وهذا الزعم باطل، شرعاً، وعقلاً، وتجربة؛ ذلك أن الأمور المدركة لا تقتصر على ما أثبته الحس؛ فهناك مدارك أخرى؛ فهناك الأخبار الصادقة، وأعلاها وأحقها خبر الله ورسله؛ ففي ذلك تبيان لكل شيء.
وإذا نسبت العلوم المدركة بالحس إلى ما جاءت به الرسل من العلوم - كانت كقطرة في بحر لجي.
ثم إن هناك أشياء يؤمن بها الناس وإن لم يشاهدوها كالروح مثلاً؛ فهي لا ترى ومع ذلك لو خرجت لأصبح الإنسان جماداً؛ فهل ينكر الروح أحد بحجة أنها لا تدخل في المحسوس؟
وكذلك الكهرباء؛ فهل شاهدها أحد؛ إنما يشاهد الناس أثرها، أتكون الكهرباء أيسر أن نؤمن بها وأقرب إلى أن نصدق بها من أن نؤمن بالله الذي أبدعها ضمن ما أبدع من أسرار هذا الكون؟ ثم إن الملاحدة ينقضون مبدأهم في حصر الإدراك بالمحسوس، والتجربة؛ فهم يثبتون تجارب ونظريات ثم تحصل تجارب ونظريات أخرى لهم تنفي ما أثبتوه، وتثبت ما نفوه (١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ضمن ردوده على الملاحدة: أن يقال لهؤلاء الملحدين المنكرين لأمور الغيب التي أخبر بها الله ورسوله: لم أنكرتموها؟ فيجيبون بأنها لم تدخل تحت علومنا التي بنيناها على إدراكات الحواس والتجارب، فيقال لهم: قدروا أنها لم تدخل في ذلك؛ فإن طرق العلم اليقينية كثيرة، وأكثرها لا تدخل تحت إدراكاتكم؛ فإن إدراكاتكم قاصرة حتى باعترافكم فإنكم تعترفون أن مدركاتكم خاصة ببعض المواد الأرضية وأسبابها وعللها، ومع ذلك لم تدركوها كلها باعترافكم وأعمالكم؛ فإنكم لا تزالون تبحثون وتعملون التجارب التي تنجح مرة، وتخفق مرات؛ فإذا كانت هذه حالكم في الأسباب والمواد الأرضية التي يشترك بنو آدم في إدراكها، ويفترقون في مقدار الإدراك - فكيف تنفون بقية العوالم عوالم السماوات وعوالم الغيب؟ وما هو أعظم من ذلك من أوصاف الرب وعظمته، وأنتم لم يتصل شيء من علومكم بذلك؟ فإن هذا النفي باطل بإجماع العقلاء، وإنما هذا مكابرة (٢).
٥ - كثرة التناقض: فالتناقض عند الشيوعيين لا يكاد يحصر وذلك أمر لا بد منه؛ فالمبدأ باطل من أساسه؛ فلابد من التناقض؛ فإذا تهاوى الأساس تداعت الأركان. فالحق يشبه بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض، أما الباطل فيتناقض، ويهدم بعضه بعضاً، وتجد أهله متناقضين مختلفين، بل تجد الواحد منهم متناقضاً مع نفسه، متهافتاً في أقواله (٣).
ومن الأمثلة على تناقضهم دعواهم محاربة الدين، وقولهم: إن الدين أفيون الشعوب.
ومع ذلك فإن روسيا أول من اعترف بدولة دينية تحكمها التوراة المحرفة، وقامت على أساس ديني، وهي دولة إسرائيل.
كذلك لما اشتد ضغط هتلر على روسيا إبان الحرب العالمية الثانية دعا ستالين إلى فتح المساجد والمعابد للصلاة، والعبادة فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:٦٥].
ومن أمثلة تناقضهم قولهم بالحتميات، وأن الأشياء تتطور ثم تزول سواء كانت فكرة أو مبدأ، أو غير ذلك.
وفي الوقت نفسه يزعمون بأن الشيوعية هي نهاية المطاف والفردوس المنتظر.
فإذا كانوا يقولون بالحتميات فإن الشيوعية داخلة فيما يقولون؛ لأنها مبدأ وفكرة، ومصيرها الحتمي الزوال، وهو ما حدث بالفعل؛ فأين الفردوس المنتظر؟
стр. 737
ومن الأمثلة على تناقضهم زعمهم أنهم يحاربون الطبقية، ومع ذلك فإن الطبقية في المجتمع الشيوعي قائمة على أشدها، وقد مر بنا كيف كان العمال وعامة الناس في المجتمع الشيوعي يعيشون عيشة الشظف في الوقت الذي يتمتع أعضاء الحزب الشيوعي بأقصى درجات الترف والنعيم.
٦ - الإخفاق في التطبيق: فهذا دليل على بطلانها، ولقد مر بنا كيف كان حال المجتمع الشيوعي بعد تطبيق الشيوعية.
لقد عجز الشيوعيون عن تطبيق المساواة، وعجزوا عن إسعاد المجتمع، وحل مشكلاته؛ فكلما خرجوا من نفق دخلوا في نفق آخر أشدَّ حلوكة، وكلما حلوا مشكلة نتج عنها مشكلات، وكلما ولوا وجوههم وجهة تبين فيها النقص والخلل والاضطراب.
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:٨٢].
أين هذا من دين الإسلام، الذي هو الطريق الوحيد لحل جميع المشكلات، سواء مشكلات العلم، أو مشكلات الفقر، أو مشكلات السياسة أو غيرها من المشكلات.
فمن المشكلات التي اضطرب فيها الخلق مشكلة العلم؛ فإنه إذا صح صحت العقائد والأفكار، وصلحت الأعمال المبنية عليه.
وشريعة الإسلام حضت على العلم، بل فرضت على العباد أن يتعلموا جميع العلوم النافعة في أمور دينهم ودنياهم، وتكفلت مع ذلك ببيان العلوم وتفصيلاتها.
أما علوم الدين فقد فصلتها تفصيلاً بعد ما أصلتها تأصيلاً، وأما العلوم الدنيوية فقد أسست لها الأصول والقواعد.
وبهذا يسير العلم الصحيح على الطريق المستقيم؛ فيجتمع علم الدين إلى علم الدنيا، وما يتعلق بالروح إلى ما يتعلق بالجسد.
قال - تعالى -: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ... [الإسراء:٩]، وقال: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:٤].
فجمع في هاتين الآيتين بين علم المسائل الصحيحة وهو الحق النافع، وبين علم البراهين وهو هداية السبيل الموصلة إلى كل علم، المبرهنة على جميع المعارف.
وكذلك مشكلات الغنى والفقر؛ فالدين قد حلها حلاً تتم به الأمور، وتحصل الحياة الطيبة؛ فكما أمر بسلوك الطرق المشروعة في أسباب الرزق المناسبة لكل زمان ومكان وشخص - فكذلك أمر بالاستعانة بالله في تحصيلها، وأن تجتنب الطرق المحرمة، وأن يقوم العباد بواجبات الغنى المتنوعة من زكاة وصدقة، ونحوها.
وكذلك عند حلول الفقر أمر بالصبر، وترك التسخط، مع السعي في طلب الرزق بأنواع المكاسب والأعمال ونهى عن الكسل المضر بالدين والدنيا.
ومع أمره بالصبر وفعل الأسباب الدافعة للفقر - نهى عن ظلم الخلق في دمائهم وأعراضهم، وأخذ حقوقهم بغير حق كما هو دأب الفقراء الذين لا دين لهم.
ومن ذلك مشكلات السياسات الكبار والصغار؛ فالشيوعية تقوم على البطش والاستبداد.
أما الإسلام فقد أمر بحلها، وذكر الطرق الموصلة إلى ذلك بفعل ما توضحت مصلحته، وترك ما تبينت مفسدته، والمشاورة في الأمور المشكلة والمشتبهة.
وبالجملة فما من مشكلة دقت أوجلت إلا وفي الشريعة الإسلامية المحضة حلها بما تصلح به الأحوال، وتستقيم في جميع الوجوه (١).
٧ - قواعد الأخلاق العامة: فهي ترد على دعاوي الشيوعية وتبطلها؛ فأين الشيوعية من الصدق في الأقوال والأفعال؟ وأين هي من النصيحة والأمانة، والبر، والصلة، والقيام بحقوق الجيران، والأصحاب والمعامَلين، ومن يتصل الإنسان بهم على اختلاف طبقاتهم؟.
стр. 738
وأين هي من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء، والبغي على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم؟.
وأين هي من الوفاء بالعهود، والحقوق، والعقود؟.
إنها دعوة تقوم على العداوات بين الطبقات وتأليب بعضهم على بعض. والمجتمعُ الإنساني المطمئن لا يقوم إلا على التوادد والتراحم، والتآخي (١).
ومن هنا يستحيل أن تتزكى النفوس، وتتهذب الأخلاق بعلوم المادة؛ فكل إناء بما فيه ينضح، والتجارب أكبر شاهد على ذلك؛ فمع تطور علوم الملاحدة عجزوا كل العجز عن تهذيب النفوس وإصلاحها.
٨ - سيرة أرباب الشيوعية: فلقد مر بنا شيء من سيرة أرباب الشيوعية وأساطينها، وما كانوا عليه من الشذوذ والفساد، والتسلط والطغيان، فكم هدموا من فضائل، وكم أقاموا من شرور ورذائل، حتى هبطوا بالبشرية إلى أسفل سافلين، فَشَقُوا وأَشْقَوا، وضلوا وأضلوا؛ فماذا يرجى من مذهب هؤلاء أربابه ومُنَظِّروه؟
ثم إن أكبر الدلائل على رشد الرشيد، وسفه السفيه تصرفاتُه، ونتائج أعماله.
وهذه آثار الشيوعيين تدل عليهم؛ فأين سير هؤلاء من سير الأنبياء ﵈ وأتباعهم؛ حيث هَدَوا البشرية إلى كل عقيدة صالحة، وإلى كل خلق جميل، ونهوا عن ضد ذلك؛ فانتشرت الرحمة، وعم الصلاح بسبب ما جاؤوا به، بعكس الشيوعيين تماماً بتمام.
٩ - كثرة الخلافات بين الشيوعيين: سواء بين أرباب الشيوعية أو بين دول المعسكر الشيوعي، مما يدل على بطلانها، وزيفها وقد مر شيء من ذلك فيما سبق.
١٠ - رجوع كثير من كتاب الشيوعية عنها، واعترافهم ببطلانها: ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في كتاب (الصنم الذي (٢) هوى) ذلك الكتاب الذي اجتمع على تأليفه - دون موعد - ستة من كبار كتاب الغرب، آمنوا بالشيوعية، ثم نفضوا أيديهم منها يوم أن انكشفت لهم حقيقتها.
وإليك نماذج من بعض ما قالوه عن الشيوعية:
أ - يقول آرثر كستلر - بعد تجربته مع الشيوعية ودخوله فيها بعد خروجه من السجن -: إن الدرس الذي يتعلم الإنسان من خبرة كهذه لا يكاد الإنسان يضعه في كلمات حتى يبدوا أمراً عادياً؛ لقد تعلمت أن الإنسان هو الحقيقة، أما الإنسانية فتجريد، وأن الناس لا يمكن أن يعاملوا على أنهم وحدات في عملية حساب سياسية؛ لأنهم يتصرفون كرموز الصفر، واللانهائي التي تعطل كل العمليات الرياضية، وأن الغاية لا تبرر الواسطة إلا في حدود ضيقة إلى أبعد الحدود، وأن علم الأخلاق ليس شيئاً تابعاً للمنفعة الاجتماعية، وأن البر ليس عاطفة بورجوازية تافهة، بل هو القوة الجاذبة التي تمسك المدنية في مدارها. لقد كان كل ما تعلمته يتناقض مع العقيدة الشيوعية التي آمنت بها. (٣).ب - ويقول لويس فيشر (٤) بعد تجربته مع الشيوعية: إن تأييدي السابق للنظام السوفيتي قادني إلى خطأ آخر حين ظننت أن نظاماً يقوم على قاعدة (الغاية تبرر الواسطة) يمكن أن يخلق عالماً أفضل، أو إنساناً أفضل؛ إن الواسطة الفاجرة لا تؤدي إلا إلى غاية فاجرة، وأفرادٍ فجرة سواء في النظام البلشفي أو الرأسمالي. إلى أن قال: إن الدكتاتورية ترتكز على نهر من الدماء، وبحر من الدموع، وعالم من الآلام.
وكلها نتائج لوسائلها القاسية؛ فكيف تستطيع - إذن - أن تجلب الفرح، أو الحرية، أو السلام الداخلي أو الخارجي؟
стр. 739
كيف يمكن للخوف، والسطوة، والأكاذيب والبؤس أن تخلق إنساناً أفضل. إن السنوات التي قضيتها مؤيداً للنظام السوفيتي علمتني أنه لاينبغي لرجل يحب البشرية ويحب السلام أن يؤيد الدكتاتورية. (١).ج - وهذا ستيفن (٢) سبندر يقول بعد انفصاله عن الحزب الشيوعي: إن الشيوعية هي الإيمان بأن في الإمكان تغيير المجتمع عن طريق تحويل الرجال إلى آلات تقوم هي بتغيير المجتمع (٣). وهكذا يتبين لنا بطلان الشيوعية جملة وتفصيلاً.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٤٥
رد مزاعمهم في الملكية الفردية
أما زعمهم أن الملكية الفردية ليست فطرية في الإنسان، فقد كابروا عقولهم وتعسفوا حين زعموا أنها لم تكن قضية فطرية في النفوس وإنما وجدت بعد أن عرف الإنسان كيفية الزراعة واستجلاب كثرة الدخل للفرد وما تلا الزراعة من قيام الصناعات وزيادة الدخل محتجين على هذا السخف بأن الشيوعيين الأوائل ما كانوا يعرفون الملكية الفردية وكانوا في أسعد حال فإن هذا الدليل رغم مصادمته للواقع وللفطر السليمة رغم ذلك وغيره هو قول بلا علم وتخرص بلا دليل، والإسلام يذكر أن الله علم آدم كل شيء حتى علمه كيف يزرع وكيف يحصد فأي زمن كان الناس – حسب زعم الملاحدة – لا يعرفون الزراعة ولا العمل؟
وهذا ما أفادته الشريعة الإسلامية بل وسائر الأديان عن طبيعة البشر منذ وجودهم وأقرته ولم تلغه لأن الحياة لا تستقيم بدون النزعة إلى الملكية الفردية وحب التملك سنة الحياة الدنيا فمن خالف هذه السنة وزعم أن الناس لابد أن يكونوا في حال لا يملك فيه الشخص أي شيء لنفسه – كما تقضي بذلك التعاليم الشيوعية – فلا شك أن مصيره الفشل وهو ما حصل بالفعل حينما أقدم الثوار الشيوعيون الأوائل على تطبيقه فرؤوا بأعينهم هبوط أحوالهم الاقتصادية وكساد حركاتهم المعيشية مما جعلهم يضطرون صاغرين إلى الاعتراف بالملكية الفردية لو في أضيق نطاق لكن له دلالته على وجود نزعة الإنسان في حب التملك الفردي وأن القول بعدم وجود تلك النزعة إنما هو مكابرة وضيق فكري.
فكان من أهم أسباب تراجع أقطاب الشيوعية عن تأميم الملكيات كلها هو ما لاحظوه من تردي الإنتاج الزراعي ومعرفتهم أن سبب ذلك إنما يعود إلى ضعف الحوافز على العمل وعدم تمكن الحكام من دقة معرفة المقصر من غيره في المجال الزراعي الذي تصعب مراقبته إلى حد كبير بخلاف المجال الصناعي الذي تم إخضاعه بدقة للملاحظة والمراقبة الصارمة بحيث يعهد لكل شخص بمهمة خاصة في العمل فإذا حصل خلل في أي قطعة من الصناعة عرف صاحبها فورا ونال عقابه الذي لا يعرف الرحمة بخلاف العامل الزراعي الذي أفلت من هذه المراقبة الصارمة فكانت النتيجة أن أخذت الدول الشيوعية تتكفف الدول الغربية القمح والحبوب وزعموا أن ذلك النقص في الجانب الزراعي إنما كان بسب الآفات الزراعية، ولكن الحل الذي عالجوا به تلك الآفات يفصح عن السبب الحقيقي حيث سمحوا بعد فوات الأوان بإتاحة الملكية الفردية لقسم من المحصول الزراعي يمتلكه المزارع تشجيعا لزيادة الإنتاج ولنشاط المزارعين وهو دليل واضح على فشل نظام منع الملكية الفردية وأنه أشد الآفات.
رد مزاعمهم في نشأة الصراع الطبقي
أما زعمهم أن الصراع الطبقي لم يكن له أي سبب غير معرفة الإنسان للزراعة والصناعة فهذا قول بالتخمين وهو أكذب الكذب ولن يجد القائلون به أي دليل لأنهم ادعوا شيئا هو أقدم منهم.
стр. 740
كما أن هذا الأمر ليس هو السبب الوحيد للصراع بين الناس، وإنما هو واحد من عدة أسباب لا تكاد تحصر. كما أن هذا السبب قد يوجد في بعض المجتمعات وقد لا يوجد فليس هو أمر حتمي كما يدعي الملاحدة.
ومن السذاجة والجهل القول بأن الملكية الفردية نشأت عن ظهور الصناعة والزراعة وأنها ليست فطرية في نفوس الناس بل وفي نفوس الحيوانات فإن الملكية الزراعية نفسها لم تقم إلا بسبب النزعة الملكية فردية كانت أو جماعية وإلا لما قامت الزراعة ولما عرف الإنسان طريقه إلى الجمع والادخار بين مقل ومكثر وبخيل وكريم.
وأما زعمهم أن الإنسان منذ أن تركوا الشيوعية الأولى وهم في صراع طبقي مرير وأن ذلك سيستمر حتى يرجع الناس إلى الشيوعية الأولى وذلك بترك الملكية الفردية وتساوي الناس في كل شيء بزوال الطبقات التي أحدثتها الملكية الفردية وتكدس رؤوس الأموال في فئة دون فئة يقال لهم هل يتحقق ذلك في عالم الواقع، وهل يمكن أن يتساوى الناس وتزول الطبقات خصوصا في ظل النظم الجاهلية، وهل يمكن أن تتحقق هذه الأحلام البراقة في يوم من الأيام. إنها مجرد أوهام وخيالات لأن الحياة لا تقبلها ولا تنتظم بها.
إن نظام الطبقات واستعلاء بعض الطبقات على البعض الآخر والظلم والحرمان واستعباد القوي للضعيف كلها إنما توجدها النظم الجاهلية كما حدث بالفعل على مسار تاريخ البشرية، فالمجتمع في العهد الهندوسي مقسم إلى طبقات هي البراهما والكاشتريا والشودري وأقسام فرعية أخرى كثيرة.
وفي أوروبا عاش الناس طبقات متفاوتة أشد تفاوت: طبقة تسمى طبقة السادة، وأخرى تسمى طبقة العبيد وقد تمثلت هذه الأحوال السيئة الجاهلية في عهد الرق.
أما في عهد الإقطاع فكان الناس ثلاث طبقات رئيسة هي طبقة الأشراف أمراء الإقطاع، وطبقة رجال الدين، وطبقة الشعب "المغلوبين على أمرهم".
أما في عهد الرأسمالية فإن نظام الطبقات على أشده أيضا. طبقة تسمى طبقة أصحاب رؤوس الأموال وطبقة أخرى تسمى طبقة العمال "ناس في الثريا وناس في الثرى" وهكذا الحال في عهد الديمقراطية التي تظاهرت بأن الشعب هو صاحب السلطة فقد كان الصحيح هو أن الشعب لا يزال هو المستضعف المقهور وصاحب المال هو السيد الحاكم وهي نفس الكذبة التي كان يرددها الشيوعيون من أن طبقة البروليتاريا الكادحة هي التي ستملك وتحكم حينما تطبق الشيوعية وحينما تقضي طبقة البروليتاريا على جميع الطبقات المناوئة لها في صراع ثورة محتدم هذا هو حكم الجاهلية وشريعتها، ولكن حكم الله هو خلاف هذا.
حكم الله أن المجتمع سيكون فيه أغنياء وفقراء ملكية فردية وملكية جماعية الأغنياء مؤتمنون على المال وللفقراء نصيب في ذلك المال، والكل عبيد لله تعالى لا طبقات ولا كبرياء يتنقل المال من يد إلى يد ومن شخص إلى آخر وقد يصبح الغني فقيرا وقد يصبح الفقير غنيا حسب تصريف الله للأمور ومعنى هذا أن المال في الإسلام ليس منحصرا في طبقة من الناس دون أخرى ولا في فئة من المجتمع بخصوصهم حتى وإن كانت تلك الفئة هم الحكام فإن الإسلام لا يعطي الحاكم حرية التملك كما يهوى بل شأنه شأن غيره غير ما يأخذه في مقابل جلوسه للحكم بين الناس ومن هنا نجد أن حكام الدولة الإسلامية في نشأتها كان الحاكم لا يتمتع بأي امتيازات مالية ولهذا كان الحكام يعتبرون تحمل المسؤولية أمانة عظيمة وخطرا جسيما لا فوزا كما يسميه الناس اليوم.
стр. 741
وينبغي التنبيه إلى أنه إذا وجد نزاع بين المسلمين فإنه لا يكون من أجل إسقاط طبقة لطبقة أخرى أو علو فئة على أخرى وإنما يكون ذلك في الغالب من أجل الوصول إلى الحق وإلى دفع الخطأ والخطر عن الناس وهذا أمر طبيعي فلا يجوز أن يفسر على أنه صراع طبقي كما يفسره الملاحدة حسب نظرياتهم المادية.
وقد يكون النزاع إما أمر بمعروف أو نهي عن منكر وليس هو من قبيل الحرب الاقتصادية أو بسبب الملكية الفردية أو الجماعية كما يزعم الملاحدة أو أنه حرب طبقات. ومن أقوى ما يدل على كذب الملاحدة في زعمهم أن نزع الملكية الفردية ينهي الصراعات ويؤلف القلوب ويساوي بين طبقات المجتمع كلهم فيعيشون عيشة ملائكية من أقوى ما يدل على كذبهم هذه الصراعات التي لا نهاية لها بين مختلف معسكرات الشيوعية. مع أن الملكية الفردية لا وجود لها في دستورهم فلماذا إذن هذه الصراعات وعلى أي شيء؟ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ [فاطر:٤٣] (١).
كما أن زعمهم أن الصراع هذا لا يزول إلا بزوال الملكية الفردية كلام كاذب فإن الصراع باق والملكية الفردية كذلك لن تزول من نفوس الناس والدليل على ذلك أن الصراع لم ينته مع وجود القمع الشديد للملكية الفردية في البلاد الماركسية، بل إن الصراع لا يمكن أن ينتهي ليس بين الناس فحسب بل والحيوانات كلها.
وقد عاش الناس في ظل النظام الشيوعي حقبة من الزمن وهم ينتظرون تلك الجنة التي وعد بها "ماركس" بعد أن وضعت الحرب الطبقية أوزارها وبعد أن قضى النظام الماركسي على الملكية الفردية بكل وحشية عرفتها البشرية وهم ينتظرون ذلك اليوم الذي يزول فيه الصراع الطبقي بكل أشكاله فلا يبقى صراع ولا أحقاد ولا حاكم ولا جيش ولا سجون يعيشون كالخراف الأليفة ولكن ماذا كانت نتيجة هذه السخافة؟ لقد عاش المجتمع الشيوعي صراعا طبقيا مريرا سواء أكان على مستوى الأفراد أو على مستوى الدولة إلى أن هدأت عاصفة الشيوعية وكيف لا يحصل صراع بين جماعات قامت في الأساس على الصراع بل وعلى مشروعيته وضروريته لقيام حكم البروليتاريا بزعمهم حتى أصبح الصراع والثورات والقتل والاغتيال من أسس بناء الماركسية دون أن تظهر أدنى إشارة إلى تلك الجنة المزعومة الماركسية، ومثل هذه الكذبة وقعت أيضا الكذبة الأخرى وهي القول بأن الناس كلهم سيعيشون حياتهم في مستوى واحد وعلى طبقة واحدة بلا تفاضل بينهم عندما تكتمل الشيوعية وتطبق وفق ما قرره اليهودي "ماركس" عدو الجوييم – حسب تسمية اليهود لهم – وإذا سألت عن سر بقاء الحكومة في البلاد الشيوعية فإن جوابهم: إن هذه الحكومات القائمة إنما هي حكومات مؤقتة وستنتهي بانتصار الشيوعية على كل الأنظمة المناوئة لها (٢).
لأن الناس حينئذ سيعيشون دون مشكلات ولا صراع يتطلب تدخل قوة عليا ولا فقر يسبب المشكلات ولأن الناس حينئذ يكونون على مستوى رفيع في الأخلاق والسلوك الطيب والرقابة الذاتية التي هي أقوى من الرقابة الخارجية ولا ملكية فردية تسبب الخصومات والاستئثار بالمال والرغبة في جمعه. هكذا زعم الملاحدة ولكن السؤال المهم هو هل ستتحقق هذه الأحلام السخيفة في يوم من الأيام، أو هل تحققت في يوم من الأيام بالدليل المقنع (٣)، أم أنها خدع كاذبة وتضليل أو أفيون للشعوب المغلوبة على أمرها كما هو الواقع.
стр. 742
إن الإسلام يعتبر الفكر الماركسي في ناحيته الاقتصادية فكرا فاشلا مخالفا للعقل والفطرة السليمة وأنه قام على نظريات جاهلية أخطأت الطريق الصحيح للاقتصاد النافع وبدلا من أن توجه جهود المجتمع لمساعدة بعضهم بعضا إذا بها تحرم الملكية الفردية وتشمل مكامن البغضاء وتثير الصراعات الطبقية بحجة سخيفة وهي لترتفع الطبقة الكادحة بزعمهم ولكي لا تتكدس الأموال في ناحية دون أخرى وعند قوم دون آخرين وكل ذلك ليس هو الحل الصحيح ولا الحل الذي تستقيم به الحياة وتسعد الشعوب به فهو مرفوض جملة وتفصيلا ويعتبره الإسلام تدخلا فيما لا ينبغي للبشر سلوكه فالناس كلهم عبيد لله في الإسلام والمال مال الله والرزق بيد الله يؤتيه من يشاء لا يجره حرص حريص ولا ترده كراهية كاره. فالملكية الفردية حق اقتضته الفطرة والضرورة لصلاح الأحوال وعلى الجميع أن يعضد بعضهم بعضا بالتي هي أحسن فلا صراع ولا بغي ولا عدوان، ولم يجعل الإسلام للشخص مطلق الحرية في أمواله ينفقها بإسراف أو يمسكها كما يحلو له، بل هو محاسب عليها ومسؤول عنها وعليه حقوق فيها يجب أن يؤديها وإذا كان في الأغنياء من طغى وتجبر فهؤلاء لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا وسينالون جزاءهم ولا يبرر فعلهم محاربة الملكية الفردية أو قيام الصراع الطبقي بين المجتمعات كما أن في أولئك التجار من اتصف بالعطف والتسامح ومساعدة المحتاجين دون منة ولا أذى والحكم على طبقة الأغنياء بأنهم احتكاريون وانتهازيون وأنهم هم العقبة الكؤود في طريق غنى الفقراء وارتفاع معيشتهم إن هي إلا خرافات سخيفة وأوهام باطلة وقد دلت التجارب الشيوعية على فشل هذه الفكرة الخاطئة حين أفقرت الأغنياء وأتعست الفقراء وملئت القلوب حقدا وغضبا وأتعست الحالة الاقتصادية ونشب الصراع الطبقي على أشده دون رحمة، وفي التاريخ الإسلامي أمثلة مشرفة للمجتمع حينما تصفوا القلوب وتزول البغضاء فقد كان في الصحابة رضوان الله عليهم أغنياء وفيهم فقراء. وكان أحدهم يقول لصاحبه عندي زوجتين انظر أعجبهما إليك فأطلقها وتتزوجها وعندي من الضياع كذا وكذا أتنازل لك عن نصفها فيقول له الصحابي الفقير المهاجر بارك الله لك في مالك وأهلك دلني على السوق فيذهب ويعمل ويرزقه الله تعالى وكان فيهم من يملك الأموال الكثيرة مثل عبد الرحمن بن عوف ﵁ ولم ينقم عليه أحد فيها وقد أنفق عثمان ﵁ ألف بعير في سبيل الله وغير ذلك من الأمثلة المشرقة التي قام عليها الإسلام بعيدا عن الصراعات الطبقية البغيضة، ذلك أن الإسلام يعالج المشلكة القائمة دون النظر إلى أسبابها كما أنه يأتي بالحلول التي لا مضرة فيها على أحد إذ لا ضرر ولا ضرار، بينما الشيوعية الحمراء عالجت المصائب بمصائب أفدح منها.
داويت متؤدا وداووا طفرة وأخف من بعض الدواء الداء مع إن ما أقدمت عليه الشيوعية في الأحوال الاقتصادية ليس فيه أي دواء، بل هو الداء بعينه وهو الذي خنق الحريات، فالسجون مملوءة والجواسيس منتشرون والمجاعة فاشية. إنه سجن كبير وقبضة حديدية فالشعوب غاضبة ولكن الويل لمن تفوه بكلمة نقد، وأين هذا السلوك من حرية الإسلام التي "كان الرجل يقول لمعاوية: "والله لتستقيمن بنا يا معاوية أو لنقومنك فيقول بماذا؟ فيقولون بالخشب (١)، فيقول: إذا أستقيم" (٢).
стр. 743
فأي طاغوت من طواغيت الحكم في النظم الجاهلية يتحمل ما هو أدنى من هذا الكلام؟
وما يزعمون من أن الطبقات القوية هي التي تحكم وتشرع لبقية الطبقات وتستعبدها. هذا صحيح ولكنه لا يوجد إلا في النظم الجاهلية الذين يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله والذين يصبح الظلم عندهم من شيم النفوس، فإن وجد ذا عفة فلعله لا يظلم كما عبر ذلك أحد الشعراء الجاهليين قديما ولكن هل هذه هي الحقيقة التي لابد منها أو الخيار الذي لا آخر سواه؟ كلا. بل هناك عقيدة فيها الحل الصحيح دون المرور بتلك الطرق الظالمة المظلمة إنها العقيدة الإسلامية التي تجعل صاحب المال والفقير أخوة متساوين متضامنين. الله رب الجميع وحكمه ينفذ في الجميع، لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وليس هناك طبقات هم السادة الحاكمون المالكون وطبقات هم العبيد المستذلون إلا في النظم الجاهلية التي لا تقيم للإنسان وزنا إلا من خلال ما يملك من المال والجاه فيبدو المال بهذه الصورة هو السبب في الظلم والطغيان بينما الواقع الصحيح هو خلاف ذلك فإن المال والملكية الفردية من الظلم أن يحملا طغيان المنحرفين "ولا تزر وازرة وزر أخرى".
إن الذي يطغيه المال وتطغيه الملكية الفردية هو شخص منحرف في الأساس فاسد الطباع سواء كان له مال أو لم يكن له مال ذلك أن المستقيم على الحق القائم بأمر الله لا يطغيه المال وإنما يستعمله في أعمال الخير ووجوه البر المختلفة مراقبا فيه ربه متيقنا أن المال ظل زائل وعارية مستردة وأن الدنيا شدة بعد رخاء ورخاء بعد شدة.
أما مفهوم المساواة في الأجور في النظام الشيوعي الذي زعمت الماركسية أنه مكفول للجميع فقد حملهم على القول به ما زعموه من أن البشرية كانوا في أصل نشأتهم يعيشون عليه متساوين كلهم في الحقوق بلا ملكية فردية الكل للجميع في المأكل والملبس والمسكن والنساء لا فرق بين شخص وآخر، حتى جاءت الرأسمالية والملكية الفردية فقلبت تلك الأوضاع التي تريد الشيوعية إرجاعهم إليها مرة أخرى، وهذا لا يتحقق إلا بوضع الدولة يدها على كل وسائل الإنتاج والعمل ومن ثم يأخذ كل شخص ما يستحقه من قبل الدولة، وهذه الدعاية جذابة في ظاهرها. ولكن هل تحققت فعلا في النظام الشيوعي فأعادت إليهم سعادتهم التي كانت في الشيوعية الأولى بزعمهم؟!!، وهل ساوت بين العمال فعلا فلم يعد هناك تمايز بين شخص وآخر وحاكم ومحكوم؟!!.
لاشك أن الواقع الذي انجلت عنه الشيوعية بعد اندحارها يكذب كل تلك الدعايات ويخبر أن الشيوعية إنما نجحت في مساواة الناس كلهم في الفقر والحاجة وليس في الغنى والسعادة لأنه لا يوجد أي حافز يجده الشخص حتى يبذل أقصى جهده في العمل ليجده مستقرا في يد الدولة التي لا تعطيه إلا بقدر حاجته الضرورية. وما الذي ينفعه أن يقال له إن جهدك وعملك حينما يذهب إلى الدولة إنما هو إسهام منك في تقوية الدولة لتتمكن من إظهار الشيوعية ولتقمع أعداءها إن فكروا في الاعتداء عليها. ما الذي ينفعه حين يقال له إنك بذلك الجهد في العمل مع أنك لا تأخذ إلا ما يكفي حاجتك الضرورية دليل على سلوكك الطيب وأنك غير جشع كالرأسمالي الغربي وأنك مواطن طيب، وما الذي تنفعه وعود الملاحدة بأنه سيعيش في جنة عالية بعد أن تتمكن الشيوعية من بسط نفوذها على كل الأرض وكيف تقتنع نفسه بهذه الحالة البائسة التي يعيشها في الوقت الذي يرى فيه وجهاء القوم وأصحاب السلطة يعيشون في ترف لا حد له. مساكن فاخرة وسيارات فارهة وبساتين نضرة وخدما وحشما. وهم يتظاهرون بالدفاع عن الطبقة الكادحة وبنضال الرأسمالية.
стр. 744
إن كل ذلك يدعو الشخص إن كان له عقل إلى القلق والاضطراب والثورة على تلك الأوضاع ومجازاة من كان السبب فيها وهو ما حصل بالفعل في الثورات المتتالية التي تمت في عهد "جورباتشوف" على الشيوعية ونظامها البغيض وإطاحتهم بأولئك الخبثاء والقضاء عليهم بكل شدة في كل البلدان التي تنفست الصعداء من الكابوس الماركسي وهكذا نجد أن زعمهم المساواة في الأجور إنما هو المساواة في الفقر وليس في الأجور.
تعقيب:
وفي الختام يتضح لنا مما سبقت دراسته أن الأسس التي تقوم عليها الاشتراكية الشيوعية هي:
١ - إلغاء الملكية الفردية واستبدالها بالملكية العامة المتمثلة في الطبقة الحاكمة للوصول إلى إلغاء الصراع الطبقي من المجتمع البشري بإلغاء الباعث عليه وهو الملكية الفردية.
٢ - توزيع الناتج على الأفراد كل بحسب مساهمته في الإنتاج وحاجته وهو المبدأ الذي يعبرون عنه بقولهم "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته".
٣ - الإشباع الجماعي للحاجات وليس الربح وهو مبدأ "المساواة في الأجور".
٤ - التخطيط للنمو الاقتصادي. وكفالة الدولة لجميع المواطنين في مقابل تكليف القادرين منهم بالعمل رجالا ونساء.
٥ - القضاء على الحرية الفردية.
٦ - إلغاء الكثير من العلاقات الاجتماعية المتوارثة، كالإرث والهبة، بل وإلغاء كافة الطبقات بإقامة دكتاتورية البروليتاريا – الطبقة الكادحة -.
٧ - إنكار الدين ومحاربته.
٨ - إلغاء الحكومة في المستقبل وإقامة مجتمع متعاون متعاطف بغير حكومة "حكم الشعب نفسه بنفسه".
هذه أهم الأسس التي قامت عليها الثورة الاشتراكية الشيوعية ولكن جاءت النتائج في التطبيق الفعلي لتلك الأسس على النحو الآتي بالإضافة إلى ما سبق بيانه:
١ - إنعدام الحرية الاقتصادية الفردية.
٢ - إنعدام الحافز الفردي.
٣ - عدم تجويزهم الملكية الفردية.
٤ - حكم الشعوب بالحديد والنار.
٥ - فشل مبادئ الاشتراكية فشلا ذريعا.
٦ - محاربتها للأديان متأثرة بالعداء للدين النصراني. ظهور الكثير من المفاسد الاجتماعية كالرشوة والغبن واللاأخلاقية كتفشي الرذائل بكل صورها وأشكالها (١).
والسر في ذلك أن المذهب الشيوعي ليس قاصرا فقط على الناحية الاقتصادية كما يذكر عنه. بل هو مذهب شامل لجميع النواحي عقدية كانت أو مادية كما هو حال الشيوعية حقيقة. فمن تصور أن الشيوعية مذهب اقتصادي بحت لا شأن له ببقية الأمور العقدية والتنظيمية فهو مخطئ خدعة زعم الملاحدة هؤلاء أن أصل كل الحياة بأنظمتها ومعتقداتها وجميع شؤون الإنسانية إنما كان أصلها المادة هو زعم كاذب بنوا عليه النظرية الشيوعية التي جعلوا واجهتها الكبيرة التركيز فقط على الناحية الاقتصادية خداعا للناس ونفاقا فإن أول ما يبطل هذا الزعم هو أن يقال لهم: إذا كانت الشيوعية لا شأن لها إلا بإصلاح الأمور الاقتصادية فقط فما بال الاضطهاد الديني هو الشاغل الأول لدول الشيوعية؟!!، ولماذا كثرت الضحايا التي لا يعلمها إلا الله في سبيل إعلاء العقيدة الشيوعية؟!!، فلقد كان الجانب الاقتصادي في الشيوعية هو أقل الجوانب أهمية، بل لا يكاد يقارن بما توليه الشيوعية من اهتمام بالجوانب العقدية الفكرية.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٢١٢
стр. 745
تاسع عشر: موقف الشيوعية من الإسلام
مرَّ بنا أن الشيوعية تحارب الدين، وتعده مخدراً للشعوب، ومانعاً من التقدم.
ومر بنا أن من أسباب قيام الماركسية طغيان الكنيسة النصرانية.
فموقف الماركسية من الدين النصراني المحرف وأنه يقف في طريق العلم والتقدم - له حظه من الصحة والواقعية.
أما موقفها من الدين الصحيح وهو الإسلام، ومحاربتها له، وزعمها أنه ينطبق عليه ما ينطبق على غيره من سائر الأديان - فذلك بهتان عظيم، وافتراء مبين؛ إذ لابد للشيوعية أن تنظر إلى مبادئ الإسلام، وعقائده، ومناهجه، وتكافله، وما يؤديه للبشرية من خير وفلاح.
فالذي دفع الشيوعيين إلى ذلك الموقف من الإسلام هو الجهلُ بالإسلام، والكيد له، والتَرَبُّصُ بأهله.
إن الماركسية لا تعرف عن الإسلام إلا أنه ذلك السد المنيع الذي يقف في طريق انتشارها، ويحول بين الناس وبين اعتناقها.
لا يفعل الإسلام ذلك بالدعايات المضللة، أو الشعارات الزائفة كما تفعل الماركسية.
وإنما بقواعده المحكمة، وعقائده الصحيحة الواضحة، وبنظامه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المتفرد في كل شيء، المتلائم مع النفس البشرية، ومع الجماعة الإنسانية في كل زمان ومكان؛ لأنه الدين الحق الذي ارتضاه رب العباد للعباد أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤].
من أجل ذلك حاربت الشيوعية الإسلام حرباً لا هوادة فيها، وأطلقت على منهجه الشائعات الباطلة، والأراجيف المضللة، واتهمت أصحابه بالتخلف والجمود.
ولم تقتصر المعركة على ذلك فحسب، بل قام جيشها الأحمر بحملات متتالية، وضربات موجعة متتابعة على المسلمين.
ولكنه لم يحرز نصراً، ولم يعد بغنيمة كبيرة، مما جعل مولوتوف - أحد زعماء الشيوعية - يقول: لن تنتشر الشيوعية في الشرق إلا إذا أبعدنا أهله عن تلك الحجارة التي يعبدونها في الحجاز، وإلا إذا قضينا على الإسلام (١).
ومن هنا جاء الكيد العظيم، والمكر الكبار بالإسلام من قبل الشيوعية، فوضعت الخطط الرهيبة المحكمة؛ لإبعاد الإسلام عن مجال التوجيه والإدارة؛ ليتسنى للشيوعيين تحقيق ما يريدون.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٠٥
стр. 746
عشرون: طرق الشيوعيين في محاربة الإسلام
لقد أدرك الشيوعيون أن للإسلام أثراً عجيباً في نفوس أهله؛ وأنه من الصعوبة بمكان أن يتخلوا عنه، أو أن يرضوا به بدلاً.
كما أدركوا أن قوة الإسلام كامنة فيه، وفي ملاءمته للفطر القويمة، والعقول السليمة. تقول إحدى الوثائق الصادرة من جهات رسمية في الاتحاد السوفيتي (١): برغم مرور خمسين سنة تقريباً على الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وبرغم الضربات العنيفة التي وجهتها أضخم قوة اشتراكية في العالم إلى الإسلام - فإن الرفاق الذين يراقبون حركة الدين في الاتحاد السوفيتي صرحوا -كما تذكر مجلة (العلم والدين) الروسية في عددها الصادر في أول كانون الثاني من سنة ١٩٦١م- بما نصه:
إننا نواجه في الاتحاد السوفييتي تحديات داخلية في المناطق الإسلامية، وكأن مبادئ لينين لم تتشرَّبْها دماء المسلمين.
وبرغم القوى اليقظة التي تحارب الدين - فإن الإسلام ما يزال يرسل إشعاعاً، وما يزال يتفجر قوة، بدليل أن ملايين من الجيل الجديد في المناطق الإسلامية يعتنقون الإسلام، ويجاهرون بتعاليمه.
ولهذا جاء في الوثيقة المذكورة بيان للبنود التي يجب على الشيوعيين محاربة الإسلام من خلالها، مع ما حورب به الإسلام من ذي قبل، ومع الحرب الضروس بالحديد والنار التي اصطلى بها المسلمون منذ قيام الشيوعية، مما سيأتي الحديث عنه في المبحث الثاني. ومما جاء في تلك الوثيقة ما يلي (٢):
١ - مهادنة الإسلام؛ لتتم الغلبة عليه، والمهادنة لأَجَل؛ حتى نضمن السيطرة، ونجتذب الشعوب العربية للاشتراكية.
٢ - تشويه سمعة رجال الدين، والحكام المتدينين، واتهامهم بالعمالة للاستعمار والصهيونية.
٣ - تعميم دراسة الاشتراكية في جميع المعاهد، والكليات، والمدارس في جميع المراحل، ومزاحمة الإسلام ومحاصرته؛ حتى لا يصبح قوة تهدد الاشتراكية.
٤ - الحيلولة دون قيام حركات دينية في البلاد مهما كان شأنها ضعيفاً، والعمل الدائم بيقظة لمحو أي انبعاث ديني، والضرب بعنف لا رحمة فيه لكل من يدعو إلى الدين ولو أدى إلى الموت.
٥ - ومع هذا لا يغيب عنا أن للدين دوره الخطير في بناء المجتمعات؛ ولذا وجب أن نحاصره من كل الجهات، وفي كل مكان، وإلصاق التهم به، وتنفير الناس منه بالأسلوب الذي لا ينم عن معاداة الإسلام.
٦ - تشجيع الكُتَّاب الملحدين، وإعطاؤهم الحرية كلها في مواجهة الدين، والشعور الديني، والضمير الديني، والعبقرية الدينية، والتركيز في الأذهان على أن الإسلام انتهى عصره - وهذا هو الواقع - ولم يبق منه اليوم إلا العبادات الشكلية التي هي الصوم، والصلاة، والحج، وعقود الزواج، والطلاق، وستخضع هذه العقود للنظم الاشتراكية.
أما الصوم والصلاة فلا أثر لهما في الحياة الواقعية، ولا خطر منهما.
وأما الحج فمقيد بظروف الدولة، ويمكن استخدام الحج في نشر الدعوة إلى الاشتراكية بين الحجاج القادمين من جميع الأقطار الإسلامية، والحصول على معلومات دقيقة عن تحركات الإسلام؛ لنستعد للقضاء عليه.
٧ - قطع الروابط الدينية بين الشعوب قطعاً تاماً وإحلال الرابطة الاشتراكية محل الرابطة الإسلامية التي هي أكبر خطر على اشتراكيتنا العلمية.
٨ - إن فصم روابط الدين ومحو الدين لا يتمان بهدم المساجد والكنائس؛ لأن الدين يكمن في الضمير، والمعابد مظهر من مظاهر الدين الخارجية، والمطلوب هو هدم الضمير الديني.
стр. 747
ولم يصبح صعباً هدم الدين في ضمير المؤمنين به بعد أن نجحنا في جعل السيطرة والحكم والسيادة للاشتراكية، ونجحنا في تعميم ما يهدم الدين من القصص، والمسرحيات، والمحاضرات، والصحف، والأخبار والمؤلفات التي تروج للإلحاد، وتدعو إليه، وتهزأ بالدين ورجاله، وتدعو للعلم وحده، وجعله الإله المسيطر.
٩ - مزاحمة الوعي الديني بالوعي العلمي، وطرد الوعي الديني بالوعي العلمي.
١٠ - خداع الجماهير بأن نزعم لهم أن المسيح اشتراكي، وإمام الاشتراكية؛ فهو فقير، ومن أسرة فقيرة، وأتباعه فقراء كادحون، ودعا إلى محاربة الأغنياء
وهذا يُمَكِّننا من استخدام المسيح نفسه لتثبيت الاشتراكية لدى المسيحيين.
ونقول عن محمد: إنه إمام الاشتراكيين؛ فهو فقير، وتَبِعَه فقراء، وحارب الأغنياء المحتكرين، والإقطاعيين، والمرابين، والرأسماليين وثار عليهم.
وعلى هذا النحو يجب أن نصور الأنبياء والرسل، ونبعد عنهم القداسات الروحية، والوحي، والمعجزات عنهم بقدر الإمكان؛ لنجعلهم بشراً عاديين؛ حتى يسهل علينا القضاء على الهالة التي أوجدوها لأنفسهم، وأوجدها لهم أتباعهم المهووسون.
١١ - إخضاع القصص القرآني لخدمة الشيوعية وذلك بتفسيرها تفسيراً مادياً تاريخياً.
فقصة يوسف - على سبيل المثال - وما فيها من جزئيات يمكن أن نفيد منها في تعبئة الشعور العام ضد الرأسماليين، والإقطاعيين، والنساء الشريفات، والحكام الرجعيين.
١٢ - إخضاع جميع القوى الدينية للنظام الاشتراكي، وتجريد هذه القوى تدريجياً من مُوجِداتها.
١٣ - إشغال الجماهير بالشعارات الاشتراكية.
١٤ - تحطيم القيم الدينية والروحية، واصطناع الخلل والعيوب لها.
١٥ - الهتاف الدائم ليل نهار، وصباح مساء بالثورة، وأنها هي المنقذ الأول والأخير للشعوب من حكامها الرجعيين، والهتاف للاشتراكية بأنها هي الجنة الموعود بها جماهير الشعوب الكادحة.
١٦ - هدم الدين باسم الدين، وذلك باتخاذ الإسلام أداة لهدم الإسلام نفسه.
ولا بأس من أداء الزعماء الاشتراكيين بعض الفرائض الدينية الجماعية؛ للتضليل والخداع على ألاَّ يطول زمن ذلك؛ لأن القوى الثورية يجب ألاَّ تُظهر غير ما تبطن إلا بقدر، ويجب أن تختصر الوقت والطريق؛ لتضرب ضربتها؛ فالثورة قبل كل شيء هدم للقيم والمواريث الدينية جميعها.
١٧ - الإعلان بأن الاشتراكيين يؤمنون بالدين الصحيح لا الدين الزائف الذي يعتنقه الناس لجهلهم، والدين الصحيح هو الاشتراكية.
١٨ - إلصاق كل عيوب الدراويش، وخطايا المنتسبين للدين بالدين نفسه؛ لإثبات أن الدين خرافة.
١٩ - تسمية الإسلام الذي تؤيده الاشتراكية لبلوغ مآربها وتحقيق غاياتها - بالدين الصحيح، والدين الثوري، والدين المتطور، ودين المستقبل؛ حتى يتم تجريد الإسلام الذي جاء به محمد من خصائصه ومعالمه، والاحتفاظ منه بالاسم فقط؛ لأن العرب إلا القليل منهم مسلمون بطبيعتهم؛ فليكونوا الآن مسلمين اسماً، اشتراكيين فعلاً؛ حتى يذوب الدين لفظاً كما ذاب معنى.
٢٠ - باسم تصحيح المفاهيم الإسلامية، وتنقية الدين من الشوائب، وتحت ستار الإسلام يتم القضاء عليه بأن نستبدل به الاشتراكية.
هذا بعض ما جاء في تلك الوثيقة، وهو يمثل شيئاً من أساليب الشيوعية في محاربة الإسلام.
ومما قاموا به من أساليب في حرب الإسلام - دعايتهم ضد الإسلام عبر المحاضرات والكتب؛ فلقد أنشأ الشيوعيون اتحاداً سموه (اتحاد من لا إله لهم)، وبعد الحرب (جمعية نشر المعلومات السياسية) ومعظم عملها محاربة الإسلام.
ففي الفرع القازاني نظمت الجمعية سنة ١٩٤٦ - ١٩٤٨م ما يقارب ٣٠٥٢٨ محاضرة، منها ٢٣٠٠٠ محاضرة ضد الإسلام.
وفي أوزبكستان سنة ١٩٥١م نظمت أكثر من ١٠٠٠٠ محاضرة ضد الإسلام.
وفي تركمانستان سنة ١٩٦٣م أكثر من ٥٠٠٠ محاضرة ضد الإسلام.
وطبعت من الكتب ما بين سنة ١٩٥٥ - ١٩٥٧م ٨٤ كتاباً في ٨٠٠٠٠٠ نسخة ضد الإسلام. وطبعت من الكتب ما بين سنة ١٩٦٢ - ١٩٦٤م ٢١٩ كتاباً ونشرة ضد الإسلام، وموجهة للمسلمين (١).
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٠٨
стр. 748
واحد وعشرون: أعمال الشيوعيين ضد المسلمين
بعد نجاح الثورة الماركسية البلشفية في روسيا، وقبل أن يستتب الأمر تماماً للشيوعيين - أرادوا استمالة المسلمين في البلاد، واستثارتهم ضد الحكم القيصري الذي كان يضطهدهم ويعتدي على حرماتهم؛ وذلك من أجل أن يساند المسلمون الشيوعيين الثائرين ضد المعارضة النصرانية الموالية للحكم السابق؛ فأصدر مجلس فوميسيري البلشفي نداءاً موجهاً للمسلمين سنة ١٩١٧م جاء فيه: إن إمبراطورية السلب، والعنف، والرأسمالية توشك أن تنهار، والأرض التي تستند عليها أقدام اللصوص الاستعماريين تشتعل ناراً.
وفي وجه هذه الأحداث الجسام نتجه بأنظارنا إليكم أنتم يا مسلمي روسيا، والشرق، أنتم يا من تَشْقَوْن وتكدحون، وعلى الرغم من ذلك تُحرمون من كل حق أنتم أهل له.
أيها المسلمون في روسيا، أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم، أيها الكرغيز والسارتيون في سيبيريا والتركمستان، أيها التتر والأتراك في القوقاز، أيها التشيشيين، أيها الجبليون في أنحاء القوقاز، أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم، وقبوركم، واعتدي على عقائدكم وعاداتكم، وداس القياصرة والطغاة الروس على مقدساتكم.
ستكون حرية عقائدكم، وعاداتكم، وحرية نظمكم القومية، ومنظماتكم الثقافية - مكفولة لكم منذ اليوم، لا يطغى عليها طاغٍ، ولا يعتدي عليها معتدٍ.
هُبُّوا إذاً فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم فأنتم أحرار لا يحول بينكم وبين ما تشتهون حائل، إن ذلك من حقكم إن كنتم فاعلين.
واعلموا أن حقوقكم شأنها شأن حقوق سائر أفراد الشعب الروسي، تحميها الثورة بكل ما أوتيت من عزم وقوة، وبكل ما يتوافر لها من وسائل: جند أشداء، ومجالس للعمال، ومندوبين عن الفلاحين. وإذاً فشدوا أزر هذه الثورة، وخذوا بساعد حكومتها الشرعية. (١).
إلى آخر ما جاء في ذلك النداء الخادع.
وما كان من المسلمين حين سمعوا ذلك النداء إلا أن أسرعوا يجمعون قواهم؛ فبادرت شعوب إسلامية كانت مستعمرة مضطهدة تحت الحكم الروسي القيصري فأعلنت استقلالها، واستعادت سيادتها على أرضها.
وقامت جمهوريات إسلامية عديدة، لكنها لم تكن شيوعية، ولم تكن خاضعة خضوعاً كلياً للشيوعيين الذين أقاموا الثورة في روسيا، وما كان باستطاعة هذه الدول - وهي ملتزمة بإسلامها وعقائدها ومفاهيمها الإسلامية - أن تتحول إلى الشيوعية؛ لأنها تتناقض مع الإسلام تناقضاً كلياً في جذورها الاعتقادية، وفي تطبيقاتها ونظمها.
ولم تمض فترة وجيزة حتى ثبَّت الشيوعيون أقدامهم، وأحكموا قبضتهم.
فلما تمكنوا، واستتب لهم الأمر - قلبوا ظهر المجن، وأسفروا عن حقيقتهم الكالحة، حيث توجهوا بجيشهم المعروف بالجيش الأحمر، فأعملوا أسلحتهم بالمسلمين، وحصدوا الجمهوريات الإسلامية حصداً.
وكان هجوم الجيش الأحمر لها مباغتة لم تعدَّ لها بَعْدُ عدتها؛ فهي دول فتية ما زالت في طور نشأتها. وفي مدة ثلاث سنين استولى الشيوعيون على هذه الجمهوريات الإسلامية بعد أن قدم المسلمون تضحيات جسيمة، ولكن قواهم كانت أضعف من أن تقاوم جيشاً مدرباً مزوداً بأحدث الأسلحة من طائرات، ودبابات، وسيارات مصفحة، ومدافع بعيدة المدى، في حين أنها لا تملك شيئاً من مثل هذه الأسلحة؛ فلقد كانت شعوباً مستعمرة للحكم القيصري النصراني وما إن تخلصت من نيره حتى عاد المستعمرون السابقون بوجه شيوعي أكثر شراسة وعنفاً لفرض سلطانهم الأحمر (٢).
ولقد قام الشيوعيون إبان فترة حكمهم بأعمال وحشية، ومذابح رهيبة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في أحقابه المتطاولة، وسيتضح شيء من ذلك من خلال ما يلي:
стр. 749
أولاً: نكبات المسلمين ومذابحهم على أيدي الشيوعيين (١):
١ - الإبادة الجماعية، أو نفي جزء من الشعب، أو الشعب كله من وطن آبائه وأجداده إلى سيبيريا، أو إلى مناطق أخرى حيث يفقدون الصلة بوطنهم الأصلي، ويضيعون بمرور السنين.
وإليك هذه الوقائع دليلاً على أفعالهم:
أ - أعمالهم في التركستان: قتل الشيوعيون في التركستان وحدها سنة ١٩٣٤م مائة ألف مسلم من أعضاء الحكومة المحلية، والعلماء، والمثقفين، والتجار، والمزارعين.
وفي ما بين سنة ١٩٣٧ - ١٩٣٩م ألقت روسيا القبض على ٥٠٠ ألف مسلم، وعدد من الذين استخدمتهم في الوظائف الحكومية، ثم أعدمت فريقاً، وأرسلت فريقاً آخر إلى مجاهل سيبيريا.
وقتلوا سنة ١٩٥٠م سبعة آلاف مسلم، ونفوا من التركستان سنة ١٩٣٤م ثلاثمائة ألف مسلم.
وقد هرب من التركستان منذ سنة ١٩١٩م حتى اليوم مليونان ونصف مليون من المسلمين.
وفي سنة ١٩٤٩م هرب ألفان من التركستان الشرقية، ولاقى ١٢٠٠ من هذا الفريق حتفه وهم في الطريق إلى الهند.
وفي سنة ١٩٥٠م هرب من التركستان ٢٠٠٠٠ من المسلمين والتجأوا إلى البلاد الإسلامية في الشرق الأدنى.
ومن سنة ١٩٣٢م إلى ١٩٣٤م مات ثلاثة ملايين تركستاني جوعاً؛ نتيجة استيلاء الروس على محاصيل البلاد، وتقديمها إلى الصينيين الذين أدخلوهم إلى تركستان.
ونتيجة لقانون مزج الشعوب في الاتحاد السوفياتي نفت روسيا ٤٠٠٠٠ مسلم تركستاني إلى أوكرانيا، وأواسط روسيا، فاندمجوا في تلك الشعوب، وفقدوا وطنهم الأصلي.
وفي سنة ١٩٥١م ألقي القبض على ١٣٥٦٥ مسلم في التركستان وأودعوا المعتقلات.
ب - في القرم: أبادوا في القرم سنة ١٩٢١م مائة ألف مسلم بالجوع، وأرغموا خمسين ألف مسلم على الهجرة في عهد بلاكون الشيوعي الهنغاري الذي نصبوه رئيساً للجمهورية القرمية الإسلامية.
وفي سنة ١٩٤٦م نفوا شعبين إسلاميين كاملين، وهم شعب جمهوريتي القرم وتشيس إلى مجاهل سيبيريا، وأحلوا محلهم الروس.
٢ - هدم المساجد وتحويلها إلى دور للهو، واستخدامها في غايات أخرى، وإقفال المدارس الدينية:
أ - بلغ مجموع المساجد التي هُدِّمت أو حُوِّلت إلى غايات أخرى في التركستان وحدها ٦٦٨٢ جامعاً ومسجداً، منها أعظم المساجد الأثرية مثل (منارة مسجد كالان) في مدينة بخارى، و (كته جامع) في مدينة قوقان، و (جامع ابن قتيبة) و (جامع الأمير فضل بن يحيى) و (جامع خوجه أحرار) في مدينة طشقند.
ومجموع عدد المدارس والكتاتيب التي أقفلوها في التركستان يبلغ ٧٠٥٢ مدرسة، منها: (ديوان بيكي مدرسة) في مدينة بخارى، و (بكلريك مدرسة) و (بران حان مدرسة) في مدينة طشقند، وغيرها من المدارس التاريخية التي كانت منهلاً من مناهل العلم والعرفان.
ب - وفي القرم طمسوا معالم الإسلام بما فيها الجوامع الأثرية في مدينة (باغجة سراي) عاصمة القرم الجميلة، مثل (جامع حان) وجامع (طوزيازرا) وجامع (أصماقويو) وغيرها.
ج - وهدموا في مدينة (زغرب) في يوغسلافيا جامعاً عظيماً شيد رمزاً لوحدة عنصري الشعب الكرواتي.
وأغلقوا في مدينة (سراييفوا) الأكاديمية الإسلامية العليا للشريعة الإسلامية، وجميع المدارس الدينية باستثناء واحدة فقط، أبقوها للدعاية!.
٣ - قتل علماء الدين أو نفيهم، أو الحكم عليهم بالأشغال الشاقة، أو منعهم من الحقوق السياسية، بل والحقوق الإنسانية، وإيجاد أية عقبة أخرى تحول بينهم وبين مزاولتهم لمهنتهم.
وممن قتل من العلماء في تركستان الشيخ برهان البخاري قاضي القضاة، والشيخ خان مروان خان مفتي بخارى، والشيخ عبدالمطلب واملا، والشيخ محسوب متولي، والشيخ عبدالأحد وادخان، والشيخ ملا يعقوب، والشيخ ملا عبدالكريم، وغيرهم كثيرون.
стр. 750
وكذلك عملوا في القرم، وأضافوا إلى ذلك حرق المصاحف الكريمة في الميادين العامة.
وفي يوغسلافيا قتلوا مفتي كرواتيا الشيخ عصمت مفتيش، والعالم الفاضل مصطفى يوصلولاجيتش.
وحكموا بالأشغال الشاقة مدداً مختلفة على ١٢عالماً بعد محاكمة صورية في مدينة سراييفو، منهم الشيخ قاسم دوراجا شيخ علماء البوسنة والهرسك، والشيخ عبدالله دروبسيوفتش، وكلاهما من علماء الأزهر الشريف.
٤ - قتل الزعماء السياسيين أو نفيهم: ومن أمثال ذلك أن الشيوعيين قتلوا في التركستان الشرقية سنة ١٩٣٤م الحاج خوجه نياز رئيس الجمهورية، ومولانا ثابت رئيس مجلس الوزراء، وشريف حاج قائد مقاطعة (ألتاء) وعثمان أوراز قائد مقاطعة (كاشفر) ويونس بك وزير الدولة، والحاج أبو الحسن وزير التجارة وطاهر بك رئيس مجلس النواب، وعبدالله داملا وزير الأشغال، وغيرهم كثير ممن لا يتسع المقام لذكرهم.
وكلما أحس الشيوعيون ببوادر أية حركة قومية أو إسلامية بين التركستانيين قاموا بحملة التصفية، وهي حملة يراد بها القضاء على كل من تحدثه نفسه بما قد يخالف تعاليم آلهة الشيوعيين: (ماركس)، و (لينين)، و (ستالين).
٥ - منع المسلمين من التمتع بالنظم الإسلامية في دائرة الأحوال الشخصية: فقد ألغيت المحاكم الشرعية في جميع أنحاء الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا.
ومعنى ذلك خروج الأسرة من دائرة توجيه الشريعة الإسلامية إلى دائرة القوانين الشيوعية، التي تنادي بالإباحية التامة، وبانحلال جميع الروابط الطبيعية بين أعضاء الأسرة الواحدة.
هذا إلى جانب نهب الثروات، ونقلها إلى مقاطعات أخرى، وتمزيق أوصال كل بلد إسلامي واحد، وخلق قوميات مستقلة على أساس لهجات لغة واحدة؛ بقصد تشتيت المسلمين في نفس الجنس واللغة، وخلق منازعات مصطنعة بينهم، كما قسموا تركستان إلى ست جمهوريات على هذا الأساس الواهي.
كما أنهم يقومون بشتى أنواع الدعاية اللادينية من غير أن يسمحوا بالدعاية الدينية.
ومن أمثال ذلك قيام الشبيبة الشيوعية، وجماعة من الملحدين الرواد بمظاهرات لا دينية صاخبة في مواسم الأعياد، وإهانة كل ما يقدسه المسلمون.
وإن ينسَ المسلمون فلن ينسوا ما حلَّ بأفغانستان وأهلها من مآس، وحروب، وتشريد، وكذلك ما حلَّ أخيراً بالشيشان وأهلها إلى حين كتابة هذه السطور.
ثانياً: نماذج من صور التعذيب للمسلمين:
ومن جرائم الشيوعيين التي أنزلوها بالمسلمين صور التعذيب، وأفانينه العجيبة، فمن ذلك ما حل بمسلمي تركستان الشرقية عندما رفضوا إلحادية ماركس. وفيما يلي ذكر لبعض صور التعذيب التي تقشعر منها الجلود، ويقِف لِهَوْلِها شعر الرأس (١).
١ - دقُّ مسامير طويلة في رأس المُعذَّب حتى تصل مُخَّه.
٢ - صبُّ البترول على المُعذَّب، ثم إشعال النار فيه حتى يحترق.
٣ - جعل المسجون المعذب هدفاً لرصاص الجنود الذين يتدربون على تسديد الأهداف.
٤ - حبس المعتقلين في سجون لا تدخل إليها الشمس، ولا ينفذ منها هواء، وتجويعهم حتى الموت.
٥ - وضع خوذات معدنية على رأس المعذب، وإمرار تيار كهربائي فيها؛ لاقتلاع العيون.
٦ - ربط رأس المعذب في طرف آلة ميكانيكية، وربط باقي الجسم في آلة أخرى، ثم تحريك كلٍّ من الآلتين في تباعد وتقارب شداً وضغطاً على المُعذَّب، حتى يعترف على نفسه وغيره، أو يموت.
стр. 751
٧ - كيُّ كلِّ عضوٍ من الجسم بقطعة من الحديد المحمي إلى درجة الاحمرار.
٨ - صبُّ زيتٍ مغليٍّ على الجسم.
٩ - دقُّ مسامير حديدية، أو إبر في أجسام المُعذَّبين.
١٠ - إجلاس المعذبين جلساتٍ خاصةً فيها ألم شديد؛ إذ يستطيع المشرفون على التعذيب الضربَ على الأعضاء التناسلية.
١١ - إدخال شعر الخنزير في الإحليل - فتحة العضو التناسلي -.
١٢ - إدخال قضيب من الحديد المحمي في مكان شديد الحساسية من الجسم.
١٣ - دقُّ المسامير في رؤوس الأصابع حتى تخرج من الجانب الآخر.
١٤ - ربط المسجون المُعذَّب على سرير حديدي ربطاً محكماً لا يستطيع معه التحرك، وذلك لعدة أيام قد يتفطر بها جسمه.
١٥ - إجبار المسجون المُعذَّب على أن يمد جسمه عارياً على قطع من الثلج أيام الشتاء والبرد القارس.
١٦ - وضع لوح من الخشب فوق رقبة المُعذَّب وكتفيه؛ ليظل منحنياً لا يستطيع الحركة.
١٧ - نتف خصل من شعر الرأس بعنف يسبب اقتلاع جزء من جلد الرأس.
١٨ - تمشيط جسم المُعذَّب بأمشاط حديدية حادة.
١٩ - صبُّ المواد الكيماوية الكاوية في أنوف المسجونين وفي أعينهم بعد ربطهم ربطاً محكماً.
٢٠ - وضع صخرة ثقيلة على ظهر المسجون والمُعذَّب بعد ربط يديه وراء ظهره.
٢١ - ربط يدي المسجون وشدهما إلى أعلى، وتعليقه منهما حتى يكون متدلياً في الهواء بثقل جسمه، وتركه كذلك ليلة كاملة أو أكثر.
٢٢ - ضرب المتهم بعصا بها مسامير حادة.
٢٣ - سجن المتهم في سجن انفرادي ضيق.
٢٤ - ضرب المعذب بالكرباج، وهو شيء يشبه أذناب البقر حتى يتفطر جسمه، وتسيل الدماء منه.
٢٥ - تقطيع جسم المُعذَّب إلى قطع صغرى بالسكاكين.
٢٦ - إحداث ثقب في مكان ما من الجسم، وإدخال حبل ذي عقد فيه، ثم استعمال هذا الحبل بعد يومين كمنشار لقطع أطراف الجلد المتآكل.
٢٧ - تثبيت المُعذَّب واقفاً إلى جدار بمسامير تُدَقُّ في أذنيه على الجدار؛ ليظل واقفاً معذباً أطول مدة.
٢٨ - وضع المسجون المُعذَّب في برميل مملوء بالماء في فصل الشتاء.
٢٩ - خياطة أصابع اليدين والقدمين، ووصل بعضهما ببعض.
إلى غير ذلك من فنون التعذيب المستحدثة التي لا تخطر على بال أخبث المجرمين.
وعلى هذا قام نظام الشيوعيين في روسيا، خلافاً لما يعتقده كثير ممن انخرطوا في سلكها من بهائم العرب، إذ يعتقدون أنها قامت على الحق، والخير، وأنها قامت ضد المستعمرين، أو الغزاة، أو الملكية القيصرية.
والحق أنها قامت على المكر، والخديعة، والخيانة، والإرهاب، والظلم، والاستبداد، والتسلط.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤١٣
стр. 752
اثنان وعشرون: الملكية في المذاهب الوضعية
وفيه أمران:
الأمر الأول: الملكية في الرأسمالية أما الملكية في الرأسمالية فهي مربوطة بالوصول إلى الأرباح قبل أي اعتبار، يقول محمود الخطيب: "يعتبر أنصار الرأسمالية جهاز الثمن هو المحرك الفعال القادر على حل كل ما يتعلق بالمشكلة الاقتصادية" (١).والرأسمالية كما سبق نسبة إلى رأس المال، ويراد بها منح الشخص كامل الحرية في جمع المال وفي إنفاقه بأي طريقة يكون جمعه أو إنفاقه سواء عن طريق الغش، أو الاحتكار، أو الربا، أو التحايل، ولا قيمة للرحمة والعاطفة الإنسانية أو المثل العليا أو الأخلاق في سبيل الحصول على المال و"كل هذا يؤدي إلى ظلم الأمة ويقوي معول هدمها بيدها لأن الأخلاق زالت والجانب الروحي معدوم مندثر فلم يبق إلا الركض وراء المصلحة الجشعة فأصبح الرأسمالي شرها متكالبا على المال" (٢)، فالرأسمالي لا يهمه أن يموت المجتمع جوعا في الوقت الذي يرفع قيمة ما في يده إلى الأضعاف المضاعفة. فينظر المجتمع إليه وهو في غاية الشره نظرة حقد وكراهية، وهو ينظر إليهم أنهم حاسدين له يتمنون زوال ماله فينشأ عن ذلك إشاعة العداوة والبغضاء وانتزاع الرحمة من قلوب تلك المجتمعات الرأسمالية التي لا هم لها إلا عبادة المال وجمعه حسب التنافس في الإنتاج وفي الأسواق بحيث يهدف الرأسمالي إلى التحكم لو استطاع في الأسواق الاقتصادية وإبعاد أي مشروع يرى أنه سينافسه ثم طلب الربح بأي وسيلة مهما كانت ظالمة أو معيبة لا يهمه إلا الحصول على المال، وحال المجتمعات الرأسمالية أقوى شاهد.
وفي المجتمعات الرأسمالية حرب على الفقر لكنها لا ترحم الفقير بل تحمله مسؤولية فقره وتنظر إليه بازدراء لأنه لم يحتل لنفسه للخروج من الفقر حيث يتهم بعدم الذكاء أو عدم الجد في العمل أو غير ذلك من الأسباب التي لا تشعر بالرحمة تجاهه ولقد عانى المجتمع الرأسمالي من هذه النظرة في بداية تكون المذهب الرأسمالي الأمرين واضطر كل فرد صغير أو كبير، ذكر أو أنثى إلى العمل بأي طريق كان للحصول على ما يسد رمقه وإلا انسحق دون أي صوت يلفت النظر إلى حاله والحكومة لا تتدخل لا في الانتاج ولا في التوزيع بل كان الحبل على الغارب، إلا أنه – وبعد فترة – شعر المجتمع الرأسمالي تحت الضغط والعنف والمواجهات الدامية بأن هذا الوضع البغيض لا رحمة فيه وأنه إنما نشأ عن ما يشعر به أغلبية المجتمع من الإحباط وعدم المبالاة بهم وجعلهم فريسة الهموم على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم فتطور الفكر الأوروبي إلى تعديل الحال والنظر بعين الجد إلى القضاء على هذا الشعور وبدأوا في تقنين الأنظمة التي تطوروا فيها إلى أن عرفوا ما يشبه نظام التكافل الاجتماعي الذي دعا إليه الإسلام منذ نزول الوحي على رسول الله ﷺ حين فرض الزكاة التي يأخذ فيها العاجز ما يسد حاجته من بيت مال المسلمين دون أن يطالب بمقابل في ذلك، بينما نظام الغرب رغم ما يدعون له من التطور لازال متخلفا عن الوصول إلى نظام الإسلام في ذلك إذ لا يعطي الشخص فيه في حال عجزه إلا حسب نسبة ما كان يدفعه من الضرائب في حال صحته.
стр. 753
فإنه يطالب الشخص وهو صحيح بمبلغ يدفعه ضريبة من دخله حتى إذا عجز عن العمل أعطى مبلغا حسب ما كان يدفعه قليلا أو كثيرا فإنه يأخذ نسبته على حسب ما دفع وعيب هذا أن الغني يدفع له أكثر لأنه أخذ منه أكثر والمحتاج يدفع له أقل منه وهذا الحل لا يفي بحاجة الفقير فقد يكون لهذا الفقير أسرة كبيرة بينما الغني قد لا توجد له أسرة فليس هناك تكافئ في التوزيع ولا نظر إلى عمق القضية حسب الضرورة، بل إنهم لم يوجدوا هذه النقلة إلا للتخفيف من مساوئ هذا النظام الذي طعموه بما يسمونه التأمينات الاجتماعية والنقابات .. الخ.
أما الإسلام فإنه لا ينظر إلى استحقاق الفقير من بيت المال إلى أنه كان يدفع أو لا يدفع لأنه ينظر إلى إزالة الضرر بغض النظر عن الأسباب فلا ضرر ولا ضرار، ولأن الفقر قد لا يدوم فقد يصبح الفقير غنيا فيستعفف بعد ذلك عن أخذ ما كان يصل إليه من بيت مال المسلمين وما يعطاه من المال إنما هو إعانة له إلى أن يغنيه الله من فضله ويستغني عن أخذه بعد ذلك دون منة عليه من أحد إذ الإسلام دائما يحث الشخص على الاعتماد على الله ثم على عمل يده والاستغناء عن الناس بانتظار ما يجودون به عليه، ويخبره دائما أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وأن من اعتمد على سؤال الناس يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ... وغير ذلك من التوجيهات الإسلامية.
وعلى ضوء ما سبق يمكن تلخيص الأسس التي قام عليها النظام الرأسمالي فيما تقدم بيانه فيما يلي:
١ - حرية الملكية الفكرية وحرية التصرف فيها دون تدخل الدولة غير الحماية.
٢ - الحرية في ممارسة أي نشاط اقتصادي يريده الفرد انتاجا أو استهلاكا.
تحقيق التوازن التلقائي عن طريق جهاز الثمن الذي هو المرأة التي تعكس رغبات المستهلكين إلى المنتجين.
٤ - وجود حافز الربح الذي هو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي والإقبال على العمل تحقيقا للربح.
٥ - وجود حرية المنافسة الاقتصادية التي تحد من انتشار الاستغلال.
وهذه الأسس وإن كانت تبدو للناظر أنها مفيدة وناجحة وتخدم التقدم الاقتصادي إلا أن لها مساوئ كثيرة من أهمها:
١ - سوء توزيع الثروة والدخل بين الناس، فمن عز بز.
٢ - ما نادت به من الحريات إنما هي حريات ناقصة والعامل ليس حرا في اختيار عمله ولا في أجره فقد يضطر إلى أن يعمل بأجر أقل حينما لا يجد عملا مناسبا وكذلك المستهلك ليس حرا في استهلاكه بل يقيد مستوى دخله وما تسمعه من كثرة المظاهرات في الغرب لتحسين أجر العامل أقوى شاهد.
٣ - ظهور البطالة والتقلبات الاقتصادية لعدم التوازن الحقيقي.
٤ - وجود الاحتكارات والتي تعمل بشكل معاكس لجهاز الثمن. ٥ - ظهور الآثار السلبية للمنافسة في الإسراف والتبذير في الإعلانات وغيرها (١).
وعلى العكس من كل ما تقدم نجد في الأنظمة الاشتراكية والشيوعية التي لا تحفل بالفرد ولا بتشجيعه على زيادة الإنتاج السليم لسلبهم إياه حرية التملك وبالتالي إفلاسه الدائم واتكاله على الدولة ولا تسأل عما نشأ من المساوئ جراء هذا السلوك الأحمق.
стр. 754
وكل تلك الاتجاهات لا يقرها الإسلام ولا تساير نظامه، فالمال في الإسلام إنما هو إحدى متع الحياة الدنيا ولا حرج على صاحبه أن يتمتع به كيفما أراد مادام في ذلك في حدود الشرع وتعاليمه وليس المال هو كل شيء، بل إن هناك حياة هي أسمى من هذه الحياة تنتظر الفقراء والأغنياء وكم من فقير في هذه الدنيا يصبح في تلك الحياة يفوق في ملكه الدنيا بحذافيرها أضعافا مضاعفة، كما أن الإسلام يفهم صاحب المال بأن ما بيده من المال ليس هو مالكه الحقيقي وإنما هو مستأمن عليه وسيتركه ويرجع كما بدأ حياته الدنيوية فلهذا لا يجوز له أن يتصرف في المال إلا وفق ما شرع له لا أن يتصرف فيه كما يشرعه هو لنفسه فيترك من يستحق الصدقة من الناس فيتصدق بثروته في غير محلها كأن يجعلها لكلبه مثلا كما يفعل في أوروبا.
والإسلام لا يقر الرأسمالية على مساوئها ولا غير الرأسمالية من المذاهب الوضعية الجاهلية التي لم تقم على الدين الذي ارتضاه الله تعالى وأكمله فقد قامت الحجة على كل إنسان خصوصا في عصرنا الحاضر بانتشار وسائل الاتصالات المختلفة ولا يمكن أن تسعد البشرية ما دامت الأنظمة الوضعية هي المساندة ولنا فيمن طبق الشريعة الإسلامية أقوى حافز وأنبل مثال قديما وحديثا ولله الحجة البالغة.
الأمر الثاني: الملكية الشيوعية الماركسية
سبق أن قامت الاشتراكية الشيوعية في اتجاه معاكس عارم ضد الرأسمالية الغربية والديانة النصرانية، وما تلا ذلك من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقلق العام الذي ساد الدول الغربية الكبرى بفعل المخططات اليهودية ومؤامراتهم المختلفة ولقد كان للاشتراكية صولات وجولات ودعايات قوية ووعود خلابة بأن الناس كما زعموا سيعيشون في سعادة وهناء تشبه الجنة التي وعدت بها الديانات في الآخرة بزعمهم ولكنهم ربطوا الوصول إلى هذه الجنة الدنيوية بتطبيق الشيوعية الحمراء التي جاء بها "كارل ماركس" ومن تبعه من طغاتهم "لينين" و"ستالين" وأضرابهم، والانضواء تحت راية الثورة الصناعية والعمل للجميع فقام الاقتصاد في مذهب الشيوعية الاشتراكية على أساس أن الملكية العامة لكل وسائل الإنتاج هي للدولة وحدها والمناداة بإلغاء الملكية الفردية ومصادرة كل شيء وجعله باسم الدولة ولكن كثيرا من الدول الشيوعية أدركت انهيارها اقتصاديا وفطنوا إلى أن السبب وراء ذلك هو عدم السماح بالملكية الفردية حيث فترت همم العمال ولم يعد فيها الحافز الكافي لزيادة الإنتاج فاضطرت الحكومات إلى السماح بالملكية الفردية في نطاق ضيق ولكن أخذت الأمور تتطور وتتفاقم النقمة على تلك الأوضاع إلى أن أطيح بالماركسية في عقر دارها – روسيا – وتنفس الناس الصعداء مما جعل الدول التي لا زالت متمسكة بالنظام الماركسي تتوجس خيفة وتخفف قبضتها على الشعوب رويدا رويدا. وتبين لجميع الشعوب الغبن الفاحش حين خدعوا الفقراء بما سموه دكتاتورية البروليتاريا التي لا تتحقق إلا بقيام الصراع الطبقي والاستيلاء على السلطة ومصادر المال وقد تطلب ذلك قيام الحركات الثورية الدموية في كل مكان استطاعت أن تصل إليه براثن الشيوعية بحجة إقامة حكم البروليتاريا وإسعاد الفقراء ولم يكتفوا بنزع الملكية الفردية بل نزعوا معها كل ما يمت إلى الأخلاق والأسرة تماما لأن بقاء الأسرة معناه بقاء الملكية الفردية كما تقدمت الإشارة إلى هذا.
стр. 755
وقد وجدت الملكية الفردية حربا شعواء من قبل الملاحدة وحملوها كل أوزار المجتمع البشرية بعد تركهم الشيوعية الأولى التي كان الناس فيها على الملكية الجماعية يعيشون أسعد الأحوال بزعمهم دون صراع طبقي أو أحقاد، إلى أن عرف الناس الملكية الفردية وما تبعها من تطورات، إلى أن وصلوا إلى الرأسمالية التي سببت للبشرية أنواع الشقاء والصراعات الطبقية، إلى أن ظهرت الشيوعية الثانية لتعيد الناس إلى جنتهم السابقة حسب زعمهم، وقد تناقض الملاحدة هنا فبينما يزعمون أن الرأسمالية والملكية الفردية هي السابقة للاشتراكية لأنها جاءت كمنقذ إذا بهم يزعمون أن الاشتراكية البدائية هي السابقة للرأسمالية.
ومما يجب أن يتنبه له الشخص هو معرفة ما هي الملكية الجماعية التي ينادي بها الشيوعيون وكيفية الرد عليها وأنها وهم خاطئ فإن الملكية الجماعية التي ينادي بها الملاحدة هي سلب كل شيء وجعله في يد الدولة التي هي نائبة للشعب أو نائبة عن طبقة البروليتاريا الكادحة ويزعم هؤلاء أن العدالة تقتضي أن تضع الدولة يدها على كل مرافق الإنتاج وهي بدورها تقوم بتوزيعه بالتساوي بين الناس وبذلك ينتهي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان الذي تمارسه الرأسمالية ومن هنا فقد نادوا بإلغاء الطبقات والانضواء تحت راية الشيوعية لتخليصهم من نظام الطبقات التي جاءت به الملكية الفردية وأن على جميع الشعوب أن تناضل الطبقات المالكة المتحكمة في مصالح الشعوب الذين بأيديهم الجاه والسلطة والمال وأن هذا النضال لا ينبغي أن يتوقف إلا بالقضاء التام على هذه الطبقات واستعلاء طبقة البروليتاريا التي ستحكم هي الأخرى حكما صارما لا رحمة فيه إلى أن يتحقق لهم ما يريدون من إقامة النظام الشيوعي بدون منازع حيث سيقوم نظام البروليتاريا على الدكتاتورية الشديدة ما دام يوجد أعداء للشيوعية ولهذا يطلقون عليهم "دكتاتورية البروليتاريا" أي حكم الفقراء وهذا الوصف سينتهي أيضا حينما تتمكن الشيوعية من بسط نفوذها في كل العالم فلا تبقى تلك الدكتاتورية إذ أن الشعب أصبح حاكما نفسه بنفسه وكلهم طبقة واحدة هي "البروليتاريا" وقد رأى العالم مدى صحة هذه الأحلام الفارغة حيث أصبحت تعاليم "ماركس" تحت النعال بعد أن أثبتت فشلها الحتمي شأنها شأن كل الأفكار والمعتقدات الباطلة. وهناك الكثير من المبادئ الماركسية التي تطرقت إلى كل جانب من جوانب الحياة، والذي يهمنا هو معرفة الفشل الذريع الذي لحق بالاشتراكية في معالجتها هي والشيوعية للحالة الاقتصادية، وكيف كانت النتيجة التي وصلت إليه النظريتان الجهنميتان فإنهما بعد أن عاثتا في الأرض فسادا طوال سبعين عاما من قيامهما المشؤوم وأتتا على الأخضر واليابس وقتل بسببهما ملايين لا يعلم عددها إلا الله ودنست الأخلاق ومزقت الأسر وعلا قرن الشيطان (١)، فأذن الله تعالى في إظهار فشل الشيوعية ذلك الفشل الذريع في سد الحاجات الضرورية لأتباعها من الموارد الزراعية إلى أن أصبحوا يتكففون الغرب الرأسمالي الذي تنبأ لهم "ماركس" بأنهم سيكونون أول من يتقبل الاشتراكية الشيوعية بصدر رحب بزعمه وكان الشيوعيون يصفون الغرب وغيرهم بالتخلف والجمود.
وما أن قويت الثورة الصناعية عندهم حتى فاجأتهم بزيادة العمل وقلة المكاسب وتدني الحياة وتدني الأخلاق وزيادة الفقر وانخفاض المستويات الصحية وسلب الحريات في البلدان الشيوعية وكممت الأفواه واشتد الحكم بالحديد والنار وأصبح العامل يعمل لصالح الدولة لا لصالحه مقابل كفالة الدولة لطعامه وشرابه ببطاقته الشخصية بما يسد حاجته الضرورية فقط.
стр. 756
وتبين بوضوح تام بعد فوات الأوان أن مناداة الشيوعية بنزع الملكية الفردية وحصرها في الدولة أنه من أحمق الحلول وأبعدها عن مصالح الشعوب فهي تقتل الحوافز المشجعة على العمل والتفاني فيه والإخلاص في القيام به فأي إخلاص سيأتي للعامل الذي لا يملك من وراء كده وتعبه غير لقمة العيش والباقي لغيره ولقد أحس الملاحدة هذه الهوة قبل أن تكتسح الشيوعية في مهدها فشددوا قبضتهم على الناحية الصناعية إذ يعرف المقصر في أي قطعة فيعاقبونه عقابا صارما قد يؤدي إلى قتله أمام زملائه فانتظمت له الناحية الصناعية نوعا ما بينما فشلت مراقبتهم في الناحية الزراعية فشلا ذريعا لصعوبة مراقبة الفلاحين وظهر هذا واضحا في البلاد الشيوعية في تخلفها في مجال الزراعة، بل وفي مجال الصناعة إذ لا مقارنة بين الصناعات الغربية والشيوعية ومن المعلوم أن الملكية الفردية هي نزعة فطرية في كل إنسان لا يمكن أن يتجاهلها ولا يمكن أن يتغلب على فطرته في مقاومتها كي يتركها بطوعه، ولعل هذا الجانب كان من العوامل التي أسرعت بانهيار الشيوعية رغم قوتها التي ما كان أحد يحلم بأنها ستسقط جثة هامدة في تلك الفترة الوجيزة من صحوة الشعوب الأوروبية الشرقية في ولاية "جورباتشوف" الذي تولى رئاسة الاتحاد السوفيتي بعد "بريجينيف" و"يوري أندروبوف" كما تبين كذلك أن التحريش بين الفقراء وأصحاب الأموال إنما هي خدعة لصرف الأنظار عن مقارعة الشيوعية وضرب الناس بعضهم بالبعض الآخر بزعم أن طبقة البروليتاريا طبقة العمال أو الكادحين طبقة مظلومة يجب أن تأخذ حقها من الأغنياء بالقوة.
فقد دعت الشيوعية إلى تأجيج الصراع الطبقي بين الملاك والفقراء وأوغرت صدور الفقراء على الأغنياء وأقنعتهم بأنه لا يمكن أن يصل الفقراء إلى العيشة الكريمة إلا بالإطاحة بطبقة الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال وسلبهم إياها عن طريق السلاح والقوة ليتم رفع مستوى الفقراء الكادحين – البروليتاريا – وتم لهم ذلك فبطش الفقراء بأصحاب الأموال وسلبوهم إياها وجاءت الدولة لتستولي على كل مصادر الحياة وتساوي بعد ذلك الأغنياء بالفقراء فلا بقي الأغنياء على غناهم ولا رفعوا الفقراء، وجنى الجميع بعد ذلك نار الحقد والبغضاء وتبخرت أماني الفقراء وذهبت أدراج الرياح كل ما وعدتهم به الطغمة الحاكمة الماركسية وبقي الجميع على همهم وغمهم إلى أن استطاعوا أن يتنفسوا الصعداء قبل ثلاث سنوات ومرغوا أنوف جبابرة الماركسية في الوحل وانتقم الله منهم وهو عزيز ذو انتقام وقد أدرك القارئ أنه لا مقارنة بين هذه الجاهلية الحمقاء وبين الإسلام ذلك أن الإسلام ليس فيه صراع طبقي ولا تأليب جماعة ضد جماعة أخرى بل الكل مؤمنون أخوة كالجسد الواحد والرزق بيد الله والعمل مشترك بين الجميع والتنافس المعتدل مطلوب وبهذا عاش الإسلام والمسلمون بخير ولم يعهد في أي حقبة من الزمن أن ثار المسلمون على الإسلام وطالبوا بإلغائه لما عهدوا فيه من الحق.
فتميز المجتمع الإسلامي بالتوادد والتراحم وامتاز بالكرم والقناعة والرضا بما قسم الله لكل شخص من الرزق فلا يجد الفقير حقدا على الغني ولا يشعر الغني بأن له الفضل على الفقير فعاش الجميع في سلام كل فرد راض بما أعطاه الله ولك أن تقارن بين البلدان التي اقتنعت بالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبين البلدان الكافرة التي لا تؤمن بذلك، لك أن تقارن بين الجرائم التي تحصل في البلد المسلم الملتزم والبلد الكافر تجد فرقا هائلا خياليا وذلك لخلو الوازع الديني وغلبة حب المال وقسوة القلوب التي لم يدخلها نور الإسلام.
وأما بقية التعاليم الشيوعية التي لا تتعلق بالجانب الاقتصادي فلا حاجة لنا بالتطويل بذكرها وذكر أشنع ما مر بالإنسانية في تاريخها الطويل في النظام الشيوعي الذي لا يبالي بقتل ثلاثة أرباع الشعب ليبقى الربع الأخير صالحا أي شيوعيا وهو ما طبقوه بالفعل في كثير من البلدان وكثير من البشر الذين لا يعلمهم إلا الله تعالى طبقوه حسب تعاليم "ماركس"، و "لينين"، و"ستالين" في أنه لا بأس بقتل ثلاثة أرباع الشعب ليبقى الربع الأخير على الشيوعية الماركسية ونظامها الإلحادي.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٢٠٠
стр. 757
ثلاث وعشرون: آثار الشيوعية
لقد قامت الشيوعية على أسس ومبادئ آمن بها الشيوعيون، وحاولوا تطبيقها على مجتمعاتهم، زاعمين بأن تلك الأسس والمبادئ ستخلِّص الشعوب من وطأة الرأسمالية وتوصلها إلى الفردوس المنتظر، وتقضي على جميع المشكلات وتنأى عن الطبقية والفردية.
فماذا تم بعد قيام الشيوعية؟ وما الذي حدث من جراء تطبيقها؟ وما الآثار التي ترتبت على اعتناقها؟ وماذا كانت النتيجة؟
الجواب سيتضح - إن شاء الله - من خلال الحديث عن الشيوعية بعد التطبيق، وعن الآثار المترتبة على الإلحاد، ثم عن سقوط الشيوعية.
أولاً: الشيوعية بعد التطبيق (١):
لقد زعمت الشيوعية بأنها ستحقق العدل، وتنشره بين الناس؛ حيث ستلغي الفوارق بين الطبقات، وستجعل الناس يعيشون في مستوى اقتصادي واحد، وسيأخذ كل واحد منهم قدر حاجته من المال.
وإذا تساوى الناس في مستواهم الاقتصادي والمالي فسيكون الطريق أمامهم مفتوحاً للمساواة في جميع المجالات سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو سياسية.
هذه هي الدعوى، ولكن أي البينة؟
والدعاوى ما لم يقيموا عليها ... بيناتٍ أصحابها أدعياء
إن الحقائق تكذب تلك الدعاوى، والواقع يقول بخلاف ذلك؛ فلقد حصل بعد تطبيق الشيوعية ما يلي:
١ - وقوع الشيوعيين في الطبقية: لقد ادعى الشيوعيون أن إلغاء الفوارق بين الطبقات أمر لابد منه، وأن السبيل إلى ذلك هو الصراع الدموي؛ فكل امتياز أو طبقية - بزعمهم - إنما هو أثر من آثار الأنانية وتحكيم المصلحة الذاتية.
وإذا كان النظام الشيوعي يدعي تلك الدعوى فإن واقعه يكذبها؛ فما تلك الدعاوى سوى شعارات براقة، ووعود معسولة كاذبة يخدعون بها السذج دونما التزام بها، وإليك بعض الأمثلة:
أ - تفاوت الأجور: فمعدل الأجر المتوسط للعامل في الاتحاد السوفيتي عام ١٩٣٥م حوالي ١٨٠٠ روبل سنوياً، في الوقت الذي بلغ فيه راتب الأمين العام للجنة الغزل والحرير الصناعي مبلغ ٤٥ ألف روبل سنوياً.
ثم إن أجرة الفلاح الروسي ٣٠٠ روبل شهرياً، ويقتطع منها ١٥٠ روبلاً لتقوية الصناعات.
في الوقت الذي يتقاضى فيه أهل الطبقة المثقفة - كما يزعمون - من الممثلين والفنانين والأدباء والراقصات أجوراً عالية تصل إلى ٢٠ ألف روبل شهرياً.
ب - تفاوت مستويات التعليم: فأبناء الطبقة المثقفة يتمتعون بالتعليم الجامعي المجاني وغير المجاني.
أما أبناء الفلاحين فلا يستطيعون ذلك.
ج - إقرار الحوافز: فهؤلاء الذين يرفعون شعار المساواة، والعدل ورفض الطبقية أقروا الحوافز والجوائز؛ فلقد أذاعت وكالة الأنباء السوفيتية - تاس - أن جائزة ستالين للموسيقى وقدرها مائة ألف روبل - قد منحت سنة ١٩٤٧م لجوزيف كلينا من أجل أنه لَحَّنََ أغنية عن ستالين.
وأن جائزة ستالين للتصوير - وقدرها مائة ألف روبل - قد منحت لأراكلي طويزر من أجل تصويره ستالين يخطب في احتفال الذكرى الرابعة والعشرين لثورة أكتوبر.
أما الجائزة الثالثة - وقدرها خمسون ألف روبل - فقد منحت للرسام باراكر فتشنكو من أجل تصويره الأديب مكسيم جوركي يقرأ قصة أمام ستالين، ومولوتوف، وتورسيلوف.
وأما جائزة ستالين للنحت - وقدرها مائة ألف روبل - فهي لنيقولا توسكي من أجل رسمه تمثال ستالين.
بالإضافة إلى جوائز أخرى سلمت لموسيقيين، ورسامين، ونحاتين، من أجل أعمال قاموا بها لشخص ستالين.
стр. 758
ولما رأوا أن العمال لا يمكن أن يعملوا بجد وإخلاص طالما أن جهدهم يتمتع به غيرهم، لجأوا إلى الحوافز، واضطروا إلى الاعتراف بها لتشجيع المنتجين من فلاحين ورعاة، وعمال مصانع؛ فأخذت الدولة تُمَلِّكهم شيئاً من إنتاجهم؛ فأين المساواة؟ وأين محاربة الملكية الفردية؟!
د - سحق العمال تحت نظام السخرة في المصانع: والسخرة هي العمل المجاني، حيث يقوم العمال بالعمل دون أن يكون لأحد من نصيب إلا حد الكفاف لا الكفاية.
فالعامل الفرد في ظل هذا النظام يجبر على أن يحشر هو وكل أفراد أسرته في غرفة واحدة، هي غرفة جلوسهم، ونومهم ومطبخهم.
ثم هي غرفة في مجمع سكاني ضخم غير متجانس، ويشترك سكان الشقة في دورة مياه واحدة، وقد تكون تلك الدورة بنيت بلا أبواب منذ إنشائها.
وإذا كانت الغرفة لا تحتوي إلا على سرير واحد فردي - فإن الأبوين ينامان عليه حين ينام الأولاد صغارهم وكبارهم، وذكورهم وإناثهم على المنضدة متلاصقين.
وتلك المنضدة هي التي تستعمل في النهار للطبخ، وربما كان الزوجان والثلاثة يعيشون في غرفة واحدة يفصل بينهم حبل من حبال الغسيل تثبت به قطعة من القماش.
ثم إن الطعام الذي توزعه المزارع الجماعية لا يكاد يسد الرمق.
أضف إلى ذلك غلاء الأسعار الفاحش، فثمن الكيلو غرام الواحد من الزبدة في السوق الحرة يوازي الأجر الشهري للعامل العادي، وثمن زوج الأحذية يوازي أجر شهرين وإذا مرض أحد من عامة الناس لم يُهتم بعلاجه.
هـ - إغراق الطبقة الحاكمة في الترف والنعيم: ففي الوقت الذي يسحق فيه عامة الناس، ويعانون من شظف العيش، وضيقه - إذا بالطبقة الحاكمة تغرق في النعيم والترف إلى الأذقان؛ فأعضاء الحزب الشيوعي يتمتعون بالملذات والمساكن الراقية الفسيحة، والمراكب الفارهة التي تستورد من الغرب الرأسمالي.
وإذا مرض واحد من أعضاء الحزب بُودر في علاجه بأرقى أنواع العلاج.
ويكفي شاهداً على ترفهم ذلك القصر الباذخ الذي كان يتخذه الرئيس خروتشوف مشتىً له على ضفاف البحر الأسود الدافئة.
ولقد وصف الصحفي المصري محمد حسنين هيكل ذلك القصر وصفاً مذهلاً وذلك في ملحق الأهرام بتاريخ ٢٢مايو سنة ١٩٦٤م فذكر الأثاث الفاخر، والحدائق الغناء، وحمام السباحة المثير المغطى بقبة من البلور الشفاف، المُكَيَّف بدرجة حرارة مناسبة تتغير آليا حسب الجو، إلى آخر ما وصف به ذلك القصر.
٢ - تسلط الحزب الحاكم واستبداده: فبالرغم من أن الاتحاد السوفيتي يتكون من ١٥ ولاية رئيسة فُرِض عليها الاتحاد فرضاً وفي كلٍّ منها مجلس وزراء - إلا أن سلطاتها تنحصر في الأمور العادية.
أما الحل والعقد والبت في الأمور فيملكه الحزب في موسكو، ولا يناقشه أحد بذلك.
٣ - البطش والإرهاب: حيث اتسمت سياسة الشيوعية بعد التطبيق بالبطش والإرهاب والتدمير والتعذيب، والتنكيل الذي لم يسبق له على مدى التاريخ مثيل، ولقد مرَّ بنا قبل قليل نماذج من ذلك.
٤ - انقسام المعسكر الشيوعي على نفسه: حيث توالت الخلافات بين الدول الشيوعية، بل داخل الدولة الواحدة وبين أعضاء الحزب الواحد؛ فلا يكاد يجمعهم سوى خوف كل طرف من الطرف الآخر فهناك خلافات لينين مع ستالين والتي كان لينين بسببها ينوي إقصاء ستالين من مكانته، وهناك الخلافات بين ستالين وتروتسكي، والتي أدت بستالين إلى تدبير اغتيال تروتسكي.
стр. 759
وكلما وصل رئيس إلى سدة الحكم ندد بسلفه، وأقذع في شتمه وسبه. ومن ذلك ما حصل في المؤتمر الخمسين للحزب الشيوعي عندما وقف الرئيس خروتشوف يندد بستالين، ويقول عنه: إنه ديكتاتور سفاح، مجرم سافل دنيء، وإنه غلطة لا ينبغي أن تتكرر، وإنه ارتكب من الجرائم البشعة ما تقشعر له الأبدان (١).
وفي مؤتمر الحزب الشيوعي الذي عقد في موسكو في ٢٨/ ٦/١٩٨٨م دعا جورباتشوف إلى إصلاحات جذرية في الشؤون السياسية والاقتصادية للاتحاد السوفيتي، كما انتقد سياسة ستالين وبريجنيف التي حجرت على الفكر في الاتحاد السوفيتي - وصدق الله إذ يقول: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:٣٨].
٥ - التجسس والرقابة الصارمة: فالتحركات في المجتمع الشيوعي مراقبة، والاتصالات الهاتفية مسجلة، والزيارات - وخاصة من الغرباء - مراقبة تماماً ولقد روى ذلك كثير من الزائرين لروسيا بعد أن لاحظوا من يراقبهم ويرصد تحركاتهم.
ولذلك يتحاشى الروسيون الحديث عن السياسة، وكثيراً ما يرددون عبارات جاهزة مكررة في مدح سياسة بلادهم بمناسبة أو بغير مناسبة؛ فقد يكون جزاء المقصر أو المتجاوز النفي إلى سيبيريا؛ حيث البرد القارس والأعمال الشاقة.
وقد قال أحد الكتاب: إن نصف سكان موسكو جواسيس على النصف الآخر، فقال له صاحبه: ولكن النصف الآخر جواسيس أيضاً على النصف الأول، وتلك فكاهة ليست ببعيدة عن واقع المجتمعات الشيوعية.
ويدل على ذلك ما حصل في ألمانيا الشرقية عندما سقطت الشيوعية؛ حيث ذهب بعض الناس لأقسام الشرطة والمباحث؛ ليتسلم ما كتب عنه من تقارير؛ ففوجئ كثير منهم بأن الذي تجسس عليه أمه، أو زوجته، أو أخوه، أو أقرب الناس إليه.
٦ - السرية والغموض: فمعظم الأمور هناك أسرار غامضة؛ فلا دليل للهاتف ولا مخطط للمدينة، ولا كتب عن مشاهير الناس.
أما أعضاء الحكومة فحياتهم وأماكن سكناهم، واجتماعاتهم وتحركاتهم - سر مغلق، لا يُعلن عنه، ولا يُتحدث فيه.
بل من الصعب أن تقابل روسياً عادياً على انفراد.
ومما اعتاده الناس هناك اختفاء بعض الناس في ظروف غامضة، سواء كانوا مسؤولين أم من عامة الناس، ثم إنه لا يجرؤ أحد على السؤال عنهم أو الاستفسار. يقول آرثر كستلر (٢) عن مجتمع الحزب الشيوعي:"كان عالماً يسكنه أناس يعرفون بأسمائهم الأولى فقط، أما أسماء أسرهم، أو عناوين سكناهم فلم يكن لها وجود، كان الجو متناقضاً؛ فهو خليط من الزمالة الأخوية، والارتياب المتبادل. ويمكن أن نقول: إن الشعار هنا هو: أحبب رفيقك ولكن لا تثق فيه أنملة لصالحك؛ لأنه يشي بك ولصالحه؛ إذ من الخير له ألا تعرضه للإغراء والوشاية. (٣).
٧ - غياب شموس الحرية عن الحياة الفكرية: فجميع الصحف ودور النشر خاضعة تماماً لرقابة الدولة، ومهمتها كيل المديح الأجوف الممل لقادة الحزب مع تسويغ أعمالهم وحماقاتهم.
وأبرز مثال على ذلك دائرة المعارف الروسية التي ملئت بالتشويهات وقلب الحقائق؛ إرضاء لهوى المتسلط.
стр. 760
وبالجملة فإن البلاد التي ساد فيها النظام الشيوعي قد تحولت إلى سجن كبير لا مكان فيه لحرية الرأي، ولا يستطيع الفرد أن يفصح عما يدور في خلده تجاه النظام؛ فهو يعيش في رعب دائم، وقلق مستمر.
٨ - إهدار كرامة المرأة: فالمرأة في النظام الشيوعي أداة من أدوات الإنتاج للأطفال، وما دامت أدوات الإنتاج الأخرى على الشيوع فينبغي أن تكون المرأة كذلك.
ولقد تحققت شيوعية المرأة في مجتمعهم بصورة مستترة، لكنهم يريدون أن يتحول الواقع إلى نظام علني.
لقد أراد ماركس بمخططه أن تكون كل أنثى لكل ذكر، أو أن تتحول كل امرأة في مجتمعه إلى أنثى من إناث الدولة، وكل رجل من رجال مجتمعه إلى فحل من فحول الدولة، فيجمعهم الفراش ثم يذهب كل منهما إلى عمله وإنتاجه؛ فلا يجوز - في نظرهم - أن يختص أحد بالمرأة؛ لأنهم يرون أن الزواج قيد لحريتها.
وبذلك تكون المرأة كلأً مباحاً للأعين والأيدي، وتتحول البشرية إلى حياة الغاب والقطيع.
ولقد لجأ الشيوعيون في سبيل إفساد المرأة إلى أساليب ماكرة؛ حيث ألقوا في روعها أنها إذا تحررت من تبعيتها الاقتصادية للرجل فستكون حرة طليقة، كما أفهموها أن الدين شيء صنعه الرجل؛ لتظل المرأة تحت سلطانه؛ فإذا خلعت ربقة الدين، وتحررت من قيود الأخلاق - فستنعم بالحرية، والحياة السعيدة.
فما الذي حصل؟ لقد تحقق لهم ما يريدون.
ولكن هل تحققت السعادة للمرأة؟ وهل كانت النتائج في صالحها وصالح المجتمع؟
الجواب: لا؛ فلقد لاحظوا نذر الكارثة؛ إذ انتشرت الأمراض، وكثر الإجهاض، وبدأ الشعب الروسي يتناقص؛ فَحَرَّموا الإجهاض، فأخفقوا؛ لأن الشباب اعتاد الزنا والفواحش فأباحوا الإجهاض، ووزعوا حبوب منع الحمل مجاناً، وكافأوا الأم براتب عن كل مولود بِغَضِّ النظر عن شرعيته من عدمها.
كما اضطربوا في الطلاق؛ حيث أباحوه، ثم حرموه، ثم حدَّدوه، وهكذا أصبحت المرأة ميداناً لتجاربهم وتخبُّطهم.
٩ - تخبط نظام الأسرة: فمن أهداف نظام الشيوعية القضاء على نظام الأسرة؛ فالكيان الأسري الذي يربط أفراد الأسرة بروابط لها قوتها وقدسيتها - يتعارض في نظر الماركسية - مع الرابطة المقدسة الكبرى - الأم - التي هي الدولة.
فهي تطلب من الفرد أن يفنى في الأمة فناء تاماً يتلاشى فيه كل انتماء لدين، أو رحم، أو وطن، ويحل محل ذلك الانتماء للدولة بنظمها الماركسية.
ومن هنا قَوَّضت الشيوعية كل التقاليد والشرائع المُرَغِّبة في الزواج حتى أصبح الأمر فوضى لا حد لها.
وتهدف من وراء ذلك أن ينشأ الأطفال نشأة ماركسية تقوم فيها الدولة بدور الحضانة والتربية والتعليم دونما حاجة ماسة إلى أبوة، أو أمومة، أو بُنُوَّة؛ فالرجال رجال الدولة والنساء نساؤها، والأطفال الذين هم ثمرة هذه العلاقات الجنسية - المشروعة أو غير المشروعة - هم أبناء الدولة - ومعلوم أن الفرد في النظام الشيوعي ليس ملكاً لنفسه، ولكنه ملك للدولة؛ ولهذا فهم لا يحبذون الترابط الأسري؛ لأجل أن يكون الولاء خالصاً للدولة.
ثانياً: الآثار المترتبة على الإلحاد:
لقد اعتنقت الشيوعية الإلحاد، وقام عليه أكبر الدول في الشرق وهي روسيا، حيث حملت في بنودها رفض الغيب، والنظر إلى الحياة كلها من منظور مادي بحت.
ولقد أصبح الإلحاد ظاهرة عالمية؛ فالعالم الغربي في أوروبا وأمريكا - وإن كان وارثاً في الظاهر للعقيدة النصرانية - إلا أنه ترك هذه العقيدة تقريباً، وأصبح إيمان الناس هناك بالحياة الدنيا، وأصبحت الكنيسة مجرد تراث تافه، وأصبح الإلحاد هو الدين الرسمي المنصوص عليه في دساتير البلدان الأوروبية والأمريكية، ويعبر عن ذلك بالعلمانية تارة، وباللادينية تارة أخرى.
стр. 761
والإلحاد له آثاره السيئة، وثمراته المنتنة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات؛ فالأمم الكافرة تعيش حياة صعبة معقدة لا يجدون حلاً لأكثر مشكلاتهم؛ نظراً لغياب المنهج الصحيح وهو دين الإسلام، فهم يعاقبون في هذه الدنيا أشد أنواع العقوبات، وإن ماتوا على كفرهم وإلحادهم فالخلود في النار بانتظارهم. ولقد مرَّ بنا في الصفحات الماضية ذكر لما تعانيه تلك الأمم بسبب كفرها وإلحادها، وبعدها عن الله، وفيما يلي إجمال للآثار المترتبة على الإلحاد زيادة على ما مضى (١):
١ - القلق والاضطراب: فالملاحدة محرومون من طمأنينة القلب، وسكون النفس، قال الله - تعالى -: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:١٢٤].
كيف لا يصيب الملاحدة القلق والهم والغم وفي داخل كل إنسان أسئلة محيرة؟ من خلق الإنسان؟ ومن خلق الحياة؟ وما نهايتها؟ وما بدايتها؟ وما سر هذه الروح التي لو خرجت لأصبح الإنسان جماداً؟
من يجيب عن تلك التساؤلات؟ آلشيوعية؟! أنى لها؟
ثم إن هذه الأسئلة قد تهدأ في بعض الأحيان بسبب مشاغل الحياة، إلا أنها ما تلبث أن تعود، ملحة على صاحبها.
وما نراه اليوم من كثرة الانتحارات، وإدمان المخدرات إلا هروب من ذلك الواقع المؤلم.
٢ - الأثرة والأنانية: فلا رحمة، ولا شفقة، ولا بر بالوالدين، ولا صلة للأرحام، ولا إحسان إلى الجيران وسائر الناس؛ فكل فرد معني بنفسه فحسب؛ فالإلحاد لا يعير هذه الروابط أدنى اهتمام.
٣ - حب الجريمة: فالملحد يجد في نفسه حباً للجريمة، وإرادة الانتقام، ورغبة في التشفي من كل موجود.
كما أن الثقة بين الناس في المجتمع الملحد شبه مفقودة؛ فكلٌ يخاف من أقرب الناس إليه.
٤ - الانطلاق في الإباحية: فالملحد لا يحافظ على عرض أحد، ولا يؤتمن على مال، أو حرمة إلا أن يعجز عن الوصول إلى شيء من ذلك.
ومتى ساعدته الفرصة، وظن أنه بمأمن من العقوبة - عاث في الأعراض والأموال غير متحرج من انتهاك حرماتها.
وقد يقع انتهاك الأعراض، وغشيان الحرمات، ونحوها من غير الملحد بدافع الشهوة، أما الملحد فإنه يأتيها مستبيحاً لها.
وضرر الطائفة التي ترتكب الفسوق مستبيحة له أشد من ضرر من يفعله معتقداً أنه يأتي أمراً محرماً.
٥ - الإجرام السياسي: وهذا من أعظم آثار الإلحاد؛ ذلك أن الأخلاق المادية الإلحادية ملأت قلوب أصحابها بالقسوة والجبروت مما دفعهم إلى تطبيق ذلك عملياً؛ ولذلك ترى الدول الكبرى كيف تفعل بالدول المستعمرة من الإهانة، والقتل، والإذلال، والتشريد.
هذا شيء من الآثار المترتبة على الإلحاد، وقد جاء القرآن بما يدل على ذلك.
قال تعالى: فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:١٢٥].
وقال : حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:٣١].
وقال : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:٥٥].
ولقد عبر عن ذلك العذاب النفسي والهلع الذي لا يهدأ فريق من كبار فلاسفة الملاحدة، فمنهم على سبيل المثالث:
стр. 762
أ - الفيلسوف الإنكليزي - هربارت سبنسر: فلما نظر إلى الوجود بالمنظار المادي المحدود الذي لا يفسر الحياة تفسير المؤمنين بالله واليوم الآخر - بدت له الحياة تافهة حقيرة لا تستحق البقاء؛ حيث قال ذلك في خاتمة كتابه المبادئ الأولى ..
ولما دنا الموت منه نظر وراءه يستعرض حياته، فإذا هي في نظره أيام كلها تنقضي في كسب الشهرة الأدبية، دون أن يتمتع بشيء من الحياة نفسها؛ فَسَخِر من نفسه، وتمنى لو أنه قضى أيامه الدابرة حياة يسيرة، سعيدة.
ب - الفيلسوف الملحد (شوبنهور): وهو فيلسوف التشاؤم، قال: إننا لو تأملنا الحياة المصطخبة لرأينا الناس جميعاً يشتغلون بما تتطلبه من حاجة، وشقاء، ويستنفذون كل قواهم لكي يرضوا حاجات الحياة التي لا تنتهي، ولكي يمحو أحزانها الكثيرة ..
والسبب في تشاؤمه أنه عزل عن تصوره مسألة الإيمان بالله، واليوم الآخر.
ج - الفيلسوف الفرنسي الوجودي (جان بول سارتر): ذلك الملحد الذي أبصر الوجود كله من خلال دوائر القلق، والغثيان، والمتاعب والآلام، وكتب في ذلك جملة قصص ومسرحيات ضمنها آراءه الفلسفية الوجودية، التي تتقيأ المكاره، والتي أبرز فيها الحياة تافهة، حقيرة، مملوءة بالمشقيات، مشحونة بالآلام
ثالثاً: سقوط الشيوعية:
لقد أخفقت الشيوعية في التطبيق أيما إخفاق، وقادت البشرية إلى ويلات إثر ويلات، ونزلت بالمستوى البشري إلى أحط الدركات.
وبعد ذلك كله سقطت الشيوعية وهوت من عليائها؛ حيث تفككت دولها، وانفرط عقدها، وسُلَّ نظامها.
ولم يكن سقوط الشيوعية مفاجأة لمن سبر أغوارها، وعرف أطوارها؛ ذلك لأنها قامت على أسس لا يمكن أن تدوم وتخلد، حيث أسست على شفا جرف هار فانهار بأصحابه.
هذا وقد تكلم كثير من الكتاب المسلمين على نهاية الشيوعية المحتومة قبل أن تسقط بسنوات عديدة، وذلك لأن المسلمين يعتقدون بيقين ثابت أن الشيوعية مبدأ ولد ميتاً، وحكمهم عليها - منذ عرفوها - ليس من باب التنبؤ، والضرب بالرمل، أو علم الغيب.
وإنما هو حكم منتزع من وحي عقيدتهم، وهدي دينهم.
إنها مبدأ أرضي، والمبادئ الأرضية لا تثبت للمبادئ الربانية.
ولئن حُرست هذه المبادئ الباطلة بالقوة الغاشمة فترة ما - فلن تظل محروسة إلى الأبد؛ لأن حراسها سيدركهم التعب، وسوف ينتابهم ما يرخي قبضتهم الحديدية. وقد ينخدع بالكذب أناس على أمل أن يُحَقَّق لهم شيءٌ، فإذا اكتشفوا أنه كسراب بقيعة كفروا به (١).
ثم إن سنة الله لا تتبدل ولا تتحول؛ ومن تلك السنن أن الزبد يذهب جفاءاً، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، والشيوعية زبد؛ فلا بد أن تذهب جفاء.
يقول الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار مبيناً مصير الشيوعية المحتوم، وذلك قبل أن تسقط بسنوات: ومهما كان الأمر فمصير الشيوعيين المحتوم معروف، ولن يكون هذا المصير إلا الفناء نهاية مذاهب الهدم والتخريب. وستتبدل الشيوعية على أيدي أتباعها قبل أن تتغير على أيدي أعدائها، ثم تلقى المصرع الذي يسلمها إلى القبر، فترتاح الإنسانية من هذا المذهب الباطل الهدام (٢).ويقول الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني متحدثاً عن ذلك المصير: وإذا كان لنا أن نتنبأ عن المستقبل فإن لنا أن نقول: إن الشيوعية وأنظمتها ستتساقط في كل أرجاء العالم طال الزمن أو قصر متى وهنت القبضة الحديدية الخانقة لرقاب الشعوب المحكومة بها، أو متى استنفد الذين دفعوا إليها وأقاموا أنظمتها أغراضهم منها وغدت عبئاً عليهم، أو تعمل ضد مصالحهم (٣).
وهكذا صحت التوقعات، فتراجعت الشيوعية شيئاً فشيئاً، ثم سقطت ذلك السقوط المريع على يد الرئيس ميخائيل جورباتشوف فأين فردوس الشيوعية المنتظر! وأين تفسيرهم المادي للتاريخ؛ ليفسر لنا ذلك السقوط؟!
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٣١
стр. 763
أربع وعشرون: حكم الانتماء إلى الشيوعية - فتوى المجمع الفقهي
وبعد أن تبين لنا أن الشيوعية مذهب كفري باطل، بل يعد أحط المذاهب الكفرية على مدار التاريخ- نأتي إلى حكم الانتماء إلى ذلك المذهب من خلال فتوى المجمع الفقهي الإسلامي، فلقد عرض موضوع الشيوعية على مجلس المجمع في دورته الأولى المنعقدة في ١٠ - ١٧/ ٨/١٣٩٨هـ. وبعد أن استعرض المجلس ذلك الموضوع أصدر فيه قراراً بيَّن فيه حكم الشيوعية والانتماء إليها، وهذا نصه (١):
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي درس فيما درسه من أمور خطيرة (موضوع الشيوعية والاشتراكية) وما يتعرض له العالم الإسلامي من مشكلات الغزو الفكري على صعيد كيان الدول، وعلى صعيد نشأة الأفراد وعقائدهم، وما تتعرض له تلك الدول والشعوب معاً من أخطار تترتب على عدم التنبه إلى مخاطر هذا الغزو الخطير.
ولقد رأى المجمع الفقهي أن كثيراً من الدول في العالم الإسلامي تعاني فراغاً فكرياً، وعقائدياً خاصة أن هذه الأفكار والعقائد المستوردة قد أُعِدَّت بطريقة نفذت إلى المجتمعات الإسلامية، وأحدثت فيها خللاً في العقائد، وانحلالاً في التفكير والسلوك، وتحطيماً للقيم الإنسانية، وزعزعة لكل مقومات الخير في المجتمع.
وإنه ليبدو واضحاً جلياً أن الدول الكبرى على اختلاف نظمها واتجاهها قد حاولت جاهدة تمزيق شمل كل دولة تنتسب للإسلام؛ عداوة له، وخوفاً من امتداده، ويقظة أهله.
لذا ركزت جميع الدول المعادية للإسلام على أمرين مهمين: هما العقائد والأخلاق؛ ففي ميدان العقائد شجعت كل من يعتنق المبدأ الشيوعي المعبر عنه مبدئياً عند كثيرين بالاشتراكية، فجندت له الإذاعات والصحف، والدعايات البراقة والكتّاب المأجورين، وسمَّته حيناً بالحرية، وحيناً بالتقدمية، وحيناً بالديمقراطية، وغير ذلك من الألفاظ.
وسَمَّتْ كل ما يضاد ذلك من إصلاحات ومحافظة على القيم والمثل السامية والتعاليم الإسلامية - رجعية، وتأخراً وانتهازية، ونحو ذلك.
وفي ميدان الأخلاق دعت إلى الإباحية، واختلاط الجنسين، وسمت ذلك -أيضاً- تقدماً، وحرية، فهي تعرف تمام المعرفة أنها متى قضت على الدين والأخلاق فقد تمكنت من السيطرة الفكرية والمادية والسياسية.
وإذا ما تم ذلك لها تمكنت من السيطرة التامة على جميع مقومات الخير والإصلاح، وصرَّفتها كما تشاء، فانبثق ذلك الصراع الفكري، والعقائدي والسياسي، وقامت بتقوية الجانب الموالي لها، وأمدته بالمال، والسلاح والدعاية؛ حتى يتمركز في مجتمعه، ويسيطر على الحكم، ثم لا تسأل عما يحدث بعد ذلك من تقتيل وتشريد، وكبت للحريات، وسجن لكل ذي دين، أو خلق كريم.
ولهذا لما كان الغزو الشيوعي قد اجتاح دولاً إسلامية لم تتحصن بمقوماتها الدينية والأخلاقية تجاهه، وكان على المجمع الفقهي في حدود اختصاصه العلمي والديني أن ينبه إلى المخاطر، والتي تترتب على هذا الغزو الفكري، والعقائدي والسياسي الخطير الذي يتم بمختلف الوسائل الإعلامية والعسكرية وغيرها - فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة يقرر ما يلي:
يرى مجلس المجمع لفت نظر دول وشعوب العالم الإسلامي إلى أنه من المسلَّم به يقيناً أن الشيوعية منافية للإسلام، وأن اعتناقها كفر بالدين الذي ارتضاه الله لعباده، وهي هدم للمثل الإنسانية، والقيم الأخلاقية، وانحلال للمجتمعات البشرية.
стр. 764
والشريعة المحمدية هي خاتمة الأديان السماوية، وقد أنزلت من لدن حكيم حميد؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهي نظام كامل للدولة سياسياً، واجتماعياً، وثقافياً، واقتصادياً، وستظل هي المعول عليها - بإذن الله - للتخلص من جميع الشرور التي مزقت المسلمين، وفتت وحدتهم، وفرقت شملهم، سيما في المجتمعات التي عرفت الإسلام، ثم جعلته وراءها ظهرياً.
لهذا وغيره كان الإسلام بالذات هو محل هجوم عنيف من الغزو الشيوعي الاشتراكي الخطير؛ بقصد القضاء على مبادئه، ومثله، ودوله.
لذا فإن المجلس يوصي الدول والشعوب الإسلامية أن تتنبه إلى وجوب مكافحة هذا الخطر الداهم بالوسائل المختلفة، ومنها الأمور الآتية:
١ - إعادة النظر بأقصى السرعة في جميع برامج ومناهج التعليم المطبقة حالياً فيها بعد أن ثبت أنه قد تسرب إلى بعض هذه البرامج والمناهج أفكار إلحادية وشيوعية مسمومة مدسوسة تحارب الدول الإسلامية في عقر دارها، وعلى يد نفرٍ من أبنائها من معلمين، ومؤلفين، وغيرهم.
٢ - إعادة النظر بأقصى السرعة في جميع الأجهزة في الدول الإسلامية، وبخاصة في دوائر الإعلام والاقتصاد والتجارة الداخلية، والخارجية وأجهزة الإدارات المحلية من أجل تنقيتها وتقويمها، ووضع أسسها على القواعد الإسلامية الصحيحة التي تعمل على حفظ كيان الدول والشعوب، وإنقاذ المجتمعات من الحقد، والبغضاء وتنشر بينهم روح الأخوة، والتعاون، والصفاء.
٣ - الإهابة بالدول والشعوب الإسلامية أن تعمل على إعداد مدارس متخصصة، وتكوين دعاة أمناء؛ من أجل الاستعداد لمحاربة هذا الغزو بشتى صوره، ومقابلته بدراسات عميقة ميسرة لكل راغب بالاطلاع على حقيقة الغزو الأجنبي ومخاطره من جهة، وعلى حقائق الإسلام وكنوزه من جهة أخرى.
ومن ثمَّ فإن هذه المدارس، وأولئك الدعاة كلما تكاثروا في أي بلد إسلامي يرجى أن يقضوا على هذه الأفكار المنحرفة الغريبة.
وبذلك يقوم صف علمي عملي منظم واقعي؛ من أجل التحصن ضد جميع التيارات التي تستهدف هذه البقية من مقومات الإسلام في نفوس الناس.
كما يهيب المجلس بعلماء المسلمين في كل مكان، وبالمنظمات والهيئات الإسلامية في العالم أن يقوموا بمحاربة هذه الأفكار الإلحادية الخطيرة التي تستهدف دينهم، وعقائدهم، وشريعتهم، وتريد القضاء عليهم وعلى أوطانهم وأن يوضحوا للناس حقيقة الاشتراكية، والشيوعية، وأنها حرب على الإسلام.
والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الرئيس/ عبدالله بن محمد بن حميد.
نائب الرئيس/ محمد بن على الحركان.
الأعضاء:
١ - عبد العزيز بن عبد الله بن باز. ٢ - محمد محمود الصواف.
٣ - صالح بن عثيمين. ٤ - محمد بن عبد الله بن سبيل.
٥ - محمد رشيد قباني. ٦ - مصطفى الزرقاء.
٧ - محمد رشيدي. ٨ - عبد القدوس الهاشمي الندوي.
٩ - أبو بكر جومي.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٦٤
стр. 765
خمس وعشرون: الانتشار ومواقع النفوذ
تنتشر الشيوعية في أماكن كثيرة من العالم فعلى مستوى الأفراد لا يكاد صقع من أصقاع العالم يخلو من معتنقين لها، إذ تنتشر عبر الوسائل والقنوات المختلفة.
أما على مستوى الحكومات والأحزاب والتنظيمات فتنتشر في أماكن عديدة، فالشيوعية حكمت عدة دول منها:
١ - الاتحاد السوفياتي. ٢ - الصين.
٣ - تشيكوسلوفاكيا. ٤ - المجر.
٥ - بلغاريا. ٦ - بولندا.
٧ - ألمانيا الشرقية. ٨ - رومانيا.
٩ - يوغسلافيا. ١٠ - ألبانيا.
١١ - كوبا.
ومعلوم أن دخول الشيوعية لتلك الدول كان بقوة الحديد والنار والتسلط الاستعماري، ولذلك فإن جل شعوب تلك الدول أصبحت تتململ من قبضة الشيوعية بعد أن استبانت لها الحقيقة الواضحة، فلم تكن الشيوعية هي الفردوس المنتظر.
وبالتالي فقد بدأت الثورات تظهر هنا وهناك كما حدث في بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا، كما أنك لا تكاد تجد دولتين شيوعيتين في وئام تام.
أما على مستوى الأحزاب والتنظيمات فقد دخلت الشيوعية في أماكن شتى، ومنها بعض دول العالم الإسلامي؛ حيث استفاد الشيوعيون من جهل بعض الحكام، وحرصهم على تدعيم كراسيهم ولو على حساب الدين؛ فالشيوعية اكتسحت أفغانستان، وشردت شعبها المسلم، كما أنها تحكم بعض الدول الإسلامية بواسطة عملائها.
كما أنها أسست أحزاباً لها في مصر، والعراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين والأردن، وسوريا، والجزائر، واليمن، وغيرها.
ومواقف تلك الأحزاب العربية من قضايا العرب والمسلمين لا تخفى؛ فهي تعج بالخيانة، ويصدق ذلك ويشهد له الحقائق الدامغة لدى الباحثين والمتابعين.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٨٦
стр. 766
الخلاصة
- الشيوعية فكرة قديمة ظهرت في التاريخ أكثر من مرة على اختلاف في تطبيقها، والدعوة إليها؛ فلقد دعا أفلاطون إلى شيوعية المال والنساء، وقال بالشيوعية مزدك حيث دعا إلى اشتراك الناس بالمال والنساء، وتسمى حركته المزدكية، كما دعا إلى الشيوعية القرامطة الباطنية حيث دعوا إلى الإباحية والاشتراك في النساء، ثم توالت الدعوات على أيدي بعض الأفراد من الكتاب إلى أن ظهرت الشيوعية الماركسية الحديثة.
- الشيوعية الماركسية حركة يهودية أسسها كارل ماركس في القرن التاسع عشر الميلادي وطبقها من جاء بعده من زعماء الشيوعية، وتقوم على الإلحاد، وإلغاء الملكية الفردية، وتنظر إلى الحياة من منظور مادي، وتسعى إلى تحقيق أهدافها بالحديد والنار، وبكل ما أوتيت من وسائل.
- من أشهر شخصيات الماركسية كارل ماركس، وفريديك إنجلز، ولينين، وستالين، وتروتسكي، وخروتشوف، وبريجنيف، وأندربوف، وجورباتشوف، الذي انهارت على يده الشيوعية.
- قامت الشيوعية لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بالمجتمع الذي نشأت فيه، ومنها ما يعود إلى شخصية مؤسسيها، ومنها أسباب خارجة أخرى.
- من أسباب قيام الشيوعية: الطغيان الكنسي، ومظالم النظام الرأسمالي، والخواء الروحي، والمكر اليهودي، والجهل بدين الإسلام، والهالة الإعلامية للشيوعية.
- الشيوعية تنتشر في أماكن كثيرة من العالم سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الدول.
- تقوم الشيوعية على معتقدات باطلة، وأصول وأسس واهية، لايقرها عقل صحيح، ولا فطرة سليمة، فضلاً عن النقل الصحيح.
- أخلاق الشيوعية تقوم على المصالح؛ فالغاية تسوغ الواسطة لديهم.
- من أخلاقهم المنحطة: البطش، والجبروت والخيانة، والغدر، والظلم، والتفنن في التعذيب، والتعطش لسفك الدماء.
- قامت الشيوعية لأهداف متعددة أهمها خدمة المصالح اليهودية، ونشر الإلحاد، وبث الإباحية، والقضاء على الحياة الأسرية، ومعارضة الملكية الفردية.
- للشيوعية وسائل متعددة متنوعة توصلوا من خلالها إلى تحقيق أهدافهم.
- الشيوعية تقف ضد الإسلام، وتعاديه أشد المعاداة، ولها طرق عديدة في حرب الإسلام وأهله، بهدف القضاء المبرم على الإسلام، أو الحد من انتشاره.
- قامت الشيوعية بأعمال فظيعة، ومجازر رهيبة، وحصل للمسلمين بسببهم نكبات عديدة.
- تسللت الشيوعية إلى بلاد المسلمين واعتنقها ودعا إليها فئام من المسلمين بسبب الدعاية القوية، وانحراف كثير من المسلمين عن دينهم، وتقصيرهم في الدعوة إليه، والجهادِ في سبيل الله، وبسبب الهزيمة النفسية، وكثرة الخلافات، وانتشار البدع والخرافات، وبسبب سقوط الخلافة الإسلامية، وخيانة العملاء، وتركيز الغرب على إفساد المرأة والتعليم والإعلام في بلاد الإسلام إلى غير ذلك من الأسباب.
- لما قامت الشيوعية أسفرت عن وجهها الكالح، فلم تطبق ما دعت إليه من العدل والمساواة، وغير ذلك، وإنما كانت دعاواهم مجرد شعارات براقة يخدعون بها السُّذَّج؛ فلقد وقعوا في الطبقية، والتسلط، والاستبداد.
- عاش المجتمع الشيوعي بعد التطبيق عيشة الخوف والرعب؛ حيث التجسس والرقابة الصارمة، وغياب شموس الحرية، وإهدار كرامة المرأة، وتخبط نظام الأسرة.
- للإلحاد آثار وبيلة منها القلق، والأنانية، وحب الجريمة، والانطلاق في الإباحية.
- لقد أخفقت الشيوعية في التطبيق وقادت البشرية إلى ويلات إثر ويلات، ونزلت بالمستوى البشري إلى أحط الدركات.
- وبعد ذلك سقطت الشيوعية وهوت من عليائها.
- لم يكن سقوط الشيوعية مفاجأة لمن سبر أغوارها، وعرف أطوارها.
- فساد الشيوعية يغني عن إفسادها، وتصورها كافٍ في الرد عليها، وأدلة الشرع، والفطرة، والواقع تنقض مبادئ الشيوعية.
стр. 767
- الشيوعية مذهب فكري منافٍ للإسلام، واعتناقها كفر بالله، وبالدين الذي ارتضاه لعباده.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٦٨
فلما تبين بطلان الشيوعية ومدى ما أحدثته من بلايا، وما جرته على البشرية من رزايا - يتجلى لنا مدى حاجة البشرية، بل ضرورتها إلى الدين الحق، والمنهج القويم، الذي يكفل لها السير على طريق مستقيمة واضحة، تجد فيها السعادة، وتتحقق الراحة.
ولا ريب أن ذلك لا يوجد إلا في الإسلام الذي أكمله الله وارتضاه لعباده؛ فلن تجد البشرية الراحة، ولن تتحقق لها السعادة إلا بالأخذ به، وتطبيقه على جميع مناحي الحياة.
ومما يؤكد ذلك ويبرهن عليه - ما خص الله به دين الإسلام من الخصائص التي لا توجد في دين أو مذهب غيره.
ومن تلك الخصائص التي تثبت تميز الإسلام، وتفرده، ومدى حاجة البشرية إليه ما يلي:
١ - أنه جاء من عند الله، والله أعلم بما يصلح عباده أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤].
٢ - أنه يبين للإنسان بدايته، ونهايته، والغاية التي خلق من أجلها، قال -تعالى-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً [النساء:١].
وقال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:٥٥].
وقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦].
٣ - أنه دين الفطرة، فلا يتنافى معها، قال - تعالى -: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:٣٠]. قال العلماء فطرة الله: دين الإسلام (١).
٤ - أنه دين العدل والأخوة الصادقة، فلا ظلم فيه، ولا عنصرية ولا طبقية، ولا تعصب للون، أو جنس، أو عرف إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم [الحجرات:١٣].
٥ - أنه يعترف بالعقل ويدعو لإعماله، وفي الوقت نفسه يضع له غاية يقف عندها؛ حتى لا يتيه فيما لا طاقة له به.
٦ - أنه يعترف بالعواطف الإنسانية ويوجهها الوجهة الصحيحة.
٧ - أنه لا ينافي العلم الصحيح، بل يأمر به، ويحث عليه.
٨ - أنه يلبي حاجات الإنسان ويجمع بين مطالب الروح، والعقل، والجسد.
٩ - أن الله تكفل لمن أخذ به بالسعادة والعزة والنصر، والتمكين فرداً كان أو جماعة، قال - تعالى -: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون [النحل:٩٧].
وقال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين [المنافقون:٨]، وقال: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:٥١].
وقال: وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ [الصافات:١٧٣].
١٠ - أن فيه حلاً لجميع المشكلات، قال - تعالى -: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨].
١١ - اشتمال شريعة الإسلام بنصوصها وأصولها على أحكام ما لا يتناهى من الوقائع.
١٢ - أن شريعته أحكم ما تساس به الأمم، وأصلح ما يقضى به عند التباس المصالح، أو التنازع في الحقوق.
١٣ - عموم الإسلام وصلاحه لكل زمان، ومكان، وأمة، بل لا تصلح الأحوال إلا به.
١٤ - أنه دين المحبة، والاجتماع، والألفة والرحمة.
١٥ - أنه دين العمل، والجد، والحزم.
стр. 768
١٦ - أنه أبعد ما يكون عن التناقض وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا [النساء:٨٢].
١٧ - أنه يحمي معتنقيه من الفوضى، والضياع والتخبط، ويكفل لهم الراحة النفسية والفكرية.
١٨ - أنه يزكي العلوم والعقول، والنفوس والأخلاق.
وبالجملة فهو دين الكمال والرفعة، ودين الهداية والسمو؛ فهو يهدي العقول إلى ما تغفل أو تقصر عنه من وجوه الإصلاح، وهو الذي يقوي عزم الإنسان على القيام بالأعمال الجليلة، ويحثه على أن يتحرى بأعماله غاية ما يستطيع من الاتقان.
وإذا رأينا من المنتمين إليه، وهناً في العزم، أو صغراً في الهمة، أو انحرافاً عن سواء السبيل - فالدين بريء من تبعة هذه النقائص، وإنما تبعتها على أصحابها.
ورحم الله الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي إذ يقول: إنما مكنت للإسلام طبيعته ويسره، ولطف مدخله على النفوس، وملاءمته للفطر والأذواق، والعقول. ولو بقي الإسلام على روحانيته القوية، ونورانيته المشرقة، ولو لم يفسده أهله بما أدخلوه عليه من بدع، وشانوه به من ضلال - لطبَّق الخافقين، ولجمع أبناءه على القوة والعزة، والسيادة حتى يملكوا به الكون كله (١).
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٧١
стр. 769
أولا: التعريف
تنتسب الحركة الفكرية الداروينية إلى الباحث الإنجليزي شارلز داروين الذي نشر كتابه أصل الأنواع سنة ١٨٥٩م الذي طرح فيه نظريته في النشوء والارتقاء مما زعزع القيم الدينية، وترك آثاراً سلبية على الفكر العالمي.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 770
ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات
- شارلز داروين: صاحب هذه المدرسة ولد في ١٢ فبراير ١٨٠٩م وهو باحث إنجليزي نشر في سنة ١٨٥٩م كتابه أصل الأنواع، وقد ناقش فيه نظريته في النشوء والارتقاء معتبراً أصل الحياة خلية كانت في مستنقع آسن قبل ملايين السنين. وقد تطورت هذه الخلية ومرت بمراحل منها، مرحلة القرد، انتهاء بالإنسان، وهو بذلك ينسف الفكرة الدينية التي تجعل الإنسان منتسباً إلى آدم وحواء ابتداء.
- آرثر كيت: دارويني متعصب، يعترف بأن هذه النظرية لا تزال حتى الآن بدون براهين فيضطر إلى كتابتها من جديد وهو يقول: "إن نظرية النشوء والارتقاء لا زالت بدون براهين، وستظل كذلك، والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر وهذا غير وارد على الإطلاق".
- جليان هكسلي: دارويني ملحد، ظهر في القرن العشرين، وهو الذي يقول عن النظرية:
- "هكذا يضع علم الحياة الإنسان في مركز مماثل لما أنعم به عليه كسيد للمخلوقات كما تقول الأديان".
- "من المسلَّم به أن الإنسان في الوقت الحاضر سيد المخلوقات ولكن قد تحل محله القطة أو الفأر".
- ويزعم أن الإنسان قد اختلق فكرة الله إبان عصر عجزه وجهله، أما الآن فقد تعلم وسيطر على الطبيعة بنفسه، ولم يعد بحاجة إليه، فهو العابد والمعبود في آنٍ واحد.
- يقول: "بعد نظرية داروين لم يعد الإنسان يستطيع تجنب اعتبار نفسه حيواناً".
ليكونت دي نوى: من أشهر التطوريين المحدثين، وهو في الحقيقة صاحب نظرية تطورية مستقلة.
د. هـ. سكوت: دارويني شديد التعصب، يقول: "إن نظرية النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها حتى لو أصبحت عملاً من أعمال الاعتقاد".
برتراند راسل: فيلسوف ملحد، يشيد بالأثر الدارويني مركزاً على الناحية الميكانيكية في النظرية، فيقول: "إن الذي فعله جاليليو ونيوتن من أجل الفلك فعله داروين من أجل علم الحياة".
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 771
ثالثا: الأفكار والمعتقدات
نظرية داروين: تدور هذه النظرية حول عدة أفكار وافتراضات هي:
- تفترض النظرية تطور الحياة في الكائنات العضوية من السهولة وعدم التعقيد إلى الدقة والتعقيد.
- تتدرج هذه الكائنات من الأحط إلى الأرقى.
- الطبيعة وهبت الأنواع القوية عوامل البقاء والنمو والتكيف مع البيئة لتصارع الكوارث وتتدرج في سلم الرقي مما يؤدي إلى تحسن نوعي مستمر ينتج عنه أنواع راقية جديدة كالقرد، وأنواع أرقى تتجلى في الإنسان، بينما نجد أن الطبيعة قد سلبت تلك القدرة من الأنواع الضعيفة فتعثرت وسقطت وزالت. وقد استمد داروين نظريته هذه من قانون الانتقاء الطبيعي لمالتوس.
- الفروق الفردية داخل النوع الواحد تنتج أنواعاً جديدة مع مرور الأحقاب الطويلة.
- الطبيعة تعطي وتحرم بدون خطة مرسومة، بل خبط عشواء، وخط التطور ذاته متعرج ومضطرب لا يسير على قاعدة مطردة منطقية.
- النظرية في جوهرها فرضية بيولوجية أبعد ما تكون عن النظريات الفلسفية.
- تقوم النظرية على أصلين كل منهما مستقل عن الآخر:
١ - المخلوقات الحية وجدت في مراحل تاريخية متدرجة ولم توجد دفعة واحدة وهذا الأصل من الممكن البرهنة عليه.
٢ - هذه المخلوقات متسلسلة وراثيًّا ينتج بعضها عن بعض بطريقة التعاقب خلال عملية التطور البطيئة الطويلة. وهذا الأصل لم يتمكنوا من البرهنة عليه حتى الآن لوجود حلقة أو حلقات مفقودة في سلسلة التطور الذي يزعمونه.
- تفترض النظرية أن كل مرحلة من مراحل التطور أعقبت التي قبلها بطريقة حتمية، أي أن العوامل الخارجية هي التي تحدد نوعية هذه المرحلة، أما خط سيرها ذاته بمراحله جميعها فهو خط مضطرب لا يسعى إلى غاية مرسومة أو هدف بعيد لأن الطبيعة التي أوجدته غير عاقلة ولا واعية، بل إنها تخبط خبط عشواء.
الآثار التي تركتها النظرية:
- قبل ظهور النظرية كان الناس يدعون إلى حرية الاعتقاد بسبب الثورة الفرنسية، ولكنهم بعدها أعلنوا إلحادهم الذي انتشر بطريقة عجيبة وانتقل من أوروبا إلى بقاع العالم.
- لم يعد هناك أي معنى لمدلول كلمة: آدم، وحواء، الجنة، الشجرة التي أكل منها آدم وحواء، الخطيئة (حسب اعتقاد النصارى بأن المسيح قد صلب ليخلص البشرية من أغلال الخطيئة الموروثة التي ظلت ترزح تحتها من وقت آدم إلى حين صلبه).
- سيطرة الأفكار المادية على عقول الطبقة المثقفة وأوحت كذلك بمادية الإنسان وخضوعه لقوانين المادة.
- تخلت جموع غفيرة من الناس عن إيمانها بالله تخليًّا تامًّا أو شبه تام.
- عبادة الطبيعة، فقد قال داروين: "الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق". ولكن لم يبين ما هي الطبيعة وما الفرق بين الاعتقاد بوجود الله الخالق ووجود الطبيعة؟
وقال: إن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الله هو بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت.
- لم يعد هناك جدوى من البحث في الغاية والهدف من وجود الإنسان لأن داروين قد جعل بين الإنسان والقرد نسباً، بل زعم أن الجد الحقيقي للإنسان هو خلية صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين.
- أهملت العلوم الغربية بجملتها فكرة الغائية بحجة أنها لا تهم الباحث العلمي ولا تقع في دائرة علمه.
- استبد بالناس شعور باليأس والقنوط والضياع وظهرت أجيال حائرة مضطربة ذات خواء روحي، حتى أن القرد – جدهم المزعوم – أسعد حالاً من كثير منهم.
- طغت على الحياة فوضى عقائدية، وأصبح هذا العصر عصر القلق والضياع.
стр. 772
كانت نظرية داروين إيذاناً لميلاد نظرية فرويد في التحليل النفسي، ونظرية برجسون في الروحية الحديثة، ونظرية سارتر في الوجودية، ونظرية ماركس في المادية، وقد استفادت هذه النظريات جميعاً من الأساس الذي وضعه داروين واعتمدت عليه في منطلقاتها وتفسيراتها للإنسان والحياة والسلوك.
(فكرة التطور) أوحت بحيوانية الإنسان، و (تفسير عملية التطور) أوحت بماديته.
نظرية التطور البيولوجية انتقلت لتكون فكرة فلسفية داعية إلى التطور المطلق في كل شيء، تطور لا غاية له ولا حدود، وانعكس ذلك على الدين والقيم والتقاليد، وساد الاعتقاد بأن كل عقيدة أو نظام أو خلق هو أفضل وأكمل من غيره، مادام تالياً له في الوجود الزمني.
استمد ماركس من نظرية داروين مادية الإنسان وجعل مطلبه في الحياة ينحصر في الحصول على (الغذاء والسكن والجنس) مهملاً بذلك جميع العوامل الروحية لديه.
استمد فرويد من نظرية داروين حيوانية الإنسان فالإنسان عنده حيوان جنسي، لا يملك إلا الانصياع لأوامر الغريزة وإلا وقع فريسة الكبت المدمر للأعصاب.
استمد دور كايم من نظرية داروين حيوانية الإنسان وماديته وجمع بينهما بنظرية العقل الجمعي.
استفاد برتراند راسل من ذلك بتفسيره لتطور الأخلاق الذي تطور عنده من المحرم (التابو) إلى أخلاق الطاعة الإلهية ومن ثم إلى أخلاق المجتمع العلمي.
والتطور عند فرويد أصبح مفسِّراً للدين تفسيراً جنسيًّا: "الدين هو الشعور بالندم من قتل الأولاد لأبيهم الذي حرمهم من الاستمتاع بأمهم ثم صار عبادة للأب، ثم عبادة الطوطم، ثم عبادة القوى الخفية في صورة الدين السماوي، وكل الأدوار تنبع وترتكز على عقدة أوديب".
· دور اليهود والقوى الهدامة في نشر هذه النظرية:
لم يكن داروين يهوديًّا، بل كان نصرانيًّا، ولكن اليهود والقوى الهدامة وجدوا في هذه النظرية ضالتهم المنشودة فعملوا على استغلالهم لتحطيم القيم في حياة الناس.
- تقول بروتوكولات حكماء صهيون: "لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء ولاحظوا هنا أن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحاً لنا على التأكيد".
· نقدها:
- نقدها آغاسيرز في إنجلترا، وأوين في أمريكا: "إن الأفكار الداروينية مجرد خُرافة علمية وأنها سوف تنسى بسرعة". ونقدها كذلك العالم الفلكي هرشل ومعظم أساتذة الجامعات في القرن الماضي.
- كريسي موريسون: "إن القائلين بنظرية التطور لم يكونوا يعلمون شيئاً عن وحدات الوراثة (الجينات) وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقاً، أعني عند الخلية".
- أنتوني ستاندن صاحب كتاب العلم بقرة مقدسة يناقش الحلقة المفقودة وهي ثغرة عجز الداروينيون عن سدها فيقول: "إنه لأقرب من الحقيقة أن تقول: إن جزءً كبيراً من السلسلة مفقودة وليس حلقة واحدة، بل إننا لنشك في وجود السلسلة ذاتها".
- ستيوارت تشيس: "أيد علماء الأحياء جزئيًّا قصة آدم وحواء كما ترويها الأديان، وأن الفكرة صحيحة في مجملها".
- أوستن كلارك: "لا توجد علامة واحدة تحمل على الاعتقاد بأن أياً من المراتب الحيوانية الكبرى ينحدر من غيرها، إن كل مرحلة لها وجودها المتميز الناتج عن عملية خلق خاصة متميزة، لقد ظهر الإنسان على الأرض فجأة وفي نفس الشكل الذي تراه عليه الآن".
- أبطل باستور أسطورة التوالد الذاتي، وكانت أبحاثه ضربة قاسية لنظرية داروين.
الداروينية الحديثة:
- اضطرب أصحاب الداروينية الحديثة أمام النقد العلمي الذي وجه إلى النظرية، ولم يستطيعوا أمام ضعفها إلا أن يخرجوا بأفكار جديدة تدعيماً لها وتدليلاً على تعصبهم الشديد حيالها فأجروا سلسلة من التبديلات منها:
- إقرارهم بأن قانون الارتقاء الطبيعي قاصر عن تفسير عملية التطور واستبدلوا به قانوناً جديداً أسموه قانون التحولات المفاجئة أو الطفرات، وخرجوا بفكرة المصادفة.
- أرغموا على الاعتراف بأن هناك أصولاً عدة تفرعت عنها كل الأنواع وليس أصلاً واحداً كما كان سائداً في الاعتقاد.
- أجبروا على الإقرار بتفرد الإنسان بيولوجياً رغم التشابه الظاهري بينه وبين القرد، وهي النقطة التي سقط منها داروين ومعاصروه.
- كل ما جاء به أصحاب الداروينية الحديثة ما هو إلا أفكار ونظريات هزيلة أعجز من أن نستطيع تفسير النظام الحياتي والكوني الذي يسير بدقة متناهية بتدبير الحكيم (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى).
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 773
رابعا: الجذور الفكرية والعقائدية
لقد عرفت هذه الفكرة قبل داروين، وقد لاحظ العلماء أن الأنواع المتأخرة في الظهور أكثر رقياً من الأنواع المتقدمة ومن هؤلاء: رأي باكنسون، لينو.
قالوا: "بأن التطور خطة مرسومة فيها رحمة للعالمين"، ولكن نظريتهم وصفت بأنها لاهوتية فنسيت داخل معامل الأحياء.
استوحى داروين نظريته من علم دراسة السكان، ومن نظرية مالتوس بالذات، فقد استفاد من قانونه في الانتخاب أو الانتقاء الذي يدور حول إفناء الطبيعة للضعفاء لمصلحة الأقوياء.
استفاد من أبحاث ليل الجيولوجية حيث تمكن من صياغة نظرية ميكانيكية للتطور.
صادفت هذه النظرية جواً مناسباً إذ كان ميلادها بعد زوال سلطان الكنيسة والدين، وبعد الثورة الفرنسية والثورة الصناعية حيث كانت النفوس مهيأة لتفسير الحياة تفسيراً ماديًّا بحتاً، ومستعدة لتقبل أي طرح فكري يقودها إلى مزيد من الإلحاد والبعد عن التفسيرات اللاهوتية، مصيبة كانت أم مخطئة.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 774
خامسا: الانتشار ومواقع النفوذ
بدأت الداروينية سنة ١٨٥٩م، وانتشرت في أوروبا، وانتقلت بعدها إلى جميع بقاع العالم، وما تزال هذه النظرية تدرّس في كثير من الجامعات العالمية، كما أنها قد وجدت أتباعاً لها في العالم الإسلامي بين الذين تربوا تربية غربية، ودرسوا في جامعات أوروبية وأمريكية.
والواقع أن تأثير نظرية داروين قد شمل معظم بلدان العالم كما شمل معظم فروع المعرفة الإنسانية من علمية وأدبية وغيرها. ولم يوجد في التاريخ البشري نظرية باطلة صبغت مناحي الفكر الغربي كما فعلت نظرية النشوء والارتقاء الداروينية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 775
الخلاصة
أن نظرية داروين دخلت متحف النسيان بعد كشف النقاب عن قانون مندل الوراثي واكتشاف وحدات الوراثة (الجينات) باعتباره الشفرة السرية للخلق واعتبار أن الكروموسومات تحمل صفات الإنسان الكاملة وتحفظ الشبه الكامل للنوع.
ولذا يرى المنصفون من العلماء أن وجود تشابه بين الكائنات الحية دليل واضح ضد النظرية لأنه يوحي بأن الخالق واحد ولا يوحى بوحدة الأصل، والقرآن الكريم يقرر بأن مادة الخلق الأولى للكائنات هي الماء وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء [النور:٤٥] وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ. [الأنبياء:٣٠].
وقد أثبت العلم القائم على التجربة بطلان النظرية بأدلة قاطعة وأنها ليست نظرية علمية على الإطلاق.
والإسلام وكافة الأديان السماوية تؤمن بوجود الله الخالق البارئ المدبر المصور الذي أحسن صنع كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من سلالة من طين ثم خلقه من نطفة في قرار مكين، والإنسان يبقى إنساناً بشكله وصفاته وعقله لا يتطور ولا يتحول وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١].
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي