← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أحكام القرآن تأليف القاضي الفقيه الإمام أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي المتوفى سنة ٣٤٤ هـ رواية أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الأدفوي عنه تحقيق سلمان الصمدي [الجزء الأول]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

أَحْكَامُ القُرْآنِ [١]

стр. 4

أحكام القرآن تأليف: القاضي بكر بن محمد بن العلاء القشيري تحقيق: سلمان الصمدي الطبعة الأولى: ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م جميع الحقوق محفوظة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم © طبع بموجب إذن طباعة من المجلس الوطني للإعلام بدولة الإمارات رقم ٨٩٢٩٠ - تاريخ ٢٠/ ١٢/ ٢٠١٥ جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم وحدة البحوث والدراسات ص ب: ٤٢٠٤٢ دبي - الإمارات العربية المتحدة هاتف: ٩٧١٤٢٦١٠٦٦٦ + فاكس: ٩٧١٤٢٦١٠٠٨٨ + الموقع على الإنترنت: www.quran.gov.ae البريد الإلكتروني: Research@quran.gov.ae

стр. 5

الافتتاحية الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، خاتم النبيين وإمام المرسلين، وخير خلق اللَّه أجمعين، ورحمة اللَّه للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإن القرآن الكريم هو الرسالة الخاتمة، والمعجزة الخالدة، أنزله اللَّه سبحانه على قلب رسوله وحبيبه محمد ﷺ ، فسطعت أنوار معرفته، وتجلت أسرار إعجازه، وأخذت روعة بيانه بالألباب، وأسرت القلوب والأفئدة، وتحدى الأولين والآخرين من الثقلين أن يأتوا بمثله، فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وأدرك المخاطبون أنهم أمام بيان معجز، فأذعن الإنس والجن بأنه كلام اللَّه المعجز، ونطق لسان العدو اللدود له بأن "له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر"، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وإنه حبل اللَّه المتين، والنور المبين، والصراط المستقيم، والحجة الباقية إلى يوم الدين، لا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه، وقد تكفل اللَّه سبحانه بحفظه، وصانه أن تطال إليه يد التحريف والتبديل، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].

стр. 6

ومنذ أن أنزل القرآن على الرسول الكريم ﷺ ، صار شغل الأمة الشاغل، قراءة، وتزكية، وتعلمًا وتعليمًا، وحفظًا، وعملًا، وتدبرًا، وأفرغوا في تفسير نصوصه، وتحليل خطابه، والكشف عن كنوزه كل طاقاتهم، فتحقق للقرآن الكريم من العناية والحفاوة ما لم يتحقق قط لكتاب سماوي أو أرضي، ولن يتحقق ذلك. وقد هيأ اللَّه لكتابه الكريم أقوامًا من شعوب وقبائل شتى، عربًا وعجمًا، يتسابقون ويتنافسون في خدمته، والذود عنه، فخرجوا بأنواع شتى من أصناف التفسير والتحليل، من تفسير بالمأثور، وآخر بالرأي، وآخر يعنى بالنحو والبلاغة، وآخر يعنى بالتفسير الفقهي وغير ذلك من أصناف التفسير. وهذا الكتاب: "أحكام القرآن، للقاضي بكر بن إسماعيل القشيري"، من أقدم الكتب التي وصلتنا كاملة، ونحى به مؤلفه منحًى فقهيًا، وقد أذن اللَّه له ليرى النور، نضعه بين أيدى طلاب العلم، لتقر أعينهم به. وقد أُلِّف هذا الكتاب في عصر كان من أزهى عصور الإسلام ازدهارًا للعلم، ودولة الإسلام قائمة وشرع اللَّه هو الحاكم على ربوع المسلمين، والمسلمون في عزتهم، وهم يومئذ في طليعة الأمم، وكانت المساجد جامعات تزدهر بالمناظرات العلمية، والساحة العلمية تعج بالبحث والمناقشات والردود، فالفكر الإسلامي لم يعرف التحجر ولا الجمود، بل باب المناقشات والردود كان مفتوحًا إلى أبعد مدى، في مثل هذه الظروف ألف هذا الكتاب، وانعكس روح العصر فيه، ففيه ردود ومناقشات، وعرض للأدلة على طربقة المناظرات العلمية، لكنّ الردود على الإمام الشافعي ﵁ اتسمت بالعنف، وحادت عن الموضوعية والمناقشة العلمية الهادئة إلى الطعن والتجريح -أحيانًا-، ونحن لم نشأ أن نتدخل في هذه الردود بالتعليق، فإن الإجابة عن مثل هذه الردود قد تولاها علماء الشافعية وغيرهم، وهي مبثوثة في الكتب، فلم

стр. 7

يكن هناك من داعٍ لإثقال الهوامش بمناقشات فات أوانها، وقد كفيناها، وإنما ننبه القارئ الكريم أننا نعيش زمنًا غير تلك الأزمنة، فإن كانت هناك مسوغات على هذه الردود في تلك العصور، فإن زماننا لا يتحمل مثل هذه المناقشات، ولا مسوّغ عن الخروج عن المنهج العلمي المنضبط في المناقشات، وإن كنّا نقطع بسلامة قصد السابقين، وابتغائهم الحق، ولكن البشر -عدا الأنبياء- مهما بلغوا من العلم مقامًا ومن الفضل شأوًا فإنهم غير معصومين عن الخطأ، وقديما قيل: لكل عالم هفوة ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. ومن منطلق رسالة جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم في نشر الثقافة القرآنية، وتعميمها، يشرفها أن تسهم في خدمة كتاب اللَّه العزيز، وتقدم إلى المكتبة الإسلامية في سلسلة الدراسات القرآنية هذا الكتاب، راجين المولى أن يجعل هذا الكتاب وغيره من إنجازات الجائزة صدقة جارية في صحيفة أعمال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، راعي الجائزة الذي أنشأ هذه الجائزة لتكون منار خير تنشر ما تجود به القرائح في حقل الدراسات القرآنية، وتخدم القرآن الكريم بسبل شتى، فجزاه اللَّه عن القرآن وأهله خير الجزاء. ومن منطلق إسناد الفضل لأهله، فإن وحدة البحوث والدراسات في الجائزة تتقدم بالشكر والتقدير إلى رئيس اللجنة المنظمة للجائزة سعادة المستشار إبراهيم محمد بوملحه، مستشار صاحب السمو حاكم دبي للشؤون الثقافية والإنسانية الذي ما فتئ يشجع نشر الكتب العلمية القيمة في إطار رسالة الجائزة في خدمة كتاب اللَّه الكريم وسنة رسوله العظيم ﷺ .

стр. 8

وفي الختام نسأل اللَّه أن يجزل الأجر لمؤلف هذا الكتاب، وأن يغفر له ما بدر منه، وأن يجعله مع الإمام الشافعي ﵁ في جنان الخلد، من الذين قال اللَّه فيهم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وأن يكتب لمحقق هذا الكتاب عظيم المثوبة، ولكل من أسهم في خدمته وتصحيحه وتدقيقه وإخراجه في هذا الثوب القشيب. وصلى اللَّه وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد للَّه رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات. الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحيم سلطان العلماء رئيس وحدة البحوث والدراسات

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه تعالى، أشكره شكرًا يتوالى، وأصلي وأسلم سيدنا محمد إمام الأصفياء، وعلى آله الأنقياء الأتقياء، وصحابته الرحماء الأقوياء. أما بعد، فلم يعد خافيًا عن أنظار الدارسين، ما تميز به الأئمة المالكيون، ولا سيما المتقدمون، من رسوخ القدم ورحابة الباع في تحرير المسائل، وإقامة البراهين والدلائل، وقد ضَرَب حُذّاق أهل العراق من ذلك بالحظ الموفور، وأقاموا للاستدلال والتأصيل لمسائل المذهب تجارة لن تبور، وبتوالي بروز مصنفاتهم إلى عالم المطبوعات، ترسخت هذه الحقيقة، وزَهَقَت التهمة الشهيرة، والفِرية الخطيرة، بأن الفقه المالكي لم يُشَيَّد على أساس، وأن أحكامه لم تصدر عن النص أو معتبَر القياس، وأضحى من يردد هذا الكلام بإطلاق نائيًا عن العدل والإنصاف، حليفَ الجور والاعتساف. ويعتبر الكتاب الذي بين يديك، من أوضح تلك الدلائل وأجلاها، وقد حاز عددًا من المزايا والمحاسن الناطقة بقدره وجليل منزلته بين مصنفات المذهب، فموضوعه تفسير آيات الأحكام، وهو ضرب من ضروب العناية بالدليل في باب الدراسة الفقهية، كما يعد الكتاب أقدم كتب أحكام القرآن التي وصلتنا تامة إلى حدود كتابة هذه الأسطر، حيث لم يصلنا من أحكام القاضي إسماعيل ابن إسحاق (٢٨٢ هـ) سوى ورقات معدودة، طبعت في مجلد لا يبلغ نصف عُشر الكتاب، بل لم يصلنا من مصنفات غير المالكية في هذا الباب قبله، سوى طرف من كتاب أبي جعفر الطحاوي الحنفي (٣٢١ هـ)، وقد طبع في مجلدين.

стр. 10

وميزة قِدم الكتاب بالنسبة لما طُبِع، مع حُفولِه بالاستدلال للمذهب، والمحاماة عنه والرد على مخالفيه، أنه يوقف الدارسين على صفحة من صفحات ميلاد مناهج الخلاف، والجدل، والمناظرة، والاستدلال، والتقعيد والتعليل الفقهي للأحكام، كما يحتفظ الكتاب بنصوص كثيرة لشيخ مالكية العراق بلا مدافع القاضي إسماعيل بن إسحاق، على اعتبار الكتاب اختصارًا لأحكامه. . ومؤلف الكتابِ الإمامُ القاضي الفقيه، الأصولي النظار، المحدث الرّاوِيَة، المفسِّر لكلام اللَّه تعالى، بكر بن العلاء القشيري البصري المالكي، مجتمعٌ على جلالة قدره وعظيم مكانته، وأنه "من كبار الفقهاء المالكيين" كما نقل القاضي عياض، وأنه "من أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين" كما وصفه القرطبي. وبالرغم من كون الكتاب مختصرًا من أحكام القاضي إسماعيل، إلا أن منهجه في الاختصار والزيادة لم يجعله مجرد تهذيب وحسب، بل غَيَّر وجه الكتاب تمامًا، وأكسبه استقلالًا في البناء والمضمون. كل هذه الاعتبارات وغيرها، جعلت كتاب "أحكام القرآن" للقاضي بكر بن العلاء، أحد أهم مصادر الفقه المالكي، ودَعَت بإلحاح إلى التعجيل بإخراجه إلى الدارسين. وقد حُقق الكتاب في رسالتين جامعيتين بجامعة الإمام محمد بن سُعود بالمملكة السعودية، ولم ير النور فيما علصت إلى اليوم، وقد اطلعت على ما وضع من الرسالتين مرقونًا على شبكة الإنترنت، فألفيته جهدًا مشكورًا، اعترته بعض الملاحظات مثل الإطالة في التعليقات وإثقال الهوامش بما لا تحتمله من النقول والترجيح، والإطالة في التخريج، فضلًا عن وقوع كثير من التصحيفات والتحريفات، والكمال للَّه تعالى وحده، لأجل هذا قوي عزمي على إخراج الكتاب بمنهج مقارِب مقتصِد، جاعلًا غرضي الأول إقامة نصوصه، وتصحيح

стр. 11

حروفه، مع التعليق كلما اشتدت الضرورة إليه، فعسى أن يقع عملي هذا من الدارسين موقع القَبول، ويؤدي لهم يدًا أجد ذُخْرَها يوم الحساب، وعساهم يتجاوزون عما يجدونه من هنات وزلات، فـ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وختامًا، أنوه بفضل ذوي الفضل في إنجاز العمل، وعلى رأسهم الأستاذ البحاثة سيدي محمد بن عبد اللَّه الشعار البيروتي الحنفي، الذي لم يدخر جهدًا في التصحيح والمقابلة والإخراج الفني، حتى جاء على الهيئة التي هو عليها الآن، فاللَّهَ أسألُ أن يبارك فيه، ويجزيه خير الجزاء، ولغيره من الإخوة الكرام الأفاضل أقولهم ما قال الشاعر: فإن أكن ساكتًا عن شكر أنعمه ... فإن ذاك لعجزي لا لإغفالي وصلى اللَّه وسلم وبارك على سيدنا محمد إمام المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، والحمد للَّه رب العالمين. كتبه سلمان بن عبد السلام الصمدي بالقصر الكبير شمال المغرب الأقصى حرسه اللَّه تعالى يوم الاثنين غُرّة رجب الفَرْد عام ١٤٣٦ هـ الموافق ٢٠ أبريل ٢٠١٥ م.

стр. 12

القاضي بكر بن العلاء القشيري عصره وترجمته أ - نظرة في عصر القاضي تنقسم حياة القاضي بكر بن العلاء إلى مرحلتين زمنيتين، الأولى منها هي: "المرحلة العراقية"، وتمتد من الميلاد في سنة (٢٦٤ هـ)، إلى ما "قبل الثلاثين وثلاثمائة" (١)، ثم الرحلة إلى مصر لتبتدئ "المرحة المصرية"، وتمتدَّ إلى سنة الوفاة (٣٤٤ هـ)، وسأعرض هنا بحول اللَّه أهمَّ معالمِ هذا العصرِ الذي عاشه القاضي في الجانبين السياسيِّ والعلميِّ. الحالة السياسية نشأ القاضي وترعرع في ظل الدولة العباسية وعاصر عددًا من خلفائها وهم: - المعتمد على اللَّه، أحمد بن المتوكل، الذي تولى الخلافة من سنة (٢٥٦ هـ) (٢) إلى سنة (٢٧٩ هـ)، فعاصره القاضي الخمس عشرة سنةً الأولى من حياته. - المعتضد باللَّه، أحمد بن الموفق، الذي تولى الخلافة من سنة (٢٧٩ هـ) (٣) إلى سنة (٢٨٩ هـ). _________ (١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١). (٢) تاريخ الطبري (٩/ ٤٧٤). (٣) المصدر نفسه (١٠/ ٣٠).

стр. 13

- المكتفي باللَّه، علي بن المعتضد، الذي تولى الخلافة من سنة (٢٨٩ هـ) (١) إلى سنة (٢٩٥ هـ). - المقتدر باللَّه، جعفر بن المعتضد، الذي تولى الخلافة من سنة (٢٩٥ هـ) (٢) إلى (٣٢٠ هـ). - القاهر باللَّه، ابن المعتضد، تولى الخلافة من سنة (٣٢٠ هـ) (٣) إلى أن خُلع سنة (٣٢٢ هـ). - الراضي باللَّه، محمد بن المقتدر، تولى الخلافة من سنة (٣٢٢ هـ) (٤)، إلى (٣٢٩ هـ). عرفت الدولة العباسية على عهد هؤلاء الخلفاء انتكاسًا وتدهورًا، فبدأ ظلها يتقلص، ورُقعتها تَنقص من أطرافها، ولا سيما على عهد الخليفة المكتفي ومَن بعدَه، لأسباب أهمها تنافس أصحاب النفوذ والقُوّاد على مواقع السلطة والقرار، وظهور حركات الانفصال والتمرد في أطراف الدولة شرقًا وغربًا، فظهر البُوَيْهِيّون في الشرق، والطولونيون، والإخْشيدِيّون الذين انفصلوا بمصرَ، وحركةُ القرامطة التي تمردت على النظام في اليمن والبحرين والشام وغيرِها من الأمصار، حتى استولَوا على مكةَ، وغيرهم ممن تحدثَت عنهم كتب التاريخ باستفاضة، ولم تَعُد الأوضاع مستقرة حتى في بغدادَ عاصمةِ الخلافة (٥). _________ (١) تاريخ الطبري (١٠/ ٨٨). (٢) المصدر نفسه (١٠/ ١٣٩). (٣) صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد، طبع في ذيل تاريخ الطبري (١١/ ١٥٤). (٤) تكملة تاريخ الطبري لابن عبد الملك، تاريخ الطبري (١٠/ ٢٨٤). (٥) انظر الدولة العباسية لمحمد بك الخضري (ص ٣١١) وما بعدها.

стр. 14

ثم خرج القاضي من العراق إلى مصر، يقول الفرغاني: "وخرج من العراق لأمر اضطره" (١)، ولعل هذا الطارئَ ناتج عما ساد العراق من أحوال سياسية مضطربة، فنزل مصر التي كانت أحسن حالًا قُبَيل دخول العُبَيديين، "وأدرك فيها رئاسة عظيمة" (٢). وعاصر القاضي في مصر سلطانَ الدولة الإخشيدية، وحُكْم أولِ ملوكها وهو: محمد بن "طَغَج" الملقب بالإخشيد، الذي تمتعت مصر في عهده بشيء من النظام والهدوء السياسي (٣)، وامتد حكمه إلى (٣٣٤ هـ)، وخلفه ابنه أبو القاسم "أنوجر" بن الإخشيد، وامتد حكمه إلى ما بعد وفاة القاضي بسنتين (٣٤٦ هـ) (٤). الحالة العلمية كان الوضع العلمي في عصر القاضي على عكس الوضع السياسي، حيث ازدهرت فيه مختلِف العلوم الإسلامية من فقه، وحديث، وعلوم قرآن، ولغة وآداب، وتاريخ، وكلام، وتصوف وغيرها، فكان عصرًا من العصور الذهبية المضيئة في تاريخ الحضارة الإسلامية. ومن مظاهر الازدهار في الميدان الفقهي، نشاط الخلاف والجدل والمناظرات بين أرباب المذاهب، فأدرك القاضي من أهل مذهبه -على الرأي الراجح- شيخَ مالكية العراق، القاضي إسماعيل بن إسحاق البغدادي (ت ٢٨٢ هـ)، وأخذ عنه، كما نهل من كبار تلاميذه، وعاصر مجد أسرة آلِ حمَّاد، ومنها شيخُه القاضي أبو عمر (٥)، وعاصر أبا بكر بن الجهم _________ (١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١). (٢) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١). (٣) التاريخ الإسلامي (٦/ ١٣٠). (٤) الدولة العباسية لمحمد بك الخضري، ثبت بملوك الدولة الإخشيدية (ص ٣٥٠). (٥) ينظر عنه وعن القاضي إسماعيل مبحث شيوخ القاضي من هذه الدراسة.

стр. 15

(ت ٣٢٩ هـ) (١)، وأبا الفرج الليثي (٢)، وابنَ المُنتاب (٣)، وابنَ شعبان (ت ٣٥٥ هـ) بمصر، وغيرهم. ومن أعلام الحنفية عاصر أبا جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت ٣٢١ هـ)، صاحب كتاب "معاني الآثار" وغيرِه (٤)، وقد رد عليه بكتاب الأشربة كما سيرد في ذكر المصنفات، وعاصر شيخَهم أبا الحسن عبيد اللَّه بن الحسين الكرخي (ت ٣٤٠ هـ) (٥). ومن أعلام المذهب الشافعي عاصر ابن سُرَيْج (ت ٣٠٦ هـ) (٦)، الذي كانت له معه مناظرة سجلها في "الأحكام". وأدرك من الظاهرية أبا بكر محمد بن داود (ت ٢٩٧ هـ) (٧)، ابنَ صاحب المذهب، وكانت له في "الأحكام" صولات وجولات مع آراء الظاهرية. وفي مجال الحديث وعلومه، شكل العصر الذي عاشه القاضي امتدادًا لعصر الأئمة ابن حنبل، والبخاري، ومسلم. . .، فتميز بأعلام كبار كمحمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١ هـ) (٨)، وعبد الرحمن بن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) صاحب "الجرح والتعديل" (٩)، وأبي القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) عن مائة _________ (١) ترتيب المدارك (٥/ ١٩). (٢) المصدر نفسه (٥/ ٢٢). (٣) المصدر نفسه (٥/ ١). (٤) الجواهر المضية (١/ ١٠٢). (٥) المصدر نفسه (١/ ٣٣٧). (٦) طبقات الشافعية لابن السبكي (٣/ ٢١). (٧) سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٩). (٨) تذكرة الحفاظ (٢/ ٢٠٧). (٩) المصدر نفسه (٣/ ٣٤).

стр. 16

سنة، صاحب "المعاجم" (١)، ومحمد بن حبان (ت ٣٥٤ هـ) صاحب "الصحيح" و"الثقات" وغيرها (٢)، وغيرهم ممن يطول جدًا ذكرهم. ومن أهل التفسير عاصر شيخهم أبا جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ)، وكان صاحب رأي واجتهاد مستقل في الفقه (٣). وازدهرت في هذا العصر الدراسات اللغوية والأدبية أيضًا، وجمع أعلامًا كبارًا، كأبي العباس المبرد (ت ٢٨٦ هـ) (٤)، وأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب (ت ٢٩١ هـ) (٥)، وأبي إسحاق الزجاج (ت ٣١١ هـ) (٦)، وأبي الطيب المتنبي (ت ٣٥٤ هـ) (٧)، وابن دُريد (ت ٣٢١ هـ) صاحب "الجمهرة" (٨)، وأبي الفرَج الأصفهاني (ت ٣٥٦ هـ) صاحب "الأغاني" (٩)، وأبي علي القالي (ت ٣٥٦ هـ) صاحب "الأمالي"، وغيرهم. وازدهر في هذا العصر علم الكلام والدفاع عن العقائد الإسلامية، مع الإمام أبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) وتلاميذه (١٠)، وأبي علي الجُبّائي المعتزلي (ت ٣٠٣ هـ) وغيرهم (١١)، وما وضعه أهل الحديث _________ (١) تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٥). (٢) المصدر نفسه (٣/ ٨٩). (٣) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧). (٤) معجم الأدباء (٦/ ٢٦٧٨). (٥) المصدر نفسه (٢/ ٥٣٦). (٦) المصدر نفسه (١/ ٥١). (٧) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٩٩). (٨) معجم الأدباء (٦/ ٢٤٩٠). (٩) المصدر نفسه (٤/ ١٧٠٧). (١٠) انظر ترجمته وذكر أصحابه في تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص ٣٤) وما بعدها. (١١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٣).

стр. 17

من مصنفات لتأصيل عقائدهم والذب عنها، ككتاب "التوحيد" لابن خزيمة وغيرِه. وراج الزهد والتصوف، وبرز فيه كبار أعلامه كسهل التستري (ت ٢٨٣ هـ) (١)، والإمام الجُنَيد (ت ٢٩٣ هـ) (٢)، وتلميذه أبي بكر الشبلي (ت ٣٤٤ هـ) (٣) وغيرِهم. ب - مصادر ترجمة القاضي ترجم للقاضي جماعةٌ من العلماء والمؤرخين منهم: - أبو إسحاق الشيرازي في كتابه: "طبقات الفقهاء" (٤)، في كلمات معدودة، وهي أقدم ما بين أيدينا. - القاضي عياض بن موسى السبتي في الجزء الخامس من "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" (٥)، اشتملت على: اسمه، ونسبه، ومشيخته، وتلاميذه، وذكر قضائه، ومكانته، وذكر أسماء تصانيفه، وحكاية في مناقبه، وذكر وفاته، وإيراد بيتين من نظمه. وتعتبر ترجمته هذه أصلَ معظم تراجم القاضي وعمدتَها، اعتمد فيها القاضي عياض على عدد من العلماء الذين صرح بأسمائهم كالشيرازي، وأبي عمر الطلمنكي، والفرغاني، وأبي القاسم الشافعي، ولم أظفر منها سوى بترجمة الشيرازي الموجزة آنفة الذكر. _________ (١) الرسالة القشيرية (ص ١٤). (٢) المصدر نفسه (ص ١٨). (٣) المصدر نفسه (ص ٢٥). (٤) (ص ١٦٦). (٥) (ص ٢٧٠ - ٢٧٢).

стр. 18

- القاضي إبراهيم بن علي بن فرحون المالكي في كتابه "الديباج المُذْهب، في معرفه أعيان علماء المذهب" (١)، اعتمد في ترجمته على ما أورده القاضي عياض بنصه دون زيادة تُذكر. - محمد بن محمد مخلوف، في كتابه "شجرة النور الزكية، في طبقات المالكية" (٢)، واعتمد في معظم ترجمته ما ذكره القاضي عياض، عدا زيادة ذكر بعض التلاميذ ممن لم يَرِد. - الحافظ المؤرخ أبو عبد اللَّه الذهبي في كتابَيْه: "تاريخ الإسلام، ووفيات المشاهير والأعلام" (٣)، و"سير أعلام النبلاء" (٤)، في ترجمتين متماثلتين، اعتمد فيهما بعض ما أورده القاضي عياض، وزاد فذكر من تلاميذ ومشايخ المترجَم عددا من لم يذكره القاضي، فأفادت في هذا الباب. وترجم له أيضًا في كتابه: "العِبَر، في خبر من غَبَر" (٥) ترجمة جدُّ مختصرة، مُلخَّصَة من كتابيه السابقين دون زيادة، وقد أخذ نصها من ترجم للقاضي ممن جاء بعده، ومنهم: - أبو محمد عبد اللَّه بن أسعد اليافعي في كتابه: "مرآة الجنان، وعِبرة اليقظان، في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان" (٦). - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في كتابه: "حسن المحاضرة، في تاريخ مصر والقاهرة" (٧)، وقد صرح بأخذها من العِبَر. _________ (١) (ص ٢٧٨ - ٢٧٩). (٢) (ص ٧٩). (٣) (٧/ ٧٩٩). (٤) (١٥/ ٥٣٧ - ٥٣٨). (٥) (٢/ ٦٧). (٦) (٢/ ٢٥٢). (٧) (١/ ٤٥٠).

стр. 19

- عبد الحيِّ بن العماد الحنبلي في: "شذرات الذهب، في أخبار من ذهب" (١). وممن ترجم للقاضي أيضًا: - صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في: "الوافي بالوفيات"، ولم يُضِف إلى من تقدمه. - العلامة محمد بن علي الدَّاوُدي في "طبقات المفسرين" (٢)، اعتمد ترجمة القاضي عياض بنصها، دون زيادة تذكر. - الأستاذ خير الدين الزِّرِكلي في المجلد الثاني من موسوعته: "الأعلام" (٣)، وذكر مصادره: ترتيب المدارك، والعِبر، وابن قاضي شهبة. هذا التتبع لمظان ترجمة القاضي يعكس شُحَّ وقِلَّة المعلومات المفيدة في الترجمة، بالرغم من جلالة منزلته، وكثرة الآخذين عنه، واختلاف أوطانهم كما سوف يأتي، كما يُظهر قيمةَ الترجمة التي أفردها القاضي عياض ونفاستها من بين سائر التراجم، لكونها عمدتها. وقد قمت في هذه الدراسة بتتبع الشوارد وجمع المتفرقات المتعلقة بسيرة القاضي من بطون عدد من المصنفات، لا سيما كتبَ تراجمِ الأندلسيين التي حَفِظت لنا ذكر عدد من العلماء الذين أخذوا عن القاضي، ممن كانت لهم رحلة مشرقية، والمصادر التي حَفِظت لنا أسانيدَ استخرجت منها أسماء عدد من شيوخه وتلاميذه، وغيرِ ذلك. _________ (١) (٤/ ٢٣٥). (٢) (١/ ١٢٠ - ١٢٣). (٣) (ص ٦٩).

стр. 20

ج - اسمه ونسبه ومولده ووفاته ذكر ابن حزم في جمهرته اسم القاضي ونسبه فقال: هو "بكر، بن محمد، بن العلاء، بن يحيى، بن زياد، بن الوليد، بن الجهم، بن مالك، بن ضمرة، بن عروة، بن شنوءة، بن سلمة الخير، بن قشير" (١). وقال القاضي عياض حكاية عن غير واحد من النسابة: "بكر، بن محمد، بن العلاء، بن محمد، بن زياد، بن الوليد، بن الجهم، بن مالك، بن ضمرة، بن عروة، بن شنوءة، بن سلمة الخير، بن بشير، بن كعب، القشيري" (٢). وقال: "وكنيته أبو الفضل" (٣). ونقل عن محمد بن عمر بن عيشون الطليطلى تلميذ القاضي، عن القاضي أن "أمه من ولد عمران بن حصين صاحب رسول اللَّه ﷺ " (٤). ولد القاضي سنة (٢٦٤ هـ)، وذلك بناء على سنة وفاته وسِنِّه، فقد "توفي بمصر ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأول، سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقد جاوز الثمانين باشهر، وشُهدت جنازته، ودفن بالمقطم" (٥). ولم تذكر المصادر مكان ولادته، عدا إشارات مجملة تفيد أنه "من أهل البصرة" (٦)، وأن أول أمره منها (٧). _________ (١) جمهرة أنساب العرب (ص ٢٩٠). (٢) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٠). (٣) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٠). (٤) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٠). (٥) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١). (٦) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٠). (٧) قاله الفرغاني، ترتيب المدارك (٥/ ٢١٧).

стр. 21

د - شيوخه أخذ القاضي عن عدد من الشيوخ منهم: ١ - أبو خشنان (١) محمد بن إبراهيم البصري. ٢ - أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن سهل البَريكاني، من كبار طبقة تلاميذ القاضي إسماعيل، توفي سنة (٣١٩ هـ) (٢). ٣ - أبو عمر محمد بن يوسف، القاضي، من آل حماد بن زيد، ابنُ ابنِ عم القاضي إسماعيل بن إسحاق، المتوفى سنة (٣٢٠ هـ) (٣). ٤ - أبو إسحاق إبراهيم بن حماد بن إسحاق، القاضي، ابن أخي القاضي إسماعيل، المتوفى سنة (٣٢٣ هـ) (٤). ٥ - أبو بكر جعفر بن محمد الفريابى، المتوفى سنة (٣٠١ هـ) (٥). ٦ - أحمد بن إبراهيم بن عبيد (٦). ٧ - سعيد بن عبد الرحمن الكرابيسي (٧). ٨ - محمد بن صالح الطبري (٨). ٩ - أبو خليفة الفضل بن الحباب الجُمَحي المتوفى سنة (٣٠٥ هـ) (٩). _________ (١) كذا في ترجمته في "المدارك" نشرة الأوقاف المغربية (٥/ ١٨)، وفيها في ترجمة القاضي بكر (٥/ ٢٧١) "ابن خشنام". (٢) ترتيب المدارك (٥/ ١٥ - ١٦ و ٢٧١). (٣) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وترجمته فيه (٥/ ٢ - ١٢). (٤) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وترجمته في (١٣/ ١٥) منه، وروايته عنه في الأحكام. (٥) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد (٨/ ١٠٢). (٦) المصدر نفسه (٦/ ٢٧١). (٧) المصدر نفسه (٦/ ٢٧١). (٨) المصدر نفسه (٦/ ٢٧١)، وروايته عنه في الأحكام. (٩) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وترجمته في سير أعلام النبلاء (٤/ ٧١).

стр. 22

١٠ - أحمد بن موسى السامي، روى عنه القاضي بكر الموطأ عن القعنبي (١) ١١ - أبو بكر، محمد بن أحمد، بن بكير، المتوفى سنة (٣٠٥ هـ) (٢). ١٢ - أبو مسلم، إبراهيم بن عبد اللَّه الكجي البصري (ت ٢٩٢ هـ) (٣). ١٣ - أبو محمد سهل بن عبد اللَّه التستري (ت ٢٨٣ هـ) (٤). ١٤ - أبو العباس أحمد بن عبيد اللَّه الجُبيري (٥). ١٥ - إبراهيم بن فهد بن حكيم البصري الساجي (ت ٢٨٢ هـ) (٦). ١٦ - أبو الضحاك بن أبي عاصم (٧). ١٧ - أبو محمد الحسن بن المثنى العنبري (٣٩٤ هـ) (٨). ١٨ - أبو سهل زياد بن الخليل التستري (ت ٣٨٥ هـ) (٩). ١٩ - أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي البصري (ت ٣٠٧ هـ) (١٠). ٢٠ - أبو بكر محمد بن محمد الأزدي الباغندي (ت ٣١٢ هـ) (١١). _________ (١) وبعض أسانيدها في الأحكام، وانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨). (٢) ترتيب المدارك (٥/ ١٧). (٣) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨)، وترجمته فيها في (١٣/ ٤٢٣). (٤) المصدر نفسه (١٥/ ٥٣٨)، وترجمته فيه في (١٣/ ٣٣٠)، وساق في الأحكام بعض كلام سمعه منه. (٥) روى عنه في أحكام القرآن، وترجمته في إكمال الإكمال لابن نقطة (٢/ ١٠٨). (٦) روى عنه في أحكام القرآن، وانظر ترجمته في تاريخ الإسلام (٦/ ٧١٠). (٧) روى عنه في أحكام القرآن. (٨) روى عنه في أحكام القرآن، وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٢٦). (٩) روى عنه في أحكام القرآن، وروى ابن عبد البر عن القاضي عنه حديثين في الاستذكار (٢/ ١٩٢) و (٦/ ٣٦٩)، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد (٩/ ٥٠٧). (١٠) روى عنه في أحكام القرآن، وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٩٧) (١١) روى عنه في أحكام القرآن، وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٨٣).

стр. 23

محمد بن معدان القُطْفي (١). ٢١ - أبو العينان الأصمعي، قال القاضي في الأحكام: "وقد حدثني أبو العينان الأصمعي: العجم لا يحضن بعد الخمسين. . . "، ولم أقف له على ترجمة. ٢٢ - أبو بكر محمد بن الحسين بن مكرم البغدادي (ت ٣٠٣ هـ) (٢). ٢٣ - أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، (ت ٢٨٢ هـ)، وقد ذكر الشيرازي في طبقاته القاضي بكرًا في عداد أصحابه، إلا أن بعض المؤرخين ومنهم الفرغاني شككوا في أخذه عنه، وتوسط القاضي عياض بين الطائفتين فقال: "وقد ذكر بكرٌ إسماعيلَ في كتبه بالإجازة، ولا يبعد سماعه من إسماعيل، إذ قد أدركه بالسن كما تراه في وفاته وسنّه" (٣). ومما يؤيد أخذ القاضي عن القاضي إسماعيل تصريحُه بالسماع منه، ومن ذلك ما ذكره ابن نقطة في "إكمال الإكمال" قال: "وأما عَيْسون بالسين المهملة فقال أبو طاهر السلفي ومن خطه نقلتُ: قرأت في كتاب أبي المعالي الحسن بن علي بن إسماعيل الصفراوي بالإسكندرية قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عمر بن حفص الفارض قال: حدثنا أبو القاسم عبد الحميد بن علي بن خلف التجيبي، حدثنا خلف بن الحسن، حدثني عمرو بن عيسون الأندلسي قال: سمعت _________ (١) روى عنه في أحكام القرآن، ولم أقف له على ترجمة، ولعله الذي ذكره ابن ماكولا في الإكمال (٧/ ١١٦) فقال: "وأما القُطْفي بضم القاف وبعد الطاء فاء فهو محمد بن معدان القُطْفي"، والذي ذكره الذهبي في السير (١١/ ٩٧) فيمن أخذ عن أبي خالد هدبة بن خالد القيسي البصري المتوفى بعد (٢٣٥ هـ). (٢) روى عنه في الأحكام، وترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٢١). (٣) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٠).

стр. 24

بكر بن العلاء القاضي يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: ما قلدت مالكًا قطُّ في مسألة حتى عَلِمْتُ وجه صوابها" (١). هـ - تلاميذه تصدَّر القاضي بكر بن العلاء للتدريس والرواية، فقصده الناس من الآفاق المختلفة المتعددة، حتى قال القاضي عياض: "حدث عنه من لا ينعد كثرة من المصريين، والأندلسيين، والقرويين، وغيرِهم" (٢)، وخاصة بعد نزوله مصرَ، وهي القنطرة الجغرافية بين المغرب والمشرق، وكان للأندلسيين والمغاربة الذين كانت لهم رحلة إلى المشرق، حظ وافر من الأخذ والرواية عنه، ومن أشهر تلاميذه: ١ - أبو حفص عمر بن محمد بن مسرور العسّال، القيرواني، المتوفى سنة (٣٤٣ هـ)، سمع من القاضي بمصر (٣). ٢ - أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري، المصري، الحافظ، المتوفى سنة (٣٧٠ هـ) (٤). ٣ - أبو الأصبغ عيسى بن عبد الرحمن بن حبيب بن واقف بن يعيش بن عبد الرحمن بن مروان بن سَكْثان، المَصْمودي، قاضي أَشُونَة، المتوفى سنة (٣٦٦ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر (٥). ٤ - أبو عبد اللَّه محمد بن عمرو بن سعد بن عيشون، الطُّلَيْطِلي، الفقيه المالكي، المتوفى سنة (٣٧٠ هـ) (٦). _________ (١) إكمال الإكمال (٤/ ٢٢٩). (٢) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١). (٣) المصدر نفسه (٦/ ٧٧). (٤) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨)، وترجمته فيها (١٢/ ٣٠٧). (٥) تاريخ علماء الأندلس (١/ ٤٣١). (٦) ترتيب المدارك (٦/ ١٧٤).

стр. 25

٥ - أبو جعفر أحمد بن عون اللَّه بن حدير بن يحيى بن تبع بن تبيع البزاز القرطبي، المتوفى سنة (٣٧٨ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر، ومما روى عنه: أحكام القرآن، وكتاب الأشربة (١). ٦ - أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن مُفرِّج الأموي القرطبي، المتوفى سنة (٣٨٠ هـ)، كان رفيق ابنَ عون اللَّه السابق ذكره في الرحلة، عَدَّه ابن فرحون ضمن من أخذ عن القاضي بكر (٢). ٧ - أبو بكر محمد بن سليمان، وقيل: بن إسماعيل، وقيل: بن بكر بن الفضل، النِّعالي، المصري، الفقيه المالكي، المتوفى سنة (٣٨٠ هـ) (٣). ٨ - أبو الوليد هاشم بن يحيى بن حجاج البطليوسي، المتوفى سنة (٣٨٥ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر (٤). ٩ - أبو محمد عبد اللَّه بن أبي زيد القيرواني، الإمام الشهير، المتوفى سنة (٣٨٦ هـ)، يروي عن القاضي بكر بالإجازة، قال في مقدمة النوادر والزيادات متحدثًا عن رواياته: "وما ذكرت فيه لبكر بن العلاء، وأبي بكر الأبهري، وأبي إسحاق بن القُرْطي، فقد كتبوا إليَّ به" (٥). ١٠ - أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُدْفُوي المصري، المتوفى سنة (٣٨٨ هـ)، والذي صحب النحاس وأخذ وروى عنه، وألف كتبًا كثيرة منها "الاستغناء" في تفسير القرآن، قال الذهبي إنه في مائة وعشرين مجلدة، وقال ياقوت: "وكان سيد أهل عصره في مصره وغير _________ (١) تاريخ علماء الأندلس (١/ ١٠٢)، وترتيب المدارك (٥/ ٢٧٢)، وفهرسة ابن خير (ص ٥٢ و ٢٦٣). (٢) الديباج (١/ ٢٧٨)، وترجمه في (٢٢٤٨). (٣) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٢) و (٦/ ٢٠٣). (٤) تاريخ علماء الأندلس (٢/ ٢١٥ - ٢١٦). (٥) (١/ ١٤).

стр. 26

مصره. . . "، روى عن القاضي بكر أحكامه، وهو راوي نسختنا المعتمدة كما هو مثبت في أول كل جزء منها، ووسطِها (١). ١١ - أبو زيد عبد الرحمن بن مسعود الكُتامي، المعروف بابن أبي غافر، الفقيه المالكي، المتوفى بعد التسعين وثلاثمائة (٣٩٠ هـ)، لقي بكرِ بن العلاء وسمع منه أحكامه (٢). ١٢ - أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضرّاب، المتوفى سنة (٣٩٢ هـ)، محدث مصري (٣)، قال ابن عبد البر مسنِدًا حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "الضيافة على أهل الوبر، وليست على أهل المدر": "وحدثناه عبد اللَّه بن محمد بن يوسف قال: حدثني الحسن بن إسماعيل قال: حدثني بكر بن العلاء القشيري (٤) القاضي. . . " (٥). وعبد اللَّه بن محمد بن يوسف المذكور في هذا السَّند هو أبو الوليد بن الفرضي، صاحب كتاب تاريخ علماء الأندلس، له رحلة إلى المشرق، والحسن بن إسماعيل الضرّاب ذكره ابن بَشْكُوال فيمن سمع منهم ابن الفرضي بمصر (٦). ١٣ - أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى بن زكرياء بن يحيى التميمي القرطبي، المعروف بابن برطال، الفقيه المالكي، قاضي قرطبة وغيرها، توفي سنة (٣٩٤ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر (٧). _________ (١) انظر ترجمته في معجم الأدباء لياقوت (٦/ ٢٥٧٠ - ٢٥٧١)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٨/ ٦٤٢). (٢) ترتيب المدارك (٦/ ٢٧٦). (٣) وفيات المصريين للحبال (ص ٤٣)، والأنساب للسمعاني (٨/ ٣٨٨). (٤) في نشرة الاستذكار: القسري، وهو غلط، وتابعتها عليه ط: دار الكتب العلمية. (٥) الاستذكار (٨/ ٣٦٩). (٦) الصلة (١/ ٢٤٦). (٧) تاريخ علماء الأندلس (٢/ ١٣٩)، وترتيب المدارك (٦/ ٣٠٧ - ٣٠٩).

стр. 27

١٤ - أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن أسد الطليطلي، الجهني، المتوفى سنة (٣٩٥ هـ)، فقيه ومحدث وأديب، سمع من القاضي بكر بمصر (١). قال ابن عبد البر: "وأخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن أسد قراءة مني عليه، أن أحمد بن محمد المكي حدثهم قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، وقرأت عليه أيضًا أن بكر بن العلاء حدثهم قال: حدثنا أحمد بن موسى الشامي، قالا جميعًا: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ قال لأصحاب الحِجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعتدين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" (٢). وقال ابن عبد البر أيضًا: "وقرأت على أبي محمد عبد اللَّه بن محمد بن أسد، أن بكر بن العلاء القاضي حدثهم قال: حدثنا أحمد بن موسى الشامي قال: ثنا القعنبي قال: قرأت على مالك بن أنس عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر ﵃، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل الرجل المسلم حدثوني ما هي؟ "، قال عبد اللَّه: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، قال: فاستحييت فقالوا: يا رسول اللَّه، ما هي؟ قال: هي النخلة، قال عبد اللَّه بن عمر: فحدثت عمر بن الخطاب ﵁ بالذي وقع في نفسي، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا" (٣). ١٥ - أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن الوشا، المتوفى سنة (٣٩٧ هـ) (٤). ١٦ - أبو عبد اللَّه محمد بن إبراهيم بن عبدوس الخشني الطليطلي، يعرف: _________ (١) ترتيب المدارك (٧/ ٢٠٩). (٢) التمهيد (١٣/ ١٤٨). (٣) جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٤٤). (٤) ترتيب المدارك (٧/ ٨٧).

стр. 28

بابن المشكيالي، المتوفى سنة (٤٠٠ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر أحكام القرآن (١). ورواية ابن عبدوس للأحكام وقعت للإمام أبي محمد ابن حزم، يقول في "طوق الحمامة": "حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن جحاف المعافري، وإنه لأفضل قاض رأيته، عن محمد بن إبراهيم الطليطلي، عن القاضي بمصرَ بكر بن العلاء، في قول اللَّه : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، أن لبعض المتقدمين فيه قولًا، وهو أن المسلم يكون مخبرًا عن نفسه بما أنعم اللَّه تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم، ولاسيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه" (٢). وقد ساق القاضي في تفسير هذه الآية من سورة الضحى أقوال المتقدمين ممن رأى هذا المذهب، بما يثبت نسبة ما رواه ابن حزم إلى كتاب "الأحكام". ١٧ - علي بن محمد بن إبراهيم بن هارون الحضرمي المصري، ذكره القاضي عياض في أهل مصر من طبقة أبي بكر النِّعالي تلميذ القاضي بكر المتقدم، وقال: "من أصحاب القشيري، يروي عنه. . . "، ولم يذكر سنة وفاته (٣). ١٨ - أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن النحاس المصري، المتوفى سنة (٤١٦ هـ) (٤)، من مروياته عن القاضي: كتاب الأشربة (٥). ١٩ - سليمان بن حسين الحجازي، المعروف بابن الطويل، القاضي، قال في _________ (١) الصلة (١/ ٤٦١). (٢) طوق الحمامة (ص ٢٧٢ - ٢٧٣). (٣) ترتيب المدارك (٦/ ٢٠٤). (٤) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣١٤). (٥) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٢)، وفهرسة ابن خير (ص ٢٦٣).

стр. 29

المدارك: "له رحلة سمع فيها من بكر القاضي" (١)، يروي عن القاضي أحكامه (٢). ٢٠ - أبو الفضل سعيد بن حميد بن البختكان، الشاعر، قال ابن المعتز في أخبار سعيد بن وهب من طبقاته: "حدثني ابن البختكان، عن أبي بكر بن العلاء البصري قال: سعيد بن وهب الشاعر من أهل البصرة، وهو مولى لربيعة" (٣). ٢١ - عمرو بن عيسون، قال ابن نقطة في "إكمال الإكمال": "عمرو بن عيسون الأندلسي قال: سمعت بكر بن العلاء القاضي يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: ما قلدت مالكًا قط في مسألة حتى علمت وجه صوابها" (٤)، ولم أقف على ترجمته، ولعله بن عيشون الآنف الذكر، واللَّه أعلم. ٢٢ - ابن أبي عراك (٥). ٢٣ - أبو زيد بن أبي عامر البستي (٦). وقد ذهب أستاذنا الدكتور محمد العلمي جازمًا إلى أن القاضي أبا بكر الأبهري (ت ٣٧٥) "أخذ عن بكر بن العلاء وطبقته" (٧)، ولم يصرح -حفظه اللَّه- بمصدره في هذه التلمذة، ولم أقف على من ذكر ذلك إلى الآن، غير أنه قد أدركه بالسن، فقد ولد "قبل التسعين ومائتين" (٨)، فاللَّه أعلم. _________ (١) ترتيب المدارك (٧/ ٢٠). (٢) فهرسة ابن خير (ص ٥٣)، وسماه: "أبو سليمان أيوب بن حسين الحجازي". (٣) طبقات الشعراء (١/ ٢٥٦)، وانظر ترجمة ابن البختكان في معجم الأدباء (٣/ ١٣٦٦). (٤) (٤/ ٢٢٩). (٥) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٢). (٦) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٢). (٧) المستوعب لتاريخ الخلاف العالي ومناهجه عند المالكية (١/ ٢٦٠). (٨) ترتيب المدارك (٦/ ١٩٢).

стр. 30

و - مصنفاته: قال القاضي عياض يصف كتب القاضي بكر: "صنف في المذهب كتبًا جليلة" (١)، وذكر الذهبي أنها تشمل الأصول والفروع (٢)، فكتب في أصول الدين، وأصول الفقه، والفروع الفقهية، والاحتجاج للمذهب والذب عنه، وغيرِ ذلك ومنها: ١ - كتاب أحكام القرآن المختصر من كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل، وهو أهم مصنفاته، ومما يشهد لذلك وصية الإمام أبي محمد لأبي زيد لأحد طلابه بأمهات كتب الخلاف، قال: ". . . وكتاب الأحكام للقاضي إسماعيل، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي بن العلاء. . . " (٣)، وقال الذهبي: "ومؤلفه في الأحكام نفيس" (٤). ٢ - كتاب الأشربة، "وهو نقضٌ لكتاب الطحاوي" (٥)، قال القاضي بكر في أحكامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] مختصرًا لكلام ومحيلًا على كتاب الأشربة: "وقد ذكرنا هذا كلَّه في كتاب الأشربة، والحجة على من أحل الخمر بأن سماها بغير اسمها، واستُغنيَ عن شرح ذلك في هذا الكتاب". وقال في موضع آخر مبينا اسم الكتاب وموضوعه: "وقد بينا ذلك في كتاب الأشربة والحجة على الطحاوي فيما هونه من أمر الشراب، وسماه _________ (١) تاريخ الإسلام (٧/ ٧٩٩). (٢) العبر (٢/ ٦٧). (٣) بواسطة: المدرسة المالكية العراقية النشأة والمميزات، ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب بدبي للدكتور حميد لحمر (١/ ٥٠٨)، نقلها عن مخطوطة في مكتبة تشستربيتي بإيرلنده. (٤) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨). (٥) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).

стр. 31

نبيذًا بغير اسمه، وذكرنا النبيذ، وما هو، وما قال رسول اللَّه ﷺ فيه، وما روي عنه ﵇ أن أمته تستحل الخمر باسم تسميه إياه". وقوله: "والحجة على من أحَلَّ الخمر بأن سماها بغير اسمها": وهذا المصنف من جملة مرويات ابن خير الإشبيلي في فهرسته (١). ٣ - كتاب الرد على المزني. ٤ - كتاب في مسائل الخلاف. ٥ - كتاب الرد على الشافعي في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة. ٦ - مسألة الرضاع. ٧ - مسالة "بسم اللَّه الرحمن الرحيم". ٨ - رسالة إلى من جهل محل مالك بن أنس من العلم، وهو الكتاب الذي في مناقب مالك، والذي عزاه القاضي عياض للمصنف في مقدمة المدارك. ٩ - كتاب من غلط في التفسير والحد (٢). ١٠ - كتاب أصول الفقه. ١١ - كتاب القياس. ١٢ - كتاب مآخذ الأصول، رآه القاضي عياض (٣). ١٣ - كتاب الرد على القدرية. ١٤ - كتاب تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، رآه القاضي عياض (٤). ١٥ - كتاب ما في القرآن من دلائل النبوة، رآه أيضًا القاضي عياض (٥). _________ (١) فهرسة ابن خير (٢٦٣). (٢) كذا في نشرة المدارك المعتمدة، ولعلها الحديث، واللَّه أعلم. (٣) ترتيب المدارك (٢/ ٢٧١). (٤) المصدر نفسه. (٥) المصدر نفسه.

стр. 32

١٦ - كتاب في الاحتجاج على أبي حنيفة: قال القاضي بكر محتجًا على أبي حنيفة في مسألة في الإيلاء: "ويأتي تقصِّي قولهم في كتاب الاحتجاج عليهم، لأنه يطول هاهنا بذكر الروايات"، فأحال على كتاب في الاحتجاج على أبي حنيفة وأصحابه، وجزْمُنا بنسبته للقاضي بكرٍ رهين بالوقوف على أحكام القرآن للقاضي إسماعيل، ومعرفةِ هذا الكلامِ هل هو للقاضي بكر، أم احتفظ به من كلام القاضي إسماعيل، وقد ذكر القاضي عياضٌ من جملة مؤلفات القاضي إسماعيل: "كتُبُه في الرد على أبي حنيفة" (١)، فلا يبعد -إن ثبت أن الكلامَ كلامه- أن يكون إحدى هذه الكتب، وإن ثبت العكسُ، كان كتابًا آخرَ للقاضي بكر لم يَرِد قبل، واللَّه أعلم. ١٧ - كتاب الفرائض: قال القاضي بكر: "ونحن نبين ذلك في كتاب الفرائض إن شاء اللَّه"، فيُحتمل أن يكون كتاب الفرائض مصنفًا من مصنفات القاضي، إذا ثبت أن هذه العبارة من كلامه لا من كلام القاضي إسماعيل، وقد عُلم أن كتاب "الأحكام" غير مبوَّب على الكتب فتكون إحالة على موطن وارد فيه، واللَّه أعلم. ١٨ - كتاب في الرد على الشافعي: قال القاضي في الأحكام بعد سوق قولِ الشافعي "إن تارك الحج يحج عنه من ماله وإن لم يوص": "وقد تكلمنا في هذه المسألة في كتاب مفرد بما يغني عن الإطالة". وتحتمل هذه الإشارة أن تكون لكتاب مستقل، أو لكتاب "الرد على الشافعي" المتقدم ذكره، واللَّه أعلم. ١٩ - كتاب في مسألة تارك الحج، هل يحج عنه وإن لم يوص؟ أشار القاضي إليه في الأحكام في نهاية تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، بعد أن ناقش الشافعي في مسألة تأخير المستطيع الحجَّ. _________ (١) ترتيب المدارك (٤/ ٢٩١).

стр. 33

ز - منزلته تقِلُّ الشهادات التي تبرز منزلة القاضي ومكانته العلمية والاجتماعية نظرًا لقلة مصادر الترجمة كما قدمت. ففي علم الحديث وروايته، شهد له القاضي عياض -الذي صرح بوقوفه على بعض مصنفاته كما تقدم- بالتقدم فقال: "وهو من كبار فقهاء المالكيين رواية للحديث" (١)، كما نقل عن الفرغاني قولَه: "كان راوية للحديث عالمًا به" (٢). وفي الفقه شهد له الفرغاني بأنه كان "من كبار الفقهاء المالكيين بمصر" (٣). وعدَّه أبو القاسم الشافعي في شيوخ المالكية الذين لقيهم، وأثنى عليه (٤)، وقال الذهبي: "وصنف في المذهب كتبًا جليلة" (٥)، وقال: "ومؤلفه في الأحكام نفيس" (٦). وقد "ولي القضاء ببعض نواحى العراق" (٧)، و"تقلَّد أعمالًا للقضاة" (٨). وكان ﵀ ناظمًا للشعر، وذكر له القاضي عياض بيتين في السلوك، عن أبي عبد اللَّه بن عيشون قال: وأنشدنا بكر بن العلاء: ومن شيمتي ألا أفارف صاحبًا ... على حالة إلا سألتُ له رُشدا _________ (١) ترتيب المدارك (٢/ ٢٧٠). (٢) المصدر نفسه (٢/ ٢٧١). (٣) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١). (٤) المصدر نفسه. (٥) تاريخ الإسلام (٧/ ٧٩٩). (٦) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨). (٧) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١). (٨) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١).

стр. 34

فإن عاد بي وُدِّي رجعتُ ولم أكن ... كآخر لا يَرعى ذِماما ولا عهدا (١) وقال عنه الذهبي: "العلامة، أبو الفضل القشيري، البصري، المالكي" (٢). وقال القرطبي بعد ذكر أحد الأقوال في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]: "وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر ابن العربي وغيرهم" (٣). وحَلَّاه الأستاذ مخلوف بالإمام الفقيه النظار المحدث الراوية (٤). وفي منزلته الاجتماعية التي تبوأها بمصر يحكى القاضى عياض عن الفرغاني قوله: "وأدرك بمصر رئاسة عظيمة" (٥). * * * _________ (١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٢). (٢) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٧). (٣) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٩١). (٤) شجرة النور الزكية (١/ ٧٩). (٥) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).

стр. 35

كتاب أحكام القرآن للقاضي بكر بن العلاء القشيري أ - نسبة الكتاب لا يتطرق الشَّك إلى نسبة الكتاب الذي بين أيدينا إلى القاضي بكر بن العلاء، لأدلة وقرائن كثيرة أهمها: - ما يتضح بمقارنة الكتاب مع القطع الموجودة والمطبوعة من أصله "أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق"، فهو اختصار له وزيادة عليه كما قال القاضي عياض (١)، وسترِد المقارنة والأمثلة وافرة في المبحث الموالي. - نقول العلماء واستشهادهم بأقوال وآراء القاضي بكر، ومقارنتها بما ورد في كتابه مما يُثبت نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه، ومن أمثلة ذلك: قال مكي بن أبي طالب في "الهداية" عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]: "وقد قال بكر القاضي: من أعظم الكبائر سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور عند الحكام، وعدول الحكام على الحق، واتباعهم للهوى. ومن الكبائر: اللواط، والإصرار على الصغائر من الكبائر، "والندم توبة" والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة والجماعات. _________ (١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).

стр. 36

وقال أبو بكر ﵁: إن اللَّه يغفر الكبيرة فلا تيأسوا، ويعذب على الصغير فلا تغتروا. وقال عمر: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار" (١). وهذا النص ورد بألفاظه عند تفسير نفس الآية في أحكام القرآن للقاضي بكر، إلا أن محققي الكتاب علقوا على قول مكي: "وقد قال بكر القاضي": هو بكر بن عبد الرحمن القاضي. . .، وهذا غلط استبان بالوقوف على نص الأحكام. - ومن ذلك قول ابن الملقن في التوضيح: "وقال بكر بن العلاء: إنما قال ذلك لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبًا، وكان مضر تحرم رجبًا نفسه، فلذا قال: "الذي بين جمادى وشعبان"" (٢). وفي أحكام القرآن نجد هذا النص بلفظه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. وما روإه الإمام أبو محمد ابن حزم في "طوق الحمامة" قال: "حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن جحاف المعافري، وإنه لأفضل قاض رأيته، عن محمد بن إبراهيم الطليطلي، عن القاضي بمصرَ بكر بن العلاء، في قول اللَّه : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، أن لبعض المتقدمين فيه قولًا، وهو أن المسلم يكون مخبرًا عن نفسه بما أنعم اللَّه تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم، ولاسيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه" (٣). _________ (١) الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٣٠٤). (٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٦/ ٦١٣). (٣) طوق الحمامة (ص ٢٧٢ - ٢٧٣).

стр. 37

وفي تفسير الآية من أحكام القرآن نجد القاضي يقول: "قال الحسن بن علي رضي اللَّه عليه وعلى أبيه: إذا أصبت خيرًا أو عملت خيرًا فحدث إخوان ثقتك. . . وقال أبو رجاء العُطارِدي: لقد رزق اللَّه البارحة خيرًا، صلَّيت كذا، وسبَّحت كذا، قال أبو أيوب: فاحتملت ذلك لأبي رجاء، وقال نصر بن علي الأكبر: قال عبد اللَّه بن غالب، إذا أصبح يقول: صليت البارحة كذا، وسبَّحت كذا، وقرأت كذا، فيقال له: يا أبا قريش، مثلُك لا يقول هذا-، فيقول: يقول اللَّه : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وتقولون: لا تحدث بنعمة اللَّه. . . ". وهذا هو عين ما رواه أبو محمد مختصرًا، ومما يستفاد منه أيضًا ثبوت رواية محمد بن إبراهيم الطليطلي لكتاب "الأحكام"، وقد نبهت عليه في موضعه آنفًا. ومنه ما ذكره القاضي عياض في "إكمال المُعْلِم" عن قصة طلاق زيد لأم المؤمنين زينب بنت جحش، وزواج النبي ﷺ بها، قال: ". . . وأصح ما في هذا ما حُكي عن علي بن حسين أن اللَّه تعالى أعلم نبيه ﷺ بكونها له زوجًا، فلما شكاها زيد قال له: أمسك، وأخفى في نفسه ما أعلمه اللَّه به مما اللَّه مبديه بطلاق زيد لها وتزويج النبي ﷺ بعدُ لها، ونحوه عن الزهري وغيره، والذي خشيه إرجافُ المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج زوجة ابنه. . . وإلى ما قلناه نحا القاضي بكر بن العلاء القشيري وغيره من المحققين، وأنكروا سواه" (١). ومصداق هذه الحكاية عن القاضي بكر ثابت في أحكامه حيث يقول: ". . . لأن اللَّه سبحانه قد كان أعلمه أن زيدًا سيطلقها، وأنه يزوجها إياه، فكان يخفي ما أوحى اللَّه إليه من ذلك. . . ". _________ (١) إكمال المعلم (١/ ٥٣١).

стр. 38

ومنه قول العلامة ابن فرحون في "تبصرة الحكام"، في كلامه عن الإشهاد في الرجعة: "وحكى القاضي أبو بكر بن العلاء الوجوب عن مالك" (١). وفي أحكام القرآن عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] نجد القاضي بكرًا يقول: "قال مالك: الإشهاد على الرجعة واجب. . . ". ويقول السيوطي في كتاب "الإكليل في استنباط التنزيل" عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: "استدل به بكر بن العلاء على أن السنة في البقرة الذبح" (٢). وفي أحكام القرآن للقاضي بكر بعد ذكره الآية: "السُّنة في البقر الذبحُ بكتاب اللَّه تعالى". ويقول السيوطي أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]: "قال بكر بن العلاء: وفي الآية أن الساحر يقتل، ووجهه أنه قال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وفي تفسير الآية من أحكام القرآن نجد القاضي بكرًا يستدل على وجوب قتل الساحر بهذه الآية فيقول: "قال ﵎ في الساحر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، وإنما باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه". فنقل السيوطي ﵀ كلام القاضي بكر في أحكامه بمعناه دون حروفه. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يقول: "استدل به بعضهم على أن التخلي للعبادة أفضل من النكاح، حكاه بكر بن العلاء" (٣). _________ (١) تبصرة الحكام (١/ ٢٥٠). (٢) الإكليل (ص ١٦). (٣) الإكليل (ص ٢٠٠).

стр. 39

وفي أحكام القرآن يقول بكر بن العلاء: "قيل لعامر بن عبد قيس: لو تزوجت، وتلا عليه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] فقال: سمعت اللَّه يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ". ومن الأدلة التي تطمئن النفس بصحة نسبة الكتاب، ما يغلب عليه من نفس خلافي جدلي استدلالي لا تجده في مصنفات المذهب إلا عند العراقيين. ب - أحكام القاضي بكر، وأحكام القاضي إسماعيل لخص القاضي بكر في آخر كتابه منهجَه في اختصار أحكام القاضي إسماعيل بكلمات موجزة يحسن أن أسوقها تامة هنا، ثم أُفَصل في بيانها والاستشهاد لها. يقول القاضي بكر بن العلاء: "هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀، وتركت الأسانيد ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀. وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذالك من سائر الحديث، ليس مخرجه إسماعيل". وتُظهر القِطع الصغيرة المطبوعة من أحكام القاضي إسماعيل أنها -تقريبًا- على منهج تفسير ابن جرير، مادتها الأحاديث والآثار المسندة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، وما كان من كلام القاضي جاء مصدرًا بعبارة: "قال القاضي"، لكن أحكام القاضي بكر ليست على هذا النمط من التصنيف، على الرغم من اعتمادها على السنن والآثار، فقد غيَّر مؤلفها في اختصاره وجه

стр. 40

التصنيف، وكأنه لا صلة بين الكتابين لمن لم يمعن النظر، فقد تناول القاضي بكر الأحكام ابتداء مستدلا لها في ثنايا الكلام دون تمييز للأدلة عن سائر الكلام، ودون إسناد في الغالب، وزاد مباحث لم يتناولها شيخه، وأكثر من أدلة النظر، ونصب الخلاف، والدفاع عن المذهب، فما هي المعالم الرئيسية لمنهجه في اختصار الأحكام، حتى جاء على الهيئة التي وصفتُ؟ وبمقارنة الموجود من الأصل مع مقابله في المختصر، تظهر لنا بعض تلك المعالم والخطوط الأساسية، التي ألخصها فيما يلي: ما منهج القاضي بكر في اختصار أحكام القاضي إسماعيل والزيادة عليه؟ ١ - الاختصار: حذف أحاديث وآثار في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ روى القاضي إسماعيل خمسة وستين حديثا وأثرًا في ذكر الكبائر وعدِّها ووصفها. . .، لم يتخللها كلام له (١). لكن القاضي بكرًا عمد إلى ما تضمنته هذه الآثار فلخصه، مقدمًا له بالإشارة إلى أن الصحابة والتابعين اختلفوا في عدد الكبائر، ولم يُبق إلا بضعة آثار دون إسناد، وهكذا لخص واختصر صنيع القاضي إسماعيل الطويل، ومما قال: ". . . ومن الكبائر عقوق الوالدين، وشرب الخمر، وهو كل شراب يسكر كثيره، وما ذكر من فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين، ومن الكبائر استسباب الرجل لأبويه، يسب رجلًا فيسب ذلك الرجل أبويه، ومن أكبر الكبائر أكل مال اليتيم والسفيه، وكل من لا ينتصف لنفسه، ومن الكبائر قذف المحصنات. . . ". _________ (١) أحكام القرآن للقاضي إسماعيل: (ص ٦٧ - ٩٧).
следующие страницы →