← Акыда

Акыда · id 390

الروح - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (877 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

شيء، ولا يحتاج (١) أن يتعلَّمَ من أحد. ولا خلافَ بين المسلمين أنَّ الأرواحَ التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلَّها مخلوقةٌ لله، خلَقَها (٢)، وأنشأها، وكوَّنها، واخترعها؛ ثم أضافَها إلى نفسه كما أضاف إليه سائرَ خلقه. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): روحُ الآدمي مخلوقةٌ مبتدَعةٌ (٥) باتِّفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة. وقد حَكى إجماعَ العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور الذي هو من أعلم أهل زمانه (٦) بالإجماع والاختلاف. وكذلك أبو محمد بن قُتيبة قال في كتاب «اللفظ» (٧) لما تكلَّم على الروح، قال: النَّسَم: الأرواح. قال: وأجمعَ الناس على أنَّ الله تعالى هو فالقُ

стр. 527

الحبَّة (١)، وبارئ النَّسَمة، أي: خالق الروح. وقال أبو إسحاق ابن شاقْلا (٢) فيما أجاب به في هذه المسألة: سألتَ ــ رحمك الله ــ عن الروح مخلوقةٌ هي، أو غيرُ مخلوقة؟ قال: وهذا مما لا يشُكُّ فيه مَن وُفِّق للصواب أنَّ الروحَ من الأشياء المخلوقة. وقد [٩٣ أ] تكلَّم في هذه المسألة طوائفُ من أكابر العلماء والمشايخ، وردُّوا على من يزعم أنها غير مخلوقة. وصنَّف الحافظُ أبو عبد الله ابن منده في ذلك كتابًا كبيرًا. وقبله الإمام محمد بن نصر المروَزي وغيره، والشيخ أبو سعيد الخرَّاز، وأبو يعقوب النهرَجُوري (٣) والقاضي أبو يعلى. وقد نصَّ على ذلك الأئمة الكبار، واشتدَّ نكيرُهم على من يقول ذلك في روح عيسى ابن مريم، فكيف بروح غيره! كما ذكره الإمام أحمد فيما كتبه في محبِسه (٤) في «الرد على الزنادقة والجهمية» (٥): «ثم إنَّ الجهميَّ ادَّعى أمرًا، فقال: أنا أجد آيةً في كتاب الله مما يدلُّ على أنَّ القرآن مخلوقٌ: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 528

وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]. وعيسى مخلوق. قلنا له: إن الله تعالى منَعَك الفهمَ للقرآن. إنَّ عيسى تجري عليه ألفاظٌ لا تجري على القرآن، لأنا نُسمِّيه مولودَا وطفلاً وصبيًّا وغلامًا يأكل ويشرب، وهو مخاطَبٌ بالأمر والنهي، يجري عليه الخطاب والوعد والوعيد، ثم هو من ذرِّية نوح ومن ذرِّية إبراهيم. فلا يحِلُّ لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى فهل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى؟ ولكن المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾: فالكلمة التي ألقاها إلى مريم (١) حين قال له: كُن، فكان عيسى هو بكُنْ، وليس عيسى هو «كن»، ولكن كان بـ «كُن». فـ «كُن» من الله قولٌ، وليس «كُن» مخلوقًا. وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر (٢) عيسى. وذلك أنَّ الجهمية قالوا: روحُ الله وكلمتُه، إلا أنَّ كلمتَه مخلوقة. وقالت النصارى: عيسى روحُ الله وكلمته، فالكلمةُ (٣) من ذاته، كما يقال (٤): هذه الخِرْقة من هذا الثوب. قلنا نحن: إن عيسى بالكلمةِ كان، وليس عيسى هو الكلمة، وإنما الكلمة قولُ الله. وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ يقول: من أمرِه كان الروح فيه، كقوله تعالى:

стр. 529

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ [٩٣ ب] مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. يقول: من أمره. وتفسيرُ روح الله إنما معناها: بكلمة الله خلَقَها، كما يقال: عبد الله، وسماءُ الله، وأرضُ الله» (١). فقد صرَّح (٢) بأنَّ روحَ المسيح مخلوقة، فكيف بسائر (٣) الأرواح! وقد أضاف الله سبحانه إليه الروحَ الذي أرسله إلى مريم، وهو عبده (٤) ورسوله، ولم يدلَّ ذلك على أنه قديم غير مخلوق، فقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٧ ــ ١٩]. فهذا الروح هو روح الله، وهو عبده (٥) ورسوله. وسنذكر إن شاء الله أقسامَ المضاف إلى الله، وأنَّى يكون المضاف صفةً له قديمة؟ وأنَّى يكون مخلوقًا؟ وما ضابط ذلك؟ فصل والذي يدلُّ على خَلْقها وجوه: أحدها: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٣]. فهذا لفظٌ عامٌّ لا تخصيصَ فيه بوجهٍ ما. ولا يدخل في ذلك صفاتُه، فإنها داخلةٌ في

стр. 530

مُسمَّى اسمه. فالله سبحانه هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعِلمُه وقدرتُه وحياتُه وإرادتُه وسمعُه وبصرُه وسائرُ صفاته داخلٌ في مسمَّى اسمه، ليس داخلاً في الأشياء المخلوقة، كما لم تدخُل ذاته فيها. فهو سبحانه بذاته وصفاته الخالقُ، وما سواه مخلوقٌ، ومعلومٌ قطعًا أنَّ الروحَ ليست هي الله، ولا صفةً من صفاته، وإنما هي مصنوعٌ من مصنوعاته؛ فوقوعُ (١) الخَلْق عليها كوقوعه على الملائكة والجنِّ والإنس. الوجه الثاني (٢): قوله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]. وهذا الخطابُ لروحه وبدنه، ليس لبدنه فقط. فإنَّ البدنَ وحده لا يَفهم، ولا يخاطَب، ولا يَعقِل؛ وإنما الذي يفهَم ويَعقِل ويخاطَب هو الروح. الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصفات: ٩٦]. الرابع: قوله [٩٤ أ]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]. وهذا الإخبار إما أن يتناول أرواحنا وأجسادنا، كما يقوله الجمهور؛ وإما أن يكون واقعًا على الأرواح قبل خَلْق الأجساد، كما يقوله من يزعم ذلك (٣). وعلى التقديرين فهو صريحٌ في خلق الأرواح. الخامس: النصوص الدالَّة على أنه سبحانه ربُّنا وربُّ آبائنا الأولين وربُّ كل شيء. وهذه الرُّبوبية شاملةٌ لأرواحنا وأبداننا، فالأرواحُ مربوبة له

стр. 531

مملوكة (١)، كما أنَّ الأجسامَ (٢) كذلك، وكلُّ مربوبٍ مملوكٍ فهو مخلوقٌ. السادس: أولُ سورة في القرآن ــ وهي الفاتحة ــ تدلُّ على أنَّ الأرواحَ مخلوقة من عدَّة أوجه: أحدها (٣): قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والأرواح من جُملة العالَم، فهو ربُّها. الثاني: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فالأرواح عابدة له، مستعينة به. ولو كانت غير مخلوقة لكانت معبودةً مستعانًا بها. الثالث: أنها فقيرة إلى هدايةِ فاطرِها وربِّها، تسأله أن يهديها صراطَه المستقيم. الرابع: أنها منعمٌ عليها مرحومة، ومغضوبٌ عليها وضالَّة شقيّة (٤). وهذا شأنُ المربوب المملوك، لا شأنُ القديم غيرِ المخلوق. الوجه السابع (٥): النصوص الدالَّة على أنَّ الإنسان عبد بجملته، وليست عبوديَّته واقعة على بدنه دون روحه، بل عبوديةُ الروح أصلٌ، وعبودية البدن تَبَعٌ، كما أنه تَبَعٌ لها في الأحكام، وهي التي تُحرِّكه وتستعمله،

стр. 532

فهو (١) تَبَعٌ لها في العبودية. الوجه الثامن: قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. فلو كانت روحه قديمةً لكان الإنسانُ لم يزَل شيئًا مذكورًا، فإنه إنما هو إنسانٌ بروحه، لا ببدنه فقط، كما قيل (٢): يا خادمَ الجسمِ كم تشقَى بخدمته ... فأنت بالروح، لا بالجسم، إنسانُ (٣) [٩٤ ب] الوجه التاسع: النصوص الدالَّة على أنَّ الله سبحانه كان، ولم يكن شيءٌ غيرُه، كما ثبت في «صحيح البخاري» (٤) من حديث عمران بن حُصين أن أهلَ اليمن قالوا: يا رسولَ الله، جئناك لِنتفقَّه في الدين، ونسألَك عن أول هذا الأمر، فقال: «كان الله، ولم يكن شيء غيرُه. وكان عرشُه على الماء، وكتَبَ في الذِّكر كلَّ شيء». فلم يكن مع الله أرواحٌ ولا نفوسٌ قديمةٌ يساوي وجودُها وجودَه، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا، بل هو الأول وحده، لا يشاركه غيره في أوَّليته بوجهٍ من الوجوه. الوجه العاشر: النصوصُ الدالَّة على خلق الملائكة. وهم أرواحٌ

стр. 533

مستغنية عن أجسادٍ (١) تقوم بها، وهم مخلوقون قبلَ خلق الإنسان وروحِه، فإذا (٢) كان الملَك الذي يُحدِث الروحَ في جسد ابن آدم بنفخته مخلوقًا، فكيف تكون الروحُ الحادثةُ بنفخه قديمةً (٣)؟ وهؤلاء الغالطون يظنون أنَّ الملَك يُرسَل إلى الجنين بروح قديمة أزليَّة ينفخها فيه، كما يرسل الرسول بثوب إلى الإنسان يلبسه إيَّاه. وهذا ضلالٌ وخطأ، وإنما يُرسِل الله سبحانه إليه الملَك، فينفخ فيه نفخةً، تحدثُ له الروحُ بواسطة تلك النفخة. فتكون النفخةُ هي سببَ حصول الروح وحُدوثها له، كما كان الوطءُ والإنزالُ سببَ تكوين (٤) جسمه، والغذاءُ سببَ نموِّه. فمادَّةُ الروح من نَفْخةِ الملك، ومادَّةُ الجسم من صَبِّ الماء في الرحم. فهذه مادة سماويَّة، وهذه مادة أرضيَّة. فمن الناس من تغلِبُ عليه المادَّة السماوية، فتصير روحُه علويةً شريفةً تُناسِب الملائكة. ومنهم من تغلِبُ عليه المادَّة الأرضية، فتصير روحُه سفليةً ترابيةً مَهينةً تُناسب الأرواحَ السُّفلية. فالملَكُ أبٌ لروحه، والترابُ أبٌ لبدنه وجسمه. الوجه الحادي عشر: حديثُ أبي هريرة الذي في «صحيح البخاري» وغيره عن النبي ﷺ : «الأرواح جنودٌ مُجنَّدةٌ، [٩٥ أ] فما تعارفَ منها ائتلفَ، وما تَناكرَ منها اختلفَ» (٥). والجنود المجنَّدة لا تكون إلا مخلوقة.

стр. 534

وهذا الحديث رواه عن النبي ﷺ أبو هريرة، وعائشة أمُّ المؤمنين، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وعمرو بن عَبَسة. الوجه الثاني عشر: أن الروح تُوصف بالوفاة (١) والقبض والإمساك والإرسال (٢)، وهذا شأنُ المخلوق المحدَث (٣) المربوب. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢]. والأنفس هاهنا هي الأرواح قطعًا. وفي «الصحيحين» (٤) من حديث عبد الله بن أبي قتادة الأنصاريِّ عن أبيه قال: سَرَينا (٥) مع رسول الله ﷺ في سفرٍ ذاتَ ليلة، فقلنا: يا رسولَ الله، لو عرَّستَ بنا، فقال: «إني أخاف أن تناموا، فمن يوقظنا للصلاة (٦)؟». فقال بلال: أنا يا رسول الله. قال: فعرَّس بالقوم، فاضطجعوا. واستندَ بلال (٧) إلى راحلته، فغلبَتْه عيناه. فاستيقظ رسولُ الله ﷺ وقد طلع حاجبُ الشمس (٨)،

стр. 535

فقال: «يا بلالُ، أين ما قلتَ لنا؟» فقال: والذي بعثك بالحق، ما أُلقِيتْ عليَّ نَوْمةٌ مثلها! فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله قبَضَ أرواحَكم حين شاء، وردَّها حين شاء». فهذه الروح المقبوضة هي النفس التي يتوفَّاها الله حين موتها وفي منامها، وهي التي يتوفَّاها ملكُ الموت (١)، وهي التي تتوفاها رسُلُ الله سبحانه. وهي التي يجلسُ الملَك عند رأس صاحبها، ويُخرجها (٢) من بدنه كرهًا، ويكفِّنها (٣) بكفن من الجنة أو النار، ويصعَد بها إلى السماء، فتصلِّي عليها الملائكة أو تلعنها، وتُوقَف بين يدي ربها، فيقضي فيها أمَره. ثم تُعاد إلى الأرض فتدخل بين الميت وأكفانه، فتُسأل وتُمتحَن وتُعاقَب وتُنعَّم. وهي التي تُجعَل في أجواف الطير الخُضْر تأكل وتشرب من الجنة. وهي التي تُعرَض على النار غُدوًّا وعَشِيًّا (٤). وهي التي (٥) تؤمن وتكفر، وتطيع وتعصي. وهي الأمَّارة بالسوء، وهي اللوَّامة، وهي المطمئنة إلى ربِّها وأمرِه وذكرِه. وهي التي تعذَّب وتنعَّم (٦)، وتسعَد وتشقى، وتُحبَس وتُرسَل، وتصِحُّ وتسقَمُ، وتلذُّ وتألمُ، وتخاف وتحزن.

стр. 536

وما ذاك إلّا سِماتُ مخلوق مُبدَع، وصِفات مُنْشَأ مُخْترَع، وأحكام مربوب مدبَّر مصرَّف تحت مشيئة خالقه وفاطره وبارئه. وكان رسول الله ﷺ يقول عند نومه: «اللهم أنت خلقتَ نفسي وأنت تَوَفَّاها (١). لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتَها فارحَمْها، وإن أرسلتَها فاحفَظْها بما تحفظُ به عبادَك الصالحين» (٢). وهو تعالى بارئ النفوس كما هو بارئُ الأجساد. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. قيل: من قبل أن نبرأ (٣) المصيبة. وقيل: من قبل أن نبرأ الأرض. وقيل: من قبل أن نبرأ الأنفس، وهو أولى؛ لأنه أقرب مذكور إلى الضمير. ولو قيل: يرجع إلى الثلاثة أي: من قبل أن نبرأ المصيبة والأرض والأنفس لكان أوجَه (٤).

стр. 537

وكيف تكون قديمةً مستغنيةً عن خالق مُحدِث مُبدِع لها، وشواهدُ الفقر والحاجة والضرورة أعدلُ شواهد على أنها مخلوقة مربوبة مصنوعة، وأن وجود ذواتها (١) وصفاتها وأفعالها من ربِّها وفاطرها، ليس لها من نفسها إلا العدَم؟ فهي (٢) لا تملِك لنفسها [٩٦ أ] ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. لا تستطيع (٣) أن تأخذ من الخير إلا ما أعطاها، ولا تتّقي من الشر إلا ما وقَاها. ولا تهتدي إلى شيء من مصالح دنياها وأخراها إلا بهداه، ولا تصلح إلا بتوفيقه لها وإصلاحه إيَّاها. ولا تعلم إلا ما علَّمها، ولا تتعدَّى ما ألهمها. فهو الذي خلقها فسوَّاها، وألهمها فجورها وتقواها. فأخبر سبحانه أنه خالقها ومبدعها وخالق أفعالها من الفجور والتقوى، خلافًا لمن يقول: إنها ليست مخلوقة، ولمن يقول: إنها (٤) وإن كانت مخلوقة، فليس خالقًا لأفعالها، بل هي التي تخلق أفعالها، وهما قولان لأهل الضلال والغيِّ. ومعلومٌ أنها لو كانت قديمة غيرَ مخلوقة لكانت مستغنيةً بنفسها في وجودها وصفاتها وكمالها. وهذا من أبطَلِ الباطل، فإنَّ فقرَها إليه سبحانه في وجودها وكمالها وصلاحِها هو من لوازم ذاتها، ليس معلَّلًا بعلَّة، فإنه أمرٌ ذاتيٌّ لها، كما أن غنى ربِّها وفاطرها ومبدعها من لوازم ذاته، ليس معلَّلاً بعلَّة (٥). فهو الغني بالذات، وهي الفقيرة إليه بالذات. فلا يشاركه سبحانه في

стр. 538

غناه مشاركٌ، كما لا يشاركه في قِدَمه وربوبيّته وإلهيته وملكه التامِّ وكماله المقدَّس مشاركٌ. فشواهدُ الخلق والحدوث على الأرواح كشواهده على الأبدان. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. وهذا الخطابُ بالفقر إليه للأرواح والأبدان، ليس هو للأبدان فقط. وهذا الغِنى التامُّ لله وحده لا يَشرَكُه فيه غيره (١). وقد أرشد الله سبحانه عبادَه إلى أوضح دليل على ذلك بقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ ــ ٨٧]. أي: فلولا، إن كنتم غيرَ مملوكين ومقهورين ومربوبين ومُجازَين بأعمالكم، ترُدُّون الأرواح إلى الأبدان إذا وصلتْ إلى هذا الموضعِ! أوَلا تعلمون بذلك أنها مدينة مملوكة مربوبة محاسبة مجزيَّة بعملها. وكلُّ ما [٩٦ ب] تقدَّم ذكرُه في هذا الجواب من أحكام الروح وشأنها ومستقرِّها بعد الموت، فهو دليلٌ على أنها محدَثة (٢) مخلوقة مربوبة مدبَّرة، ليست بقديمة. وهذا الأمر أوضحُ من أن تُساقَ الأدلةُ عليه لولا ضُلَّالٌ (٣) من المتصوفة وأهل البدع، ومن قصَر فهمُه في كتاب الله وسنة رسوله، فأتِيَ من سوء الفهم (٤) لا من النصِّ؛ تكلَّموا في أنفسهم وأرواحهم بما دلَّ على أنهم

стр. 539

من أجهل الناس بها. وكيف يمكن مَن له أدنى مُسكةٍ من عقل أن ينكر أمرًا يشهد به عليه نفسه وصفاته وأفعاله وجوارحه وأعضاؤه، بل تشهد به (١) السماوات والأرض والخليقة؟ فلله سبحانه في كل ما سواه آيةٌ، بل (٢) آياتٌ تدلُّ على أنه مخلوق مربوب، وأنه (٣) خالقه وربُّه (٤) ومليكه. ولو جحَدَ ذلك، فمعه شاهدٌ عليه به (٥). فصل وأمَّا ما احتجَّت به (٦) هذه الطائفة: فأمَّا ما أتَوا به من اتِّباع متشابه القرآن، والعدول عن محكمه (٧) ــ وهذا شأن كلِّ ضالٍّ مبتدع ــ فمحكمُ (٨) القرآن من أوله إلى آخره يدلُّ على أن الله تعالى خالق الأرواح ومبدعها. وأما قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. فمعلومٌ قطعًا أنه ليس المرادُ هاهنا بالأمر الطلبَ الذي هو أحد أنواع الكلام، فيكون المراد أنَّ الروح كلامه الذي يأمر به، وإنما المراد بالأمر هاهنا: المأمور. وهو عُرفٌ

стр. 540

مستعمل في لغة العرب (١)، وفي القرآن منه كثير، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أي: مأموره الذي قدَّره وقضاه، وقال له: كن (٢)، وكذلك قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١]. أي: مأموره الذي أمرَ به من إهلاكهم. وكذلك قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧]. وكذلك لفظ الخَلْق يستعمل بمعنى المخلوق كثيرًا (٣)، كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]. والرحمة تُستعمل (٤) بمعنى المخلوق بالرحمة (٥)، كقوله للجنة: «أنت رحمتي» (٦). فليس في قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ما يدل على أنها قديمة غير مخلوقة بوجهٍ ما. وقد قال بعض السلف في تفسيرها: جرى بأمر [٩٧ أ] الله في أجساد الخلق، وبقدرته استقرَّ (٧).

стр. 541

وهذا بناء على (١) أنَّ المراد بالروح في الآية روح الإنسان. وفي ذلك خلافٌ بين السلف والخلف، وأكثرُ السلف بل كلُّهم على أنَّ الروح المسؤول عنها في الآية ليست أرواحَ بني آدم. بل هو الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة (٢). وهو ملَك عظيم. وقد ثبت في الصحيح (٣) من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله ﷺ في حَرْثِ (٤) المدينة، وهو متكئ على عَسيب، فمررنا على نفرٍ من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه، عسى أن يجيء (٥) فيه بشيء تكرهونه. وقال بعضهم: نسأله، فقام رجلٌ، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكتَ عنه (٦) رسول الله ﷺ ، فعلمتُ أنه يُوحى إليه، فقمتُ، فلما تجلَّى عنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. ومعلومٌ أنهم إنما سألوه (٧) عن أمر لا يُعرف إلا بالوحي، وذلك هو

стр. 542

الروحُ التي (١) عند الله، لا يعلمها الناس. وأما أرواحُ بني آدم فليست من الغيب، وقد تكلَّم فيها طوائف من الناس من أهل الملل وغيرهم، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة. فإن قيل: فقد قال أبو الشيخ: حدثنا الحسين بن محمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم (٢) بن الحكم عن أبيه عن السُّدِّي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: بعثت قريش عُقبةَ بن أبي مُعَيط وعبدَ الله بن أبي أمية بن المغيرة إلى يهود المدينة يسألونهم عن النبيِّ ﷺ (٣)، فقالوا لهم: إنه قد خرج فينا رجلٌ يزعُم أنه نبيٌّ، وليس على ديننا ولا على دينكم. قالوا: فمن تبِعه (٤)؟ قالوا: سَفِلَتُنا والضعفاء والعَبيد ومن لا خيرَ فيه، وأما أشراف قومه فلم يتَّبعوه. فقالوا: إنه قد [٩٧ ب] أظلَّ زمانُ نبيٍّ يخرج، وهو على ما تصفون من أمر هذا الرجل، فَأْتوه، فاسألوه عن ثلاث خِصال نأمركم (٥) بهن. فإن أخبركم بهن فهو نبيٌّ صادق، وإن لم يخبِرْكم بهن فهو كذابٌ: سَلُوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في آدم. فإن قال لكم: هي من الله، فقولوا له: كيف يُعذِّب الله في النار شيئًا هو منه؟ فسأل جبريلَ عنها، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. يقول: هو خلقٌ

стр. 543

من خلق الله، ليس هو الله (١). ثم ذكر باقي الحديث (٢). قيل: مثلُ هذا الإسناد لا يُحتجُّ به، فإنه من تفسير السُّدِّي عن أبي مالك، وفيه أشياء منكرة، وسياقُ هذه القصة في السؤال من الصحاح والمساند (٣) كلِّها يخالف سياقَ السُّدي. وقد رواها الأعمش والمغيرة بن مِقْسَم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: مرَّ النبي ﷺ على ملأ من اليهود، وأنا أمشي معه، فسألوه عن الروح. قال: فسكتَ، فظننتُ أنه يُوحَى إليه. فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ يعني اليهود ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤) ــ وكذلك هي في قراءة عبد الله (٥) ــ فقالوا: كذلك نجدُ مثلَه في التوراة أنَّ الروحَ من أمر الله . رواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن المغيرة (٦).

стр. 544

وروى يحيى بن زكريا بن (١) أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أتَتِ اليهود إلى النبيِّ ﷺ ، فسألوه عن الروح، فلم يُجبهم النبي ﷺ بشيء فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فهذا يدلُّ على ضَعف حديث السُّدِّي وأنَّ السؤال كان بمكة، فإنَّ هذا الحديثَ وحديثَ ابن مسعود صريحٌ أن السؤال كان بالمدينة مباشرةً (٢) من اليهود. ولو كان قد تقدَّم السؤال والجواب بمكة لم يسكت النبي ﷺ ، ولبادَرَ إلى جوابهم بما تقدَّم من إعلامِ [٩٨ أ] الله له وما أنزل عليه. وقد اضطربت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أعظمَ اضطراب. فإما أن تكونَ من قِبَل الرُّواة (٣)، أو تكون أقوالُه قد اضطربَت فيها. ونحن نذكر ذلك. فقد ذكرنا روايةَ السدِّي عن أبي مالك عنه، وروايةُ داود بن أبي هند عن عكرمة عنه تُخالفها. وفي رواية داودَ بن أبي هند هذه اضطراب. فقال مسروق بن المرزُبان وإبراهيمُ بن أبي طالب عن يحيى بن زكريا عنه: إنَّ اليهود أتَتِ النبيَّ ﷺ (٤). وقال محمد بن نصر المروزي: ثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا

стр. 545

يحيى بن زكريَّا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قالت قريشٌ لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجلَ. فقالوا: سلوه عن الروح. فنزلت ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية [الإسراء] (١). وهذا يُخالف الروايةَ (٢) الأخرى عنه وحديثَ ابن مسعود. وعن ابن عباس رواية ثالثة. قال هُشَيم (٣): ثنا أبو بشر، عن مجاهد، عن

стр. 546

ابن عباس قال: الروحُ أمرٌ من أمر الله ، وخَلْقٌ من خلق الله، وصُوَر من صوَر بني آدم. وما نزل من السماء ملكٌ إلا ومعه واحدٌ من الروح (١). وهذا يدلُّ على أنها غيرُ الروح التي في ابن آدم. وعنه رواية رابعة. قال ابن منده: وروى (٢) عبد السلام بن حرب، عن خُصَيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] قد نزل من القرآن بمنزلة «كن»، نقول كما قال الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. ثم ساقَ من طريق خُصَيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان لا يُفسِّر أربعةَ أشياء: الرَّقيم، والغِسلين، والروح، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (٣). وعنه رواية خامسة رواها جُويبر، عن الضحَّاك، عنه: أن اليهودَ سألوا رسول الله ﷺ عن الروح، قال: «قال الله تعالى [٩٨ ب]: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. يعني: خلقًا من خَلْقي ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] يعني: لو سُئلتم عن خلق أنفسكم وعن مدخل الطعام والشراب ومخرجهما ما وصفتم ذلك حقَّ صفته، وما اهتديتم لصفتها (٤).

стр. 547

وعنه رواية سادسة: روى عبد الغني بن سعيد، ثنا موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس (١)؛ وعن مقاتل عن الضحَّاك عن ابن عباس (٢) في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. وذلك أنَّ قريشًا اجتمعت، فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد يكذب، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة. فأرسَلوا جماعةً إلى اليهود فسألوهم (٣) عنه. وكانوا مستبشرين به، ويُكثِرون ذكرَه، ويدَّعون نبوتَه، ويرجون نصرتَه، موقنين بأنه سيهاجر إليهم، ويكونون له أنصارًا. فسألوهم عنه، فقالت لهم اليهود: سلوه عن ثلاثٍ: سلوه عن الروح. وذلك أنه ليس في التوراة قصته ولا تفسيره إلا ذكرَ اسمِ الروح. فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]. يُريد: من خَلْق ربِّي (٤).

стр. 548

و «الروح» في القرآن على عدَّة أوجه: أحدها: الوحي، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥]. وسُمِّي الوحيُ روحًا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح. الثاني: القوة والثَّبات والنُّصرة التي يؤيد بها من يشاء من عباده المؤمنين (١)، كما قال: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. الثالث: جبريل، كقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤]. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]. وهو روح القدس، قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ (٢) [النحل: ١٠٢]. الرابع: الروح التي سأل عنها اليهود، فأجيبوا بأنها أمرٌ (٣) من أمر الله. وقد قيل: إنها [٩٩ أ] الروح المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ [النبأ: ٣٨]، وإنها الروح المذكورة في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤] (٤).

стр. 549

الخامس: المسيح ابن مريم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (١) رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]. وأما أرواحُ بني آدم، فلم يقع تسميتها في القرآن إلا بالنفس. قال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]. وقال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]. وقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. وقال: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨]. وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وأما في السُّنَّة (٢) فجاءت بلفظ النفس والروح. والمقصود أنَّ كونها من أمر الله لا يدلُّ على قِدَمها وأنها غير مخلوقة. فصل وأما استدلالُهم بإضافتها إليه سبحانه بقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحِجر: ٢٩، ص: ٧٢]، فينبغي أن يُعلمَ أنَّ المضاف إلى الله سبحانه نوعان: صفاتٌ لا تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر. فهذه إضافةُ صفةٍ إلى الموصوف بها. فعلمُه وكلامُه وإرادتُه وقدرتُه وحياتُه صفاتٌ له غير مخلوقة. وكذلك وجهه ويده سبحانه.

стр. 550

والثاني: إضافةُ أعيانٍ منفصلةٍ عنه، كالبيت والناقة والعبد (١) والرسول والروح. فهذه إضافة مخلوقٍ إلى خالقه ومصنوعٍ إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصًا وتشريفًا يتميَّز به المضاف إليه (٢) عن غيره، كـ «بيت الله»، وإن كانت البيوتُ كلها مِلْكًا له. وكذلك «ناقة الله»، والنوقُ كلُّها مِلْكه وخَلْقه. لكن هذه إضافةٌ إلى إلهيته تقتضي محبتَه لها وتكريمه وتشريفَه، بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيّته حيث تقتضي (٣) خلقَه وإيجاده. فالإضافةُ العامَّةُ تقتضي الخلق (٤) والإيجاد، والخاصَّةُ تقتضي الاختيار. والله يخلق ما يشاء ويختار مما خلقه، كما قال [٩٩ ب] تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (٥) [القصص: ٦٨]. وإضافةُ الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة، لا من العامة، ولا من باب إضافة الصِّفات. فتأمَّل هذا الموضع، فإنه يخلِّصك من ضلالات كثيرة وقع فيها من شاء الله من الناس (٦).

стр. 551

فإن قيل: فما تقولون (١) في قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ﴾ [الحجر: ٢٩]، فأضاف النَّفخ إلى نفسه؟ وهذا يقتضي المباشرةَ منه تعالى كما في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. ولهذا قرَنَ (٢) بينهما في الذكر في الحديث الصحيح في قوله ﷺ : «فيأتون آدمَ، فيقولون: أنت آدم أبو البشر، خلقَكَ الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجَدَ لك ملائكتَه، وعلَّمك أسماءَ كلِّ شيء» (٣)، فذكروا لآدم أربعَ خصائص (٤) اختصَّ بها عن غيره، ولو كانت الروح التي فيه إنما هي من نفخة الملك لم يكن له خَصيصةٌ (٥) بذلك، وكان بمنزلة المسيح، بل وسائر أولاده، فإنَّ الروح حصلتْ فيهم من نفخة الملك. وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فهو الذي سوَّاه بيده، وهو الذي نفخ فيه من روحه؟ قيل: هذا الموضع هو الذي أوجَبَ لهذه الطائفة أن قالت بِقدَم الروح، وتوقَّف فيها آخرون، ولم يفهموا مرادَ القرآن. فأما الروح المضافة إلى الربِّ، فهي روحٌ مخلوقة أضافها إلى نفسه إضافةَ تخصيص وتشريف، كما بيَّناه. وأما النفخ فقد قال تعالى في مريم: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا

стр. 552

فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]. وقد أخبر في موضع آخر (١) أنه أرسل إليها الملَك، فنفخ في فرجها. فكان النفخُ مضافًا إلى الله أمرًا وإذنًا، وإلى الرسول مباشرة. يبقى هاهنا (٢) أمران: أحدهما: أن يقال: فإذا كان النفخُ حصل في مريم من جهة الملك، وهو الذي ينفخ الأرواحَ في سائر البشر، فما وجه تسمية المسيح بروح الله؟ وإذا كان سائرُ الناس تحدث أرواحُهم من هذه الروح، فما خاصِّيَّة (٣) المسيح؟ الثاني: أن يقال: فهل تعلُّق الروح بآدم كانت (٤) بواسطة نفخ هذا الروح، هو الذي نفَخها فيه بإذن الله كما نفَخها في مريم، أم الربُّ تعالى هو الذي نفَخها بنفسه (٥) كما خلَقه بيده؟ قيل: لَعَمْرُ الله، إنَّهما سؤالان مهمّان . فأما الأول (٦)، فالجوابُ عنه أنَّ الروحَ الذي نَفَخ في مريم هو الروح المضاف إلى الله الذي اختصَّه لنفسه وأضافه إليه، وهو روح خاصٌّ من بين سائر الأرواح، وليس بالملَك الموكَّل

стр. 553

بالنفخ في بطون الحوامل من المؤمنين والكفار. فإن الله سبحانه وكَّل بالرحمِ ملَكًا ينفخُ الروح (١) في الجنين، فيكتب (٢) رزقَ المولود، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته (٣). وأما هذا الروح المرسَل إلى مريم، فهو روح الله الذي اصطفاه من الأرواح لنفسه، فكان لمريم بمنزلة الأب لسائر النوع، فإنَّ نفخته لما دخلتْ في فرجها كان ذلك بمنزلة لقاح (٤) الذكر للأنثى من غير أن يكون هناك وطء. وأما ما اختصَّ به آدم، فهو أنه لم يُخلَق كخلقة المسيح من أمٍّ، ولا كخلقة سائر النوع من أب وأمّ، ولا كان الروح الذي نفخ الله فيه منه هو الملك الذي ينفخ الروحَ في سائر أولاده. ولو كان كذلك لم يكن لآدم فيه (٥) اختصاص. وإنما ذكر في الحديث ما اختُصَّ به على غيره، وهو أربعة أشياء: خلقُ الله له بيده، ونفخُه فيه من روحه، وإسجادُ ملائكته له، وتعليمُه أسماءَ كل شيء. فنفخُه فيه من روحه يستلزم نافخًا، ونَفْخًا، ومنفوخًا منه. فالمنفوخ منه هو الروح المضافة إلى الله، فمنها سرَت النفخة في طينة آدم، والله تعالى هو الذي نفخ في طينته من تلك الروح. هذا هو الذي دلَّ عليه النصُّ. وأمَّا كونُ النفخةِ بمباشرةٍ منه سبحانه كما

стр. 554

خلَقَه بيده (١)، أو أنها حصلت بأمره كما حصلت في مريم؛ فهذا يحتاجُ إلى دليل. والفرقُ [١٠٠ ب] بين خلق الله له بيده، ونفخه فيه من روحه: أنَّ اليدَ غيرُ مخلوقة، والروحَ مخلوقةٌ. والخلق فعل من أفعال الربِّ. وأمَّا النفخُ، فهل هو فعلٌ من أفعاله القائمة به، أو هو مفعولٌ من مفعولاته القائمة بغيره المنفصلة عنه؟ هذا مما يحتاج (٢) إلى دليل. وهذا بخلاف النفخ في فرج مريم، فإنه مفعول من مفعولاته. وأضافه إليه لأنه بإذنه وأمره. فنفخُه في آدم، هل هو فعلٌ له أو مفعول؟ وعلى كلِّ تقدير، فالروح التي نفخ منها في آدم (٣) روحٌ مخلوقة غير قديمة، وهي مادَّة روح آدم، فروحُه أولى أن تكون حادثة مخلوقة، وهو المراد (٤).

стр. 555

فصل وأمَّا المسألة الثامنة عشرة (١) وهي: هل (٢) تقدَّم خلقُ الأرواح على الأجساد أو تأخَّر خلقُها عنها؟ فهذه المسألة، للناس فيها قولان معروفان، حكاهما شيخُ الإسلام (٣) وغيره. وممن ذهب إلى تقدُّم خَلْقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعًا (٤). ونحن نذكر حججَ الفريقين، وما هو الأولى منها بالصواب. قال مَن ذهبَ إلى تقدمُّ خلقها على خَلْق البدن: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١]. قالوا: «ثُمَّ» للترتيب والمُهلة (٥)، فقد تضمَّنت الآية أنَّ خَلْقَنا (٦) مقدَّمٌ على أمر الله للملائكة بالسجود لآدم. ومن المعلوم قطعًا أنَّ أبدانَنا حادثةٌ بعد ذلك، فعُلِم أنها الأرواح.

стр. 556

قالوا: ويدلُّ عليه قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهْم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١) [الأعراف: ١٧٢]. قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا، إذ لم تكن الأبدان حينئذ موجودة. ففي «الموطأ» (٢): حدثنا مالك، عن زيد بن أبي أُنيسة، أنَّ عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجُهني، أنَّ عمر بن الخطاب سُئل [١٠١ أ] عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ

стр. 557

ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهْم﴾ (١)، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يُسأل عنها فقال: «خلقَ الله آدمَ، ثم مسحَ ظهرَه بيمينه، فاستخرجَ منه ذريةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للنار وبعمل أهلِ النار يعملون، وخلقتُ هؤلاء للجنةِ وبعمل أهل الجنة يعملون». فقال رجلٌ يا رسولَ الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الله إذا خلق الرجلَ للجنة استعمَلَه بعمل أهل الجنةِ، حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنة، فيُدخِلُه به الجنة. وإذا خلق العبدَ للنار استعمَلَه بعمل أهل النار، حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل النار، فيُدخِله به النار». قال الحاكم (٢): هذا حديث على شرط مسلم. وروى الحاكم (٣) أيضًا من طريق هشام بن سعد (٤) عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «لما خلق الله آدم مَسَح ظهره، فسقط من ظهره كلُّ نَسَمة هو خالقها إلى يوم القيامة أمثالَ الذرِّ (٥)، ثم جعل بين عينَي كلِّ إنسان منهم وَبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: من هؤلاء يا رب؟ قال: هؤلاء ذريتُك. فرأى رجلًا منهم أعجبه وَبيصُ ما بين عينيه، فقال: يا ربِّ مَن هذا؟ فقال: هذا ابنُك داود، يكون في آخر الأمم. قال: كم

стр. 558

جعلتَ له من العُمْر؟ قال: ستِّين سنة، قال: يا رب زِدْه من عُمْرِي أربعين سنةً. فقال الله تعالى: إذًا يُكتَبُ ويُختَم فلا يبدَّل. فلما انقضى عمرُ آدم جاءه ملك الموت. قال: أو لم يبقَ من عمري أربعون (١) سنةً؟ فقال: أوَلم تجعلها لابنك داود؟ قال: فجحَدَ، فجحدت ذريتُه. ونسيَ، فنسيت ذريته. وخَطِئ، فخطئت ذريته». قال: هذا على شرط مسلم. ورواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. [١٠١ ب] ورواه الإمام أحمد (٢) من حديث ابن عباس، قال: لما نزلت آية الدَّين قال رسول الله ﷺ : «إن أول من جحد آدم». وزاد محمد بن سعد: «ثم أكملَ الله لآدم ألفَ سنة، ولداود مائة سنة» (٣). وفي صحيح الحاكم (٤) أيضًا من حديث أبي جعفر الرَّازيِّ (٥)، حدثنا

стр. 559

الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيِّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، قال: جمعهم له يومئذ جميعًا ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجعلهم أرواحًا، ثم صوَّرهم، واستنطقهم، فتكلَّموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال: فإنِّي أُشهِدُ عليكم السمواتِ السبع والأرَضين السبع، وأُشهِد عليكم أباكم آدمَ ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. فلا تُشركوا بي شيئًا، فإنِّي أُرسِل إليكم رُسُلي يذكِّرونكم عهدي وميثاقي، وأُنزِلُ عليكم كتبي. فقالوا: نشهد أنك ربُّنا وإلهنا، لا ربَّ لنا غيرُك. ورُفِع لهم أبوهم آدمُ، فرأى فيهم الغنيَّ والفقيرَ، وحَسنَ الصورة، وغيرَ ذلك؛ فقال: ربِّ لو سوَّيتَ بين عبادك! فقال: إني أحبُّ أن أُشكَر. ورأى فيهم الأنبياء مثلَ السُّرُج، وخُصُّوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوة. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]. وهو قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وهو قوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦]. وقوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. وكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخَذَ عليها الميثاق، فأرسل ذلك الرُّوحَ [١٠٢ أ] إلى مريم، حين انتبذَتْ من أهلها مكانًا شرقيًّا، فدخل مِن فيها. وهذا إسناد صحيح.

стр. 560

وقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزُّبَيْديُّ محمد بن الوليد، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن أبي قتادة النَّصْري (١)، عن أبيه، عن هشام بن حكيم بن حزام أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أتُبتَدأ الأعمال، أم قد مضى القضاء (٢)؟ فقال: «إن الله لما أخرج ذريةَ آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم (٣) في كفَّيه، فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار. فأهلُ الجنة ميسَّرون لعمل أهل الجنة، وأهلُ النار ميسَّرون لعمل أهل النار» (٤).

стр. 561

قال إسحاق (١): وأخبرنا النَّضْر، أنا أبو مَعشَر (٢)، عن سعيد المقبُريِّ ونافع مولى الزبير، عن أبي هريرة، قال: لما أراد الله أن يخلق آدم ــ فذكر خلق آدم ــ فقال له (٣): يا آدمُ، أيُّ يديَّ أحبُّ أن أُرِيَك ذريتَك فيها؟ فقال:

стр. 562

يمينُ ربي، وكلتا يدَي ربِّي يمين. فبسَط يمينه، وإذا فيه (١) ذرِّيته كلُّهم ما هو خالقٌ إلى يوم القيامة: الصحيحُ على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء على هيئتهم. فقال: ألَّا أعفيتَهم (٢) كلَّهم! فقال: إنِّي أحببتُ أن أُشكَر». وذكر (٣) الحديث. وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا الليث بن سعد، حدثني ابن (٤) عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام، قال: خلق الله آدم، ثم قال بيديه، فقبضهما. فقال (٥): اختَرْ يا آدم. فقال: اخترت يمينَ ربي، وكلتا يديك يمين. فبسطها، فإذا فيها ذرِّيته. فقال: من هؤلاء يا ربِّ؟ قال: مَن قضيتُ أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة (٦) إلى أن تقوم الساعة (٧). قال: وأخبرنا إسحاق [١٠٢ ب] حدثنا جعفر بن عون (٨)، أنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله آدمَ مسَح ظهرَه فسقط من ظهره كلُّ نَسَمة هو خالقُها من ذريته إلى يوم

стр. 563

القيامة» (١). وحدثنا إسحاق وعمرو بن زُرارة، أنا إسماعيل، عن كلثوم بن جَبْر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. قال: «مسح ربك ظهرَ آدم، فخرجت منه كلُّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنَعمانَ هذا الذي وراء عرفة (٢)، فأخذ ميثاقهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾» (٣). ورواه أبو جَمْرة الضُّبَعي، ومجاهد، وحبيب بن أبي ثابت وأبو صالح، وغيرُهم عن ابن عباس (٤). وقال إسحاق: أخبرنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية (٥) قال: أخَذَهم، كما يؤخذ بالمشط من الرأس (٦). وحدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيج، عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنَّ الله ضرب مَنكِبه الأيمَن، فخرجت كلُّ نفس مخلوقة للجنة بيضاءَ نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة. ثم ضرب (٧) مَنْكِبه

стр. 564

الأيسر، فخرجت كلُّ نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار. ثم أخذ عهده على الإيمان به، والمعرفةِ له ولأمره، والتصديق له وبأمره من بني آدم كلِّهم، وأشهدهم على أنفسهم. فآمنوا، وصدَّقوا، وعَرَفوا، وأقرُّوا (١). وذكر محمد بن نصر (٢) من تفسير السُّدِّي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. لما أخرَجَ الله آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسَحَ صَفْحة ظهر [١٠٣ أ] آدم اليمنى، فأخرج منه ذرِّيةً بيضاءَ مثلَ اللؤلؤ وكهيئة الذرِّ، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرِّيةً سوداءَ كهيئة الذرِّ (٣)، فقال لهم (٤): ادخلوا النار، ولا أبالي. فذلك حيث (٥) يقول: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١]. ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأعطاه طائفةٌ طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقِيَّة. فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا

стр. 565

مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١) [الأعراف: ١٧٢ ــ ١٧٣]. فليس أحدٌ من ولد آدم إلا وهو يعرف أنَّ ربَّه الله (٢)، ولا مشرك (٣) إلا وهو يقول: إنا وجدنا آباءنا على أمَّة. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. قال: يعني يوم أخذ عليهم الميثاق (٤). قال إسحاق: وأخبرنا رَوْح بن عُبادة، ثنا موسى بن عبيدة الرَّبَذي (٥) قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظي يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية: أقرُّوا له بالإيمان والمعرفة، الأرواح قبل أن يخلق أجسادها (٦). قال: وثنا الفضل بن موسى، عن عبد الملك، عن عطاء في هذه الآية،
следующие страницы →