← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38740

شرح طيبة النشر للنويري

النويري، محب الدين

Полный текст (1 292 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال الفراء (١): لا يجوز إلا إذا كان له بعد القصر نظير (٢) فى الصحيح، فلا يجوز (٣) قصر «حمراء» و «أنبياء» (٤)؛ لأن مؤنث «أفعل» لم يأت إلا ممدودا، و «أنبياء» يؤدى قصره إلى وزن لا يكون عليه الجمع. ومنها حذفه من أولها؛ كحذف همزة القطع، كهمزة (٥) «أطراف» فى الشطر المتقدم، وهو كالذى قبله (٦). ومنها حذف التنوين؛ كحذفه من «صاد» و «طاء» فى الشطر المتقدم، ومن الجيم (٧) فى قوله: أسفل والوسط فجيم الشّين يا ... ... ... ... وهو جائز كقراءة [غير] (٨) عاصم، والكسائى: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] ورواية (٩) أبى هارون (١٠) عن أبى عمرو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ [الإخلاص: ١، ٢]، وقول الشاعر: تذهل (١١) الشّيخ عن بنيه وتبدى ... عن خدام (١٢) العقيلة العذراء والزائد على الحرف؛ كقوله: والكلّ أولاها وثانى العنكبا أى: العنكبوت.

стр. 72

وقوله: وليتلطّف وعلى الله ولا الض أى: ولا الضّالّين. وهو جائز فى الشعر؛ كقوله (١): ذمّ المنا بمتالع (٢) فأبانا أى: ذمّ المنازل، والله أعلم. وأما الثالث (٣): فكثيرا ما يقع له فى [القافية] (٤) سناد (٥) التوجيه، والتوجيه: [هو] (٦) حركة ما قبل الروىّ المقيد (٧)، وسناد التوجيه: اختلاف تلك الحركة؛ بأن تكون قبل الروى المقيد فتحة [مع ضمة أو كسرة] (٨)؛ كقول (٩) الناظم: ... قالوا وهم ثم قال: ... ... ... قل (١٠) نعم وقوله: وهمز وصل من كآلله أذن ... ... ... ... ثم قال: ... ... ... واقصرن ... ... وقوله: .. .. ومن يمدّ ... قصّر [سوآت] (١١) وبعض خصّ مدّ

стр. 73

واختلف فى سناد التوجيه؛ فقال الخليل: تجوز الضمة مع الكسرة، وتمنع الفتحة مع أحدهما. وقال الأخفش (١): ليس بعيب (٢)؛ ولذا سمى (٣) بالتوجيه؛ لأن الشاعر له أن يوجهه (٤) إلى أى جهة شاء من الحركات. وهذا اختيار ابن القطاع (٥) وابن الحاجب (٦) [وغيرهما] (٧)، وهو الصحيح. وقيل: يمنع مطلقا. والله تعالى أعلم. [وهذا أو ان الشروع فى المقصود] (٨).

стр. 74

شرح القصيدة [قال الناظم- أثابه الله تعالى-] (١): [المقدمة] ص: قال محمّد هو ابن الجزرى ... يا ذا الجلال ارحمه واستر واغفر ش: (قال): فعل ماض [واوى العين] (٢) ثلاثى، ناصب لمفعولين عند بنى سليم بعد استيفاء فاعله، ولواحد عند الجمهور، ثم إن كان مفردا [سواء كان معناه] (٣) مفردا أو مركبا؛ نحو: قال زيد كلمة وشعرا- نصب لفظه، وإن كان جملة نصب محله، وحكى لفظ الجملة بلا تغيير، ومحكى القول هنا: (الحمد لله)، إلى آخر الكتاب، فجملة (٤) (يا ذا الجلال) معترضة لا محل لها من الإعراب، وربما تحتمل (٥) الدخول فى الحكاية، وعليه أيضا فلا محل لها؛ لأن نسبتها إلى مفعول القول كنسبة الزاى من «زيد» إليه، لا يقال: إن كل جملة صدق عليها أنها محكية؛ لأنه يلزم منه تقدير القول، وتقدير [القول] (٦) (عاطف كلاهما) فى كل جملة، وعدم الحكم على شىء من جمل الكتاب كله بأنها فى محل رفع أو جر أو نصب بغير القول والله تعالى أعلم. و «محمد»: فاعله، و «هو ابن الجزرى» جملة معترضة لا محل لها (٧) من الإعراب، و [قال بعضهم] (٨) ربما يؤخذ من كلام ابن مالك فى باب الفصل من «التسهيل» جواز وقوع ضمير الفصل بين الموصوف وصفته، فعلى هذا يجوز إعراب «هو» ضمير فصل، و «ابن الجزرى» صفة (٩). قلت: ولا وجود له فى كلامهم (١٠)، [والله أعلم] (١١). و (ذا الجلال): منادى مضاف (١٢)، و (ارحمه) طلبية، وكذا تاليتاها، ومفعول (استر) محذوف؛ لأنه منصوب، وكذا متعلق (اغفر) وهو (له)؛ لأنه ملحق بالفضلات. فإن قلت: كان المناسب التعبير بالمستقبل فلم عدل عنه؟ قلت: يحتمل أنه أخر وضع هذا البيت إلى أن فرغ من الكتاب، وحينئذ فلا يرد السؤال، ويحتمل أنه قدمه والمستقبل المحقق (١٣) الوقوع يعبر عنه بالماضى كقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١]، فيكون الناظم نزّل هذا الكتاب منزلة المحقّق (١٤) الوقوع؛

стр. 75

لكونه قادرا بنفسه على فعله لاجتماع أسبابه وارتفاع موانعه. فإن قلت: هل يجاب بأنه عبر بالماضى عن المستقبل؟ قلت: فيه بعد، والظاهر عدمه؛ لأنه مجاز. فإن قلت: الجواب الثانى أيضا فيه مجاز. قلت: هو أكثر وأشهر، بل صار حقيقة عرفية؛ فهو مقدم. فإن قلت: الجزرى صفة جده لا أبيه. قلت: الجد أيضا أب، كقوله (١) تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ... الآية [النساء: ٢٢]، أو نسب نفسه له لشهرته به. فإن قلت: ما الحكمة فى الإتيان بالشطر الثانى؟ قلت: الإشارة إلى أن هذا النظم الذى هو من أعماله وإن كان عملا صالحا، وكذلك جميع الأعمال، [ليس] (٢) هو موجبا للفوز الأخروى، وأنه [غير] (٣) ناظر إليه و [لا] (٤) معتمد عليه، وأن الفوز إنما يحصل برحمة الله تعالى. [ومن رحمة الله تعالى] (٥) أن ييسر للعبد فى الدنيا أفعال الخير ولذلك خص الدعاء بالرحمة إشارة إلى قوله (٦) ﷺ : «لن يدخل أحد الجنّة بعمله» (٧) قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا، إلّا أن يتغمّدنى الله برحمته». وأكد طلب الرحمة ثانيا بقوله: (استر) وهو من ذكر الخاص بعد العام؛ لأنه إذا ستره غفر له ذلك الذنب الذى ستره منه، والستر أيضا ضرب من الرحمة، ثم أكد طلب الرحمة ثالثا بطلب المغفرة التى هى أهم (٨) أنواع الرحمة فى حقه، وهو ترتيب حسن جدّا،

стр. 76

والله أعلم. ص: الحمد لله على ما يسّره ... من نشر منقول حروف العشرة ش: (الحمد لله): اسمية (١)، وفى خبرها الخلاف المشهور: هل الجار والمجرور أو متعلّقه وهو الأصح؟ وهل المتعلّق اسم، وهو الأصح، أو فعل؟ وهل ضمير المتعلّق انتقل إلى المتعلّق وهو الأصح أو على حاله؟ وإنما عدل إلى الرفع فى (الحمد [لله)] (٢) ليدل على عمومه وثبوته له دون تجدده وحدوثه، وهو من المصادر التى تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تستعمل معها، والتعريف فيه للجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد، أو للاستغراق (٣)؛ إذ الحمد فى الحقيقة كله لله، إذ ما من خير إلا وهو موليه بواسطة أو بغير واسطة، [كما] (٤) قال تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣] ومنه إشعار بأن الله تعالى حى قادر مريد عالم، إذ الحمد لا يستحقه إلا من هذا شأنه. والحمد: هو الثناء باللسان على قصد التعظيم سواء تعلق بالفضائل أو بالفواضل. والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما، سواء كان قولا باللسان أو عملا بالأركان أو اعتقادا أو محبة بالجنان (٥)؛ فعلى هذا لا يكون مورد الحمد إلا اللسان، ومتعلقه تارة يكون نعمة وتارة غيرها (٦)، ومتعلق الشكر لا يكون إلا النعمة، ومورده يكون اللسان وغيره (٧). فالحمد على هذا [يكون] (٨) أعمّ من الشكر باعتبار المتعلّق وأخصّ باعتبار المورد، والشكر أعم باعتبار المورد وأخص باعتبار المتعلق: فبينهما عموم وخصوص من وجه، فالثناء باللسان فى مقابلة الفواضل يصدقان عليه، وفى مقابلة الفضائل حمد، والثناء بالجنان أو الأركان شكر (٩).

стр. 77

_________ حمدت الرجل على ما أنعم به، وحمدته على شجاعته، ويكون باللسان وحده، دون عمل الجوارح، إذ لا يقال: حمدت زيدا أى: عملت له بيدى عملا حسنا، بخلاف الشكر؛ فإنه لا يكون إلا على نعمة مبتدأة إلى الغير. يقال: شكرته على ما أعطانى، ولا يقال: شكرته على شجاعته، ويكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: ١٣] وقال الشاعر: أفادتكم النعماء منى ثلاثة ... يدى ولسانى والضمير المحجبا فيكون بين الحمد والشكر عموم وخصوص من وجه ذكره ابن عادل الحنبلى، ثم قال: وقيل: الحمد هو الشكر؛ بدليل قولهم: «الحمد لله شكرا». وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، والحمد أعم من الشكر. وقيل: الحمد: الثناء عليه تعالى بأوصافه، والشكر: الثناء عليه بأفعاله، فالحامد قسمان: شاكر ومثن بالصفات الجميلة. وقيل: الحمد مقلوب من المدح، وليس بسديد- وإن كان منقولا عن ثعلب؛ لأن المقلوب أقل استعمالا من المقلوب منه، وهذان مستويان فى الاستعمال، فليس ادعاء قلب أحدهما من الآخر أولى من العكس، فكانا مادتين مستقلتين. وأيضا فإنه يمتنع إطلاق المدح حيث يجوز إطلاق الحمد، فإنه يقال: حمدت الله- تعالى- ولا يقال: مدحته، ولو كان مقلوبا لما امتنع ذلك. ولقائل أن يقول: منع من ذلك مانع، وهو عدم الإذن فى ذلك. وقال الراغب: «الحمد لله»: الثناء بالفضيلة، وهو أخص من المدح، وأعم من الشكر، فإن المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره، وما يكون منه بغير اختيار، فقد يمدح الإنسان بطول قامته، وصباحة وجهه، كما يمدح ببذل ماله وشجاعته وعلمه، والحمد يكون فى الثانى دون الأول. قال ابن الخطيب- رحمه الله تعالى-: الفرق بين الحمد والمدح من وجوه: أحدها: أن المدح قد يحصل للحى، ولغير الحى، ألا ترى أن من رأى لؤلؤة فى غاية الحسن، فإنه يمدحها؟ فثبت أن المدح أعم من الحمد. الثانى: أن المدح قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده، أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان. الثالث: أن المدح قد يكون منهيّا عنه؛ قال ﵊: «احثوا التراب فى وجوه المداحين». أما الحمد فإنه مأمور به مطلقا؛ قال- ﵊: «من لم يحمد الناس لم يحمد الله». الرابع: أن المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصّا بنوع من أنواع الفضائل. وأما الحمد فهو القول الدال على كونه مختصّا بفضيلة معينة، وهى فضيلة الإنعام والإحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد. وأما الفرق بين الحمد والشكر، فهو أن الحمد يعم إذا وصل ذلك الإنعام إليك أو إلى غيرك، وأما الشكر، فهو مختص بالإنعام الواصل إليك. وقال الراغب- ﵀: والشكر لا يقال إلا فى مقابلة نعمة، فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكرا، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدا. ويقال: فلان محمود إذا حمد، ومحمد وجد محمودا، ومحمد كثرت خصاله المحمودة. وأحمد أى: أنه يفوق غيره فى الحمد ينظر اللباب (١/ ١٦٨ - ١٧٠).

стр. 78

والله: اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد (١).

стр. 79

فإن قلت: ما الحكمة فى تقديم الحمد؟ قلت: الاهتمام به لكون المقام مقام الحمد، وكذا قال فى الكشاف فى قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] وإن كان ذكر الله تعالى أهم باعتبار ذاته، لكن اعتبار المقام مقدم. والصحيح أن الاسم الكريم عربى. وقال البلخى: سريانى معرب. واختلف فى اشتقاقه: فقال سيبويه (١) والإمام الشافعى: هو جامد، وهو أحد قولى الخليل. وقال غيرهم: مشتق من «أله الرجل»: فزع [إليه] (٢)، إلها (٣): فعالا، بمعنى: مفعول، أو من «ولهه»: أحبه، فأبدلت الواو همزة، أو من «لاه»: احتجب، ثم زيدت «أل» عهدية أو جنسية، [وحذفت الهمزة على الأولين] (٤) ونقلت (٥)، وفخم (٦) للمعبود الحق (٧)، ولزمت اللام للعلمية. و (على ما يسره): متعلّق (٨) بمتعلق الخبر، و «ما»: موصول اسمى أو حرفى، و (يسره): صلته، و (من نشر ... ) [إلخ] (٩) جار ومجرور ومضافات (١٠)، و (من): بيان ل (ما) وأراد ب (نشر) منقول كتابه المسمى ب «النشر». حمد الله تعالى أولا لا لأجل شىء بل لكونه مستحقّا للحمد بذاته وهو أبلغ. وثانيا: لكونه منعما ومتفضلا.

стр. 80

وافتتح كتابه بالحمد تأسيا بما هو متعلق به وهو القرآن، ولما أخرجه (١) أبو داود من حديث أبى هريرة (٢) - رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «كلّ أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» (٣) ويروى: [«كلّ كلام»] (٤)، ويروى: «بذكر الله» ويروى: «فهو أقطع» وهى مفسرة (٥) ل «أجذم» (٦)، أى: مقطوع عن الخير والبركة. وفى هذا البيت من أنواع البديع: براعة الاستهلال. ولما افتتح بالحمد ثنّى بالصلاة على النبى (٧) ﷺ فقال: ص: ثمّ الصّلاة والسّلام السّرمدى ... على النّبىّ المصطفى محمّد ش: (ثم): حرف عطف يقتضى التشريك والترتيب والمهلة على الأصح فى [الثلاثة] (٨)، و (الصلاة) مبتدأ، و (السلام): معطوف،

стр. 81

و (السرمدى) [الدائم] (١): صفته (٢)، و (على النبى): خبر، وفيه ما فى (الحمد [لله]) (٣)، و (المصطفى): صفته، و (محمد): بدل أو بيان، وفيه عطف (٤) جملة [على] (٥) أخرى ولا محل لها، كالمعطوف عليها. والصلاة لغة: الدعاء [بخير] (٦)، ومنه قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٣]، وقوله ﷺ : «اللهمّ صلّ على فلان» (٧) وهى من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس الدعاء. وعرفها بلام الجنس أو الاستغراق؛ لتفيد الشمول، وجعل الجملة اسمية؛ لتفيد (٨) الثبوت والدوام.

стр. 82

وأصل الدعاء: أن يكون بصيغة الأمر؛ كقوله تعالى: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا [البقرة: ٢٨٦] وأتى به الناظم بلفظ الخبر تفاؤلا بالإجابة، وعطف (السلام) عليها؛ لما سيأتى. والسرمدى: [الدائم] (١)، والنبى: بشر نزل عليه الملك بوحى من عند الله، وهل هو مرادف للرسول [قال التفتازانى] (٢): وهو الأصح، أو الرسول أخص؟ فيقال: الرسول: من أرسل إلى غيره، والنبى: من أوحى إليه، وهو رأى جماعة. والمصطفى: المختار، مأخوذ من الصفوة: وهو (٣) الخالص (٤) من الكدر. وأصله «مصتفى» قلبت التاء طاء؛ لمجاورتها حرف الإطباق. و «محمد» علم منقول (٥) من الوصف. أردف الحمد بالصلاة على النبى ﷺ ؛ لأن الله تعالى قرن اسمه باسمه نحو [قوله تعالى] (٦) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء: ١٣] ولقوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ [الأحزاب: ٥٦]، وقال بعضهم فى قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الانشراح: ٤]: لا أذكر (٧) إلا ذكرت معى، قاله القاضى عياض (٨) فى «الشفاء»، و [فى] (٩) الحديث: «أما يرضيك يا محمّد ألّا يصلّى عليك أحد من أمّتك إلّا صلّيت عليه عشرا، ولا يسلّم عليك

стр. 83

إلّا سلّمت عشرا؟» (١) ولهذا الحديث عطف (السلام) على (الصلاة)، ولاقترانه به فى الأمر بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: ٥٦]. وعن أبى سعيد: «ما من قوم يقعدون ثمّ يقومون ولا يصلّون على النّبىّ ﷺ ، إلّا كان عليهم حسرة يوم القيامة» (٢). ثم عطف فقال: ص: وآله وصحبه ومن تلا ... كتاب ربّنا على ما أنزلا ش: (وآله) عطف على النبى ﷺ ، وأصله: أهل، أو: أول (٣) وسيأتى تصريفه،

стр. 84

خصّ (١) استعماله فى الأشراف وأولى الحظوة (٢). وآل النبى ﷺ : قيل: أتباعه. وقيل: أمته، واختاره الأزهرى (٣) وغيره من المحققين. وقيل: أهل بيته (٤) وذريته. وقيل: أتباعه من رهطه وعشيرته.

стр. 85

وقيل: آل الرجل: نفسه؛ ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صل على آل محمد. وفى الحديث: «اللهم صلّ على آل إبراهيم» (١). و (صحبه): معطوف أيضا، وهو اسم جمع ل «صاحب»، ك «ركب وراكب». وقال الجوهرى (٢): هما جمعان. والصحابى: من لقى النبى ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام ولو تخللت ردة، على (٣) الأصح. والمراد باللقاء- ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر وإن لم يكلمه. و (من): موضوعة للعقلاء، وهى هنا (٤) موصولة وصلتها (تلا)، ووحّد مرفوع (تلا) (٥) باعتبار لفظ (من). و (كتاب): مفعول (تلا) وهو: الكلام المنزل للإعجاز. و (ربنا): مضاف إليه ومضاف باعتبارين. والرب: المالك، وهو فى الأصل بمعنى التربية، وهى (٦): تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا، ثم وصف به للمبالغة، كالصوم والعدل، وقيل: هو نعت من: ربّه يربّه فهو ربّ، سمى به المالك؛ لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه، ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا؛ كقوله تعالى: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨]. و (على): متعلق (٧) ب (تلا)، و (ما): موضوعة لما لا يعقل، وهى هنا موصولة، أى:

стр. 86

على الوجه الذى أنزل [الكتاب] (١) عليه، والعائد المجرور ب «على» حذف لكون الموصول جرّ بمثله. وأتبع (٢) الآل بالأصحاب (٣)؛ لقوله (٤) ﷺ : «قولوا: اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمد»، ويصدق (٥) «الآل» على «الصحب» فى قول (٦)، وأتبع التالين؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ [التوبة: ١٠٠]، ولقوله تعالى: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ [الحشر: ١٠]. ثم استأنف فقال: ص: وبعد فالإنسان ليس يشرف ... إلّا بما يحفظه ويعرف ش: (بعد): ظرف مكان مبهم، وتعيّنه الإضافة، فإذا حذف مضافه منويّا (٧) بنى وضمّ توفية للمقتضى (٨)، والعامل فيه «أمّا» مقدرة (٩)؛ لنيابتها عن الفعل، والأصل: مهما يكن من شىء [ف] بعد الحمد والثناء، و «مهما» هنا مبتدأ، والاسمية لازمة للمبتدإ، و «يكن»: شرط، والفاء لازمة (١٠) له غالبا، فحين تضمنت «أما» معنى الابتداء والشرط لزمتها، ولصوق الاسم إقامة اللازم مقام الملزوم وإبقاء لأثره فى الجملة، و (الإنسان): مبتدأ، و (ليس) ومعمولاها: خبره، و (إلا بما يحفظه ويعرف) (١١): استثناء مفرغ. وابتداء الناظم- رضى الله عنه- المقصود ب «أما [بعد]» (١٢)، تيمّنا واقتداء بالنبى ﷺ ؛ لأنه (١٣) كان يبتدئ بها خطبه (١٤)، وقد عقد البخارى لذلك بابا فى صحيحه (١٥)، وذكر فيه جملة أحاديث، قيل: وأول (١٦) من تكلم بها داود ﵇. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: قسّ بن ساعدة.

стр. 87

وقال بعض المفسرين: إنه فصل الخطاب الذى أوتيه داود. والمحققون على أنه فصل (١) بين الحق والباطل، أى: أما بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ فهذه جملة فى فضل قارئ القرآن. ثم مهد قبل ذلك قاعدة، وهى أن كل إنسان لا يفضل ويشرف إلا بما يحفظ ويعرف، ولا يكبر ولا ينجب إلا بمن (٢) يقارن (٣) ويصحب (٤)، ومن هذا قوله ﵊ (٥) «يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من (٦) يخالل» (٧)؛ ولذلك قال ﵊: «لو كنت متّخذا خليلا غير ربّى ... » الحديث (٨). ومنه قول ابن حزم (٩): عليك بأرباب الصّدور فمن غدا ... جليسا (١٠) لأرباب الصّدور تصدّرا وإيّاك أن ترضى بصحبة (١١) ناقص ... فتنحطّ (١٢) قدرا من علاك وتحقرا فرفع أبو من ثمّ خفض مزمّل ... يبيّن قولى مغريا (١٣) ومحذّرا وفى الحديث: «الجليس الصّالح كصاحب المسك إن لم يصبك منه أصابك من ريحه،

стр. 88

والجليس السّوء كصاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه» (١) أخرجه أبو داود. وإذا كان الجليس له هذا التعدى وجب على كل عاقل فى وقتنا هذا أن يعتزل الناس ويتخذ الله جليسا والقرآن ذكرا؛ فقد ورد «أنا جليس من ذكرنى» (٢) «وأهل القرآن هم أهل الله وخاصّته» (٣). وخاصة الملك: جلساؤه فى أغلب (٤) أحوالهم، فمن كان الحقّ جليسه فهو أنيسه؛ فلا بد أن ينال من مكارم خلقه [على] (٥) قدر زمان مجالسته، ومن جلس إلى (٦) قوم يذكرون الله فإن الله يدخله معهم فى رحمته؛ فإنهم القوم الذين لا يشقى [بهم] (٧) جليسهم، فكيف يشقى من كان الحق جليسه؟ وهذا على سبيل الاستطراد والله تعالى أعلم (٨). ص: لذاك كان حاملو القرآن ... أشراف الامّة أولى الإحسان ش: اللام تعليلية، و (ذاك): اسم إشارة للبعيد (٩). فإن قلت: كان الأولى (١٠) التعبير ب «الذى» للقريب [وهو (ذا)] (١١). قلت: لما كانت الأصحاب الرفيعة والأقران الغير الشنيعة يحصل للنفس منهما كلّ

стр. 89

وتعب وقلق وملال ونصب، بحيث صارت [تأبى القرب منهما] (١) ولا تنقاد للرد لديهما (٢) بل عنهما- نزّل المذكور لهذا (٣) منزلة البعيد فلم يعبر عنه بما يعتبر به منك قريبا. و (حاملو) جمع: حامل، أصله: حاملون، حذف نونه للإضافة إلى (القرآن)، وهو اسم (كان) وخبرها (أشراف الأمة) وهو جمع: شريف، و (أولى (٤) الإحسان): خبر ثان (٥)، [أى: لما كان الإنسان بسبب الجليس] (٦) يكمل، وكان القرآن أعظم كتاب أنزل، كان المنزّل عليه أفضل نبى أرسل؛ فكانت أمته من العرب والعجم أفضل أمة أخرجت للناس، خير الأمم، وكانت حملته أشرف هذه الأمة، وقراؤه ومقرءوه أفضل هذه الملة، والدليل على هذا ما أخرجه (٧) الطبرانى فى «المعجم الكبير» من حديث الجرجانى عن كامل أبى عبد الله الراسبى عن الضحاك (٨) عن ابن عباس (٩) - رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «أشراف أمّتى حملة القرآن» (١٠) وفى رواية البيهقى (١١): «أشرف (١٢) أمّتى» وهو الصحيح. وروى البيهقى عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكترثون للحساب ولا تفزعهم الصّيحة ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل القرآن يؤدّيه إلى الله تعالى، يقدم على ربّه سيّدا شريفا حتّى يرافق المرسلين، ومن أذّن سبع سنين لا يأخذ على أذانه طعما، وعبد

стр. 90

مملوك أدّى حقّ الله تعالى من نفسه وحقّ مواليه» (١). وروى [أيضا] (٢) الطبرانى بإسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم من قرأ القرآن وأقرأه» (٣). وروى البخارى والترمذى وأبو داود عن عثمان (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (٥). وكان الإمام أبو عبد الرحمن السّلمى (٦) يقول لما يروى هذا الحديث (٧): «أقعدنى مقعدى (٨) هذا» يشير إلى جلوسه بمسجد الكوفة يقرئ القرآن، مع جلالة قدره وكثرة علمه، أربعين سنة. وعليه قرأ الحسن (٩) والحسين (١٠)؛ ولذلك كان الأولون لا يعدلون بإقراء القرآن شيئا،

стр. 91

فقد قيل لابن مسعود: إنك تقلّ الصوم! قال: إنى إذا صمت ضعفت عن القرآن (١)، وتلاوة القرآن أحب إلى. وفى جامع الترمذى من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : «من شغله القرآن عن ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السّائلين» (٢). وفى بعض طرق هذا الحديث: «من شغله قراءة القرآن فى أن يتعلّمه أو يعلّمه عن دعائى ومسألتى». أخرج البيهقى: «أفضل عبادة أمّتى قراءة القرآن» (٣). وقال ابن عباس: «من قرأ القرآن لم يردّ (٤) إلى أرذل (٥) العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا». وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ القرآن ورأى أنّ أحدا أوتى أفضل ممّا أوتى فقد استصغر ما عظّمه الله» (٦). وعنه ﵊ أنه قال: «من جمع القرآن فقد أدرجت النّبوّة بين كتفيه إلّا أنّه لا يوحى إليه» (٧).

стр. 92

والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة، والمراد الاختصار [والإيجاز] (١). ثم عطف فقال: ص: وإنّهم فى النّاس أهل الله ... وإنّ ربّنا بهم يباهى ش: ([إنهم] (٢) أهل الله): اسمية مؤكدة، و (فى الناس): [جار ومجرور] (٣) محله النصب على الحال من اسم «إن» فيتعلق بمحذوف. (وإن ربنا يباهى): اسمية، و (بهم) (٤) متعلق ب (يباهى). أشار بهذا إلى ما أخرجه (٥) ابن ماجة وأحمد والدارمى من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لله أهلين من النّاس» قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله [وخاصّته»] (٦). وقوله: (وإن ربنا [بهم يباهى] (٧) يمكن أن يريد به ما أخرجه (٨) مسلم (٩) عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله تعالى، يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١٠). ثم عطفه فقال (١١): ص: وقال فى القرآن عنهم وكفى ... بأنّه أورثه من اصطفى ش: (قال): فعلية، و (فى القرآن) و (عنهم): يتعلق ب (قال)، ومفعوله محذوف، أى: قال فى القرآن فيهم أوصافا كثيرة، و (كفى) فاعله: المصدر المنسبك من (أن) ومعمولها (١٢)، والباء زائدة مثل: كفى (١٣) بالله، فهى جملة معطوفة على ما لا محل له

стр. 93

[من الإعراب] (١)؛ فلا محل لها، و (أورثه): خبر (أنّ)، و (من): موصول (٢)، مفعول (أورثه)؛ لأنه يتعدى لاثنين، و (اصطفى): صلة الموصول. أى: قال الله تعالى فى القرآن [عنهم] (٣) أوصافا [كثيرة] (٤) تتعلق بحامليه (٥) من الخير والثواب، وما أعد لهم فى العقبى والمآب، ولو لم يكن فى [القرآن] (٦) فى حقهم إلا ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ... الآية [فاطر: ٣٢] لكان فى ذلك كفاية [لهم] (٧). ص: وهو فى الاخرى شافع مشفّع ... فيه وقوله عليه يسمع ش: (وهو شافع): اسمية، (وفى الأخرى) يتعلق (٨) ب (شافع)، ولا يتزن البيت إلا مع نقل حركة همزة (الأخرى)، و (مشفع): خبر ثان أو معطوف لمحذوف (٩)، و (فيه): يتعلق بأحدهما [ويقدر مثله فى الآخر] (١٠)، و (قوله يسمع): اسمية و (عليه): يتعلق ب (يسمع). أى: أن القرآن يشفع فى قارئه يوم القيامة ويشفعه الله تعالى فيه ويسمع ما يقول فى حقه كما سيأتى، وأشار بهذا إلى ما فى «صحيح مسلم» عن رسول الله ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنّه يجيء يوم القيامة شفيعا لأصحابه». وروى (١١): «من شفع (١٢) له القرآن يوم القيامة، يجيء القرآن شفيعا مشفّعا وشهدا (١٣) مصدّقا، وينادى يوم القيامة: يا مادح الله قم فادخل الجنّة، فلا يقوم إلّا من كان يكثر قراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]». وقال رسول الله ﷺ : «ما من شفيع أعظم منزلة عند الله تعالى يوم القيامة من القرآن، لا نبىّ ولا ملك ولا غيره» (١٤).

стр. 94

ثم شرع فى أوصاف قارئه وما يعطاه (١) هو ووالداه (٢) فقال: ص: يعطى به الملك مع الخلد إذا ... توّجه تاج الكرامة كذا ش: (يعطى): فعل مجهول الفاعل، ونائبه: المستتر، و (الملك): ثانى المفعولين، و (مع الخلد): حال من (الملك)، و (به): سببية (٣) تتعلق (٤) ب (يعطى)، و (إذا): ظرف ل (يعطى) أيضا، و (توجه) فى محل جر بالإضافة، [و (تاج الكرامة)] (٥): إما مفعول ثان أو منصوب بنزع الخافض، و (كذا): معطوف بمحذوف (٦). ثم كمّل فقال: ص: يقرا ويرقى درج الجنان ... وأبواه منه يكسيان ش: (يقرا): مضارع مهموز الآخر، حذف همزه ضرورة على غير قياس، و (يرقى) مضارع (رقى) [وهو] (٧) معطوف على (يقرا)، و (درج الجنان) مفعول (يرقى)، و (أبواه يكسيان) اسمية لا محل لها. أشار بهذين البيتين إلى ما أخرجه (٨) ابن أبى شيبة عن بريدة قال: كنت عند النبى ﷺ فسمعته يقول: «إنّ القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشقّ عنه القبر، كالرّجل الشّاحب (٩)، يقول له: هل تعرفنى؟ فيقول [له] (١٠): ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك الّذى أظمأتك فى الهواجر وأسهرت ليلك، وإنّ كلّ تاجر من وراء تجارته (١١)، وإنّك اليوم من وراء كلّ تجارة (١٢)، [قال] (١٣): فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه (١٤) حلّتين (١٥) لا تقوم لهما الدّنيا (١٦)، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثمّ يقال: اقرأ واصعد فى درج الجنّة وغرفها، [فهو] (١٧) فى صعود ما دام يقرأ، حدرا كان أو ترتيلا» (١٨).

стр. 95

وأخرج الترمذى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبى ﷺ قال: «يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول: يا ربّ حلّه، فيلبس تاج الكرامة، ثمّ يقال: يا ربّ زده، فيلبس حلّة الكرامة، ثمّ يقال: يا ربّ ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال: اقرأ وارق، ويزداد بكلّ آية حسنة» (١). وقال ﵊: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه، ألبس والداه تاجا ضوؤه أشدّ من ضوء الشّمس سبع مرّات، فما ظنّكم بمن عمل بهذا» (٢). وقال ﵊: «إنّ [عدد] (٣) درج الجنّة على عدد آيات القرآن، يقال (٤) لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل فى دار الدّنيا، فإنّ منزلتك (٥) عند آخر آية [كنت] (٦) تقرؤها» (٧). ثم رتّب على ما ذكره [شيئا] (٨) فقال: ص: فليحرص السّعيد فى تحصيله ... ولا يملّ قطّ من ترتيله ش: الفاء سببية، واللام: للأمر، و (يحرص): مجزوم باللام (٩)، و (السعيد): فاعل (١٠)، و (فى تحصيله): يتعلق ب (يحرص)، و (لا يمل): عطف على (يحرص)، و (يمل) (١١): مجزوم ب (لا) وفتحه أفصح من ضمه، و (قط) هنا: ظرف لاستغراق ما مضى من الزمان، وهى بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة فى أفصح اللغات (١٢)،

стр. 96

وتختص بالمضىّ؛ تقول (١): ما فعلته قط، والعامة تقول: لا أفعله قط، وكذا استعملها الناظم، ففيه نظر. و (من ترتيله): يتعلق ب (يمل). [أى] (٢): فبسبب (٣) ما تقدم ينبغى أن يحرص السعيد على تحصيل القرآن، ولا يملّ من ترتيله فى وقت من الأوقات؛ فهو أفضل ما اشتغل به أهل الإيمان، وأولى ما عمّرت به الأوقات والأزمان، ومذاكرته (٤) زيادة فى (٥) الإفادة والاستفادة، وتجويده فرض واجب، والتبحر فى علومه هو أسنى المناقب وأعلى المراتب، وفى فضله من الأخبار المأثورة والآثار المشهورة ما يعجز المتصدى لجمعها (٦) عن الاستيعاب، ويقصر عن ضبطها ذوو الإطناب والإسهاب. وأخرج (٧) الترمذى من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٨).

стр. 97

وخرج أيضا من حديث على بن أبى طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ القرآن واستظهره، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، أدخله الله به الجنّة، وشفّعه فى عشرة من أهل بيته كلّهم قد وجبت لهم النّار» (١). وقال ﷺ : «إنّ البيت الّذى يقرأ فيه القرآن اتّسع بأهله (٢)، وكثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشّياطين، وإنّ البيت الّذى لا يتلى فيه كتاب الله تعالى ضاق (٣) بأهله، وقلّ خيره، وخرجت منه الملائكة، وحضرته الشّياطين» (٤). وقال ﷺ : «من مات وهو يعلّم القرآن حجّت الملائكة إلى قبره كما يزار البيت العتيق». وقال ﷺ : «لو كان القرآن فى إهاب وألقى فى النّار ما احترق» (٥) يعنى نار الآخرة، وهذا أولى من غيره توقيفا (٦). وقال ﷺ : «إنّ القلوب تصدأ (٧) كما يصدأ الحديد. قيل: يا رسول الله ما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن» (٨). وقال ﷺ : «لن ترجعوا (٩) إلى الله بشيء أحبّ إليه ممّا خرج منه» (١٠) يعنى: القرآن.

стр. 98

وقال ﷺ : «القرآن غنى لا فقر بعده، ولا غنى دونه» (١). وقال ﷺ : «أغنى النّاس حملة القرآن» (٢). وقال ﷺ : «من جمع القرآن متّعه الله بعقله حتّى يموت» (٣). وفضائل القرآن وأهله كثيرة، جعلنا الله تعالى من أهله بمنه وفضله (٤). ص: وليجتهد فيه وفى تصحيحه ... على الّذى نقل من صحيحه ش: (وليجتهد): عطف على (فليحرص)، و (فيه) و (فى تصحيحه): يتعلقان ب (يجتهد)، و (على): يتعلق ب (تصحيحه)، و (من صحيحه): بيان للوجه (٥) الذى [نقل] (٦)، أى ينبغى أن يجتهد القارئ فى حفظ القرآن والعمل به وإتقانه وضبطه وتصحيحه على أكمل الوجوه، وهو الوجه الصحيح المنقول إلينا عن النبى ﷺ . وفى هذا البيت تمهيد قاعدة للذى بعده مع تعلقه بما قبله. ولما ذكر الوجه الصحيح بينه فقال (٧): ص: فكلّ ما وافق وجه نحو ... وكان للرّسم احتمالا يحوى ش: (كل): مبتدأ مضاف إلى (ما)، وهى نكرة موصوفة، و (وافق): صفتها، والرابط: الفاعل المستتر، و (وجه نحو): مفعول، و (كان ... يحوى): فعلية معطوفة على (وافق)، و (للرسم): يتعلق ب (يحوى)، و (احتمالا): يحتمل الحالية من (الرسم) وتفهم (٨) موافقته للرسم الصريح من باب أولى، ويحتمل خبر (كان) محذوفة، تقديره (٩): ولو كان اشتماله على الرسم احتمالا. ثم كمل الشروط فقال: ص: وصحّ إسنادا هو القرآن ... فهذه الثّلاثة الأركان

стр. 99

ش: (وصح) (١): عطف على (وافق)، و (إسنادا): تمييز، و (هو القرآن): صغرى خبر (كل) (٢)، (فهذه) مبتدأ و (الثلاثة) صفته، و (الأركان) خبره [وهى مفيدة] (٣) للحصر، أى: هذه الثلاثة هى الأركان لا غيرها. ثم عطف فقال: ص: وحيثما يختلّ ركن أثبت ... شذوذه لو انّه فى السّبعة ش: (حيثما): اسم شرط، و «يختل ركن»: جملة الشرط، و (أثبت شذوذه): جملة الجواب، و (لو انّه): عطف على مقدر، أى: [ولو ثبت أنه فى السبعة] (٤)، و (أنه) فاعل عند سيبويه ومبتدأ عند غيره، وخبره محذوف، أى: ولو كونه (٥) فى السبعة حاصل، وقيل: لا خبر له لطوله. والله تعالى أعلم. اعلم- وفقنى الله تعالى وإياك- أن الاعتماد فى نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور [لا على] (٦) حفظ (٧) المصاحف والكتب، وهذا من الله تعالى غاية المنة على هذه الأمة، ففي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: [«قال الله تعالى (٨) لى: قم فى قريش فأنذرهم، فقلت: يا ربّ إذا يثلغوا رأسى حتّى يدعوه خبزة، فقال: إنّى مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان» (٩) فأخبر الله تعالى أن القرآن لا يحتاج فى حفظه إلى صحيفة تغسل (١٠) بالماء، بل يقرؤه فى كل حال، كما جاء فى صفة أمته: «أنا جيلهم فى صدورهم» بخلاف أهل الكتاب الذين لا يقرءونه كله إلا نظرا. ولما خص الله تعالى بحفظه من اختاره من أهله، أقام له أئمة متقنين تجردوا لتصحيحه راحلين ومستوطنين، وبذلوا جهدهم فى ضبطه وإتقانه، وتلقوه من النبى ﷺ حرفا حرفا (١١) فى أوانه، وكان منهم من حفظه كله، ومنهم من لم يبق عليه منه إلا أقله، وسيأتى كل ذلك، وأذكر عددهم هنالك.

стр. 100

ولما توفى رسول الله ﷺ وقام بالأمر بعده أحق الناس به، أبو بكر (١) المعلّم والمعلّم، وقاتل (٢) هو والصحابة مسيلمة الكذاب (٣)، أشير عليه (٤) أن يجمع القرآن فى مصحف واحد؛ رجاء الثواب وخشية أن يذهب بذهاب قرائه (٥)، توقف من حيث إنه ﷺ لم يشر عليهم فيه برأى من آرائه، ثم اجتمع رأيه ورأى الصحابة على ذلك، فأمر (٦) زيد بن ثابت أن يتتبعه من صدور أولئك، قال زيد (٧): والله لو كلفونى نقل (٨) الجبال لكان أيسر على من ذلك. قال: فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال والرقاع- وهى قطع الأدم- والأكتاف- وهى عظام الكتف المنبسط كاللوح والأضلاع- والعسب- سعف (٩) النخل- واللخاف- الأحجار العريضة البيض- وذلك لعدم الورق حينئذ. قال زيد: فذكرت آية كنت [قد] (١٠) سمعتها من رسول الله ﷺ وهى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ [التوبة: ١٢٨] فلم أجدها إلا عند خزيمة بن ثابت (١١).

стр. 101

وقال أيضا: فقدت آية كنت أسمعها (١) [من رسول الله ﷺ ] (٢) ما وجدتها (٣) إلا عند رجل من الأنصار، وهى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ ... الآية [الأحزاب: ٢٣]. فإن قيل: ما الداعى لتتبعه من الناس وقد (٤) كان حافظه وقارئه؟ وكيف يحصل التواتر بالذى عند رجل؟ فالجواب: أن العلم الحاصل من يقينين (٥) أقوى من واحد. وأيضا فلاستكماله (٦) وجوه قراءته ممن يجد (٧) عنده (٨) ما لا يعرفه هو، وكان المكتوب المتفرق أو أكثره إنما كتب بين يدى النبى ﷺ (٩). وأيضا فلأجل أن يضع خطه على وفق الرسم المكتوب؛ لأنه أبلغ فى الصحة. ومعنى قوله: (تذكرت) (١٠) أى: قرأت (١١). وفقدت (١٢) آية: لم أجدها مكتوبة، ولذلك (١٣) قال: عند رجل، وسيأتى أن الحفاظ جاوزوا عدد التواتر حينئذ. ومفهوم سياق [كلام] (١٤) أبى بكر وزيد: أن زيدا كتب القرآن كله بجميع أحرفه ووجوهه المعبّر عنها (١٥) بالأحرف السبعة؛ لأنه أمره (١٦) بكتب كل القرآن، وكل حرف منه بعض منه، وتتبعه ظاهر فى طلب الظفر بمتفقه ومختلفه، ولم يقع فى كلام أبى بكر وزيد تصريح بذلك، فلما تمت الصحف أخذها أبو بكر عنده حتى أتاه الموت، ثم عمر- رضى الله عنه- فلما مات أخذتها حفصة (١٧)، رضى الله عنها. ولما كان (١٨) سنة ثلاثين فى خلافة عثمان حضر حذيفة (١٩) فتح أرمينية وأذربيجان،

стр. 102

ورأى اختلاف الناس فى القرآن وبعضهم يقول: قراءتى أصح من قراءتك وأقوم لسانا (١) فزع (٢) من ذلك، وقدم على عثمان كالهالك، وقال: أدرك هذه الأمة قبل اختلافهم كالخارجين عن الملة؛ فأرسل عثمان إلى حفصة يطلب منها الصحف (٣)، وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير (٤) وسعيد بن العاص (٥) وعبد الرحمن (٦) بن الحارث بنسخها فى المصاحف، ويردّون لحفصة الصحف (٧)، وقال: إذا اختلفتم فى شىء فاكتبوه بلسان قريش؛ لأن القرآن به نزل، فكتب منها عدة، فوجّه إلى كل من البصرة والكوفة والشام ومكة، واليمن، والبحرين مصحفا، على اختلاف فى مكة، والبحرين، واليمن، وأمسك لنفسه مصحفا، وهو الذى يقال له: «الإمام»، وترك بالمدينة واحدا. وإنما أمرهم بالنسخ من الصحف (٨)؛ ليستند (٩) مصحفه إلى أصل أبى بكر المستند (١٠) إلى أصل النبى (١١) ﷺ ، وعين زيدا لاعتماد أبى بكر وعمر عليه، وضم إليه جماعة مساعدة له، ولينضم العدد إلى العدالة، وكانوا هؤلاء؛ لاشتهار ضبطهم ومعرفتهم.

стр. 103

وكتبوه مائة وأربعة عشر [سورة] (١)، أولها «الحمد» وآخرها «الناس» على هذا الترتيب. وأول كل (٢) سورة البسملة بقلم الوحى، إلا أول سورة براءة فجعلوا مكانها بياضا، وجرّدوا المصاحف [كلها] (٣) من [أسماء السور، ونسبتها، وعددها، وتجزئتها، وفواصلها تبعا لأبى بكر، وأجمعت (٤) الأمة على ما تضمنته هذه المصاحف، وترك ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال كلمة بأخرى، مما كان مأذونا فيه توسعة عليهم، ولم يثبت عندهم ثبوتا مستفيضا أنه من القرآن] (٥) وجردت (٦) هذه (٧) المصاحف كلها من النقط والشكل ليحتملها (٨) ما صح نقله وثبتت تلاوته (٩) عن النبى ﷺ ؛ لأن الاعتماد على الحفظ لا على مجرد الخط. تنبيه: تقدم أن هذا الترتيب الواقع فى سور المصحف اليوم هو الذى فى المصحف العثمانى المنقول من صحف (١٠) الصديق- رضى الله عنه- المنقولة (١١) مما كتب بين يدى رسول الله (١٢) ﷺ وهو قول القرّاء. قلت: وفيه نظر؛ فقد ورد فى «صحيح مسلم» من حديث حذيفة- رضى الله عنه- قال: «صلّيت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثمّ مضى، فقلت: يصلّى بها فى ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثمّ افتتح سورة النّساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها ... » (١٣) ثمّ ساق الحديث. قال (١٤) القاضى عياض: فيه دليل لمن يقول: [إن] (١٥) ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف، وإنه لم يكن من ترتيب النبى ﷺ ، بل وكله (١٦) إلى أمته

стр. 104

بعده، وهذا قول مالك- رضى الله عنه- وجمهور العلماء، واختاره (١) [القاضى] (٢) أبو بكر [بن] (٣) الباقلانى (٤). قال [ابن الباقلانى] (٥): وهو أصح القولين مع احتمالهما. قال: والذى نقوله (٦): إن ترتيب السور ليس بواجب فى الكتابة ولا فى الصلاة، ولا فى الدرس والتلقين (٧). قال: وأما [عند] (٨) من يقول: إن ذلك بتوقيف (٩) من النبى ﷺ ، فيتأول ذلك على أنه تام قبل التوقيف، وكانت (١٠) هاتان السورتان هكذا فى مصحف أبىّ. قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلى أن يقرأ فى الركعة الثانية سورة قبل التى قرأها فى الأولى، وإنما يكره ذلك فى ركعة (١١) ولمن يتلو فى غير صلاة (١٢). قال: وقد أباحه بعضهم، وتأول نهى السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها. قال: ولا خلاف أن ترتيب [آيات] (١٣) كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هو عليه الآن فى المصاحف، وهكذا نقلته (١٤) الأمة عن نبيها ﷺ . انتهى كلام القاضى. والله أعلم. وإنما كتب (١٥) عدة مصاحف؛ لأنه قصد إنفاذ ما وقع الإجماع عليه إلى أقطار بلاد

стр. 105

المسلمين واشتهاره؛ ولذلك بعثه إلى أمرائه، وكتبها متفاوتة فى الإثبات والحذف والبدل؛ لأنه قصد اشتمالها على الأحرف السبعة على رأى جماعة، وعلى لغة قريش على رأى آخرين، فجعل الكلمة التى تفهم أكثر من قراءة بصورة واحدة ك «يعلمون»، «جبريل» على حالها، والتى لا تفهم أكثر [من قراءة] (١) بصورة فى البعض وبأخرى فى آخر؛ لأنها لا يمكن تكرارها فى مصحف (٢)؛ لئلا يتوهم (٣) نزولها كذلك، ولا كتابة بعض فى الأصل وبعض فى الحاشية؛ للتحكم (٤)، والاعتماد فى نقل القرآن على الحفاظ؛ ولذلك أرسل كل مصحف مع من يوافق قراءته فى الأكثر، وليس بلازم، وقرأ كل مصر بما فى مصحفهم، وتلقّوا (٥) ما فيه عن الصحابة الذين (٦) تلقوه عن النبى ﷺ . ثم تجرد للأخذ عن هؤلاء قوم (٧) أسهروا (٨) ليلهم فى ضبطها، وأتعبوا نهارهم فى نقلها، حتى صاروا فى ذلك أئمة للاقتداء (٩) وأنجما للاهتداء، أجمع (١٠) أهل بلدهم على قبول قراءتهم، ولم يختلف عليهم (١١) اثنان فى صحة روايتهم ودرايتهم، ولتصديهم (١٢) للقراءة نسبت إليهم، وكان المعوّل فيها عليهم. ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا، وفى (١٣) البلاد انتشروا (١٤)، وخلفهم أمم بعد أمم، عرفت (١٥) طبقاتهم (١٦)، واختلفت صفاتهم، فكان منهم المتقن للتلاوة المشهور (١٧) بالرواية والدراية، ومنهم المحصّل لوصف واحد، ومنهم الذى لأكثر من واحد، فكثر بينهم لذلك الاختلاف (١٨)، وقل [منهم] (١٩) الائتلاف؛ فقام عند ذلك جهابذة الأمة وصناديد الأئمة، فبالغوا فى الاجتهاد بقدر الحاصل، وميزوا بين الصحيح والباطل، وجمعوا الحروف والقراءات، وعزوا الوجوه والروايات، وبينوا الصحيح والشاذ، والكثير والفاذّ، بأصول أصّلوها، وأركان فصّلوها (٢٠). ثم إن المصنف- رضى الله عنه- أشار إلى تلك الأصول والأركان بقوله:

стр. 106

«فكلّ ما وافق وجه نحو ... » إلخ. وأدرج هذه الأوصاف فى حد القرآن، وحاصل كلامه: (١) القرآن كل كلام وافق وجها ما من أوجه النحو، ووافق الرسم ولو احتمالا، وصح سنده. وفى هذا التعريف نظر؛ لأن موافقة الرسم والعربية لم يقل أحد بأنها جزء للحد، بل منهم من قال: هى لازمة للتواتر؛ فلا حاجة لذكرها، وهم المحققون، ومنهم من قال: هى شروط لا بد من ذكرها، وأيضا فإن الوصف الأعظم فى ثبوت القرآن هو التواتر (٢). والناظم تركه واعتبر صحة سنده فقط، وهذا قول شاذ، وسيأتى كل ذلك. وإذا اجتمعت الأركان [الثلاثة فى قراءة] (٣)، فلا يحل إنكارها، بل هى من الأحرف السبعة [التى] (٤) نزل بها القرآن (٥)، ووجب على الناس قبولها، سواء نقلت عن السبعة أو العشرة (٦) أو غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الثلاثة أطلق عليها: ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أو عن أكثر منهم، هكذا قال الحافظ أبو عمرو الدانى (٧)، والإمام أبو محمد مكى (٨)، وأبو العباس المهدوى (٩)، وأبو شامة، وهو

стр. 107

مذهب السلف الذى لا يعرف عن أحد منهم خلافه. قال أبو شامة: فلا ينبغى أن يغتر بكل قراءة [تعزى لأحد السبعة ويطلق] (١) عليها لفظ الصحة إلا إن دخلت فى الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم (٢)، بل إن نقلت عن غير السبعة فذلك لا يخرجها عن الصحة؛ فإن الاعتماد على تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه، فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم، وكثرة الصحيح المجتمع (٣) عليه فى قراءتهم (٤)، تركن النفس لما نقل عنهم أكثر من غيرهم (٥). وقول (٦) الناظم- رضى الله عنه-: «وافق وجه نحو ... » يريد أن القراءة الصحيحة هى التى توافق وجها ما من وجوه النحو، سواء كان أفصح أو (٧) فصيحا، مجمعا (٨) عليه أو مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، وهذا هو المختار عند المحققين من ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض النحاة أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم، بل أجمع قدوة السلف على قبولها، كإسكان بارِئِكُمْ [البقرة: ٥٤] ونحوه، وسَبَإٍ ويا بُنَيَّ [لقمان: ١٣]، وَمَكْرَ السَّيِّئِ [فاطر: ٤٣] ونُنْجِي (٩) الْمُؤْمِنِينَ بالأنبياء [٨٨]. وجمع البزى (١٠) بين ساكنين فى تاءاته ومد أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: ٣٧].

стр. 108

قال الدانى بعد حكايته لإنكار سيبويه إسكان «بارئكم»: والإسكان أصح فى النقل وأكثر فى الأداء، وأئمة القراءة لا تعمل فى شىء من حروف القراءات على الأفشى فى اللغة والأقيس فى العربية، بل [على] (١) الأثبت فى الأثر، والأصح فى النقل والرواية إذا ثبتت (٢) عنهم، لا يردها قياس عربية، ولا فشو لغة؛ لأن القراءة (٣) سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. وقوله: «وكان للرسم ... » إلخ، لا بد لهذا الشرط من مقدمة فأقول: [اعلم] (٤) أن الرسم [هو] (٥) تصوير الكلمة بحروف (٦) هجائها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها، والعثمانى هو الذى رسم فى المصاحف العثمانية، وينقسم إلى قياسي: وهو ما وافق اللفظ، وهو معنى قولهم: «تحقيقا»، وإلى اصطلاحى: وهو ما خالف اللفظ، وهو معنى قولهم: «تقديرا»، وإلى احتمالى وسيأتى. ومخالفة الرسم للفظ محصورة فى خمسة أقسام، وهى: ١ - الدلالة على البدل: نحو الصِّراطَ [الفاتحة: ٦]. ٢ - وعلى الزيادة: نحو مالِكِ [الفاتحة: ٤]. ٣ - وعلى الحذف: نحو لكِنَّا هُوَ [الكهف: ٣٨]. ٤ - وعلى الفصل: نحو فَمالِ هؤُلاءِ [النساء: ٧٨]. ٥ - وعلى أن [الأصل] (٧) الوصل، [نحو] (٨) أَلَّا يَسْجُدُوا [النمل: ٢٥]. فقراءة الصاد، والحذف والإثبات، والفصل والوصل، خمستها وافقها الرسم تحقيقا، وغيرها تقديرا؛ لأن السين تبدل صادا قبل أربعة أحرف منها الطاء كما سيأتى، وألف مالِكِ (٩) [الفاتحة: ٤] عند [المثبت] (١٠) زائدة، وأصل لكِنَّا [الكهف: ٣٨] الإثبات، وأصل فَما لِ الفصل، وأصل أَلَّا يَسْجُدُوا [النمل: ٢٥] الوصل، وكل من الأقسام الخمسة فى حكم صاحبه، فالبدل فى حكم المبدل منه وكذا الباقى، وذلك ليتحقق الوفاق التقديرى؛ لأن اختلاف القراءتين إن كان يتغاير دون تضاد ولا تناقض فهو فى حكم

стр. 109

الموافق، وإن كان [بتضاد أو تناقض] (١) ففي حكم المخالف، والواقع: الأول فقط، وهو الذى لا يلزم من صحة أحد الوجهين [فيه] بطلان الآخر، وتحقيقه أن اللفظ تارة يكون (٢) له جهة واحدة فيرسم على وفقها، فالرسم هنا (٣) حصر (٤) جهة اللفظ بمخالفة مناقض، وتارة يكون له جهات (٥) فيرسم على أحدها (٦) فلا يحصر (٧) جهة اللفظ، واللافظ به موافق تحقيقا، وبغيره (٨) تقديرا؛ لأن البدل فى حكم المبدل منه، وكذا بقية (٩) [الخمسة] (١٠) والله أعلم. والقسم الثالث: ما وافق الرسم احتمالا، ويندرج فيه ما وقع الاختلاف فيه (١١) بالحركة والسكون؛ نحو الْقُدُسِ [البقرة: ٨٧] وبالتخفيف والتشديد؛ نحو ينشركم (١٢) بيونس [٢٢] وبالقطع والوصل عنه بالشكل (١٣) نحو أَدْخِلُوا بغافر [٤٠] وباختلاف الإعجام (١٤) نحو «يعملون» (١٥) و «يفتح» (١٦)، وبالإعجام [والإهمال] (١٧) نحو نُنْشِزُها [البقرة: ٢٥٩]، وكذا المختلف فى كيفية لفظها، كالمدغم والمسهّل [والممال] (١٨) والمرقق والممدود، فإن المصاحف العثمانية تحتمل هذه كلها؛ لتجردها عن أوصافها، فقول الناظم: «وكان للرسم احتمالا ... » دخل فيه ما وافق الرسم تحقيقا بطريق الأولى، وسواء وافق كل المصاحف أو بعضها، كقراءة ابن عامر: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] وبالزبر والكتاب [آل عمران: ١٨٤] فإنه ثابت فى الشامى، وكابن كثير فى جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا بالتوبة [١٠٠]: فإنه ثابت فى المكى، إلى غير ذلك. وقوله: «احتمالا» يحتمل أن يكون جعله مقابلا للتحقيق؛ فتكون القسمة عنده ثنائية، [وهو] (١٩) التحقيق الاحتمالى (٢٠)، ويكون قد أدخل التقديرى فى الاحتمالى، وهو الذى فعله فى «نشره». ويحتمل أن يكون قد ثلّث القسمة ويكون حكم الأوّلين ثابتا بالأولوية، ولولا تقدير

стр. 110

موافقة الرسم للزم الكل مخالفة الكل فى نحو: «السموت» و «الصلحات» و «الليل». ثم إن بعض الألفاظ يقع فيه موافقة إحدى القراءتين أو القراءات تحقيقا والأخرى تقديرا، نحو ملك [الفاتحة: ٤]، وبعضها يقع (١) فيه موافقة القراءتين أو القراءات تحقيقا، نحو أَنْصارَ اللَّهِ [الصف: ١٤] وفَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩]، وَيَغْفِرْ لَكُمْ [آل عمران: ٣١]، وهَيْتَ لَكَ [يوسف: ٢٣]. واعلم أن مخالف (٢) صريح الرسم فى حرف مدغم أو مبدل (٣) أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك، لا يعد مخالفا إذا أثبتت القراءة به ووردت مشهورة. ألا ترى أنهم لا يعدون إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء تَسْئَلْنِي بالكهف [٧٠]، وقراءة وأكون من الصالحين [المنافقون: ١٠] ونحو ذلك من مخالفة (٤) الرسم المعهود؛ لرجوعه لمعنى واحد، وتمشية صحة القراءة وشهرتها بخلاف زيادة كلمة أو نقصانها وتقديمها وتأخيرها، حتى ولو كانت حرف معنى، فإن له حكم الكلمة، لا يسوغ مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل فى حقيقة اتباع الرسم ومخالفته (٥). وقوله: «وصح إسنادا» ظاهره أن (٦) القرآن يكتفى فى ثبوته (٧) مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط، ولا يحتاج إلى تواتر، وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدّثين وغيرهم، كما ستراه إن شاء الله تعالى. ولقد ضل بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرءون أحرفا لا يصح لها سند أصلا، ويقولون: التواتر ليس بشرط (٨)، وإذا طولبوا بسند صحيح لا يستطيعون ذلك، ولا بد لهذه المسألة من (٩) بعض بسط فأقول (١٠):
следующие страницы →