← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38740

شرح طيبة النشر للنويري

النويري، محب الدين

Полный текст (1 292 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فائدة : قال الخطيب البغدادى (١): أجود أوقات الحفظ الأسحار، ثم نصف النهار، ثم الغداة، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود أماكن الحفظ كل موضع بعد عن الملهيات (٢)، وليس الحفظ بمحمود بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطرق؛ لأنها تمنع خلو القلب. وينبغى أن يصبر على حدة (٣) شيخه وسوء خلقه، ولا يصده (٤) ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله (٥)، ويتأول لأفعاله (٦) التى ظاهرها الفساد تأويلات [حسنة] (٧) صحيحة. وإذا جفاه الشيخ ابتدأ هو (٨) بالاعتذار (٩) وأظهر (١٠) الذنب له، والمعتب (١١) عليه، وقد قالوا: «من لم (١٢) يصبر [على] [جفاء شيخه] (١٣) وذل التعليم، بقى عمره فى عماية الجهل (١٤)، ومن [صبر] (١٥) عليه آل أمره إلى عز الآخرة والدنيا». وعن أنس (١٦) - رضى الله تعالى عنه-: «ذللت طالبا فعززت مطلوبا».

стр. 37

[وما أحسن قول القائل: إنّ المعلّم والطّبيب، كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جهلت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلّما] (١) وينبغى أن يغتنم التحصيل فى وقت الفراغ والشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة؛ فقد روى عن عمر [بن الخطاب] (٢) - رضى الله تعالى عنه-: «تفقهوا قبل أن تسوّدوا». وقال الشافعى- رضى الله تعالى عنه-: «تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل [لك] (٣) إلى التفقه». وليكتب (٤) كل ما سمعه، ثم يواظب [على] حلقة الشيخ، ويعتنى بكل الدروس (٥)، فإن عجز اعتنى بالأهم، وينبغى أن يرشد رفقته وغيرهم إلى مواطن الاشتغال والفائدة، ويذكر لهم ما استفاده على جهة النصيحة والمذاكرة، وبإرشادهم يبارك له فى علمه (٦)، وتتأكد المسائل [معه] (٧) مع جزيل ثواب الله تعالى، ومن فعل ضد ذلك كان بضده. فإذا تكاملت أهليته واشتهرت فضيلته اشتغل بالتصنيف، وجد فى الجمع والتأليف، والله الموفق (٨). وينبغى ألا يترك وظيفته لعروض (٩) مرض خفيف ونحوه مما يمكن معه الجمع بينهما، ولا يسأل تعنتا (١٠) وتعجيزا فلا يستحقّ جوابا، ومن أهم أحواله (١١) أن يحصّل الكتاب بشراء (١٢) أو غيره ولا يشتغل بنسخ كتاب أصلا، فإن آفاته ضياع الأوقات فى صناعة أجنبية

стр. 38

عن تحصيل العلم، وركون النفس لها (١) أكثر من ركونها لتحصيله، وقد (٢) قال بعض أهل الفضل: «أود لو قطعت يد الطالب إذا نسخ، فأما شىء يسير فلا بأس به»، وكذا (٣) إذا دعاه إلى ذلك قلة ما بيده من الدنيا. وينبغى ألا يمنع عارية كتاب لأهله؛ فقد (٤) ذمه (٥) السلف والخلف ذمّا كثيرا. قال الزهرى (٦): «إياك وغلول الكتب» (٧) وهو حبسها عن أصحابها، وعن الفضيل (٨): «ليس من أهل الورع ولا من أفعال (٩) الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه (١٠) فيحبسه عنه». وقال رجل لأبى العتاهية (١١): أعرنى كتابك فقال: إنى أكره ذلك؛ فقال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره؟ فأعاره (١٢).

стр. 39

فهذه نبذة من الآداب لمن اشتغل بهذا (١) الطريق لا يستغنى عن تذكرها؛ لتكون معينة على تحصيل المرام والخروج إلى النور (٢) من الظلام، والله تعالى هو المنان ذو الجود والإكرام (٣).

стр. 40

_________ الحكمة بذم الله [إياه] احترازا من المعاصى. وطريقه فى نفى الرياء: أن يعلم أن الخلق لا ينفعونه ولا يضرونه حقيقة؛ فلا يتشاغل بمراعاتهم فيتعب نفسه، ويضر دينه، ويحبط عمله، ويرتكب ما يجلب سخط الله، ويفوت رضاه. وطريقه فى نفى الإعجاب: أن يعلم أن العلم فضل من الله- تعالى- ومنة عارية فإن لله- تعالى- ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شىء عنده بأجل مسمى، فينبغى ألا يعجب بشيء لم يخترعه، وليس مالكا له، ولا على يقين من دوامه. وطريقه فى نفى الاحتقار: التأدب بما أدبنا الله تعالى، قال الله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم: ٣٢]. وقال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣]، فربما كان هذا الذى يراه دونه أتقى لله- تعالى- وأطهر قلبا، وأخلص نية، وأزكى عملا، ثم إنه لا يعلم ماذا يختم له به، ففي الصحيح: «إنّ أحدكم يعمل بعمل أهل الجنّة ... » الحديث، نسأل الله العافية من كل داء. ومنها: استعماله أحاديث التسبيح، والتهليل، ونحوهما من الأذكار والدعوات وسائر الآداب الشرعيات. ومنها: دوام مراقبته لله تعالى فى علانيته وسره، محافظا على قراءة القرآن، ونوافل الصلوات، والصوم، وغيرها؛ معولا على الله- تعالى- فى كل أمره معتمدا عليه، مفوضا فى كل الأحوال أمره إليه. ومنها- وهو من أهمها-: ألا يذل العلم، ولا يذهب به إلى مكان ينتسب إلى من يتعلمه منه، وإن كان المتعلم كبير القدر، بل يصون العلم عن ذلك كما صانه السلف، وأخبارهم فى هذا كثيرة مشهورة مع الخلفاء وغيرهم. فإن دعت إليه ضرورة أو اقتضت مصلحة راجحة على مفسدة ابتذاله- رجونا أنه لا بأس به ما دامت الحالة هذه، وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض السلف فى هذا. ومنها: أنه إذا فعل فعلا صحيحا جائزا فى نفس الأمر، ولكن ظاهره أنه حرام أو مكروه، أو مخل بالمروءة، ونحو ذلك، فينبغى له أن يخبر أصحابه، ومن يراه يفعل ذلك بحقيقة ذلك الفعل؛ لينتفعوا؛ ولئلا يأثموا بظنهم الباطل؛ ولئلا ينفروا عنه، ويمتنع الانتفاع بعلمه، ومن هذا الحديث الصحيح: «إنها صفية». ومن آدابه فى درسه واشتغاله أنه ينبغى ألا يزال مجتهدا فى الاشتغال بالعلم قراءة وإقراء، ومطالعة وتعليقا، ومباحثة ومذاكرة وتصنيفا، ولا يستنكف من التعلم ممن هو دونه فى سن أو نسب أو شهرة أو دين، أو فى علم آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، وإن كان دونه فى جميع هذا، ولا يستحى من السؤال عما لم يعلم. فقد روينا عن عمر وابنه- رضى الله عنهما- قالا: من رق وجهه رق علمه. وعن مجاهد لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر. وفى الصحيح عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين. وقال سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون. وينبغى ألا يمنعه ارتفاع منصبه وشهرته من استفادة ما لا يعرفه، فقد كان كثيرون من السلف يستفيدون من تلامذتهم ما ليس عندهم، وقد ثبت فى الصحيح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين، وروى جماعات من التابعين عن تابعى التابعين، وهذا عمرو بن شعيب ليس تابعيا، وروى عنه أكثر من سبعين من التابعين. وثبت فى الصحيحين أنّ رسول الله ﷺ : قرأ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١]، على أبى بن كعب- رضى الله عنه- وقال: «أمرنى الله أن أقرأ عليك». فاستنبط العلماء من هذا فوائد، منها: بيان التواضع، وأن الفاضل لا يمتنع من القراءة

стр. 41

_________ على المفضول، وينبغى أن تكون ملازمة الاشتغال بالعلم هى مطلوبه ورأس ماله فلا يشتغل بغيره، فإن اضطر إلى غيره فى وقت، فعل ذلك الغير بعد تحصيل وظيفته من العلم. وينبغى أن يعتنى بالتصنيف إذا تأهل له، فبه يطلع على حقائق العلم ودقائقه، ويثبت معه؛ لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق والمراجعة، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة، ومتفقه وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه، وجزله من ركيكه، وما لا اعتراض عليه من غيره، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد. وليحذر كل الحذر أن يشرع فى تصنيف ما لم يتأهل له، فإن ذلك يضره فى دينه وعلمه وعرضه، وليحذر أيضا من إخراج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه، وترداد نظره فيه وتكريره، وليحرص على إيضاح العبارة وإيجازها، فلا يوضح إيضاحا ينتهى إلى الركاكة، ولا يوجز إيجازا يفضى إلى المحق والاستغلاق، وينبغى أن يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر. والمراد بهذا ألا يكون هناك مصنف يغنى عن مصنفه فى جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها، مع ضم ما فاته من الأساليب. وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به، ويكثر الاحتياج إليه، وليعتن بعلم المذهب، فإنه من أعظم الأنواع نفعا، وبه يتسلط المتمكن على المعظم من باقى العلوم. ومن آدابه وآداب تعليمه: اعلم أن التعليم هو الأصل الذى به قوام الدين، وبه يؤمن امّحاق العلم، فهو من أهم أمور الدين، وأعظم العبادات، وآكد فروض الكفايات. قال الله- تعالى-: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]، وقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا ... الآية [البقرة: ١٥٩]. وفى الصحيح من طرق: أن النبى ﷺ قال: «ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب»، والأحاديث بمعناه كثيرة، والإجماع منعقد عليه. ويجب على المعلم أن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى لما سبق، وألا يجعله وسيلة إلى غرض دنيوى، فيستحضر المعلم فى ذهنه كون التعليم آكد العبادات؛ لكون ذلك حاثا له على تصحيح النية، ومحرضا له على صيانته من مكدراته ومن مكروهاته؛ مخافة فوات هذا الفضل العظيم، والخير الجسيم. قالوا: وينبغى ألا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، فإنه يرجى له حسن النية، وربما عسر فى كثير من المبتدئين بالاشتغال تصحيح النية لضعف نفوسهم، وقلة أنسهم بموجبات تصحيحها، فالامتناع من تعليمهم يؤدى إلى تفويت كثير من العلم مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم. وقد قالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، معناه: كانت عاقبته أن صار لله، وينبغى أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية، ورياضة نفسه بالآداب والدقائق الخفية، ويعوده الصيانة فى جميع أموره الكامنة والجلية. فأول ذلك: أن يحرضه بأقواله وأحواله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات، ومراقبة الله- تعالى- فى جميع اللحظات، وأن يكون دائما على ذلك حتى الممات، ويعرفه أن بذلك تنفتح عليه أبواب المعارف، وينشرح صدره وتنفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف، ويبارك له فى حاله وعلمه، ويوفق للإصابة فى قوله وفعله وحكمه، ويزهده فى الدنيا، ويصرفه عن التعلق بها، والركون إليها، والاغترار بها، ويذكره أنها فانية، والآخرة آتية باقية، والتأهب للباقى، والإعراض عن الفانى هو طريق الحازمين، ودأب عباد الله الصالحين.

стр. 42

_________ وينبغى أن يرغبه فى العلم ويذكره بفضائله وفضائل العلماء، وأنهم ورثة الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ولا رتبة فى الوجوه أعلى من هذه. وينبغى أن يحنو عليه ويعتنى بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه وولده، ويجريه مجرى ولده فى الشفقة عليه، والاهتمام بمصالحه، والصبر على جفائه وسوء أدبه، ويعذره فى سوء أدب، وجفوة تعرض منه فى بعض الأحيان، فإن الإنسان معرض للنقائص. وينبغى أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير، ويكره له ما يكرهه لنفسه من الشر؛ ففي الصحيحين: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه». وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: أكرم الناس على، جليسى الذى يتخطى الناس، حتى يجلس إلى، لو استطعت ألا يقع الذباب على وجهه لفعلت وفى رواية: إن الذباب يقع عليه فيؤذينى. وينبغى أن يكون سمحا يبذل ما حصله من العلم سهلا بإلقائه إلى مبتغيه، متلطفا فى إفادته طالبيه، مع رفق ونصيحة وإرشاد إلى المهمات، وتحريض على حفظ ما يبذله لهم من الفوائد النفيسات، ولا يدخر عنهم من أنواع العلم شيئا يحتاجون إليه إذا كان الطالب أهلا لذلك، ولا يلقى إليه شيئا لم يتأهل له؛ لئلا يفسد عليه حاله، فلو سأله المتعلم عن ذلك لم يجبه، ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وأنه لم يمنعه ذلك شحا، بل شفقة ولطفا. وينبغى ألا يتعظم على المتعلمين، بل يلين لهم ويتواضع، فقد أمر بالتواضع لآحاد الناس، قال الله- تعالى-: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: ٨٨]، وعن عياض بن حمار- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ الله أوحى إلى أن تواضعوا». رواه مسلم، وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلّا عزّا، وما تواضع أحد لله إلّا رفعه الله». رواه مسلم. فهذا فى التواضع لمطلق الناس، فكيف بهؤلاء الذين هم كأولاده مع ما هم عليه من الملازمة لطلب العلم، ومع ما لهم عليه من حق الصحبة، وترددهم إليه، واعتمادهم عليه؟ وفى الحديث عن النبى ﷺ «لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلّمون منه». وعن الفضيل ابن عياض- ﵀: إن الله- يحب العالم المتواضع، ويبغض العالم الجبار، ومن تواضع لله- تعالى- ورثه الحكمة. وينبغى أن يكون حريصا على تعليمهم، مهتما به مؤثرا له على حوائج نفسه ومصالحه ما لم تكن ضرورة، ويرحب بهم عند إقبالهم إليه، لحديث أبى سعيد السابق، ويظهر لهم البشر وطلاقة الوجه، ويحسن إليهم بعلمه وماله وجاهه بحسب التيسير، ولا يخاطب الفاضل منهم باسمه بل بكنيته ونحوها؛ ففي الحديث عن عائشة- رضى الله عنها-: «كان رسول الله ﷺ يكنّى أصحابه إكراما لهم وتسنية لأمورهم». وينبغى أن يتفقدهم، ويسأل عمن غاب منهم. وينبغى أن يكون باذلا وسعه فى تفهيمهم، وتقريب الفائدة إلى أذهانهم، حريصا على هدايتهم، ويفهم كل واحد بحسب فهمه وحفظه فلا يعطيه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة، ويخاطب كل واحد على قدر درجته، وبحسب فهمه وهمته، فيكتفى بالإشارة لمن يفهمها فهما محققا، ويوضح العبارة لغيره، ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار، ويذكر الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا يحفظ له الدليل، فإن جهل دليل بعضها ذكره له، ويذكر الدلائل لمحتملها، ويذكر: هذا ما يبنى، على هذه المسألة وما يشبهها، وحكمه حكمها وما يقاربها، وهو مخالف لها، ويذكر الفرق بينهما، ويذكر ما يرد عليها وجوابه إن أمكنه. ويبين الدليل الضعيف؛ لئلا يغتر به فيقول: استدلوا بكذا، وهو ضعيف لكذا، ويبين الدليل المعتمد ليعتمد،

стр. 43

_________ ويبين له ما يتعلق بها من الأصول والأمثال والأشعار واللغات، وينبههم على غلط من غلط فيها من المصنفين، فيقول مثلا: هذا هو الصواب، وأما ما ذكره فلان فغلط أو فضعيف، قاصدا النصيحة؛ لئلا يغتر به، لا لتنقص للمصنف ... ويبين له جملا من أسماء المشهورين من الصحابة- رضى الله عن جميعهم- فمن بعدهم من العلماء الأخيار، وأنسابهم وكناهم، وأعصارهم، وطرف حكاياتهم ونوادرهم، وضبط المشكل من أنسابهم وصفاتهم، وتمييز المشتبه من ذلك، وجملا من الألفاظ اللغوية والعرفية المتكررة، ضابطا لمشكلها وخفى معانيها، فيقول: هى مفتوحة، أو مضمومة، أو مكسورة، مخففة أو مشددة مهموزة أو لا، عربية، أو عجمية، أو معربة، وهى التى أصلها عجمى وتكلمت بها العرب، مصروفة أو غيرها، مشتقة أم لا، مشتركة أم لا، مترادفة أم لا، وأن المهموز والمشدد يخففان أم لا، وأن فيها لغة أخرى أم لا. ويبين ما ينضبط من قواعد التصريف، كقولنا: ما كان على فعل بفتح الفاء وكسر العين فمضارعه: يفعل- بفتح العين- إلا أحرفا جاء فيهن الفتح والكسر من الصحيح والمعتل، فالصحيح دون عشرة أحرف، كنعم وبئس وحسب، والمعتل: ك «وتر ووبق وورم وورى الزند»، وغيرهن. وأن ما كان من الأسماء والأفعال على فعل- بكسر العين- جاز فيه أيضا إسكانها مع فتح الفاء وكسرها، فإن كان الثانى أو الثالث حرف حلق جاز فيه وجه رابع فعل بكسر الفاء والعين. وإذا وقعت مسألة غريبة لطيفة، أو مما يسأل عنها فى المعاياة، نبهه عليها، وعرفه حالها فى كل ذلك، ويكون تعليمه إياهم كل ذلك تدريجا شيئا فشيئا، لتجتمع لهم مع طول الزمان جمل كثيرات. وينبغى أن يحرضهم على الاشتغال فى كل وقت، ويطالبهم فى أوقات بإعادة محفوظاتهم، ويسألهم عما ذكره لهم من المهمات، فمن وجده حافظا مراعيا له أكرمه وأثنى عليه، وأشاع ذلك، ما لم يخف فساد حاله بإعجاب ونحوه، ومن وجده مقصرا عنفه إلا أن يخاف تنفيره، ويعيده له حتى يحفظه حفظا راسخا، وينصفهم فى البحث فيعترف بفائدة يقولها بعضهم وإن كان صغيرا، ولا يحسد أحدا منهم لكثرة تحصيله، فالحسد حرام للأجانب، وهنا أشد، فإنه بمنزلة الوالد، وفضيلته يعود إلى معلمه منها نصيب وافر، فإنه مربيه، وله فى تعليمه وتخريجه فى الآخرة الثواب الجزيل، وفى الدنيا الدعاء المستمر والثناء الجميل. وينبغى أن يقدم فى تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق؛ لا يقدمه فى أكثر من درس إلا برضا الباقين، وإذا ذكر لهم درسا تحرى تفهيمهم بأيسر الطرق، ويذكره مترسلا مبينا واضحا، ويكرر ما يشكل من معانيه وألفاظه، إلا إذا وثق بأن جميع الحاضرين يفهمون بدون ذلك، وإذا لم يصل البيان إلا بالتصريح بعبارة يستحى فى العادة من ذكرها فليذكرها بصريح اسمها، ولا يمنعه الحياء ومراعاة الآداب من ذلك، فإن إيضاحها أهم من ذلك. وإنما تستحب الكناية فى مثل هذا إذا علم بها المقصود علما جليا، وعلى هذا التفصيل يحمل ما ورد فى الأحاديث من التصريح فى وقت، والكناية فى وقت، ويؤخر ما ينبغى تأخيره، ويقدم ما ينبغى تقديمه، ويقف فى موضع الوقف، ويصل فى موضع الوصل. وإذا وصل موضع الدرس صلى ركعتين، فإن كان مسجدا تأكد الحث على الصلاة، ويقعد مستقبلا القبلة على طهارة، متربعا إن شاء، وإن شاء محتبيا، وغير ذلك، ويجلس بوقار، وثيابه نظيفة بيض، ولا يعتنى بفاخر الثياب، ولا يقتصر على خلق ينسب صاحبه إلى قلة المروءة، ويحسن خلقه مع جلسائه، ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو شرف أو صلاح ونحو ذلك، ويتلطف

стр. 44

_________ بالباقين، ويرفع مجلس الفضلاء، ويكرمهم بالقيام لهم على سبيل الاحترام، وقد ينكر القيام من لا تحقيق عنده، وقد جمعت جزءا فيه الترخيص فيه ودلائله، والجواب عما يوهم كراهته. وينبغى أن يصون يديه عن العبث، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة، ويلتفت إلى الحاضرين التفاتا قصدا بحسب الحاجة للخطاب، ويجلس فى موضع يبرز فيه وجهه لكلهم، ويقدم على الدرس تلاوة ما تيسر من القرآن، ثم يبسمل، ويحمد الله تعالى، ويصلى ويسلم على النبى ﷺ وعلى آله ثم يدعو للعلماء الماضين ومشايخه، ووالديه، والحاضرين، وسائر المسلمين، ويقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، اللهم إنى أعوذ بك من أن أضلّ أو أضلّ أو أزلّ أو أزلّ أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل على ... ولا يذكر الدرس وبه ما يزعجه كمرض، أو جوع، أو مدافعة الحدث، أو شدة فرح وغم ولا يطول مجلسه تطويلا يملهم أو يمنعهم فهم بعض الدرس أو ضبطه؛ لأن المقصود إفادتهم وضبطهم، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فاته المقصود. وليكن مجلسه واسعا ولا يرفع صوته زيادة على الحاجة، ولا يخفضه خفضا يمنع بعضهم كمال فهمه، ويصون مجلسه من اللغط، والحاضرين عن سوء الأدب فى المباحثة، وإذا ظهر من أحدهم شىء من مبادئ ذلك تلطف فى دفعه قبل انتشاره، ويذكرهم أن اجتماعنا ينبغى أن يكون لله تعالى، فلا يليق بنا المنافسة والمشاحنة، بل شأننا الرفق والصفاء، واستفادة بعضنا من بعض، واجتماع قلوبنا على ظهور الحق، وحصول الفائدة. وإذا سأل سائل عن أعجوبة فلا يسخرون منه، وإذا سئل عن شىء لا يعرفه، أو عرض فى الدرس ما لا يعرفه، فليقل: لا أعرفه أو لا أتحققه، ولا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم أن يقول فيما لا يعلم: لا أعلم، أو الله أعلم، فقد قال ابن مسعود- رضى الله عنه-: يأيها الناس، من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦]، رواه البخارى، وقال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-: نهينا عن التكلف. رواه البخارى وقالوا: ينبغى للعالم أن يورث أصحابه لا أدرى. معناه: يكثر منها، وليعلم أن معتقد المحققين أن قول العالم: لا أدرى لا يضع منزلته، بل هو دليل على عظم محله، وتقواه، وكمال معرفته؛ لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة، بل يستدل بقوله: لا أدرى على تقواه، وأنه لا يجازف فى فتواه، وإنما يمتنع من: لا أدرى من قل علمه، وقصرت معرفته، وضعفت تقواه؛ لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الحاضرين، وهو جهالة منه، فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلمه يبوء بالإثم العظيم، ولا يرفعه ذلك عما عرف له من القصور، بل يستدل به على قصوره؛ لأنا إذا رأينا المحققين يقولون فى كثير من الأوقات: لا أدرى، وهذا القاصر لا يقولها أبدا علمنا أنهم يتورعون لعلمهم وتقواهم، وأنه يجازف لجهله، وقلة دينه، فوقع فيما فر منه، واتصف بما احترز منه، لفساد نيته وسوء طويته، وفى الصحيح عن رسول الله ﷺ : «المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبى زور». فصل: وينبغى للمعلم أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل، ويختبر بذلك أفهامهم ويظهر فضل الفاضل، ويثنى عليه بذلك، ترغيبا له وللباقين فى الاشتغال والفكر فى العلم، وليتدربوا بذلك ويعتادوه، ولا يعنف من غلط منهم فى كل ذلك إلا أن يرى تعنيفه مصلحة له، وإذا فرغ من تعليمهم أو إلقاء درس عليهم أمرهم بإعادته، ليرسخ حفظهم له، فإن أشكل عليهم منه شىء ما، عاودوا الشيخ فى إيضاحه. فصل: ومن أهم ما يؤمر به ألا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره، وهذه مصيبة يبتلى بها

стр. 45

_________ جهلة المعلمين لغباوتهم، وفساد نيتهم، وهو من الدلائل الصريحة على عدم إرادتهم بالتعليم وجه الله تعالى الكريم، وقد قدمنا عن على- رضى الله عنه- الإغلاظ فى ذلك، والتأكيد فى التحذير منه. وهذا إذا كان المعلم الآخر أهلا، فإن كان فاسقا أو مبتدعا أو كثير الغلط ونحو ذلك، فليحذر من الاغترار به. وبالله التوفيق. ينظر: المجموع (١/ ٥٤).

стр. 46

الفصل الثالث فى حد القراءات (١) والمقرئ والقارئ القراءات: علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوّا لناقله (٢). والمقرئ: من علم بها أداء ورواها (٣) مشافهة، فلو حفظ كتابا امتنع إقراؤه بما فيه إن لم يشافهه ممن يسوقه (٤) مسلسلا. والقارئ المبتدئ: من أفرد إلى ثلاث روايات، والمنتهى: من نقل أكثرها.

стр. 47

الفصل الرابع فى شرط (١) المقرئ وما يجب عليه وشرطه (٢) أن يكون [عالما] (٣) عاقلا [حرّا] (٤) مسلما مكلفا، ثقة مأمونا ضابطا، خاليا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة، أما إذا كان مستورا فهو ظاهر العدالة ولم تعرف عدالته الباطنة فيحتمل أنه يضره كالشهادة. قال المصنف: والظاهر أنه لا يضره؛ لأن العدالة الباطنة تعتبر (٥) معرفتها على غير الحكام، ففي اشتراطها حرج على [غير] (٦) الطلبة والعوام. ويجب عليه أن يخلص النية لله تعالى فى كل عمل يقربه إليه (٧)، وعلامة المخلص ما قاله ذو النون المصرى (٨) - رحمه الله تعالى-: أن (٩) يستوى عنده المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية الأعمال فى الأعمال، واقتضاء (١٠) ثواب الأعمال فى الآخرة. وليحذر كل الحذر من الرياء والحسد والحقد واحتقار غيره وإن كان دونه، والعجب، وقلّ من يسلم منها، فقد روى عن الكسائى أنه قال: صليت بالرشيد (١١) فأعجبتنى قراءتى،

стр. 48

فغلطت فى آية ما أخطأ فيها صبى قط، [أردت أن] (١) أقول: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١] فقلت (٢): «لعلهم يرجعين» قال: فو الله ما اجترأ هارون أن يقول لى أخطأت، ولكنه (٣) لما سلمت قال: يا كسائى أى لغة هذه؟ قلت: يا أمير المؤمنين: قد يعثر الجواد قال: أمّا فنعم. ومن هذا ما قاله الشيخ محيى الدين النواوى (٤) - رحمه الله تعالى-: وليحذر من كراهة قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يبتلى (٥) بها بعض المعلمين الجاهلين، وهى دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هى حجة قاطعة على عدم إرادته وجه الله تعالى، وإلا لماكره ذلك وقال لنفسه: أنا أردت (٦) الطاعة وقد حصلت. ويجب عليه قبل أن ينصب [نفسه] (٧) للاشتغال فى القراءة (٨) أن يعلم من الفقه ما يصلح به أمر دينه، وتندب (٩) الزيادة، حتى يرشد جماعته (١٠) فى وقوع أشياء من أمر دينهم. ويعلم من الأصول [قدر] (١١) ما يدفع به شبهة طاعن فى قراءة (١٢).

стр. 49

ومن النحو والصرف طرفا لتوجيه ما يحتاج إليه، بل هما أهم ما يحتاج إليه المقرئ، وإلا فخطؤه أكثر من إصابته، وما أحسن قول الإمام الحصرى (١) فيه: لقد يدّعى علم القراءات (٢) معشر ... وباعهم فى النّحو أقصر من شبر فإن قيل ما إعراب هذا ووجهه ... رأيت طويل الباع يقصر عن فتر (٣) ويعلم من التفسير واللغة (٤) طرفا صالحا. وأما معرفة الناسخ والمنسوخ فمن لوازم (٥) المجتهدين فلا يلزم المقرئ، خلافا للجعبرى (٦) ويلزمه حفظ كتاب يشتمل على القراءة التى يقرأ بها، وإلا داخله (٧) الوهم والغلط فى الأشياء (٨)، وإن قرأ بكتاب وهو غير حافظ فلا بد أن يكون ذاكرا كيفية (٩) تلاوته به حال تلقيه من شيخه، فإن شك فليسأل رفيقه أو غيره ممن قرأ بذلك الكتاب حتى يتحقق، وإلا فلينبه على ذلك فى الإجازة، فأما (١٠) من نسى أو ترك فلا يقرأ عليه إلا لضرورة، مثل أن ينفرد بسند عال أو طريق لا يوجد (١١) عند غيره، فحينئذ إن كان القارئ

стр. 50

عليه ذاكرا عالما بما يقرأ عليه جاز الأخذ عنه وإلا حرم. وليحذر الإقراء بما يحسن رأيا أو وجها أو لغة دون رواية، ولقد أوضح ابن مجاهد (١) غاية الإيضاح حيث قال: لا تغتر بكل مقرئ؛ إذ الناس طبقات، فمنهم من حفظ الآية والآيتين والسورة والسورتين ولا علم له غير ذلك، فلا تؤخذ (٢) عنه القراءة (٣)، ولا تنقل (٤) عنه الرواية، ومنهم من حفظ الروايات ولم يعلم معانيها ولا استنباطها من لغات (٥) العرب [ونحوها] (٦)، فلا يؤخذ عنه؛ لأنه ربما يصحف، ومنهم من علم العربية ولا يتبع المشايخ والأثر فلا تنقل (٧) عنه الرواية، ومنهم من فهم التلاوة وعلم الرواية وأخذ حظّا من الدراية من النحو واللغة فتؤخذ (٨) عنه الرواية ويقصد للقراءة، وليس الشرط أن يجتمع فيه جميع العلوم؛ إذ الشريعة واسعة والعمر قصير. انتهى [مختصرا] (٩). ويتأكد فى حقه تحصيل طرف صالح من أحوال الرجال والأسانيد، وهو من أهم ما يحتاج إليه، وقد وهم كثير لذلك فأسقطوا رجالا وسمّوا آخرين بغير أسمائهم وصحفوا أسماء رجال. ويتأكد أيضا ألا يخلى نفسه من الخلال (١٠) الحميدة: من التقلل من الدنيا والزهد فيها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والصبر والحلم ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، لكن لا يخرج إلى حد الخلاعة، وملازمة الورع والسكينة والتواضع.

стр. 51

الفصل الخامس فيما ينبغى للمقرئ أن يفعله ينبغى له تحسين (١) الزى دائما لقوله ﵇: «إنّ الله جميل يحبّ الجمال» (٢) وترك الملابس المكروهة وغير ذلك مما لا يليق به. وينبغى له ألا يقصد بذلك توصلا إلى غرض من أغراض الدنيا: من مال أو رئاسة (٣) أو وجاهة أو ثناء عند الناس أو صرف (٤) وجوههم إليه، أو نحو ذلك. وينبغى إذا جلس أن يستقبل (٥) القبلة على طهارة كاملة، وأن يكون جاثيا على ركبتيه، وأن يصون عينيه حال الإقراء عن تفريق نظرهما (٦) من غير حاجة، ويديه عن العبث، إلا أن يشير للقارئ إلى المد، والوصل، والوقف [وغير ذلك] (٧) مما مضى عليه السلف. وأن يوسع مجلسه ليتمكن جلساؤه فيه؛ كما روى أبو داود من حديث أبى سعيد الخدرى (٨) - رضى الله عنه- أن النبى ﷺ قال: «خير المجالس أوسعها» (٩).

стр. 52

وأن يقدم الأول فالأول، فإن أسقط الأول حقه لغيره قدمه، هذا ما عليه الناس. وروى أن حمزة كان يقدم الفقهاء، فأول من يقرأ عليه سفيان الثورى (١)، وكان السلمى (٢) وعاصم يبدآن بأهل المعايش؛ لئلا يحتبسوا (٣) عن معايشهم (٤)، والظاهر أنهما ما كانا يفعلان (٥) ذلك إلا فى حق جماعة يجتمعون للصلاة (٦) بالمسجد لا يسبق بعضهم بعضا، وإلا فالحق للسابق لا للشيخ. وأن يسوى بين الطلبة بحسبهم، إلا أن يكون أحدهم مسافرا أو يتفرس فيه النجابة (٧) أو غير ذلك.

стр. 53

الفصل السادس فى قدر ما يسمع وما ينتهى إليه سماعه الأصل أن هذا طاعة، فالطلبة فيه بحسب وسعهم، وأما ما روى عن السلف أنهم كانوا يقرءون ثلاثا ثلاثا وخمسا خمسا (١) وعشرا عشرا لا يزيدون على ذلك، فهذه حالة التلقين، وبلغت قراءة ابن مسعود (٢) على النبى ﷺ من أول النساء إلى قوله تعالى: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] وسمع نافع لورش القرآن [كله] (٣) فى خمسين يوما. وقرأ (٤) الشيخ نجم الدين (٥) - مؤلّف «الكنز» - القرآن كله جميعا (٦) على الشيخ تقى الدين [بن] (٧) الصائغ (٨) لما رحل إليه بمصر (٩) سبعة عشر يوما.

стр. 54

وقرأ شيخنا الشيخ شمس الدين [بن] (١) الجزرى على الشيخ شمس الدين بن الصائغ (٢) من أول النحل ليلة الجمعة، وختم ليلة الخميس فى ذلك الأسبوع- جمعا للقراء السبع (٣) ب «الشاطبية» و «التيسير» و «العنوان». قال: وآخر مجلس ابتدأت فيه من أول الواقعة، ولم أزل حتى ختمت. قال: وقدم رجل (٤) من حلب فختم لابن كثير فى خمسة أيام، وللكسائى فى [سبعة] (٥) أيام. وقرأ الشيخ شهاب الدين بن الطحان (٦) على الشيخ أبى العباس بن نحلة (٧) ختمة

стр. 55

لأبى عمرو من روايتيه فى يوم واحد، ولما ختم قال للشيخ: هل رأيت أحدا يقرأ هذه القراءة؟ فقال: لا تقل هكذا (١)، ولكن قل: هل رأيت شيخا يسمع هذا السماع؟ وأعظم ما سمعت (٢) فى هذا الباب أن الشيخ مكين الدين الأسمر (٣) دخل إلى الجامع بالإسكندرية، فوجد شخصا ينظر إلى أبواب الجامع، فوقع فى نفس المكين أنه رجل صالح وأنه يعزم على الرواح (٤) إلى جهته ليسلم عليه، ففعل ذلك، وإذا به [الشيخ] (٥) ابن وثيق (٦): ولم يكن لأحدهما معرفة بالآخر ولا رؤية، فلما سلم عليه قال للمكين (٧): أنت عبد الله بن منصور؟ قال: نعم، قال: ما جئت من [بلاد] (٨) الغرب إلا بسببك؛ لأقرئك (٩) القراءات فابتدأ عليه المكين فى تلك الليلة القرآن من أوله جمعا للسبع، وعند طلوع الشمس إذا به يقول: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: ٦] فختم عليه القرآن للسبع فى ليلة واحدة (١٠).

стр. 56

الفصل السابع فيما يقرئ (١) به لا يجوز له أن يقرئ (٢) إلا بما قرأ (٣) أو سمع؛ فإن قرأ نفس الحروف المختلف فيها خاصة، أو سمعها، أو ترك (٤) ما اتفق عليه، جاز إقراؤه القرآن بها اتفاقا بالشرط. وهو أن يكون ذاكرا ... إلى آخره كما (٥) تقدم. لكن لا يجوز له أن (٦) يقول: قرأت بها القرآن كله. وأجاز ابن مجاهد وغيره أن يقول المقرئ: قرأت برواية فلان القرآن، من غير تأكيد، إذا كان قرأ بعض القرآن. وهو قول لا يعول عليه؛ لأنه تدليس فاحش يلزم منه مفاسد كثيرة. وهل يجوز [له] (٧) أن يقرئ بما أجيز له (٨) على أنواع الإجازة؟ جوزه (٩) الجعبرى مطلقا، والظاهر أنه إن تلا (١٠) بذلك على غير ذلك الشيخ، أو سمعه، ثم أراد أن يعلى سنده بذلك الشيخ أو يكثر طرقه- جاز وحسن (١١)؛ لأنه جعلها متابعة. [وقد فعل ذلك أبو حيان ب «التجريد» وغيره عن ابن البخارى وغيره متابعة] (١٢) وكذا فعل الشيخ تقى الدين [بن] (١٣) الصائغ ب «المستنير» عن الشيخ كمال الدين الضرير (١٤) عن

стр. 57

السّلفى (١)، وقد قرأ بالإجازة أبو معشر الطبرى (٢)، وتبعه الجعبرى وغيره، وفى النفس منه شىء، ولا بد مع ذلك من اشتراط الأهلية.

стр. 58

الفصل الثامن فى الإقراء والقراءة فى الطريق قال الإمام مالك- رحمه الله تعالى-: ما أعلم القراءة تكون فى الطريق. وروى عن عمر بن عبد العزيز (١) أنه أذن فيها. وقال الشيخ محيى الدين النووى- رحمه الله تعالى-: وأما القراءة فى الطريق فالمختار: أنها جائزة غير مكروهة إذا لم يلته (٢) صاحبها، فإن التهى (٣) عنها كرهت، كما كره النبى ﷺ القراءة للناعس مخافة (٤) من الغلط (٥). قال شيخنا: وقرأت على ابن الصائغ فى الطريق غير مرة، تارة (٦) نكون ماشيين، وتارة يكون راكبا وأنا ماش. وأخبرنى غير واحد (٧) أنهم كانوا يستبشرون بيوم يخرج فيه لجنازة. قال القاضى محب الدين الحلبى (٨): كثيرا ما كان يأخذنى فى خدمته، فكنت أقرأ عليه

стр. 59

فى الطريق. قال عطاء بن السائب (١): كنا نقرأ على أبى عبد الرحمن السلمى وهو يمشى. قال السخاوى (٢): وقد عاب علينا قوم الإقراء فى الطريق. ولنا فى أبى عبد الرحمن السلمى أسوة حسنة، وقد (٣) كان لمن هو خير منه قدوة.

стр. 60

الفصل التاسع فى حكم الأجرة على الإقراء وقبول هدية القارئ أما الأجرة: فمنعها أبو حنيفة (١) والزهرى وجماعة؛ لقوله ﵇: «اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به» (٢). ولأن حصول العلم متوقف على معنى (٣) من قبل المتعلم [فيكون ملتزما بما] (٤) لا يقدر على تسليمه؛ فلا يصح. قال فى «الهداية»: وبعض المشايخ (٥) استحسن الإيجار على تعليم القرآن اليوم؛ لأنه قد ظهر التوانى فى الأمور الدينية، وفى الامتناع من ذلك تضييع حفظ القرآن، فأجازها (٦) الحسن (٧) وابن سيرين (٨) والشعبى (٩) إذا لم يشترط.

стр. 61

وأجازها مالك مطلقا سواء اشترط المعلم قدرا فى كل شهر، أو جمعة، أو يوم، أو غيرها، أو شرط (١) على كل [جزء] (٢) من القرآن كذا، أو لم يشترط (٣) شيئا من ذلك ودخل على الجهالة من الجانبين، هذا هو المعول عليه. وقال ابن الجلاب (٤) من المالكية: «لا يجوز إلا مشاهرة ونحوها». ومذهب مالك: أنه لا يقضى للمعلم بهدية الأعياد والجمع. وهل يقضى بالحذقة- وهى الصرافة (٥) - إذا جرى بها العرف، أو لا؟ قولان، الصحيح: نعم. قال سحنون (٦): وليس فيها شىء معلوم، وهى على قدر حال الأب.

стр. 62

قالوا: وإذا بلغ الصبى ثلاثة أرباع القرآن لم يكن لأبيه إخراجه، ووجبت الختمة، وتوقف (١) فى الثّلثين. فرع: (٢) هل يقضى على القارئ بإعطاء شىء إذا قرأ رواية؟ ولم أر فيها عند المالكية نصّا. والظاهر (٣) أن حكمها حكم الحذقة (٤). ومذهب الشافعى جواز أخذ الأجرة إذا شارطه واستأجره إجارة صحيحة. قال الأصفونى (٥) فى «مختصر الروضة»: ولو استأجره لتعليم قرآن عيّن السورة والآيات، ولا يكفى أحدهما على الأصح. وفى التقدير بالمدة وجهان، [أصحهما: يكفى] (٦). والأصح: أنه لا يجب تعيين قراءة نافع أو غيره، وأنه لو كان يتعلم وينسى يرجع فى وجوب إعادته إلى العرف، ويشترط كون المتعلم مسلما أو يرجى إسلامه. انتهى. وأما قبول الهدية فامتنع منه (٧) جماعة من السلف والخلف، تورعا وخوفا من أن يكون بسبب القراءة. وقال النووى- ﵀: ولا يشين المقرئ طمع فى رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، سواء كان الرفق مالا أو خدمة، وإن قل، ولو كان على صورة الهدية التى لولا قراءته [عليه] (٨) لما أهداها إليه.

стр. 63

الفصل العاشر فى أمور تتعلق بالقصيدة (١) من عروض وإعراب وغيرها اعلم أن هذه القصيدة من الرجز (٢)، ووزنه: مستفعلن، ست مرات، من أول أعاريضه وهو التام. وله ضربان: تام (٣)، وهو الذى لم يتغير وتده (٤). ومقطوع: وهو ما حذف آخر وتده وسكن ما قبله. وهما واقعان فى القصيدة، إلا أن بعض الأبيات يقع عروضه مقطوعا، كقوله: وامنع يؤاخذ وبعادا الاولى ... ... .... [وما علمت له وجها] (٥) وكثيرا ما وقع (٦) فى ألفية ابن مالك (٧) وابن معط (٨)، [ولم أر

стр. 64

من العروضيين من ذكر ذلك مع كثرة الفحص عنه إلا فى كلام الشيخ العلامة بدر الدين الدمامينى (١) ﵀ فى شرحه للخزرجية؛ فإنه قال: استدرك بعضهم للرجز عروضا مقطوعا ذات ضرب مقطوع، وأنشد على ذلك: لأطرقنّ حصنهم صباحا ... وأبركنّ مبرك النّعامة] (٢) ويدخل فى هذا البحر من الزحاف (٣)، الخبن: وهو حذف سين «مستفعلن» فينقل إلى متفعلن، والطى: وهو حذف فائه، فإنه ينقل (٤) إلى مستعلن. والخبل: وهو اجتماع الخبن والطى، فينتقل (٥) إلى: فعلتن. وعروض هذا البحر وضربه يدخلهما من الزحاف ما يدخل الحشو، إلا (٦) هذا الضرب المقطوع فيدخله الخبن خاصة. واعلم أن المصنف- أثابه الله تعالى- بالغ فى اختصار هذه القصيدة [جدّا] (٧) حتى حوت

стр. 65

على صغر (١) حجمها عشر قراءات من طرق كثيرة، ومخارج الحروف، ونبذة من التجويد، ومن الوقف والابتداء، وغير ذلك مما هو مذكور فيها، فلذلك دعته الضرورة إلى ارتكاب أشياء مخالفة للأصل، تارة من جهة العروض، [وتارة من جهة العربية، وتارة من جهة القافية] (٢)، لكن كلها وقعت لغيره من فصحاء العرب (٣).

стр. 66

أما الأول فكثيرا ما يستعمل الزحافات المتقدمة (١). وأما الثانى (٢) فكثيرا ما يحذف من اللفظ شيئا، إما حركة أو حرفا (٣) أو أكثر (٤) منه، فالحركة؛ كقوله فى الإدغام: حجّتك بذل قثم فلذا (٥) سكنت الكاف (٦)، [وهو كثير فى كلامه] (٧)، وهذا (٨) كثير فى كلامهم؛ كقوله: ... ... ... وقد بدا هنك من المئزر (٩)

стр. 67

وقوله: فاليوم أشرب غير مستحقب ... ... ... ... (١)

стр. 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 69

وقوله: ... ... ... ... ... فلا تعرفكم العرب (١) والحرف أنواع، منها واو العطف؛ كقوله: صفاتها جهر ورخو مستفل ... منفتح مصمتة والضّدّ قل وقوله: وصاد ضاد طاء ظاء مطبقة وقوله: كهمز الحمد أعوذ اهدنا وهى (٢) مسألة خلاف (٣) اختار ابن مالك والفارسى (٤) وابن عصفور (٥) جوازه، قالوا:

стр. 70

لقوله ﷺ : «تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع برّه» (١) أى: ومن، وكقول (٢) الشاعر: كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا ... يزرع الودّ (٣) فى فؤاد الكريم (٤) ومنها حذف الهمز (٥) من آخر كلمة ممدودة، وهو المعبر عنه بقصر الممدود؛ كقوله: والرّا يدانيه لظهر أدخل وقوله (٦): والطّاء والدّال وتا منه ومن (٧) وقوله: فالفا مع (٨) اطراف الثّنايا المشرفة وهذا جائز مطلقا؛ لضرورة الشعر عند الجمهور؛ كقوله: لا بدّ (٩) من صنعا وإن طال السّفر (١٠)

стр. 71

وقال الفراء (١): لا يجوز إلا إذا كان له بعد القصر نظير (٢) فى الصحيح، فلا يجوز (٣) قصر «حمراء» و «أنبياء» (٤)؛ لأن مؤنث «أفعل» لم يأت إلا ممدودا، و «أنبياء» يؤدى قصره إلى وزن لا يكون عليه الجمع. ومنها حذفه من أولها؛ كحذف همزة القطع، كهمزة (٥) «أطراف» فى الشطر المتقدم، وهو كالذى قبله (٦). ومنها حذف التنوين؛ كحذفه من «صاد» و «طاء» فى الشطر المتقدم، ومن الجيم (٧) فى قوله: أسفل والوسط فجيم الشّين يا ... ... ... ... وهو جائز كقراءة [غير] (٨) عاصم، والكسائى: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] ورواية (٩) أبى هارون (١٠) عن أبى عمرو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ [الإخلاص: ١، ٢]، وقول الشاعر: تذهل (١١) الشّيخ عن بنيه وتبدى ... عن خدام (١٢) العقيلة العذراء والزائد على الحرف؛ كقوله: والكلّ أولاها وثانى العنكبا أى: العنكبوت.

стр. 72

وقوله: وليتلطّف وعلى الله ولا الض أى: ولا الضّالّين. وهو جائز فى الشعر؛ كقوله (١): ذمّ المنا بمتالع (٢) فأبانا أى: ذمّ المنازل، والله أعلم. وأما الثالث (٣): فكثيرا ما يقع له فى [القافية] (٤) سناد (٥) التوجيه، والتوجيه: [هو] (٦) حركة ما قبل الروىّ المقيد (٧)، وسناد التوجيه: اختلاف تلك الحركة؛ بأن تكون قبل الروى المقيد فتحة [مع ضمة أو كسرة] (٨)؛ كقول (٩) الناظم: ... قالوا وهم ثم قال: ... ... ... قل (١٠) نعم وقوله: وهمز وصل من كآلله أذن ... ... ... ... ثم قال: ... ... ... واقصرن ... ... وقوله: .. .. ومن يمدّ ... قصّر [سوآت] (١١) وبعض خصّ مدّ

стр. 73

واختلف فى سناد التوجيه؛ فقال الخليل: تجوز الضمة مع الكسرة، وتمنع الفتحة مع أحدهما. وقال الأخفش (١): ليس بعيب (٢)؛ ولذا سمى (٣) بالتوجيه؛ لأن الشاعر له أن يوجهه (٤) إلى أى جهة شاء من الحركات. وهذا اختيار ابن القطاع (٥) وابن الحاجب (٦) [وغيرهما] (٧)، وهو الصحيح. وقيل: يمنع مطلقا. والله تعالى أعلم. [وهذا أو ان الشروع فى المقصود] (٨).

стр. 74

شرح القصيدة [قال الناظم- أثابه الله تعالى-] (١): [المقدمة] ص: قال محمّد هو ابن الجزرى ... يا ذا الجلال ارحمه واستر واغفر ش: (قال): فعل ماض [واوى العين] (٢) ثلاثى، ناصب لمفعولين عند بنى سليم بعد استيفاء فاعله، ولواحد عند الجمهور، ثم إن كان مفردا [سواء كان معناه] (٣) مفردا أو مركبا؛ نحو: قال زيد كلمة وشعرا- نصب لفظه، وإن كان جملة نصب محله، وحكى لفظ الجملة بلا تغيير، ومحكى القول هنا: (الحمد لله)، إلى آخر الكتاب، فجملة (٤) (يا ذا الجلال) معترضة لا محل لها من الإعراب، وربما تحتمل (٥) الدخول فى الحكاية، وعليه أيضا فلا محل لها؛ لأن نسبتها إلى مفعول القول كنسبة الزاى من «زيد» إليه، لا يقال: إن كل جملة صدق عليها أنها محكية؛ لأنه يلزم منه تقدير القول، وتقدير [القول] (٦) (عاطف كلاهما) فى كل جملة، وعدم الحكم على شىء من جمل الكتاب كله بأنها فى محل رفع أو جر أو نصب بغير القول والله تعالى أعلم. و «محمد»: فاعله، و «هو ابن الجزرى» جملة معترضة لا محل لها (٧) من الإعراب، و [قال بعضهم] (٨) ربما يؤخذ من كلام ابن مالك فى باب الفصل من «التسهيل» جواز وقوع ضمير الفصل بين الموصوف وصفته، فعلى هذا يجوز إعراب «هو» ضمير فصل، و «ابن الجزرى» صفة (٩). قلت: ولا وجود له فى كلامهم (١٠)، [والله أعلم] (١١). و (ذا الجلال): منادى مضاف (١٢)، و (ارحمه) طلبية، وكذا تاليتاها، ومفعول (استر) محذوف؛ لأنه منصوب، وكذا متعلق (اغفر) وهو (له)؛ لأنه ملحق بالفضلات. فإن قلت: كان المناسب التعبير بالمستقبل فلم عدل عنه؟ قلت: يحتمل أنه أخر وضع هذا البيت إلى أن فرغ من الكتاب، وحينئذ فلا يرد السؤال، ويحتمل أنه قدمه والمستقبل المحقق (١٣) الوقوع يعبر عنه بالماضى كقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١]، فيكون الناظم نزّل هذا الكتاب منزلة المحقّق (١٤) الوقوع؛

стр. 75

لكونه قادرا بنفسه على فعله لاجتماع أسبابه وارتفاع موانعه. فإن قلت: هل يجاب بأنه عبر بالماضى عن المستقبل؟ قلت: فيه بعد، والظاهر عدمه؛ لأنه مجاز. فإن قلت: الجواب الثانى أيضا فيه مجاز. قلت: هو أكثر وأشهر، بل صار حقيقة عرفية؛ فهو مقدم. فإن قلت: الجزرى صفة جده لا أبيه. قلت: الجد أيضا أب، كقوله (١) تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ... الآية [النساء: ٢٢]، أو نسب نفسه له لشهرته به. فإن قلت: ما الحكمة فى الإتيان بالشطر الثانى؟ قلت: الإشارة إلى أن هذا النظم الذى هو من أعماله وإن كان عملا صالحا، وكذلك جميع الأعمال، [ليس] (٢) هو موجبا للفوز الأخروى، وأنه [غير] (٣) ناظر إليه و [لا] (٤) معتمد عليه، وأن الفوز إنما يحصل برحمة الله تعالى. [ومن رحمة الله تعالى] (٥) أن ييسر للعبد فى الدنيا أفعال الخير ولذلك خص الدعاء بالرحمة إشارة إلى قوله (٦) ﷺ : «لن يدخل أحد الجنّة بعمله» (٧) قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا، إلّا أن يتغمّدنى الله برحمته». وأكد طلب الرحمة ثانيا بقوله: (استر) وهو من ذكر الخاص بعد العام؛ لأنه إذا ستره غفر له ذلك الذنب الذى ستره منه، والستر أيضا ضرب من الرحمة، ثم أكد طلب الرحمة ثالثا بطلب المغفرة التى هى أهم (٨) أنواع الرحمة فى حقه، وهو ترتيب حسن جدّا،
следующие страницы →