانيين لسليمان الخراشي - ص ٢٤٥
стр. 410
الخلاصة
أن العقلانية مذهب فكري فلسفي يزعم أن الاستدلال العقلي هو الطريق الوحيد للوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود، بدون الاستناد إلى الوحي الإلهي أو التجربة البشرية، وأنه لا مجال للإيمان بالمعجزات أو خوارق العادات، كما أن العقائد الدينية يمكن، بل ينبغي أن تختبر بمعيار عقلي، وهنا تكمن علله التي تجعله مناوئاً ليس فقط للفكر الإسلامي، بل أيضاً لكل دين سماوي صحيح.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
مراجع للتوسع:
- مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، دار الشروق – بيروت ط١٤٠٧هـ.
- الموسوعة الفلسفية المختصرة، بإشراف د. زكي نجيب محمود دار القلم، بيروت.
- قصة الفلسفة الحديثة، أحمد أمين، زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والنشر القاهرة ١٩٧٨م.
- تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم، دار المعارف – القاهرة.
- درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية ط. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بتحقيق د. محمد رشاد سالم.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 411
أولا: التعريف
النزعة الإنسانية هي اتجاه فكري عام تشترك فيه العديد من المذاهب الفلسفية والأدبية والأخلاقية والعلمية، ظهرت النزعة الإنسانية في عصر النهضة.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 412
ثانيا: بيان المقصود بالإنسانية أو العالمية أو الأممية
الإنسانية مذهب إباحي هدام، ودعوة خادعة من قبل دهاة أعداء الدين، وهو مذهب جديد براق من المذاهب الكثيرة التي أنتجتها العقلية الأوربية في الأساس في خضم الصراع مع الكنيسة، وفي خضم انتشار المذاهب الباطلة في ذلك الوقت، وقيل لها إنسانية نسبة إلى الإنسان، وقيل لها عالمية أو أممية لدخول كثير من المفكرين من مختلف البلدان الأوربية وغيرها فيها، قوي أمرها في نصف القرن الثامن عشر، عصر التحرر في أوربا، ظهرت في إيطاليا، ثم انتشرت إلى البلدان الأخرى، ونادى أهلها بأن يتفق ويتآلف جميع الناس تحت اسم الإنسانية بسبب اشتراك جميع الناس في أصل الخلق مع إغفال كل الفوارق بينهم مهما كانت تلك الفوارق دينية أو غير دينية، قومية أو وطنية، أو غير ذلك من الروابط، فلابد أن يكون التجمع على الإنسانية وحدها بدلا عن الكنيسة وتعاليمها، وأن الدين أمر شخصي بين الله والإنسان كما كانوا يزعمون في بدء أمرهم، فالوطن للجميع، ولا قيمة حقيقية لتجزئة الأرض أو فصل بعضها عن بعض بحجة اختلاف الناس في دينهم وسلوكهم، فإن هذه الأمور تحث على التعالي وتثير جذوة الخلافات والأحقاد بخلاف ما لو اتفقوا على أن تكون الأرض وطنا للجميع وتجمعهم الإنسانية، وعلى أن يوجد دين موحد للكل تحت راية واحدة بعد أن تسقط جميع الأديان وجميع القوميات والوطنيات في يوم ما، حسب تقديراتهم، فتأتي حينئذ الحياة السعيدة القائمة على المحبة الإنسانية وتتوحد العواطف والأفكار ويعيش الناس كلهم على قلب واحد تعمهم الألفة والمحبة والترفع عن كل شيء يعرقل ظهور الحب بين جميع أفراد البشر حسب خداع الماسونية، والإنسانيون ينتظرون اليوم الذي يجتمع فيه الناس كلهم على مبادئ الإنسانية ويعيشون في ألفة ومودة؟!! بعيدين عن أي مؤثر آخر من الوطنية أو القومية أو الدين حين تسمو أفكار المجتمعات البشرية ويتوحدون على أساس هذه الأخوة الإنسانية، وهي آراء جذابة، ولكنها دعوة خداعة وأنى لها أن تتحقق، والواقع يكذبها ليلا ونهارا بهذه الحروب الأهلية والدولية والنزاعات المستمرة مما يشكل صفعة في وجوه دعاة الإنسانية والقومية والوطنية وسائر الدعوات الجاهلية، وأنها خدع وهمية وخيالات فارغة كما سنذكره في الرد عليهم.
стр. 413
ثالثا: سبب انتشار دعوى الإنسانية
لقد تبين أن أكثر ما يجذب الناس إلى قبول الإنسانية جهلهم بدينهم، ثم جهلهم بما تهدف إليه دعوة الإنسانية، ثم انخداعهم بذلك الشعار الأجوف الذي ينادي به دعاة الإنسانية، وهو الاجتماع على الإنسانية بغض النظر عن أي اعتبار من دين أو لون أو وطن، فالكل تتسع لهم مظلة الحرية والإخاء والمساواة التي يوفرها لهم مذهب الإنسانية. وإن الذين يعتنقونها سيعيشون عيشة راضية، فانخدع الكثير بمثل هذه الدعايات البراقة، وقد عرفت أنها من دعايات الماسونية الماكرة التي تتربص للقضاء على كل الأديان تحت شعارهم " اخلع عقيدتك على الباب كما تخلع نعليك " (١)، فمن المعلوم أن خلع العقيدة ووضعها على الباب إلى جانب النعال إنما يراد بها عقيدة من يسمونهم بـ"الجوييم" أو "الأمميين"، أما عقيدتهم هم فهي التي يقوم عليها مذهب الإنسانية وهي التي يجب أن تبقى بعد أن ينسلخ الداخلون في الإنسانية عن عقائدهم ويتنازلون عنها لكي يتم دخولهم في مذهب الإنسانية.
ومنها أن دعاة الإنسانية يزعمون أنه يجب أن يكون الهدف الذي يصل إليه الإنسان ويضحي بفرديته من أجله هو خدمة الآخرين وإخضاع نزعاته الفردية كلها لخدمة النوع الإنساني أجمع تحت شعار "الحياة لأجل الغير". وقد صاغه "كونيت" وسماه الموجود الأعظم، وأحله محل الإله في التقديس، وجعل لمذهبه كهنة وطقوسا تقدم للرجال الذين أسهموا في خدمة الإنسانية في أعياد، وتخصص لهم تلك الأعياد ليشعرهم بأنهم على شيء.
ويجب التنبيه إلى أن بعض الكتاب يفسرون الإنسانية على أنها هي العطف والرحمة ومساعدة المحتاجين، والتمسك بالأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن، ويذكرون على كل ذلك أدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة.
ودراستنا هنا لا تتعلق بهذا المفهوم للإنسانية، فهو حق مؤكد، ولكننا بصدد بحث الإنسانية التي تخفي وراءها مخططات خطيرة لتدمير تراث الإنسانية، وبالأخص تراث المسلمين.
شعارات خادعة طالما نادى بها اليهود وخدعوا بها الناس سرا وجهرا مثل الحرية والإخاء والمساواة بين الأفراد والشعوب ووحدة الأسرة البشرية ومجتمع الإنسان المتعاون وحق الجميع في الحياة الكريمة إلى آخر تلك الألفاظ البراقة الخادعة التي هي للاستهلاك ولسد فراغ أذهان الفارغين، وقد قال أحد دعاتها وهو الفرلي: "حينما يصبح الجميع أحرارا في تفكيرهم لهم من الشجاعة ما يجعلهم يتقبلون ما هو خير وعدل وجميل عندئذ يكون من المحتمل أن يسود العالم دين واحد وإني سأكون سعيدا باتباع دين عالمي موحد تتبع مصادره من حقائق التاريخ وتشمل مبادئه العدالة الاجتماعية وتقوم بفضله مظاهر الحب والإخاء على أنقاض الكراهية والخصومة" (٢).
ومما سبق يتبين بوضوح أن الدعوة إلى الإنسانية هي شرارة انشطرت عن جمرة الماسونية الحاقدة ودعاياتها الخادعة التي تجيد حبكها المؤامرات اليهودية وأن ما يبدو للبعض من الفارق بين كلتا الدعوتين فإنما هو فارق لفظي أو من باب التفنن في التقديم فالماسونية ظاهرة قوية في الدعوة إلى الانسلاخ من كل دين أو طاعة إلا دين اليهود وطاعتهم بينما الإنسانية ظاهرها فيه الرحمة والترفع عن التجبر والبغض وأن الدين لا يجب أن يكون حائلا بين محبة البشر بعضهم البعض وخدمة بعضهم بعضا لأن الدين أمر شخصي وحسب مزاج الشخص وتوجهه، إضافة إلى أنه يضيق الدائرة على أتباعه ويمايز بين الناس حينما يلتزمونه وبالتالي فالبديل الأنسب هو الإنسانية التي تعم الجميع دون تمييز أو تفريق بين الجميع.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٢٩
стр. 414
رابعا: التأسيس وأبرز الشخصيات
ظهر المذهب الإنساني في إيطاليا في بداية عصر النهضة الأوروبية.
وأبجديات النزعة إنما تترجم الانتفاضة التي عبّرت عنها النهضة الأوروبية باعتبارها تغيراً في الفكر نجم عنه تغير في جميع شؤون الحياة. فالإنسان الأول كان مكبلاً بقيود الكنيسة طوال فترة الإظلام الفكري المسماة بالعصور الوسطى والتي استطالت إلى أكثر من عشرة قرون، إذ كان خلالها مطالباً بالطاعة العمياء لرجال الدين وكان يُساق كما يساق القطيع، ويكفي أنه من طبيعة فاسدة بسبب الخطيئة الأصلية!! أما المرأة، فهي لا ينبغي أن تُحب لأنها سبب الخطيئة، لذا عزف رجال الدين عن الزواج بها. وإذا سمحوا لغيرهم بالارتباط بها بالزواج فذلك فقط باعتبارها وسيلة للإنجاب واستمرار البشرية. أما الرجال فهم وسيلة أيضاً لتحقيق أهداف الكنيسة، وكل من خرج على هذه الأهداف يواجه الموت حرقاً.
ومن أسماء الرواد الأوائل للمذهب الإنساني بوجيو وبروني، والمحامي البارز مونتبلشيانو وكلهم عاشوا خلال القرن الخامس عشر الميلادي.
أراسمس ولد في روتردام سنة ١٤٦٦م ويعد من أكبر ممثلي المذهب الإنساني من ناحية معرفته بالأدب اليوناني واللاتيني.
في فرنسا مثل المذهب ستيفانوس وسكاليجر ودوليه.
ويعد رينيه ديكارت ١٩٥٦ – ١٦٥٠م الفيلسوف الفرنسي من أنصار المذهب الإنساني ولكنه يؤمن بوجود الله تعالى.
وكذلك سبينوزا ١٦٣٢ – ١٦٧٧م الفيلسوف الهولندي وهو يشبه ديكارت في الاعتقاد.
وكتابات جان جاك روسو ١٧١٢ – ١٧٧٨م تحمل الطابع الإنساني.
وجون لوك ١٦٣٢ – ١٧٠٤م الفيلسوف الإنجليزي كان إنساني المذهب.
والفيلسوف الألماني كانت ١٧٢٤ – ١٨٠٤م في مذهبه الانتقادي كان إنساني المذهب.
والفيلسوف شيلر المتوفى سنة ١٩٣٧م الإنجليزي الألماني الأصل.
والكاتب الفرنسي فرانسيس بوتر، ألف كتاباً بعنوان المذهب الإنساني بوصفه ديانة جديدة.
والأديب الإنجليزي ت. س. إليوت ١٨٨٨ – ١٩٦٥م يعتبر نفسه من أتباع المذهب الإنساني، وهو من أبرز ممثلي الشعر الحر.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 415
خامسا: الأفكار والمعتقدات
تأكيد الفردية الإنسانية:
في مجال الدين: الاستجابة لحكم الفرد الخاص ضد سلطة الكنيسة وتأييد فكرة ظهور الدول القومية.
في مجال الفلسفة: تأكيد ديكارت للوعي الفردي عند المفكر وشدة الاعتماد على الفعل وتغليب وجهة النظر المادية الدنيوية.
قصر الاهتمام الإنساني على المظاهر المادية للإنسان في الزمان والمكان.
المذهب الإنساني أوحى بالأفكار التحررية لقادة الفكر في عصر النهضة الأوروبية ووصل إلى ذروته إبان الثورة الفرنسية.
الثقة بطبيعة الإنسان وقابليته للكمال، وإمكان حدوث التقدم المستمر.
تأكيد أن الشرور والنقائض التي اعترضت طريق الإنسان لم يكن سببها الخطيئة كما تقرر النصرانية، وإنما كان سببها النظام الاجتماعي السيئ.
الدفاع عن حرية الفرد.
إمكان مجيء العصر السعيد والفردوس الأرضي، ويكون ذلك بالرخاء الاقتصادي، وتحقيق ذلك يكون بتبديد الخرافات والأوهام ونشر التربية العملية.
وقد نقد الفلاسفة والمفكرون الإنسانية ومن أهم ما جاء في نقدهم:
إن تقدم العلم الحديث لم يصحبه تقدم في قدرة الإنسان على حسن استعمال العلم.
وإن البشر وجهوا اهتماماتهم جميعاً إلى المسائل الدنيوية، ونسوا كل ما يسمو على ذلك وتركزت مطامعهم في الأشياء الزائلة التي يسرها لهم العلم، وحدث من جراء ذلك صدع بين تقدم الإنسان في المعرفة وتقدمه الأخلاقي.
إن الإنسانية تؤكد على زيادة خطر الإسراف في الاعتماد على الآلة، فهذا الإسراف قد يقضي على الأصالة والابتكار.
كما أن الأسس الأخلاقية لا تصلح إلا إذا استندت إلى الاعتقاد بوجود نظام أسمى من النظام الدنيوي والإيمان بالمبادئ الخالدة المطلقة، أما إذا اقتصرت الآداب على أن تكون خاضعة للمواءمة بين الإنسان وبيئته، كلما تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال، فإنها بذلك تفقد قيمتها العامة.
وطريق الخلاص هو رفع الأخلاق، ولا يحدث هذا إلا بإيحاء من الإيمان الديني، أما الآداب العلمانية فلا تمنحنا الخلاص.
إن المذهب الإنساني قدم للإنسانية وعوداً لم يحققها، كما أنه أفقد الناس الشعور بالحقائق الروحية، وجعل الناس عبيداً للقوى المادية العمياء.
إن وجود الشر ينقض أداء المذهب الإنساني لصلاح الإنسان وقابليته للتقدم.
وقد عزى الناقدون إخفاق عصبة الأمم في تسوية المشكلات في العالم وانتشار الفاشية والنازية إلى ظهور المذهب الإنساني.
إن عيوب المدنية الغربية ترجع في الغالب الأعم منها إلى المذهب الإنساني في تياره الإلحادي.
ومن أهم الأفكار التي تبنتها النزعة الإنسانية ما يلي:
يجب على الإنسان أن يبحث دائماً عن معنى وجوده وحياته.
الحياة في حد ذاتها شيء رائع ويستحق أن يعيشها الإنسان مهما احتوت على صراعات وتناقضات وآلام.
على الإنسان أن يواجه الألم ويتسلح بالأمل في نفس الوقت.
على الإنسان أن يهتم بالمادة قبل الروح لأنها الشيء الوحيد الذي يستطيع إدراكه والسيطرة عليه.
إن الطريقة الوحيدة كي يحقق الإنسان إنسانيته هي في التمتع بكل الملذات الجسدية والحسية لأنها الشيء الوحيد الذي يستطيع الإنسان لمسه وإدراكه.
الإنسانية ترحب بالقومية والوطنية والمحلية، ولكنها تأبى العنصرية لأنها امتهان صارخ لبقية العوامل المشكلة للنسيج الإنساني الشامل، والأدب العنصري ليس سوى جسماً غريباً في نسيج الأدب الإنساني سرعان ما يلفظه ويأباه.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 416
سادسا: الجذور الفكرية والعقائدية
إن الحركة الفكرية التي نشأت في عصر النهضة الأوروبية هي الأساس في ظهور الإنسانية. وكان الوقود الذي أشعل هذه الحركة يحتوي على الفكر اليوناني الوثني المعارض للفكر الديني، والآداب اليونانية واللاتينية ومن هنا كان شعار الإنسانية كلمة الفيلسوف اليوناني القديم "إن الإنسان مقياس للأشياء جميعها" فضلاً عن انغماس الإنسان بالمادة في بدايته، وحب اكتناز المال والثروات، والاستمتاع بالحياة الزائلة.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 417
سابعا: أماكن انتشارها
شاعت ديانة الإنسانية هذه في الغرب وصار لها في كل بلد كاهن أكبر وجعلوا لها معابد وطقوسا وسدنة وقد برزت عند الأمريكان بوضوح حيث جعلوا الإنسانية دينا وقد صيغ المذهب الإنساني في أمريكا في ١٣٣٣م في بيان الإنسانيين الذي تضمن إنكار وجود الله تعالى وخلقه لهذا الكون وإنكار النبوة والرسالة والتعليل لنشأة الإنسان وثقافته الدينية وما يتعلق بحياة الإنسانية كلها مستندين إلى تعليلات الشيوعية الماركسية.
وفيما يلي بيان الإنسانيين المشهور مع تعليق خفيف يوضح الغرض من كل فقرة منه:
١ - " الكون موجود بذاته وليس مخلوقا" والإلحاد والكفر بالله تعالى ظاهر في هذا وهذا المعتقد كاف في كفر من تمسك به.
٢ - "الإنسان جزء من الطبيعة وهو نتيجة عمليات مستمرة فيها"، وهذا إنكار لوجود الله أيضا وإنكار لحقيقة وجود الإنسان وإسناد خلقه إلى الطبيعة حسب تعليلهم السخيف ولو سئلوا عن تلك العمليات المستمرة لانقطعوا وأجابوا بما يدل على جهلهم وحمقهم.
٣ - "ثقافة الإنسان الدينية ليست إلا نتاج التطور التدريجي الناشئ من التفاعل بين الإنسان والبيئة الطبيعية والوراثة الاجتماعية"، وهذا كفر بالأنبياء والمرسلين وزعم باطل وهضم لنعمة التفكير التي خص الله بها الإنسان ورجم بالغيب.
٤ - "لقد ولى الزمن الذي كان يعتقد الناس فيه بالدين وبالله"، ونقول لهم بل لا يزال جديدا على مر الدهور رغم أنوفهم وسيبقى إلى يوم القيامة.
٥ - "يتركب الدين من الأفعال والتجارب والأهداف التي لها دلالات في نظر الإنسان ومن هنا زال التمييز بين المقدس والمادي"، ويقال لهم إذا كان الدين يتركب من تجارب فكيف لم يدعوا النبوة كلهم وكيف قام على أشخاص معدودين تحوطهم عناية الله وتأييده، وهل يعرف الدين بالتجارب؟
٦ - "إن التحقيق التام للشخصية الإنسانية هدف الإنسان "، نقول نعم ولكنه لا يصل إليه إلا بالتبين الصحيح وبتيسير الله وتوفيقه له.
٧ - "يعبر عن الانفعالات الدينية بالإحساسات الشخصية والجهود الجماعية التي تحقق الرفاهية الاجتماعية "، وهذا الكلام محض دعوى لا دليل عليه، مع أنهم ينفون أي دليل صحيح للتدين. ٨ – "لا توجد انفعالات دينية ومواقف للناس تربطهم بوجود خارق للطبيعة"، ونقول لهم إن الفطرة في الإنسان والواقع كليهما شاهدان بهذا الرباط (١).
وقد أمضى هذا البيان جون ديوي وآخرون من كبار دعاة الإنسانية.
وعلى حسب ما تقدم فإن الإنسانية في جوهرها العام هي دعوة للإنسان إلى أن يعيش حياته ابن يومه مهما صادفته من الأمور التي يرضاها والتي لا يرضاها قوي الأمل صامدا في مواجهة الأخطار جاعلا نصب عينيه أن يعيش حياته المادية بكل ما يجده ضاربا بالقوانين التي تحد من ارتكاب الشهوات جانبا وأن لا ينظر إلى الأمور الروحية الغيبية ولا يتأثر بما يقال له من أنه سيحاسب على كل أعماله الدنيوية أمام الله تعالى فليس لك إلا ما تمتعت به قبل موتك فلا بعث ولا حساب ولا جزاء في مفاهيم دعاة الإنسانية وهم حينما يقررون هذا الكلام نقول لهم بكل تأكيد أنهم يغالطون أنفسهم وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم في فراغ وأن الأمر جد ولا يمكن أن تكون الحياة كذلك قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:١٤].
وهم متأكدون أن حياتهم هذه لا تختلف عن حياة سائر البهائم ولولا الظلم وحب العلو لرجعوا إلى الحق ولنظروا إلى ما هم فيه بأنه عبث وفوضى لا تقرها العقول ولا الفطرة السليمة ولكنه العناد والاستهتار والبغي.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 418
ثامنا: هل تقبل الدعوى إلى الإنسانية التعايش مع الإسلام والمسلمين ؟
يجب على كل مسلم أن يتذكر في البداية قول الله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة:١٢٠]، ثم ينظر مصداقها في الواقع في حال التعايش بين النصارى واليهود من جانب وبين المسلمين من جانب آخر وكيف أن دعاة الإنسانية شمس العداوة لكل مسلم حتى يلين ويرجع إلى أقوالهم ويسايرهم في سلوكهم ثم كيف بعدها يكيلون له المدائح المختلفة ويحكمون عليه الشبكة بأنواع المساعدات المادية والمعنوية ليبقى أسيرا لهم.
لقد أظهر أدعياء الإنسانية بغضهم للدين والمقصود به الدين الإسلامي في المقام الأول وهم دائما يشكون من انتشاره في مجتمعاتهم ويتخوفون من عودة المسلمين إلى سابق مجدهم أيام الفتوحات الإسلامية ولهذا فقد رموه بكل سهم من سهامهم المختلفة ومن ضمنها رميه بسهم الإنسانية كي تكثر السهام العلمانية واحد منها يصيب مقتلا للرمية. أما أن يرمي المسلمون أعداءهم ولو بخرقة الحرير فإنه يعتبر ارهابا وهمجية وعودة إلى فكرة الجهاد التي أقلقهم اسمها وأرق نومهم ذكرها حتى أصبح الكثير من المسلمين مع الأسف الشديد يستحي من ذكر كلمة الجهاد ويعتذر للإسلام عن ورودها فيه حتى يجعله كالمجرم في قفص الاتهام وهي الشبكة التي يريد أعداء الإسلام أن يوقعوا فيها مثل هؤلاء الأغبياء الذين يدعون أنهم يدافعون عن الإسلام ويردون كيد أعدائه عنه فإذا بدفاعهم يجعل الإسلام ظالما همجيا ومائعا في نفس الوقت ولا شك أنه لا خير في مثل هؤلاء المدافعين ولا خير في مثل جدالهم الذي يفتقد إلى وجود العزة الإسلامية في النفس أولا فمتى يستفيق المسلمون لخدع دعاة الإنسانية وأساليبهم الماكرة ومتى يعرفون أنه لا يمكن أن يتوافق دين رضيه الرحمن وطغيان يدعو إليه الشيطان وأنه لا يمكن أن يسير الحق والباطل في طريق واحد.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٤٢
стр. 419
تاسعا: الإنسانية والقومية والوطنية
من أساليب دعاة الإنسانية أنهم يقولون في تقديمهم لها أنه يجب محو فكرة اختلاف الأوطان لأن الجميع يعيشون في أرض واحدة وأن الإنسان هو الذي اختلق تجزئتها وجعل لها حدودا سياسية مصطنعة في حين أن الذين يعيشون فوقها هم أيضا جنس واحد ومن أصل واحد فلماذا لا نعود إلى الأصل الصحيح وهو أن الأرض وطن الجميع ومن عليها أخوة كلهم في الإنسانية ونضرب صفحا عن كل الاعتبارات الأخرى من الجنس واللون والدين والعادات، والقوميات والوطنيات التي طرأت على الإنسان في شكلها البدائي ثم أخذت تتوسع ويتوسع الانتماء إلى القومية والوطنية قليلا قليلا إلى أن أصبح في وضع أكبر مما كان في البداية ولهذا فإنهم يحبون توسيع الدعوة القومية إلى أن يصل الأمر بالجميع إلى قومية واحدة وإلى وطن واحد ثم يعيش الجميع تحت ظل الإنسانية التي ستظلل الجميع وتنمحي كل الفوارق الأخرى بعد ذلك ومن هنا فإن دعاة الإنسانية قد يتفاءلون بانتشار القومية حين تكون قومية عالمية تسودها الإنسانية حينما يلبي الجميع واجب الدعوة إلى الإنسانية وحدها فلماذا لا نطوي المسافة ونأخذ مبادئ الإنسانية اليوم قبل غد لتحل السعادة وتنتشر الرحمة ويعم الخير .. إلى آخره إنها أحلام سعيدة ودعوة خلابة براقة حينما يسمعها الشخص لأول وهلة ولكن وكما تقدم هل يمكن تحقيق هذه الأحلام وهل يمكن أن يتنازل الناس بأجمعهم عن قومياتهم وأديانهم وأوطانهم ليدخلوا تحت لواء الإنسانية الذي أقل ما سيواجهه معضلة من سيتولى قيادة هذا النهج الجديد ولمن تكون القيادة والأمر والنهي؟ وما هو الوطن المفضل؟
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٤٦
стр. 420
عاشرا: تناقض دعاة الإنسانية
ظهر جليا أن الإنسان دائما يتنكر لمن يجهله ولا يأنس به إلا بعد وقت ثم يزول هذا الأنس فورا عندما يحس أن مصالحه مهددة من قبل الآخرين وإلا فأين الإنسانية حينما تحتدم الحرب الأهلية التي تأكل الأخضر واليابس في غياب العقيدة الدينية المشتركة التي تشعر كل شخص بمسؤوليته عن كل تصرفاته أمام الله تعالى التي تجعل الناس كلهم عبيدا لخالقهم على الدوام وتجعل محبتهم قائمة على أسس لها أيضا صفة الدوام إذ لم تقم على المصالح المؤقتة أو تبادل المنافع المادية الناتجة عن المحبة الزائفة العارضة أو الاستئناس بسبب ظروف مختلفة. إن دعاة الإنسانية اليوم هم الذين يقصفون المسلمين في أفغانستان منذ أكثر من شهر ونصف ليلا ونهارا في طلعات جوية تملأ الأفق بطائرات حربية متقدمة وقنابل متنوعة مرة يسمونها قنابل ذكية وأخرى يسمونها قنابل غبية وصواريخ تجرب لأول مرة على رؤوس المسلمين (١).
فهل يعتبرون المسلمين هناك جمادا لا تشملهم كذبة الإنسانية أليس دعاة الإنسانية هم الذين يقتلون كل يوم وكل ليلة أعدادا من الفلسطينيين دون تمييز ويجرفون مزارعهم ويهدمون بيوتهم بكل كبرياء أليس دعاة الإنسانية هم الذين يحكمون على الاسلام والمسلمين بأنهم إرهابيين يجوز قتلهم وسجنهم وتشريدهم دون رحمة وأمثلة أخرى في كل العالم تقول أين الإنسانية وأين دعاتها الكاذبون وأين حقوق الإنسان حينما تقدم أمريكا للمساكين في حرب أفغانستان الأكل عن طريق إسقاطه من الجو في مزارع الألغام أو تسقط بعض القنابل التي تشبه في ظاهرها بعض كراتين الأكل زيادة في التمويه وإغراء الجائع بحيث لا يستطيع التمييز بين كون هذا أكلا أم قنبلة فحصدت أرواح كثيرة دون أن يحس أولئك الإنسانيون بزعمهم أدنى تأنيب من ضمير أو خلق.
إن الإنسانية حقيقة سلاح يهودي ونصراني ومجوسي ووثني موجه ضد المسلمين وضد كل المستضعفين في الأرض ويجب على كل مسلم أن يكون مستيقظا لهذه الأخطار وأن لا يلدغ من جحر مرتين.
وقد اتضح جليا من خلال بيان الإنسانيين السابق أنها دعوة ماكرة يراد من ورائها في الدرجة الأولى سيطرة اليهود ومحاربة أديان الجوييم وتذويب الأوطان في ديانتهم الإنسانية القائمة على أهوائهم ومفاهيمهم اليهودية الحاقدة برعاية الماسونية العالمية. قال أحد الماسون:"إن ما تبغيه الماسونية هو وصول الإنسانية شيئا فشيئا إلى النظام الأمثل الذي تتحقق فيه الحرية بأكمل معانيها وتزول فيه الفوارق بين الأفراد والشعوب ويسود فيه العلم والجمال والفضيلة" (٢).
فانظر إلى هذه المغالطة بل الصحيح أن هذا المذهب والدعوة إليه كفيل لو نجح دعاته في إفساد البشرية وقلب الأمور رأسا على عقب حينما تتغلب ديانة الإنسانية وتتم وفق مفاهيم أقطابها لا قدر الله وينتصر اليهود فتلغى كل الأديان وخصوصا الإسلام الذي هو الهدف الأكبر في حملتهم لمحوه ومحو أنه الدين الذي نسخ الله به كل الأديان التي قبله كما تهدف كذلك إلى تمييع مفهوم الأديان حتى تشب الأجيال الجديدة وهي لا تفرق بين الأديان ولا تعرف الصحيح من المزيف والمستقيم من المعوج منها. فيختلط الكفر بالإيمان فلا يعرف بعد ذلك الحق والباطل في خضم هذا التيار الجارف ومن هنا نجد أن هؤلاء الدعاة تتكاتف جهودهم على ذم الأديان وتجهيلها وأنها لم تحقق للإنسان الحرية والعدل والمساواة التي يدعون أنهم يريدون الوصول إليها بحسب آرائهم الخيالية.
وحينما يزعم الإنسانيون أنهم رحماء بالإنسان والحيوان وهم يقاتلون بين الحيوانات حتى يقتل بعضهم بعضا وهم يتفرجون ويضحكون أين الإنسانية منهم أو الرحمة بالخلق وهل ستجد الإنسانية مثل الاسلام في إعطاء تلك الأمور حقها الذي تصلح به الحياة وتستقيم به الأمور ويأخذ كل ذي حق حقه؟ كلا ولكن لجهلهم بالإسلام يظنون أنهم هم الذين سبقوا إلى تلك الدعوى بل وكثير منهم يعرفون ذلك ولكن لحقدهم على الإنسانية ورغبتهم في استعباد البشر والسيطرة عليهم جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٤٧
стр. 421
الخلاصة
أن النزعة الإنسانية هي مذهب فلسفي أدبي مادي لا ديني، يؤكد فردية الإنسان ضد الدين ويغلب وجهة النظر المادية الدنيوية وهو من أسس فلسفة كونت الوضعية وفلسفة بتنام النفعية وكتابات برتراند راسل الإلحادية، وهذا يعني فشل هذا المذهب على الصعيد العقدي، أما فشله على الصعيد العملي الواقعي المؤثر بصورة ملموسة في أسلوب سلوك الفرد، فدليله أنه منَّى الإنسان بأمان كاذبة لم تتحقق على الإطلاق، ونسي أن طريق الخلاص لا يمكن أن يتم إلا من خلال خاتم الأديان. وهذا أمر ينبغي أن يتنبه له المسلم وهو يتعامل مع نتاج هذا المذهب حيث أن الإسلام قد كرم الإنسان، وتعاليمه كلها إنسانية (ولقد كرمنا بني آدم .. )؛ لكن بعض الناس يختار الكفر فيسلبه الله هذا التكريم (أولئك هم شر البرية).
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 422
مراجع للتوسع
- شيلر: من نوابغ الفكر الغربي، د. عثمان أمين.
- مجلة عالم الفكر، المجلد الثاني العدد الثالث ١٩٧٤م. مقال بعنوان الهيومانزم.
- الموسوعة الفلسفية المختصرة، ترجمة فؤاد كامل ورفاقه، دار القلم – بيروت.
- Studies in Humanism by F.C.S. Schiller, Macmillan, London, ٢nd ed. ١٩١٢.
- Humanism: Phillosophical Essays by F.C.S. Schiller, Macmillan. London ١٩١٢.
- Essay Concerning Human Understanding by J. Locke ed. r. Wilburn. London ١٩٤٧.
- History of Philosophy by F.C. Copleston Burns, London ١٩٤٧.
- History of Modern Philosophy by H. Hoffding, London ١٩٥٦
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 423
أولا: التعريف
الإلحاد هو: مذهب فلسفي يقوم على فكرة عدمية أساسها إنكار وجود الله الخالق , فيدّعي الملحدون بأن الكون وجد بلا خالق وأن المادة أزلية أبدية، وهي الخالق والمخلوق في نفس الوقت. ومما لا شك فيه أن كثيراً من دول العالم الغربي والشرقي تعاني من نزعة إلحادية عارمة جسدتها الشيوعية المنهارة والعلمانية المخادعة.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
المراد بالإلحاد الذي نحن بصدد دراسته. كل فكر يتعلق بإنكار وجود خالق هذا الكون . سواء أكان عند المتقدمين من الدهرية أو عند من جاء بعدهم من الشيوعيين الماركسيين بمعنى أن وصف الإلحاد يشمل كل من لم يؤمن بالله تعالى ويزعم أن الكون وجد بذاته في الأزل نتيجة تفاعلات جاءت عن طريق الصدفة دون تحديد وقت لها واعتقاد أن ما وصل إليه الإنسان منذ أن وجد وعلى امتداد التاريخ من أحوال في كل شؤونه إنما وجد عن طريق التطور لا أن هناك قوة إلهية تدبره وتتصرف فيه.
ولا ريب أن الإلحاد فكرة شيطانية باطلة لا يقبلها عقل ولا منطق غذاها اليهود لتحطيم حضارات وأديان العالم كلهم لإقامة حكمهم في الأرض كلها كما دونوه في كتبهم. وقد يسأل سائل فيقول وما مصلحة اليهود من وراء ظهور الإلحاد؟، والجواب هو إضافة إلى ما سبق فإن اليهود يبغضون ديانات العالم كله، والعالم يبغضون ديانة اليهود فإذا تمكن اليهود من إبعاد الناس عن حضاراتهم ودياناتهم واستبدلوا عن ذلك بالإلحاد فإنه سيسهل حينئذ أن يتقارب اليهود مع غيرهم وسيسهل قيادتهم أيضا إلى تحقيق المخططات اليهودية التي تنتظر التنفيذ.
ولم يكن أحد من البشر منذ أن أوجدهم الله تعالى مستيقنا حقيقة إنكار وجود الله تعالى ولم يظهر في شكل مذهب أو دول. وإنما كان ظهوره في شكل نزعات لبعض الأشرار الشواذ إلى أن ظهرت الفلسفة الإلحادية الحديثة المنحرفة على يدي "ماركس" ورفاقه من اليهود الماسون الذين كانوا وراء إشعال هذه الفتنة الإلحادية لمآرب سياسية وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:١٤].
وقد علا شأن الإلحاد في عهد "ماركس" وعهد من جاء بعده علوا كبيرا إلى عهد آخر رئيس لما كان يسمى بالإتحاد السوفيتي، وهو "ميخائيل جورباتشوف" فأراد الله أن يظهر كذب الملاحدة فإذا بالشيوعية – التي تمثل قمة الإلحاد تموت في عقر دارها – وإذا بالشعوب المقهورة تعود إلى الاحتفال والإحتفاء بالأديان وتعلن ما كانت تخفيه من حب الله وأنبيائه ورسله ورجعوا إلى المساجد والكنائس وسائر المعابد معلنين رفضهم الفكر المادي الإلحادي وفي بعض تلك الدول التي كانت تعلن الشيوعية والإلحاد شنقوا تماثيل بعض أقطاب الإلحاد الشيوعي تشفيا منهم. مما يدل دلالة صريحة على أن فكرة الإلحاد فكرة طارئة سخيفة لا مكان لها إلا في قلوب فئة من شواذ الناس ماتت نفوسهم وانحرفت فطرهم وكابروا عقولهم ومن الغريب أن يسند الملاحدة إلحادهم إلى العلم – وهو كذب مبين – كما سيتبين ذلك من خلال هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٠٣
стр. 424
ثانيا: أقسام الإلحاد
ينقسم الإلحاد إلى قسمين هما: الإلحاد القديم، والإلحاد الحديث. فما حقيقة كل منهما وما الفرق بينهما؟
عرفنا مما سبق أن الإلحاد كان له وجود في أكثر من مكان في الأرض بعد الانحراف الذي أصاب البشرية وينبغي أن ندرك أن بين الإلحاد القديم والإلحاد الحديث فرقا ظاهرا وذلك يتبين من خلال ما يأتي:
١ - إن الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله تعالى أصلا لم يكن ظاهرة منتشرة في القديم وإنما كان شائعا الشرك مع الله تعالى تحت حجج مختلفة مع اعترافهم بوجود الله تعالى وأنه الخالق المدبر وقد أثبت الله تعالى ذلك في كتابه فقال عن إقرارهم بخلق الله للكون وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:٦١]
وقال تعالى عن إقرارهم بإنزال المطر من عند الله: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [العنكبوت:٦٣].
وقال تعالى عن إقرارهم بأن الرزق كله من الله، وأن أعضاء الإنسان هي من خلق الله، وأن الحياة والموت بيد الله، وأن التدبير كله لله قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس:٣١] قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩]، وهكذا يتبين من تلك الآيات البينات أن الإلحاد في الزمن القديم إنما كان في إشراكهم مع الله آلهة أخرى من صنعهم يتقربون بها إلى الله بزعمهم وهذا هو الشرك في توحيد الربوبية الذي لا يدخل الشخص به وحده في الإسلام والإيمان ما لم يضم إليه توحيد الألوهية.
٢ - وأما الذين أسندوا كل شيء إلى الدهر فهم قلة قليلة جدا بالنسبة لغيرهم ممن يؤمنون بالله تعالى وقد أخبر الله عنهم في كتابه الكريم.
٣ - أما الإلحاد المادي الحديث فقد قام على إنكار وجود الله أصلا وقد زعم أهله أنهم وصلوا إليه عن طريق العلم والبحث المحسوس وعن طريق التجربة والدراسة وزعموا أن الدين لا يوصل إلى ذلك وسنرد هذه الكذبة وسخافتها ونبين أنه لا تناقض بين العلم والدين وبين الإيمان بالله وأن العلم يدعو إلى الإيمان بوجود الله تعالى في أكمل صوره كما سيأتي دراسته في الشيوعية.
وهكذا يتضح أنه مع القول بوجود عبادة المادة في كل زمان وفي كل مكان إلا أن تلك المادة كانت سطحية بدائية وأن أوروبا حينما أخذت الإلحاد تميزت بتفصيل وتقنين وتنظيم ودراسة هذا الاتجاه المادي الملحد وأحلته محل الدين ومحل الإله بطريقة سافرة مقننة وهي نقلة لم تكن فيما مضى قبلهم.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٠٨
стр. 425
ثالثا: أسباب ظهور الإلحاد
لظهور الإلحاد أسباب كثيرة كغيره من الظواهر الأخرى ولا شك أن أكبر الأسباب هو إغواء إبليس لمن اتبعه فقد أقسم على أن يبعد الناس عن ربهم ويغويهم عن اتباع أمره وشرعه ثم انضافت إلى ذلك أسباب أخرى هي من صنع الإنسان كالرغبة الجامحة عند البعض في الانفلات التام عن الدين وأوامره ونواهيه لتحقيق رغباته الشهوانية المختلفة وبعض تلك الأسباب يعود إلى أمور سياسية كحب اليهود السيطرة على العالم. وبعضها يعود إلى طغيان الديانات المحرفة وعلى رأسها النصرانية التي هي صورة عن الوثنية حيث جاءت بأفكار لا يقبلها عقل ولا يقرها منطق وفوق ذلك طغيان الرهبان والبابوات الذين وصلوا إلى حد لا يطاق من إذلال الناس واستعبادهم مما جعلها أغلالا يتمنى أصحابها الخروج عنها إلى أي وجهة تكون فتلقفهم الملاحدة فأخرجوهم من الرمضاء إلى النار.
وبعض تلك الأسباب يعود إلى ظهور مذاهب فكرية كانت هي الأخرى كابوسا ثقيلا جعل الناس يلهثون إلى التشبث بأي حركة أو فكر كالرأسمالية التي أشعلت في النفوس حب الأنانية والجشع المادي والحقد والبغضاء مما سهل الأمر على الملاحدة للوصول إلى قلوب الناس والتضليل عليهم بأن في النظام الإلحادي الجديد كل ما يتمنوه من السعادة والعيش الرغيد وقد قيل:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وكان هذا الحال في الوقت الذي عم الجهل بالله تعالى وبدينه القويم وكان للأحوال الاقتصادية التي يمر بها الناس نصيب الأسد في تقبل الناس للإلحاد حيث انعدمت في المذهب الرأسمالي ونظام الإقطاع وسيطرة البابوات والأباطرة صفة الرحمة والعطف على الفقراء فازداد الأغنياء غنى وازداد الفقراء فقرا وذلا.
فاستغل الملاحدة تلك الأوضاع للتأثير على الناس بأن الأمر موكول إلى تصرفات الناس وليس هناك إله مدبر له فازداد نشاط دعاة الإلحاد وأظهروا أنفسهم بمظهر المنقذ للفقراء والساهر على مصالحهم والمهتم بمشاكلهم والمتصدي للقضاء على كل الأنظمة الفاسدة والطبقات المتجبرة وبعد أن قوي أمر الملاحدة واستولوا على الحكم في روسيا وغيرها وجهوا مدافعهم وبنادقهم إلى صدر كل من يأبى الدخول في ملتهم فأثخنوا في الأرض وأدخلوا شعوبهم في الإلحاد راغبين وراهبين.
ومما ساعد على انتشار الإلحاد أيضا ما وصل إليه الملاحدة من اكتشافات علمية هائلة مكنهم الله منها استدراجا لهم وإقامة للحجة عليهم على ضوء قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٣]، فكلما تم لهم اكتشاف جديد فسروه على أنه من بركة تركه للإله وللدين وانطلاقهم أحرارا من ذلك فاغتر بهم كثير من الجهال وظنوا أن ذلك صحيحا وأن هذه الحياة التي يعيشها العالم اليوم من تقدم مادي وصناعات مختلفة وانفتاح تام على الشهوات والمتع المختلفة إنما هي دليل في نظر من لا يعرفون الدين الصحيح على أن الإنسان هو مالك هذا الكون وحده وهو الذي ينظم حياته كما يريد.