← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38726

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (776 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

حادي عشر: أسباب انتشار الشيوعية في العالم الإسلامي لقد دخلت الشيوعية الماركسية كثيراً من بلاد المسلمين، وما كان ذلك ليتم لها؛ لأن مسوغات انتشارها في أوربا وروسيا كثيرة؛ وأبرزها غياب المنهج الصحيح وهو الإسلام. أما بلاد المسلمين فإنها تنعم بالدين الحق، فما حاجتها - إذاً - للشيوعية؟!. وكيف تسمح لمثل هذه المذاهب الباطلة أن تنخر في جسم الأمة وقد أغناها الله بوحي السماء عن زبالة أفكار أهل الأرض؟! والجواب عن ذلك أن الشيوعية دخلت بلاد الإسلام لأسباب عديدة منها (١): ١ - انحراف كثير من المسلمين، وجهلهم بعقيدتهم: فما كان للشيوعية أن تنتشر في بلاد المسلمين إلا عندما انحرف كثير من المسلمين عن دينهم، وجهلوا عقيدتهم، ونسوا حظاً مما ذكروا به. وإلا لما كانت العقيدة سليمة، والإيمان قوياً راسخاً، والتمسك بأمر الله قائماً - لم يجد الأعداء منفذاً ينفذون من خلاله، وإن وجدوا منفذاً فلن يجدوا مكاناً يؤثرون فيه، وإن وجدوا مكاناً ففي أندر الأحوال يقع ذلك، ثم سرعان ما يقاوم ويعالج. ٢ - الهزيمة النفسية الداخلية: فلما انحرف المسلمون عن دينهم أصابهم الوهن، وداخلتهم الهزيمة، ففقدوا العزة، وتدثروا الذلة، فسهل دخول المذاهب الهدامة ومنها الشيوعية. وإلا فالأمة العزيزة هي التي تعرف مقدار ما تأخذ، ومقدار ما تعطي، ونوع ما تأخذ، ونوع ما تعطي، وهي التي تعد نفسها بكل ما أوتيت من قوة حتى تحمي رأيها، فيما تأخذ وما تدع، وما تعطي وما تمنع؛ فالأمة التي تُشْرَب في نفوسها العزة يشتد فيها الحرص على أن تكون مستقلة بشؤونها، غنية عن أمم من غيرها، وتبالغ في الحذر في أن تقع في يد من يطعن في نحر كرامتها، ولا يستحيي الإنسانية أن تراه مهتضماً لحق من حقوقها. ٣ - هزيمة العالم الإسلامي أمام الهجمة الأوربية: فما كاد الأوربيون يمتلكون القوة المادية، ويستخدمون الآلة، ويعملون المصانع - حتى اتجهوا إلى دول العالم الثالث؛ بحثاً عن الأسواق؛ لبيع منتجاتهم الصناعية، وجلباً للمواد الخام اللازمة للصناعة. ولما كانت هذه الدول تطمع في الحصول على ما تريد بأبخس الأثمان، أو بلا ثمن أصلاً - فإنها استخدمت قوتها العسكرية. ولما كان العالم الإسلامي في غاية التخلف عسكرياً، وسياسياً، وصناعياً - لم يصمد أمام تلك الهجمة، وكان للهزيمة العسكرية أثرها في زعزعة العقيدة والشعور بالنقص، وتقليد الغالب، والتشبه بأخلاقه؛ ظناً منهم - لفرط جهلهم - أن أوربا لم تتطور إلا عندما اعتنقت الإلحاد، ورفضت الدين. ٤ - الاستعمار وما خلَّفه من دمار: فلقد عانى المسلمون من الاستعمار، وويلاته، حيث امتص المستعمرون دماء المسلمين، وخيراتهم، وأوطانهم، كما فرضوا عليهم أفكارهم ومذاهبهم الباطلة. ٥ - حال المسلمين المتردية: فَتَفَرُّق المسلمين، وتخلُّفهم، وتشتت كلمتهم - صار فتنة للكفار والمنافقين، والجهال؛ حيث استدلوا بذلك على بطلان الدين، كما سيأتي في الفقرة الآتية. ٦ - جعل واقع المسلمين في العصور المتأخرة هو الصورة التي تمثل الإسلام: فيروج الشيوعيون، وأذنابهم من الزنادقة المنتسبين للإسلام أن دين الإسلام دين تخلف، وانحطاط، وتأخر عن مواكبة الأحداث، ويستدلون على ذلك بواقع المسلمين في العصور المتأخرة، ويوهمون الناس بأنه لو كان ديناً حقاً لما انحدر المسلمون، وصاروا في ذيل الركب.

стр. 702

٧ - انتشار الخرافات والبدع: حيث شاعت في بلاد الإسلام بدع، وضلالات، وخرافات تروج لها المذاهب الباطلة والطرق الصوفية التي تقوم على الدجل، وعبادة القبور، والمبالغة في قصص الكرامات. كل ذلك اغتنمه الشيوعيون، وسددوا من خلاله سهامهم نحو الدين؛ ليروجوا أن الدين خرافة ودجل. ٨ - سقوط الخلافة الإسلامية: فلقد كانت تجمع المسلمين وترهب أعداء الله، مع ما كانت عليه في أواخر عهدها من انتشار البدع، ونخرها في جسد الخلافة. ٩ - التقصير في الدعوة إلى الله: ذلك أن كثيراً من المنتسبين إلى علوم الشريعة - فرطوا في جانب الغيرة على الحق، بل ربما كان منهم من يواد الملاحدة، ويتملقهم بالإطراء، ويغض الطرف عن إلحادهم، بل ربما شهدوا لهم بالإخلاص للدين. يفعلون ذلك رجاء متاع الحياة الدنيا، أو خشية أن يوصفوا بالتشدد والانغلاق أو رغبة بأن يوصفوا بالانفتاح وسعة الأفق، وهم يعلمون أنهم إنما يوالون طائفة تفسد على الأمة دينها وأخلاقها. ومن العلماء من أخلدوا إلى الأرض، فلا ينكرون على الناس شركهم بالله، وطوافهم حول الأضرحة، ولا يبينون الحق، ولا ينصحون للأمة، وربما زينوا للطواغيت باطلهم، وسوغوا لهم أعمالهم الإجرامية. ١٠ - ترك الجهاد في سبيل الله: حيث ركن أكثر المسلمين إلى ملذات الحياة الدنيا، فدبت إلى الجفون غفوة، فلم تكد الأمة تستفيق منها إلا ويد أجنبية تقبض على زمامها، وتديرها كما تشاء. ١١ - تركيز الغرب على إفساد التعليم والإعلام والمرأة: فشوه الإعلام صورة الإسلام وعلمائه، وروج للعري والإباحية والفوضى الجنسية، فغرق كثير من الشباب في هذا المستنقع الآسن، والشيوعية لا تُفَرِّخ إلا بمثل ذلك الجو. ثم إن الطعنة النجلاء، والخنجر المسموم - هو فساد التعليم، ومناهجه الدراسية، حيث قطعت صلة الطلاب برب الأرباب، وأصبحت مناهج الدين في زاوية ضيقة محدودة، فانفتح المجال على مصراعيه للشيوعية؛ حيث زاحمت علومها علوم الدين، بل أقصتها جانباً، ونَحَّتْها عن مجال التأثير؛ فشاع الجهل بالدين، وسهل دخول الأفكار المضللة إلى العقول. ١٢ - الابتعاث وما فيه من مفاسد: حيث يبتعث إلى بلاد الكفر مَنْ هو خالي الوفاض - في الغالب - فلا علم لديه، ولا ورع يزمُّه، ولا تقوى تردعه ولا عزة تمنعه، فيعيش في تلك البلاد فترة من الزمان، فيتأثر بما فيها من انحلال، وفساد، وكفر، وربما رجع بشهادة الدكتوراه بعد أن يفقد شهادة أن لا إله إلا الله، فيصبح بذلك معول هدم لأمته، وربما تولى زمام التأثير في المجالات المهمة؛ فيفرغ فيها كُثبة من سمومه، وفساده. ١٣ - خيانات العملاء والمنافقين: فلهؤلاء دور كبير في نشر الشيوعية، والتمكين لها، ولا أدل على ذلك من خيانة الأحزاب الشيوعية العربية للقضايا العربية والإسلامية؛ فذلك أمر تؤيده الحقائق المشهورة؛ فحيثما وُجِدَتْ مصلحة الاتحاد السوفييتي أو مصلحة إسرائيل فإن تلك الأحزاب تنحاز إلى تلك المصالح ضد المصالح الإسلامية والعربية. وأوامر الحزب الشيوعي اليهودي أوامر مقدسة عند الأحزاب الشيوعية العربية، حيث تنفذها دونما اعتراض. وحركات التحرر التي قامت ضد فرنسا، وبريطانيا تعد - في نظر الأحزاب الشيوعية العربية - حركات بورجوازية انتهازية لا تستحق الدعم والتأييد، بل تستحق المعارضة، والكفاح. وكل وجهة نظر سوفياتية تتعلق بالقضايا العربية أو الإسلامية هي الوجهة التي لا يجوز العدول عنها عند تلك الأحزاب. ١٤ - سوء التربية: وذلك بأن ينشأ الشخص في بيت خالٍ من آداب الإسلام ومبادئ هدايته، فلا يرى فيمن يقوم على أمر تربيته من نحو أب، أو أم، أو أخ - استقامةً، ولا يتلقى ما يَطْبَعُه على حب الدين، ويجعله على بصيرة من حكمته؛ فأقل شبهة تمس ذهن هذا الناشئ تنحدر به في هاوية الضلال. ١٥ - مصاحبة الملاحدة: فمن أسباب اعتناق الإلحاد أن يتصل الفتى الضعيف النفس بملحد يكون أقوى منه نفساً، وأبرع لساناً، فيأخذه ببراعته إلى سوء العقيدة، ويفسد عليه أمر دينه. ١٦ - قراءة الناشئ مؤلفات الملاحدة: فالملاحدة يدسون سموماً من الشبه تحت ألفاظ منمقة، فيصغى إليها فؤاد الناشئ، وتضعف نفسه أمام هذه الألفاظ المنمقة، والشبه المبهرجة، فلا يلبث أن يدخل في زمرة الملاحدة الألدَّاء. ١٧ - غلبة الشهوات: فقد تغلب الشهوات على نفس الرجل، فتريه أن المصلحة في إباحتها، وأن تحريم الشارع لها خالٍ من كل حكمة، فيخرج من هذا الباب إلى إباحية وجحود. هذه بعض الأسباب لانتشار الشيوعية في العالم الإسلامي سواء على مستوى أفراده، أو شعوبه، أو دوله. ثم إن بعض أسباب نشأة الشيوعية الحديثة تشترك مع أسباب دخولها في بلاد الإسلام. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٢٣

стр. 703

ثاني عشر: أخلاق الشيوعية (١) لا ريب أن عقيدة الإنسان ترسم له طريقه، وتحدد له معالم سلوكه ومعاملاته فالناس توجههم عقائدهم وأفكارهم، والانحراف في السلوك إنما هو ناتج عن خلل في الاعتقاد. ولهذا فلا غرو أن تفسد أخلاق الشيوعيين؛ لأن الأصل لديها منهار، وإذا انهار الأصل تداعت الأركان والفروع. بل إن عقائدهم أحط العقائد، فلا تسل - إذاً - عن فساد أخلاقهم، وما يتبع ذلك من انحطاط سلوكهم. فالشيوعيون على أتم الاستعداد لعمل أي شيء مناف للأخلاق، من غش وكذب، وخداع، في سبيل تحقيق مكاسبهم، والوصول إلى غاياتهم؛ فهم يأخذون بالمبدأ الميكافيلي: الغاية تسوغ الوسيلة. يقول إنجلز: إذا لم يكن المناضل الشيوعي قادراً على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقاً للظروف مهما تطلب منه ذلك من كذب، وتضليل، وخداع - فإنه لن يكون مناضلاً ثورياً حقيقياً. ولهذا فالشيوعيون لا يحجمون عن أي عمل مهما كانت بشاعته في سبيل غايتهم، وهي أن يصبح العالم شيوعياً تحت سيطرتهم. يقول لينين في رسالة بعث بها إلى الأديب الروسي مكسيم جوركي: إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشيء، إنما الشيء المهم هو أن يصبح الربع الباقي شيوعياً (٢). ولقد طبقوا هذه القاعدة في روسيا أيام الثورة، وكذلك في الصين، حيث أبيدت ملايين من البشر، كما أن اكتساحهم للجمهوريات الإسلامية كبخارى وغيرها، واكتساحهم لأفغانستان - ينضوي تحت هذه القاعدة. ومما تؤمن به الشيوعية من أخلاق - العنف، والسعيُ في إثارة الحقد والضغينة في نفوس العمال. ومن ذلك القسوة المتناهية؛ فلا يَتَصوَّر الفكر، ولا يتوهم الخيال لوناً من ألوان التعذيب الهمجي، والقمع الإجرامي، والإبادة الجماعية للمجموعات البشرية دون أية عاطفة إنسانية مع التفنن العجيب في وسائل التعذيب - إلا ويمارسه الشيوعيون بأقبح صوره، وأبشع مستوياته. بل لم يتورع القادة الشيوعيون - عن الاعتراف بتلك الأفاعيل ضد كل من خالفهم ولو كانوا رفقاء العمل الثوري، ومن حملة الفكرة الشيوعية. بل ربما كان هؤلاء أحق بأن يعاقبوا بأشد أنواع العذاب؛ فكأن الرحمة نزعت تماماً من قلوب هؤلاء القساة العساة العتاة. ومما تؤمن به الشيوعية وتدعو إليه من أخلاق - أنها تشجع على الفساد، والانحلال الخلقي، من شرب للخمور إلى ممارسة البغاء وسائر الفواحش إلى غير ذلك من طرق الفساد. ولقد صرح الرئيس اليوغسلافي الهالك - تيتو - في إحدى خطبه للشعب قائلاً: لقد تركنا لكم الخمر والنساء فخذوها، واتركوا لنا السياسة. (٣). ولهذا أصبحت المرأة في المجتمع الشيوعي أرخص سلعة في البلاد، فكانت ترمي بنفسها على الرجل ولاسيما الغريب، وقصارى ما تطلبه منه أن يتزوجها ولو مؤقتاً؛ لتفر خارج البلاد من جحيم الشيوعية. وصفوة المقال أن المجتمع الشيوعي هو أحط المجتمعات البشرية المعاصرة، سواء من الناحية الأخلاقية أو العقيدية، أو من ناحية الطمأنينة النفسية، والسعادة الاجتماعية؛ فهو مجتمع منحل، مذعور يخيم عليه كابوس الشقاء المطبق، إلى حد أن الإنسان في ذلك الوضع لا يكاد يفكر في أمل حقيقي للخلاص. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٩٧

стр. 704

ثالث عشر: القضاء على الأسر يزعم الملاحدة أن نظام الأسرة إنما هو ناشئ عن أوضاع اقتصادية مثله مثل سائر القيم والأخلاق، وليس هناك نظام إلهي بشأنه، ولهذا فهو قابل للتطور حسب الأحوال الاقتصادية لأن الأسرة في النظام الشيوعي حسب تصوراتهم إنما نشأت عن تطورات متلاحقة حسب تفسيرهم المادي للحياة كانت بدايتها على الأقسام الآتية (١): ١ - أسرة الجيل. ٢ - أسرة الشركاء. ٣ - الأسرة الزوجية. ٤ - الأسرة الوحدانية. ١ - أما أسرة الجيل – كما تصوروها – فيزعمون أن العلاقات الجنسية كانت مباحة بين أبناء الجيل الواحد بين الإخوة والأخوات ومحرمة فيما دون ذلك أي أن بين جيل الآباء وجيل الأبناء، واستمر في هذه المرحلة تصنيف المجموعات الزوجية تبعا للأجيال؛ الأبناء جيل والآباء جيل والأجداد جيل والأحفاد جيل، كل جيل لا يتزوج إلا من جيله ولا يصح التبادل بين الأجيال. ثم حدث تطور جديد فحرمت فيه العلاقة الجنسية بين الإخوة والأخوات بطريقة تدريجية أي كان التحريم أولا بين الإخوة والأخوات من الأم الواحدة ثم شمل التحريم بعد ذلك جميع الإخوة والأخوات الأباعد ثم زعموا أن أسرة الجيل هذه قد انقرضت. ٢ - أما أسرة الشركاء فقد كانت العلاقات الجنسية فيها مباحة للجميع في شراكة تامة بحيث أصبح الولد لا يعرف له أبا أكيدا. ومن هذه الأسرة انبثقت أسرة العشيرة. ٣ - أما الأسرة الزوجية فقد عرفت بمباشرة الرجل لزوجة واحدة في رباط زوجي ولكن تعدد الزوجات والخيانة الزوجية ظلتا من امتياز الرجل وأما المرأة فتطالب أن تكون على إخلاص تام للزوج فإذا زنت عوقبت عقابا شديدا وعند اختلاف الزوجين يرجع الأولاد إلى أبيهم كما كان الحال في السابق. ٤ - أما الأسرة الوحدانية فهي الأسرة التي تقوم على سيطرة الرجل لإنتاج أولاد لا يشك في صحة أبوتهم لكي يحصلوا على إرث مال أبيهم بعد وفاته، وفي هذه الأسرة يكون تسريح الزوجة أو عدمه بيد الرجل فقط وليس برضى الطرفين كما في رباط الزوجية السابق. وكانت الزيجة الوحدانية تقدما تاريخيا عظيما وزعموا أن الأسرة الوحدانية لم تقم على الأحوال الطبيعية التي كانت الأحوال الجنسية مشاعة بين الجميع، بل قامت على الأحوال الاقتصادية وانتصار الملكية الخاصة على الملكية العامة المشاعة. ولا شك أن القارئ يدرك تماما أن هذا التقسيم وهذا التنظيم إن هو إلا محض خيال وافتراء ومن العجيب أنهم يعترفون أن الناس في ذلك الزمن ما كانوا يعرفون الحضارة ولا التقدم ولا القراءة ولا الكتابة فمن أين لهم هذه السجلات التي استقوا منها هذه المعلومات الموغلة في القدم. ومن يصدق مثل هذه الترهات قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:١١١]. والإنسان في مفهومهم مرة يجعلونه بدائيا تافها بل حشرة من الحشرات ومرة يجعلونه أساس التطور حينما كان يعيش على نظام كل شيء مشاع ولهذا فهم يريدون أن يرجعوا الناس إلى تلك الحال التي يعبرون عنها بالحال السعيدة للمجتمع البشري والباطل لابد وأن يتناقض أهله فيه. فالأسرة في ظل الشيوعية كما عبر عنها "إنجلز" لا تسعد إلا في حال إلغاء الملكية الخاصة وذوبان الأفراد وكل مصالحهم في المجتمع العام وظهور شيوعية الجميع في الأموال والنساء والأطفال الذين تنتقل العناية بهم من الآباء والأمهات إلى المجتمع كله متمثلا في الدولة – أي إذا سادت الحياة البهيمية -.

стр. 705

يقول "إنجلز":"إن العلاقات بين الجنسين ستصبح مسألة خاصة لا تعني إلا الأشخاص المعنيين والمجتمع لن يتدخل فيها وهذا سيكون ممكنا بفضل إلغاء الملكية الخاصة وبفضل تربية الأولاد على نفقة المجتمع ونتيجة ذلك يكون أساسا الزواج الراهنان قد ألغيا فالمرأة لن تعود تابعة لزوجها، ولا الأولاد لأهلهم هذه التبعية التي ما تزال موجودة بفضل الملكية الخاصة". وقال أيضا:"فبانتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية عامة لا تبقى الأسرة الفردية هي الوحدة الاقتصادية للمجتمع وينقلب الاقتصاد البيتي الخاص إلى صناعة اجتماعية وتصبح العناية بالأطفال وتربيتهم من الشؤون العامة فيعني المجتمع عناية متساوية بجميع الأطفال سواء أكانوا شرعيين أم طبيعيين وبذلك يختفي القلق الذي يستحوذ على قلب الفتاة من جراء العواقب التي هي في زماننا أهم حافز اجتماعي – اقتصادي وخلقي – يعوقها عن تقديم نفسها بلا حرج لمن تحب أفلن يكون هذا سببا كافيا لازدياد حرية الوصال الجنسي شيئا فشيئا ومن ثم لنشوء رأي عام أكثر تساهلا فيما يتعلق بشرف العذارى وعار النساء" (١). فانظر هذا الكلام الساقط كيف أراد أن يضحي بكل شيء في تغيير حياة البشر ويقلبها رأسا على عقب في سبيل أن يمحي من الأذهان شرف العذارى وعار النساء هذا هو الحل الذي اقترحه المجرم "إنجلز" في قضائه على الشرف والحياة والحشمة عند المرأة وهذا هو مبلغه وأشباهه من العلم وكأن الحياة كلها متوقفة على وجود حرية الاتصال الجنسي شيئا فشيئا إلى أن يتحول إلى رأي عام أكثر تساهلا فيه وعندها تتم السعادة ويمحى شيء اسمه العار أو الحياء أو الحشمة؟! وإذا كان يحصل هذا في المجتمع المتحرر عن الملكية الفردية فلا يرد عليه - في مفاهيم – المجتمع الزراعي وتعاون أهله فيما بينهم للضرورة إلى هذا الترابط الأسري لأن ترابط الأسرة في المجتمع الزراعي أمر بدهي يتطلبه الرغبة في إتقان العمل وزيادة الإنتاج الذي يحتاج بدوره إلى تكاتف الأيدي العاملة فهذا يحرث وذاك يحصد وهذا يقوم بعملية الري وذاك بتحسين المزروعات وآخر بتخزينها وهكذا تفرض عليهم هذه الحالة تكاتفا أسريا قويا ولكن حينما جاء المجتمع الصناعي تفكك أمر الأسرة وذلك لعدم الحاجة إلى ذلك التكاتف الذي نشأ في العهد الزراعي. فإن العمل في الصناعة يقوم على الفردية واستقلال كل شخص بعمله دون اشتراط وجود آخرين إلى جانبه فعمله خاص به وهو مسؤول عنه وحده ويأخذ أجره على العمل وحده كذلك، وهذا يشمل أيضا المرأة حينما تعمل.

стр. 706

وبالتالي فالمجتمع هنا يصبح كل فرد فيه حر ليس له علاقة بغيره إن أراد الرجل بقاء صداقته مع زوجته فله ذلك وإن أراد تركها فله بكل يسر والمرأة كذلك لها أن تقطع علاقتها الزوجية في أي وقت شاءت فعملها ووظيفتها وما تملكه من المال يجعلها لا تكترث بأي علاقة دائمة مع أي شخص سواء أكان الزوج أو الأولاد أو الأقارب أو الأجانب عنها وبالتالي فالعلاقات الجنسية الحرة هي السمة البارزة لهذا المجتمع الصناعي – أي الإباحية والفجور – وهذه هي النتيجة التي يعيشها العالم المادي الملحد حالة من التفكك الأسري والإباحية المطلقة والتمرد على كل شيء، مجتمع نزعت منه الرحمة وصلة ذوي القربى والعاطفة نحو الآخرين والعفة والحياة ولهذا أصبحوا أحط من الأنعام قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:٤٤]، لأن الأنعام يعطف بعضها على بعض أقل شيء في مرحلة الصغر فالدابة ترفع حافرها عن ولدها بينما هؤلاء يرمون بأولادهم في المحاضن الحكومية وبعضهم يرمونهم من الأدوار العلوية لبيوتهم أو يحبسونهم في البيوت حتى الموت كما سمعنا وقرأنا في المجلات والنشرات وهي صور لا يطيق العاقل سماعها لبشاعتها وهولها. والمحسنون منهم يرمون أولادهم في الحضانات الحكومية ولا يفكرون فيهم بعد ذلك وهذا هو ما كان يريده الشيطان الرجيم "كارل ماركس". تعقيب: لقد داس هؤلاء الملاحدة كل القيم إذ لا وجود لها عندهم إلا من خلال ما تمر عليه الظروف الاقتصادية التي هي المؤسس الحقيقي بزعمهم لكل القيم والأخلاق والأسرة والدين وسائر العلاقات كما عرفت سابقا، ومن هنا ساغ لهم القول بأن الملكية الجماعية الشيوعية في زمن الشيوعية الأولى البدائية كانت صوابا لأنها كانت هي الوضع الحتمي لذلك الوقت ثم تغيرت بفعل التطور إلى ملكية فردية وكانت كذلك مرحلة مرت ثم نشأ الرق والإقطاع والرأسمالية فكانت كل منها صوابا في وقتها يحصل التناقض الحتمي ومع القول بحتمية وقوع كل مرحلة إلا أنهم يقولون إن كل مرحلة جديدة تجعل السابقة خطأ يجب تركه ومحاربته بعد تجاوزها إلى أن تصل إلى الشيوعية الماركسية فتستقر حينئذ الأوضاع ويدخل الناس في السعادة الشيوعية؟! وكذلك سائر القيم من العفة وسيطرة الأب والتدين وترابط الأسرة والتعاون الجماعي كل ذلك كان صوابا في وقته، ولكن بعد سرعة التطور والوصول إلى الشيوعية الماركسية يجب أن تعتبر تلك القيم كلها باطلة ويجب محاربتها لأنها لم تعد مناسبة للأحوال الاقتصادية للمجتمع الشيوعي الجديد – أي بعد تلك التطورات الخيالية – التي تصورت في أذهانهم عن نشأة الكون وما فيه وكذا القيم والأخلاق وسائر أنواع السلوك وهكذا وقف الملاحدة ضد الأسرة كما وقفوا ضد الدين إذ الأسرة لا تبعد في الواقع عن التدين ولأن معنى قيام الأسرة منع الفوضوية الجنسية التي ينادي لها الملاحدة وقيام الأسرة يحد من ذلك بطبيعة الحال.

стр. 707

كما أنها كذلك تثير مشاعر الأثرة في الوالدين وتقوي حب التملك من أجل توريث الأولاد ما يملكه الوالدان. ومعنى هذا العودة إلى نشوء الملكية الفردية وهو ما تحاربه الشيوعية بكل ضراوة وتبعا لبغضهم الملكية الفردية فإنه يجب أن يبغض كل شيء يمت لها بصلة ومن جهة أخرى فإن البديل للأسرة في النظام الشيوعي هو الولاء للدولة والذوبان في النظام والحزب والزعيم والوطن وليس غير ذلك بينما نظام الأسرة يشكل ارتباطا آخر غير هذا الارتباط العام الذي لا تسمح الشيوعية إلا به لأن النظام الشيوعي ومثله النظم المتجبرة – تريد أن يكون الشعب كله في طاعة عمياء للحزب وولاء مطلق لهم وجواسيس على بعضهم بعضا لا يخرج عنهم أحد ونظام الأسرة لا يسمح بتنفيذ هذا كما يريدون فالأسرة لا تسمح بأن يخل بنظامهم الاجتماعي أي أذى وهذا يحد من نشاط الجاسوسية الدقيقة على كل فرد من أفراد المجتمع، كما أنه يحد من استعباد الدولة للشعب والقضاء على الأسرة من الضمانات التي يعتمد عليها النظام الشيوعي في تربية الأولاد منذ نعومة أظفارهم على الولاء الكامل للدولة والحزب والزعيم وليس وراء ذلك أي ولاء لأحد. ومن العجيب أنهم يسمون الجهل والتخبط القائم على غير دليل صحيح يسمونه نظريات علمية أو أبحاثا علمية، فترى الكثير من الناس يسارع إلى تقبل تلك النظريات دون أن يكلف نفسه السؤال عن مدى صحة تلك الدعايات وهل هي فعلا نتجت عن علم حقيقي أم عن تخطيط مدروس للإجهاز على القيم والأخلاق والتدين باسم العلم والتقدم. إن كل ما جاء به الملاحدة من مزاعم عن بدء الأسر وتكونها وأنها مرت بفترات أولها الشيوعية الأولى ثم بدأت الأسر تتكون بفعل التطور الاقتصادي كما يزعمون إن هو إلا كذب وجرأة على تشويه تاريخ الأمم لا يستندون فيه إلا على ما تخيلوه في أذهانهم المريضة وما يزعمونه أيضا من وجود تلك الشيوعية في بعض القبائل المتأخرة التي عثر عليها في آسيا وإفريقيا واستراليا في القرنين السابقين، إن صدقوا، ولكن هل انحراف هؤلاء يكفي دليلا لتلطيخ تاريخ البشرية كله بسبب انحراف جماعة هنا أو هناك؟ إن تفسير الملاحدة لقيام الأسرة بأنه عن دافع اقتصادي فقط هو قول باطل وقصور واضح مع العلم أن للأوضاع الاقتصادية جانب مهم في حياة الناس ولكن ليس هي كل شيء في حياتهم بل هي أحد العوامل في حياتهم الواسعة الشاملة التي لا يمكن أن تنحصر في جانب واحد وكذلك فإن قيام الأسرة لم يكن سببه فقط الدوافع الجنسية والاقتصادية بل له أسباب كثيرة تتطلبها فطرة الإنسان وما جبلت عليه من حب الهدوء والألفة وبناء الحياة والأنس بالآخرين وحب التكامل وحب تربية الأطفال التي لا يمكن أن تتكامل تكاملا صحيحا جسديا وعقليا في غياب الأمهات عن أولادهن وترك الأولاد للمحاضن الجماعية التي هي أشبه ما تكون بتربية قطعان الحيوانات دون شعور بالحب والعطب والراحة النفسية التي يجدها الطفل في حضن أمه. ومما تقدم فإنما هو إشارة إلى أن تكوين الأسرة لم يكن ناتجا عن الفطرة الاقتصادية فقط كما زعم الملاحدة بل لأسباب نفسية كثيرة أرادها الله وفطر النفوس عليها ومن شذ عن هذا السلوك فهو شاذ ولهذا لا يشعر الإنسان بتلك السكينة والطمأنينة التي يجدها في بيته وبين أطفاله مهما وجد من المتع الجنسية عن طريق الحرام ومهما ملك من الأموال كما أنه لن يجد حلاوة ذلك التنظيم الإلهي لتكوين الأسرة وتكافلها فيما بينها وقيام الرجل بواجباته خارج البيت وقيام المرأة بواجباتها داخل البيت وتصريف الأولاد في الأمور التي يطيقونها وما ينشأ عن ذلك من الهدوء والسكينة والتعاون الذي حرم منه أولئك المعاندون للفطرة وللعقل ولأحكام الله .

стр. 708

لقد نسي أولئك الملاحدة أو تناسوا عمدا أن الذين أقبلوا على الفوضى الجنسية وقطع العلاقات الأسرية نسوا أن هؤلاء يعيشون عيشة ملؤها القلق والاضطراب والأمراض العصبية مع توفر كل ما يطلبونه من المتع الجنسية ومن المال أيضا وإلا لماذا يبادر أولئك إلى الانتحار المتتابع – وما أكثره في أوروبا – بين الرجال والنساء والأحداث وما أكثر ما يتأوه عقلاؤهم من أوضاعهم التي تزداد سوءا كلما ازداد تفكك الأسر وفشت الجرائم تحت تسمياتهم الخادعة (حرية، مساواة، ديمقراطية .. الخ) ما خدعوا به الناس وأخرجوهم عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها إلى الشقاء وتأنيب الضمير. ومثل ذلك التفسير السخيف بقيام الأسر تجده تماما في تفسيرهم للحفاظ على الأمور الجنسية والقيم والعادات المتعلقة بذلك من العفة وغض النظر وحفظ الفرج بأنها عقبات وأن السبب في كل هذه العقبات أمام شيوعية الجنس إنما يعود إلى المجتمع الزراعي حيث أن الرجل يغار على زوجته وابنته بدافع سيطرته وامتلاكه لأمور البيت الاقتصادية فهو المكتسب وهو الذي يتعامل مع الحياة كلها في خارج البيت بينما تكون المرأة حبيسة البيت ليس بيدها أي مصدر إلا عن طريق الرجل وهنا فرض الرجل على المرأة العفة قبل الزواج وبعده وأن تكون له وحده حين يتزوج بها ومن هنا أصبحت العفة فضيلة خلقية واجتماعية مهمة في مثل هذه المجتمعات، ولكن حينما ظهر المجتمع الصناعي لم يعد الرجل يفرض على المرأة تلك العادات والأخلاق الجنسية بسبب انقلاب الأمور الاقتصادية حيث دخلت المرأة ميدان التكسب والعمل والوظيفة وصارت تملك المال الذي حررها من قبضة الرجل فلم يعد يملك مطالبتها بالعفة لا قبل الزواج ولا بعده ولا أن يطالبها بأن تكون له وحده فهي زميلة في العمل وقد تملك من المال أكثر مما يملك ولها حق التصرف بحرية تامة في مالها وفي نفسها دون أي اكتراث بالعفة أوالفضيلة فقد تحررت في المجتمع الصناعي لتغير الأحوال الاقتصادية فلم تعد كما كانت في المجتمع الزراعي عالة على الرجل في كل شيء وبهذا التفسير الإلحادي الشيوعي لا يبقى مجال للقول بأن العفة والأخلاق نشأت عن أمر إلهي أو ديني بل عن أمر اقتصادي والقارئ يدرك تماما أن هذه الافتراضات إنما هي أكاذيب وخيالات، فإن أمر الحفاظ على العفة وسائر القيم أمر فطري في الإنسان وفي سائر الحيوانات التي لا تهتم بالأمور الاقتصادية فترى ذكر الحيوان يغار على أنثاه ويدافع عنها وترى الأنثى تحترم الذكر وتعطف على أولادها سواء أكانت تملك قوتها أو لا تملكه، وقد أخبر الله عن وجود هذه الأمور في نفوس الناس منذ أن أوجدهم ولهذا لا يمكن أن تجد امرأة مستغنية عن الرجل مهما كان مالها ولا الرجل كذلك يستطيع أن يستغني عن المرأة مهما كان ماله، فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالسعادة ليست فقط في وجود المال بل قد يكون المال مصدر شقاء لصاحبه ولك أن تسأل ماذا حصل للرجل والمرأة حينما دخلا معترك الحياة وصار كل يحتطب لنفسه من المال ما يستطيع الحصول عليه، ومباح لكل منهما أن يعاشر من يريد عن طريق الإباحية الجنسية، أليس كل واحد منهما أحس بأن الحياة في هذا السلوك رخيصة لا تساوي شيئا فرجعا إلى رباط الزوجية ليجدا فيه الأنس والراحة النفسية التي فقداها عن طريق الإباحية أو المال؟

стр. 709

وكأن أولئك القساة القلوب لم يسمعوا بشكاوى من غرتهم المدنية وجمع المال ولا أنين تلك المرأة التي منعت نفسها من الزواج وجمعت من المال والشهادات ما أحبت فلما أحست بتجاوزها مرحلة الإنجاب بدأت تبكي وتقول للناس خذوا هذه الشهادة وخذوا أموالي وأعطوني طفلا يقول لي يا أمي أشعر بالأنس إلى جانبه، أزيلوا عني آلامي وما أحس به من وحشة هذا المجتمع الذي لا يرحم ولا يحترم إلا الأقوياء فقط ولكن أنى لأصحاب الأهواء آذان صاغية تسمع أو قلوب تعقل. محاربة الدين يزعم الماديون أن الدين إنما هو انعكاس وهمي في أذهان البشر نحو قوة خارجية تسير الكون لا أنه حقيقة منزلة من الله كما هو إيمان جميع المؤمنين بالله تعالى، ثم زعموا أن هذا التوهم نشأ في أزمنة موغلة في القدم عند البدائيين حيث كانت البداية هي توهم أن الإنسان له روح تسكن في جسده وتفارقه لحظة الموت ومن هنا اضطروا إلى اصطناع أفكار تتوافق في العلاقة مع هذه الأرواح التي تطور أمرها بعد ذلك إلى توليد الآلهة الأولى وفي غير الأرض ثم نشأ بفعل التولد في عقول الناس أن يتطور أمر هذه الآلهة إلى إله واحد كما في الديانات التي تعبد إلها واحدا وعلى هذا فإن الدين إنما تولد عن نظريات الإنسان المحدودة التي نجمت عن عجزه المطلق أمام الطبيعة العاتية التي كان يخافها ولا يفهمها فتصور أن ذلك إنما نتج عن إرادة سامية عليا فسرت بعد ذلك بإسنادها إلى الآلهة وقوتها وجبروتها المطلق والتي أصبحت هذه الآلهة في شكل إله واحد قوي جبار عند الكثير، ثم زعموا أن هذه المعتقدات في الإله إنما تعود عند الإنسان في الأساس إلى ما قبل التاريخ. وحينما جاء العهد التاريخي وجدها هكذا فالتقطها بغباء دون فهم وقد أرجعوا السبب في ذلك إلى الحالة الاقتصادية التي كان يعيشها الإنسان في عهد ما قبل التاريخ وهو اقتصاد ضعيف وفي صورة بدائية تعتمد على الاشتراك في الصيد والماء والمراعي وتعاون الجميع. هذا في عهد ما قبل التاريخ وأما حينما نشأ التطور الاقتصادي على نحو أقوى بداية بعهد الرق والإقطاع والكنيسة فقد استغل هؤلاء الوجهاء هذا الجانب الإلهي لتخديرالكادحين حتى لا يشعروا بالظلم الواقع عليهم وأن عليهم الرضوخ إذا أرادوا نعيم الجنة في مقابل عذاب الدنيا بطاعة أولئك ولهذا باركت الكنيسة الرق وأوصت الكنيسة الأرقاء بطاعة أسيادهم وهددتهم بالنار الأبدية إن لم يمتثلوا، وكان لهذه التعليمات أثر جيد في إنقاذ الحياة الزراعية الضرورية لحياة المجتمع وفي حفظ المجتمع من الفقر ومن اندلاع نار الثورات وفي الوقت الذي اشتد فيه كابوس الإقطاع في أوروبا قويت في المقابل السلطة الدينية للكنيسة، وليس فقط السلطة الدينية، بل والفلسفة والأدب والفنون على نفس النهج الذي يريده الإقطاعيون، ولم تكن الكنيسة وحدها في هذه القوة بل ساندتها قوة السلطة التي كانت هي الأخرى سيدة الإقطاع وحاميته والمستفيد الحقيقي من تخدير الشعوب بالدين، ولهذا وقف الحكام ورجال الكنيسة ضد كل من تسول له نفسه الخروج عن قبضتهم بوصفه بالاسم الذي يبيحون به دمه وهو إطلاق "الهرطقة" عليه. وما اشتعال الحروب التي خاضها البشر باسم الدين إلا صراعا طبقيا في حقيقته نجم عن الحالات الاقتصادية فحسب، وحينما ظهرت الرأسمالية ضعف أمر الدين لتطور الاقتصاد وانتعاشه ولكن البرجوازية أحست بأن نبذها للدين خطر عليها فعادت إلى احتضانه وتسخيره لمصالحها وهذا هو السبب في تعلق البرجوازية بالدين لكي تظل على قوتها الرأسمالية.

стр. 710

هكذا علل الملاحدة لنشأة التدين عند الإنسان، وحينما جاءت الشيوعية في روسيا أعلنت الحرب الضروس على الدين وأهله باعتبار أنه أفيون الشعوب وأن الدين إنما كان في روسيا وغيرها بسبب الضعف الاقتصادي وعدم وجود حول ولا قوة للطبقة الفقيرة إلا بالاستناد إلى الدين كعزاء بديل لذلك الشقاء والفقر. ولكن بعد مجيء الشيوعية التي هيأت موارد للإنتاج لم يعد الفلاح في حاجة إلى الالتجاء إلى القوة الإلهية ليتسلى بها عن شقائه وعليه حينئذ أن يتخلى عن الاعتقاد بوجود الإله وعن الدين كذلك ليسعد في ظل النظام الشيوعي؟! أما المجتمع الزراعي فكان تمسكهم بالدين أمر واضح لوجود المقتضيات الكثيرة لازدهاره في أوساطهم كما تذكر الشيوعية الماركسية في تعليلاتها الخرافية كقولهم: إن الإنسانية في هذا المجتمع يضع البذور في الأرض ويغذيها ويحوطها بعنايته ولا يملك أكثر من هذا فهو لا يستطيع أن ينبتها كما يريد ولا أن يجعلها تثمر أو لا تثمر وهنا اضطر إلى التعلق بوجود قوة خارجية غيبية – الإله – وإلى استرضائه والتعلق به لإنجاح زراعته وتحبب إليه بأنواع الطقوس - العبادات – وهذا بخلاف المجتمع الصناعي فإنه لم يعد الإنسان في حاجة إلى التعلق بتلك القوة الغيبية لأن أمر الصناعة ظاهر يسيطر عليه الشخص ويصرفه كما يريد فهو صنع يده وطوع أمره بخلاف الجانب الزراعي وهذا هو تعليلهم ومبلغ علمهم لقوة التدين في العهد الزراعي وضعفه في العهد الصناعي – كما يزعمون – وهو تعليل يدل على سخافتهم وضحالة أفهامهم، كما أن هذا التفريق بين المجتمع الزراعي والمجتمع الصناعي إن هو إلا محض افتراء سخيف وهضم للإنسان، بل وإنكار لحق الله على عباده، ولا يملكون على ذلك أي دليل صحيح، ثم أليس الإنسان يواجه مشكلات وتعقيدات وأخطارا في المجتمع الصناعي كما هو في المجتمع الزراعي، وأن قدرة الإنسان هي نفس القدرة في المجتمعين، فكيف احتاج إلى الله والتدين في المجتمع الزراعي واستغني عنه في المجتمع الصناعي، وماذا فعلت الشيوعية في المجتمع الزراعي والصناعي أليس أتباعها الآن يتكففون الغرب الزراعي الصناعي وهم مقرون بالخالق مما يدل على خسارة الشيوعية دينهم ودنياهم. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١١١٩

стр. 711

رابع عشر: من الذي غذى اشتداد العداوة للدين ؟ لقد واجه الدين عدوين لدودين: هما المخطط اليهودي، والمخطط المادي الشيوعي الناتج في البداية عن المخطط اليهودي والمتمم له. أما المخطط اليهودي فلا شك أن اليهود وهم يريدون استحمار الجوييم يعرفون تماما أنه لا سبيل لهم إلى استعباد البشر إلا بمحو دينهم وسلخهم من عقائدهم وأخلاقهم لأن اليهود عرفوا أنه لا سبيل لهم إلى تحقيق مآربهم ما دام للبشر دين وأخلاق وتراث يرجعون إليها واليهود أعدى أعداء البشرية على امتداد تاريخهم وحروبهم معهم لا تنقطع ومؤامراتهم ضدهم لا حد لها فهم سراق العقائد والأخلاق والأموال. وأما العداء الشيوعي فهو امتداد طبيعي لعداء اليهود مضافا إليه الحقد على الدين وأهله وعلى سائر البشر الذين لم يستسلموا لطغيانهم وحينما وقفت الكنيسة في صف الإقطاعيين والرأسماليين ضد النفوذ الشيوعي جاعلين الدين شعارا لهم في حرب الشيوعية تضاعف حقد الملاحدة على الدين وعلى كل من يمثله واستفاد الملاحدة فوائد كثيرة من وقفة الكنيسة إلى جانب الاستبداديين حيث أغروا الناس بعداوة الدين وأهله. واشتد حقدهم على نسبة أي حق أو عدل أو خير إلى الله فقد سخروا من كل من يعتقد ذلك ورموه بأنواع السباب إذ ليس هناك – في ميزانهم – حق وعدل وخير وتوجيه من الله تعالى. إذ أن كل ما يصدر عن الناس من تصرفات إنما هي نتيجة للأحوال الاقتصادية وتغيراتها المتلاحقة دون أن يكون هناك توجيه غيبي يسير الكون أو تظهر الأخلاق عن طريقه. وهم يرتاحون لنسبة الحق والعدل إلى الشيوعية ولكنهما محرمان نسبتهما إلى الله تعالى ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون وقد أذلهم الله تعالى أيما ذل. ومن الجدير بالذكر أن الملاحدة قد يتظاهرون أحيانا بذكر كلمات الدين والتدين فيظن من لا يعرف أهدافهم أنهم يريدون ذكر الدين والرضى به بينما هم في الواقع في غاية البعد عن هذا الفهم السليم ولهذا يقول المفكر المسلم وحيد الدين خان: "إنه على الرغم من أن كلمة "الدين" موجودة في التفسير الجديد للدين ولكن الدين هنا في صورته الحقيقية والعملية لا يختلف عن الإلحاد الكامل في شيء". " في ضوضاء هذه الدراسة الاجتماعية والتاريخية المزعومة يضيع أصل الدين في هذا التفسير المستحدث فيصبح الدين مجرد ظاهرة اجتماعية ويفقد قيمته الحقيقية في توجيه الحياة والمجتمع وهداية الإنسان لما فيه خيره في الدنيا والآخرة" (١). وتارة يرجع أولئك الملاحدة تفسير الدين حسب خرافاتهم إلى قابلية الشخص واستعداده الذهني لإدراك شتى الصور التي يتخيلها بعد ذلك دينا، كالشاعر الذي يتصور أشياء في خياله اللاشعوري وهذه تسمى نبوة عند بعض كبارهم.

стр. 712

ويرى محرر دائرة معارف العلوم الاجتماعية أنه يمكن تشبيه الدين بالفن من حيث أن الفنان يتمتع بذوق غير عادي في الأمور الفنية فكذلك رجل الدين يتمتع بنظرة قوية وأذن صاغية فيصل بتجاربه إلى معرفة الدين. مع أنهم قد أقروا بأن الدين لا تدخل معرفته تحت التجارب – كما تقدم – وهم يهدفون من وراء هذا السخف إلى إنكار النبوات الإلهية ويقرر "ت. ر. مايلز": أن الدين إذا قصد به ما بعد الطبيعة، أي القول بأنه وحي من الله تعالى فإنه حينئذ يفقد معناه الحقيقي أما إذا أريد بالدين معنى مجازيا بمعنى قوة الذكاء والإلهام فإنه حينئذ يكون معناه مقبولا لدى الأشخاص الذين يتصفون بقابليتهم للتدين. ويرى "اليكسيس كاريل" أن التدين إنما يصل إليه الإنسان بجهوده الشخصية وتطلعه إلى ذلك مثله مثل الشخص الذي يريد أن يصبح مصارعا فيستعد لتقوية بدنه بالرياضة وترويض أعضائه فكذلك المتدين يصل بصقل روحه وتهذيبها إلى التدين الذي يقتنع به (١). وهذا التفسير للدين خرافة وسذاجة وذلك لأنه يعتبر مصدر الدين قوة تخيل البشر وسمو ذكائهم لا أنه من الله تعالى أو عن وحيه إذ لا وجود لذلك في قاموس إلحادهم فكيف يكون الدين من خيال البشر وله هذه المكانة في النفوس منذ أن وجدت البشرية إلى أن تنتهي؟ ألم تظهر روايات وقصص وكتابات خيالية لا حدود لها؟ ثم تنتهي في مدة وجيزة ولم يعد أحد يتأثر بها مع أنها أحيانا نابعة من أعماق كبار الشعراء الذين يسميهم الملحدون أنبياء ومن أعماق كبار أصحاب الفكر والأدب ثم كيف تجمع البشرية على احترام التدين إلى هذا الحد لو كان ما يقوله الملحدون صحيحا من أن التدين خيالات وفن؟ ولماذا نجح الأنبياء على طول الأزمنة وبقي ما خلفوه حيا في قلوب الناس بينما تموت أفكار البشر وتنسى، بل وتمل على مر الزمان رغم تفنن أصحابها في الفصاحة كذلك يقال لهم لو كان التدين يرجع إلى الذكاء لكان لكل شخص دين يخصه يتوافق مع ذكائه وذوقه لاختلاف الناس في الذكاء وفي الرغبات ولما أمكن التفريق بين من يعمل الخير ومن يعمل الشر لأن الخير والشر يصبحان لا ضابط لهما لاختلاف العقول والأديان من فرد إلى فرد. وهل الواقع يدل على هذا؟ أم أنه يدل على أن الناس يشتركون في دين حتى ينسخه الله بغيره كما هو الحال في الأديان المنزلة على امتداد تاريخ البشر؟ كما أن هذا التفسير الإلحادي للدين يجعل كلمة النبوة أو ختم النبوة أمر لا معنى له لأن النبوة إنما هي مجموعة صور خيالية جميلة لا أن هناك إلها هو الذي يختار لها الشخص الذي يريده وهو مفهوم شاذ بالنسبة لما أطبق عليه عامة الناس وهل يصح أن يلتفت إلى كلام ملحد في آخر الأزمان ويغفل إطباق تلك الملايين التي لا يعلم عددها إلا الله وحده فاتضح أن كل تفسيرات الملاحدة للدين أو استعمالهم لكلمة دين إنما يراد بذلك إما المغالطة أو النفاق، وأما أن نسميها سذاجة لبعدهم عن معرفة الدين وجهلهم بكل حقائقه فهم لا يفرقون بين الاتجاه الخاص بالدين وبين الاتجاهات الجاهلية التي أفرزتها عقول جاهلة ادعت معرفة كل شيء ومن أعجب الأمور أن يسموا الدين الذي أطبقت البشرية على تقبله خيالات ويسمون إلحادهم وخيالاتهم التي يردها العقل والواقع يسمونها علمية وأين الثرى من الثريا؟

стр. 713

إن تفسير الملاحدة للتدين عن الإنسان كله كذب وافتراض وهمي خيالي فقد تصوروا في خيالهم أن نشأة الإنسانية وظهور التدين عنده ونشأة القيم والأخلاق إنما قامت على المادة وحدها ومن المعلوم بداهة أنه مرت قرون عديدة والبشرية كلهم على التدين وعلى التعلق بإله قادر مهما اختلفت عباداتهم وعقائدهم وعبارتهم فهل يلغي كل ذلك الاتفاق في تلك القرون السحيقة التي لا يعلمها إلا الله ويؤخذ فيها برأي الملاحدة الشاذين، هذا ليس بمنطق صحيح أبدا وهل ما تصوروه من تطور الإنسان بسبب المادة يعضده دليل عقلي – إذ لا يوجد لهم دليل شرعي – إنه مجرد تحكم أن يقسموا البشر إلى مجتمعات بدائية ومجتمعات زراعية ومجتمعات صناعية وأن التدين في كل مرحلة كانت له أسبابه المادية، إنه تحكم كاذب فمن أين لهم صحته، وهل شهدوا خلق السموات أو الأرض أو خلق أنفسهم؟!! لقد جازف هؤلاء الملاحدة وافترضوا ما لم يحيطوا بعلمه وطرقوا ما لا مجال لهم فيه وكذبوا البشر قاطبة. وكذبوا الواقع الذي يشهد بتفاهة تفسيرهم للتدين ولكل القيم الإنسانية الثابتة بما فيها التدين الصحيح ومن يصدقهم في أن الصفات الثابتة في الإنسان سببها الجوانب الاقتصادية ومن يصدقهم أن الرغبات الجنسية وحب الانتقام والثأر والإحساس بالرحمة والحزن والفرح والبخل والكرم إنما يعود إلى الناحية المادية فقط دون أن تكون تلك الصفات وغيرها صفات أساسية في فطرة الإنسان. تلك الفطرة التي حاربتها الشيوعية اليهودية لكي يسهل عليهم استعباد البشر وإخراجهم الجوييم عن شريعة الله تعالى إلى شريعتهم الحاقدة على جميع البشر. نعم إن الإنسان حينما يقف عاجزا عن معرفة سر هذا الكون ويتفكر في خلق الله والأرض والنجوم وسائر الأفلاك وتتابع الليل والنهار والحياة والموت وسائر ما أوجده الله في هذا الكون إذا فعل الإنسان ذلك يجد نفسه عاجزا عن إدراك كل هذا، وحينئذ يعرف بفطرته أن هناك موجد عظيم لهذا الكون هو أقوى منه يستحق أن يخضع له وأن يعبده ويرجو ثوابه ويخاف عقابه، لا أن يعتقد أن المادة خلقته فإن التفكر في كل ذلك يهدي إلى الاعتراف بخالق عظيم قدير حكيم لا شأن للمادة معه بل هي مخلوقة له حدثت بعد أن لم تكن، وهذا هو ما اعترف به الملاحدة في أنفسهم وجحدوه ظاهرا تعصبا لنظرياتهم الفاسدة وقد ذكر الله كثيرا من عجائب هذا الكون ورغب الناس في التفكر فيه واستخلاص العبر فذكر سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:١٦٤]

стр. 714

ويقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل:١٠ - ١٨] ويقول تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَأَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:٥٨ - ٧٤] ويقول تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:٣٥ - ٣٧]

стр. 715

وهذه الآيات وغيرها تجعل الإنسان يقف على حقيقة وجوده ووجود من حوله ووجود هذا الكون كله وما فيه توقفه على مصدر التدين ومستحق العبودية وتشبع فطرته عن كل تساؤلاته حول هذه الحياة وما بعدها في العالم الآخر وتثير في فطرته ما كان كامنا في التوجه إلى خالق هذه الحياة وإلى الرغبة الكامنة في الالتجاء إليه والخضوع والعبادة له، وهذه الفطرة هي التي يشعر الإنسان بواسطتها عظمة الله والرغبة في الخضوع له والدليل على ذلك أنه لم يخل جيل من الأجيال على امتداد التاريخ من التدين والتوجه إلى الله وهذا ما أخبر الله عنه: وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِير [فاطر:٢٤] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:١٥] وهذا هو الحق ولا اعتبار لكلام الشاذين الساقطين الملاحدة الممسوخين الذين: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:١٤]، الذين حاربوا الدين النصراني ظانين أنه الدين الصحيح ثم غمرتهم النشوة بانتصارهم عليه وما علموا أنهم إنما حاربوا دينا مزيفا كاذبا من وضع الطغاة المشركين عباد الصليب وأحبار الشيطان ولهم أن يحاربوا كل الجاهليات ومن ضمنها هذا الدين ولكنهم انحرفوا عن مكان المعركة الحقيقية فحاربوا النور وغيروا الحقائق لينفسوا عن غيظهم وحقدهم الشديد على طغاة الكنيسة الذين أذاقوهم ألوان الذل وشر الاستعباد وليحققوا أيضا ما تطمح إليه اليهودية العالمية ويجب أن يعلم أولئك الأشرار أنه ما من فترة مرت من فترات حياة البشر إلا وكان توحيد الله نورا وضاء لم يخل منه مجتمع في يوم من أيام حياة البشر لم يكن للفن ولا للفنانين فيه أي شيء يذكر ولا للفكر أو التجربة أي دخل كما يدعون. وأما ما يذكره الملاحدة من أن الإقطاعيين والرأسماليين كانوا يستخدمون الدين كمخدر للجماهير ليرضوا بالذل والظلم عليهم في مقابل أن يعيشوا في جنة الله في الآخرة فهذا أمر قد يكون وقع كذلك. ولكن ما هي العلاقة بين الدين الحق وبين فجور طغاة الكنيسة وجشع الرأسماليين المرابين، بل كان الأولى أن يوجه اللوم إلى أولئك الذين رضوا بهذا الحال ولم يبحثوا عن مخرج لهم أو عن صحة تلك الوعود من أولئك المنتفعين أو أن يخاصموا أولئك الأشرار الجشعين ويصلحوا الأمور لا أن يحاربوا الله ورسله وهل يجب أن يلغى الدين لمجرد استغلال أولئك الأشرار له، وما هو ذنب الدين إن لم يحكم ولم يستشر بل وضع في قفص الاتهام دون رحمة أو لين ولماذا يحمل تبعة أخطاء الآخرين بل أخطاء أعدائه، وما هو السر في أن الملاحدة لم يرجعوا إلى الدين حتى بعد أن تبين لهم أن طغاة الكنيسة والرأسماليين والإقطاعيين سلبوا الناس عقولهم وتفكيرهم باسمه وهو منهم بريء. إن الجواب واضح وهو أن الملاحدة قد بيتوا النية لمحاربة الدين ليستغلوا الناس هم أيضا باسم الإلحاد الذي سموه تقدما ورفاهية وغير ذلك من الأسماء الكاذبة وقدسوه ليحل محل الكنيسة والكل ظالمون ومخادعون. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١١٣٣

стр. 716

خامس عشر: الأفكار والمعتقدات إنكار وجود الله تعالى وكل الغيبيات والقول بأن المادة هي أساس كل شيء وشعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين، ونكفر بثلاثة: الله، الدين، الملكية الخاصة، عليهم من الله ما يستحقون. فسروا تاريخ البشرية بالصراع بين البرجوازية والبروليتاريا (الرأسماليين والفقراء) وينتهي هذا الصراع حسب زعمهم بدكتاتورية البروليتاريا. يحاربون الأديان ويعتبرونها وسيلة لتخدير الشعوب وخادماً للرأسمالية والإمبريالية والاستغلال مستثنين من ذلك اليهودية لأن اليهود شعب مظلوم يحتاج إلى دينه ليستعيد حقوقه المغتصبة!! يحاربون الملكية الفردية ويقولون بشيوعية الأموال وإلغاء الوراثة. تتركز اهتماماتهم بكل ما يتعلق بالمادة وأساليب الإنتاج. إن كل تغيير في العالم في نظرهم إنما هو نتيجة حتمية لتغيّر وسائل الإنتاج وإن الفكر والحضارة والثقافة هي وليدة التطور الاقتصادي. يقولون بأن الأخلاق نسبية وهي انعكاس لآله الإنتاج. يحكمون الشعوب بالحديد والنار ولا مجال لإعمال الفِكر، والغاية عندهم تبرر الوسيلة. يعتقدون بأنه لا آخرة ولا عقاب ولا ثواب في غير هذه الحياة الدنيا. يؤمنون بأزلية المادة وأن العوامل الاقتصادية هي المحرك الأول للأفراد والجماعات. يقولون بدكتاتورية الطبقة العاملة ويبشرون بالحكومة العالمية. تؤمن الشيوعية بالصراع والعنف وتسعى لإثارة الحقد والضغينة بين العمال وأصحاب الأعمال. الدولة هي الحزب والحزب هو الدولة. تكون المكتب السياسي الأول للثورة البلشفية من سبعة أشخاص كلهم يهود إلا واحداً وهذا يعكس مدى الارتباط بين الشيوعية واليهودية. تنكر الماركسية الروابط الأسرية وترى فيها دعامة للمجتمع البرجوازي وبالتالي لا بد من أن تحل محلها الفوضى الجنسية. لا يحجمون عن أي عمل مهما كانت بشاعته في سبيل غايتهم وهي أن يصبح العالم شيوعياً تحت سيطرتهم. قال لينين: "إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشيء إنما الشيء الهام هو أن يصبح الربع الباقي شيوعيًّا". وهذه القاعدة طبقوها في روسيا أيام الثورة وبعدها وكذلك في الصين وغيرها حيث أبيدت ملايين من البشر، كما أن اكتساحهم لأفغانستان بعد أن اكتسحوا الجمهوريات الإسلامية الأخرى كبُخاري وسمرقند وبلاد الشيشان والشركس، إنما ينضوي تحت تلك القاعدة االإجرامية. يهدمون المساجد ويحولونها إلى دور ترفيه ومراكز للحزب، ويمنعون المسلم إظهار شعائر دينية، أما اقتناء المصحف فهو جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة سنة كاملة. لقد كان توسعهم على حساب المسلمين فكان أن احتلوا بلادهم وأفنوا شعوبهم وسرقوا ثرواتهم واعتدوا على حرمة دينهم ومقدساتهم. يعتمدون على الغدر والخيانة والاغتيالات لإزاحة الخصوم ولو كانوا من أعضاء الحزب. الجذور الفكرية والعقائدية: لم تستطع الشيوعية إخفاء تواطئها مع اليهود وعملها لتحقيق أهدافهم فقد صدر منذ الأسبوع الأول للثورة قرار ذو شقين بحق اليهود: - يعتبر عداء اليهود عداء للجنس السامي يعاقب عليه القانون. - الاعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين. يصرح ماركس بأنه اتصل بفيلسوف الصهيونية وواضع أساسها النظري هو موشيه هيس أستاذ هرتزل الزعيم الصهيوني الشهير. - جدُّ ماركس هو الحاخام اليهودي المشهور في الأوساط اليهودية مردخاي ماركس. تأثرت الماركسية إضافة إلى الفكر اليهودي بجملة من الأفكار والنظرات الإلحادية منها: - مدرسة هيجل العقلية المثالية. - مدرس كونت الحسية الوضعية. - مدرسة فيورباخ في الفلسفة الإنسانية الطبيعية. - مدرسة باكونين صاحب المذهب الفوضوي المتخبط. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 717

سادس عشر: إنكار وجود الله تعالى وتقدس لولا حلم الله لما استطاع أحد أن يبحث قضية وجود الله تعالى أو عدمها وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فوجوده يتمثل بوضوح في كل هذ الوجود من أصغر مخلوق إلى أكبره بل الإنسان نفسه من أكبر الأدلة على وجود الله الحكيم الخبير وإلا فأي موجود يستطيع أن يزعم أنه هو الذي أوجد نفسه وعلى الصورة التي أرادها أو قدر لنفسه رزقها وأجلها ومصيرها بعد ذلك. لقد أقدمت فئة شاذة استهواهم الشيطان وماتت قلوبهم وإن كانوا أحياء يرزقون فذهبوا يعترضون على وجود الله تعالى وهم الملاحدة وقد مهد لهم الطريق علماء الكلام الذين وصفوا ربهم بأنه ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا داخل العالم ولا خارجه ولا يحس ولايشم ولا يشار إليه .. الخ، ولقد كثرت الردود على الملاحدة وعلى علماء الكلام الباطل في هذه القضية الخطيرة بما لا يكاد يحتاج إلى زيادة. إنني أتضايق كثيرا من سرد الأدلة على وجود الله تعالى وهو ما أعتقد حصوله في قلب كل إنسان مؤمن بالله سليم الفطرة لم تنحرف به شياطين الإنس والجن، إن الله أجل وأعظم من أن يحتاج وجوده إلى شخص من الناس يثبته أو يجادل خصومه لإثبات وجوده. وفي اعتقادي أن الذي يبحث في إثبات وجود الله تعالى دون حاجة ملحة أنه يجب أن يؤدب تأديبا بليغا ومن ابتلي بالخوض في ذلك فعليه أن يستشعر عظمة الله تعالى وأن لا يخوض في هذه القضية الهائلة إلا بقدر الحاجة، والله المستعان ونعوذ بالله من وساوس الشيطان. وما دمنا في دراستنا للشيوعية وتكذيب مزاعمها فإنني أحب أن يقف القارئ على الحقائق التالية واللبيب تكفيه الإشارة. هل البشر في حاجة إلى أدلة لإثبات وجود الله تعالى؟ تقدم أنه لا يمكن أن نجد إنسانا سليم العقل والفطرة يعتقد أن الله يخفى على عباده فالعقل والكون كله وجميع المخلوقات من نام وجماد، وساكن ومتحرك، كلها تدل على وجود الله وتشهد بقدرته وحكمته ولطفه وعظمته جميع ذرات هذا الكون ولهذا فلسنا في حاجة إلى الإتيان بحشود الأدلة على وجوده فهو أمر فطري، وفي كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ما يشفي ويكفي لمن عنده أدنى شك في وجود المولى ، ومن العجيب أن يستدل الملاحدة على إنكار وجود الله تعالى بأدلة هي أقوى الأدلة على وجوده وخلقه لهذا الكون وتدبيره له، ولعل الذين جرؤوا فنفوا وجود الله إنما حملهم على هذا ما وجدوه من أوصاف الإله سبحانه في التوراة والأناجيل من أنه شاخ وكبر وينسى ويأكل ويشرب ويمشي ويجلس ويحزن ويندم ويهم بالشيء ثم لا يفعله. نعم إن مثل هذا الإله من السهل جدا إنكاره خصوصا إذا أضفنا إليه الصفات التي وردت له في التلمود من تعلقه ببني إسرائيل وتدليله لهم وغضبه أحيانا عليهم ثم يضرب وجهه ويندم ويبكي ويلعب مع الحوت الكبير ويعقص شعر حواء .. إلى آخر تلك الصفات التي تدل على سقوط المتصف بها فضلا عن اعتقاد احترامه. ولكننا لا نبحث عن هذا الإله ولا عن الإله الذي اعتقدت الشيوعية فيه أنه يحابي الظلمة أو أنه لا وجود له إلا في أذهان الرجعيين لأنه غير منظور وغير موجود متجاهلين أنه ليس كل موجود حتما يرى، كوجود الهواء الذي نحس به ولا نراه، ووجود العقل في الإنسان، إذ نفرق بين المجنون وبين العاقل، ووجود الروح إذ نفرق بين الحي والميت وأمثلة لا تحصى، إننا نؤمن بإله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور إله يعلم السر وأخفى إله خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، إننا نؤمن بهذا الإله الحق ونكفر ونلعن من يشك في وجوده.

стр. 718

ولقد تيقن كل إنسان أنه لم يخلق نفسه، وأن فاقد الشيء لا يعطيه فلا المادة ولا الطبيعة خلقت أحدا إذ هي مخلوقة مقهورة، كما أنه لا يجرؤ أحد على أن يقول أنه يخلق شيئا ما أو أنه خلق نفسه أو غيره وقد استيقن بهذا حتى أكابر الملاحدة وما جحد من جحد منهم وجود الله إلا عنادا واستكبارا وبغضا للكنيسة ورجالها ولقد صاح المفكرون في أوروبا وشهدوا على النصرانية والإلحاد بالضلال وهذه الشهادة الصادرة على ضلال هذه الطوائف من أهلها لهي أكبر دليل على أن الإلحاد لا استقرار له ولا مكان له وإنما هو زوبعة عارضة ستنتهي إن شاء الله تعالى كما انتهت سائر الأفكار الباطلة ومن الذين شهدوا على ذلك:

стр. 719

"رسل تشارلز أرنست" أستاذ الأحياء والنبات بجامعة فرانكفورت بألمانيا حيث قال: "لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين، أو من الفيروس، أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة، وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفضل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية قد باءت بفشل وخذلان ذريعين ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع، على أن مجرد تجميع الذرات والجزيئات من طريق المصادفة يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية، وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذ االتفسير لنشأة الحياة فهذا شأنه وحده ولكنه إذ يفعل ذلك فإنما يسلم بأمر أشد إعجازا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله الذي خلق الأشياء ودبرها. "إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق ولذلك فإنني أؤمن بوجود الله إيمانا راسخا" (١).ويقول "إيرفنج وليام" الحاصل على الدكتوراة من جامعة أيوا، وأخصائي وراثة النباتات، وأستاذ العلوم الطبيعية بجامعة ميتشجن: "إن العلوم لا تستطيع أن تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها والتي لا يحصيها عد، وهي التي تتكون منها جميع المواد كما لا تستطيع العلوم أن تفسر لنا – بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها – كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكون الحياة" (٢).ويقول "ألبرت ماكومب ونشستر" المتخصص في علم الأحياء: "ولقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدراسة الحياة وليس بين مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون، انظر إلى نبات برسيم ضئيل وقد نما على أحد جوانب الطريق فهل تستطيع أن تجد له نظيرا في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرائعة؟ إنه آلة حية تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار بالآلاف من التفاعلات الكيميائية والطبيعية ويتم ذلك تحت سيطرة البروثو بلازم، وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية، فمن أين جاءت هذه الآلة الحية المعقدة، إن الله لم يصنعها هكذا وحدها ولكنه خلق الحياة وجعلها قادرة على صيانة نفسها وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعينها على التمييز بين نبات وآخر إن دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الأحياء وأكثرها إظهارا لقدرة الله" (٣). وهناك عشرات بل مئات الأدلة على خالق هذا الكون ومدبره، وشهادة هؤلاء العلماء، كل في مجال تخصصه، شهادة حق والحق مقبول من أي شخص كان. والملاحدة وهم ينكرون وجود الله تعالى ولا يعترفون بأنه هو الخالق المدبر لهذا الكون وما فيه هم أقل وأذل من أن يصلوا إلى قناعة بإنكارهم وهذا إجرام شنيع ولم يكتفوا به بل أضافوا إلى هذا الإجرام زعمهم أن العلم هو الذي دل على هذا، وأن البديل عن الله تعالى هي الطبيعة التي قالوا عنها بأنها هي التي خلقت السموات والأرض والإنسان والنبات وسائر المخلوقات فكيف تم ذلك حسب تعليلهم؟

стр. 720

قالوا: "إن وجود هذا الكون وما فيه إنما هو نتيجة حركة أجزاء المادة وتجمعها على نسب وكيفيات مخصوصة بوجه الضرورة بدون قصد ولا إدراك. وبسبب تلك الحركة أخذت تتجمع أجزاء المادة المختلفة الأشكال على كيفيات وأوضاع شتى فنتجت تلك المتنوعات"، هذا هو مبلغهم من العلم، إن كل شيء وجد بطبيعته عن طريق الصدفة والحركة التطويرية دون قصد ولا إدراك على أن هذه الطبيعة التي يزعمون أنها تفعل كل ما تريد نجد أن بعضهم لا يحترمها بل يتعمد الإساءة إليها وإهانتها بأنواع السباب واللمز في إرادتها وقوتها ووفاءها. وإليك ما قاله وزير خارجية أكبر دول العالم وأقواها في عتابه المرير وتهكمه بالطبيعة حينما لم تحقق لهم آمالهم وما يطلبونه منها فقد قال "كولن باول"، و"ريتشارد باوتشر": "إننا ندين تخلف الثلج عن موسم الأعياد راجيا الطبيعة الأم أن تعالج هذه المسألة" إلى أن قال: "لا يمكن لشيء أن يبرر إفساد هذا الحدث الهائل، إننا ندعو الطبيعة إلى القيام بمبادرة فورية" وقال: إننا نعتبر استمرار الطبيعة في رفض القيام بواجباتها حيال الدول المتحضرة عملا استفزازيا وغير إيجابي لذلك ندعو الطبيعة إلى اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية بغية تساقط كمية مناسبة وذات مصداقية من الثلوج" وإذا أردت التعليق على هذا الكلام السخيف المملوء بالكبرياء والعنجهية فاقرأ ما كتبه عبد الرزاق السيد عيد بعنوان: "أمريكا تكشف عن وجهها القبيح وتعلن الحرب على الطبيعة" في مجلة التوحيد (١). فيا ترى ماذا يقصد بالطبيعة الأم؟!! إنه إلحاد وكفر وسخف فما هي الطبيعة الأم التي يتحدث عنها هؤلاء ويقولون إنها هي التي تخلق وتحيي وتميت وترزق من تشاء وتمنع من تشاء، وتخاطب بتلك اللهجة الحارة المفتقرة إلى الأدب؟!! فمن المعروف أن الطبيعة لا تخلو عن: ١ - إما أن تكون هي نفس الذوات الموجودة في الكون، من الحيوان والنبات والجماد، وهذه كما يرى القارئ لا يصح الاستغاثة بها ليتساقط الثلج في موسم الأعياد ليلهو ويلعب بها طغاة اليهود. ٢ - وإما أن تكون هي صفات الأشياء الموجودة في العالم من حركة وسكون وحرارة وبرودة وليونة ويبوسة وغير ذلك، وهذه أيضا كذلك لا تملك لنفسها وجودا ولا عدما. ومهما كان الجواب فإنه خطأ وجهل شنيع حين يسند إيجاد هذا الكون البديع عن طريق طبيعة لا تعقل ولا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا. فهل يتصور أحد أن من لا يعقل يخلق من يعقل؟ وهل يستطيع شيء لا إرادة له ولا غاية له أن يخلق كائنا له إرادة وغاية. إن الإنسان كائن عاقل مدبر وله إرادة وهدف وغاية والطبيعة ليست لها تلك الصفات فهي ناقصة فهل يمكن للناقص أن يوجد الكامل؟ إن هذا الكون محكم متقن لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:٤٠] الكواكب محكمة بإتقان، والبحار لا يطغى بعضها على بعض، والحيوانات لا تلد إلا نفس الحيوان من جنسها، والشجرة لا تنبت إلا نفس الشجرة، وقس على هذا سائر ما تراه في هذا الكون، فالإنسان هو الإنسان، والبقرة هي البقرة، والكبش هو الكبش أينما اتجهت في هذه الأرض مما يدل على أن الخالق واحد فكيف تستطيع الطبيعة أن تدبر هذا الكون بهذه الدقة المعجزة التي تشهد آياتها في كل ما حولنا من شؤون الكون والحياة أن لها خالقا قاهرا؟!!، ثم يقال للملاحدة أيضا: هل لأجزاء المادة إرادة وقصد في تنويع المخلوقات في العالم من نجوم وكواكب ومعادن ونباتات وحيوانات وبشر؟ كيف يفترض إنسان أن يكون كل هذا وجد بفعل ذرات الطبيعة الصماء؟

стр. 721

إن المادة لا عقل لها ولا بصر كي ترتب المخلوقات وتنظم شؤونها، ولا منطق لها كيف تفكر في مستقبل الأشياء وما تحتاجه وهذا يعني أن "القول بخلق الطبيعة للوجود لا يخرج عن تفسير الماء بالماء فالأرض خلقت الأرض والسماء خلقت السماء والأصناف صنعت نفسها والأشياء أوجدت ذواتها. فهي الحادث والمحدث وهي المخلوق والخالق في الوقت ذاته. وبطلان هذا القول بين" وهو لا يخرج عن أمرين: ١ - إما الادعاء بأن الشيء وجد بذاته من غير سبب وهذا قول فاسد. ٢ - وإما إزدواج الخالق والمخلوق في كائن واحد، فالسبب عين المسبب، وهو مستحيل وهو تهافت وتناقض لا يحتاج لشرح. لو كانت الطبيعة هي الخالق كما يقولون لكانت قوانينها واحدة المريض لابد أن يموت والصحيح لا يمرض والنبات الذي يسقى بماء واحد لا يختلف طعم ثمره لكننا نرى العكس أحيانا نرى المريض يشفى والصحيح يموت بدون مرض أو علة ونرى الزرع والنبات في ساحة واحدة يمتص غذاء في الأرض من تراب واحد ويسقى بماء واحد ولكن الثمر قد يختلف في المذاق والألوان والروائح والمنافع والمضار. فهل هذا كله من صنع الطبيعة الصماء أو المادة العمياء وهل هذا هو العلم الذي يقولون به؟ إن هذا هو الجهل بعينه وليس بالعلم ثم تأمل قول الله تعالى: وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد ٤:]. وقوله تعالى: وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [النحل:١٣]. وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ [الحج:٦٥ - ٦٦]. وقوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:٦٠ - ٦٤] تأمل هذه الآيات ودلالتها إذا أردت أن تخرج من ظلمات الجهل إلى نور العلم واليقين فهذا هو الحق وهذا هو البرهان الذي يجب أن نطأطأ له الرؤوس والعقول إجلالا وخضوعا، وأين هذه البراهين من ترهات المنحرفين الضالين عباد المادة. ومما يجدر بك الإطلاع عليه ما سجله العلماء التجريبيون من الإيمان بالله تعالى عن قناعة ويقين من خلال بحوثهم وتجاربهم في اكتشافاتهم العلمية.

стр. 722

وإليك أمثلة رائعة تدين الإلحاد القائم كذبا على ما سموه علما من واقع ما كتبه بعض العلماء التجريبيين: جاء في كتاب) الله يتجلى في عصر العلم (ثلاثون مقالة لمجموعة من كبار العلماء الأمريكيين في تخصصات علمية مختلفة في علوم الكون والحياة من كيمياء وفيزياء وتشريح وأحياء، تذكر كلها أنواعا من الأدلة العلمية على وجود الله بعد أن أدهشهم ما توصلوا إليه من ملاحظات وما شاهدوه من عجائب خلق الله. لكن يجب قبل أن نسوق شواهد من أقوال هؤلاء العلماء أن نؤكد في البداية أننا نسوق هذه الشواهد لا لحاجتنا إليها فعندنا في كتاب الله ما يكفي ويشفي ولكننا نسوقها لنرغم بها أنوفا فتنها التقدم العلمي في هذا العصر فظنوا أن العلم يقتضي عدم الإيمان بالله تعالى. ولنرد بها على الذين يزعمون أن علماء الطبيعة – أو كثيرا منهم – ملحدون لأن الإيمان يجافي العلم، بزعمهم، وإليك تلك النماذج الرائعة: يقول "فرانك ألن" عالم الطبيعة البيولوجية: إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود فكيف نفسر وجوده ونشأته؟ هناك احتمالات أربعة للإجابة على هذا السؤال: ١ - فإما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال. وهذا يتعارض مع ما سلمنا به من أنه موجود. ٢ - وإما أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم وهذا مرفوض بداهة. ٣ - وإما أن يكون هذا الكون أزلي الوجود ليس لنشأته بداية وهذا الاحتمال يساوي ما يقوله المؤمنون بالله من أزلية الخالق. لكن قوانين الكون تدل على أن أصله وأساسه مرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة فهو إذاً حدث من الأحداث ولا يمكن إحالة وجود هذا الحدث المنظم البديع إلى المصادفة عقلا، ولذلك فهذا الاحتمال باطل. ٤ - وإما أن يكون لهذا الكون خالق أزلي أبدعه وهو الاحتمال الذي تقبله العقول دون اعتراض. وليس يرد على إثبات هذا الاحتمال ما يبطله عقلا. فوجب الاعتماد عليه. وقال "جون كليفلاند كوثران" عالم الكيمياء والرياضيات: تدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة، وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية. ومعنى ذلك أيضا أنها ليست أزلية إذ أن لها بداية وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة ولا تدريجية بل وجدت بصورة فجائية. وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه المواد وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لابد أن يكون مخلوقا وهو منذ أن خلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة ليس لعنصر المصادفة بينها مكان. فإذا كان هذا العالم المادي عاجزا عن أن يخلق نفسه أو يحدد القوانين التي يخضع لها فلابد أن يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي متصف بالعلم والحكمة. وقال "ادوارد لوثر كيسيل" أستاذ الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو: يرى البعض أن الاعتقاد بأزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد بوجود إله أزلي، ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي. فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليا ولا يقتصر ما قدمته العلوم على إثبات أن لهذا الكون بداية، فقد أثبت فوق ذلك أنه بدأ دفعة واحدة منذ نحو خمسة بلايين سنة (١)، ولو أن المشتغلين بالعلوم نظروا إلى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس روح الأمانة والبعد عن التحيز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم، ولو أنهم حرروا عقولهم من سلطان التأثر بعواطفهم وانفعالاتهم، فإنهم يسلمون دون شك بوجود الله وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسر الحقائق، فدراسة العلوم بعقل متفتح تقودنا دون شك إلى إدراك وجود السبب الأول الذي هو الله (٢). وإذا كان وجود الله تعالى يتجلى بهذا الوضوح فما الذي حمل الملاحدة على إنكاره؟!! وما هي الشبهات التي تعلقوا بها؟

стр. 723

سابع عشر: شبهات الملاحدة في إنكارهم وجود الله تعالى ١ - دليل الجاذبية من شبههم على نفي وجود الإله الخالق الحافظ لهذا الكون ما زعموه بعد اكتشاف نظام الجاذبية في علم الفلك من أن هذا الكون محفوظ بقانون الجاذبية ومتماسك بسببها لا بقدرة إله خالق ولا شك أن هذا الفهم تافه سخيف إذ يقال لهم هل نظام الجاذبية ينفي وجود إله خالق قادر، أم أنه على العكس يدل على وجود الإله الذي خلق الجاذبية ذاتها لتعمل وفق ما أراد وقدر لا وفق ما تريد هي، إذ لا إرادة لها ولا وجود لها من نفسها فهي قد وجدت بعد أن لم تكن، وهذا الترتيب العجيب في الكون يفوق كل قدرة ويفوق كل تدبير لقد حير العقول وتضاءلت دون إدراكه الأفهام، فكيف ينسب هذا كله إلى الجاذبية المحدثة المخلوقة؟ كما أن كثيرا من الملاحدة – كما تقدم – يعترفون بعجزهم عن الوصول عن طريق الأبحاث والتجارب إلى معرفة أسرار كثير من الحقائق المشاهدة في هذا الكون وهذا الإقرار يلزمهم أن يقروا أيضا بحقيقة الإله، بل وحقيقة الدين لأنه يشتمل على كثير من الحقائق التي لا يصل العقل إلى معرفتها لا عن طريق البحث ولا عن طريق التجارب فكيف ساغ لهم الإيمان بأن لبعض الحقائق المشاهدة حقائق باطنية عجز العلم عن معرفتها بينما ينفون وجود الإله وحقيقة الدين بحجة أن الدين قائم على أمور لا تدرك حقيقتها الباطنية عن طريق البحث والتجربة، هذا تناقض واضح وتفريق بلا مستند. ٢ - دليل الارتقاء من شبههم التي استندوا عليها في إلحادهم في الله تعالى قضية الارتقاء. أي ارتقاء المخلوقات وتطورها في خلقها تلقائيا وهذه القضية رغم وضوحها في الدلالة على وجود الله تعالى وقدرته ومشيئته ورحمته بخلقه إلا أنهم نظروا لها من جانب آخر بعيد عن الفهم السليم والعقل المستقيم فزعموا أن أنواع الحياة قد وجدت نتيجة لعمل الارتقاء لافتراضهم أنه على فرض وجود خالق لهذه الحياة بزعمهم فلا يمكن أن يخلقهم على هذا الترتيب من الصغر إلى الكبر في الإنسان والنبات بل يخلقه دفعة واحدة كل صنف في كمال شكله بدون ترتيب يخضعها لعمل تطوري طويل الأمد حسب زعمهم وأن المخلوقات تطورت بنفسها بفعل المادة وأنها تولدت عن بعضها للتشابه بينها وأن بقاءها يعود إلى قدرتها على التكيف مع الظروف التي تحيط بها. والواقع أنه ما من مؤمن بالله إلا وهو يعلم أن وجود الخلق على هذه الحالة إنما يعود إلى مشيئة الله وقدرته ولتنظيم الحياة على سنة واحدة ولن تجد لسنة الله تبديلا. وأن ما يزعمونه من تطور المخلوقات بنفسها بفعل المادة إن هو إلا خرافات سخيفة ولو كان ذلك صحيحا لأدى التطور إلى أن تصبح الذرة جملا أو فيلا ضخما فما الذي يمنعها وقانون التطور يجيز ذلك لها؟ وقد مرت ملايين السنين ولا تزال الذرة هي الذرة والجمل هو الجمل والإنسان هو الإنسان لم يتطور من قرد إلى إنسان إلا عند " داروين " الملحد الذي أصبحت نظرياته محل سخرية العقلاء من الناس وضحكهم منها وإذا كان الارتقاء بمعنى أن الإنسان والحيوان يكون في أوله صغيرا ثم يكبر شيئا فشيئا إلى أن يكتمل فهذا أمر حقيقي مشاهد وهو يدل على قدرة قوية تربيه إلى أن يصل إلى درجة الاكتمال ولا يدل هذا على أنه ليس له إله رحيم مدبر.

стр. 724

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على التطور والارتقاء في حياة الإنسان والحيوان والنبات ولو كان للطفل المولود أسنانا حادة من أول يوم لما أرضعته أمه ولو ولد شابا لما وجد ذلك الحنان بينه وبين أمه وأبيه وأهله ولو كانت الشمس تسطع حرارة منذ بزوغها لما وجد لها هذا الحب في استقبالها وفي غروبها كل يوم ولكن الملاحدة قلبوا الأمر فجعلوا ما كان دليلا واضحا على قدرة الله تعالى ووجوده جعلوه دليلا على إنكار وجوده لأن قلوبهم غلف وقد طبع الله عليها. وأما ما زعموه من أن الكائنات الحية نشأت عن التولد وأن تكيفها مع الظروف هو الذي أبقاها فإنه يقال لهم إن هناك حقائق مسلمة لا يعارضها عقل ولا دين بحال، بل يؤكدها الدين والعقل بدلالتها على الخالق العظيم ولا يصح أن يقال أنها دليل على صحة نظرية التطور التي يثبتها الملاحدة وهي: ١ - الكائنات الأدنى كالنبات وجدت قبل الكائنات الأرقى كما يذكر الباحثون فالإنسان هو أرقى الكائنات الحية وجد متأخرا بينما النباتات وجدت أولا فإن الله خلق السموات والأرض وخلق الأرض وقدر فيها أقواتها وما يحتاج إليه البشر حين يوجدون عليها. ٢ - يوجد كثير من أوجه الشبه بين الكائنات الحية كالإنسان والقرد ومع ذلك بقي كل كائن كما هو على طول المدى لم يتحول القرد إلى إنسان ولا الإنسان إلى قرد. ٣ - الكائنات الحية تملك قدرة على التكيف مع الظروف "ظهور المناعة لمقاومة الأمراض، تغير لون الجلد لمقاومة الحرارة وأشعة الشمس .. الخ (١). ويقال لهم في توجيه ذلك: إن كل هذه الثوابت لا يعارضها الدين أو العقل وهي من أوضح الأمور على قدرة الله تعالى الذي منحها هذه الصفات فإن ترتيب وجود الكائنات يعود لمشيئة الله تعالى كذلك ولا يلزم من وجود الكائن الأول أن الكائن الذي يليه تولد عنه، فإن الإنسان مع وجوده متأخرا لا يصح أن يقال أنه تولد عن النبات الذي سبقه في الوجود، وإلاّ لزم التسلسل فإنه يقال لمن يريد إثبات ذلك والنبات أيضا عن أي شيء تولد؟ فلو قال من اجتماع أجزاء المادة يقال له وأجزاء المادة أيضا من أي شيء تولدت؟ وهكذا فلا يجد جوابا في النهاية إلا التسليم رغم أنفه شاء أم أبى. وأما وجود التشابه بين الكائنات الحية فلا يعني هذا أيضا أن كل كائن تولد عن شبهه فلا يصح أن يقال أن القرد تولد عن الإنسان أو الإنسان تولد عن القرد لما بينهما من تشابه لا يمكن هذا إلا في نظرية "دارون" وقد عرفت سخافتها، بل إن العلم والدين كلاهما يثبتان أن التشابه بين الكائنات الحية مع بعضها البعض أو مع بعضها وأخرى ليست من جنسها إنما هو دليل قاطع على أن مصدر الإيجاد واحد وهو الله تعالى ولو أن الكائنات كلها تولد بعضها عن بعض لما كان هناك فرق، في مفاهيم العقلاء بين أن تقول لإنسان أنت قرد أو كلب أو شجرة وبين أن تقول له أنت إنسان أو قمر أو وردة لحصول التولد الذي زعمه الملاحدة بنظرياتهم السخيفة إذ ما دامت الكائنات كلها تولدت عن بعضها البعض فلا يبقى بينهم أي فارق حقيقي.

стр. 725

وأما وجود القدرة للكائنات الحية على التكيف مع الظروف التي تحيط بها فإن العلم والدين يثبتان ذلك ويرجعان السبب إلى قوة مدبرة رحيمة هي قوة الله تعالى وقدرته ورحمته فإن تلك القدرة على التكيف إنما هي رحمة من الله تعالى لبقاء ذلك الكائن حيا منتفعا بذلك التكيف على مقاومة انقراضه إلى الوقت الذي يشاء له موجد تلك القدرة فأي دليل للملاحدة في هذا على عدم وجود الله تعالى الخالق لهذه الكائنات والموجد لها هذه القدرة على التكيف في معيشتها أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]. ٣ - قانون العلة أو المعلول أو التفسير الميكانيكي للكون من المسلم به عند العقلاء وكل المؤمنين بالله تعالى أن الله تعالى يوجد الأشياء عند وجود أسبابها في أغلب الأمور إلا إذا أراد عدم وجود تلك الأسباب وحينما اكتشف علماء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أن الكون يسيره قانون العلة والمعلول طار الفرح بمفكري الملاحدة وظنوا أنهم وجدوا ضالتهم المنشودة في التدليل على عدم وجود الله تعالى لأن كل الأشياء ناتجة عن علة ومعلول فلا ضرورة حينئذ إلى القول بوجود إله موجد لأن جميع ما يجري في هذا الكون إنما يحدث بسبب علل مادية دون تدخل خارجي غير وجود العلة والمعلول التي تغني عن القول بوجود الله وهو ما يسميه بعض الباحثين " التفسير الميكانيكي للكون " ومن الطريف أن العلماء الذين اكتشفوا هذا القانون لم يزعموا أنه بديل عن الله تعالى بل صرحوا بأنه سنة الله في الخلق أن تجري الأمور بواسطة أسباب وعلل فقد قال "نيوتن" "هذا هو أسلوب الله في العمل، فالله يجري مشيئته في الكون بواسطة أسباب وعلل" (١).

стр. 726

ولكن الملاحدة وهم في نشوة فرحهم ببناء مذهبهم الإلحادي جعلوا هذا ضمن أدلتهم على تقوية إلحادهم ونظريتهم إلى الدين بعين البغضاء وأنه بزعمهم ينافي العلم، وأنى لهم أن يكون هذا الاكتشاف دليلا على عدم وجود الإله الخالق الذي قدر الأسباب وضرب الآجال وفق سننه في هذا الكون التي هي أجلى من الشمس لولا عناد الملاحدة واستكبارهم وقد أشار الله تعالى إلى هذا في القرآن الكريم حينما أمرت مريم بأن تهز النخلة وهي في حالة تمام الإعياء والتعب في وقت الولادة ليفهم الناس أن الله تعالى يجري الأمور بأسبابها. وقد وجد الفلاسفة الملاحدة صفعة أبطلت نشوتهم بهذا الاكتشاف الميكانيكي وذلك حينما عجز العلماء عن الإتيان بتفسير للأسباب الكامنة في بعض القضايا مع وضوح آثارها دون أن يعرفوا وجه العلة والمعلول فيها وعلى سبيل المثال فإن الراديوم عنصر مشع وإليكتروناته تتحول إلى حطام تلقائيا بعمل الطبيعة وقد أجرى العلماء تجارب لا حصر لها لكي يصلوا إلى سبب إشعاع الراديوم ولكن كل التجارب انتهت إلى الإخفاق. ونحن نجهل حتى اليوم سبب تحطم إلكترون ما وخروجه عن نظامه النووي في الراديوم وأيضا فنحن نشاهد المغناطيس وهو يشد نحوه الحديد. وقد أقام العلماء نظريات كثيرة لشرح هذه الظاهرة ولكن أحدهم كتب يعلق على هذه النظريات قائلا: " إننا لا نعرف لماذا يشد المغناطيس الحديد نحوه ربما لأن الله أصدر إلى المغناطيس أمرا بذلك " (١). ولقد علل العلماء في الماضي لبعض القضايا بتعليل ظنوا أنه صواب فإذا به عند التحقيق تعليل سطحي، بل لا يعرف الإنسان إلى الآن لماذا ينام حين يستلقي في الليل على سريره ما هو السبب لذلك. ولقد اعترف الملاحدة بعد طول جدل بأن قانون التعليل ليس حقيقة مطلقة بالمفهوم الذي افترضوه في القرن التاسع عشر، بل لقد قرروا أخيرا " أن نظام العالم لا يخضع لقانون العلة والمعلول الناتج عن الصدفة المحضة، وإنما هناك عقل ذو وعي يدبر شؤون العالم بالإرادة ". وكان سائدا عند الجهال في القرون الأولى أن هناك آلهة مشتركة في تدبير هذا الكون وهي تخضع في النهاية لإله واحد هو أكبرها فقد تغيرت هذه النظرة الشركية إلى ما هو أقبح منها وهو الإلحاد المادي الحديث القائم على القول بالصدفة وطبيعة أجزاء المادة وانتظامها وانفجارها مما لم يقل به المشركون قديما. ٤ - دليل المادة

стр. 727

ومن أدلتهم على نفي الإله واعتبار الدين خطرا يضاد العلم قولهم أن أساس هذا الكون كان مادة شبه غبار منتشر ثم حدث أن تحرك حركة لم تنته إلا بتكوين هذا الكون وما فيه في انفجار هائل، ولكن يقال لهم إن هذا التفسير مضحك سخيف فهل تستطيعون أن تثبتوا من الذي كون ذلك الغبار ومن الذي جمعه ومن كان السبب في تلك الحركة التي جعلت الكون كله يتفجر ويتكون على نحو ما هو عليه؟ إنهم لا يجدون لهم جوابا غير أن الصدفة هي التي فعلت ذلك وهو افتراض بدون أساس ناتج عن خيال كاذب وفهم قاصر، ويقال لهم: إذا كان وجود هذا الكون عن طريق الصدفة أليس من الممكن والحال هكذا أن توجد صدفة أخرى تقضي على هذا الكون كله وتتعطل كل هذه المصالح من شمس وقمر ونجوم وغير ذلك مما في هذا الكون المترابط المنتظم بصورة تضمن استمرار الحياة سليمة عن الخراب والتداخل إذ الشمس تجري لمستقر لها والنجوم زينة للسماء والقمر ضياء والرياح لواقح والسحب تحمل المطر والليل في وقته والنهار في وقته، كلها تجري لصالح الإنسان ولبقاء الحياة هذه الدهور التي لا يعرف لها وقت إلا الله تعالى، بل والإنسان نفسه أعظم آية، كيف أوجدته الصدفة من العدم وكيف وجد الإنسان الحي من مادة ليس لها حياة. " إن التفسير الميكانيكي يعجز هنا عن إقرار أن سببا واحدا خلق الكون. وأن هذا السبب نفسه يقوم بتدبير شؤونه في نفس الوقت، إن هذا التفسير نقيض وجود إلهين اثنين. فمن ناحية يقدم لنا هذا التفسير نكتة قانون الصدفة لشرح الحركة الأولى التي وقعت في المادة الراكدة، ولكن هذا التفسير من ناحية أخرى يعجز عن تقديم تفسير مقنع لتسلسل الحركة بواسطة تلك الصدفة نفسها التي وقعت "صدفة " للمرة الأولى لذلك وجب البحث عن إله آخر لشرح هذا الجزء الأخير من التفسير الميكانيكي" (١). وقد وجدوه بزعمهم في مبدأ التعليل الذي زعموا فيه أن الكون ابتدأ في الوجود إثر حكة المادة وانفجارها الذي سبق ذكره وعرفت سخافته وبطلانه. وحينما قام الإلحاد ونكران الإله على أساس أن الكون خاضع لتلك القوانين المعنية وأن كل حدث له سبب وأن قوانين الارتقاء قد تكفلت بإتمام كل موجود وأن الكون كله تكون من مادة حسب سخافاتهم فلا حاجة إلى القول بوجود إله خالق مدبر لهذا الكون، وبالتالي أخذ عظماء الكفر والإلحاد يتبجحون بما توصلوا إليه في اكتشافاتهم من تلك القوانين الطبيعية فراحوا يتفنون في إطلاق كلمات الإلحاد وأنه بإمكانهم أن يخلقوا الإنسان والكون لو توفرت لهم المواد والتي زعموا أن الكون خلق منها فقال الفيلسوف الألماني " كانت ": " ائتوني بالمادة وسوف أعلمكم كيف يخلق الكون منها " (٢).وقال "هيجل": "إنني أستطيع خلق الإنسان لو توفر لي الماء والمواد الكيماوية والوقت " (٣).وقال "نيتشه": "لقد مات الإله الآن" (٤).

стр. 728

وهكذا زعموا أن العلم أوصلهم إلى أن الكون إنما وجد من مادة وأنه لا أثر للخالق فيه، وبالتالي فلا حاجة مع وجود هذه العلوم والاكتشافات إلى القول بالخالق وسبحان العليم الحليم. وقالوا متعالين: لقد كان الإنسان القديم يعتقد أن خروج الكتكوت من البيضة إنما كان بقدرة إلهية أما اليوم فقد علمنا أن الكتكوت بعد ٢١ يوما يظهر على منقاره قرن صغير يستعمله في تكسير قشرة البيضة فيخرج منها ثم يزول هذا القرن بعد بضعة أيام من خروجه من البيضة (١). إنهم حين يقفون عند هذا الحد في خلق الكتكوت تفوتهم أمور كثيرة لا يستطيعون الجواب عنها هي أشد من تكسير البيضة، إذ يقال لهم: كيف يظهر هذا القرن؟!!، ومن الذي منحه هذا القرن الضروري لخلاصه من البيضة؟!!، فإذا قالوا: إنها الطبيعة، فيمكننا أن نقول لهم: إن هذه الطبيعة التي تقولون بها هي سنة الله تعالى في تكوين خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وأنها هي الله تعالى الخالق المدبر، فيصبح الخلاف في وجود الله بين المؤمنين والملحدين خلافا لفظيا. ومهما اكتشف العلماء من اكتشافات، فإنها تبقى في حاجة إلى بيان القوة المؤثرة الخفية فيها الذي حاد عنها الملاحدة وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:١٤]. وكلام الله هو الدليل القاطع، فقد أثبت الله تعالى أن الإنسان مهما كابر عقله، فإنه يعلم في قرارة نفسه أن الشيء لا يوجد نفسه، وأن العدم لا يوجد الموجودات المشاهدة المنتظمة في أكمل وأدق نظام، والمادة التي جعلت إلها في نظرهم هي نفسها مخلوقة مربوبة حتى وإن وصفوها بصفة الإله. ومن الملفت للنظر أن هذا الإله المختلق – المادة – لا يصفونه بالحكمة ولا القصد ولا التدبير وهذا ما أكده " دارون "، و " أنجلز " و " ماركس " ومن سار على منهجهم في زعمهم فوضوية المادة على أن هذا الإلحاد الذي قرره " دارون "، و " ماركس " و " أنجلز " لم يكن وليد أفكارهم وإنما أنشأته ظروف كثيرة قبلهم ومنها الحياة الدينية في أوروبا حينما انفصلت عن كل شيء يشير إلى الدين الصحيح وحل محله طغيان رجال الدين الكنسي الذي نتج عنه بغض الدين وبغض مصدره وهو ذلك الإله المنحاز إلى الطبقات الثرية وإلى رجال الدين والحكام ولا شأن له بالفقراء والمغلوبين على أمرهم. ومما لا ريب فيه أن هذا المفهوم الباطل للدين والإله أمر لابد أن يولد عنه الإلحاد متى اقتنع الشخص بصحته، كما أن استغلال الطبقات القوية للفقيرة وإذلالهم باسم ذلك الإله الذي صوروه قوة عاتية إلى جانبهم فقط يعذب من أغضبهم ويرضى عن من أرضاهم من شأنه أن يساعد على نشأة الإلحاد أيضا. ومن هنا شعر الجميع بوجوب الهرب من وجه هذا الإله المتصف بتلك الصفات إلى إله آخر له كل صفات الإله الأول إلا أنه لا يعترف بالكنيسة ولا يبارك ظلم طغاتها ولا يلزم الناس تجاهه بأي التزام وعباده أحرار فيما يصنعون بأنفسهم لا سلطان لأحد عليهم إلا الهوى والشهوات لقد استراح من أراد الهرب من إله الكنيسة إلى الإله الجديد المسمى " الطبيعة " مادام بينهما هذا الفارق الكبير في السلوك وتفنن بعد ذلك هؤلاء الهاربون في إضفاء الصفات على هذا الإله الذي تخيلوه وأحبوه وسموه الطبيعة. ولكنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه إله وهمي متخيل لا حقيقة له إلا من خلال أنه ملاذ وجداني أرحم من إله الكنيسة حتى وإن كان غيبيا وكانوا كلما وقفوا على شيء يدل على الإله العظيم رب العالمين سارعوا إلى تفسيره لصالح هذا الإله المتخيل مخافة أن يقعوا مرة أخرى في قبضة رجال الكنيسة وصدق عليهم قول الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:١٤]. أو قول الشاعر: "كالمستجير من الرمضاء بالنار" إن الملاحدة هربوا عن اسم الله والإعتراف به إلى اسم آخر أعطوه نفس القدرة ونفس صفات الإله الحقيقي دون أي مبرر إلا الهرب من إله الكنيسة دون أن يرجعوا إلى عقولهم وإلى سؤال أنفسهم بصراحة وصدق هل هذا الإله الذي جعلته الكنيسة ستارا لطغيانها هو فعلا الإله الحقيقي أم أنه إله مخترع وورقة رابحة في أيدي الطغاة. إنهم لو طلبوا الحقيقة سيجدونها واضحة صريحة وسيجدونها في مكان لا يقل كراهتهم له عن كراهيتهم للكنيسة إنه الإسلام الذي سيبين لهم، لو أرادوا، الحق الصحيح الإله الحقيقي الرحيم العادل بين عباده. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١١٦٦

стр. 729

ثامن عشر: الرد على مزاعم الشيوعية لقد اتضح من خلال ما مضى أن الشيوعية الماركسية مذهب إلحادي، لا يؤمن إلا بالمادة، ولا يعترف إلا بالمحسوس. ومرَّ بنا كيف كان الشيوعيون ينظرون إلى الحياة من خلال المنظور المادي، وكيف كانوا يفسرون التاريخ تفسيراً مادياً، إلى غير ذلك من مبادئ الشيوعية وأعمالها. والرد على مبادئ الشيوعية لا يحتاج إلى كبير جهد؛ ففسادها يغني عن إفسادها، وتصورها كافٍ في الرد عليها، وأدلة الشرع والعقل، والفطرة والواقع تنقض مبادئ الشيوعية. ولقد مرَّ شيء من الرد على مبادئ الشيوعية من خلال عرضها، وفيما يلي ذكر لبعض التفصيل في الرد على مزاعم الشيوعية، ومبادئها، يتبين من خلاله بطلان هذا المذهب. ١ - الشرع: فأدلة الشرع أكبر برهان على بطلان الشيوعية، فهي تدل على وحدانية الله وعلى صدق رسله ﵈. فالله أرسل الرسل من لدن نوح إلى محمد ﵈ بالتوحيد الخالص فكلهم يدعون إلى عبادة الله وحده، وإفراده بالعبادة دون من سواه. قال -تعالى-: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦]، وهذه الدعوة التي جاء به الرسل الكرام ﵈ توضح العلاقة بين العبد وربه، وتكفل للبشرية أن تعيش بسعادة وهناء. ثم إن عبادة الله هي الغاية التي خلق من أجلها الجن والإنس، قال -تعالى-: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦]. ثم إن القرآن بإعجازه وببلاغة أسلوبه، وشدة تأثيره، وإخباره عن الغيوب الماضية والمستقبلة، وتضمنه لمصالح العباد في دنياهم وأخراهم، وصلاحه لكل زمان ومكان وأمة - لأكبر برهان على بطلان الشيوعية التي تدعو إلى الإلحاد، وتكفر بكل دين. إضافة إلى ذلك فالحقائق العلمية تشهد للقرآن والسنة بالصحة؛ فمع اتساع علوم الطبيعة وما استجد من العلوم العصرية لم يأت علم صحيح ينقض شيئاً مما جاء في القرآن والسنة الصحيحة، مع أن الذي جاء بتلك الحقائق نبينا محمد الأمي " (١).فالعلم الصحيح لا يناقض النقل الصحيح، بل يتفق معه تمام الاتفاق، كما لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبداً، وإذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة - فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن الكريم غير صريح في معارضته؛ لأن صريح القرآن وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبداً (٢). وهذا ما قرره العلماء في القديم والحديث ولقد بنى شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) على هذه القاعدة. بل لقد صرح كثير من الكتاب الغربيين بهذه الحقيقة، ومنهم الكاتب الفرنسي (موريس بوكاي) في كتابه (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم).

стр. 730

حيث قرر في ذلك الكتاب أن التوراة والإنجيل المحرفين الموجودين اليوم - يتعارضان مع الحقائق العلمية، في الوقت الذي سجل فيه هذا الكاتب شهادات تفوق للقرآن الكريم سبق بها القرآن العلم الحديث. وأثبت من خلال ذلك أن القرآن لا يتعارض أبداً مع الحقائق العلمية، بل يتفق معها تمام الاتفاق (١).وبالجملة فالكتاب والسنة كلاهما رد على الشيوعية والمقام لا يستدعي الإكثار من ذكر الآيات والأحاديث؛ فالحديث مع من يعظم الكتاب والسنة شيء، ومع من لا يراهما شيء آخر (٢). أما ما يروج له الشيوعيون من عزو التخلف الذي حل بالمسلمين إلى تمسكهم بالدين، ومن نسبة انحرافات المنتسبين للإسلام إلى نفسه؛ إرادة الطعن فيه، والتنفير عنه - فتلك فرية عظمى، ويُرَدُّ عليها بما يلي:

стр. 731

أ - أن حال المسلمين في عصورهم المتأخرة لا تمثل الإسلام حقيقة: فعلى من يريد الحقيقة بعدل وإنصاف - أن ينظر إلى دين الإسلام نفسه، وما هو عليه من الإحكام والحسن، وما فيه من الهداية إلى كل خير، والتحذير من كل شر. ب - أن انحرافات المنتسبين للإسلام لا يعاب بها الإسلام، ولا تحسب عليه: فالشيوعيون يطعنون بالدين من خلال ما يرونه من انحرافات بعض المنتسبين للإسلام، كبدع الرافضة، وشطحات المتصوفة، وغيرهم ممن ينحرف به المسار، وينسب انحرافه إلى الدين. ولاريب أن الدين براء من هذه التهم، فمن أراد الإسلام الحق فليطلبه من مصادره الصحيحة. ج - النظر في حال القائمين بالدين الحق: فالعدل يقتضي بأن ينظر في حال القائمين بالدين حق القيام، المنفذين لأوامره وأحكامه في أنفسهم وفي غيرهم كما كان الصدر الأول ومن تبعهم بإحسان. فإن ذلك النظر يملأ القلب إجلالاً، والعين هيبة ووقاراً لهذا الدين وأهله المتمسكين به، العاملين بتعاليمه، مما يسر الناظرين، وتقوم به الحجة على المعاندين. أما مجرد النظر إلى حال المسلمين التاركين لدينهم، الناكبين عن صراطه، الناكثين عهده فليس من العدل في شيء، بل هو الظلم بعينه؛ فالدين بريء من تبعة المنتسبين إليه دون أن يعملوا بما جاء به. د - أن تأخر المسلمين ليس بسبب التمسك بالدين: بل إن العكس هو الصحيح؛ فلم يتأخر المسلمون عن ركب الحضارة إلا عندما فرطوا في دينهم، ونسوا حظاً مما ذكروا به؛ فهبطوا من عليائهم، ولقوا ذلاً بعد عز، وضعة بعد رفعة، وهبوطاً بعد شمم، وجهلاً بعد علم، وخمولاً بعد نباهة؛ فمن له أدنى بصيرة يعلم أن الإسلام يدعو إلى الصلاح والإصلاح في أمور الدين والدنيا، ويحث على الاستعداد في تعلم العلوم النافعة، ويدعو إلى كل ما من شأنه تقوية العزائم، وإنهاض الهمم؛ كي تقوى الأمة، وتتبوأ مكانها اللائق بها. وإنه لمن الظلم، والتعصب المقيت، وقصور النظر أن ينظر إلى حال المسلمين في هذه الأوقات، فيظن أنها هي الصورة التي تمثل الإسلام. فإذا أراد المرء أن ينظر بعدل فلينظر إلى الصدر الأول وما يليه من عصور العز؛ عندما دانت أمم الأرض للمسلمين، فنشروا فيها الرحمة، ورفعوا في سوحها لواء العدل والحكمة، فهفت إليهم القلوب قبل الأبدان، وخضعت لهم الدنيا من مشارقها إلى مغاربها. وهل رقت أمم الغرب الآن، وبزت غيرها في الصناعات والاختراعات المذهلة إلا بعد أن استنارت عقولهم بعلوم المسلمين بعد الحروب الصليبية؟ ألم تكن تلك الأمم في غابر الأزمان، وفي القرون التي يسمونها القرون المظلمة في غاية الجهل والوحشية والهمجية؟ ألم يكن المسلمون وقت قيامهم بهذا الدين هم سادات الخلق؟ ألم تكن مدنية الإسلام هي المدنية الزاهرة الحقيقية؟ حيث كان روحها الدين، والعدل والرحمة والحكمة، وقد شملت بظلها الظليل وإحسانها المتدفقِ الموافِقَ والمخالفَ والعدو والصديق؟ فهل أَخَّرهم دينهم، وهل منعهم الرقي الحقيقي؟ وهل نفع الآخرين كفرهم بالله في تلك القرون الطويلة؛ إذ كانوا هم الأذلين المخذولين؟ ثم لما قصَّر المسلمون في الاستمساك بدينهم، وتفرقوا شيعاً، وارتقى الكفار في علوم المادة وفنون الصناعات، ووصلوا إلى شأن لم يسبق له مثيل - هل أغنت عنهم تلك المدنية، وذلك الترقي فتيلاً؟ ألم تكن حضارتهم قائمة على الظلم، والجشع، والاستبداد، والاستبعاد، والقتل، والنفي، والتشريد؟ فهذا أكبر برهان على أن الرقي المادي ينقلب ضرراً إذا خلا من الدين الحق؛ لأن من انفرطت عليه مصالح دينه انفرطت عليه مصالح دنياه تبعاً لذلك.

стр. 732

ثم إن الملاحدة لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من الرقي بسبب نبذهم للدين، وإنما أوصلهم إلى ذلك جدهم، واجتهادهم، وأخذهم بالأسباب التي مَنْ أخذ بها وصل إلى غايته. وبهذا يُرَدُّ على من زعم أن نَبْذَ الدين سبب للترقي. ٢ - العقل الصحيح: فالعقل الصحيح يدل دلالة قاطعة على بطلان الشيوعية؛ فأهل العقول الصحيحة متفقون على أن أفضل المغانم والمكاسب ما اكتسبته القلوب، واستنارت به العقول من العلوم الصحيحة، والمعارف النافعة والإيمان الصادق، والأخلاق العالية، التي من اتصف بها كمل سؤدده وتناهى فضله إن كان فرداً والتي تسعد بها الأمة، ويرتفع شأنها، ويهاب جنابها. ومعلوم أن الشيوعية تناقض العقل الصحيح في أعظم القضايا، ألا وهي قولها بالإلحاد، وإنكار الخالق، ودعوى أن الطبيعة مُوْجِدَةٌ لنفسها، أو أنها وجدت صدفة. ومن نظر إلى هذا العالم، وما أودع الله فيها من المخلوقات المتنوعة، والحوادث المتجددة أدرك أن لهذا الكون خالقاً مُحْدِثاً وهو الله . فالقسمة العقلية في هذا الصدد لا تخرج عن ثلاثة أمور: أ - إما أن تُوْجَدَ هذه المخلوقات صدفة من غير مُحدث ولا خالق. وهذا محال ممتنع يجزم العقل ببطلانه؛ لأن كل من له عقل يعلم أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير مُحْدِث، ولا موجد، ولأن وجودها على هذا النظام المتسق البديع المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب والمسببات، وبين الكائنات بعضها مع بعض - يمنع منعاً باتاً أن يكون وجودها صدفة. ب - وإما أن تكون هي المحدثة لنفسها الخالقة لها، وهذا محال ممتنع - أيضاً - فكل عاقل يجزم أن الشيء لا يخلق نفسه؛ لأنه قبل وجوده معدوم؛ فكيف يكون خالقاً؟! وإذا بطل هذان القسمان تعين الثالث: ج - وهو أن هذه المخلوقات لها خالق خلقها، ومُحْدِثٌ أحدثها، وهو الرب العظيم الخالق لكل شيء، المدبر للأمور كلها. وقد ذكر الله هذا التقسيم العقلي القاطع في سورة الطور، قال - تعالى -: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُون [الطور:٣٥]. يعني أنهم لم يخلقوا من غير خالق، ولاهم الذين خلقوا أنفسهم؛ فتعين أن يكون خالقهم هو الله ﵎.

стр. 733

فالمخلوق لابد له من خالق، والأثر لابد له من مُؤَثِّر، والمحدَثُ لابد له من مُحْدِث، والمُوْجَدُ لابد له من مُوجِد، والمصنوع لابد له من صانع، والمفعول لابد له من فاعل. هذه قضايا واضحة تُعرف في بداهة العقول، ويشترك في العلم بها جميع العقلاء، وهي أعظم القضايا العقلية؛ فمن ارتاب بها فقد دل على اختلال عقله، وبرهن على سفهه وفساد تصوره (١).ومن نظر في كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) الذي كتبه ثلاثون من علماء الطبيعة والفلك ممن انتهت إليهم الرياسة في هذه الأمور، وكتاب (الإنسان لا يقوم وحده) لكريسي موريسون رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك، وتُرجم إلى العربية بعنوان: (العلم يدعو إلى الإيمان) - يدرك أن العالِم الحقيقي لا يكون إلا مؤمناً، وأن العامي لا يكون إلا مؤمناً، وأن الإلحاد والكفر لا يكون إلا من المكابرين المعاندين، ومن بعض أنصاف العلماء وأرباع العلماء، ممن تعلم قليلاً من العلم المادي وخسر بذلك الفطرة المؤمنة ولم يصل إلى العلم الذي يدعو إلى الإيمان (٢). وبهذا يتبين لنا أن العقل يدل على وحدانية الله، وعلى بطلان دعاوى الشيوعية، وسفاهة عقولهم. إن الشيوعية خرافة، وشرط الخرافة أن تلغي عقلك تماماً، وتستسلم لتعاليم سادتها. يقول ريتشارد كروسمان في مقدمة كتاب (الصنم الذي هوى) (٣): فإن من يدخل الشيوعية يُخْضِع روحه لشريعة الكرملين (٤) ويحس في ذلك شيئاً من الخلاصِ. وإذا تم هذا فإن العقل - بدلاً من أن يعمل ويفكر بحرية- يصبح عبداً للغاية التي لا تناقش، ولا تعارض، ويصبح إنكار الحقائق الواضحة شعيرة وعبادة (٥). ٣ - الفطرة: فالفطرة تدل على بطلان الشيوعية؛ فكل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه.

стр. 734

فالفطرة تدل على أن البشر جميعاً فطروا على عقيدة التوحيد، والاتجاه إلى الله ولم يفطروا على ماركسية، أو رأسمالية، أو داروينية، أو غيرها. ثم إن الله بعث الرسل، وأنزل الكتب لتقرير الفطرة؛ فصلاح العباد وقوامهم بالفطرة المكمَّلَةِ بالشِّرْعَة المنزلة (١).قال النبي " ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) (٢).وفي حديث عياض بن حمار يقول - تعالى -: في الحديث القدسي: ((وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم)) (٣). ثم إن الإنسان مفطور على اللجوء إلى ربه ﵎ عند الشدائد؛ فإذا ما وقع الإنسان - أي إنسان حتى الكافر الملحد - في شدة أو أحدق به خطر - فإن الخيالات تتطاير من ذهنه، ويبقى ما فطر عليه؛ ليصيح بأعلى صوته، ومن قرارة نفسه، وعميق قلبه منادياً ربه؛ ليفرج كربته. وصدق الله إذ يقول: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:٦٥]. ثم إنه لو قدِّر لأي إنسان أي يتجرد من كل عقيدة، ويصير قلبه خالياً من كل حق وباطل، ثم ينظر في العقائد بحق وعدل وإنصاف - لَعَلِمَ علم اليقين أن عقائد الشيوعيين أحط العقائد وأخسها، ولاتَّضح له الفرق العظيم، والبون البعيد بين عقائد الإسلام الصحيحة وبين سائر العقائد وخصوصاً عقائد الملاحدة الشيوعيين، فمتى علم المنصف ذلك عرف أنه ليس بعد الحق إلا الضلال. وهكذا تشهد الفطرة على بطلان الشيوعية في أعظم القضايا وهي مسألة الإيمان بالله. إضافة إلى ذلك فإن بقية دعاوى الشيوعية تنافي الفطرة، ومن ذلك - على سبيل المثال - قولهم بإلغاء الملكية الفردية. يقول الشيخ عبد العزيز البدري: وأما إلغاء الملكية الفردية جزئياً وبعبارة - كما يقولون - تحديد التملك الفردي - فإن الدارس لهذا القول يجد أنه يعني تحديد التملك الفردي بالكمية والمقدار. وهذا - أيضاً - مناقض للفطرة البشرية، ومخالف للأحكام الشرعية كما تفهم من نصوص الشرع؛ حيث إن هذا التحديد والإلغاء الجزئي يَحُدُّ من نشاط الفرد، ويعطل جهوده، ويقتل عبقريته ومواهبه في حسن الإنتاج والإبداع فيه، وبالتالي يقلل من إنتاجه ويوقفه عند نشاط معين لا يتجاوزه. وبذلك يحرم من مواصلة نشاطه الذهني والجسمي، وعند ذاك تخسر الأمة بمجموعها كفاءة الأفراد المجدين (٤). وقال الدكتور محمد محمد حسين بعد أن ذكر شيئاً من مساوئ الشيوعية: وليس ها هنا مجال الرد على دعاواهم، ويكفي أن نقول في إيجاز: إن دعوتهم تنزل بالنوع البشري إلى الحيوانية؛ لأنها تهمل الجانب الروحي في الإنسان؛ الذي هو به إنسان؛ فهي خرافة لا سبيل إلى تحقيقها؛ لأنها مخالفة للناموس؛ فالناس متباينون: قوة بدن، وذكاءاً، وخلقاً، وفطرة. والله يقول في محكم كتابه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:١٦٥].

стр. 735

ويقول - جلت قدرته -: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [النحل:٧١]. ويقول: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:٣٢ - ٣٥] (١).وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي: دلت هذه الآيات الكريمة المذكورة هنا كقوله - تعالى – نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ [الزخرف:٣٢] وقوله: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل:٧٤]، ونحو ذلك من الآيات - على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سُنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية، لا يستطيع أحد من أهل الأرض البتة تبديلها ولا تحويلها بوجه من الوجوه، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر:٤٣] (٢). قال: وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله ولجميع النبوات، والرسائل السماوية إلى ابتزاز ثروات الناس ونزع ملكهم الخاص عن أملاكهم بدعوى المساواة بين الناس في معايشهم - أمر باطل، لا يمكن بحال من الأحوال. مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون، وإنما يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس؛ ليتمتعوا بها ويتصرفوا فيها كيف شاؤوا تحت ستار كثير من أنواع الكذب والغرور والخداع، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم، وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم. فالطغمة القليلة الحاكمة ومن ينضم إليها هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد، وغيرهم من عامة الشعب محرومون من كل خير مظلومون في كل شيء، حتى ما كسبوه بأيدهم يعلفون ببطاقة كما تعلف الحمير. وقد عَلِم الله - جل وعلا - في سابق علمه أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس بدعوى أن هذا فقير، وهذا غني، وقد نهى - جل وعلا - عن اتباع الهوى بتلك الدعوى، وأَوْعَدَ من لم ينته عن ذلك بقوله - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء:١٣٥] (٣). ٤ - أن الأمور المدركة لا تحصر بالمادة وحدها: فالملاحدة لما آمنوا بالمادة وحدها حصروا الأمور المدركة في دائرة ضيقة؛ فما أدركوه في حواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه نفوه وأنكروه. ومن أجل ذلك أنكروا علوم الغيب، وما جاءت به الرسل، وما أنزلت به الكتب.

стр. 736

وهذا الزعم باطل، شرعاً، وعقلاً، وتجربة؛ ذلك أن الأمور المدركة لا تقتصر على ما أثبته الحس؛ فهناك مدارك أخرى؛ فهناك الأخبار الصادقة، وأعلاها وأحقها خبر الله ورسله؛ ففي ذلك تبيان لكل شيء. وإذا نسبت العلوم المدركة بالحس إلى ما جاءت به الرسل من العلوم - كانت كقطرة في بحر لجي. ثم إن هناك أشياء يؤمن بها الناس وإن لم يشاهدوها كالروح مثلاً؛ فهي لا ترى ومع ذلك لو خرجت لأصبح الإنسان جماداً؛ فهل ينكر الروح أحد بحجة أنها لا تدخل في المحسوس؟ وكذلك الكهرباء؛ فهل شاهدها أحد؛ إنما يشاهد الناس أثرها، أتكون الكهرباء أيسر أن نؤمن بها وأقرب إلى أن نصدق بها من أن نؤمن بالله الذي أبدعها ضمن ما أبدع من أسرار هذا الكون؟ ثم إن الملاحدة ينقضون مبدأهم في حصر الإدراك بالمحسوس، والتجربة؛ فهم يثبتون تجارب ونظريات ثم تحصل تجارب ونظريات أخرى لهم تنفي ما أثبتوه، وتثبت ما نفوه (١). قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ضمن ردوده على الملاحدة: أن يقال لهؤلاء الملحدين المنكرين لأمور الغيب التي أخبر بها الله ورسوله: لم أنكرتموها؟ فيجيبون بأنها لم تدخل تحت علومنا التي بنيناها على إدراكات الحواس والتجارب، فيقال لهم: قدروا أنها لم تدخل في ذلك؛ فإن طرق العلم اليقينية كثيرة، وأكثرها لا تدخل تحت إدراكاتكم؛ فإن إدراكاتكم قاصرة حتى باعترافكم فإنكم تعترفون أن مدركاتكم خاصة ببعض المواد الأرضية وأسبابها وعللها، ومع ذلك لم تدركوها كلها باعترافكم وأعمالكم؛ فإنكم لا تزالون تبحثون وتعملون التجارب التي تنجح مرة، وتخفق مرات؛ فإذا كانت هذه حالكم في الأسباب والمواد الأرضية التي يشترك بنو آدم في إدراكها، ويفترقون في مقدار الإدراك - فكيف تنفون بقية العوالم عوالم السماوات وعوالم الغيب؟ وما هو أعظم من ذلك من أوصاف الرب وعظمته، وأنتم لم يتصل شيء من علومكم بذلك؟ فإن هذا النفي باطل بإجماع العقلاء، وإنما هذا مكابرة (٢). ٥ - كثرة التناقض: فالتناقض عند الشيوعيين لا يكاد يحصر وذلك أمر لا بد منه؛ فالمبدأ باطل من أساسه؛ فلابد من التناقض؛ فإذا تهاوى الأساس تداعت الأركان. فالحق يشبه بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض، أما الباطل فيتناقض، ويهدم بعضه بعضاً، وتجد أهله متناقضين مختلفين، بل تجد الواحد منهم متناقضاً مع نفسه، متهافتاً في أقواله (٣). ومن الأمثلة على تناقضهم دعواهم محاربة الدين، وقولهم: إن الدين أفيون الشعوب. ومع ذلك فإن روسيا أول من اعترف بدولة دينية تحكمها التوراة المحرفة، وقامت على أساس ديني، وهي دولة إسرائيل. كذلك لما اشتد ضغط هتلر على روسيا إبان الحرب العالمية الثانية دعا ستالين إلى فتح المساجد والمعابد للصلاة، والعبادة فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:٦٥]. ومن أمثلة تناقضهم قولهم بالحتميات، وأن الأشياء تتطور ثم تزول سواء كانت فكرة أو مبدأ، أو غير ذلك. وفي الوقت نفسه يزعمون بأن الشيوعية هي نهاية المطاف والفردوس المنتظر. فإذا كانوا يقولون بالحتميات فإن الشيوعية داخلة فيما يقولون؛ لأنها مبدأ وفكرة، ومصيرها الحتمي الزوال، وهو ما حدث بالفعل؛ فأين الفردوس المنتظر؟

стр. 737

ومن الأمثلة على تناقضهم زعمهم أنهم يحاربون الطبقية، ومع ذلك فإن الطبقية في المجتمع الشيوعي قائمة على أشدها، وقد مر بنا كيف كان العمال وعامة الناس في المجتمع الشيوعي يعيشون عيشة الشظف في الوقت الذي يتمتع أعضاء الحزب الشيوعي بأقصى درجات الترف والنعيم. ٦ - الإخفاق في التطبيق: فهذا دليل على بطلانها، ولقد مر بنا كيف كان حال المجتمع الشيوعي بعد تطبيق الشيوعية. لقد عجز الشيوعيون عن تطبيق المساواة، وعجزوا عن إسعاد المجتمع، وحل مشكلاته؛ فكلما خرجوا من نفق دخلوا في نفق آخر أشدَّ حلوكة، وكلما حلوا مشكلة نتج عنها مشكلات، وكلما ولوا وجوههم وجهة تبين فيها النقص والخلل والاضطراب. وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:٨٢]. أين هذا من دين الإسلام، الذي هو الطريق الوحيد لحل جميع المشكلات، سواء مشكلات العلم، أو مشكلات الفقر، أو مشكلات السياسة أو غيرها من المشكلات. فمن المشكلات التي اضطرب فيها الخلق مشكلة العلم؛ فإنه إذا صح صحت العقائد والأفكار، وصلحت الأعمال المبنية عليه. وشريعة الإسلام حضت على العلم، بل فرضت على العباد أن يتعلموا جميع العلوم النافعة في أمور دينهم ودنياهم، وتكفلت مع ذلك ببيان العلوم وتفصيلاتها. أما علوم الدين فقد فصلتها تفصيلاً بعد ما أصلتها تأصيلاً، وأما العلوم الدنيوية فقد أسست لها الأصول والقواعد. وبهذا يسير العلم الصحيح على الطريق المستقيم؛ فيجتمع علم الدين إلى علم الدنيا، وما يتعلق بالروح إلى ما يتعلق بالجسد. قال - تعالى -: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ... [الإسراء:٩]، وقال: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:٤]. فجمع في هاتين الآيتين بين علم المسائل الصحيحة وهو الحق النافع، وبين علم البراهين وهو هداية السبيل الموصلة إلى كل علم، المبرهنة على جميع المعارف. وكذلك مشكلات الغنى والفقر؛ فالدين قد حلها حلاً تتم به الأمور، وتحصل الحياة الطيبة؛ فكما أمر بسلوك الطرق المشروعة في أسباب الرزق المناسبة لكل زمان ومكان وشخص - فكذلك أمر بالاستعانة بالله في تحصيلها، وأن تجتنب الطرق المحرمة، وأن يقوم العباد بواجبات الغنى المتنوعة من زكاة وصدقة، ونحوها. وكذلك عند حلول الفقر أمر بالصبر، وترك التسخط، مع السعي في طلب الرزق بأنواع المكاسب والأعمال ونهى عن الكسل المضر بالدين والدنيا. ومع أمره بالصبر وفعل الأسباب الدافعة للفقر - نهى عن ظلم الخلق في دمائهم وأعراضهم، وأخذ حقوقهم بغير حق كما هو دأب الفقراء الذين لا دين لهم. ومن ذلك مشكلات السياسات الكبار والصغار؛ فالشيوعية تقوم على البطش والاستبداد. أما الإسلام فقد أمر بحلها، وذكر الطرق الموصلة إلى ذلك بفعل ما توضحت مصلحته، وترك ما تبينت مفسدته، والمشاورة في الأمور المشكلة والمشتبهة. وبالجملة فما من مشكلة دقت أوجلت إلا وفي الشريعة الإسلامية المحضة حلها بما تصلح به الأحوال، وتستقيم في جميع الوجوه (١). ٧ - قواعد الأخلاق العامة: فهي ترد على دعاوي الشيوعية وتبطلها؛ فأين الشيوعية من الصدق في الأقوال والأفعال؟ وأين هي من النصيحة والأمانة، والبر، والصلة، والقيام بحقوق الجيران، والأصحاب والمعامَلين، ومن يتصل الإنسان بهم على اختلاف طبقاتهم؟.

стр. 738

وأين هي من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء، والبغي على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم؟. وأين هي من الوفاء بالعهود، والحقوق، والعقود؟. إنها دعوة تقوم على العداوات بين الطبقات وتأليب بعضهم على بعض. والمجتمعُ الإنساني المطمئن لا يقوم إلا على التوادد والتراحم، والتآخي (١). ومن هنا يستحيل أن تتزكى النفوس، وتتهذب الأخلاق بعلوم المادة؛ فكل إناء بما فيه ينضح، والتجارب أكبر شاهد على ذلك؛ فمع تطور علوم الملاحدة عجزوا كل العجز عن تهذيب النفوس وإصلاحها. ٨ - سيرة أرباب الشيوعية: فلقد مر بنا شيء من سيرة أرباب الشيوعية وأساطينها، وما كانوا عليه من الشذوذ والفساد، والتسلط والطغيان، فكم هدموا من فضائل، وكم أقاموا من شرور ورذائل، حتى هبطوا بالبشرية إلى أسفل سافلين، فَشَقُوا وأَشْقَوا، وضلوا وأضلوا؛ فماذا يرجى من مذهب هؤلاء أربابه ومُنَظِّروه؟ ثم إن أكبر الدلائل على رشد الرشيد، وسفه السفيه تصرفاتُه، ونتائج أعماله. وهذه آثار الشيوعيين تدل عليهم؛ فأين سير هؤلاء من سير الأنبياء ﵈ وأتباعهم؛ حيث هَدَوا البشرية إلى كل عقيدة صالحة، وإلى كل خلق جميل، ونهوا عن ضد ذلك؛ فانتشرت الرحمة، وعم الصلاح بسبب ما جاؤوا به، بعكس الشيوعيين تماماً بتمام. ٩ - كثرة الخلافات بين الشيوعيين: سواء بين أرباب الشيوعية أو بين دول المعسكر الشيوعي، مما يدل على بطلانها، وزيفها وقد مر شيء من ذلك فيما سبق. ١٠ - رجوع كثير من كتاب الشيوعية عنها، واعترافهم ببطلانها: ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في كتاب (الصنم الذي (٢) هوى) ذلك الكتاب الذي اجتمع على تأليفه - دون موعد - ستة من كبار كتاب الغرب، آمنوا بالشيوعية، ثم نفضوا أيديهم منها يوم أن انكشفت لهم حقيقتها. وإليك نماذج من بعض ما قالوه عن الشيوعية: أ - يقول آرثر كستلر - بعد تجربته مع الشيوعية ودخوله فيها بعد خروجه من السجن -: إن الدرس الذي يتعلم الإنسان من خبرة كهذه لا يكاد الإنسان يضعه في كلمات حتى يبدوا أمراً عادياً؛ لقد تعلمت أن الإنسان هو الحقيقة، أما الإنسانية فتجريد، وأن الناس لا يمكن أن يعاملوا على أنهم وحدات في عملية حساب سياسية؛ لأنهم يتصرفون كرموز الصفر، واللانهائي التي تعطل كل العمليات الرياضية، وأن الغاية لا تبرر الواسطة إلا في حدود ضيقة إلى أبعد الحدود، وأن علم الأخلاق ليس شيئاً تابعاً للمنفعة الاجتماعية، وأن البر ليس عاطفة بورجوازية تافهة، بل هو القوة الجاذبة التي تمسك المدنية في مدارها. لقد كان كل ما تعلمته يتناقض مع العقيدة الشيوعية التي آمنت بها. (٣).ب - ويقول لويس فيشر (٤) بعد تجربته مع الشيوعية: إن تأييدي السابق للنظام السوفيتي قادني إلى خطأ آخر حين ظننت أن نظاماً يقوم على قاعدة (الغاية تبرر الواسطة) يمكن أن يخلق عالماً أفضل، أو إنساناً أفضل؛ إن الواسطة الفاجرة لا تؤدي إلا إلى غاية فاجرة، وأفرادٍ فجرة سواء في النظام البلشفي أو الرأسمالي. إلى أن قال: إن الدكتاتورية ترتكز على نهر من الدماء، وبحر من الدموع، وعالم من الآلام. وكلها نتائج لوسائلها القاسية؛ فكيف تستطيع - إذن - أن تجلب الفرح، أو الحرية، أو السلام الداخلي أو الخارجي؟

стр. 739

كيف يمكن للخوف، والسطوة، والأكاذيب والبؤس أن تخلق إنساناً أفضل. إن السنوات التي قضيتها مؤيداً للنظام السوفيتي علمتني أنه لاينبغي لرجل يحب البشرية ويحب السلام أن يؤيد الدكتاتورية. (١).ج - وهذا ستيفن (٢) سبندر يقول بعد انفصاله عن الحزب الشيوعي: إن الشيوعية هي الإيمان بأن في الإمكان تغيير المجتمع عن طريق تحويل الرجال إلى آلات تقوم هي بتغيير المجتمع (٣). وهكذا يتبين لنا بطلان الشيوعية جملة وتفصيلاً. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٤٥ رد مزاعمهم في الملكية الفردية أما زعمهم أن الملكية الفردية ليست فطرية في الإنسان، فقد كابروا عقولهم وتعسفوا حين زعموا أنها لم تكن قضية فطرية في النفوس وإنما وجدت بعد أن عرف الإنسان كيفية الزراعة واستجلاب كثرة الدخل للفرد وما تلا الزراعة من قيام الصناعات وزيادة الدخل محتجين على هذا السخف بأن الشيوعيين الأوائل ما كانوا يعرفون الملكية الفردية وكانوا في أسعد حال فإن هذا الدليل رغم مصادمته للواقع وللفطر السليمة رغم ذلك وغيره هو قول بلا علم وتخرص بلا دليل، والإسلام يذكر أن الله علم آدم كل شيء حتى علمه كيف يزرع وكيف يحصد فأي زمن كان الناس – حسب زعم الملاحدة – لا يعرفون الزراعة ولا العمل؟ وهذا ما أفادته الشريعة الإسلامية بل وسائر الأديان عن طبيعة البشر منذ وجودهم وأقرته ولم تلغه لأن الحياة لا تستقيم بدون النزعة إلى الملكية الفردية وحب التملك سنة الحياة الدنيا فمن خالف هذه السنة وزعم أن الناس لابد أن يكونوا في حال لا يملك فيه الشخص أي شيء لنفسه – كما تقضي بذلك التعاليم الشيوعية – فلا شك أن مصيره الفشل وهو ما حصل بالفعل حينما أقدم الثوار الشيوعيون الأوائل على تطبيقه فرؤوا بأعينهم هبوط أحوالهم الاقتصادية وكساد حركاتهم المعيشية مما جعلهم يضطرون صاغرين إلى الاعتراف بالملكية الفردية لو في أضيق نطاق لكن له دلالته على وجود نزعة الإنسان في حب التملك الفردي وأن القول بعدم وجود تلك النزعة إنما هو مكابرة وضيق فكري. فكان من أهم أسباب تراجع أقطاب الشيوعية عن تأميم الملكيات كلها هو ما لاحظوه من تردي الإنتاج الزراعي ومعرفتهم أن سبب ذلك إنما يعود إلى ضعف الحوافز على العمل وعدم تمكن الحكام من دقة معرفة المقصر من غيره في المجال الزراعي الذي تصعب مراقبته إلى حد كبير بخلاف المجال الصناعي الذي تم إخضاعه بدقة للملاحظة والمراقبة الصارمة بحيث يعهد لكل شخص بمهمة خاصة في العمل فإذا حصل خلل في أي قطعة من الصناعة عرف صاحبها فورا ونال عقابه الذي لا يعرف الرحمة بخلاف العامل الزراعي الذي أفلت من هذه المراقبة الصارمة فكانت النتيجة أن أخذت الدول الشيوعية تتكفف الدول الغربية القمح والحبوب وزعموا أن ذلك النقص في الجانب الزراعي إنما كان بسب الآفات الزراعية، ولكن الحل الذي عالجوا به تلك الآفات يفصح عن السبب الحقيقي حيث سمحوا بعد فوات الأوان بإتاحة الملكية الفردية لقسم من المحصول الزراعي يمتلكه المزارع تشجيعا لزيادة الإنتاج ولنشاط المزارعين وهو دليل واضح على فشل نظام منع الملكية الفردية وأنه أشد الآفات. رد مزاعمهم في نشأة الصراع الطبقي أما زعمهم أن الصراع الطبقي لم يكن له أي سبب غير معرفة الإنسان للزراعة والصناعة فهذا قول بالتخمين وهو أكذب الكذب ولن يجد القائلون به أي دليل لأنهم ادعوا شيئا هو أقدم منهم.

стр. 740

كما أن هذا الأمر ليس هو السبب الوحيد للصراع بين الناس، وإنما هو واحد من عدة أسباب لا تكاد تحصر. كما أن هذا السبب قد يوجد في بعض المجتمعات وقد لا يوجد فليس هو أمر حتمي كما يدعي الملاحدة. ومن السذاجة والجهل القول بأن الملكية الفردية نشأت عن ظهور الصناعة والزراعة وأنها ليست فطرية في نفوس الناس بل وفي نفوس الحيوانات فإن الملكية الزراعية نفسها لم تقم إلا بسبب النزعة الملكية فردية كانت أو جماعية وإلا لما قامت الزراعة ولما عرف الإنسان طريقه إلى الجمع والادخار بين مقل ومكثر وبخيل وكريم. وأما زعمهم أن الإنسان منذ أن تركوا الشيوعية الأولى وهم في صراع طبقي مرير وأن ذلك سيستمر حتى يرجع الناس إلى الشيوعية الأولى وذلك بترك الملكية الفردية وتساوي الناس في كل شيء بزوال الطبقات التي أحدثتها الملكية الفردية وتكدس رؤوس الأموال في فئة دون فئة يقال لهم هل يتحقق ذلك في عالم الواقع، وهل يمكن أن يتساوى الناس وتزول الطبقات خصوصا في ظل النظم الجاهلية، وهل يمكن أن تتحقق هذه الأحلام البراقة في يوم من الأيام. إنها مجرد أوهام وخيالات لأن الحياة لا تقبلها ولا تنتظم بها. إن نظام الطبقات واستعلاء بعض الطبقات على البعض الآخر والظلم والحرمان واستعباد القوي للضعيف كلها إنما توجدها النظم الجاهلية كما حدث بالفعل على مسار تاريخ البشرية، فالمجتمع في العهد الهندوسي مقسم إلى طبقات هي البراهما والكاشتريا والشودري وأقسام فرعية أخرى كثيرة. وفي أوروبا عاش الناس طبقات متفاوتة أشد تفاوت: طبقة تسمى طبقة السادة، وأخرى تسمى طبقة العبيد وقد تمثلت هذه الأحوال السيئة الجاهلية في عهد الرق. أما في عهد الإقطاع فكان الناس ثلاث طبقات رئيسة هي طبقة الأشراف أمراء الإقطاع، وطبقة رجال الدين، وطبقة الشعب "المغلوبين على أمرهم". أما في عهد الرأسمالية فإن نظام الطبقات على أشده أيضا. طبقة تسمى طبقة أصحاب رؤوس الأموال وطبقة أخرى تسمى طبقة العمال "ناس في الثريا وناس في الثرى" وهكذا الحال في عهد الديمقراطية التي تظاهرت بأن الشعب هو صاحب السلطة فقد كان الصحيح هو أن الشعب لا يزال هو المستضعف المقهور وصاحب المال هو السيد الحاكم وهي نفس الكذبة التي كان يرددها الشيوعيون من أن طبقة البروليتاريا الكادحة هي التي ستملك وتحكم حينما تطبق الشيوعية وحينما تقضي طبقة البروليتاريا على جميع الطبقات المناوئة لها في صراع ثورة محتدم هذا هو حكم الجاهلية وشريعتها، ولكن حكم الله هو خلاف هذا. حكم الله أن المجتمع سيكون فيه أغنياء وفقراء ملكية فردية وملكية جماعية الأغنياء مؤتمنون على المال وللفقراء نصيب في ذلك المال، والكل عبيد لله تعالى لا طبقات ولا كبرياء يتنقل المال من يد إلى يد ومن شخص إلى آخر وقد يصبح الغني فقيرا وقد يصبح الفقير غنيا حسب تصريف الله للأمور ومعنى هذا أن المال في الإسلام ليس منحصرا في طبقة من الناس دون أخرى ولا في فئة من المجتمع بخصوصهم حتى وإن كانت تلك الفئة هم الحكام فإن الإسلام لا يعطي الحاكم حرية التملك كما يهوى بل شأنه شأن غيره غير ما يأخذه في مقابل جلوسه للحكم بين الناس ومن هنا نجد أن حكام الدولة الإسلامية في نشأتها كان الحاكم لا يتمتع بأي امتيازات مالية ولهذا كان الحكام يعتبرون تحمل المسؤولية أمانة عظيمة وخطرا جسيما لا فوزا كما يسميه الناس اليوم.
следующие страницы →