← Акыда

Акыда · id 390

الروح - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (877 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

عذاب البرزخ ونعيمه قِسْطُه الذي تقتضيه (١) أعماله، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما. وقد (٢) ظنَّ بعضُ الأوائل (٣) أنّه إذا حُرِق جسده بالنار، وصار رمادًا، وذُرِي بعضه في البحر وبعضه في البرِّ (٤) في يوم شديد الريح= أنه ينجو من ذلك، فأوصى (٥) بنيه أن يفعلوا به ذلك. فأمر الله البحرَ فجمع ما فيه، وأمر البرَّ فجمع ما فيه، ثم قال: قم، فإذا هو قائم بين يدي الله فسأله (٦): ما حملك على ما فعلت؟ فقال (٧): خَشْيتُك يا ربِّ، وأنت أعلم. فما تلافاه أن رحمه (٨). فلم يفُتْ عذابُ البرزخ [٤٧ ب] ونعيمه لهذه (٩) الأجزاء التي صارت في هذه الحال، حتى لو عُلِّق الميت على رؤوس الأشجار في مهابِّ الرياح لأصابَ جسده من عذاب البرزخ حظُّه ونصيبُه. ولو دُفن الرجل الصالح في

стр. 317

أتُّون من النار لأصاب جسدَه من نعيم البرزخ ورَوحه نصيبُه وحظُّه، فيجعل الله النارَ على هذا بردًا وسلامًا، والهواءَ على ذلك (١) نارًا وسَمُومًا. فعناصرُ العالم وموادُّه منقادة لربِّها وفاطرِها وخالقها، يُصَرِّفُها كيف يشاء (٢). ولا يستعصي عليه منها شيء أراده، بل هي طوع مشيئته، مذلَّلةٌ منقادةٌ لقدرته. ومَن أنكر هذا فقد جحدَ ربَّ العالمين، وكفر به، وأنكر ربوبيته. فصل الأمر التاسع (٣): أن الموت معادٌ وبعث أوَّل، فإنَّ الله سبحانه جعل لابن آدم معادَين وبعثَين، يجزي فيهما الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. فالبعث الأول: مفارقةُ الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء (٤) الأول. والبعث الثاني: يومَ يردُّ الله الأرواح إلى أجسادها، ويبعثُها من قبورها إلى الجنة أو إلى النار، وهو الحشر الثاني. ولهذا في الحديث الصحيح: «وتؤمن بالبعث الآخر» (٥)، فإنَّ البعث الأول لا ينكره أحد، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب.

стр. 318

وقد ذكر الله سبحانه هاتين القيامتين ــ وهما الصغرى والكبرى ــ في سورة المؤمنين، وسورة الواقعة، وسورة القيامة، وسورة المطففين، وسورة الفجر، وغيرها من السور. وقد اقتضى عدلُه وحكمتُه أن جعلهما داري جزاءٍ للمحسن والمسيء (١)، ولكنَّ توفية الجزاء إنما يكون يومَ المعاد الثاني في دار القرار، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقد اقتضى عدلُه وأوجبت أسماؤه الحسنى وكمالُه المقدَّس تنعيمَ أبدان أوليائه وأرواحهم، وتعذيبَ أبدان أعدائه وأرواحهم؛ فلابدَّ أن يذيق بدنَ المطيع له وروحَه من النعيم واللذة ما يليق به [٤٨ أ]، ويذيق بدنَ الفاجر العاصي له وروحَه من الألم والعقوبة ما يستحقّه. هذا موجَب عدلِه وحكمتِه وكمالِه المقدَّس. ولما كانت هذه الدارُ دارَ تكليف وامتحان، لا دار جزاء، لم يظهر فيها ذلك. وأما البرزخ فأولُ دار الجزاء، فظهر فيها من ذلك ما يليق بتلك الدار، وتقتضى الحكمةُ إظهارَه. فإذا كان يومُ القيامة الكبرى وَفَّى (٢) أهلَ الطاعة وأهلَ المعصية ما يستحقُّونه من نعيم الأبدان والأرواح وعذابهما. وعذابُ (٣) البرزخِ ونعيمُه أولُ عذاب الآخرة ونعيمها. وهو مشتقٌّ منه، وواصِلٌ إلى أهل البرزخ من هناك، كما دلَّ عليه القرآن والسنة الصريحةُ في

стр. 319

غير موضع دلالةً صريحةً، كقوله: «فيفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من رَوْحها ونعيمها»، وفي الفاجر: «فيفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها» (١). ومعلوم قطعًا أنَّ البدن يأخذ حظَّه من هذا الباب كما تأخذ الروح حظَّها، فإذا كان يومُ القيامة دخَلَ من ذلك الباب إلى مقعده الذي هو داخلُه. وهذان البابان يصل منهما إلى العبد في هذه الدار أثرٌ خفيٌّ محجوب بالشواغل والغواشي الحسيَّة (٢) والعوارض، ولكن يُحِسُّ به كثير من الناس، وإن لم يعرف سببه، ولا يُحسِن التعبيرَ؛ فوجود الشيء غيرُ الإحساس به والتعبيرِ عنه. فإذا مات كان وصول ذلك الأثر إليه من ذَيْنك البابين أكملَ، فإذا بُعِث كَمُل وصولُ ذلك (٣) الأثر إليه. فحكمةُ الربِّ تعالى منتظمة لذلك أكملَ انتظام في الدور الثلاثة.

стр. 320

فصل وأما المسألة الثامنة (١) وهي قول السائل: ما الحكمةُ في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن، مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به ليُحذَر ويُتَّقى؟ فالجواب من وجهين: مجمل، ومفصل. فأما (٢) المجمل، فهو أنَّ الله سبحانه أنزل على رسوله وَحْيَين، وأوجب على عباده الإيمان بهما والعمل بما فيهما، وهما الكتابُ والحكمةُ؛ كما (٣) قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة، باتفاق السلف. وما أخبر به الرسول عن الله، فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أَخبرَ به الربُّ تعالى على لسان رسوله. هذا أصلٌ متفق عليه بين أهل الإسلام، لا ينكره إلا من ليس منهم. وقد قال النبي ﷺ : «إني أوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه» (٤).

стр. 321

وأما الجواب المفصل، فهو أنَّ نعيم البرزخ (١) وعذابَه مذكور في القرآن في غير موضع. فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وهذا خطاب لهم عند الموت قطعًا (٢)، وقد أخبرت الملائكة ــ وهم الصادقون ــ أنَّهم حينئذٍ يُجزون عذاب الهون. ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صحَّ أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾. ومنها (٣) قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. فذَكَر عذابَ الدَّارَين ذكرًا صريحًا لا يحتمل غيره. ومنها قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٥ ــ ٤٧] وهذا يحتمل أن (٤) يراد به عذابهم بالقتل

стр. 322

وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابُهم في البرزخ. وهو أظهر، لأن كثيرًا منهم مات (١)، ولم يعذَّب في الدنيا. وقد يقال ــ وهو أظهر ــ أنَّ من مات منهم عُذِّب في البرزخ، ومن بقي منهم (٢) عُذِّب في الدنيا بالقتل وغيره. فهو وَعيدٌ بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]. وقد احتجَّ بهذه الآية جماعة ــ منهم عبد الله بن عباس (٣) ــ على عذاب القبر. وفي الاحتجاج بها شيءٌ؛ لأنَّ هذا عذابٌ في الدنيا يُستدعى به (٤) رجوعُهم عن الكفر. ولم يكن هذا مما يخفَى على حبر الأمة وترجمان القرآن (٥)، لكن من فِقْهه [٤٩ أ] في القرآن ودِقَّة فهمه فيه، فَهِم منها عذابَ القبر؛ فإنَّه سبحانه أخبر أنَّ له فيهم عذابين: أدنى وأكبر، فأخبر أنه يذيقُهم بعض الأدنى ليرجعوا، فدلَّ على أنه بقي لهم من الأدنى بقيةٌ يعذَّبون بها بعد عذاب الدنيا. ولهذا قال: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾، ولم يقل: ولنذيقنَّهم العذاب الأدنى (٦) فتأمَّلْه.

стр. 323

وهذا نظير قول النبي ﷺ : «فيفتح له طاقةٌ إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسَمومها» (١). ولم يقل: فيأتيه حرُّها وسمومها، فإنَّ الذي وصل إليه بعض ذلك، وبقي له أكثر. والذي ذاقه أعداء الله في الدنيا بعضُ العذاب الأدنى، وبقي لهم ما هو أعظم منه. ومنها: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٨٣ ــ ٩٦] (٢)، فذكر هاهنا أحكامَ الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر (٣)، وقدَّم ذلك على هذا تقديم الغاية (٤)، إذ هي أهم وأولى بالذكر. وجعلهم عند الموت ثلاثةَ أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام. ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٥) [الفجر: ٢٧ ــ ٣٠]. وقد اختلف السلف

стр. 324

متى يقال لها ذلك؟ فقالت طائفة: يقال لها ذلك (١) عند الموت. وظاهرُ اللفظ مع هؤلاء، فإنه خطابٌ للنفس التي قد تجرَّدت عن البدن، وخرجت منه. وقد فسَّر ذلك النبيُّ ﷺ بقوله في حديث البراء وغيره: «فيقال لها: اخرجي راضيةً مرضيًّا عنك» (٢). وسيأتي تمام تقرير هذا في المسألة التي يُذكَر فيها مُستقَرُّ الأرواح في البرزخ إن شاء الله تعالى (٣). وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مطابق لقوله ﵇ [٤٩ ب]: «اللهم الرفيق الأعلى» (٤)، وأنت إذا تأمَّلت أحاديث (٥) عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلًا وتفسيرًا لما دلَّ عليه القرآن. وبالله التوفيق (٦).

стр. 325

فصل وأما المسألة التاسعة (١) وهي قول السائل: ما الأسباب التي يعذَّب بها أصحاب القبور؟ فجوابها من وجهين: مجمل ومفصَّل. أما المجمل: فإنهم يعذَّبون على جهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه. فلا يعذِّب الله روحًا عرفته، وأحبَّته، وامتثلت أمرَه، واجتنبت نهيَهُ؛ ولا بدَنًا (٢) كانت فيه أبدًا، فإنّ عذاب القبر وعذاب الآخرة أثرُ غضب الله وسُخْطِه على عبده، فمَن أغضب الله وأسخطَه في هذه الدار، ثم لم يتب، ومات على ذلك (٣)، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضبِ الله وسخطهِ عليه؛ فمستقِلٌّ ومستكثِر، ومصدِّقٌ ومكذِّب. وأما الجواب المفصَّل ، فقد أخبرَ رسول الله ﷺ عن الرجلين الذين رآهما يعذَّبان في قبورهما، يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك (٤) الآخرُ الاستبراءَ من البول (٥). فهذا ترَكَ الطهارة الواجبة، وذلك ارتكب السببَ المُوقِعَ للعداوة بين الناس بلسانه، وإن كان صادقًا. وفي هذا تنبيه على أنَّ المُوقِعَ بينهم العداوةَ بالكذب والزُّور والبهتان أعظمُ عذابًا، كما أنَّ

стр. 326

في ترك الاستبراء من البول تنبيهًا على أنَّ مَن تَرَك الصلاة التي الاستبراءُ من البول بعضُ واجباتها وشروطها (١)، فهو أشدُّ عذابًا. وفي حديث شعبة: «أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس» (٢). فهذا مغتاب، وذلك نمَّام. وقد تقدَّم (٣) حديث ابن مسعود في الذي ضُرب سوطًا امتلأ القبر عليه به (٤) نارًا، لكونه صلَّى صلاة واحدة بغير طهور، ومرَّ على مظلوم فلم ينصره. وقد تقدَّم (٥) حديث سَمُرة في صحيح البخاري في تعذيب من يكذب الكذبة، فتبلغ الآفاق؛ وتعذيب من يقرأ القرآن، ثم ينام عنه بالليل، ولا يعمل به بالنهار؛ وتعذيب الزُّناةِ والزواني، وتعذيب آكل الربا، كما شاهدهم النبي ﷺ [٥٠ أ] في البرزخ. وتقدَّم (٦) حديث أبي هريرة الذي فيه رَضْخُ رؤوس أقوام بالصخر لتثاقُلِ رؤوسهم عن الصلاة، والذين يسرحون بين الضَّريع والزقّوم لتركهم زكاة أموالهم، والذين يأكلون اللحم المنتِنَ الخبيث لزناهم، والذين تُقرَض شفاهُهم بمقاريض من حديث لقيامهم في الفتن بالكلام والخطب.

стр. 327

وتقدَّم (١) حديث أبي سعيد وعقوبة أرباب تلك الجرائم. فمنهم مَن بطونُهم أمثالُ البيوت، وهم على (٢) سابلة آل فرعون، وهم أَكَلة الربا. ومنهم من تُفتَح أفواههم فيُلقَمون الجمرَ حتى (٣) يخرج من أسافلهم، وهم أَكَلة (٤) أموال اليتامى. ومنهم المعلَّقات بثُدِيِّهنَّ، وهنَّ الزواني. ومنهم من تُقطَع جنوبهم ويُطعَمون لحومَهم، وهم المغتابون. ومنهم من لهم أظفار من نحاس يخمِشون وجوههم وصدورهم، وهم الذين يمزّقون أعراض الناس. وقد أخبر النبي ﷺ عن صاحب الشَّملة التي غلَّها من المغنم أنها تشتعل عليه نارًا في قبره (٥). هذا، وله فيها حقٌّ، فكيف بمن ظلم غيرَه بما (٦) لا حقَّ له فيه! فعذابُ القبر من معاصي القلب والعين والأذن والفم واللسان والبطن والفرج واليد والرجل، والبدنِ كلِّه. فالكذَّابُ (٧)، والنمَّام، والمغتاب، وشاهد الزور، وقاذف المحصَن، والمُوضِع في الفتنة، والداعي إلى البدعة، والقائل على الله ورسوله ما لا علمَ له به، والمجازف في كلامه.

стр. 328

وآكلُ الربا، وآكل أموال اليتامى، وآكل السُّحت من الرشوة والبِرْطِيل (١) ونحوهما، وآكل مالِ أخيه المسلم بغير حقٍّ أو مال المعاهَد، وشارب المسكِر، وآكل لقمة الشجرة الملعونة، والزاني، واللوطي، والسارق، والخائن، والغادر (٢)، والمخادع، والماكر، وآخذ الربا (٣)، ومعطيه، وكاتبه (٤)، وشاهداه؛ والمحلل والمحلَّل له، والمحتال على إسقاط فرائض الله وارتكاب محارمه، ومؤذي المسلمين، ومتَّبع عوراتهم. والحاكم بغير ما أنزل الله (٥)، والمفتي بخلاف (٦) ما شرَعَه الله، والمعين على الإثم والعدوان، وقاتل النفس التي حرم الله، والملحِد في حرم الله، والمعطِّل لحقائق أسماء الله وصفاته الملحِد (٧) فيها، والمقدِّم رأيَه (٨) وذوقَه وسياسته على سنَّة [٥٠ ب] رسول الله ﷺ . والنائحةُ والمستمِعُ إليها، ونوَّاحو (٩) جهنَّم ــ وهم المغنُّون (١٠) الغناءَ الذي حرَّمه الله ورسولُه ــ والمستمعُ إليهم، والذين يبنون المساجد على

стр. 329

القبور، ويُوقدون عليها القناديل والسرج؛ والمطفِّفون في استيفاء ما لهم إذا أخذوه، وهَضْمِ ما عليهم إذا بذلوه، والجبَّارون، والمتكبِّرون، والمراؤون (١) والهمّازون، واللمّازون، والطاعنون (٢) على السلف، والذين يأتون الكَهَنة والمنجِّمين والعرَّافين (٣)، فيسألونهم، ويصدِّقونهم. وأعوانُ الظلَمَة الذين قد باعوا آخِرَتهم بدنيا غيرهم (٤)، والذي إذا خوَّفتَه بالله وذكَّرته به لم يرعَوِ، ولم ينزجر؛ فإذا خوَّفته بمخلوقٍ مثلِه خاف، وارعوى، وكفَّ عمَّا هو فيه. والذي يُهدَى بكلام الله ورسوله، فلا يهتدي، ولا يرفع به رأسًا؛ فإذا بلغه عمَّن يُحسِنُ به الظنَّ، ممَّن يصيب ويخطئ، عضَّ عليه بالنواجذ، ولم يخالفه. والذي يُقرأ عليه القرآنُ، فلا يؤثِّر فيه، وربما استثقَلَ به؛ فإذا سمع قرآن الشيطان، ورقية الزنا، ومادّة النفاق= طاب سِرُّه (٥)، وتواجَدَ، وهاج من قلبه دواعي الطرب، وودَّ أنَّ المغنِّي لا يسكتُ. والذي يحلف بالله، ويكذب، فإذا حلف بالبندق (٦)، أو

стр. 330

برأس شيخه (١) أو تُربته (٢) أو سراويل الفتوة (٣)، أو حياة من يحبُّه ويعظِّمه من المخلوقين= لم يكذب، ولو هُدِّد وعُوقب. والذي يفتخرُ بالمعصية، ويتكثَّر بها بين إخوانه وأضرابه، وهو المجاهر؛ والذي لا تأمنُه على مالك وحرمتك (٤)، والفاحش اللسان البذيء (٥) الذي تركه الناس (٦) اتقاءَ شرَّه وفُحْشه. والذي يؤخِّر الصلاة إلى آخر وقتها، وينقُرُها، ولا يذكر الله فيها إلا قليلًا، ولا يؤدِّي زكاةَ ماله طيِّبةً بها نفسُه، ولا يحجُّ مع قدرته على الحجِّ، ولا يؤدِّي ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها، ولا يتورَّع من لَحْظةٍ (٧) ولا لفظةٍ ولا أَكلةٍ ولا خَطوةٍ، ولا يبالي بما حصّل المال من حلال أو حرام، ولا يصلُ رَحِمه؛ ولا يرحم [٥١ أ] المسكين، ولا الأرملَة ولا اليتيمَ، ولا الحيوان البهيمَ؛ بل يدُعُّ اليتيم، ولا يحضُّ على طعام المسكين، ويرائي العالمين،

стр. 331

ويمنع الماعون، ويشتغل بعيوب الناس عن عيبه، وبذنوبهم عن ذنبه. = فكلُّ هؤلاء وأمثالُهم يعذَّبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسَبِ كثرتها وقلِّتها، وصِغَرها وكِبَرها (١). ولما كان أكثر الناس كذلك كان أكثر أصحاب القبور معذَّبين، والفائزُ منهم قليل. فظواهر القبور تراب، وبواطنها (٢) حسرات وعذاب. ظواهرُها بالتراب والحجارة المنقوشة مَبْنِيَّات، وفي باطنها الدواهي والبَلِيَّات، تغلي بالحسرات، كما تغلي القدور بما فيها. ويحِقّ لها، وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها. تالله لقد وعظَتْ، فما تركت لواعظٍ مقالًا، ونادت: يا عُمَّار الدنيا لقد أعمرتم (٣) دارًا موشكة بكم زوالًا، وخرَّبتم دارًا أنتم مسرعون (٤) إليها انتقالًا. عمَّرتم بيوتًا لغيركم منافعُها وسُكنْاها، وخرّبتم بيوتًا ليس لكم مساكنُ سواها: هذه دار الاستيفاء (٥)، ومستودعُ الأعمال، وبَيدَر الزرع (٦).

стр. 332

هذه محلُّ العبر (١)، رياض من رياض الجنة، أو حُفرة (٢) من حُفَر النار.

стр. 333

فصل وأمَّا المسألة العاشرة (١) وهي قوله: ما هي الأسباب المنجية من عذاب القبر؟ فجوابها أيضًا من وجهين: مجمل، ومفصّل. أمَّا المجمل، فهو تجنُّب (٢) تلك الأسباب التي تقتضي عذاب القبر. ومن أنفعها (٣): أن يجلس الإنسان (٤) عندما يريدُ النومَ لله (٥) ساعةً، يحاسبُ نفسه فيها (٦) على ما خسِره وربِحه في يومه، ثم يجدِّد له (٧) توبةً نصوحًا بينه وبين الله، فينام على تلك التوبة، ويعزِم على أن لا يعاوِدَ الذنب إذا استيقظ. ويفعل هذا (٨) كلَّ ليلة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبِلًا للعمل، مسرورًا بتأخير أجله حتى يستقيل ربَّه، ويستدرِكَ ما فاته. وليس للعبد أنفعُ من هذه التوبة (٩) ولاسيَّما إذا عقَّب (١٠) ذلك بذكر الله

стр. 334

واستعمال السُّنن التي وردت عن رسول الله ﷺ [٥١ ب] عند النوم، حتى يغلبَه النوم. فَمَن أراد الله به خيرًا وفَّقه لذلك، ولا قوة إلا بالله. وأما الجواب المفصَّل، فنذكر أحاديث عن رسول الله ﷺ فيما يُنجِي من عذاب القبر. فمنها: ما رواه مسلم في صحيحه (١) عن سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رِباطُ يومٍ وليلةٍ (٢) خيرٌ من صيام شهر وقيامه. وإن مات أُجري عليه عملُه الذي كان يعمله (٣)، وأجري عليه رزقُه، وأمِنَ الفَتَّانَ». وفي جامع الترمذي (٤) من حديث فَضالة بن عبيد عن رسول الله ﷺ قال: «كلُّ ميِّت يُخْتَم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه يُنمَى له عملُه إلى يوم القيامة، ويأمنُ من فتنة القبر». قال الترمذي (٥): هذا حديث حسن صحيح. وفي سنن النسائي (٦) عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب

стр. 335

النبي (١) ﷺ أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله ما بالُ المؤمنين (٢) يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنةً». وعن المقدام (٣) بن معدِ يكَرِب قال: قال رسول الله ﷺ : «للشهيد عند الله ستُّ خصال: يُغفَر له في أول دَفعةٍ من دمه (٤)، ويُرَى مقعدَه من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُوضَع على رأسه تاج الوقار، الياقوتةُ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوَّج ثنتين (٥) وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفَّع في سبعين من أقاربه» (٦) رواه ابن ماجه، والترمذيُّ (٧)، وهذا لفظه، وقال: هذا حديث حسن صحيح (٨).

стр. 336

وعن ابن عباس قال: ضرَبَ رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ خِباءَه على قبر، وهو لا يحسَبُ أنه قبرٌ؛ فإذا (١) إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، ضربتُ خبائي على قبر، وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا (٢) قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. فقال النبي ﷺ [٥٢ أ]: «هي المانعة، هي المنجيةُ، تُنجِيه من عذاب القبر» (٣). قال

стр. 337

الترمذي: هذا حديث حسن غريب (١). ورُوِّينا في «مسند عبد بن حُميد» (٢)، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه،

стр. 338

عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّه قال لرجل: ألا أُتحِفُك بحديثٍ تفرح به؟ قال الرجل: بلى. قال: اقرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] احفَظْها، وعَلِّمها أهلَك وولدَك وصبيانَ بيتك وجيرانك، فإنّها المنجيةُ، والمجادِلةُ، تجادلُ ــ أو تخاصمُ (١) ــ يوم القيامة عند ربِّها لقارئها، وتطلبُ له إلى ربِّها أن يُنجِيَه من عذاب النار، إذا كانت في جوفه. وينجي الله بها صاحبَها (٢) من عذاب القبر. قال رسول الله ﷺ : «لودِدْتُ أنها في قلب كل إنسان من أمتي». قال أبو عمر بن عبد البر (٣): وصحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن سورة ثلاثين آيةً شفعت في صاحبها حتى غُفِر له ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾» (٤).

стр. 339

وفي «سنن ابن ماجه» (١) من حديث أبي هريرة يرفعه: «من مات مريضًا مات شهيدًا، ووُقِيَ فتنة القبر، وغُدِيَ ورِيحَ عليه برزق من الجنّة». وفي «سنن النسائي» (٢) عن جامع بن شداد قال: سمعت عبد الله بن

стр. 340

يسار (١) يقول: كنت جالسًا مع سليمان بن صُرَد وخالد بن عُرْفُطة، فذكروا أنَّ رجلًا مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شَهِدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : «من يقتله بطنه لم يعذَّب في قبره»؟ وقال أبو داود الطيالسي في «مسنده» (٢): ثنا شعبة، حدَّثني أحمد بن جامع بن شدَّاد قال: حدَّثني (٣) أبي، فذكره، وزاد: فقال الآخر: بلى (٤). وفي «الترمذي» (٥) من حديث ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو

стр. 341

قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة

стр. 342

إلا وقاه الله فتنةَ القبر». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (١). وليس إسناده بمتصل، ربيعةُ بن سيف إنما يروي عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي (٢) عن عبد الله بن عمرو، ولا يُعرف لربيعة بن سيف سماع من عبد الله بن عمرو. انتهى. [٥٢ ب] وقد روى الترمذي الحكيم (٣) من حديث ربيعة بن سيف (٤) هذا عن عِياض بن عُقبة الفِهْري عن عبد الله بن عمرو. وقد رواه أبو نعيم الحافظ (٥) عن محمد بن المنكدر (٦)، عن جابر مرفوعًا، ولفظه: «من مات ليلةَ الجمعة أو يوم الجمعة أُجيرَ من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابَعُ الشهداء». تفرَّد به عمر بن موسى الوَجِيهي (٧)،

стр. 343

وهو مدني ضعيف (١). وقوله ﷺ : «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» معناه (٢) ــ والله أعلم ــ أنَّه: قد (٣) امتُحِن نفاقُه من إيمانه ببارقة السيف على رأسه، فلم يفِرَّ. فلو كان منافقًا لما صبر لبارقة السيف على رأسه (٤)، فدلَّ على أنَّ إيمانه هو الذي حمله على بذل نفسه لله وتسليمها له، وهاجَ من قلبه حميةَ (٥) الغضبِ لله ورسوله وإظهارِ دينه وإعزاز كلمته. فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث (٦) برز للقتل، فاستغنى بذلك عن الامتحان في قبره. قال أبو عبد الله القُرطبيُّ (٧): إذا كان الشهيد لا يُفتَن، فالصِّدِّيق أجلُّ خطرًا وأعظم أجرًا (٨) أن لا يُفتَن؛ لأنه مقدَّمٌ ذكرُه في التنزيل على الشهداء.

стр. 344

وقد صحَّ في المُرابط الذي هو دون الشهيد أنه لا يُفتن (١)، فكيف بمن هو أعلى رتبةً منه ومن الشهيد؟ والأحاديث الصحيحة تردُّ هذا القول، وتُبيِّن أنَّ الصدِّيق يُسأل في قبره كما يُسأل غيرُه. وهذا عمر بن الخطاب ﵁ رأس الصدِّيقِين، وقد قال للنبي (٢) ﷺ لما أخبره عن سؤال الملك (٣) في القبر، فقال: وأنا على مثل حالتي هذه؟ فقال: «نعم» وذكر الحديث (٤).

стр. 345

وقد اختلف الناس (١) في الأنبياء: هل يسألون في قبورهم؟ على قولين، وهما وجهان في مذهب أحمد وغيره (٢). ولا يلزم من هذه الخاصِّية (٣) التي اختصَّ بها الشهيد أن يشاركه الصدِّيق في حُكمها، وإن كان أعلى منه، فخواصُّ الشهداء قد تنتفي عمَّن هو أفضلُ منهم، وإن كان أعلى منهم درجة. وأما حديث «ابن ماجه»: «من مات مريضًا مات شهيدًا، ووُقِيَ فتنةَ القبر» فمن أفراد ابن ماجه، وفي أفراده غرائبُ ومنكراتٌ. ومثل هذا الحديث مما يُتوقف فيه (٤) ولا يشهد به على رسول الله ﷺ . فإن صحَّ فهو مقيَّد بالحديث (٥) الآخر، وهو الذي يقتله بطنه. فإنَّه (٦) صحَّ عنه أنه قال:

стр. 346

«المبطون شهيد» (١)، فيحمل هذا المطلق على ذلك المقيَّد. والله أعلم. وقد جاء فيما يُنجي من عذاب القبر حديث فيه الشفاء، رواه أبو موسى (٢) المديني، وبنى عليه كتابه (٣) في «الترغيب والترهيب»، وجعله شرحًا له (٤). رواه (٥) من حديث الفَرَج (٦) بن فَضَالة، حدَّثنا هلالٌ أبو جَبَلة، عن سعيد بن المسيِّب، عن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن في صُفَّة بالمدينة، فقام علينا، فقال: «إني رأيتُ البارحةَ عجبًا، رأيتُ رجلًا من أمتي أتاه ملكُ الموت ليقبضَ روحَه، فجاءه (٧) برُّه بوالديه، فردَّ ملكَ الموت عنه. ورأيتُ رجلًا من أمتي قد بُسط عليه عذابُ القبر، فجاءه (٨) وضوؤه، فاستنقذه من ذلك (٩). ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشَتْه الشياطين، فجاءه (١٠) ذكرُ الله،

стр. 347

فطرد (١) الشياطين عنه. ورأيتُ رجلًا من أمتي قد احتوشَتْه ملائكةُ العذاب، فجاءته صلاتُه (٢)، فاستنقذَتُه من أيديهم (٣). ورأيت رجلًا من أمتي يلهثُ عطَشًا، كلَّما دنا من حوضٍ مُنِعَ وطُرِد، فجاءه صيامُ شهر رمضان (٤)، فأسقاه وأَرواه (٥). ورأيتُ رجلًا من أمتي ورأَيتُ النبيين جلوسًا حَلَقًا حَلَقًا (٦)، كلَّما دنا إلى حَلْقةٍ طُرِد، فجاءه غُسلُه من الجنابة، فأخذ بيده، فأقعدَه (٧) إلى جنبي. ورأيتُ رجلًا (٨) من أمتي من بين يديه ظُلمةٌ، ومن خَلْفه ظُلمة (٩)، وعن يمينه ظُلْمةٌ، وعن يساره ظُلمةٌ، ومن فوقه ظُلمةٌ، وهو مُتحيِّر فيه. فجاءه حَجُّه وعُمرته، فاستخرجاه من الظُّلمة، وأدْخلاه في النور. ورأيت رجلًا من أمتي يتَّقي بوجهه وَهَجَ النار وشَررَها. فجاءته صدقتُه، فصارتْ سُتْرةً بينه وبين النار، وظلًّا (١٠) على رأسه.

стр. 348

ورأيت رجلًا من أمتي يُكلِّم المؤمنين، ولا يُكلّمونه، فجاءته صلتُه لرحمه، فقالت: يا معشر المسلمين إنَّه كان وَصُولًا لرحِمه، فَكلِّموه. فكلَّمه المؤمنون، وصافحوه، وصافَحهم. ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشَتْه الزَّبانية. فجاء أمره بالمعروف ونَهيْه عن المنكر، فاستنقَذَه من أيديهم، وأَدخله في ملائكة الرحمة. ورأيتُ رجلًا من أمتي جاثيًا على رُكبتَيْه، وبينه وبين الله حِجابٌ فجاءه حسنُ خُلُقه، فأخذ بيده، فأدخله (١) على الله . ورأيتُ رجلًا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قِبَل شماله، فجاءه (٢) خوفُه من الله ، فأخذ صحيفتَه، فوضعها في يمينه. ورأيت رجلًا من أمتي خَفَّ ميزانُه، فجاءه أفراطُه (٣) فثقَّلوا ميزانَه. ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه من الله ، فاستنقذه من ذلك، ومضى. ورأيتُ رجلًا من أمتي قد هوى في النار. فجاءته (٤) دمعتُه التي بكى من خشية الله ، فاستنقذتْه من ذلك. ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على الصراط، يُرعَدُ كما ترعدُ السَّعَفةُ في

стр. 349

ريح عاصف. فجاءه حسنُ ظنِّه بالله ، فسكَّن رُوعَه (١)، ومضى. ورأيتُ رجلًا من أمتي يزحَفُ (٢) على الصراط، ويَجثو (٣) أحيانًا، ويتعلّق أحيانًا. فجاءته صلاتُه عليَّ، فأقامته على قدميه، وأنقذتُه. ورأيتُ رجلًا من أمتي انتهى إلى باب الجنة (٤)، فَغُلِّقت الأبوابُ دونه. فجاءته «أشهد (٥) أن لا إله إلا الله» ففَتحَتْ له الأبوابَ، وأدخلَتْه الجنة» (٦).

стр. 350

قال الحافظ أبو موسى: هذا حديثٌ حسنٌ جدًّا، رواه عن سعيد بن

стр. 351

المسيِّب عمر (١) بن ذرٍّ، وعليُّ بن زيد بن جُدعان. ونحو هذا الحديث ممَّا قيل فيه: إن رؤيا الأنبياء وحي (٢)، فهي على ظاهرها؛ لا (٣) كنحو ما رُوي عنه ﷺ أنه قال: «رأيتُ كأنَّ سَيفي انقطع، فأوَّلتُه كذا وكذا، ورأيتُ بقرًا تُنحَر» (٤)، و «رأيتُ كأنَّا في دار عُقبةَ بن رافع» (٥). وقد روى في رؤياه الطويلة من حديث سَمُرة في «الصحيح» (٦) ومن حديث عليٍّ (٧)، وأبي أُمامةَ (٨). ورواياتُ هؤلاء الثلاثة قريبٌ بعضها من بعض، مشتملة على ذكر عقوبات جماعةٍ من المعذَّبين في البرزخ. فأما في

стр. 352

هذه الرواية، فذَكَر العقوبةَ، وأتبعها بما يُنجي صاحبها من العمل (١). وراوي (٢) هذا الحديث عن ابن المسيِّب هلالٌ أبو جبَلة، مدنيٌّ، لا يُعرف بغير هذا الحديثِ (٣). ذكره ابنُ أبي حاتم (٤) عن أبيه هكذا، وذكره الحاكمُ أبو أحمد والحاكمُ أبو عبد الله: «أبو جبل» بلا هاء، وحَكَياه عن مسلم (٥). وراويه (٦) عنه الفَرَج بن فَضالةَ. وهو وسطٌ في الرواية، ليس بالقويِّ [٥٤ أ] ولا المتروك (٧). وراويه عنه بشرُ بن الوليد الفقيهُ المعروف بأبي الخطيب (٨). كان حسنَ المذهب جميلَ الطريقة.

стр. 353

وسمعتُ (١) شيخَ الإسلام يُعظِّم أمرَ هذا الحديث، وقال: أصول السنة تشهدُ له، وهو من أحسن الأحاديث (٢). والله التوفيق.

стр. 354

فصل وأمّا المسألة الحادية عشرة (١) وهي أن السؤال في القبر هل هو عامٌّ في حقِّ المسلمين والمنافقين والكفار، أو يختصُّ بالمسلم والمنافق؟ فقال أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب «التمهيد» (٢): والآثارُ الدالَّة (٣) على أنَّ الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمنٍ أو منافق ممَّن (٤) كان منسوبًا إلى أهل القبلةِ ودين الإسلام بظاهر الشهادة. وأمّا الكافر الجاحد (٥) المبطل، فليس ممّن يُسأل عن ربِّه ودينه ونبيِّه. وإنما يُسأل عن هذا أهل الإسلام، فيُثبِّتُ الله الذين آمنوا، ويرتابُ المبطلون (٦). والقرآن والسنَّة تدلُّ على خلاف هذا القول (٧)، وأنَّ السؤالَ للكافر

стр. 355

والمسلم. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقد ثبت في الصحيح (١) أنها نزلت في عذاب القبر حين يُسأل: من ربُّك، وما دينُك. وفي «الصحيحين» (٢): عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن العبدَ إذا وُضِع في قبره وتولَّى عنه أصحابُه إنه ليسمع قَرْعَ نعالهم» وذكر الحديث. زاد البخاري: «وأما المنافقُ والكافر فيقال له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنتُ أقول ما يقول الناسُ. فيقال: لا دَريتَ ولا تَليت. ويُضرب بمطرقةٍ من حديد، يصيحُ صيحةً يسمعها من يليه إلا الثقلين». هكذا في البخاري: «وأما المنافق والكافر» بالواو (٣). وقد تقدَّم (٤) في حديث أبي سعيدٍ الخدري الذي رواه ابن حبّان (٥)
следующие страницы →