وقال أبو بكر ﵁: إن اللَّه يغفر الكبيرة فلا تيأسوا، ويعذب على الصغير فلا تغتروا.
وقال عمر: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار" (١).
وهذا النص ورد بألفاظه عند تفسير نفس الآية في أحكام القرآن للقاضي بكر، إلا أن محققي الكتاب علقوا على قول مكي: "وقد قال بكر القاضي": هو بكر بن عبد الرحمن القاضي. . .، وهذا غلط استبان بالوقوف على نص الأحكام.
- ومن ذلك قول ابن الملقن في التوضيح: "وقال بكر بن العلاء: إنما قال ذلك لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبًا، وكان مضر تحرم رجبًا نفسه، فلذا قال: "الذي بين جمادى وشعبان"" (٢).
وفي أحكام القرآن نجد هذا النص بلفظه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾.
وما روإه الإمام أبو محمد ابن حزم في "طوق الحمامة" قال: "حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن جحاف المعافري، وإنه لأفضل قاض رأيته، عن محمد بن إبراهيم الطليطلي، عن القاضي بمصرَ بكر بن العلاء، في قول اللَّه : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، أن لبعض المتقدمين فيه قولًا، وهو أن المسلم يكون مخبرًا عن نفسه بما أنعم اللَّه تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم، ولاسيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه" (٣).
_________
(١) الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٣٠٤).
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٦/ ٦١٣).
(٣) طوق الحمامة (ص ٢٧٢ - ٢٧٣).
стр. 37
وفي تفسير الآية من أحكام القرآن نجد القاضي يقول: "قال الحسن بن علي رضي اللَّه عليه وعلى أبيه: إذا أصبت خيرًا أو عملت خيرًا فحدث إخوان ثقتك. . . وقال أبو رجاء العُطارِدي: لقد رزق اللَّه البارحة خيرًا، صلَّيت كذا، وسبَّحت كذا، قال أبو أيوب: فاحتملت ذلك لأبي رجاء، وقال نصر بن علي الأكبر: قال عبد اللَّه بن غالب، إذا أصبح يقول: صليت البارحة كذا، وسبَّحت كذا، وقرأت كذا، فيقال له: يا أبا قريش، مثلُك لا يقول هذا-، فيقول: يقول اللَّه : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وتقولون: لا تحدث بنعمة اللَّه. . . ".
وهذا هو عين ما رواه أبو محمد مختصرًا، ومما يستفاد منه أيضًا ثبوت رواية محمد بن إبراهيم الطليطلي لكتاب "الأحكام"، وقد نبهت عليه في موضعه آنفًا.
ومنه ما ذكره القاضي عياض في "إكمال المُعْلِم" عن قصة طلاق زيد لأم المؤمنين زينب بنت جحش، وزواج النبي ﷺ بها، قال: ". . . وأصح ما في هذا ما حُكي عن علي بن حسين أن اللَّه تعالى أعلم نبيه ﷺ بكونها له زوجًا، فلما شكاها زيد قال له: أمسك، وأخفى في نفسه ما أعلمه اللَّه به مما اللَّه مبديه بطلاق زيد لها وتزويج النبي ﷺ بعدُ لها، ونحوه عن الزهري وغيره، والذي خشيه إرجافُ المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج زوجة ابنه. . . وإلى ما قلناه نحا القاضي بكر بن العلاء القشيري وغيره من المحققين، وأنكروا سواه" (١).
ومصداق هذه الحكاية عن القاضي بكر ثابت في أحكامه حيث يقول: ". . . لأن اللَّه سبحانه قد كان أعلمه أن زيدًا سيطلقها، وأنه يزوجها إياه، فكان يخفي ما أوحى اللَّه إليه من ذلك. . . ".
_________
(١) إكمال المعلم (١/ ٥٣١).
стр. 38
ومنه قول العلامة ابن فرحون في "تبصرة الحكام"، في كلامه عن الإشهاد في الرجعة: "وحكى القاضي أبو بكر بن العلاء الوجوب عن مالك" (١).
وفي أحكام القرآن عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] نجد القاضي بكرًا يقول: "قال مالك: الإشهاد على الرجعة واجب. . . ".
ويقول السيوطي في كتاب "الإكليل في استنباط التنزيل" عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: "استدل به بكر بن العلاء على أن السنة في البقرة الذبح" (٢).
وفي أحكام القرآن للقاضي بكر بعد ذكره الآية: "السُّنة في البقر الذبحُ بكتاب اللَّه تعالى".
ويقول السيوطي أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]: "قال بكر بن العلاء: وفي الآية أن الساحر يقتل، ووجهه أنه قال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وفي تفسير الآية من أحكام القرآن نجد القاضي بكرًا يستدل على وجوب قتل الساحر بهذه الآية فيقول: "قال ﵎ في الساحر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، وإنما باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه".
فنقل السيوطي ﵀ كلام القاضي بكر في أحكامه بمعناه دون حروفه.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يقول: "استدل به بعضهم على أن التخلي للعبادة أفضل من النكاح، حكاه بكر بن العلاء" (٣).
_________
(١) تبصرة الحكام (١/ ٢٥٠).
(٢) الإكليل (ص ١٦).
(٣) الإكليل (ص ٢٠٠).
стр. 39
وفي أحكام القرآن يقول بكر بن العلاء: "قيل لعامر بن عبد قيس: لو تزوجت، وتلا عليه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] فقال: سمعت اللَّه يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ".
ومن الأدلة التي تطمئن النفس بصحة نسبة الكتاب، ما يغلب عليه من نفس خلافي جدلي استدلالي لا تجده في مصنفات المذهب إلا عند العراقيين.
ب - أحكام القاضي بكر، وأحكام القاضي إسماعيل
لخص القاضي بكر في آخر كتابه منهجَه في اختصار أحكام القاضي إسماعيل بكلمات موجزة يحسن أن أسوقها تامة هنا، ثم أُفَصل في بيانها والاستشهاد لها.
يقول القاضي بكر بن العلاء: "هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀، وتركت الأسانيد ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀.
وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذالك من سائر الحديث، ليس مخرجه إسماعيل".
وتُظهر القِطع الصغيرة المطبوعة من أحكام القاضي إسماعيل أنها -تقريبًا- على منهج تفسير ابن جرير، مادتها الأحاديث والآثار المسندة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، وما كان من كلام القاضي جاء مصدرًا بعبارة: "قال القاضي"، لكن أحكام القاضي بكر ليست على هذا النمط من التصنيف، على الرغم من اعتمادها على السنن والآثار، فقد غيَّر مؤلفها في اختصاره وجه
стр. 40
التصنيف، وكأنه لا صلة بين الكتابين لمن لم يمعن النظر، فقد تناول القاضي بكر الأحكام ابتداء مستدلا لها في ثنايا الكلام دون تمييز للأدلة عن سائر الكلام، ودون إسناد في الغالب، وزاد مباحث لم يتناولها شيخه، وأكثر من أدلة النظر، ونصب الخلاف، والدفاع عن المذهب، فما هي المعالم الرئيسية لمنهجه في اختصار الأحكام، حتى جاء على الهيئة التي وصفتُ؟
وبمقارنة الموجود من الأصل مع مقابله في المختصر، تظهر لنا بعض تلك المعالم والخطوط الأساسية، التي ألخصها فيما يلي:
ما منهج القاضي بكر في اختصار أحكام القاضي إسماعيل والزيادة عليه؟
١ - الاختصار:
حذف أحاديث وآثار
في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ روى القاضي إسماعيل خمسة وستين حديثا وأثرًا في ذكر الكبائر وعدِّها ووصفها. . .، لم يتخللها كلام له (١).
لكن القاضي بكرًا عمد إلى ما تضمنته هذه الآثار فلخصه، مقدمًا له بالإشارة إلى أن الصحابة والتابعين اختلفوا في عدد الكبائر، ولم يُبق إلا بضعة آثار دون إسناد، وهكذا لخص واختصر صنيع القاضي إسماعيل الطويل، ومما قال: ". . . ومن الكبائر عقوق الوالدين، وشرب الخمر، وهو كل شراب يسكر كثيره، وما ذكر من فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين، ومن الكبائر استسباب الرجل لأبويه، يسب رجلًا فيسب ذلك الرجل أبويه، ومن أكبر الكبائر أكل مال اليتيم والسفيه، وكل من لا ينتصف لنفسه، ومن الكبائر قذف المحصنات. . . ".
_________
(١) أحكام القرآن للقاضي إسماعيل: (ص ٦٧ - ٩٧).
стр. 41
حذف أسانيد
حذف الأسانيد وإيراد متون الأحاديث والآثار غير مسندة أو بذكر الراوي المباشر للمتن فقط، عادة حاضرة في الأحكام ومن أمثلتها:
يقول القاضي إسماعيل في أحكامه في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: حدثنا عمي قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، أن ابن عباس كان يكره أن يبيع الرجل الثوب، ويقول لصاحبه: إن كرهته فرد معه درهمًا، فقال: هذا مما قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١).
لكن القاضي بكرًا أورد هذا الأثر بحذف إسناده فقال مباشرة: كان ابن عباس ﵁ يكره أن يبيع الرجل الثوب، ويقول لصاحبه: إن كرهته فرد معه درهمًا، يقول: هذا مما قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
٢ - الاحتفاظ:
الاحتفاظ بالأحاديث والآثار المسندة
الاحتفاظ بكلام القاضي
كلام القاضي إسماعيل في أحكامه مصدَّر دائمًا بعبارة "قال القاضي"، قد يحتفظ به القاضي بكر في أحكامه تارة، وقد يستغني عنه فيحذفه تارة أخرى، حسب الاقتضاء، ومن نماذج ما احتفظ به:
_________
(١) أحكام القرآن للقاضي إسماعيل (ص ٦٨).
стр. 42
كلام طويل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، يتضمن بيانًا لمختار القاضي إسماعيل في معنى الآية، وإشارة لمذهب أبي حنيفة، ثم نقلا عن كتاب الأم للشافعي فيه بيان لمذهبه.
ثم يمضي القاضي بكر في نقل كلام الشافعي بما لم يذكره القاضي إسماعيل، وناقشه ورد عليه، ثم عاد لينقل عن إسماعيل قول مالك في مسألة الشقاق والحكمين (١).
٣ - الزيادة:
رواية أحاديث بأسانيدها لم يروها القاضي إسماعيل، وهو كثير في الكتاب، وهو كثير في الكتاب، مثاله قوله بعد ذكر عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ : "لا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها": نا به محمد بن صالح قال: أنا يوسف بن موسى قال: نا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن داود وحبيب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ .
زيادة مباحث لم يتناولها القاضي إسماعيل
ومثاله قوله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، الذي تناول فيه القاضي إسماعيل مسألة الرجل يجرح امرأته هل عليه القَوَد أو العقل أو لا؟ ومسألة النشوز والفاحشة المبينة، ما هما؟ ومسألة ماهية العِظة والهجران في المضاجع، والضرب ومقداره (٢)، لكن القاضي بكرا تناول تحت الآية مسألة حجر الرجل على المرأة في نفسها ومالها،
_________
(١) أحكام القاضي إسماعيل (ص ١٢٠).
(٢) (ص ١٠٤ وما بعدها).
стр. 43
ومسألة أداء المرأة للطاعات بغير إذن زوجها، بالإضافة إلى المباحث التي تناولها القاضي إسماعيل.
ج - منهج القاضي في أحكامه
لخص القاضي منهجَه في مقدمة أحكامه فقال: "لم أعْدُ فيه عن السُّنة وقول السلف، وما تُوجِبُه اللغة التي نزل القرآن بها"، وانطلاقًا من هذه العبارة أبين معالم منهجه في تناول آيات الأحكام باختصار، وإلا فإنه يحتاج إلى دراسة وافية ومستقلة، وحسبي هنا أن أشير إلى بعض الملامح وأنثر بعض الإشارات، حسب النقاط الآتية:
الاعتماد على المأثور في تفسير الآيات، من قرآن كريم، وأحاديث نبوية، وآثار الصحابة والتابعين، وأقوال العلماء.
فمن أمثلة اعتماده القرآن في التفسير قوله في بيان معنى قوله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأن الفدية في الآية عامّة لكل محرم أصابه أذى من رأسه على خلاف ظاهر الآية: "وهذا النحو يأتي في القرآن كثيرًا، يذكر القصة، ثم يذكر بعدها أمورًا أخرى، ثم يعاد إلى القصة الأولى.
قال اللَّه : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ١ - ٣] ثم ذكر بعد هذا القسم قصة أصحاب الأخدود، ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢].
وقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٥]، ثم ذكر بعد ذلك ما ذَكرتم، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، هذا هو القسم.
стр. 44
وقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] فعلم أنه أتى بقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ عطفًا على: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إلا قليلًا، ولولا فضل اللَّه عليهم ورحمته لاتبعوا الشيطان كلهم".
ومن ذلك قوله: "وقوله واللَّه أعلم: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] على نحو المعنى في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ في كمال العدد".
ومن ذلك أيضًا قوله: "فإن اللَّه قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وإنما يسمع الكلام، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] ".
وأما اعتماده على السنن النبوية والآثار فهو كثير، وطريقته أنه يورد الأحاديث المرفوعة والآثار، ولا تكاد تخلو صفحة من ذلك، معتمدًا في معظمه ما أورده إسماعيل في الكتاب الأصل، حاذفًا الأسانيد، وعلل ذلك بقوله: "وتركت الأسانيد ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀"، ثم يزيد على ما انتقاه من أصل إسماعيل عند الاقتضاء، ويسند أحيانًا المرويَّ، وقد عملت على ترقيمه وفهرسته، يقول: "ما قلت فيه حدثنا، فذالك من سائر الحديث، ليس مخرجه إسماعيل".
ومما أسنده القاضي حديث مالك من رواية القعنبي، جاء في سنده: "نا محمد بن موسى، قال: حدثني القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. . . "، وهذه الرواية اعتمدها الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار، فقال في أوله: "وأما رواية القعنبي عبد اللَّه بن مسلمة، فقرأتها على أبى محمد عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد، عن أبي بكر أحمد بن محمّد المكي، عن علي
стр. 45
ابن عبد العزيز، عن القعنبي، عن مالك، وعن بكر بن العلاء القاضي القشيري، عن أحمد بن موسى السامي (١)، عن القعنبي، عن مالك" (٢).
واستدلال القاضي بالسنة النبوية يضطره لأن ينظر في ثبوتها، فيضطلع ﵀ بذلك، فيورد الروايات والطرق والألفاظ، وينظر في الرجال وفي المتون، ويحكم على كل ذلك، وبغياب أصل القاضي إسماعيل يتعذر تمييز ما كان من ذلك من كلامه، وعلى كل حال، فالكتاب مملوء بالنقد الحديثي، ومن أمثلة ذلك قوله بعد أن ساق لفظين لحديث القلتين في الطهارة، وسند كل واحد منها: "رواه هُدبة بن خالد وغيره على هذا اللفظ، فاختلف الرجلان في متن الحديث ومعناه، وهذان شيخان لا يحتملان التفرد بهذا الأمر الجليل، ولا يكونان حجة فيه، فقد وَهَى الحديث في القُلَّتين".
ومن أمثلة اعتماده أقوال العلماء في بيان معاني الآيات قوله: "قال مالك ﵁: وسمى اللَّه ﵎ المرأة حرثًا، لأن الولد يكون منها".
وقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]: "قال مالك: ظاهر الآية يدل على أنهم الأحرار".
وقوله: "قال مالك وأهل المدينة: الأقراء: الأطهار".
ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] "وقال الشافعي في كتاب الرسالة: بُعث النبي ﷺ والناس كلهم على دينين، وهم: اليهود والنصارى، أهل كتاب، وعبدة الأوثان".
ومن ذلك قوله: "وقال الشافعي ﵁: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ألا يكثر من تعولون"، وبعد سوقه ناقشه وردَّ عليه اختياره.
_________
(١) في نشرة القلعجي للاستذكار التي نقلت منها: النسائي، وتابعتها على هذا الغلط طبعة دار الكتب العلمية (١/ ١٤).
(٢) الاستذكار (١/ ١٧١).
стр. 46
ومن ذلك قوله: "وقال ربيعة في معنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: يقول: لعلكم تتقون محارمكم، ونهي بعضكم عن بعض".
ومنه اعتماده على أقوال القاضي إسماعيل، وقد مرت في باب المقارنة أمثلته.
وأما اعتماده على الأحاديث النبوية وآثار الصحابة والتابعين فأشهر من التمثيل له، ولا تخلو منه صفحة من صفحات الكتاب، فلا داعي للإطالة في ذلك.
- اعتماد ما توجبه اللغة، فتجد ذكر "أهل اللغة" عمومًا يتكرر في غير موطن في "الأحكام"، وتجد ذكر أسماء عدد من علماء اللغة بأعيانهم ولاسيما أبا عبيدة معمر بن المثنى.
ومن أمثلة اعتماد مقتضيات اللغة، قوله في بيان معنى القرآن ومعنى السورة: "والقرآن: اسم كتاب اللَّه، لا يسمى به غيره، وسمِّي كذلك: الفرقان، لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل وبين المؤمن والكافر، ولأنه جمع السُّوَر، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى، فلما قُرن بعضها إلى بعض سُمي قرآنًا، وسميت سورة فمنهم من يقول: منزلة شرف، ومنهم من يقول: قطعة من القرآن".
ومنها البحث الذي ساقه في معنى الإحصار في اللغة فقال: "الإحصار في اللغة هو: المرض الذي يَحبِس، والحَصْر بالعدو يقال فيه: حُصِر فهو محصور، ومعناه: مُنِع فهو ممنوع، والمرض يقال فيه: أُحْصِر فهو مُحصَر، أي: أُمْرِض فهو مُمْرَض.
قال الكسائي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى: ما كان من مرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من سجن أو منع قيل: أحصر فهو محصور.
стр. 47
قال إسماعيل: فإذا حُبِس الرجل قيل: حَبَسَه، وإذا فَعَل به فعلًا عرَّضه به لأن يُحبس قيل: أَحْبَسه، وإذا قتله قيل: قتله، وإذا عرَّضه للقتل قيل: أَقْتَلَه، وسقاه: إذا أعطاه إناء فشرِبه، وإذا جعل له لسُقيا قيل: أَسْقاه، وقَبَرَه إذا تولى دفنه، وأَقْبَرَه إذا جعل له قبرًا، قال اللَّه : ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١].
وقالت بنو تميم لابن هبيرة حين صَلَب صالح بن عبد الرحمن: أقبِرنا صالحًا، أي: ائذن لنا في دفنه، قال: قد فعلتُ.
فهذا على أقبرت، ومما جاء على قبرت قول الأعشى:
لو أَسْنَدَتْ ميْتًا إلى نَحْرِها ... عاش ولم يُنْقَل إلى قابِرِ
فهذا على قَبَرْتُ، فعلى هذا المجرى يكون ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: أصابكم شيء كان سببًا لأن فاتكم الحج".
ومن ذلك قوله حول "كان الزائدة": "ويحتمل ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ أي: هو الآن بعد التحريم فاحشة، لأن العرب قد تقول: كان، ولا يعتد بها، وهو كثير في كلامهم، وقال الشاعر:
فإنك لو رأيت ديار قومٍ ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
فأدخل كان ولم يَعْتَدَّ بها". ومن مظاهر اعتماد القاضي على اللغة، كثرة الشواهد الشعرية في الكتاب، وقد صنعت لها فهرسًا فليراجع.
- ومن منهج المصنف في كتابه العناية بمسائل الخلاف، والجدل لأجل تقرير الأحكام والاحتجاج لها، والدفاع عنها، وهو سمة غالبة في الكتاب، يقف عليها القارئ من أول نظرة، وأكثر المجادَلين في الكتاب الظاهرية، ولا يسميهم، وإنما ينعتهم بالمتأخرين على سبيل القدح والذم، فيقول: "وقد قال
стр. 48
قوم من المتأخرين"، "وقد احتج بعض المتأخرين"، "فقد قال قوم من المتأخرين في القرون المذمومة"، والشافعية، والأحناف الذين ينسبهم أحيانًا إلى العراق.
وقد يخالف حتى شيخه القاضي إسماعيل، ومن ذلك قوله: "وقد أنكر القاضي إسماعيل ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أسلمن، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فاستغنى بذلك، وهذا مما لا ينبغي أن ينكره، مع علمه باللغة واتساعه فيها.
فدائرة الخلاف عند القاضي بكر واسعة شملت حتى المالكية "الخلاف الصغير" وشيخه الذي يختصر كتابه. وفي هذا دليل على الاستقلال والتجرد والتزام الاهتداء بالدليل دون سواه.
وفي أسلوب الخلاف، قد يُغلظ القاضي أحيانًا لمخالفه في العبارة على دأب الخلافيين، فيقول مثلا ردًا على الشافعي وأبي حنيفة: "وإنما غلط هؤلاء القوم لما تركوا القرآن، وعدَلوا إلى القياس، ولو تدبروا القرآن لكُفينا التعب معهم".
وقوله يَرُدُّ قولًا حُكي عن أبي ثور: "وقد قال بجواز ذلك بعض المتكلفين للعلم، من القرون المذمومة". وقوله يرد قولًا ينسب لأحمد وإسحاق: "وزعم بعض المتكلفين للعلم". وقد يلين فيقول: "وقد قال الشافعي ﵁ محتجًا. . . ".
ومن أكثر أساليب الخلاف تكرارًا في الكتاب، أسلوب الفَنْقَلَة "فإن قيل: كذا، قلنا: كذا"، وأسلوب الاستفهام الإنكاري: "ألا ترى إلى كذا؟ "، "ألا تراه يقول كذا؟ "، وهي من الكثرة بمكان، فلا أطيل بالتمثيل لها.
ويتلازم مع الخلاف الفقهي، منهج التعليل الفقهي للأحكام، وهو سمة بارزة في الكتاب، فيعمد القاضي في الاستدلال والاحتجاج والرد على المخالف وإقناعه، إلى تعليل وتسويغ الحكم وتدعيم الاستدلال بكل ما يمكن
стр. 49
أن يكون مدركًا به، من أدلة سواء نقلية أو عقلية، وقواعد لغوية ومنطقية وأصولية وفقهية على اختلاف أنواعها، في أسلوب منطقي إقناعي زائد على مجرد الاستدلال، وهذا المنهج حاضر بكثرة في مسائل الكتاب بما يغني عن التمثيل له، لكن لا بأس أن أُوردَ أمثلة لاعتلاله بالقواعد تعطي نظرة عن حال القواعد بأنواعها عند عالِم خلافي متقدم زمانًا، أعرضها دون ترتيب ولا تصنيف.
فمنه قوله: "فأما إتمام عائشة ﵂ في السفر فقد وضع أهل العلم لها المعاذير في ذلك على قدر اجتهادهم، وكذلك اعتذروا لعثمان ﵁ لإتمامه بمنى، وما اعتذر لفاعله فلا يحتج به، وليس بالناس حاجة إلى معرفة فعل قد اعتذر له".
ومنه قوله: "ولا نعلم خلافًا أن فرضًا لا يدخل على فرض، وقد تدخل السنن على الفرض"، "ولم نر فرضًا يدخل على فرض فيسقط حكمه"، وقوله: "لأن ما وجب لا ينتقل".
وقوله: "ولا أعلم خلافًا أن اللَّه تعالى إذا جعل أجلًا، لم يزُل حكمه إلا بخروجه".
وقوله: "والأمر قد يكون على الإيجاب، وقد يكون على الندب".
وقوله: "فلما لم يجز أن يكون العبد حاكمًا، لم يجز أن يكون شاهدًا".
وقوله: "فكل الذي كان القول قوله موعوظ".
وقوله: "وقد يقوم الوارث مقام الوارث في منع بعض الوارثين، ولا يقوم مقامه في منع كل ما يمنعه الآخر".
وقوله: "وكل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا لم تحل له الأخرى لا يجوز الجمع بينهما".
стр. 50
وقوله: "فلما أبيح له في موضع، وحظر عليه في موضع، عُلم أن ذلك على الإيجاب، لا على الاختيار".
هذه بعض من أهم معالم منهج القاضي في تناول الأحكام، نبهت عليها تنبيهًا، وكل عنصر منه جدير بالدراسة المستقلة والشاملة والعميقة، التي تليق بمنزلة الكتاب ومصنفه، ولعل اللَّهَ جلَّت قدرته يسخر لهذا الشأن أقوامًا يقومون به على أتم وجه وأحسنِه.
د- نقول ليست من "الأحكام "
نجد في ثنايا بعض الكتب، بعض النقول عن القاضي بكر منها:
- ما نقله القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) في الشفا في مواطن منها: قوله في نقد "قصة الغرانيق"، قال: "وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضَعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سِنة، وآخر يقول: بل حدَّث نفسه فيها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبي ﷺ لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي ﷺ قرأها، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: "واللَّه ما هكذا نزلت"، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة" (١).
وممن أخذ هذا القول من المفسرين، القاسمي في محاسن التأويل (٢).
_________
(١) الشفا (ص ٦٤٥).
(٢) (٧/ ٢٥٥).
стр. 51
- وقال القاضي عياض أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ. . .﴾ الآية: "وقال القاضي بكر بن العلاء: أخبر اللَّه تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم والفداء، وقد كان قبل هذا فادوا في سرية عبد اللَّه بن جحش التي قُتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه فما عتب اللَّه عليهم، وذلك قبل بدر بأزيد من عام" (١).
- وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: "قال القاضي بكر بن العلاء: المأمور بالسؤال غير النبي ﷺ ، والمسؤول الخبير هو النبي ﷺ " (٢).
أخذ هذا القول الثعالبي في الجواهر الحسان (٣).
- وقال القاضي عياض في موطن آخر: "قال بكر بن العلاء: ألا تراه يقول: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية، وهو ﷺ كان المكذَّب فيما يدعو إليه، فكيف يكون ممن كذب به؟ فهذا كله يدل على أن المراد بالخطاب غيره، ومثل هذه الآية قوله: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ المأمور ههنا غير النبي ﷺ ، ليسأل النبي، والنبي ﷺ هو الخبير المسئولُ لا المستخبر السائل، وقال: إن هذا الشكَّ الذي أُمر به غيرُ النبي ﷺ بسؤال الذين يقرؤن الكتابَ، إنما هو فيما قصه اللَّه من أخبار الأمم لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة" (٤).
وبعد تتبع كتاب الأحكام، تبين لي أن هذه النقول ليست منه، وإنما هي عن كتاب آخر، وكلها تتعلق ببيان منزلة النبي ﷺ وعظم قدره، وقد سبق أن أوردت في الكلام على تآليف القاضي تصريح القاضي عياض بوقوفه على كتب
_________
(١) الشفا (ص ٦٩٠).
(٢) الشفا (ص ٢٩٧).
(٣) (٤/ ٢١٤).
(٤) الشفا (ص ٦٠٩ - ٦١٠).
стр. 52
أخرى منها: كتاب تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكتاب ما في القرآن من دلائل النبوة (١)، فالظاهر أذن تلك النقول مقتبسة عنها أو عن أحدها.
- وقال القاضي عياض أيضًا في سياق الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: "وقال بكر القشيري: الصلاة من اللَّه تعالى لمن دون النبي ﷺ رحمة، وللنبي ﷺ تشريف وزيادة تكرمة" (٢).
وعنه نقل هذا القول أبو العباس القباب في شرح الإعلام بحدود قواعد الإسلام (٣)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٤).
وفي أحكام القرآن يقول القاضي في تفسير الآية: "صلاة اللَّه رحمتُه وتشريفُه لعبده، وصلاة الملائكة والبَشر ومؤمنى الجِن دعاءٌ له ﵇"، ولا يخفى التغاير بينهما، مما يُلحِق هذا النقلّ بالنقول قبلَه في كون مصدره كتابٌ آخر غيرُ الأحكام.
هـ- مصادر القاضي في أحكامه
يعتمد القاضي في أحكامه كتبًا وتآليف متنوعة، منها ما صرح بذكره، ومنها ما أشار إليه واستُدِل عليه بالقرائن، ومنها ما أغفَل التصريح به. فمما أظهره أو أشار إليه:
- كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل، وهو الأصل.
- رواية القعنبي للموطأ، أسند من طريق صاحبها أحاديث في الموطأ.
- كتاب الأم للشافعي، نقل عنه كثيرًا.
_________
(١) ترتيب المدارك (٢/ ٢٧١).
(٢) الشفا (ص ٥٤٤).
(٣) (١/ ٢٤٨).
(٤) (١١/ ٢١٧).
стр. 53
- كتاب الربيع بن سليمان الذي يرويه عن الشافعي، وقد ذكره القاضي.
- كتاب الأشربة للطحاوي، ذكره.
- كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى، نقل عنه تقريرات لغوية، وشواهد كثيرة.
و- نسخة الكتاب ونماذج منها
وصف النسخة:
النسخة المعتمدة في إخراج هذا الكتاب هي النسخة المحفوظة بمكتبة السلطان بايزيد بإسطنبول بتركيا، برقم ١٨٦٨٦/ ٢١، ولم أعثر على نسخة أخرى للكتاب على الرغم من كثرة البحث والتحري.
وتقع هذه النسخة في جزأين يضمهما مجلد واحد، مجموع أوراقها ٣٢٦ ورقة، في كل ورقة صفحتان، في كل صفحة ١٩ سطرًا.
وكُتبت النسخة بخط نسخي جميل ومتقن، وتمتاز بقلة التصحيف والسقط، بالرغم من كثرة أسماء الأعلام الواردة في الكتاب، مما يدل على يقظةٍ وإتقانٍ وحظٍ لا بأس به من العلم عند ناسخها ﵀.
والنسخة مقابلة على نسخة أخرى حسب ما تظهره بعض الطرر التي رسم فوقها حرف (خ).
وأثبت الناسخ في الآخر اسمه وتاريخ فراغه من عمله فقال: "فرغ من نسخه، الفقير إلى رحمة ربه: عبد الكافي بن محمد البجائي، غفر اللَّه له ولوالديه ولجميع المسلمين، آمين يارب العالمين، وصلى اللَّه على نبيه وآله وسلم، وذك في سلخ ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة".
стр. 54
ونسبة الناسخ أُثبِتها على وجه التقدير لا الجزم، لإهمالها في الأصل.
وفي الصفحة الأولى من الجزء الأول أَثبَت عنوان الكتاب، ونصُّه: "الأول من أحكام القرآن، تأليف القاضي الفقيه الإمام أبو بكر القشيري ﵁"، وكذلك في الجزء الثاني عدا لفظ "الأول" استبدل بـ "الثاني"، ولفظ "أبو بكر" اختصر بـ "بكر".
وعلى الصفحة الأولى والأخيرة من الجزأين، وهوامش بعض صفحات الكتاب يوجد ختم بيضاوي كتب في داخله: "وقَفَ هذا الكتاب لوجه اللَّه الأجل الأكرم، مصطفى باشا الوزير الأعظم"، وهو اسم لعدد من رؤساء الوزراء في الدولة العثمانية، والراجح أن صاحب الختم هو قَرَه مصطفى باشا إذ النسخة كانت محفوظة بمكتبته برقم ٢١، فأضيف إلى رقم مكتبة بايزيد بعد ضمها (١).
وعلى الصفحة الأولى من الجزء الأول كُتبت عبارة تملُّكٍ نصُّها: "تملكه الفقير محمد بن حسين، بالشراء الشرعي بلا كذب ولا مَيْنٍ"، وعلى الصفحة الأولى من الجزء الثاني ورد اسمه مع الأحرف الأولى من نسبته، وهي: الأنصاري.
* * *
_________
(١) تنظر أخبار الصدر الأعظم قره مصطفى باشا وحملته على فيينا في تاريخ الدولة العثمانية العلية للأمير شكيب أرسلان (ص ٢٣١، وما بعدها).
стр. 55
نماذج من النسخة
стр. 56
صورة الصفحة الأولى، وعليها عنوان الجزء الأول
стр. 57
صورة الصفحة الثانية من الجزء الأول
стр. 58
صورة الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني، وبها ينتهي الكتاب
стр. 59
ح- منهجي في تحقيق الكتاب
يهدف عملي في هذا السفر الجليل، إلى إخراج النص سليمًا في سورة لا مطعن ولا مغمز فيها، مع إضاءته بالضبط والتعليق متى دعت الضرورة إلى ذلك، محاولا الالتزام بالمنهج الذي وصفه الدكتور عبد العظيم الديب ﵀ بقوله: "التحقيق إقامة وإضاءة" (١)، فلم أسلك السبل الطويلة على حساب الإسراع في وضع الكتاب بين يدي الباحثين والدارسين، وآثرت الاقتصار على الأهم، مجتنبًا التقصير المفضي للإخلال بسلامة النص.
وتتلخص خطتي فيما يأتي:
إخراج النص وكتابته وفق قواعد الإملاء الحديثة المعمول بها، وإدراج علامات الترقيم من نقطة، وفاصلة، ونقطتي التفسير وغيرها، وتقويم ما وقع فيه الناسخ من سقط أو غلط بالرغم من جودة النسخة الفائقة، والكمال للَّه وحده، فأثبت الصواب مكان الغلط، وأنبه عليه في الهامش بعبارة: "في الأصل: كذا" غالبًا، وأحيانًا أضيف مصدر التصويب، ووجه التصويب وتعليلَه.
كما أثبت الساقط في النص بين معقوفين []، وأنبه عليه في الهامش بعبارة: "ساقط من الأصل"، وأضيف أحيانًا مصدر الاستدراك إن وجد.
أما تعديل الإملاء، فأثبت المعدَّل في النص، ولا أشير إليه في الهامش لكثرته، وأكثر ما تكرر منه إهمال كتابة الهمزة التي على السطر كـ "ما" = "ماء"، و"السما" = "السماء"، وأشباهها، وكإثبات الألفات المتعارف الآن على حذفها، مثل "لاكن" = "لكن"، وغير ذلك مما يطول التمثيل له.
ضبط ما يحتاج من الكلمات، بوضع علامات التشكيل، حتى لا تلتبس قراءته.
_________
(١) مقدمة نهاية المطلب (ص ٣٥٤).
стр. 60
عزوت الآيات القرآنية الكريمة، ووضعت أرقام آيات الأحكام التي تناولها المصنف بالشرح والبيان قبلها، وعزو باقي الآيات بعدها في المتن، وجعلت كل آية مشروحة على رأس الصفحة تيسيرًا على القارئ.
وضعت عناوين لبعض الفِقَر الخالصة لموضوع واحد، تيسيرًا على القارئ والباحث.
خرَّجتُ الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم ما وسعني ذلك، بمنهج موجز، فما كان من الأحاديث متفقًا عليه أو في أحد الصحيحين لم أعْدُ عزوَه إلى سواهما، وما كان في أحدهما اكتفيت به، وما كان في موطأ مالك، أو فى مسند الإمام أحمد، أو في السنن الأربعة، جميعِها أو بعضِها، لم أَرْنُ في تخرّيجه إلى سواها، وما كان في غيرها، لم أزد على ثلاثة مصادر، وأنقل عند الحاجة كلام الأئمة والنقدة، في ثبوت الرواية من عدمها.
أما الآثار فما ظفِرت به غالبًا في أمهات كتب تفسير القرآن بالأثر، كجامع ابن جرير، أو تفسير ابن أبي حاتم، اكتفيت بعزوه إليها، وما لا يوجد فيها طَلَبْته في سواها من المجامع الحافلة بالآثار، كمصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرها، مقتصرًا في معظمها على مصدر واحد، مثبتًا في كل التخريج رقمَ الحديث أو الأثر، أو الجزءَ والصفحةَ، واسمَ الكتاب والباب في كليهما.
وثقت كلام الأئمة والعلماء، وعزوت المذاهب والآراء لأصحابها ما استطعت، معتمدًا أمهات كتب المذاهب ومصادرها، مكتفيًا في غالب الأمر بمصدر واحد.
وما اعتمدت في تخريجه وعزوه على طبعتين من مصدره، أشير إلى طابع أو محقق الطبعة الثانية بعبارة مختصرة مثل: (ت الأرناؤوط) = تحقيق
стр. 61
الأرناؤوط، أو (ط المعرفة) = طبعة دار المعرفة، وأثبت البيانات كاملة في ثبت المصادر والمراجع.
وخرَّجتُ الشواهد الشعرية من دواوين أربابها إن وقفت عليها ووجدت الشاهد فيها، أو من أقدم مصدر ذكره.
شرحتُ بعض الغريب من المعاجم وكتب الغريب، ملتزمًا بنقل ضبطه إذا وقفت عليه.
ترجمت لبعض الأعلام، قريبي العهد من المصنف خاصة، أو لمن صرح صرح بالنقل عنهم، أو من يشتبه اسمه، فأحرره معرفا به، ضابطًا لفظه، ولم ألتزم التعريف بجميع الأعلام ولاسيما رجال الأسانيد، ورواة الآثار.
عرَّفتُ بالأماكن والبلدان المغمورة بعبارة معاصرة مفهومة، مع ضبط ألفاظها.
وقدَّمتُ للكتاب بمقدمة ضمَّنتُها تعريف بالمصنف، وبمصادر ترجمته وتقويمِها، وتعريفًا بالكتاب، وبمنهجه، ونسخته المعتمدة، وبخطتي في إخراجه والعناية به، وغير ذلك.
ثم صنعت للكتاب ما يلزم الناظر فيه من الفهارس، كفهرس الأحاديث المرفوعة إلى رسول اللَّه ﷺ ، ومسند القاضي بكر، والمباحثات والردود، والأعلام البشرية، والمصادر والمراجع، والموضوعات، وغيرها.
ط- روايتي "لأحكام القرآن "
أروي كتاب "أحكام القرآن" للقاضي أبي الفضل بكر بن العلاء القشيري إجازة عن شيخنا الفقيه المسند المعمر سيدي عبد الرحمن بن الإمام الحافظ السيد محمد عبد الحي الكتاني، وهو يرويه إجازة عن شيخه ووالده الإمام الحافظ الرُّحلة أبي الإسعاد محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتّاني الحسني
стр. 62
الفاسي، عن أبي عبد اللَّه محمد بن إبراهيم السباعي المراكشي، عن أبي العباس أحمد بن محمد المرنيسي الفاسي، عن أبي العباس أحمد بن التاودي بن سودة، سماعًا لكله عن الحافظ أبي العباس أحمد بن عبد اللَّه الغربي الرباطي عن أبي الحسن علي العكاري، عن عبد القادر بن علي الفاسي، عن أبي القاسم محمد بن أبي النعيم الغساني، عن ابن مجبر، عن ابن غازي، عن أبي عبد اللَّه محمد بن محمد بن يحيى السراج الفاسي، عن أبيه أبي القاسم، عن جده أبي زكريا يحيى السراج، عن أبي البركات محمد بن محمد بن الحاج البلفيقي، عن ابن الزبير، عن أبي الحسن أحمد بن محمد السراج، عن خاله أبي بكر محمد ابن خير الإشبيلي، عن أبي محمد بن عتاب، عن أبي عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عابد كتابة، عن أبي سليمان أيوب بن حسين الحجاري قراءة عليه وهو يسمع، عن المؤلف ﵁ وأرضاه.
وتتعدد الطرق في روايتي لهذا الكتاب إلا أنني اخترت هذا الطريق، وأسأل اللَّهَ تعالى أسأل أن يُجنبني الزيغ والخَطَل، في القول والعمل، إنه سميع قريب.
* * *
стр. 63
أحكام القرآن
للقاضي الفقيه الإمام أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي
المتوفى سنة ٣٤٤ هـ
رواية أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الأدفوي عنه
стр. 64
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين
أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتْفُوي (١) قال: أخبره أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري قراءة عليه في منزله بمصر عام إحدى وأربعين وثلاثمائة، قيل له: قلتَ رضي اللَّه عنكَ:
[مقدمة المصنف]
الحمد للَّه ذي العز والجلال، والمنة والإفضال، والطَّول والكمال، القادر الغافر الظاهر، السابق الذي ليس له شريك يضاهيه، ولا وزير يواليه، ﷻ ، وتعاظمت أفعاله، له الشكر على ما منَّ به علينا، إذ أخرجنا في خير الأمم، وهدانا بخاتم أنبيائه، وهادي أوليائه، النبي الأمي الذي ختم به العاجلة، واستفتح به الآجلة، وجعله في المَحَلِّ رفيعًا، وفي المقام شفيعًا، وأنزل عليه كتابه الذي جعله نورًا وبرهانًا مبينًا، وحظر فيه حرامه، وأباح فيه حلاله، وأنار به أعلامه، وبيَّن فيه أحكامه، فنسأل الذي بالفضل حبانا، وللإسلام هدانا، أن يصليَ على محمد عبده ورسوله، وأن يَمُنَّ علينا بتوفيقه وإرشاده ومعونته، إنه على ما يشاء قدير.
стр. 65
أما بعد، فإن أولى ما تمسَّك به المتمسِّكون، وتدبَّره المتدبِّرون، واتمَّ به المهتدون، ولجأ إليه المعتبرون، كتابُ اللَّه الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] الذي أكمل اللَّه به الدين، وأنزل اللَّه سبحانه في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ١٣] وقال تبارك اسمه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فأحكم اللَّه ﷻ الفرائض والأحكام والأصول كلها فيه جليًا وخفيًا.
فمنه ما يُعقل بنفس الخطاب، قال اللَّه تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ٣ - ٤].
ومنه ما بيَّنه اللَّه بالوحي وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فسأل نبينا ﷺ ربَّه ﵎ عن بيانه فبيَّنه له.
ومنه ما بيَّنه الرسول ﷺ بالحكمة التي أعطاه اللَّه، يقول اللَّه : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ومنه ما شرَّف اللَّه به أصحاب نبيِّه بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسُنَّتِ السُّنن بحضرتهم عملًا وقولًا، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق
стр. 66
بما نزل، وبوجوهه وتصرُّفاته، قال النبي ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة" (١)، وقال: "انظروا إلى فضل المعاينة على الخبر" (٢)، ونصحهم للأمة وصدقهم، فمدح اللَّه متَّبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، ومتَّبعهم إنما يتبعهم فيما قالوه دون ما رَوَوه، إذ كان ما رويَ المتَّبَعُ فيه الرسولُ ﷺ ، فإذا اختلفوا وجب النظر في أقاويلهم دون الخروج عنها لقوله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]، الأحسن ما أنتجه النظر واستخرجته الدلائل والعلل، من الأصول المجمعِ عليها من الكتاب والسنة، فبين ما اختلف فيه على علل ما اتفق عليه.
ولم يزل أهل العلم على ذلك متَّبِعين لسلفهم حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم، قوم مستخِفُّون بقول السلف وله هاجِرون، وعلى مذاهبهم زارُون، يحدثون أنفسهم أن أَسَدَّ الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرِّجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويَرَوْن أنهم يُساوُون السلف في العلم بالكتاب، طعنًا بذلك على إخوان المصطفى، الذين فارقهم على الصدق والوفا، والطهارة والتُّقى، ولو أخذوا ذلك عن من شاهد الوحي، ونزل القرآن بلغته، لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعلمت أن عقول من تقدمهم تُربي على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام، وجانبوا الورع، وصار القصدُ الغلبةَ بالجدل المحض، منعهم اللَّه التوفيق، وحاد بهم عن الطريق.
стр. 67
ومن أعجب ذلك أنَّ قائلَهم يقول: إن القرآن على ظاهره إلا أن يقوم الدليل، وهذا قول الخوارج الذين كان أوَّلهم بالنَّهْرَوان، أخبر رسول اللَّه ﷺ عليًّا ﵀ أنه يقاتلهم على تأويله كما قاتل هو ﷺ على تنزيله.
قال القاضي: والقرآن كله قد أُحكم، وعُرفت أحكامه، فما أُخِّر بيانُه عن الحاجة إليه، فقد بيَّن ما أراد اللَّه به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به على من يأتي بعد مائتين وثلاثمائة سنة فيبيِّنه، حتى يضع كتبًا يقول فيها: البيان الأول، والثاني والثالث من البيان (١)، وهذا ما لا يجوز أن يُقْدم عليه إلا جبريل ﵇ عن اللَّه ، بل قد عمل به السلف، واتبعهم على ذلك الثاني والثالث من الخلف، وهم عارفون بأقدارهم، مقتدون بهم، وكفى برجل نقصًا أن يرى أنه قد عَلِم من كتاب اللَّه ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علمًا وفهمًا، أو يظن أنه مثلُهم، لقد خاب وخسر.
قال القاضي: فالحمد للَّه الذي بصَّرنا خطأ المخطِئين، وسوء موقف من عَنَد عن الدين، ولم يَلِجوا في أمرهم إلى يقين.
أما بعد، -وفقنا اللَّه وإياكم للصواب والسداد والرشاد- فإني اختصرت في كتابي هذا أحكامَ القرآن ليَقْرُب من فهم المتعلم، طلبًا لعظيم الأجر، وجزيل الذُّخْر، إذ كان عمادَ الدين، لم أعْدُ فيه عن السُّنة وقولِ السَّلف، وما تُوجِبُه اللغة التي نزل القرآن بها.
* * *
стр. 68
[البسملة وسورة الفاتحة]
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى بن ربيعة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ إنما هو باللَّه (١).
قال لبيد بن ربيعة:
إلى الحَوْل ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومن يَبْكِ حَوْلًا كاملًا فقد اعتذر (٢)
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أي: تأليفه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]: أي: جمعناه، وقال اللَّه : ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وُضِعت لافتتاح السور، وللفصل بين السورتين، وليست من القرآن، إلا في سورة النمل فإنها بعض آية، والدليل على ذلك أن رسول اللَّه ﷺ كان لا يقرؤها في افتتاح أم الكتاب، قالت عائشة، وأنس ﵄: كان النبي ﷺ يستفتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
وزاد فيه أنس: وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ (٣)، يعني في خلافتهم.
وقال حُمَيد، عن أنس: صلَّيْتُ خلف رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فما سمعت أحدًا منهم قرأ في صلاته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤).
стр. 69
ورواه أيضًا يزيد بن زُرَيْع، عن قتادة عن أنس (١).
ومن ذلك قول النبي ﷺ لأُبَيّ بن كعب: "لأعلِّمنك (٢) سورةً ما أُنْزِل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مِثْلُها"، فلما دنا من الخروج من المسجد قال له أُبَيّ: يا رسول اللَّه، السورةُ التي تعلمني، قال: "كيف تقرأ أم القرآن؟ "، قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى ختمتُها، فقال النبي ﷺ : "هي هذه، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُ" (٣).
وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ : "يقول اللَّه ﵎: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أقول: حمِدَني عبدي، يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أقول: أثنى عليَّ عبدي، يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أقول: مجَّدَني عبدي، يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه بيني وبين عبدي، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل" (٤).
فقد عدَّها اللَّه سبعًا فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه قسمها بينه وبين عبده نصفين، فجعل نصفها له ثلاث آيات، وآية بينه وبين عبده، وثلاث آيات جعلها لعبده".
стр. 70
ثم فرَضَها في الصلاة فلا تجوز الصلاة إلا بها، وقال النبي ﷺ : "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج" (١)، والخِداج عند أهل اللسان (٢): الناقص، فقد يحتمل أن يكون نقصًا يبطل الصلاة، ويحتمل ألا يُبْطِلَها، فأتى البيان عنه ﷺ ، إذ كانت قراءتها من فرائض الصلاة بأن قال: "من لم يقرأها فلا صلاة له" (٣)، فجاء البيان شافيًا.
وذلك خِطاب للمنفرد، فأما المأموم فغير مخاطب بذلك، بل خاطبه اللَّه تعالى بالاستماع لقراءة الإمام والإنصات له، وقال (٤) النبي ﷺ : "وإذا قرأ الإمام فأنصتوا" (٥)، وأمَرَهم ﷺ بما ينوب عن قراءتهم فقال: "قولوا آمين، فإن من
стр. 71
وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه" (١)، فجعلهم بالتأمين مشاركين للإمام في قراءته ودعائه، ألا ترى اللَّه قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، وإنما دعا موسى وأمَّن هارون فصارا داعِيَيْن، فلما أُمرنا بالإنصات عُوِّضْنا التأمينَ رحمة من اللَّه لنا، ألا ترى أبا هريرة ﵁ يقول: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول اللَّه ﷺ " (٢).
فأما قول أبي هريرة ﵁: "اقرأ بها في نفسك يا فارسي" (٣)، فإنما أمره بها في الصلاة التي يُخافَت فيها.
والقراءة في النَّفْس عَرْضٌ على القلب، ليُشْغِل النَّفْسَ عن الوسوسة بعرضه القرآنَ عليها من غير أن ينطق به اللسان.
فإن احتج محتج أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من أم الكتاب لأنها مثْبَتة في المصحف، قيل له: فقل: إنها من كل سورة، ولم يَقُله أحد تَقَدَّم، فإن حَمَل نفسَه على قوله فقال: آية من كل سورة لأنه مُثْبَت في أوائل السور.
стр. 72
قيل له: القرآن ليس يؤخذ بالروايات، ولو أخذ بالروايات لأدخل أهلُ الزَّيغْ فيه شيئًا كثيرًا، وإنما يؤخذ بالإجماع وأخذِ الكافّة عن الكافّة، فما أجمعوا عليه مما بين الدَّفَّتَين أنه قرآن فهو قرآن، وما اختلفوا فيه فليس من القرآن، إذ تَضَمَّن اللَّه لنا حِفْظَ القرآن علينا، فقال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فهو ما حَفِظَ اللَّهُ بالكافَّة علينا دون ما اختُلف فيه، فقد نجد بين الدفتين ما ليس من القرآن من قولهم: سورة كذا كذا وكذا آية.
وإنما كان نزَّل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليفصل به بين السّوَر، فخرج هذا مع تسمية السُّوَر عن أن يكون قرآنًا، إذ لا إجماعَ عليه فيكون مما حفظه اللَّه علينا.
واحتجاجُهم بأنها في الصحف عليهم، لأن كُتّاب المصاحف كُلَّهم قد ذكروا العدد فأخرجوها من كل سورة، والقراء كُلُّهم عَدّوا في التلاوة فأخرجوها من العدد، والحجة في ذلك تطول وقصدُنا الاختصار.
والقرآن: اسم كتاب اللَّه، لا يسمى به غيره، وسمي أيضًا الفرقان، لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر، لأنه جمع السور، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنًا، وسمي سورة، فمنهم من يقول: منزلة شرف، ومنهم من يقول: قطعة من القرآن. قال النابغة الذبياني:
ألم تَرَ أن اللَّه أعطاك سورة ... تَرَى كل ملك دونها يتذبذب (١)
وقال الراعي:
стр. 73
هنّ الحرائر لا رَبّاتُ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ المَحاجِرِ لا يَقرأن بالسُّوَر (١)
وقال جرير:
لَمّا أتى خَبَرُ الزبير تواضعت ... سُوَر المدينة والجبال الخُشَّع (٢)
* * *
стр. 74
سورة البقرة
стр. 75
٦٧ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾
[السُّنة في الذَّكاة]
السُّنة في البقر الذبح بكتاب اللَّه تعالى، ويجوز فيها النحر لقرب المنحر من المذبح، وأنه لا تعذيب فيها، ولما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ نحر عن نسائه البقر (١).
والسُّنة في الإبل النحر لا يجوز سواه، وفي الغنم الذبح لا يجوز سواه، لأن العدول عن هذا لا يكون إلا قصدًا للتعذيب، لأن البعير إذا ذبح طول عليه الميتة، والشاة مع القدرة عليها تُسَيِّر الموتة إذا عدل عن الذبح إلى النحر، فذلك قصد اللعب ومخالفة السُّنة، ومن قصد لمخالفة السُّنة والتلعب لم تؤكل ذبيحته، واللَّه نسأل التوفيق برحمته.
* * *