← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38740

شرح طيبة النشر للنويري

النويري، محب الدين

Полный текст (1 292 стр.). Показаны 1261–1292 · переход к 1266.

стр. 1261

«الضحى»، قال: وهو قول صاحب «الروضة». انتهى. ويقوى التأويل بأن المراد بآخر «الليل»: أول «الضحى» -: قول الهذلى: ابن الصباح وابن بقرة يكبران من آخر «الليل»، وهما من كبار أصحاب قنبل وهما ممن روى التكبير من أول «الضحى»، كما نص عليه ابن سوار وأبو العز وغيرهما ويعين التأويل أن سبب التكبير- وهو ما تقدم من النصوص- دائر بين ذكر «الضحى»، و «ألم نشرح» فقط، فالحاصل ثلاثة أقوال: من أول «الم نشرح» ومن آخر «الضحى» ومن أولها والثلاثة من كلام الناظم، رضى الله تعالى عنه. ثم شرع فى انتهائه فقال: ص: للناس هكذا وقيل إن تزد ... هلّل وبعض بعد لله حمد ش: [هذه هى المسألة الثانية وتتعلق بإنهاء التكبير] (١). ذهب (٢) جمهور المغاربة، وبعض المشارقة وغيرهم إلى أن انتهاء التكبير آخر سورة «الناس»، وذهب غيرهم إلى أنه أول «الناس»، وهو مبنى على ما تقدم من أن التكبير هل هو لآخر السورة فيكبر فى آخر «الناس» أو لأولها فلا يكبر فى آخرها، وسواء كان التكبير عنده من أول «الضحى» أو «ألم نشرح» من جميع من تقدم (٣). هذا فصل النزاع فى هذه المسألة، ومن وجد فى كلامه غير هذا فمبنى (٤) على غير أصل أو أراد غير ظاهره؛ ولأجل أن الخلاف مبنى على الأول اختلف فى الراجح هنا: فقال الدانى: التكبير من آخر «الضحى» (٥) بخلاف ما يذهب إليه قوم: أنه من (٦) أولها. ثم أتى بآثار مرجحة لذلك، ثم قال: وانقطاعه فى آخر سورة «الناس» بخلاف ما يأخذ به بعض أهل الأداء من انقطاعه فى أولها؛ لما فى حديث الحسن عن شبل عن ابن كثير: أنه كان إذا بلغ «ألم [نشرح]» كبر حتى يختم، ولما فى حديث ابن جريج عن مجاهد: أنه يكبر من «والضحى» إلى «الحمد» ومن خاتمة «والضحى» إلى خاتمة «قل أعوذ برب الناس» ولما فى غير حديث؛ فاختار آخر «الناس»؛ لكونه يختار آخر «الضحى». وبذلك قال كل من قال بقوله كشيخه أبى الحسن وأبيه (٧) أبى الطيب ومكى وابن شريح والمهدوى وأبى طاهر.

стр. 1262

قال المصنف: والمذهبان صحيحان لا يخرجان عن النصوص المتقدمة. قال أبو شامة: وفيه مذهب ثالث: وهو أن التكبير [ذكر] (١) مشروع بين كل سورتين. قال المصنف: ولا أعلم أحدا ذهب إليه. تنبيه: انظر قول الشاطبى: «إذا كبروا فى آخر الناس»؛ فإن ظاهره أنه مبنى على كل من القولين بأنه من أول «الضحى» أو «ألم نشرح» على ما تقدم من أن [المراد بآخر «الليل» و «الضحى» أول «الضحى» و «ألم نشرح» وليس] (٢) كذلك كما تقدم، بل هو ظاهر المخالفة لما رواه وهو التكبير من أول «الضحى»؛ لأنه من زياداته (٣) على «التيسير» وهو من «الروضة» كما قال أبو شامة ولفظها (٤): روى البزى التكبير من أول «الضحى» إلى خاتمة «الناس» [ثم قال: ولم يختلفوا أنه ينقطع (٥) مع خاتمة «الناس»] (٦) فتعين حمل [كلام الشاطبى على تخصيص التكبير آخر «الناس» لمن قال به] (٧) من آخر «الضحى» كما هو مذهب صاحب «التيسير»، وغيره، ويكون [معنى] (٨) إذا كبروا فى آخر «الناس»: إذا كبر من [يقول بالتكبير فى آخر «الناس»، يعنى: الذين قالوا به من آخر «الضحى» أو من] (٩) يكبر فى (١٠) آخر «الناس» يردف بالتكبير مع قراءة سورة «الحمد» قراءة أول البقرة. وقوله: (للناس) يتعلق بآخر المتلو و (هو) (١١) وصححا، أى: صحح (١٢) التكبير لآخر الناس كما تقدم من اختيار الدانى، فلا بد من تقدير مضاف قبل «الناس»، والله أعلم. وقوله: (هكذا) شروع فى صيغه [وهى المسألة الثالثة] (١٣). اعلم أنه لم يختلف عن أحد ممن أثبته أن لفظه «الله أكبر» لكن اختلف عن البزى وعمن رواه عن قنبل فى الزيادة عليه: أما البزى فروى الجمهور عنه هذا اللفظ بعينه فقط وبه قطع فى «الكامل» (١٤)، و «الهادى»، و «الهداية» (١٥)، و «التلخيص»، و «العنوان»، و «التذكرة»، وبه قرأ صاحب «التبصرة»، وهو الذى قطع به فى «المبهج»، وفى «التيسير» من طريق أبى ربيعة، وبه قرأ

стр. 1263

على الفارسى عن النقاش عنه، وعلى أبى الحسن عن السامرى فى رواية البزى، ولم يذكر العراقيون سواه من طرق أبى ربيعة كلها سوى طريق هبة الله عنه. وروى الآخرون عنه التهليل قبل التكبير، ولفظه: «لا إله إلا الله والله أكبر» وهذا (١) طريق ابن الحباب عنه من جميع طرقه وهو طريق هبة [الله] (٢) عن أبى ربيعة وابن فرح أيضا عن البزى، وبه قرأ الدانى على فارس على (٣) عبد الباقى وأبى الفرج (٤) النجار، أعنى من طريق ابن الحباب، وهو وجه صحيح ثابت عن البزى بالنص كما ثبت عن ابن الحباب قال: سألت البزى كيف هو؟ فقال: لا إله إلا الله والله أكبر. قال (٥) الرازى: لم ينفرد به ابن الحباب بل حدثنيه اللالكائى (٦) عن الشذائى عن ابن مجاهد وبه كان يأخذ ابن الشارب عن الزينبى وهبة الله عن أبى ربيعة وابن فرح عن البزى، وروى النسائى بإسناد صحيح عن الأغر قال: أشهد على أبى هريرة وأبى سعيد أنهما شهدا على النبى ﷺ أنه قال: «إن العبد إذا قال: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه». ثم اختلف الآخذون بالتهليل مع التكبير عن ابن الحباب: فرواه جمهورهم كما تقدم، وزاد بعضهم فقال: «لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد»، ثم يبسملون (٧)، وهى طريق (٨) عبد الواحد عن ابن الحباب وطريق ابن فرح عن البزى. ورواه ابن الصباح (٩) عن قنبل [وذكره الرازى عن الحمامى عن [زيد] (١٠) عن ابن فرح عن البزى] (١١) ورواه الخزاعى وأبو الكرم عن ابن الصباح عن البزى. وأما قنبل فقطع له جمهور رواة التكبير من المغاربة بالتكبير فقط، وهو الذى فى «الشاطبية»، و «التيسير»، وأكثر المشارقة على التهليل، وقول (١٢): لا إله إلا الله والله أكبر، حتى قطع به العراقيون من طريق ابن مجاهد وقطع [له] (١٣) به سبط الخياط فى «كفايته» من الطريقين، وفى «المبهج» من طريق ابن مجاهد، وفى «المستنير»: قرأت به لقنبل (١٤) على جميع من قرأت عليه. وقطع له به ابن فارس (١٥)، وقال سبط الخياط (١٦) فى «كفايته»: قرأ ابن كثير من رواية

стр. 1264

قنبل المذكورة فى هذا الكتاب خاصة بالتهليل والتكبير. وقال الدانى فى «الجامع»: [والوجهان] (١) - أى: التكبير وحده ومع التهليل- عن البزى وقنبل صحيحان جيدان مشهوران مستعملان. تنبيه: قوله: (هكذا) إشارة إلى ما فهم من قوله: (وسنة التكبير) وهو الله أكبر، وقدمه لأنه الصحيح، وثنى بقوله: (وقيل: إن تزد هلل)؛ لأنه أقوى مما بعده، والله تعالى أعلم. ثم انتقل إلى من روى عنه من القراء فقال: ص: والكل للبزّى رووا وقنبلا ... من دون حمد ولسوس نقلا ش: أى: أجمع كل القراء على الأخذ بالتكبير للبزى، واختلفوا عن قنبل: فجمهور المغاربة على عدم التكبير [له] (٢) وجمهور العراقيين وبعض المغاربة على التكبير له، وهو الذى فى «الجامع»، و «المستنير»، و «الوجيز»، و «الإرشاد»، و «كفاية» أبى العز [وغيرها، وذكر الوجهين الشاطبى والصفراوى وصاحب «الهداية» والدانى] (٣) فى «المفردات» وقوله: (من دون حمد) يعنى: أنهم اتفقوا عن قنبل على عدم الحمد، واختلفوا فى التكبير كما ذكر هنا وفى التهليل [كما] (٤) ذكر فى شرح البيت قبل هذا. ثم انتقل إلى بقية من ذكر عنه التكبير سوى ابن كثير فقوله (٥): (ولسوس) يتعلق ب (نقل) [ثم ذكر نائب الفاعل فقال] (٦): ص: تكبيره من انشراح وروى ... عن كلهم أول كل يستوى ش: أى نقل التكبير أيضا عن السوسى، وقطع له به أبو العلاء من فاتحة «ألم نشرح» إلى خاتمة «الناس» وجها واحدا وقطع له به صاحب «التجريد» من طريق [ابن] (٧) حبش. وقوله: (وروى عن كلهم) [أى] (٨): أن التكبير روى أيضا من أول سورة من سور القرآن. [و] (٩) ذكر أبو العلاء والهذلى عن أبى الفضل الخزاعى أنه كان يأخذ به لهم، قال الهذلى: وعند الدينورى كذلك يكبر فى كل سورة لجميع القراء، فحاصله أن الآخذين به لجميع القراء منهم من أخذ به [فى جميع سور القرآن] (١٠) ومنهم من أخذ به مع خاتمة

стр. 1265

«والضحى»، ويفهم الوجهان من كلامه بأن يجعل [قوله:] (وروى عن كلهم) مستقل، وقوله: (أول كل يستوى) مستأنف (١)، ومتعلق (يستوى) محذوف، أى: أول (٢) كل سورة يستوى مع ما تقدم وهو «الضحى» على الأصح. إن قلت: من أين يفهم تخصيص التشبيه ب «الضحى» [فقط] (٣)؟ قلت: من القاعدة المشهورة وهى: أن المسألة إذا شبهت بأخرى بعيدة عنها مختلفة فيها كان التشبيه فى الأصح خاصة. ثم انتقل إلى حكم التكبير بين السورتين من فصل ووصل (٤)، فقال: ص: وامنع على الرحيم وقفا إن تصل ... كلا وغير ذا أجز ما يحتمل ش: هذا هو الفصل الرابع: فى حكم التكبير بين السورتين من فصل ووصل، وقبل الخوض فى كلامه لابد من تقرير المسألة فأقول: اختلف فى وصل التكبير بآخر السورة، والقطع عليه، وفى آخرها ووصله بأولها وهو أيضا مبنى على (٥) ما تقدم من أنه لأولها أو لآخرها [ويتأتى على التقديرين حالة وصل] (٦) السورة بالسورة ثمانية أوجه يمتنع منها وجه إجماعا وهو وصل (٧) التكبير بآخر السورة وبالبسملة مع (٨) القطع عليها؛ لأن البسملة للأول (٩) كما تقدم. [و] السبعة محتملة الجواز منصوصة لمن (١٠) يذكرها له، منها اثنان مختصان بأن يكون التكبير للأول، واثنان بأن يكون للآخر، والثلاثة الأخر محتملة لهما: فاللذان يختصان بأن يكون للآخر: أولهما (١١): وصل التكبير بالآخر، والقطع عليه ووصل البسملة بالأول وهو الذى اختاره طاهر بن غلبون، ونص عليه الدانى فى «التيسير»، والسخاوى وأبو شامة وسائر الشراح وهو ظاهر «الشاطبية» [وهو أحد وجهى] (١٢) «الكافى». الثانى: وصله بالآخر والقطع عليه وقطع البسملة نص (١٣) عليه أبو معشر فى «تلخيصه»، ونقله عن الخزاعى، ونص عليه الفارسى (١٤) والجعبرى وابن مؤمن، وهما جاريان على قواعد من ألحق التكبير آخر (١٥) السورة وإن لم يذكرهما نصّا.

стр. 1266

وأما المختصان بأن يكون للأول (١): فأولهما: قطعه عن آخر السورة ووصله بالبسملة [بالأول] (٢)، ووصل البسملة بالأول نص (٣) عليه ابن سوار فى «المستنير» وابن فارس فى «جامعه» والطبرى فى «تلخيصه» وهو اختيار أبى العز وابن شيطا وأبى العلاء، وفى «الجامع» أنه قرأ به على الفارسى عن النقاش عن أبى ربيعة. وثانيهما: قطعه عن الآخر ووصله (٤) بالبسملة مع السكت عليها، نص عليه ابن مؤمن فى «الكنز» والفارسى، وهو ظاهر «الشاطبية»، ومنعه الجعبرى، ولا وجه لمنعه إلا على تقدير أن يكون التكبير للآخر، وإلا فغايته أنه كالاستعاذة، وتقدم جواز ذلك فيها. وأما الثلاثة الجائزة على كلا التقديرين: فأولها: وصل الجميع، نص عليه الدانى والشاطبى والسراج وصاحب «التجريد» و «المبهج». وثانيها: قطعه عن الآخر وعن البسملة ووصلها بالأول، نص عليه أبو معشر وابن مؤمن (٥) وصاحب «التجريد»، وأبو العز فى «الكفاية» (٦)، ونقله أبو العلاء عن الفحام، واختاره المهدوى، ويظهر من كلام الشاطبى، ونص عليه الفاسى والجعبرى وغيرهما من الشراح. وثالثها: قطع الجميع، وهو ظاهر من «جامع البيان» ومن «الشاطبية» ونص عليه ابن مؤمن (٧) والفارسى والجعبرى. فقد ثبت أن السبعة جائزة، قال المصنف: وبها قرأت. قلت: وبها أيضا قرأت، ونص على السبعة صاحب «الكنز». تنبيه: كلام الناظم يتناول جواز السبعة ومنع الثامن؛ لأن قوله: (وامنع) نص على منع الثامن كما تقدم وبقية البيت نص على جواز السبعة وهى مرادة بقوله: (ما يحتمل) أى آخر ما يحتمله التقسيم العقلى وهو لم يخرج (٨) عن السبعة، والله أعلم. تنبيهات: [تتعلق بالتكبير] (٩): الأول: المراد من القطع والسكت فى هذه الأوجه كلها هى الوقف المعروف لا القطع

стр. 1267

الذى هو الإعراض، ولا السكت [الذى هو دون تنفس] (١). هذا هو الصواب كما تقدم فى باب البسملة، وصرح به المهدوى فى «الهداية» حيث قال: ويجوز أن يقف (٢) على آخر السورة ويبدأ بالتكبير أو يقف (٣) على التكبير ويبدأ بالبسملة ولا ينبغى أن يقف على البسملة. وقال مكى فى «تبصرته»: ولا يجوز الوقف على التكبير دون أن يصله (٤) بالبسملة. قال أبو العز: واتفق الجماعة (٥) - يعنى: رواة [التكبير] (٦) - أنهم يقفون فى آخر كل سورة ويبتدئون أولا [بالتكبير] (٧). وقال فى «التجريد»: وذكر الفارسى فى روايته أنك تقف آخر (٨) كل سورة وتبتدئ منفصلا من البسملة. وقال ابن سوار: وصفته أن يقف ويبتدئ (٩): الله أكبر. وصرح به غير واحد كابن شريح، وسبط الخياط، والدانى، والسخاوى، وأبى شامة، وغيرهم فلم يعبر أحد من هؤلاء بالسكت، وزعم الجعبرى أن مرادهم بالقطع السكت المعروف كما زعمه [فى] (١٠) البسملة فقال فى قول الشاطبى: «فإن شئت فاقطع» -: لو قال: «فاسكت» [لكان أحسن إذ الوقف عام فيه وفى السكت] (١١). انتهى. ولم يوافقه عليه أحد ولعله توهمه (١٢) من تعبير بعضهم بالسكت عن (١٣) الوقف كمكى والدانى فتوهم أنه (١٤) السكت المصطلح عليه، ولم ير آخر كلامهم، وأيضا فالمتقدمون إذا أطلقوا السكت لا يريدون به إلا الوقف، فإن أرادوا السكت المعروف قيدوه بما يصرفه إليه. الثانى: الاختلاف فى هذه الأوجه السبعة اختلاف تخيير؛ فلا (١٥) يلزم الإتيان بكلها. نعم الإتيان [بوجه مما يختص بكون التكبير] (١٦) لآخر السورة، وبوجه (١٧) مما يختص بكونه لأولها، وبوجه مما يحتملهما (١٨) - إذا تعين (١٩) الاختلاف فى ذلك- اختلاف رواية

стр. 1268

فلا بد من التلاوة به إذا أريد جمع الطرق. قال المصنف: وكان الحاذقون من شيوخنا يأمروننا أن نأتى بين كل سورتين بوجه من [وجوه] (١) السبعة؛ لتحصل (٢) التلاوة بجميعها، وهو حسن [ولا يلزم، بل معرفتها كافية] (٣). الثالث: التهليل مع التكبير مع الحمدلة حكمه حكم التكبير، لا يفصل بعضه من (٤) بعض، كذا وردت الرواية ولا خلاف فيه. قال المصنف: إلا أنى لا أعلمنى قرأت (٥) بالحمدلة بعد سورة «الناس». ومقتضى ذلك لا يجوز مع وجه [الحمدلة] (٦) سوى الأوجه الخمسة الجائزة مع تقدير كون التكبير لأول السورة وعبارة الهذلى لا تمنع التقدير الثانى والله أعلم. نعم يمتنع وجه الحمدلة من أول «الضحى»؛ لأن صاحبه لم يذكره فيه، والله أعلم. الرابع: ترتيب التهليل مع التكبير والبسملة على ما ذكرنا، لا يجوز مخالفته، كذا وردت الرواية وثبت الأداء، وما ذكره الهذلى عن قنبل من طريق نظيف (٧) من تقديم البسملة على التكبير غير معروف ولا يصح عنه، والله أعلم. الخامس: لا يجوز التكبير من رواية السوسى إلا فى وجه البسملة بين السورتين، ويحتمل معه كلّ من الأوجه المتقدمة إلا أن القطع على الماضية أحسن على مذهبه؛ لأن البسملة عنده غير آية كابن كثير، بل [هى] (٨) عنده للتبرك؛ ولذلك لا يجوز له التكبير من أول «الضحى»؛ لأنه خلاف روايته والله [تعالى] (٩) أعلم. السادس: لا تجوز (١٠) الحمدلة مع التكبير إلا أن يكون التهليل معه كذا الرواية ويمكن أن يشهد لذلك قول ابن عباس (١١): «من قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين؛ [وذلك قوله تعالى فادعوه مخلصين له الدّين الحمد لله ربّ العلمين]» (١٢) [غافر: ٦٥]. السابع: قال الدانى فى «الجامع»: وإذا وصل القارئ أواخر السورة بالتكبير كسر (١٣) ما كان آخرهن ساكنا نحو: «فحدّث الله أكبر» أو (١٤) متحركا قد لحقه التنوين فى حال نصبه

стр. 1269

نحو: «توابا الله أكبر»، أو جره نحو «من مسد (١) الله أكبر» أو [مرفوعا] (٢) نحو: «لخبير الله أكبر»، وإن تحرك بلا تنوين بقى على حاله نحو: هو الأبتر [الكوثر: ٣]، وبأحكم الحكمين [التين: ٨] ومن الجنّة والنّاس [الناس: ٦] وإن كان آخر السورة هاء ضمير موصولة بواو لفظا حذفت صلتها للساكنين نحو: «خشى ربه الله أكبر»، وألف الوصل التى من أول اسمه تعالى ساقطة [فى جميع ذلك] (٣) فى حال الدرج، واللام مع الكسرة مرققة ومع الفتحة والضمة مفخمة، ولا خلاف (٤) فى ذلك. الثامن: إذا وصل التهليل بآخر السورة بقى آخرها على حاله [كان متحركا] (٥) أو ساكنا إلا إن كان تنوينا فيدغم نحو: «لخبير لّا إله إلا الله» وكذلك (٦) لم يعتبروا فى شىء [من أواخر السور عند «لا» ما اعتبروه معها] (٧) حالة وصل السورتين لآ أقسم [القيامة: ١، البلد: ١] وغيرها ويجوز مد «لا إله إلا الله» عند من مد للتعظيم، بل كان بعض المحققين ممن لم يأخذ بمد [التعظيم يمد] (٨) هنا ويقول: إنما قصر ابن كثير [فى القرآن والمراد هنا الذكر فيأخذ بالمختار فيه وكان بعضهم يأخذ فيه بالقصر] (٩) جريا على القاعدة، وكله قريب، والله أعلم. التاسع: إذا قرئ بالتكبير، وأريد القطع على آخر سورة (١٠): فمن جعل التكبير للآخر (١١) كبر وقطع، فإذا (١٢) ابتدأ تاليتها (١٣) بعد ذلك ابتدأ بالبسملة، حتى من كان فى صلاة وأراد السجود لسجدة (١٤) «العلق»؛ فإنه يكبر لها ثم للركوع. ومن جعله لأولها قطع على آخرها، فإذا ابتدأ تاليتها كبر ثم بسمل؛ إذ لابد من التكبير لأول السورة أو لآخرها. العاشر: لو قرأ القارئ بالتكبير لحمزة على القول بالجواز فلا بد من البسملة. فإن قيل: كيف تجوز [البسملة لحمزة] (١٥) بين السورتين؟ قيل: ينوى القارئ الوقف

стр. 1270

على آخر السورة فيصير مبتدئا للآتية، وهو سائغ لا شبهة فيه. وكان بعض المحققين إذا خشى تطويل القارئ فى قصار المفصل بما بينهما من الأوجه أمره بالوقف؛ ليكون مبتدئا فتسقط (١) أوجه الوصل، والظاهر أنهم نقلوه عمن أخذوا عنه، والله [سبحانه] (٢) وتعالى أعلم. ثم انتقل [المصنف] (٣) - رضى الله عنه- إلى الفصل الخامس فقال: ص: ثم اقرأ «الحمد» وخمس البقره ... إن شئت حلّا وارتحالا ذكره. ...

стр. 1271

هذا هو الفصل الخامس فى أمور تتعلق بالختم منها أنه ورد نصّا عن (١) ابن كثير أنه إذا انتهى فى آخر الختمة إلى سورة الناس قرأ الفاتحة وخمس آيات من [أول] (٢) البقرة على عدد الكوفيين هو إلى المفلحون [البقرة: ٥] [وفاعل هذا يسمى: الحالّ المرتحل] (٣). قال الدانى: ولابن كثير فى فعله هذا دلائل (٤) من آثار مروية ورد التوقيف فيها عن النبى ﷺ وأخبار مشهورة مستفيضة جاءت عن الصحابة، والتابعين، والخالفين. ثم قال: قرأت به على عبد العزيز، ثم ساق سنده إلى البزى إلى ابن عباس عن أبى بن كعب- رضى الله عنهما- عن النبى ﷺ أنه كان إذا قرأ «قل أعوذ برب الناس» افتتح من «الحمد» ثم قرأ من البقرة إلى وأولئك هم المفلحون ثم دعا بدعاء الختمة، ثم قام (٥). وساق الحافظ أبو العلاء فى آخر «مفرداته» طرقا كثيرة لهذا الحديث ليس هذا موضع ذكرها وصار العمل على هذا (٦) فى جميع الأمصار فى رواية ابن كثير وغيرها حتى لا يكاد أحد يختم ختمة إلا شرع فى الأخرى سواء ختم ما شرع فيها [أم لا، نوى ختمها] (٧) أم لا، بل جعل ذلك عندهم سنة الختم يسمون فاعل هذا: الحال (٨) المرتحل، أى: الذى حل فى قراءته آخر الختمة وارتحل إلى ختمة أخرى. وقال السخاوى وجماعة: أى: الذى يحل فى ختمة عند فراغه من [أخرى] (٩) مراحل هذا الحديث فى «جامع الترمذى» عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رجل: يا رسول الله، أى العمل أحب إلى الله؟ قال: «الحالّ المرتحل» (١٠) [أى: عمل

стр. 1272

الحال] (١). وساقه من طريق مرسلة ومن (٢) طريق موصولة ورواه المصنف عن غير أبى داود مسندا إلى ابن عباس مفسرا: أن رجلا قال: يا رسول الله، أى الأعمال أفضل؟ قال: «عليك بالحال المرتحل» [قال] (٣): وما الحال المرتحل؟ قال «صاحب القرآن، كلّما حلّ ارتحل». ورواه أيضا هكذا أبو الحسن بن غلبون، وزاد فيه: يا رسول الله وما الحال المرتحل؟ قال: «فتح القرآن وختمه صاحب القرآن يضرب من أوّله إلى آخره ومن آخره إلى أوّله، كلّما حلّ ارتحل». ورواه أيضا الطبرانى والبيهقى فى شعب الإيمان، وقطع بصحته أبو محمد مكى. قال المصنف: وضعف أبو شامة من قبل صالح المرى (٤)، وكلامه مردود وأطال فيه. ثم قال أبو شامة: ولو صح هذا الحديث والتفسير لكان معناه: الحث على الاستكثار من قراءة القرآن، والمواظبة عليها وكلما حل فى ختمة شرع فى أخرى، أى: أنه لا يضرب عن القراءة (٥) بعد ختمة يفرغ [منها] (٦) بل تكون قراءة القرآن دأبه وديدنه (٧). انتهى. قال المصنف: وهو صحيح إن لم ندع أن هذا الحديث دالّ نصّا على قراءة الفاتحة والخمس أول البقرة عقيب (٨) كل ختمة، بل ينزل على الاعتناء بقراءة القرآن والمواظبة عليها، بحيث إذا فرغ من ختمة شرع فى أخرى، وأن ذلك من أفضل الأعمال، ولا نقول: إن ذلك لازم لكل قارئ بل كما (٩) قال أئمتنا- فارس بن أحمد وغيره- من فعله فحسن ومن لم يفعله فلا حرج عليه. فإن قيل: قد قال النبى ﷺ : «ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله» (١٠) فكيف الجمع بين هذين الحديثين؟

стр. 1273

فالجواب: أن القرآن من ذكر الله؛ إذ فيه الثناء على الله- (١) - ومدحه وذكر آلائه، ورحمته، وكرمه وقدرته، وخلقه المخلوقات، ولطفه بها وهدايته لها. فإن قيل: ففيه ذكر ما حلل (٢) وما حرم ومن أهلك ومن أبعد من رحمته، وقصص من كفر (٣) بآياته، وكذب برسله؟. فالجواب (٤): أن جميعه من جملة ذكره؛ لأن ذلك كله كلامه. فائدة: ورد فى هذا المعنى أحاديث صحيحة: منها: أنه ﷺ سئل عن أفضل الأعمال فقال: «إيمان بالله، ثمّ جهاد فى سبيله، ثمّ حجّ مبرور» (٥)، وفى حديث آخر: «الصّلاة لوقتها ثمّ برّ الوالدين، ثمّ الجهاد فى سبيل الله» (٦)، وفى آخر: «واعلموا أنّ خير أعمالكم الصّلاة» (٧) وفى آخر: أى الأعمال أفضل؟ قال: «الصّبر والسّماحة» (٨).

стр. 1274

وقال لأبى أمامة: «عليك بالصّوم فإنّه لا مثل له» (١). وقالوا فى الجواب: إن المراد أى عمل من أفضل الأعمال. وقيل: [ينزل] (٢) على الأشخاص، وأنه ﷺ أجاب كل سائل بما هو الأفضل فى حقه وما يناسبه وما يقدر عليه ويطيقه (٣)، والله أعلم. تنبيهان: الأول: قول المصنف: (حلا وارتحالا ذكره) يحتمل أن يكون معناه: ذكره القراء، ونصوا عليه، ويدل عليه أن المقام للقراء، ويحتمل: ذكره النبى ﷺ فى الحديث؛ لأن هذا الفعل لما كان يحتاج إلى توقيف علم أن [الموقف] (٤) هو النبى ﷺ . الثانى (٥): ما يفعله بعض القراء من قراءة «قل هو الله أحد» ثلاث مرات شىء لم نقرأ به (٦) ولا أحد من القراء ولا الفقهاء، ولا نص عليه أحد سوى القزوينى فى «حلية القراء» ونصه: «والقراء كلهم قرءوا سورة الإخلاص مرة واحدة غير الهروانى عن الأعشى فإنه أخذ بإعادتها ثلاث دفعات والمأثور (٧) دفعة واحدة». انتهى. وهذا الهروانى (٨) كان فقيها كبيرا كوفيّا أهلا للاختيار (٩) والاجتهاد والظاهر أنه اختيار منه، فإن هذا لم يعرف فى رواية (١٠) الأعشى [ولا ذكره (١١) أحد من القراء عنه (١٢) بل الذين قرءوا برواية الأعشى] (١٣) غير الهروانى كأبى على البغدادى، وأبى على غلام الهراس شيخ أبى العز وكالشرمقانى (١٤) والعطار شيخى ابن سوار (١٥)، وأبى الفضل (وله شاهد من حديث عمرو بن عبسة أخرجه أحمد فى المسند (٤/ ٣٨٥) وصححه العلامة الألبانى فى السلسلة الصحيحة (١٤٩٥).)

стр. 1275

الخزاعى- لم يذكر أحد منهم ذلك عن (١) الهروانى، ولو ثبت روايته عنه عندهم لذكروه. وقد صار العمل على هذا فى أكثر البلاد فى غير الروايات. والصواب: ما عليه السلف؛ لئلا يعتقد أن ذلك سنة. ولهذا نص أئمة المالكية، [والحنابلة] (٢) على أن سورة الصمد لا تكرر، قالوا: وعن أحمد لا يجوز. والله أعلم. ثم انتقل إلى بقية ما يفعل بعد الختم فقال: ص: وادع وأنت موقن الإجابه ... دعوة من يختم مستجابه ش: أمر الناظم- رضى الله عنه- بالدعاء عقب (٣) الختم، وهو سنة تلقاه الخلف عن السلف (٤)، وتقدم فى شرح البيت قبل هذا أن النبى ﷺ كان يفعله وأخبرنا المصنف عن شيخه أبى الثناء محمود [بسنده إلى شرحبيل] (٥) بن سعد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ القرآن- أو قال: من جمع القرآن- كانت له عند الله دعوة مستجابة إن شاء (٦) عجلها له فى الدنيا وإن شاء ادخرها له فى الآخرة» (٧) وأخبرنا أيضا عن شيخته ست العرب بسندها إلى (٨) قتادة عن أنس- رضى الله عنه- عن النبى ﷺ قال (٩): «مع كل ختمة دعوة مستجابة» (١٠)، وأخبرنا أيضا عن شيخه أبى طاهر بسنده إلى زيد الرقاشى عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «له عند الله دعوة مستجابة وشجرة فى الجنة» (١١).

стр. 1276

وأخبرنا عن شيخه شرف الدين الحنفى بسنده إلى عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من استمع حرفا من كتاب الله طاهرا كتب له عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيئات ورفعت له عشر درجات. ومن قرأ حرفا من كتاب الله فى صلاته قاعدا كتبت له خمسون حسنة ومحيت عنه خمسون سيئة ورفعت له خمسون درجة. ومن قرأ حرفا من كتاب الله فى صلاته قائما كتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة ورفعت له مائة درجة. ومن قرأه فختمه كتبت له عند الله دعوة مستجابة معجلة أو مؤخرة» (١). قال المصنف: وسألت شيخنا شيخ الإسلام ابن كثير: ما المراد بالحرف فى الحديث؟ فقال: الكلمة؛ لحديث ابن مسعود: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» (٢) وهو الصحيح؛ إذ لو كان المراد حرف الهجاء لكان ألف بثلاثة [ولام بثلاثة وميم بثلاثة] (٣). وقال بعضهم: إنه رآه فى كلام أحمد بن حنبل كما قال ابن كثير، وكذا نص عليه ابن مفلح الحنبلى فى فروعه، ثم قال: نقله حرب. قال المصنف: وروينا فى حديث ضعيف عن عون بن مالك مرفوعا: «من قرأ حرفا من القرآن كتب الله له به حسنة لا أقول بسم الله [حرفان] (٤) ولكن باء وسين وميم، ولا أقول الم ولكن: الألف واللام والميم» (٥). وروى أبو داود عن ابن مسعود: «من ختم القرآن فله دعوة مستجابة» (٦). (كان يهم فى الأخبار حتى يجىء بها مقلوبة حتى يخرج بها عن حد الاحتجاج به. قلت: وفى إسناده أيضا محمد بن بحر الهجيمى وهو منكر الحديث قاله الذهبى فى الميزان (٦/ ٧٨).)

стр. 1277

فائدة (١): اختار بعضهم أن يكون القارئ هو الداعى لظاهر قوله ﷺ : «له دعوة مستجابة». وقال المصنف، وسائر من أدركناهم: يدعو الشيخ أو [من] (٢) يلتمس بركته. والأمر فيه سهل؛ لأن الداعى والمؤمن واحد؛ قال الله تعالى: قد أجيبت دعوتكما [يونس: ٨٩] قال المفسرون: دعا موسى وأمّن هارون. تنبيه (٣): إذا ثبت أن ساعة الختم ساعة إجابة فينبغى أن يجمع القارئ أهله وأحبابه وأن يحضره جماعة الناس؛ فقد ثبت فى الصحيحين أن النبى ﷺ أمر الحيض بالخروج يوم العيد فيشهدون الخير (٤). وكان ابن عباس «يجعل رجلا يراقب رجلا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس فيشهد ذلك» (٥) وكان أنس بن مالك يجمع أهله (٦)، وروى أن النبى ﷺ كان يجمع أهله. وكانوا يستحبون جمع أهل الصلاح والخير، واستحبت جماعة الختم يوم الاثنين وليلة الخميس (٧) [وبعض أول الليل] (٨)، وبعض أول النهار، والأولى: أن يكون فى الشتاء أول الليل، وفى الصيف أول النهار. قال عبد الرحمن بن الأسود: من ختمه نهارا (٩) غفر له ذلك اليوم أو ليلا غفر له تلك الليلة. وقال إبراهيم التيمى: كانوا يقولون: إذا ختم الرجل [القرآن] (١٠) صلت عليه الملائكة بقية يومه وبقية ليلته، وكان بعضهم يتخير (١١) لذلك الأوقات الشريفة [والأماكن

стр. 1278

الشريفة] (١)، كل ذلك رجاء اجتماع أسباب الإجابة، ولا شك أن وقت الختم وقت شريف وساعته ساعة مشهودة. وروى الدارمى بإسناده عن حميد الأعرج قال: من قرأ القرآن ثم دعا أمّن على دعائه أربعة آلاف ملك (٢)، لا سيما ختمة قرئت قراءة صحيحة مرضية متصلة إلى حضرة الرسالة ومعدن الوحى، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وينبغى أن يلح فى الدعاء وأن يدعو بالأمور المهمة، وأن يكثر من ذلك فى إصلاح المسلمين (٣) وصلاح سلطانهم وسائر ولاة أمورهم. وكان عبد الله بن المبارك إذا ختم أكثر دعائه (٤) للمؤمنين، والمؤمنات، [وقال نحو ذلك غيره] (٥)، وقوله: (وأنت موقن الإجابة) هذا لما روى عن أبى هريرة يرفعه: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب لاه» (٦) ورواه الترمذى والحاكم وقال: مستقيم الإسناد. وعنه أيضا يرفعه: «إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإنه لا يتعاظم على الله شىء» (٧) رواه مسلم وابن حبان [وأبو عوانة] (٨)، والله أعلم. فائدة عظيمة: [جرت عادة القراء] (٩) وغيرهم إذا ختموا ختمة أهدوا ثوابها للنبى ﷺ وكذلك عادة جماعة كثيرة فى جميع ما يفعلونه من البر، وكذلك جرت عادة [بعضهم بعد أن] (١٠) يهدى شيئا للنبى ﷺ أن يقول: وصدقة منه إلى فلان- أما الإهداء إليه ﷺ فمنعه بعضهم؛ لأنه لا يفعل معه إلا ما أذن فيه ﷺ وهو الصلاة عليه وسؤال الوسيلة، وأيضا فإنه تحصيل الحاصل؛ لأن أعمال أمته كلها مكتوبة له «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل (١١) بها إلى يوم القيامة» (١٢) «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا

стр. 1279

ينقص ذلك من أجورهم شيئا» (١). وقال الشيخ أبو بكر الموصلى- ﵀: ذلك جائز بل مستحب، مع أنه لم يفعل المسلم من أمته طاعة قط إلا كتبت له كما تقدم [قال] (٢) وكما أنه كان يحب الهدية من أصحابه ويكافئهم عليها (٣) مع أن (٤) الفضل له فى قبوله فكذلك- والله أعلم- أنه يحب إهداء ثواب الخيرات الفعلية والقولية، وهذا (٥) أشد استحبابا. وكذا (٦) قال ابن حمدان الحنبلى: إن الكل واصل إليه. وقال ابن عقيل: يستحب إهداؤها له. وتابعه أبو البركات فى «شرح الهداية». وحكى الغزالى عن على بن الموفق أنه حج عن رسول الله حججا، وذكر القضاعى أنها ستون حجة، وذكر محمد بن إسحاق النيسابورى أنه ختم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أكثر من عشرة (٧) آلاف ختمة، وضحى عنه مثل ذلك، وفى هذا كفاية. وأما الثانية: وهو «اللهم اجعله صدقة منه ﷺ إلى فلان» فلم أر فيها نصّا، ومن وقف (وإنها حجاب من النار حديث (٦٩/ ١٠١٧)، والترمذى (٥/ ٤٣)، كتاب العلم: باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتّبع أو إلى ضلالة حديث (٢٦٧٤)، والنسائى (٥/ ٧٥) كتاب الزكاة: باب التحريض على الصدقة حديث (٢٥٥٤)، وابن ماجه (١/ ٧٤)، المقدمة باب «من سن حسنة أو سيئة» حديث (٢٠٣)، وأحمد (٤/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩)، وابن أبى شيبة (٣/ ١٠٩ - ١١٠)، والطحاوى فى «مشكل الآثار» (١/ ٩٣)، وابن حبان (٣٣٠٨)، والطبرانى فى «الكبير» رقم (٢٣٧٢، ٢٣٧٣، ٢٣٧٤، ٢٣٧٥) والبغوى فى «شرح السنة» (٣/ ٤١٦) بتحقيقنا كلهم من طريق المنذر بن جرير عن أبيه به. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح.)

стр. 1280

عليه (١) فليثبته هنا. [والله أعلم. ثم انتقل فقال] (٢): ص: وليعتنى بأدب الدعاء ... ولترفع الأيدى إلى السماء وليمسح الوجه بها والحمد ... مع الصلاة قبله وبعد ش: أى: أن الداعى ينبغى أن يعتنى بأدب الدعاء؛ فإن له آدابا وشرائط وأركانا، وقد أطالت الناس فى [تلك] (٣). قال ابن عطاء: للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات، فإن وافق أركانه قوى، وإن وافق أجنحته طار فى السموات (٤)، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح: فأركانه حضور القلب، والرقة، والاستكانة (٥)، والخشوع، وتعلق القلب بالله (٦) وقطعه عن الأسباب. وأجنحته: الصدق. ومواقيته: الأسحار. وأسبابه: الصلاة على النبى ﷺ . وأنا أذكر [هنا] (٧) ما لا يستغنى عنه: فمنها: أنه لا يقصد بدعائه رياء ولا سمعة، قال تعالى: فادعوه مخلصين له الدّين [غافر: ٦٥]. ومنها: تقديم عمل صالح من صدقة أو غيرها؛ لحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار (٨).

стр. 1281

ومنها: تجنب الحرام أكلا وشربا ولبسا وكسبا؛ لحديث أبى هريرة أن رسول الله ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه [حرام] (١) ومشربه حرام وملبسه حرام؛ فأنى يستجاب له» (٢) رواه مسلم. ومنها: الوضوء؛ لحديث رواه الترمذى وقال: حسن غريب (٣). ومنها: استقبال القبلة؛ لحديث عبد الله بن مسعود «استقبل النبى ﷺ الكعبة، فدعا على نفر من قريش ... » (٤) الحديث. ومنها: رفع اليدين؛ لحديث سلمان يرفعه: «إن ربكم حيى كريم يستحيى من عبده إذا رفع يديه إلى السماء أن يردهما صفرا» (٥) رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان (استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذى له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءنى بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلى أجرى، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بى. فقلت: إنى لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون»، وأخرجه البخارى (٥/ ١٥٧) كتاب البيوع باب إذا اشترى شيئا لغيره (٢٢١٥) ومسلم (١٠٠/ ٢٧٤٣) من طريق نافع عن عبد الله بن عمر بنحو اللفظ السابق.)

стр. 1282

والحاكم. ولحديث: جمع النبى ﷺ أهل بيته وألقى عليهم كساءه ورفع يديه وقال: «اللهم هؤلاء أهلى ... » (١) الحديث. وقال الخطابى: من الأدب أن تكون اليدان حال رفعهما مكشوفتين. وروى أبو سليمان (٢) الدارانى [قال] (٣): كنت ليلة باردة فى المحراب، فأقلنى البرد، فخبأت إحدى يدى من البرد- يعنى: فى الدعاء- وبقيت الأخرى ممدودة، فغلبتنى عينى، فإذا تلك اليد المكشوفة قد سورت من الجنة، فهتف بى هاتف: قد وضعنا فى هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى مكشوفة لوضعنا فيها. قال: فآليت على نفسى ألا أدعو إلا ويداى خارجتان حرّا وبردا. ومنها: الجثو على الركب والمبالغة فى الخضوع لله والخشوع بين يديه، لحديث سعد: أن قوما شكوا إلى النبى ﷺ قحوط المطر فقال: «اجثوا على الركب ثم قولوا: يا رب يا رب» قال: ففعلوا؛ فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم (٤). رواه أبو عوانة فى «صحيحه». وأما ما أورده (٥) ابن الجوزى «أن النبى ﷺ [كان] (٦) إذا ختم دعا قائما» ففى سنده الحارث بن شرع، قال يحيى بن معين: ليس بشىء، وتكلم فيه النسائى وغيره. وقال أبو الفتح الأزدى: إنما تكلموا فيه حسدا، ويقويه أن الإمام أحمد أمر ابن زياد أن يدعو بدعاء الختم وهو ساجد. وكان عبد الله بن المبارك يعجبه أن يفعل كذلك، وهو حسن؛ فقد روى عنه ﷺ «أقرب ما يكون العبد [من ربه] (٧) وهو ساجد» (٨)؛ ومن نظر إلى

стр. 1283

دعاء الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- عرف كيف يسأل الله، . ومنها: ألا يتكلف السجع (١) فى الدعاء؛ [لما فى البخارى عن ابن عباس- رضى الله عنه-: «وانظر إلى السجع فى الدعاء] (٢) فاجتنبه؛ فإنى شهدت أصحاب رسول الله ﷺ لا يفعلون إلا ذلك» (٣). قال الغزالى: المراد [السجع المتكلف فى الكلام] (٤)؛ لأن ذلك لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففى الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ كلمات متوازنة (٥) غير متكلفة. ومنها: الثناء على الله تعالى- أولا وآخرا، وكذلك الصلاة على النبى ﷺ ، لما أخبر الله تعالى عن إبراهيم- ﵇: ربّنآ إنّك تعلم ما نخفى وما نعلن ... الآية [إبراهيم: ٣٨] وعن يوسف-: ﵇ ربّ قد ءاتيتنى من الملك ... الآية [يوسف: ١٠١]؛ وللحديث القدسى «قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل ... » (٦) الحديث. وفى مسلم أن النبى ﷺ كان يقول: «اللهم لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شىء بعد اللهم طهرنى ... » (٧) الحديث.

стр. 1284

وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ القرآن وحمد الرب وصلّى على النبى ﷺ واستغفر ربه فقد طلب الخير من مكانه» (١) رواه البيهقى فى شعب الإيمان. وعن فضالة بن عبيد سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو فى صلاته لم يمجد (٢) الله، ولم يصل على النبى ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «عجل هذا»، ثم دعاه فقال له أو لغيره: «إذا دعا أحدكم فليبدأ بتمجيد الله ربه والثناء (٣) عليه، ثم يصلى على النبى ﷺ ، ثم يدعو بما [شاء]» (٤) رواه أبو داود والترمذى والنسائى. وفى الطبرانى الأوسط عن على- رضى الله عنه- «كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد ﷺ » (٥). وفى الترمذى عن عمر- رضى الله عنه-: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شىء حتى يصلى على النبى ﷺ » (٦). وعن جابر يرفعه: «لا تجعلونى كقدح الراكب [فإن الراكب] (٧) إذا أراد أن ينطلق علق معالقه وملأ قدحه فإن كانت له حاجة فى أن يتوضأ توضأ أو أن يشرب شرب وإلا أهراقه (٨) فاجعلونى فى أول الدعاء ووسطه وآخره ... » (٩) الحديث. (أخرجه مسلم: كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء فى صلاة الليل، الحديث (٢٠١/ ٧٧١)، وأبو داود (١/ ٤٨١) كتاب: الصلاة، باب: ما يفتتح به الصلاة، الحديث (٧٦٠)، والترمذى (٥/ ٤٨٥) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند افتتاح الصلاة، الحديث (٣٤٢١)، والنسائى (٢/ ١٢٩ - ١٣٠) كتاب: الافتتاح، باب: الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة، والطحاوى فى شرح معانى الآثار (١/ ٢٣٣) كتاب: الصلاة، باب: ما ينبغى أن يقال فى الركوع والسجود، والبيهقى (١/ ٣٢) كتاب: الصلاة، باب: افتتاح الصلاة بعد التكبير، والدارمى (١/ ٢٨٢) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال بعد افتتاح الصلاة، وأحمد (١/ ٩٤) وأبو يعلى (١/ ٢٤٥) رقم (٢٨٥) من طريق الأعرج عن عبيد الله بن أبى رافع عن على به.)

стр. 1285

ومنها: أن يسأل الله تعالى جميع حوائجه لحديث [أنس يرفعه: «ليسأل أحدكم ربه حاجاته كلها] (١) حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع» (٢) رواه ابن حبان فى صحيحه والترمذى. ومنها: مسح وجهه بيديه عند الدعاء؛ لحديث ابن عباس- رضى الله عنهما- يرفعه «إذا سألتم الله فسلوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم» (٣) رواه أبو داود والحاكم فى «صحيحه»، وفى أبى داود (٤) أن النبى ﷺ «كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه» (٥). وعن عمر- رضى الله عنه-: «كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه فى الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه» (٦) وفى رواية: «لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه» رواه الحاكم فى «صحيحه» والترمذى، وأنكر الشيخ (٧) عز الدين بن عبد السلام المسح (٨) ولا شك أنه لم يقف على هذه الأحاديث. ومنها: اختيار الأدعية [المأثورة] (٩) عن النبى ﷺ فإنه ﷺ أوتى جوامع الكلم (١٠).

стр. 1286

وقد روى فى كتاب «فضائل الأعمال» وفى كتاب «الشمائل»: أن النبى ﷺ كان يقول عند ختم القرآن: «اللهم ارحمنى بالقرآن واجعله لى إماما وهدى ونورا ورحمة، اللهم ذكرنى منه ما نسيت وعلمنى منه ما جهلت وارزقنى تلاوته آناء الليل [وأطراف] (١) النهار، واجعله لى حجة يا رب العالمين» (٢). قال المصنف: ولا أعلم أنه ورد عن النبى ﷺ فى ختم القرآن غيره، وأما غيره فصح عنه ﷺ أدعية جامعة لخيرى الدنيا والآخرة فمن ذلك: «اللهم إنى عبدك [ابن عبدك]، وابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماض فى حكمك، عدل فى قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك- أن تجعل القرآن [العظيم] (٣) ربيع قلبى، ونور صدرى (٤)، وجلاء حزنى، وذهاب غمى. [فما دعا به أحد] (٥) إلا أذهب الله همه، وأبدله مكان حزنه فرحا» (٦). «اللهم أصلح لى دينى الذى هو عصمة أمرى وأصلح لى دنياى التى فيها معاشى، وأصلح لى آخرتى التى فيها معادى واجعل الحياة زيادة [لى] (٧) من كل خير، واجعل الموت راحة لى من كل شر» (٨). وفى مسلم: «اللهم اغفر لى هزلى وجدى وخطئى وعمدى وكل ذلك عندى» (٩). وفيه: «يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره

стр. 1287

الحوادث، ولا يخشى الدوائر، ويعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل، وأشرق عليه النهار، ولا توارى منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا بحر ما فى قعره، ولا جبل ما فى وعره: اجعل (١) خير عمرى آخره، وخير عملى خواتمه، وخير أيامى يوم ألقاك فيه» (٢). وفى البخارى، ومسلم: «اللهم إنى أسألك عيشة [نقية] (٣)، وميتة سوية، ومردّا غير مخز ولا فاضح» (٤). وفى مسلم والموطأ: «اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٥)، «اللهم أحسن عاقبتنا فى الأمور كلها وأجرنا من خزى الدنيا وعذاب الآخرة» (٦). وفى الموطأ وغيره: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا [ومتعنا] (٧) بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث [منا] (٨) واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا فى ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا [بذنوبنا] (٩) من لا يرحمنا» (١٠). وفى مسلم وغيره: «اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والسلامة من

стр. 1288

كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا همّا إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها» (١). وفى الموطأ: «اللهم ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (٢). وقد ورد عنه ﷺ غير ذلك وليس هذا موضعه [والله تعالى أعلم] (٣). ص: وهاهنا تم نظام الطيبه ... ألفية سعيدة مهذبه ش: أى تم وانقضى (٤) نظم الكتاب الذى قصده وسماه (الطيبة) حال كونها [(ألفية)] (٥) - نسبة للألف- (سعيدة)؛ أى: مسعودة؛ لأنها تتعلق بكلام الله تعالى وتلزمه ولا تخرج عنه، ومن هذه حالته فقد حصلت له السعادتان. ويجوز- وهو الأليق- أن تكون بمعنى مسعدة لمن قرأها؛ لأنها توصله إلى ما يسعده (٦) وهو علم كتاب الله تعالى الذى هو من أقوى أسباب الخير، وتوصله إلى مطلوبه من هذا العلم وزيادة. وقوله: (مهذبة) قال الجوهرى: رجل مهذب، أى: مطهر الأخلاق، والتهذيب: الإسراع؛ فعلى هذا يحتمل أن يكون قوله (مهذبة) أى: مهذّبة (٧) الأخلاق ويكون ذلك [كناية] (٨) عن لينها، وعدم حصول اختيار لها وموافقة غيرها، وعدم امتناعها ممن طلبها (٩) وإجابتها له مسرعة، ويدل عليه قوله: (والتهذيب): الإسراع، ومعنى ذلك سرعة فهمها وعدم صعوبته على متأملها. فإن قلت: (ألفية)، نسبة للألف- كما قلت- وهى زائدة باثنى عشر بيتا- قلت: لم يعتبر الناظم الزيادة، وهو [جائز] (١٠) ما لم يبلغ مائة، كما لم يعتبر أنس النقص فى قوله: «خدمت النبى ﷺ عشر سنين» (١١) وقد خدمه أقل منها بنحو ستة أشهر أو غيرها. فإن قلت

стр. 1289

لم سماها «طيبة»؟ قلت: تفاؤلا بهذا اللفظ الذى وقعت فيه المبالغة من هذا المعنى؛ إذ «الطيبة» [صيغة] (١) مبالغة فى نفسها وإضافتها (٢) إلى [النشر] (٣) وهو الرائحة الذكية العطرة، وطيبة النشر بمعنى: أطيب ما فى الرائحة الذكية من [الرائحة] (٤) ثم [كمل] (٥) ذكر مكان فراغه منها وزمانه فقال: ص: بالروم من شعبان وسط سنة ... تسع وتسعين وسبعمائة ش: يعنى أن فراغه منها كان ببلاد الروم فى شهر شعبان سنة تسع وتسعين وسبعمائة من الهجرة النبوية- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- وأطلق الناظم- رضى الله عنه- على شعبان أنه وسط السنة ووسط الشىء ما يكون بين شيئين مستويين لكنه اعتبره من النصف الثانى اعتدادا بأكثر النصف والله أعلم. [ثم شرع فى إجازتها فقال] (٦): ص: وقد أجزتها لكل مقرى ... كذا أجزت كل من فى عصرى رواية بشرطها المعتبر ... وقاله محمد بن الجزرى ش: أجاز (٧) الناظم- رضى الله عنه- رواية الطيبة لكل مقرئ أى لكل من صدق عليه وقت الإجازة أنه مقرئ وأما من يصدق (٨) عليه أنه سيكون مقرئا فلا يتناوله؛ [لأنه حالة الإجازة معدوم غير] (٩) معين، والصحيح أن الإجازة للمعدوم غير صحيحة ولعدم عمومها عمم بقوله: «كذا أجزت كل من فى عصرى»، فأجاز كل من أدرك عصره أى: زمانه، ويتناول هذا من ولد قبل موته بنفس واحد، فأجاز [لمن ذكر روايتها عنه بشرطه] (١٠) المعتبر عند أهل الأثر، ولم يصرح فى الثانى بالمجاز له؛ فيحتمل أنه أراد: أجزت كل من فى عصرى بها، ويحتمل بكل ما يجوز له وعنه روايته، وهو الأولى بحال المصنف؛ لأنه كان كثيرا ما يضرب البلاد شرقا وغربا ويمينا وشمالا قصدا للاجتماع بمن لم يمكنه الزمان أن يجتمع به؛ ليكون له نصيب من دعائهم أجمعين كان هكذا- رضى الله عنه- يقول. ولقد رأيته رحل- رضى الله عنه- وسنه نحو ثمانين سنة [إلى بلاد اليمن] (١١) وانتفع به خلق كثير؛ فجزاه الله عن مقصده من أفضل الجزاء والثواب وجعل له من أعالى (١٢)

стр. 1290

الجنات خير نصيب ومآب. فائدة: لا بأس بذكر حكم هذه (١) الإجازة فأقول: هذه هى النوع الثالث من أنواع الإجازة التسعة، وهى الإجازة العامة، فاختلف فى جوازها: فجوزها الخطيب، وفعلها أبو عبد الله بن منده، فقال: أجزت لمن قال: لا إله إلا الله. وحكى الحازمى عمن أدركه من الحفاظ كأبى العلاء الهمذانى وغيره أنهم كانوا يميلون إلى الجواز. وأجازها أيضا أبو الفضل البغدادى، وابن رشد المالكى وأبو طاهر السلفى وغيره. ورجح الجواز ابن الحاجب وصحح (٢) النووى وخلق كثير [جمعهم] (٣) بعضهم فى كتاب رتبه (٤) على حروف المعجم. انتهى باختصار. وقوله: (وقاله محمد بن الجزرى) علم من أول الكتاب، وإنما أراد أن يرتب عليه قوله: ص: يرحمه بفضله الرحمن ... فظنه من جوده الغفران ش: هذا خبر [فى معنى] (٥) الطلب: أى: اللهم ارحمه يا رحمن بفضلك. ولم يطلب الناظم- رضى الله عنه- الرحمة من الله تعالى بسبب نظمه لعباد الله تعالى هذا الكتاب ولا بسبب عمل من الأعمال يستحق به الرحمة؛ فإن العباد لا يستحقون على الله شيئا وإن كان قد ورد فى الحديث الصحيح «هل تدرى ما حق العباد على الله» لأن [هذا] (٦) حق تكرّم لا تحتّم (٧)، ولأن هذا وقع جوابا (٨) لقوله ﷺ : «حق الله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا (٩) به شيئا» (١٠)، وهذا من أخفى [الأمور] (١١) على العباد، حتى ما من ولى إلا وخاف على نفسه الشرك، وما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا وخافه على نفسه؛ ولعظم هذا الأمر قال ﷺ : «الناس كلهم هلكى إلا العالمين، والعالمون كلهم هلكى

стр. 1291

إلا العاملين، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم» (١) ذكره القرافى فى الفرق الثانى والسبعين والمائتين فنسأل الله [المان بفضله] (٢) أن يقينا من الشرك؛ إنه المجيب لمن دعاه. وأيضا فالثواب إنما هو فيما قبل من الأعمال والناظم- رحمه الله تعالى- لا يدرى هل قبل سعيه أم لا؛ لأن أسباب القبول ومواقفه كثيرة، [بل الذى أعتقده] (٣) أن أحدا لا يقدر أن يقيم الحجة على أنه يستحق ثواب عمل واحد أبدا؛ فلم يبق للعباد إلا فضل الله وسعة رحمته، كما ورد فى الحديث المشهور عن الرجل الذى يقول الله تعالى له: «ادخل الجنة برحمتى، فيقول: بعملى ... » بعد عبادته مدة طويلة، ثم لا يدخلها إلا بسعة فضل الله ورحمته (٤). فلما قطع المصنف طمع الآمال من الأعمال تعلق بذى الجود والإكرام والإفضال، فقال: (يرحمه بفضله الرحمن)، ولما كان من آداب الدعاء تيقن الإجابة كما تقدم قال: (فظنه من جوده الغفران) يعنى أن ظنه بالله تعالى جميل، فإنه يرحمه ويغفر له ذنوبه [كلها] (٥) ويدخله فى رحمته، وأرجو أن يكون الله تعالى أجاب دعاه؛ لقوله فيما ورد عنه من الأحاديث القدسية: «أنا عند ظن عبدى بى». قال معلق هذا التعليق: ولما ختم الناظم- ﵀ كتابه بالدعاء، وكانت الأعمال بخواتمها- رأيت أن أختم هذا التعليق بدعاء، وأرجو من كرم الله تعالى وإحسانه وواسع خزائنه [أن يجيبنى؛ فإنى مضطر وهو سبحانه يقول] (٦): أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه [النمل: ٦٢]، والمضطر وإن كان صفة للعبد؛ فإنى من العبيد لغة ورجاء، وإن كنت لست منهم عملا: اللهم إنى أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، وأعوذ بك من [شر] (٧) هذه (٨) الأربع. اللهم تقبل توبتى، واغسل حوبتى، وأجب دعوتى، أسألك عيشة سوية، وميتة [نقية] (٩)، وأن تذهب عنى الشكوك

стр. 1292

والاعتراضات، وتعافى (١) قلبى من الوسواس والنزغات وأن تسلك بى منهاج أهل السنة. أسألك التأييد برفع من عندك فيما تريد (٢) كما أيدت أنبياءك ورسلك، واكسنى جلابيب العصمة فى الأنفاس واللحظات، وانزع من قلبى حب الدنيا، وأمتنى على الإسلام والشهادة، وكذلك من كتبه أو قرأه (٣) أو شيئا (٤) منه، أو سعى فيه، آمين يا رب العالمين. والله أسأل أن ينفع به (٥) وهو حسبى ونعم الوكيل [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم] (٦)، وصلّى الله على أشرف الخلق سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم صلاة دائمة [بعدد الأنفاس] (٧) إلى يوم الدين (٨) [وتنقى من الشرك والأرجاس، آمين (٩)] (١٠). قال ذلك الشيخ شمس الدين محمد بن أبى القاسم النويرى المالكى، ابن الشيخ شمس الدين محمد، أعاد الله على المسلمين من بركته، ونفع بعلمه فى الدنيا والآخرة، وذلك فى ثالث شهر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثمانمائة. وكان الفراغ منها فى التاريخ، أعاد الله علينا من بركات مؤلفها، آمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. ...