← Акыда

Акыда · id 3874

قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر

صديق حسن خان

Полный текст (165 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[فصل الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة هي عين كلام الله] فصل ونعتقد أن الحروف المكتوبة، والأصوات المسموعة، عين كلام الله قال تعالى: ﴿الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢] وقال: ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] و ﴿الر﴾ [يونس: ١] و ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] و ﴿حم - عسق﴾ [الشورى: ١ - ٢] فمن لم يقل إن هذه الأحرف كلام الله ، فقد مرق من الدين، وخرج عن جملة المسلمين، ومن أنكر أن تكون حروفا، فقد كابر العيان، وأتى بالبهتان، وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله ، فله عشر حسنات» رواه الترمذي وصححه (١) ورواه غيره من الأئمة وفيه: «أما إني لا أقول ﴿الم﴾ [البقرة: ١] حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٢) . وعن أم سلمة ﵂ قالت: «كانت قراءة رسول الله ﷺ مفسرة حرفا حرفا» رواه أبو داود والنسائي والترمذي (٣) وصححه [عن] (٤) يعلى بن مملك، وعن سهل بن [سعد] (٥) .

стр. 72

الساعدي قال: بينا نحن نقرأ، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر والأسود، اقرؤوا القرآن، قبل أن يأتي أقوام يقرؤون القرآن، يقيمون حروفه، كما يقام السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره، ولا يتأجلونه» رواه الآجري (١) . وروى أبو عبيد في " فضائل القرآن " بإسناده قال: سئل علي ﵁ عن [الجُنُب] (٢) يقرؤون القرآن قال: لا ولا حرفا " (٣) وروى نحوه عن ابن المبارك (٤) وزاد: من قال لا أومن بهذه اللام فقد كفر وقال أيضا: من حلف بسورة البقرة، فعليه بكل حرف منها يمين وقال طلحة بن [مصرف] (٥) قرأ رجل على معاذ بن جبل القرآن، فترك واوا فقال: لقد تركت حرفا أعظم من أحد. قال الحسن البصري (٦) قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وما تدبر آياته إلا اتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول لقد قرأت القرآن كله، فما أسقطت منه حرفا وقد أسقطه والله كله.

стр. 73

[فصل الله يتكلم بحرف وصوت] فصل وأما الصوت، فقد ورد في رواية عبد الله بن [أنيس] (١) مرفوعًا في حديث الحشر «فيناديهم سبحانه بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب» . رواه أحمد وجماعة من الأئمة واستشهد به البخاري (٢) .

стр. 74

وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء كسلسلة على صفوان، فيخرون سجدا» . . . " الحديث (١) . وقول القائل إن الحروف والأصوات لا تكون إلا من مخارج باطل ومحال قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وكذا قوله إخبارا عن السماء والأرض أنهما. . . ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فجعل القول لا من مخارج، ولا أدوات، وروي عن النبي ﷺ أنه كلمته الذراع المسمومة (٢) وأنه سلم عليه الحجر (٣) وسلمت عليه الشجرة (٤) .

стр. 75

وبالجملة فالقرآن العظيم هو كتابه المبين، وحبله المتين، أنزله على سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، وهو سور، وآيات، وأصوات، وحروف، وكلمات، له أول وآخر، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مكتوب في المصاحف، مسموع بالآذان، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] والقرآن هو هذا الكتاب العربي، الذي قال فيه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١] وقال بعضهم فيه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] فتوعده الله بإصلائه سقر، وقال بعضهم هو شعر فقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] فلما نفى سبحانه عنه الشعر، وأثبته قرآنا، لم تبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي عُلِمَ أوله وآخره، فمن زعم أن القرآن اسم لغيره دونه، بان جهله وحمقه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان، بمثل ما لا يدري ما هو، ولا يعقل معناه.

стр. 76

[فصل علم الله تعالى بجميع المخلوقات وقدرته على جميع الممكنات] فصل والله سبحانه خالق لجميع المخلوقات، عالم بجميع المعلومات، من الجزئيات والكليات قادر على جميع الممكنات، وعلى أن يخلق مثلهم، وهو الخلاق العليم، مريد لجميع الكائنات، سميع بصير، لا شبه له ولا مثل، ولا ضد ولا ند، ولا شريك له في وجوب الوجود، ولا في استحقاق العبادة، ولا في الخلق والأمر والتدبير، ولا يشفي مريضًا ولا يرزق مرزوقًا ولا يكشف ضرا إلا هو. ولا يحل في غيره، ولا يحل غيره فيه، ولا يتحد غيره به، ولا يقوم حادث بذاته، ولا في ذاته حدوث وإنما الحدوث تعلق في تعلق الصفات بمتعلقاتها، بريء عن التجدد والحدوث من جميع الوجوه، ولا يصح عليه الجهل، ولا الكذب، وهو فوق العرش، كما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، ولا يحتاج إلى شيء في ذاته وصفاته، ولا حاكم عليه ولا حكم إلا له، ولا يجب عليه شيء بإيجاب غيره، وهو لا يخلف الميعاد، وجميع أفعاله تتضمن الحكمة، ولا قبيح منه، ولا ينسب في فعله إلى جور وظلم، وليس للعقل حكم في حسن الأشياء وقبحها، وله الأسماء الحسنى، والمثل الأعلى، ولا حاكم سواه، ولا معبود إلا إياه.

стр. 77

[فصل الإيمان قول وعمل] فصل (١) والإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، مطابقًا للكتاب والسنة، والنية لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢) . والإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وقال تعالى:. . ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وقال تعالى:. . ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وفي الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٣) . فجعل القول والعمل جميعا من الإيمان، ومع ذلك لا يكفر أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما قالت الخوارج (٤) بل الأخوة الإيمانية باقية مع المعاصي، كما قال تعالى في آية القصاص:. . ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]

стр. 78

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] ولا يسلب من الفاسق اسم الإيمان المطلق بالكلية، ولا يخلد في النار، كما قالت المعتزلة (١) بل للفاسق مَلِيًا (٢) اسم الإيمان، كما في قوله تعالى:. . ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وقوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (٣) ". ونحو ذلك فهو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بالإيمان فاسق بالكبيرة، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم. فلا يشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار، لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء، وكما روي، فيصدقه، ويقبله، ويعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة، ينسب صاحبها إلى الكفر، والخروج من الإسلام، فيتبع ذلك ولا يجاوزه (٤) .

стр. 79

[فصل عودة إلى مبحث الإيمان والإسلام] فصل (١) والإيمان هو الإسلام، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت» (٢) فهذا حقيقة الإسلام. وأما الإيمان فعن عمر بن الخطاب «أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله. قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم» . أخرجه (٣) مسلم وأبو داود وغيرهما. وفيه من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال، وفي حديث سعد بن أبي وقاص «إني لأراه مؤمنا فقال رسول الله ﷺ أو مسلما فذكر ثلاثة وأجابه بمثل ذلك» (٤) . قال الزهري (٥) " فنرى الإسلام الكلمة والإيمان العمل الصالح ". قلت: فعلى هذا قد يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام إلا إلى الكفر بالله - تعالى وتبارك - أعاذنا الله منه.

стр. 80

[فصل القضاء والقدر] فصل ويجب الإيمان بالقدر، خيره وشره، وحلوه ومره، وقليله وكثيره، أنه من الله تعالى، ليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر شيء إلا عن تدبيره وقضائه، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المحفوظ، ولا خير ولا شر إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة، واستعمله بها فضلا، وخلق من أراد للشقاوة، واستعمله بها عدلا، فهو سر استأثر الله تعالى به، وحجبه عن خلقه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقال رسول الله ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (١) خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] ولا يجوز أن يجعل قدر الله تعالى وقضاؤه حجة بعد الرسل، ونعلم أن لله الحجة علينا بإنزال الكتب، وبعثه الرسل، وما أمر الله تعالى ونهى إلا لمستطيع الفعل والترك، ولم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره على ترك

стр. 81

الطاعة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] فدل على أن للعبد كسبا يجزى على حسنته بالثواب، وعلى سيئته بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره، . [درجات الإيمان بالقدر] والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: الأولى: الإيمان بأن الله عليم بما يعمل الخلق بعلمه القديم الذي هو موصوف به، وقد علم جميع أحوالهم، من الطاعات والمعاصي، والأرزاق والآجال، ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، و «أول ما خلق الله القلم وقال له: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» (١) . وهذا التقدير تابع لعلمه سبحانه، يكون في مواضع جملة وتفصيلا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء. وإذا خلق الجنين، قبل خلق الروح فيه بعث إليه ملكا، فيؤمر بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، شقي أم سعيد، ونحو ذلك (٢) . فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية (٣) قديما، ومنكره اليوم قليل. أما الثانية: فهو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد. وأنه سبحانه على كل شيء قدير، من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض، ولا

стр. 82

في السماء إلا الله خالقه، سبحانه لا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسوله، ونهاهم عن معصيته، ومعصية رسوله، وهو سبحانه يحب المتقين، والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. [القدرية مجوس الأمة تحقيق ذلك] والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أفعالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، وهذه الدرجة من القَدَر، يكذب بها عامة القدرية، الذين سماهم النبي ﷺ : «مجوس هذه الأمة» (١) يغلو فيها قوم (٢) من أهل الإثبات، حتى يسلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه، وحكمها ومصالحها. فالقدر ظاهره وباطنه، ومحبوبه ومكروهه،

стр. 83

وحسنه وسيئه، وقله وكثره، وأوله وآخره من الله قضاء قضاه على عباده، وقدر قدره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة الله، ولا يجاوز قضاه، بل كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم، وهو عدل منه جل ربنا وعز. والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك والكفر والبدعة والمعاصي والكبائر والصغائر كلها بقضاء الله وقدر منه، من غير أن يكون لأحد من الخلق حجة على الله. وعلم الله ، ماض في خلقه، بمشيئة منه، وقد علم من إبليس وغيره، ممن عصاه من لدن عصي إلى أن تقوم الساعة، المعصية وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة، وخلقهم لها، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم. ومن زعم أن الله سبحانه شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة، وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله، وأي افتراء على الله أكبر من هذا. ومن زعم أن الزنا ليس بقدر، قيل له أرأيت هذه المرأة حملت من الزنا، وجاءت بولد، هل شاء الله تعالى أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم أن مع الله خالقا آخر وهذا هو الشرك صراحا. ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء وقدر، فقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، وهذا صراح قول المجوسية، بل أكل رزقه الذي قضى الله له أن يأكله من الوجه الذي أكله.

стр. 84

ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر الله، فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله، وأي كفر أوضح من هذا؟ بل ذلك بقضاء الله وذلك عدل منه في خلقه وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم وهو العدل الحق الذي يفعل ما يشاء. ومن أقر بالعلم، لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة، على الصغر [والقَمْأَة] (١) فالأشياء كلها تكون بمشيئة الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وكما قال المسلمون ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقالوا إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله، أو يقدر أن يخرج عن علمه تعالى، أو أن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله، وأقروا أنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد خلقها الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا، وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين، ولطف للمؤمنين، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم ولم يلطف للكافرين، ولا أصلحهم، ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف لهم، حتى يكونوا مؤمنين، كما قال تعالى:. . . ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ولكنه أراد أن يكونوا كافرين، كما علم، وخذلهم، وأضلهم وطبع على قلوبهم وختم على سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، ويؤمنون أنهم. . . ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦] كما قال، ويكلون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إليه سبحانه في كل وقت، والفقر إليه في كل حال.

стр. 85

[فصل بعض خصائص الرسول ﷺ ] فصل ونعتقد أن محمدًا المصطفى، وأحمد المجتبى ﷺ ، خير الخلائق، وأفضلهم وأكرمهم على الله وأعلى درجة، وأقربهم إلى الله وسيلة بعثه الله رحمة للعالمين وخصه بالشفاعة في الخلق أجمعين. عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلوة فليصل، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (١) وقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة» (٢) وقال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من ينشق عنه القبر وأنا أول شافع ومُشفَّع» (٣) رواه مسلم والنسائي. وعن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ : «آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك» رواه مسلم (٤) إلى غير ذلك من الخصائص والفضائل. قلت: له ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات:

стр. 86

[شفاعة الرسول وأنواعها] أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى الشفاعة حتى تنتهي إليه. والثانية: أن يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة. وهاتان الشفاعتان خاصتان به. والثالثة: يشفع فيمن يستحق النار، فيشفع في قوم، فلا يصيرون إلى النار، وهذه الشفاعة له ولسائر المؤمنين والصديقين والشهداء وغيرهم من الملائكة. . . ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ولا ينفع الكافرين شفاعة الشافعين ويخلد قوم فيها أبدا، وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله ، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمما، ويخرج الله من النار قوما بغير شفاعة بفضله ورحمته الواسعة، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما، فيدخلهم الجنة (١) . وتكون الشفاعة بالإذن لمن أذن له الرحمن وقال صوابًا وقد نص القرآن الكريم على ذلك في مواطن منها قوله :. . ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والشفعاء كلهم داخلون تحت هذا الإذن، ولا يشفع أحد بغير إذنه تعالى.

стр. 87

[فصل سلامة قلوب أهل السنة لصحابة رسول الله ﷺ ] فصل ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وطاعة لقوله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١) ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - على من أنفق بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٢) وبأنه «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٣) كما أخبر به النبي ﷺ ، ورضي الله عنهم، ورضوا عنه.

стр. 88

ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة المبشرة (١) وثابت ابن قيس (٢) وغيرهم من الصحابة وأهل البيت. ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها صاحبه الأخص، وأخوه في الإسلام، ورفيقه في الهجرة والغار، ووزيره في حياته، وخليفته بعد وفاته، أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة الصديق ﵁. ثم من أعز به الإسلام، وأظهر الدين، عمر بن الخطاب الفاروق. ويثلثون بذي النورين عثمان بن عفان، الذي جمع القرآن والحياء والعدل والإحسان، ويربعون بابن عم النبي ﷺ وختنه، علي بن أبي طالب ﵁. كما دلت عليه الآثار، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي، بعد اتفاقهم على أبي بكر وعمر، أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان، وسكتوا، وربعوا بعلي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، ولكن استقر أمر أهل السنة والجماعة على تقديم عثمان على علي، وإن كانت مسألة

стр. 89

علي وعثمان ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. قال عبد الله بن عمر: «كنا نقول والنبي ﷺ حي أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره» (١) وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: " خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث " (٢) . وأحقهم بالخلافة بعد النبي ﷺ أبو بكر، لفضله، وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلوات على جميع أصحابه (٣) وإجماع الصحابة على تقديمه، ومتابعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة. ثم بعده عمر لفضله، وعهد أبي بكر إليه. ثم عثمان، لتقديم أهل الشورى له. ثم علي ﵁، لإجماع أهل عصره عليه. فهؤلاء الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون، ومن طعن في خلافة أحدٍ من هؤلاء، فهو أضل من حمار أهله (٤) وقد قال رسول الله ﷺ : «عليكم بسنتي

стр. 90

وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عَضّوا عليها بالنواجذ» (١) وقال ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (٢) فكان آخرهم خلافة علي ﵁ (٣)

стр. 91

[فصل وجوب محبة أهل بيت رسول الله ﷺ ] فصل ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ ، حيث قال يوم غدير خمٍّ: «أُذكِّرُكُم الله في أهل بيتي مرتين» (١) وقال للعباس عمه، حين اشتكى أن بعض قريش لا يلقونه بوجه طلق «والذي نفسي

стр. 92

بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» (١) . ويؤمنون بأن أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، بنص القرآن، وأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة، وهي أم أكثر أولاده، وأول من آمن به من النساء، وعاضدته على أمره، وكان لها منه المنزلة العلية. والصديقة بنت الصديق، التي قال فيها النبي ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٢) . وقد برأها الله سبحانه في كتابه، وهي زوجته في الدنيا

стр. 93

والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه، فقد كفر بالله العظيم، وكذّب بكتابه الحكيم. ويتبرؤون من طريقة الروافض والشيعة، الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم (١) وطريقة النواصب والخوارج الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل. ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية منها ما هو كذب، ومنها ما هو قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منها هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك يعتقدون أن كل أحد من الصحابة ليس معصومًا عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، ولهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وكلهم عدول بتعديل رسول الله ﷺ ، وقد ثبت في قوله ﷺ : أنهم «خير القرون» (٢) وأن «المد

стр. 94

من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا» (١) ممن بعدهم. ثم إذا كان قد صدر عن أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ لأصحابه الذين هم أحق الناس بشفاعته أو ابتلي ببلاء في الدنيا [كفِّر] (٢) به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف في الأمور التي كانوا مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد؟ . والخطأ مغفور. ثم القدْر الذي يُنْكر من فِعل بعضهم قليل، فوِزْرُه مغفور، في جنب فضائلهم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، بالأنفس والأموال والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، والنصيحة لخلق الله. ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما منّ الله به عليهم من الفضائل والكرامات، ورفيع الدرجات، في الدنيا والآخرة، علم يقينا وعيانا بلا ريب ومرية أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لم يكن ولا يكون مثلهم أبدا، وأنهم الصفوة من هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله (٣) . وبالجملة فكل من شهد له منهم رسول الله ﷺ بالجنة شهدنا له، ولا نشهد لأحد غيرهم، بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، ونكل علم الخلق إلى خالقه، ولا يحكمون بالجنة لأحد بعينه من الموحدين حتى يكون الله تعالى ينزلهم حيث شاء، ويقولون أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم على المعاصي، وإن شاء غفر لهم، ويؤمنون بأن الله تعالى يخرج قومًا من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ (٤) . فالزم - رحمك الله - ما ذكرت لك من كتاب ربك العظيم، وسنة نبيك الرؤوف الرحيم، ولا تحدْ عنه بقول أحد وعمله، ولا تبتغ الهدي من غيره، ولا تغتر

стр. 95

بزخارف المبطلين وانتحالهم، وآراء المتكلمين المتكلفين، وتأويلهم. إن الرشد والهدي والفوز والرضا فيما جاء من عند الله ورسوله لا فيما أحدثه المحدثون وأتى به المتنطعون من آرائهم المضمحلة، وعقولهم الفاسدة، وارض بكتاب الله وسنة رسوله بدلًا من قول كل قائل وزخرف باطل. [من أصول السنة التصديق بكرامات الأولياء] ومن أصول السنة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق عادات، في أنواع العلوم والمكاشفات والتأثيرات، كالمأثور عن سلف الأمة وأئمتها، وسالف الأمم، في سورة الكهف وسورة مريم وغيرها، وعن صدر هذه الأمة، من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة (١) . والكشف والكرامة ليس بحجة في أحكام الشريعة المطهرة، وخاصة فيما يخالف ظاهر الكتاب والسنة (٢) . ولا يمتاز صاحب الولاية والكرامة عن آحاد المسلمين في شيء من الزي والعمل والقول، ولا يختص بالنذر (٣) وغيره مما ينبغي لله سبحانه، قال محمد بن ناصر الحازمي (٤) - " الذي يجب للأولياء المتبعين لا المبتدعين هو المحبة والتوقير والتعظيم والاتباع والدعاء والاستغفار والاقتفاء بهم في محاسن الأقوال والأفعال بما اقتضى

стр. 96

الكتاب والسنة، وإثبات الكرامة اللازمة كما وقع لبعض الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يتجاوز بهم إلى حد المعجزات النبوية، ولا الخوارق الإلهية، حتى يعرف الفرق بين الحق والخلق والمعصوم وغيره ". [تعريف المعجزة والكرامة] وتعريف المعجزة: هي أمر خارق للعادة، داع إلى الخير والسعادة، مقرون بدعوى النبوة، قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول من الله سبحانه. وتعريف الكرامة: بأنها ظهور أمر خارق للعادة، من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة. فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجًا، وما كان مقرونا بدعواها يكون معجزة. وأما إثبات التصرف في العالم للأولياء، وسقوط التكليف عنهم، وإثبات ما يختص بالله، فإسقاط لحق الربوبية والألوهية، ودعوى مجردة عن الدليل، بل من العقائد الفاسدة الضعيفة، والأباطيل الشركية السخيفة. والاستدلال بأمثال قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ [الزمر: ٣٤] حجة فاسدة، فإن ذلك وعد لهم، والله لا يخلف الميعاد، وهذا لهم في الآخرة، كما صرحت به الآيات والأحاديث. ودعوى العموم، بعيدة محالة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والله المستعان. وكفى بالله شهيدًا على الضمائر، وحكمًا بين العادل والجائر، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون، ما أكثر هذا اليوم في الأحزاب المتحزبة، والجموع المجتمعة، من فرق الشيعة، والمتصوفة، وطوائف المبتدعة، يُسَيِّرون قواعد لم تتأسس على علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، ثم يبنون عليها قناطير علمهم وعملهم، وما لم يشهد له دليل من الافتراء والشبهة التي نشأت عن الهوى والإلف والتقليد، ساقطة في البيِّن فتبقى الدعوى مجردة، وحجج الله سبحانه أكبر وأكثر. وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] أوضح دليل على المدعى لأن الخير مقصور على اتباعه. فيا حسرة الجهلة البطلة الزاعمين بأن اتباعهم لمن قلدوه ينجيهم من دون اقتصاص واقتصار على الآثار النبوية ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]

стр. 97

والإسلام ما جاء به خاتم النبيين وسيد المرسلين ﷺ . . . ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] فمن لم يخص الله بالاعتصام، وهو أغنى الشركاء عن الشرك، لم يعتصم عن الضلالة، ومن أخلص لله، سلم من الضلالة، ومثله قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] [بيان ما آل إليه أمر المتصوفة من الاستعانة بغير الله] ولقد أربى ضلال المتصوفة، واتبعهم الرعاع والجهلة، واستحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله، فلا تسمع إلا يا سيدي أحمد البدوي، ويا سيدي الزيلعي، ويا سيدي عيدروس، ويا جيلاني، ولا تسمع من يذكر الله، ويلجأ إليه في البحر والبر إلا قليلًا، ولفقوا كذبات لا أصل لها، وقد عمت جهالاتهم اليوم عامة أهل وقتنا وخاصتهم، إلا من شاء الله، فيضيفون إليهم من القدرة والعلم بالمغيبات، والتصرف في الكائنات، ما يختص بالله سبحانه، حتى قالوا فلان يتصرف في العالم (١) وكل عبارة أخبث من أختها. اللهم إنا نبرأ إليك من صنيع هؤلاء، ونسألك أن تكتبنا من الناهين عن ضلالاتهم، والمنادين لهم، ونستغفرك في التقصير، وقد علمت عجزنا عن السيف والقنا، أن نقضي به عليهم، وعن اللسان أن ننصحهم، أو ننادي به عليهم، إلا في الصحف والكتابة، والحمد لله على كل حال. انتهى.

стр. 98

[فصل كيفية التوسل بالصالحين] فصل ومن لواحق البحث الذي قبله التوسل بهم، وأصل الوسيلة (١) ما يتوسل به ويتقرب به إلى الشيء. وحديث «آت محمدا الوسيلة» (٢) قيل: القرب من الله سبحانه، وقيل: الشفاعة، وقيل: منزلة من منازل الجنة (٣) . وفي التوسل خلاف (٤) والحق أن ما صح عن النبي ﷺ وجب اتباعه، والعمل به، كحديث الأعمى الذي في السنن، وهو حديث حسن، لا موضوع، فيه «يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي» (٥) . وحديث رواه أحمد والحاكم وفيه: «بحق السائلين

стр. 99

عليك» (١) وأمثال ذلك (٢) .

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 103

وقال بعضهم: يؤخذ من طلب الوضوء على المريض من رسول الله ﷺ بالتماس البركة فيما لامسه الصالحون، لتقريره ﷺ . وهذا محل توقف لأن ذلك بالقياس، وهو ممنوع، لسد ذرائع العقائد الفاسدة في الخلق، ولا نعلم أحدًا من الصالحين في رتبته حتى يلحق به، كما هو مقتضى القياس مع الفارق. وأما ما لم يصح عن الله ورسوله ﷺ ، فسد الباب هو اللازم حماية لجناب التوحيد، إذ فتح هذا ذريعة لاتساع عقائد السوء، والخروج عن محض التوحيد المأمور به، قال تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] والمؤمنون عرفوا الله منزها عن الأنداد والأضداد، ومنعمًا ورؤوفًا ورحيمًا بالعباد، ودودًا وكريمًا ولطيفًا وخالقًا ورازقًا، ونحوها من صفات الكمال، فأحبوه كما ينبغي له، ويزداد هذا بزيادة المعرفة. اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي، وأهلي ومالي، ومن الماء البارد. والذي يظهر أن الحامل لمن ادعى العلم والعقل، على محبة ما لا ينفع ولا يضر، والتوسل به، والاعتقاد فيه، اتباع من يظن به الخير من أهل العلم، ودرجهم إبليس شيئًا فشيئًا، حتى تعودوا ذلك وألِفوه، وسوغ لهم ذلك التقليد، وعدم النظر في الكتاب والسنة. ومن نظر بإنصاف فيهما لم يخف عليه الحق الصراح، ولهذا لا تسمع عند الشدائد في مدائن الإسلام الاستغاثة بالله ولا الاستعانة [به] (١) ولا التوسل به ولا دوام ذكره إلا قليلًا [بل] أقل، وإنما يجيز أكثرهم الّلج بالمشايخ والأولياء. اللهم إنا نبرأ إليك من أمثال تلك الضلالات والمحدثات، ونعوذ بك من جميع ما كره الله.

стр. 104

[فصل حكم النذر وأنواعه] فصل ومن لواحق ذلك، النذر للأولياء وللقباب والمشاهد والقبور والضرائح. وقد ورد في الصحيح عنه ﷺ النهي عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير» (١) فقيل: النذر من حيث هو مكروه (٢) وقيل: خلاف الأولى، وفيه إساءة الظن بربه وهذا يؤكد حمل النهي على

стр. 105

التحريم، والمراد أنه لا يرد القضاء ولا نفع فيه، ولا صرف ضر، ولا جلب خير. [كلام هام لأهل العلم فيما ينذر به على القبور] والظاهر من الأدلة الصحيحة الصريحة، تحريم نذور القباب وغيرها، وهذا من العمل الذي ليس عليه أمره. وفى الصحيحين «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) وهو دال على بطلان العقود غير المأمور بها، وعدم ترتب ثمراتها عليها سواء كان عن مَن جهل، أو عرف الحق، وتعمد خلافه، فهذه النذور محرمة باطلة (٢) .

стр. 106

وكذلك الأموال التي توقف على الكعبة المشرفة، وعلى المسجد النبوي، ينبغي صرفها في مصالح الإسلام وأهله، ولا تترك سدى، ولقد «لعن رسول الله ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد» (١) يصلى فيها، فكيف من اعتقد واتخذ القبر وثنا يضر وينفع؟ وعنه ﷺ : «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) و «إن مَن كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٣) رواه أحمد وابن حبان. وعن علي «أمرني رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (٤) . وقد علم بالأدلة الصحيحة المحكمة أن بناء المشاهد والقباب لا يجوز (٥) وأن النذور لها محرمة.

стр. 107

[فصل الرؤيا من الله وحي ما لم تكن ضغثا] فصل والرؤيا من الله تعالى وحي حق، إذا رأى صاحبها في منامه ما ليس ضغثًا (١) فقصها على عالم، وصدق فيها، وأولها على أصل تأويلها الصحيح ولم يحرف. والرؤيا تأويلها حق، وقد كانت الرؤيا من الأنبياء وحيًا (٢) فأي جاهل أجهل ممن يطعن في الرؤيا، ويزعم أنها ليست بشيء، وبلغني أن من قال هذا القول لا يرى الاغتسال من الاحتلام. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده» (٣) .

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 109

وقال: «إن الرؤيا من الله» (١) (٢) . وفي الباب أحاديث، ذكرها في المشكاة (٣) وغيره.

стр. 110

[فصل الإجماع على الإسراء والمعراج] فصل وأجمع القائلون بالأخبار، والمؤمنون بالآثار، أن رسول الله ﷺ أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بنص القرآن، ثم عرج به إلى السماء واحدة بعد واحدة حتى إلى فوق السماوات السبع، وإلى سدرة المنتهى بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من السماء إلى مكة قبل الصبح. وفيه أيضا دليل على علو الرب تعالى، وكونه فوق العرش، مستويا عليه، كما قال سبحانه في مواضع من كتابه ومنها قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (١) . فمن قال إن الإسراء في ليلة والمعراج في أخرى فقد غلط (٢) ومن قال إنه منام وأنه لم يسر بعبده فقد كفر. وقد روى قصة الإسراء عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة كثيرة (٣) وكل ذلك أخبار صحيحة، وآثار صريحة مقبولة، مرضية عند أهل النقل.
следующие страницы →