← Акыда

Акыда · id 390

الروح - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (877 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المسيِّب عمر (١) بن ذرٍّ، وعليُّ بن زيد بن جُدعان. ونحو هذا الحديث ممَّا قيل فيه: إن رؤيا الأنبياء وحي (٢)، فهي على ظاهرها؛ لا (٣) كنحو ما رُوي عنه ﷺ أنه قال: «رأيتُ كأنَّ سَيفي انقطع، فأوَّلتُه كذا وكذا، ورأيتُ بقرًا تُنحَر» (٤)، و «رأيتُ كأنَّا في دار عُقبةَ بن رافع» (٥). وقد روى في رؤياه الطويلة من حديث سَمُرة في «الصحيح» (٦) ومن حديث عليٍّ (٧)، وأبي أُمامةَ (٨). ورواياتُ هؤلاء الثلاثة قريبٌ بعضها من بعض، مشتملة على ذكر عقوبات جماعةٍ من المعذَّبين في البرزخ. فأما في

стр. 352

هذه الرواية، فذَكَر العقوبةَ، وأتبعها بما يُنجي صاحبها من العمل (١). وراوي (٢) هذا الحديث عن ابن المسيِّب هلالٌ أبو جبَلة، مدنيٌّ، لا يُعرف بغير هذا الحديثِ (٣). ذكره ابنُ أبي حاتم (٤) عن أبيه هكذا، وذكره الحاكمُ أبو أحمد والحاكمُ أبو عبد الله: «أبو جبل» بلا هاء، وحَكَياه عن مسلم (٥). وراويه (٦) عنه الفَرَج بن فَضالةَ. وهو وسطٌ في الرواية، ليس بالقويِّ [٥٤ أ] ولا المتروك (٧). وراويه عنه بشرُ بن الوليد الفقيهُ المعروف بأبي الخطيب (٨). كان حسنَ المذهب جميلَ الطريقة.

стр. 353

وسمعتُ (١) شيخَ الإسلام يُعظِّم أمرَ هذا الحديث، وقال: أصول السنة تشهدُ له، وهو من أحسن الأحاديث (٢). والله التوفيق.

стр. 354

فصل وأمّا المسألة الحادية عشرة (١) وهي أن السؤال في القبر هل هو عامٌّ في حقِّ المسلمين والمنافقين والكفار، أو يختصُّ بالمسلم والمنافق؟ فقال أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب «التمهيد» (٢): والآثارُ الدالَّة (٣) على أنَّ الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمنٍ أو منافق ممَّن (٤) كان منسوبًا إلى أهل القبلةِ ودين الإسلام بظاهر الشهادة. وأمّا الكافر الجاحد (٥) المبطل، فليس ممّن يُسأل عن ربِّه ودينه ونبيِّه. وإنما يُسأل عن هذا أهل الإسلام، فيُثبِّتُ الله الذين آمنوا، ويرتابُ المبطلون (٦). والقرآن والسنَّة تدلُّ على خلاف هذا القول (٧)، وأنَّ السؤالَ للكافر

стр. 355

والمسلم. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقد ثبت في الصحيح (١) أنها نزلت في عذاب القبر حين يُسأل: من ربُّك، وما دينُك. وفي «الصحيحين» (٢): عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن العبدَ إذا وُضِع في قبره وتولَّى عنه أصحابُه إنه ليسمع قَرْعَ نعالهم» وذكر الحديث. زاد البخاري: «وأما المنافقُ والكافر فيقال له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنتُ أقول ما يقول الناسُ. فيقال: لا دَريتَ ولا تَليت. ويُضرب بمطرقةٍ من حديد، يصيحُ صيحةً يسمعها من يليه إلا الثقلين». هكذا في البخاري: «وأما المنافق والكافر» بالواو (٣). وقد تقدَّم (٤) في حديث أبي سعيدٍ الخدري الذي رواه ابن حبّان (٥)

стр. 356

والإمام أحمدُ (١): كنّا في جنازة مع النبي ﷺ فقال: «يا أيها الناسُ إنَّ هذه الأمةَ تُبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دُفِنَ (٢) وتولَّى عنه أصحابه جاءه ملك (٣) وفي يده مِطراقٌ (٤)، فأقعدَه فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، [٥٤ ب] وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله. فيقول له: صدقتَ، فيَفتح له بابًا إلى النار، فيقول له (٥): هذا منزلُكَ لو كفرتَ بربك.

стр. 357

وأما الكافر والمنافق، فيقول له (١): ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريتَ ولا اهتديتَ! ثم يَفتح له بابًا إلى الجنة، فيقول له (٢): هذا منزلك (٣) لو آمنتَ بربك. فأمَّا إذ كفرتَ، فإنّ الله أبدلك به هذا. ثم يَفتح له بابًا (٤) إلى النار. ثم يقمعه الملكُ بالمطراق (٥) قمعةً يسمعه خلقُ الله إلا الثقلين». فقال بعضُ الصحابة: يا رسول الله، ما أحدٌ يقوم على رأسه ملَكٌ إلا هِيلَ (٦) عند ذلك! فقال رسول الله ﷺ : «﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]». وفي حديث البراء بن عازب الطويل (٧): «وأما الكافر إذا كان في قُبل من الآخرة وانقطاعٍ من الدنيا نزل عليه ملائكة من السماء معهم مُسوح». وذكر الحديث إلى أن قال: «ثم تعاد روحُه في جسده في قبره»، وذكر الحديث.

стр. 358

وفي لفظ: «فإذا كان فاجرًا (١) جاءه ملك الموت فجلس عند رأسه». فذكر الحديث إلى قوله: «ما هذه الرُّوح الخبيثة؟ فيقولون: فلان، بأسوأ أسمائه. فإذا انتُهي به (٢) إلى السماء الدنيا أُغلقتْ دونه». قال: «فيُرمى به من السماء». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. قال: «فتعاد إليه روحه في جسده، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فيُجلِسانه، وينتهرانه، فيقولان: من ربُّك؟ فيقول: هاه لا أدري. فيقولان: لا دريتَ! فيقولان: ما هذا النبي (٣) الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: سمعتُ الناس يقولون ذلك، لا أدري. فيقولون له: لا دريتَ! وذلك قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]». وذكر الحديث. واسمُ «الفاجر» في عُرف القرآن والسنّة يتناول الكافرَ قطعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]. وفي لفظ آخر في حديث البراء: «وإنَّ الكافرَ إذا كان في قُبُل من الآخرة وانقطاعٍ [٥٥ أ] من الدنيا نزل إليه ملائكة شِداد (٤) غِضاب، معهم ثيابٌ من

стр. 359

نار، وسرابيلُ من قَطِران، فيحتوشونه، فتُنزَع (١) روحُه كما يُنزَع السَّفُّود الكثيرُ (٢) الشُّعَب من الصوف المبتلِّ. فإذا خرجت لعنه كلُّ ملكٍ بين السماء والأرض وكلُّ ملك في السماء». وذكر الحديث إلى أن قال: «إنه لَيسمعُ خفق نعالهم إذا ولَّوا مدبرين، فيقال: يا هذا، من ربُّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري. فيقال: لا دريت!» وذكر الحديث. رواه حمَّاد بن سلمة، عن يونس بن خبَّاب (٣)، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء (٤). وفي حديث عيسى بن المسيّب، عن عدي بن ثابت، عن البراء: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار وذكر الحديث إلى أن قال: «وإن الكافرَ إذا كان في دُبر من الدنيا، وقُبل (٥) من الآخرة، وحضره الموتُ= نزلتْ عليه من السماء (٦) ملائكة معهم كفن من نار وحَنوط من نار». فذكر الحديث إلى أن قال: «فَتُردُّ روحُه إلى مَضْجعه، فيأتيه منكرٌ ونكيرٌ يثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصانِ (٧) الأرض بأشعارهما، أصواتُهما كالرعد القاصف، وأبصارُهما كالبرق الخاطف، فيُجلِسانه، ثم يقولان: يا هذا، من

стр. 360

ربُّك؟ فيقول: لا أدري. فينادى من جانب القبر: لا دَريتَ! فيضرِبانه بمِرْزبة من حديدٍ لو اجتمع عليها (١) مَن بين الخافقين لم يُقِلَّ (٢) ويضيَّق عليه قبرُه حتى تختلف أضلاعه». وذكر الحديث. رواه الإمام أحمدُ في «مسنده» (٣) عن أبي النَّضر هاشم بن القاسم، حدثنا عيسى بن المسيّب، فذكره. وفي حديث محمد بن سلمة، عن خُصيفٍ، عن مجاهد، عن البراء قال: كنّا في جِنازة رجل من الأنصار، ومعنا رسولُ الله ﷺ . فذكر الحديث إلى أن قال: وقال رسول الله ﷺ : «وإذا وُضِعَ الكافرُ في قبره (٤) أتاه منكر ونكير، فيُجلِسانه، فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان له: لا [٥٥ ب] دَريتَ!». الحديث وقد تقدَّم (٥). وبالجملة فعامَّةُ من روى حديثَ البراء (٦) بن عازب قال فيه: «وأما الكافر» بالجزم. وبعضهم قال: «وأما الفاجر». وبعضهم قال: «وأما المنافق

стр. 361

أو المرتاب» (١). وهذه اللفظة (٢) من شكّ بعض الرواة هكذا في الحديث: لا أدري أيّ ذلك قال. وأما مَن ذكر الكافر والفاجرَ فلم يشكَّ، وروايةُ من لم يشكّ مع كثرتهم أولى من رواية من شكَّ مع انفراده؛ على أنه لا تناقضَ بين الروايتين، فإنّ المنافق يُسأل كما يُسأل الكافرُ والمؤمن، فَيُثبِّتُ الله الذين آمنوا بالإيمان (٣)، ويُضِلُّ الله الظالمين، وهم الكفار والمنافقون. وقد جمع أبو سعيد الخدري في الحديث الذي رواه أبو عامر العَقَدي (٤)، حدثنا عبَّاد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ جنازة. فذكر (٥) الحديث، وقال: «وإن كان كافرًا أو منافقًا يقول له (٦): ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري» (٧) وهذا صريحٌ في أنَّ السؤالَ للكافر والمنافق. وقولُ أبي عمر ﵀: «وأما الكافر الجاحد المبطِل، فليس ممن يُسأل عن ربه ودينه». فيقال له: ليس كذلك، بل هو من جملةِ المسؤولين، وأولى بالسؤال من غيره. وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه يَسأل الكفارَ (٨)

стр. 362

يومَ القيامة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، فإذا سئلوا يومَ القيامة، فكيف لا يُسألون في قبورهم؟ (١) فليس لما ذكَره أبو عمر ﵀ وجه.

стр. 363

فصل وأما المسألة الثانية عشرة (١) وهي (٢) أنَّ سؤالَ منكرٍ ونكيرٍ هل هو مختصٌّ بهذه الأمة، أو يكون لها ولغيرها؟ فهذا موضعٌ قد (٣) تكلَّم فيه الناس. فقال أبو عبد الله الترمذي (٤): إنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصّةً؛ لأنّ الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة، فإذا أبوا كفَّت الرسل، واعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب. فلما بَعث الله محمدًا ﷺ بالرحمة أمانًا (٥) للخلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أمسك عنهم العذابَ، وأعطى السيفَ، حتى يدخل في دين الإسلام مَن دخل لمهابة (٦) السيف، ثم يرسخ الإيمان في قلبه، فأُمهِلوا. فمِن هاهنا ظهر أمرُ النِّفاق، فكانوا يُسِرُّون الكفر، ويُعلِنون الإيمان، فكانوا بين المسلمين في سِتْر. فلما ماتوا قيَّض الله لهم فتَّانَي القبر ليستخرج سرّهم بالسؤال. و ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧]،

стр. 364

فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وخالف (١) في ذلك آخرون، منهم عبدُ الحق الإشبيليُّ والقرطبيُّ (٢)، وقالوا (٣): السؤال لهذه الأمة ولغيرها (٤). وتوقَّف في ذلك آخرون، منهم أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث زيد (٥) بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها» (٦). ومنهم (٧) من يرويه: «تُسأل» (٨). وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خُصَّت بذلك، فهذا (٩) أمر لا يُقطَع عليه (١٠). وقد احتجَّ مَن خصَّه بهذه الأمة بقوله ﷺ : «إنَّ هذه الأمة تُبتلى في

стр. 365

قبورها»، وبقوله: «أوحي إليَّ أنَّكم تُفتَنون في قبوركم» (١). وهذا ظاهر في الاختصاص بهذه الأمة. قالوا: ويَدلُّ عليه قول الملَكين له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول المؤمن: أشهد أنه عبد الله ورسوله (٢). فهذا خاصٌّ بالنبي ﷺ . وقوله في الحديث الآخر: «إنّكم بي تُمتَحنون، وعنّي تُسألون» (٣). وقال الآخرون: لا يدلُّ هذا على اختصاص السؤال بهذه الأمة دون سائر الأمم، فإنّ قوله: «إنّ (٤) هذه الأمة» إما أن يراد به أمّة الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] وكلُّ جنس من أجناس الحيوان يُسمَّى أمّةً، وفي الحديث: «لولا أنّ الكلاب أمةٌ من الأمم لأمَرْتُ بقتلها (٥)» (٦). وفيه أيضًا حديث النبي الذي

стр. 366

قرصته نملةٌ، فأمَرَ بقرية النمل، فأُحرِقت، فأوحى الله إليه (١): من أجل أن قرصتك (٢) نملةٌ واحدةٌ [٥٦ ب] أحرقْتَ أمّةً من الأمم تسبِّح (٣)؟ وإن كان المراد به أمته ﷺ الذين (٤) بُعِث فيهم، لم يكن فيه ما ينفي سؤالَ غيرهم من الأمم؛ بل قد يكون ذكرُهم إخبارًا بأنهم مسؤولون (٥) في قبورهم، وأنَّ ذلك لا يختصُّ بمن قَبْلَهم لفضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم. وكذلك قوله ﷺ : «أوحي إلي أنّكم تُفتنون في قبوركم»، وكذلك إخباره عن قول الملكين: «ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟» هو إخبارٌ لأمته بما تُمتَحن به في قبورها. والظاهر ــ والله أعلم ــ أنّ كلَّ نبيٍّ (٦) مع أمته كذلك، وأنَّهم معذَّبون (٧) في قبورهم بعد السؤال لهم، وإقامةِ الحجّة عليهم، كما يعذَّبون في الآخرة بعد السؤال (٨) وإقامة الحجَّة (٩)، والله أعلم.

стр. 367

فصل وأما المسألة الثالثة عشرة (١) وهي أنَّ الأطفال هل يمتحنون (٢) في قبورهم؟ اختلفَ الناس في ذلك على قولين، هما وجهان لأصحاب أحمد (٣). وحجة من قال إنهم يُسألون: أنه تُشرَع (٤) الصلاة عليهم، والدعاء لهم، وسؤالُ الله أن يَقِيَهم عذاب القبر وفتنة القبر؛ كما ذكر مالكٌ في موطَّئه (٥) عن أبي هريرة أنه (٦) صلَّى على جنازة صبيٍّ، فسُمِع من دعائه: «اللهم قِهِ عذاب

стр. 368

القبر». واحتجُّوا بما رواه علي بن معبد (١) عن عائشة أنَّه مُرَّ عليها بجنازة صبيٍّ صغير، فبكت، فقيل لها: ما يُبكيك يا أمَّ المؤمنين؟ فقالت: هذا (٢) الصبي بكيتُ له شفقةً عليه من ضَمَّة القبر. واحتجوا بما رواه هنَّاد بن السَّريّ (٣)، ثنا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد، عن سعيد (٤) بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: إن كان لَيُصلِّي على المنفُوسِ، ما إن عمل خطيئةً قطُّ، فيقول: اللهم أَجِرْه من عذاب القبر. قالوا: والله سبحانه يُكمِل لهم عقولهم ليعرفوا بذلك منزلتهم، ويُلهَمون (٥) الجوابَ عما يُسألون عنه. قالوا: وقد دلَّ على ذلك الأحاديث الكثيرة التي فيها أنهم يُمتحنون في الآخرة. وحكاه الأشعريُّ عن أهل السنّة والحديث (٦)، فإذا امتُحِنوا في

стр. 369

الآخرة لم يمتنع امتحانهم في القبور. قال الآخرون: السؤال إنما يكون لمن عَقَل الرسولَ والمرسِل (١) [٥٧ أ]، فيُسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟ فيقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فأما الطفلُ الذي لا تمييزَ له بوجه ما، فكيف يقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ ولو رُدَّ إليه عقله في القبر فإنه لا يُسأل عما لم يتمكَّن من (٢) معرفته والعلم به، فلا فائدة في هذا السؤال (٣). وهذا بخلاف امتحانهم في الآخرة، فإنَّ الله سبحانه يُرسل إليهم رسولاً، ويأمرُهم بطاعة أمره، وعقولُهم معهم. فمن أطاعه منهم نجا، ومن عصاه أدخله النار. فذلك امتحانٌ بأمر (٤) يأمرهم به يفعلونه ذلك الوقت، لا أنه سؤال عن أمر مضى لهم في الدنيا من طاعةٍ أو عصيانٍ كسؤال الملكين في القبر. وأما حديث أبي هريرة فليس المرادُ بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل على ترك طاعة أو فعلِ معصية قطعًا، فإنّ الله لا يعذِّب أحدًا بلا ذنبٍ عَمِله، بل عذاب القبر قد يراد به الألمُ الذي يحصلُ للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبةً على عملٍ عَمِله (٥). ومنه قوله ﷺ : «إنّ الميِّت لَيُعَذَّبُ ببكاء أهله

стр. 370

عليه» (١). أي: يتألَّم بذلك (٢) ويتوجَّع منه، لا أنه يعاقَبُ بذنب الحيِّ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وهذا كقول النبي ﷺ : «السفر قطعة من العذاب» (٣). فالعذابُ أعمُّ من العقوبة. ولا ريبَ أنَّ في القبر من الآلام والهموم (٤) والحسرات ما قد يَسْري أثرُه إلى الطفل فيتألمُ به، فيشرعُ للمصلِّي عليه أن يسأل الله تعالى له أن يَقِيَه ذلك العذاب (٥). والله أعلم (٦).

стр. 371

فصل وأما المسألة الرابعة عشرة (١) وهي قوله: هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟ (٢) فجوابها أنه نوعان: نوع دائم، سوى ما وردَ في بعض الحديث (٣) أنه يخفَّف عنهم ما بين النفختين، فإذا قاموا من قبورهم قالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (٤) [يس: ٥٢]. ويدلُّ على دوامه قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. ويدلُّ عليه ما تقدَّم (٥) في حديث سَمُرة الذي رواه البخاري في رؤيا النبي ﷺ وفيه: «فهو يُفعَل به ذلك إلى يوم القيامة». وفي [٥٧ ب] حديث ابن عبّاس في قصة الجريدتين: «لعله يخفَّف عنهما ما لم يَيْبَسا». فجعل التخفيف مقيَّدًا بمدّة رطوبتهما فقط.

стр. 372

وفي حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة: «ثم أتى على قوم ترضَخ رؤوسهم بالصخر، كلما رُضخت عادت، لا يفتَّر عنهم من ذلك شيء» وقد تقدَّم. و (١) في الصحيح (٢) في قصة الذي لبس بُردين، وجعل يمشي يتبختر: «فخَسَف الله به الأرض، فهو يتجَلجَل فيها إلى يوم القيامة». وفي حديث البراء بن عازب في قصة الكافر: «ثمّ يُفتَح له بابٌ (٣) إلى النار، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة». رواه الإمام أحمد (٤). وفي بعض طرقه: «ثمّ يخرِقُ له خرقًا إلى النار، فيأتِيه من غَمِّها ودخانها إلى يوم القيامة» (٥). النوع الثاني: إلى (٦) مدّةٍ، ثم ينقطع. وهو عذابُ بعض العصاة الذين خفَّت جرائمهم، فيعذَّب بحسَب جُرْمه (٧)، ثم يخفَّفُ عنه؛ كما يعذَّب في النار مدّةً، ثم يزول عنه العذاب. وقد ينقطع عنه العذاب بدعاءٍ أو صدقة أو استغفار، أو ثواب حج، أو قراءةٍ تصل إليه من بعض أقاربه أو غيرهم. وهذا كما يشفع الشافع في

стр. 373

المعذَّب في الدنيا (١)، فيخلصُ من العذاب بشفاعته (٢)؛ لكن هذه شفاعة قد تكون بدون (٣) إذن المشفوع عنده. والله تعالى لا يتقدَّم أحدٌ بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشافع أن يشفع إذا أراد أن يرحمَ المشفوعَ له (٤). ولا يُغترَّ (٥) بغير هذا، فإنه شركٌ وباطل يتعالى الله عنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٦) [يونس: ٣]، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤]. وقد ذكر ابنُ أبي الدنيا (٧): حدَّثني محمد بن موسى الصائغ، حدثنا عبد الله بن نافع، قال: مات رجل من أهل المدينة، فرآه رجل كأنه من أهل النار، فاغتمَّ لذلك. ثم إنه بعد سابعة أو ثامنة رآه كأنه من أهل الجنة، فقال (٨):

стр. 374

ألم تكن قلت إنّك من أهل النار؟ قال: قد كان ذلك إلا أنه دُفن معنا رجل من الصالحين [٥٨ أ]، فشفَع في أربعين من جيرانه، فكنت أنا (١) منهم. قال ابنُ أبي الدنيا (٢): وحدَّثنا أحمد بن يحيى (٣) قال: حدثني بعضُ أصحابنا (٤) قال: مات أخي (٥)، فرأيته في النوم، فقلت: ما كان حالُك حين وُضِعْت في قبرك؟ قال: أتاني آتٍ بشهابٍ من نار، فلولا أنّ داعيًا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به (٦). وقال عمرو (٧) بن جرير: إذا دعا العبد لأخيه الميت أتاه بها ملَكٌ إلى القبر، فقال: يا صاحب القبر الغريب (٨)، هديةٌ من أخ عليك شفيق (٩). وقال بشَّار بن غالب: رأيت رابعةَ في منامي، وكنتُ كثير الدعاء لها، فقالت لي: يا بشَّار بن غالب، هداياك تأتينا على أطباقٍ من نور مخمَّرةٍ بمناديل الحرير. قلت: وكيف ذاك؟ قالت: هكذا دعاءُ المؤمنين الأحياء إذا

стр. 375

دَعَوا للموتى فاستُجيب لهم، جُعِل (١) ذلك الدعاء على أطباقِ النور، وخُمِّرَ بمناديل الحرير، ثم أُتِيَ (٢) الذي دُعِيَ (٣) له من الموتى، فقيل: هذه هدية فلان إليك (٤). قال ابنُ أبي الدنيا: وحدَّثني أبو عبد الله بن بُجير (٥) قال: حدثني بعض أصحابنا (٦) قال: رأيتُ أخًا لي في النوم بعد موته، فقلت: أيصل إليكم دعاء الأحياء؟ قال: إي والله، يترفرف (٧) مثلَ النور، ثم نَلبَسه (٨)! وسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ تمامٌ لهذا (٩) في جواب السؤال عن (١٠) انتفاع الأموات بما يُهديه إليهم الأحياء.

стр. 376

فصل وأمّا المسألة الخامسة عشرة (١) وهي: أين (٢) مستقرُّ الأرواح ما بين الموت إلى القيامة؟ هل هي في السماء أم (٣) في الأرض؟ وهل هي في الجنة والنار (٤) أم لا؟ وهل تُودَع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها، فتنعَّم وتعذَّب فيها، أم تكون مجرَّدة؟ فهذه مسألة عظيمة تكلَّم فيها الناس، واختلفوا فيها. وهي إنما تُتلقَّى من السمع فقط، واختُلِف في ذلك (٥). فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله في الجنة ــ شهداء كانوا أم غير شهداء ــ إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرةٌ ولا دَيْن، وتلقَّاهم (٦) ربّهم بالعفو عنهم والرحمة لهم. وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو (٧).

стр. 377

وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها يأتيهم من رَوْحها [٥٨ ب] ونعيمها ورزقها. وقال طائفة: الأرواح على أفنية قبورها. وقال مالك: بلغني أنَّ الروح مرسَلة تذهب حيث شاءت (١). وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: أرواح الكفار (٢) في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة (٣). وقال أبو عبد الله بن منده: وقال طائفة من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين عند الله ، ولم يزيدوا على ذلك. قال: وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنّ (٤) أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفار ببَرَهُوتَ: بئرٌ بحضرموت (٥).

стр. 378

وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمَع؟ فقال: إنَّ الأرض التي يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] قال: هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين (١) حتى يكون البعث (٢)، وقالوا: هي الأرض التي يُورِثها الله المؤمنين في الدنيا. وقال كعب: أرواح المؤمنين في علِّيين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجِّينٍ في الأرض السابعة تحت خَدّ إبليس (٣). وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر بَرَهُوتَ (٤). وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين (٥) في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفار في سجِّين (٦). وفي لفظ عنه: نَسَمةُ المؤمن

стр. 379

تذهب في الأرض حيث شاءت (١). وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله. وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم (٢): مستقرُّها حيث كانت قبل خلق أجسادها. قال (٣): والذي نقول به (٤) في مستقَرِّ الأرواح هو ما قاله الله ونبيُّه ﷺ ، لا نتعداه. فهو البرهان الواضحُ، وهو أنَّ الله قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ (٥) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١]، فصحَّ أنَّ الله تعالى خلق الأرواح جملةً. وكذلك أخبر ﷺ : «أنّ الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (٦). وأخذ الله عهدها وشهادتها له (٧) بالربوبية، وهي

стр. 380

مخلوقة مصوَّرة عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يُدخلَها في الأجساد، والأجسادُ يومئذ تراب وماء. ثم أقرَّها (١) حيث شاء، وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت. ثم لا يزال يبعث منها الجملةَ بعد الجملة، فينفخها في الأجساد المتولِّدة من المنيِّ. إلى أن قال: فصحَّ أنَّ الأرواح أجسام حاملة (٢) لأعراضها من التعارف والتناكر، وأنَّها عارفة مميزة. فيبلوهم الله في الدنيا كما يشاء، ثم يتوفّاها، فترجعُ إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول الله ﷺ ليلة أُسري به عند سماء الدنيا. أرواحُ أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاء عن يساره، وذلك عند منقطع العناصر. وتُعجَّل أرواحُ الأنبياء والشهداء إلى الجنة. قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه. قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم. قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام. قال: وهذا هو قول الله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٨ ــ ١٤] (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ ــ ٨٩] إلى آخرها.

стр. 381

فلا تزال (١) الأرواح هنالك حتى يتمَّ عدد الأرواح (٢) كلِّها بنفخها في الأجساد، ثم برجوعها (٣) إلى البرزخ، فتقوم الساعة، ويعيد الله الأرواح إلى الأجساد ثانيةً (٤)، وهي الحياة الثانية، ويحاسب الخلق: فريق في الجنة، وفريق في السعير، مخلَّدين أبدًا. انتهى. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامَّة المؤمنين على أفنية قبورهم. [٥٩ ب] ونحن نذكر كلامه وما احتجَّ به، ونبيِّن ما فيه. وقال ابن المبارك، عن ابن جريج، فيما قرئ (٥) عليه عن مجاهد: ليس هي في الجنة، ولكن يأكلون من ثمارها، ويجدون ريحها (٦). وذكر معاويةُ بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين، فقال: بلغني أنَّ أرواح الشهداء كطير خضر معلَّقة بالعرش، تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربَّها في (٧) كلِّ يوم، تسلِّمُ عليه (٨).

стр. 382

وقال أبو عمر بن عبد البرّ (١) في شرح حديث ابن عمر: «إنّ أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة» (٢). قال (٣): وقد استدَلَّ به مَن ذهب إلى أنَّ الأرواح على أفنية القبور. وهو أصحُّ ما ذُهِب إليه في ذلك ــ والله أعلم ــ لأنَّ الأحاديث بذلك أحسنُ مجيئًا وأثبتُ نقلاً من غيرها (٤). قال: والمعنى عندي أنَّها قد تكون على أفنية قبورها، لا على أنها تلزم (٥) ولا تفارقُ أفنية القبور. بل هي (٦) كما قال مالك (٧) ﵀: إنه (٨) بلغنا أنَّ الأرواح تسرح حيث شاءت. قال: وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفنِ الميت، لا تفارق ذلك. والله أعلم (٩). وقالت فرقة: مستقرُّها العدمُ المحض. وهذا قول من يقول: إنّ النفس

стр. 383

عرَض من أعراض البدن كحياته وإدراكه، فتُعدَم بموت البدن، كما تُعدَم سائرُ الأعراض المشروطة بحياته. وهذا قولٌ مخالفٌ لنصوص القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، كما سنذكر ذلك إن شاء الله. والمقصود: أنَّ عند هذه الفرقة المبطِلة مستقَرّ الأرواح بعد الموت العدمُ المحض. وقالت فرقة: مستقرُّها بعد الموت أبدان أُخَر تُناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصيرُ كلُّ روح إلى بدن حيوانٍ يشاكِلُ تلك الأرواحَ. فتصيرُ النفس السَّبُعيّةُ إلى أبدان السباع، والكَلبيةُ إلى أبدان الكلاب، والبهيميةُ إلى أبدان البهائم، والدنيَّة السُّفليَّة (١) إلى أبدان الحشرات. وهذا قول التناسُخيَّة منكري المعاد [٦٠ أ] وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلّهم. فهذا ما تلخَّص لي من جميع (٢) أقوال الناس في مصير أرواحهم بعد الموت، ولا تظفر (٣) به مجموعًا في كتاب واحد غير هذا (٤) البتَّة. ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال، وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، على طريقتنا التي مَنَّ الله بها، وهو مَرجوُّ الإعانة (٥) والتوفيق.

стр. 384

فصل فأمَّا (١) من قال: هي في الجنة، فاحتجَّ بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩]. قال: وهذا ذكره سبحانه عقيبَ ذكر (٢) خروجها من البدن بالموت، وقسَّم الأرواح إلى (٣) ثلاثة أقسام: مقرَّبين، وأخبر أنّهم (٤) في جنّة نعيم (٥)؛ وأصحاب يمين (٦)، وحكم لها بالسلام (٧)، وهو يتضمَّن سلامتها من العذاب. ومكذِّبةٍ ضالَّةٍ، وأخبر أنَّ لها نُزُلاً من حميم وتصليةَ جحيم. قالوا: وهذا بعد مفارقتها للبدن قطعًا. وقد ذكر سبحانه حالها يوم القيامة في أول السورة. فذكر (٨) حالها بعد الموت، وبعد البعث. واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ ــ ٣٠]. وقد قال غيرُ واحد من الصحابة والتابعين: إنَّ هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا، يبشِّرها

стр. 385

الملَك بذلك. ولا ينافي ذلك قولَ من قال: إن هذا يقال لها (١) في الآخرة، فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث (٢). وهذه من البشرى التي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] (٣). وهذا التنزُّل (٤) يكون عند الموت، ويكون في القبر، ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت. وقد تقدَّم في حديث البراء بن عازب (٥) أنَّ الملَك يقول لها عند قبضها: أبشري برَوْح ورَيحان. وهذا من ريحان الجنّة. واحتجُّوا بما رواه مالك في الموطأ (٦)، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أنّه (٧) أخبره أنَّ أباه كعب بن مالك كان يحدِّث أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنما نَسَمةُ المؤمن طائرٌ يعلُق في شجر الجنة حتى يَرجِعه الله إلى جسده (٨) يوم يبعثه».

стр. 386

قال أبو عمر (١): وفي رواية مالكٍ هذه بيانُ سماع الزهري لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وكذلك [٦٠ ب] رواه يونس عن الزهري قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك (٢) يحدِّث عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعيُّ عن الزهري: حدثني عبد الرحمن بن كعب. وقد أَعَلَّ محمد بن يحيى الذُّهلي هذا الحديث بأنَّ شعيب بن أبي حمزة، ومحمد ابن أخي الزهري، وصالح بن كيسان= روَوْه عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن جدِّه كعب، فيكون منقطعًا (٣). وقال صالح بن كيسان: عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن أنَّه بلغه أنَّ كعب بن مالك كان يحدِّث. قال الذهلي: وهذا المحفوظ عندنا، وهو الذي يُشبه حديث صالح وشعيب وابن أخي الزهري. وخالفه في هذا غيرُه من الحفَّاظ، فحكموا لمالك والأوزاعي (٤). قال أبو عمر (٥): فاتفق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعي، والحارث بن فُضَيل على رواية هذا الحديث عن الزهري، عن

стр. 387

عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. وصححه الترمذي وغيره (١). قال أبو عمر (٢): ولا وجهَ عندي لما قاله (٣) محمد بن يحيى من ذلك، ولا دليل عليه. واتفاقُ (٤) مالك ويونس بن زيد والأوزاعيِّ ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفسُ إلى قولهم وروايتهم أسكنُ، وهم من الحفظ والإتقان بحيث لا يقاس بهم مَن خالفهم في هذا الحديث (٥). انتهى (٦). وقد قال محمد الذهلي: سمعت علي بن المديني يقول: وُلِدَ لكعبٍ (٧) خمسة: عبد الله، وعبيد الله، ومعبد، وعبد الرحمن، ومحمد. قال الذهلي: فسمع الزهري من عبد الله (٨) بن كعب، وكان قائد أبيه حين عمِيَ، وسمع

стр. 388

من عبد الرحمن بن كعب، وسمع من عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب (١). وروى عن بَشير (٢) بن عبد الرحمن بن كعب، ولا أراه سمع منه. انتهى. فالحديث إن كان لعبد الرحمن (٣) عن أبيه كعبٍ ــ كما قال مالك ومَن معه ــ فظاهرٌ. وإن كان لعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن جدِّه ــ كما قال شعيب ومَن معه ــ فنهايته أن يكون مرسَلاً من هذه الطريق، وموصولاً من الأخرى. والذين وصلوه ليسوا بدون الذين أرسلوه قَدْرًا ولا عددًا (٤). فالحديث من صحاح الأحاديث، وإنما لم يخرِّجه صاحبا الصحيح لهذه العلّة، والله أعلم. قال أبو عمر (٥): وأما قوله: «نسمة المؤمن»، فالنسمة هاهنا: الروح.

стр. 389

يدلُّ على ذلك قوله ﷺ في الحديث نفسه: «حتى يَرْجِعَه الله إلى جسده يوم يبعثه». وقيل: النسمة: الروح والنفس والبدن. وأصل هذه اللفظة، أعني النسمة: الإنسان بعينه، وإنما قيل للروح: نسمةٌ ــ والله أعلم ــ لأن (١) حياة الإنسان بروحه (٢)، فإذا فارقته (٣) عُدم أو صار كالمعدوم. والدليل على أنّ النسمة الإنسان قوله ﷺ : «من أعتق نسمةً مؤمنةً» (٤)، وقولُ عليٍّ ﵁: «والذي فلَقَ الحبَّةَ وبرأ النسمة» (٥). وقال الشاعر (٦):

стр. 390

بأعظمَ منك تُقًى في الحسابِ ... إذا النَّسَماتُ نَفَضْنَ الغُبارا يعني: إذا بُعِث الناس من قبورهم يوم القيامة. وقال الخليل بن أحمد: النسمة: الإنسان. قال: والنسمة الروح. والنسيم: هبوب الريح (١). وقوله: «تعلق في شجر الجنَّة»، يُروىَ بفتح اللام، وهو الأكثر، ويروى بضمِّ اللام، والمعنى واحد، وهو: الأكل والرعي. يقول: تأكل من ثمار الجنة، وترعى (٢) وتسرحُ بين أشجارها (٣). والعَلوقة والعَلاق والعَلوق: الأكل والرَعي (٤). تقول العرب: ما ذاق اليوم عَلوقًا أي: طعامًا. قال الربيع بن زياد يصف الخيل (٥):
следующие страницы →