← Акыда

Акыда · id 3874

قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر

صديق حسن خان

Полный текст (165 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الله في جوف السماء، وأن السماء تحصره وتحويه فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هم متفقون على أن الله فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وقد قال مالك بن أنس: " إن الله في السماء وعلمه في كل مكان " (١) وقيل لابن المبارك بماذا تعرف ربنا؟ قال " بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه " (٢) وبه قال أحمد بن حنبل (٣) وقال الشافعي: " خلافة أبي بكر قضاها الله في سمائه وجمع عليها قلوب أوليائه " (٤) .

стр. 37

فمن اعتقد أن الله في جوف السماوات محصور محاط، أو أنه مفتقر إلى العرش، أو غير العرش، من المخلوقات أو أن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه، فهو ضال مبتدع جاهل، ومن اعتقد أنه ليس في السماوات إله يعبد ولا على العرش إله يصلى له ويسجد وأن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، ولا نزل القرآن من عنده، فهو معطل فرعوني، فإن فرعون كذب موسى في أن ربه فوق السماوات فقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ - أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] ومحمد ﷺ صدق موسى، فأقر أن ربه فوق السماوات، فلما كان ليلة المعراج، عرج به إلى الله، وفرض عليه ربه خمسين صلاة، وذكر أنه رجع إلى موسى، وأن موسى قال: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك» . وهذا الحديث في الصحاح (١) فمن وافق فرعون وخالف موسى ومحمدًا فهو ضال، ومن مثل الله بخلقه فهو ضال، ومن جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه فهو كافر. وليس ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله تشبيها، وقد قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٥٨] وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] وقال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]

стр. 38

فدل ذلك على أن الذين عنده قريبون إليه، وإن كانت المخلوقات تحت قدرته، فالقائل الذي قال من لا يعتقد أن الله في السماء [فهو ضال] (١) إن أراد بذلك أن الله في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به، فقد أخطأ، ن أراد بذلك من لم يعتقد ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن الله فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، فقد أصاب، فإنه من لم يعتقد ذلك يكون مكذبًا للرسول، متبعا غير سبيل المؤمنين بل يكون في الحقيقة معطلًا لربه نافيًا له فلا يكون له في الحقيقة إله يعبده، ولا رب يسأله ويقصده وهذا قول الجهمية (٢) ونحوهم من أتباع فرعون المعطل. والله قد فطر العباد، عربهم وعجمهم، على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو، ولا يقصدونه تحت أرجلهم، ولهذا قال بعض العارفين: " لم يقل عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه أن يتحرك لسانه يعني يطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة " (٣) . والقائل الذي يقول: " إن الله لا ينحصر في مكان " إن أراد بذلك أن الله لا ينحصر في جوف المخلوقات أو أنه [لا] (٤) يحتاج إلى شيء منها فقد أصاب، وإن أراد أن الله ليس فوق السماوات، ولا هو على العرش، وليس هناك إله

стр. 39

يعبد، ومحمد لم يعرج به إلى الله، فهذا جهمي فرعوني معطل. ومنشأ الضلال أن يظن الظان أن صفات الرب كصفات خلقه، فيظن أن الله سبحانه على عرشه كالملك المخلوق على سريره، فهذا تمثيل وضلال، وذلك أن الملك مفتقر إلى سريره، ولو زال سريره لسقط، والله غني عن العرش، وعن كل شيء (١) وكل ما سواه فقير إليه وهو حامل (٢) العرش وحملته، وعلوه لا يوجب افتقاره إليه، فإن الله قد جعل المخلوقات عاليًا وسافلًا، وجعل العالي غنيًا عن السافل، كما جعل الهواء فوق الأرض، وليس هو مفتقرًا إليها، وجعل السماء فوق الهواء، وليست محتاجة إليه، فالعلي الأعلى رب السماوات والأرض وما بينهما أولى أن يكون غنيًا عن العرش وسائر المخلوقات، وإن كان عاليًا عليها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرا. والأصل في هذا الباب أن كل ما ثبت في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وجب التصديق به، مثل علو الرب، واستوائه على عرشه، ونحو ذلك. وأما الألفاظ

стр. 40

المبتدعة في النفي والإثبات (١) مثل قول القائل في جهة، وهو متحيز، أو ليس بمتحيز، ونحوها من الألفاظ التي تنازع فيها الناس، فليس مع أحدهما نص لا عن الرسول ولا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا أئمة المسلمين. فإن هؤلاء لم يقل أحد منهم إن الله في جهة، ولا قال ليس هو في جهة، ولا قال هو متحيز، بل ولا قال هو جسم، أو جوهر. ولا قال ليس بجسم ولا جوهر، فهذه الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، والناطقون بها قد يريدون معنى صحيحًا وقد يريدون معنى فاسدًا، فمن أراد معنى صحيحًا موافق الكتاب والسنة كان ذلك مقبولًا منه، وإن أراد معنى فاسدا مخالف الكتاب والسنة، كان ذلك المعنى مردودا عليه. فإذا قال القائل: إن الله في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد أنه سبحانه في جهة موجودة تحصره وتحيط به مثل أن يكون في جوف السماوات أم تريد بالجهة أمرًا عدميًا وهو ما فوق العالم فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات، فإن أردت الجهة الوجودية، وجعلت الله محصورًا في المخلوقات، فهذا باطل، وإن أردت الجهة العدمية، وأردت أن الله وحده فوق المخلوقات بائن عنها فهذا حق، وليس في ذلك أن شيئًا من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه العالي بل هو العالي المحيط بها وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]

стр. 41

وقد ثبت في الصحيح (١) «عن النبي ﷺ أن الله يقبض الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» وقد قال ابن عباس: " ما السماوات والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم " (٢) وفي حديث آخر «أنه يرميها كما ترمي الصبيان الكرة» (٣) فمن يكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى مع هذا الصغر والحقارة كيف تحيط به وتحصره؟

стр. 42

ومن قال إن الله ليس في جهة قيل له ما تريد بذلك؟ فإن أراد أنه ليس فوق السماوات رب يعبد، ولا على العرش إله، ومحمد ﷺ لم يعرج به إلى الله، والأيدي لا ترفع إلى الله تعالى في الدعاء، ولا تتوجه القلوب إليه، فهذا فرعوني معطل، جاحد لرب العالمين، وإن اعتقد أنه مقرّ به فهو جاهل متناقض في كلامه، ومن هنا دخل أهل الحلول والاتحاد وقالوا: إن الله في كل مكان وأن وجود المخلوقات [هو] (١) وجود الخالق، وإن قال إن مرادي بقولي: إنه ليس في جهة أنه لا تحيط به المخلوقات بل هو وجود الخالق فقد أصاب في هذا المعنى، وكذلك من قال: " إن الله متحيز أو قال ليس بمتحيز إن أراد بقوله متحيز أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات بائن عنها عالٍ عليها فقد أصاب ومن قال: ليس بمتحيز إن أراد أن المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب، وإن أراد أنه ليس مباينا عنها بل هو لا داخل فيها ولا خارج عنها فقد أخطأ. والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: أهل الحلول، وأهل النفي والجحود، وأهل الإيمان والتوحيد والسنة. فأهل الحلول يقولون: إنه بذاته في كل مكان، وقد يقولون بالاتحاد والوحدة فيقولون: المخلوقات وجود الخالق. وأما أهل النفي والجحود، فيقولون: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له، ولا حال فيه، ولا فوق العالم، ولا فيه، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب منه شيء، ولا يدنو منه شيء، ولا يتجلى لشيء، ولا يراه أحد، ونحو ذلك، هذا قول متكلمة الجهمية المعطلة، كما أن

стр. 43

الأول قول عباد الجهمية. فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، وعباد الجهمية يعبدون كل شيء، وكلامهم يرجع إلى التعطيل والجحود، الذي هو قول فرعون. وقد علم أن الله كان قبل أن يخلق السماوات والأرض ثم خلقهما فإما أن يكون داخلا فيهما وهذا حلول باطل، وإما أن يكونا داخلين فيه، فهو باطل وأبطل، وإما أن يكون الله بائنا عنهم لم يدخل في شيء ولم يدخل فيه شيء، وهذا قول أهل الحق والتوحيد والسنة. ولأهل الجحود والتعطيل في هذا الباب شبهات يعارضون بها كتاب الله وسنة رسوله، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وما فطر الله عليه عباده، وما دلت عليه الدلائل العقلية، فإن هذه الأدلة كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته، عال عليها، قد فطر الله على ذلك العجائز والأعراب والصبيان في الكتاب كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى وقد قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: «كلُّ مولود يولد على الفطرة - أي فطرة الإسلام - فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] الروم: [٣٠] (١) وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز:

стр. 44

" عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب " (١) يعني: عليك بما فطرهم الله عليه فإن الله فطرهم على الحق. والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتحويل الفطرة وتغييرها، وأما أعداء الرسل كالجهمية الفرعونية ونحوهم، فيريدون أن يغيروا فطرة الله ودين الله، ويوردون على الناس شبهات بكلمات متشابهة، لا يفهم كثير من الناس مقصودهم بها، ولا يحسن أن يجيئهم [بما ينقضها] وأصل ضلالتهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قالها أحد من أئمة المسلمين، كلفظ التحيز والجسم والجهة ونحو ذلك. فمن كان عارفًا بحال شبهاتهم بينها، ومن لم يكن عارفًا بذلك، فليعرض عن كلامهم، ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ومن تكلم في الله وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة، فهو من الخائضين في آيات الله بالباطل، وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه، فينسبون إلى الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك وأبي حنيفة الاعتقادات الباطلة مما لم يقولوه، ويقولون لِمن اتبعهم هذا الذي يقوله اعتقاد الإمام الفلاني، فإذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الأئمة، تبين كذبهم في ذلك فيما ينقلونه عن النبي ﷺ ، ويضيفونه إلى سنته من البدع والأقوال الباطلة، ومنهم من إذا طولب بتحقيق نقله يقول: هذا القول قاله العلماء، والإمام الفلاني لا يخالف العقلاء، ويكون العقلاء طائفة من أهل

стр. 45

الكلام الذين ذمهم الأئمة فقد قال الشافعي: " حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام " (١) فإذا كان هذا حكمه فيمن أعرض عنهما فكيف حكمه فيمن عارضهما بغيرهما؟ وكذلك قال أبو يوسف القاضي: " من طلب الدين بالكلام تزندق " (٢) وكذلك قال أحمد بن حنبل: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح، وقال: علماء الكلام زنادقة (٣) وكثير من هؤلاء قرأوا كتبًا من كتب الكلام فيها شبهات أضلتهم ولم يهتدوا لجوابها فإنهم يجدون في تلك الكتب أن الله لو كان فوق الخلق للزم التجسيم والتحيز والجهة، وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ، ولا ما أراد بها أصحابها، فإن ذكر لفظ الجسم في أسماء الله وصفاته بدعة، لم ينطق بها كتاب ولا سنة، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولم يقل أحد منهم إن الله جسم ولا إن الله ليس بجسم، ولا إن الله جوهر، ولا إن الله ليس بجوهر، ولفظ الجسم لفظ مجمل، ومعناه في اللغة البدن، ومن قال إن الله مثل بدن الإنسان، فهو مفتر على الله، بل من قال: الله يماثل شيئًا من المخلوقات، فهو مفتر على الله، ومن قال: إن الله ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يماثل شيئًا من المخلوقات، فهو مفتر على الله، ومن قال: إن الله ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يماثل شيئًا من المخلوقات، فالمعنى صحيح وإن كان اللفظ بدعة، وأما من قال إن الله ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يرى في الآخرة وأنه لم يتكلم بالقرآن العربي، بل القرآن العربي مخلوق، أو هو تصنيف جبريل، ونحو ذلك، فهذا مفتر على الله فيما نفاه عنه، وهذا أصل ضلال الجهمية

стр. 46

من المعتزلة، ومن وافقهم على مذهبهم، فإنهم يظهرون للناس التنزه، وحقيقة كلامهم التعطيل، فيقولون، نحن لا نجسم، بل نقول: إن الله ليس بجسم، ومرادهم بذلك نفي حقيقة أسمائه وصفاته، فيقولون: ليس لله علم ولا قدرة، ولا حياة ولا كلام، ولا سمع ولا بصر، ولا يرى في الآخرة، ولا عرج النبي ﷺ إليه، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتجلى لشيء ولا يقرب منه شيء إلى غير ذلك وهو سبحانه لا مثل له في شيء من صفات كماله، بل هو الأحد الصمد ولم يكن له كفوًا أحد. فالمعطل يعبد عدمًا، والممثل يعبد صنمًا، والمعطل أعمى، والممثل أعشى (١) ودين الله بين الغالي فيه، والجافي عنه، وكما أن ذاته ليست كالذوات المخلوقة، فصفاته ليست كالصفات المخلوقة، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، وهو سبحانه في صفات الكمال لا يماثله شيء. فمذهبنا مذهب السلف: إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك (٢) والشافعي (٣) والثوري (٤) والأوزاعي (٥) وابن المبارك (٦) .

стр. 47

والإمام أحمد (١) وإسحاق بن راهويه (٢) وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل (٣) بن عياض وأبي سليمان الداراني (٤) وسهل (٥) بن عبد الله التستري، وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة (٦) ﵁، فإن الاعتقاد الثابت عنه، موافق لا اعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، قال الإمام أحمد (٧) " لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ولا نتجاوز القرآن والحديث " وهكذا مذهب سائرهم، فنتبع في ذلك سبيل السلف الماضين، الذين هم أعلم الأئمة بهذا الشأن، نفيًا وإثباتًا، وهم أشد تعظيما لله وتنزيهًا له عما لا يليق بحاله، فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات، فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يقال: هي ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يعرف المراد منها، فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات، دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم.

стр. 48

والإيمان إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم، كذلك فكان الباب عندهم بابًا واحدًا، قد اطمأنت به قلوبهم، كذلك وسكنت إليه نفوسهم فأنسوا من صفات كماله ونعوت جلاله مما استوحش منه الجاهلون المعطلون وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون المتكلمون وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فكذا صفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقوه بالقبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار، لعلمهم بأنه صفة من لا تشبيه لذاته ولا لصفاته، وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق لا تشابه بينهم في المعنى الحقيقي إذ صفات القديم بخلاف صفات الحادث، وليس بين صفاته وصفات خلقه إلا موافقة اللفظ للفظ. والله قد أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وماءً وحريرًا وذهبًا، وقال ابن عباس: " ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء " (١) فإذا كانت هذه المخلوقات الفانية ليست مثل هذه الموجودة، مع اتفاقهما في الأسماء فالخالق جل وعلا أعظم علوا، وأعلى مباينة لخلقه، من مباينة المخلوق للمخلوق وإن اتفقت الأسماء. وأيضًا فقد سمى الله سبحانه نفسه حيًا عليمًا سميعًا بصيرًا ملكًا رؤوفًا رحيمًا، وسمى بعض مخلوقاته حيًا وبعضها عليمًا وبعضها سميعًا بصيرًا وبعضها رؤوفًا رحيمًا وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير، ولا الرؤوف الرحيم كالرؤوف الرحيم.

стр. 49

قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] وقال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وليس بين صفة الخالق والمخلوق مشابهة، إلا في اتفاق الاسم، وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله ﷺ ، وهذا كلام الصحابة والتابعين وسائر الأئمة، قد دل ذلك بما هو نص أو ظاهر، على أن الله سبحانه فوق العرش، فوق السماوات استوى على عرشه، بائن من خلقه، سميع لا يشك (١) بصير لا يرتاب (٢) عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حفيظ لا ينسى،

стр. 50

ولا يسهو، قريب لا يغفل، ولا يلهو (١) يتكلم، ويبسط، وينظر، ويضحك، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويسخط، ويرحم، ويعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، كيف شاء، وهو معهم أينما كانوا. قال نعيم بن حماد (٢) لما سئل عن معنى هذه الآية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] معناها: أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه (٣) وليس معناه أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله، من أصغر مخلوقه، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر والمقيم أينما كان، فهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم ومطلع. وأخبر أنه ﴿ذِي الْمَعَارِجِ - تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٣ - ٤] وأنه ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] وأن الملائكة يخافونه من فوقهم (٤) وهذا المعنى حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة وقال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] وقال: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وقال ﷺ : «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٥) وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]

стр. 51

فكل ما في الكتاب والسنة من الأدلة الدالة على قربه ومعيته، لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه علي في دنوه، وقريب في علوه. والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًا، وذكرنا بعضها في " الانتقاد الرجيح " (١) وفي الصحاح والسنن جميعًا، وقد أشار النبي ﷺ في أعظم مجامعه في حجة الوداع، وفي آخر عمره إلى السماء، يقول بإصبعه -: «اللهم اشهد» (٢) وفي الصحيحين قصة المعراج وهي متواترة (٣) وفيه أعظم دلالة على علوه تعالى فوق سبع سماوات. وسؤال السائل كيف استوى وكيف نزل بدعة قال ابن قتيبة (٤) " ما زالت الأعم عربهم وعجمهم، في جاهليتها وإسلامها، معترفة بأن الله في السماء " (٥) وقد جمع طائفة من العلماء في هذا الباب مصنفات منها: كتاب " العلو " (٦) للذهبي (٧) وكتاب " النزول " (٨) لشيخ الإسلام ابن تيمية (٩) .

стр. 52

وكتاب " الاستواء " (١) لابن القيم (٢) و " النونية " (٣) له و " عقيدة ابن قدامة " (٤) ورسالة (٥) الشيخ محمد بن ناصر الحازمي (٦) ورسالة (٧) الشيخ محمد فاخر الإله آبادي (٨) ثم المكي ورسالة " إجراء الصفات على ظاهرها " (٩) للشوكاني (١٠) و " الانتقاد الرجيح " (١١) للعبد الفقير و " الاحتواء " (١٢) له عفا الله عنه إلى غير ذلك.

стр. 53

وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا عن أحد من السلف، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا عن أئمة الدين، حرف واحد يخالف ذلك. ولم يقل أحد منهم إن الله ليس في السماء، أو أنه ليس على العرش، أو أنه في كل مكان، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به، ولا منفصل، وأنه لا تجوز الإشارة الحسيه إليه بالأصابع، ونحو هذا. ومن ظن أن نصوص الصفات لا يعقل معناها، ولا يدرى ما أراد الله تعالى ورسوله منها، وظاهرها تشبيه وتمثيل، واعتقاد ظاهرها كفر وضلال، وإنما هي ألفاظ لا معاني لها وأن لها تأويلًا وتوجيهًا لا يعلمه إلا الله، وأنها بمنزلة الم وكهيعص وظن أن هذه طريقة السلف، ولم يكونوا يعرفون حقيقة قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ونحو ذلك. فهذا الظان. من أجهل الناس بعقيدة السلف وأضلهم عن الهدى، وقد تضمن هذا الظن استجهال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، وكبار الذين كانوا أعلم الأمة علمًا وأفقههم فهمًا، وأحسنهم عملًا، وأتبعهم سننًا. ولازم هذا الظن أن الرسول ﷺ كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه، وهو خطأ عظيم وجسارة قبيحة نعوذ بالله منها.

стр. 54

[فصل الأدلة على إثبات اليدين لله من القرآن والسنة] فصل وأما قوله تعالى:. . ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فاعلم أن لفظ " اليد " جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردة كهذه الآية وكقوله:. . ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ومثنى كقوله:. . ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وقوله:. . ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ومجموع كقوله:. . ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء، فلا يحتمل المجاز، فإذا (١) أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء، [فهو (٢) ] باشرها بيده، ولهذا، قال عبد الله بن عمرو بن العاص (٣) " لم يخلق الله بيده إلا [ثلاثًا (٤) ] : خلق آدم بيده وغرس جنة الفردوس بيده وكتب التوراة بيده " وروي ذلك مرفوعًا (٥) فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة. وقد صح عن النبي ﷺ أهل الموقف يأتون آدم فيقولون: خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فذكر أربعة أشياء كلها

стр. 55

خصائص (١) وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له «اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده» وفي لفظ آخر «كتب لك التوراة بيده» (٢) وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : «يقبض الله السماوات بيده، والأرض بيده الأخرى» (٣) وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج ذرية منه، فقال: " خلقت هؤلاء إلى الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون» الحديث (٤)

стр. 56

وقال نافع (١) سألت ابن أبي مليكة (٢) عن " يد الله " واحدة أم اثنتان؟ فقال: " بل اثنتان " (٣) وقال ابن عمر (٤) وابن عباس (٥) «أول شيء خلقه الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين» (٦) وفي الباب ما لا يحصى كثرة (٧) . [بعض ما في رسالة الشيخ محمد ناصر الحازمي في مسألة العلو] وقد جمع الشيخ محمد بن ناصر الحازمي في رسالته (٨) ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباعهم وأئمة الحديث والأئمة الأربعة وعلماء الشافعية والحنفية والمالكية والأشاعرة والمفسرين وغيرهم، في مسألة علو الرب على خلقه، وكونه على العرش فوق [سماواته] (٩) وليس ذكرها ههنا بالتمام من مرادنا، فنؤمن بذلك، ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، وإن نَبَتْ (١٠) عنها أسماع بعض الجاهلين المقصرين، واستوحشت منها نفوس المتكلمين المعطلين.

стр. 57

ومما صح به النقل من الصفات " الوجه ". قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي الباب آيات وأحاديث منها: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة» وحديث النزول (١) رواه علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وخلق سواهم (٢) . ومن قال: يخلو العرش عند النزول، أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع، ورأي مخترع، وكل ما وصف به الرسول ربه من الأحاديث الصحاح، التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان به كقوله ﷺ . «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من

стр. 58

أحدكم براحلته» متفق عليه (١) . وقوله: «يضحك الله تعالى إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، فيدخلان الجنة» رواه الشيخان (٢) وقوله: «حتى يضع رب العزة فيها قدمه» متفق عليه (٣) وقوله: «فيُنادي بصوت» رواه البخاري ومسلم (٤) وقوله: «فلا يبصق قِبل وجهه، فإن الله قِبل وجهه» (٥) متفق عليه إلى أمثال هذه الأحاديث، التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه فيما يخبر به.

стр. 59

[الفرقة الناجية] فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، يؤمنون به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل (١) وهؤلاء هم الوسط في فرقة الأمة، كما أن الأمة المرحومة هي الوسط في الأمم، فهم وسط الأمة في باب الصفات (٢) بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، كما أنهم وسط في باب أفعاله (٣) تعالى بين الحرورية والقدرية، وفي باب أسماء الإيمان والدين (٤) بين المعتزلة والمرجئة. وفي أصحاب (٥) رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج.

стр. 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 62

[فصل الأدلة على صفة النفس من القرآن والسنة] فصل ومما نطق بها القرآن، وصح بها النقل من الصفات " النفس " قال تعالى:. . ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وقال تعالى:. . ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] وقال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» (١) إلى غير ذلك من الأدلة. «وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء (٢) ويوعيها (٣) ما أراد» . وأن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وأن الله يقرب من خلقه، كيف شاء كما قال:. . ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]

стр. 63

ومن صفاته سبحانه: اليد (١) واليمين (٢) والكف (٣) والإصبع (٤) والشمال (٥) والقدم (٦) والرجل (٧) والوجه (٨) والنفس (٩) والعين (١٠)

стр. 64

والنزول (١) والإتيان (٢) والمجيء (٣) والكلام (٤) والقول (٥) والساق (٦) والحقو (٧) والجنب (٨) والفوق (٩) والاستواء (١٠) والقوة (١١) والقرب (١٢)

стр. 65

والبعد (١) والضحك (٢) والتعجب (٣) والحب (٤) والكره (٥) والمقت (٦) والرضا (٧) والغضب (٨) والسخط (٩) والعلم (١٠) والحياة (١١) والقدرة (١٢) والإرادة (١٣) والمشيئة (١٤) والفوق (١٥) والمعية (١٦) والفرح (١٧) إلى غير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة. فأدلة ذلك مذكورة فيها. فكل هذه الصفات، تساق مساقا واحدا، ويجب الإيمان بها على أنها صفات حقيقية، لا تشبه صفات المخلوقين، ولا يمثل، ولا يعطل، ولا يرد، ولا يجحد، ولا يؤوَّل بتأويل يخالف ظاهره.

стр. 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 67

[فصل الأدلة على صفة الكلام لله ] فصل ومن مذهب أهل الحق، ومما اتفق عليه أهل التوحيد والصدق، أن الله لم يزل متكلما، بكلام مسموع مفهوم، مكتوب، قال تعالى:. . . ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا يكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان. . .» الحديث (١) رواه عدي بن حاتم عنه ﷺ وروى جابر بن عبد الله قال: «لما قتل عبد الله - يعني أباه - قال رسول الله ﷺ : " يا جابر! ألا أخبرك بما قال الله لأبيك؟ " قال: بلى. قال: " ما كلم أحدا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا. . .» الحديث (٢) . والقرآن كلام الله ، ووحيه وتنزيله، والمسموع من القارئ كلام الله ، قال الله تعالى:. . ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وإنما سمعه من القارئ وقال :. . ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]

стр. 68

وهو محفوظ في الصدور، كما قال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «استذكروا القرآن فهو أشد تفصيا من صدور الرجال [من النعم] (١) من عقلها» (٢) . وهوِ مكتوب في المصاحف، منظور بالأعين، قال تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ - فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: ٢ - ٣] وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ - لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩] وعن ابن عمر ﵄ «نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو» (٣) وقال عثمان بن عفان (٤) " ما أحب أن يأتي عليّ يوم وليلة حتى أنظر في كلام الله - يعني القراءة في المصحف - " (٥) وقال عبد الله بن أبي مليكة (٦) " كان عكرمة (٧) بن أبي جهل يأخذ المصحف ويقول: " كلام ربي " (٨) .

стр. 69

[معنى قولهم عن القرآن منه بدأ وإليه يعود] وأجمع أئمة السلف المقتدى بهم من الخلف على أنه غير مخلوق. وقال علي (١) بن أبي طالب: " القرآن ليس بمخلوق ولكنه كلام الله، منه بدأ، وإليه يعود " (٢) وروي نحوه عن ابن مسعود (٣) وابن عباس وعمرو بن دينار (٤) وسفيان ابن عيينة (٥) وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره (٦) . ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة عنه، بل إذا قرأه الناس، أو كتبوه بالمصاحف، لم يخرج بذلك أن يكون كلام الله سبحانه حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مُبلغا مؤديا (٧) . فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنه كلام الله ووقف

стр. 70

ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من القول الأول، ومن زعم أن ألفاظنا وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي، وقد كلم الله موسى ﵇ تكليما منه إليه، وناوله التوراة من يده إلى يده، ولم يزل متكلما (١) . والقرآن كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف. واحتج أحمد بن حنبل (٢) بأن الله تعالى كلم موسى، فكان الكلام من الله، والاستماع من موسى، وبقوله :. . ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] الآية [السجدة: ١٣] . وروى الترمذي عن خباب بن الأرت (٣) أن النبي ﷺ قال: «إنكم لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه، يعني: القرآن» (٤) .

стр. 71

[فصل الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة هي عين كلام الله] فصل ونعتقد أن الحروف المكتوبة، والأصوات المسموعة، عين كلام الله قال تعالى: ﴿الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢] وقال: ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] و ﴿الر﴾ [يونس: ١] و ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] و ﴿حم - عسق﴾ [الشورى: ١ - ٢] فمن لم يقل إن هذه الأحرف كلام الله ، فقد مرق من الدين، وخرج عن جملة المسلمين، ومن أنكر أن تكون حروفا، فقد كابر العيان، وأتى بالبهتان، وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله ، فله عشر حسنات» رواه الترمذي وصححه (١) ورواه غيره من الأئمة وفيه: «أما إني لا أقول ﴿الم﴾ [البقرة: ١] حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٢) . وعن أم سلمة ﵂ قالت: «كانت قراءة رسول الله ﷺ مفسرة حرفا حرفا» رواه أبو داود والنسائي والترمذي (٣) وصححه [عن] (٤) يعلى بن مملك، وعن سهل بن [سعد] (٥) .

стр. 72

الساعدي قال: بينا نحن نقرأ، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر والأسود، اقرؤوا القرآن، قبل أن يأتي أقوام يقرؤون القرآن، يقيمون حروفه، كما يقام السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره، ولا يتأجلونه» رواه الآجري (١) . وروى أبو عبيد في " فضائل القرآن " بإسناده قال: سئل علي ﵁ عن [الجُنُب] (٢) يقرؤون القرآن قال: لا ولا حرفا " (٣) وروى نحوه عن ابن المبارك (٤) وزاد: من قال لا أومن بهذه اللام فقد كفر وقال أيضا: من حلف بسورة البقرة، فعليه بكل حرف منها يمين وقال طلحة بن [مصرف] (٥) قرأ رجل على معاذ بن جبل القرآن، فترك واوا فقال: لقد تركت حرفا أعظم من أحد. قال الحسن البصري (٦) قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وما تدبر آياته إلا اتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول لقد قرأت القرآن كله، فما أسقطت منه حرفا وقد أسقطه والله كله.

стр. 73

[فصل الله يتكلم بحرف وصوت] فصل وأما الصوت، فقد ورد في رواية عبد الله بن [أنيس] (١) مرفوعًا في حديث الحشر «فيناديهم سبحانه بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب» . رواه أحمد وجماعة من الأئمة واستشهد به البخاري (٢) .

стр. 74

وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء كسلسلة على صفوان، فيخرون سجدا» . . . " الحديث (١) . وقول القائل إن الحروف والأصوات لا تكون إلا من مخارج باطل ومحال قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وكذا قوله إخبارا عن السماء والأرض أنهما. . . ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فجعل القول لا من مخارج، ولا أدوات، وروي عن النبي ﷺ أنه كلمته الذراع المسمومة (٢) وأنه سلم عليه الحجر (٣) وسلمت عليه الشجرة (٤) .

стр. 75

وبالجملة فالقرآن العظيم هو كتابه المبين، وحبله المتين، أنزله على سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، وهو سور، وآيات، وأصوات، وحروف، وكلمات، له أول وآخر، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مكتوب في المصاحف، مسموع بالآذان، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] والقرآن هو هذا الكتاب العربي، الذي قال فيه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١] وقال بعضهم فيه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] فتوعده الله بإصلائه سقر، وقال بعضهم هو شعر فقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] فلما نفى سبحانه عنه الشعر، وأثبته قرآنا، لم تبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي عُلِمَ أوله وآخره، فمن زعم أن القرآن اسم لغيره دونه، بان جهله وحمقه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان، بمثل ما لا يدري ما هو، ولا يعقل معناه.
следующие страницы →