← Акыда

Акыда · id 390

الروح - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (877 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال إسحاق (١): وأخبرنا النَّضْر، أنا أبو مَعشَر (٢)، عن سعيد المقبُريِّ ونافع مولى الزبير، عن أبي هريرة، قال: لما أراد الله أن يخلق آدم ــ فذكر خلق آدم ــ فقال له (٣): يا آدمُ، أيُّ يديَّ أحبُّ أن أُرِيَك ذريتَك فيها؟ فقال:

стр. 562

يمينُ ربي، وكلتا يدَي ربِّي يمين. فبسَط يمينه، وإذا فيه (١) ذرِّيته كلُّهم ما هو خالقٌ إلى يوم القيامة: الصحيحُ على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء على هيئتهم. فقال: ألَّا أعفيتَهم (٢) كلَّهم! فقال: إنِّي أحببتُ أن أُشكَر». وذكر (٣) الحديث. وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا الليث بن سعد، حدثني ابن (٤) عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام، قال: خلق الله آدم، ثم قال بيديه، فقبضهما. فقال (٥): اختَرْ يا آدم. فقال: اخترت يمينَ ربي، وكلتا يديك يمين. فبسطها، فإذا فيها ذرِّيته. فقال: من هؤلاء يا ربِّ؟ قال: مَن قضيتُ أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة (٦) إلى أن تقوم الساعة (٧). قال: وأخبرنا إسحاق [١٠٢ ب] حدثنا جعفر بن عون (٨)، أنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله آدمَ مسَح ظهرَه فسقط من ظهره كلُّ نَسَمة هو خالقُها من ذريته إلى يوم

стр. 563

القيامة» (١). وحدثنا إسحاق وعمرو بن زُرارة، أنا إسماعيل، عن كلثوم بن جَبْر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. قال: «مسح ربك ظهرَ آدم، فخرجت منه كلُّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنَعمانَ هذا الذي وراء عرفة (٢)، فأخذ ميثاقهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾» (٣). ورواه أبو جَمْرة الضُّبَعي، ومجاهد، وحبيب بن أبي ثابت وأبو صالح، وغيرُهم عن ابن عباس (٤). وقال إسحاق: أخبرنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية (٥) قال: أخَذَهم، كما يؤخذ بالمشط من الرأس (٦). وحدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيج، عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنَّ الله ضرب مَنكِبه الأيمَن، فخرجت كلُّ نفس مخلوقة للجنة بيضاءَ نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة. ثم ضرب (٧) مَنْكِبه

стр. 564

الأيسر، فخرجت كلُّ نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار. ثم أخذ عهده على الإيمان به، والمعرفةِ له ولأمره، والتصديق له وبأمره من بني آدم كلِّهم، وأشهدهم على أنفسهم. فآمنوا، وصدَّقوا، وعَرَفوا، وأقرُّوا (١). وذكر محمد بن نصر (٢) من تفسير السُّدِّي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. لما أخرَجَ الله آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسَحَ صَفْحة ظهر [١٠٣ أ] آدم اليمنى، فأخرج منه ذرِّيةً بيضاءَ مثلَ اللؤلؤ وكهيئة الذرِّ، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرِّيةً سوداءَ كهيئة الذرِّ (٣)، فقال لهم (٤): ادخلوا النار، ولا أبالي. فذلك حيث (٥) يقول: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١]. ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأعطاه طائفةٌ طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقِيَّة. فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا

стр. 565

مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١) [الأعراف: ١٧٢ ــ ١٧٣]. فليس أحدٌ من ولد آدم إلا وهو يعرف أنَّ ربَّه الله (٢)، ولا مشرك (٣) إلا وهو يقول: إنا وجدنا آباءنا على أمَّة. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. قال: يعني يوم أخذ عليهم الميثاق (٤). قال إسحاق: وأخبرنا رَوْح بن عُبادة، ثنا موسى بن عبيدة الرَّبَذي (٥) قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظي يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية: أقرُّوا له بالإيمان والمعرفة، الأرواح قبل أن يخلق أجسادها (٦). قال: وثنا الفضل بن موسى، عن عبد الملك، عن عطاء في هذه الآية،

стр. 566

قال: أُخرِجوا من صُلْب آدم حتى (١) أخذ منهم الميثاق، ثم رُدُّوا في صلبه (٢). قال إسحاق: وأخبرنا علي بن الأَجْلَح (٣)، عن الضحاك قال: إنَّ الله أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى أن تقوم الساعة (٤) فأخرجهم مثلَ الذرِّ فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٥) [الأعراف: ١٧٢]. ثم قبض قبضة بيمينه (٦)، فقال: هؤلاء في الجنة. وقبض أخرى، فقال: هؤلاء في النار (٧). قال إسحاق: وأخبرنا أبو عامر العَقَدي وأبو نُعَيم المُلَائي قالا: ثنا هشام بن سعد، عن يحيى ــ وليس بابن سعيد ــ (٨) قال: قلت لابن المسيِّب [١٠٣ ب]: ما تقول في العَزْل؟ قال: إن شئت حدَّثتُك حديثًا هو حقٌّ (٩): إنَّ الله سبحانه لما خلق آدم أراه كرامةً لم يَرها أحدٌ (١٠) من خلقه: أراه كلَّ نسمة هو

стр. 567

خالقها من ذريته (١) إلى يوم القيامة. فمن حدَّثك أنه يزيد فيهم شيئًا أو ينقص منهم، فقد كَذَب. ولو كان لي سبعون ما بالَيْت (٢). وفي «تفسير ابن عيينة» عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. قال: يوم أخْذِه (٣) الميثاق (٤). قال إسحاق: فقد كانوا في ذلك الوقت مقِرِّين. وذلك أنَّ الله أخبر أنه قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] والله تعالى لا يخاطِب إلا من يفهم عنه المخاطبة، ولا يجيب إلا مَن فهِم السؤال. فإجابتُهم إياه بقولهم دليلٌ على أنَّهم قد فهموا عن الله وعقلوا عنه استشهاده إياهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فأجابوه من بعد عَقْلٍ منهم للمخاطبة وفهمٍ لها بأن: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ فأقرُّوا له بالرُّبوبية.

стр. 568

فصل واحتجُّوا أيضًا بما رواه أبو عبد الله بن منده، أخبرنا محمد بن محمد بن صابر البخاريُّ، ثنا محمد بن المنذر بن سعيد الهَرَوي، ثنا جعفر بن محمد بن هارون المِصِّيصي، ثنا عتبة بن السَّكَن، ثنا أرطاة بن المنذر، ثنا عطاء بن عجلان، عن يونس بن حَلْبَس (١)، عن عمرو بن عَبَسَة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (٢). فهذا بعض ما احتج به هؤلاء. قال الآخرون: الكلام معكم في مقامين: أحدهما: ذكر الدليل على الأرواح إنما خلقت بعد خلق الأبدان. الثاني: الجواب عما استدلَلْتم به. فأما المقام الأول، فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣]. وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن، فدلَّ على أنَّ جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين.

стр. 569

وأصرحُ منه قوله (١): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وهذا صريح في أنَّ خلْقَ جُملةِ النوعِ الإنساني بعد خلقِ [١٠٤ أ] أصله. فإن قيل: هذا (٢) لا ينفي تقدُّمَ خلق الأرواح على أجسادها، وإن خُلِقت بعد خلق أبي البشر، كما دلَّت عليه الآثار المتقدمة. قيل: سنبيِّن ــ إن شاء الله ــ أنَّ الآثار المذكورة لا تدلُّ على سَبْق الأرواحِ الأجسادَ (٣) سَبْقًا مستقرًّا ثابتًا. وغايتُها أن تدلَّ بعد صحتها وثبوتها على أنَّ بارئها وفاطرها سبحانه صوَّر النَّسَمَ، وقدَّر خلْقَها وآجالها وأعمالها، واستخرج تلك الصورَ من مادتها، ثم أعادها إليها، وقدَّر خروج (٤) كلِّ فرد من أفرادها في وقته المقدَّر له. ولا تدل على أنها خُلقت خلقًا مستقرًّا، ثم استمرَّت موجودةً (٥) حيَّةً عالمةً (٦) ناطقةً، كلُّها في موضع واحد. ثم تُرسَل منها إلى الأبدان جملةً بعد جملة، كما قاله أبو محمد بن حزم، فهل تحتمل (٧) الآثارُ ما لا طاقة لها به؟ نعم الربُّ سبحانه يخلق منها جملةً بعدَ جملةٍ على الوجه الذي سبق به التقدير أولًا، فيجيءُ الخلق الخارجيُّ مطابقًا

стр. 570

للتقدير السابق؛ كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته، فإنه قدَّر لها أقدارًا وآجالًا وصفاتٍ وهيئات، ثم أبرزها إلى الوجود (١) مطابقةً لذلك التقدير الذي قدَّره لها، لا تزيد عليه ولا تنقص منه. فالآثار المذكورة إنما تدل على إثبات القدَر السابق، وبعضُها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصُورَهم، وميَّزَ أهل السعادة من أهل الشقاوة. وأمَّا مخاطبتهم واستنطاقهم، وإقرارهم له بالربوبية، وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية؛ فمَن قاله من السلف فإنما هو بناءٌ منه على فهم الآية، والآيةُ لم تدلَّ على هذا، بل دلَّت على خلافه. وأما حديث مالك، فقال أبو عمر (٢): هو (٣) حديث منقطع، مسلم بن يسار لم يلقَ عمر بن الخطاب، وبينهما في هذا الحديث نُعيم بن ربيعة، وهو أيضًا مع هذا الإسناد لا تقوم به حجة. ومسلم بن يسار (٤) هذا مجهول، قيل: إنه مدني، وليس بمسلم بن يسار البصري. قال ابن أبي خَيثمة (٥) [١٠٤ ب]: قرأت على يحيى بن معين حديثَ مالكٍ هذا عن زيد بن أبي أُنَيسة، فكتب بيده على مسلم بن يسار: لا يُعرف. ثم ساقه أبو عمر من طريق النسائي: أخبرنا محمد بن وهب (٦)، ثنا

стр. 571

محمد بن سَلَمة قال: حدثني أبو عبد الرحيم قال: حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نُعيم بن ربيعة (١). ثم ساقه من طريق ابن سنجَر (٢): حدثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد، ثنا محمد بن سَلَمة (٣)، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عبد الحميد، عن مسلم، عن نُعيم. قال أبو عمر (٤): وزيادة مَن زادَ في هذا الحديث: «نُعيم بن ربيعة»

стр. 572

ليست حجَّةً. إنَّ (١) الذي لم يذكره أحفَظُ، وإنما تُقبَل الزيادة من الحافظ المتقِن. وجملة القول في هذا الحديث: أنه حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مسلم بن يسار ونُعيم بن ربيعة جميعًا غيرُ معروفَين بحمل العلم. ولكنَّ معنى هذا الحديث قد صحَّ عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة ثابتة (٢) يطول ذكرها، من حديث عمر بن الخطاب وغيره وجماعةٍ (٣) يطول ذكرهم (٤). ومرادُ أبي عمر الأحاديثُ الدالَّةُ على القدر السابق، فإنها هي التي ساقها بعد ذلك، فذكر حديثَ عبد الله بن عمر في القدر، وقال في آخره: وسأله رجل من مُزَينة ــ أو جُهَينة ــ فقال: يا رسول الله، ففيمَ العمل؟ فقال: «إن أهل الجنة يُيَسَّرون (٥) لعمل أهل الجنة، وأهلَ النار يُيَسَّرون (٦) لعمل أهل النار» (٧).

стр. 573

قال: ورُوي هذا المعنى [عن عمر] (١) عن النبي ﷺ من طرق. وممن رَوى هذا المعنى في القدر عن النبي ﷺ : عليُّ بن أبي طالب (٢)، وأُبيّ بن كعب (٣)، وعبد الله بن عباس (٤)، وابن عمر (٥)، وأبو هريرة (٦)، وأبو سعيد (٧)، وأبو سَرِيحة الغِفاري (٨)، وعبد الله بن مسعود (٩)، وعبد الله بن

стр. 574

عمرو (١)، وعمران بن حُصَين (٢)، وعائشة (٣)، وأنس بن مالك (٤)، وسُراقة بن جُعْشُم (٥)، وأبو موسى الأشعري (٦)، وعبادة بن الصامت (٧).

стр. 575

وأكثر أحاديث [١٠٥ أ] هؤلاء لها طرُق (١) شتى. ثم ساق كثيرًا منها بإسناده. وأما حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فإنما يدل على استخراج الذرية وتمثيلهم (٢) في صُوَر الذرّ، وكان منهم حينئذ المشرق والمظلم. وليس فيه أنه سبحانه خلق أرواحهم (٣) قبل الأجساد وأقرَّها بموضع واحد ثم إنه يرسل كلَّ روح من تلك الأرواح عند حدوث بدنها إليه. نعم هو سبحانه يخُصُّ كلَّ بدن بالروح التي قَدَّر أن تكون له في ذلك (٤) الوقت. وأمَّا أنه خلق نفسَ ذلك البدن في ذلك الوقت (٥)، وفرغ من خلقها، وأودعها في مكانٍ معطَّلةً عن بدنها، حتى إذا أحْدَث بدنَها أرسلها إليه من ذلك المكان؛ فلا يدلُّ شيء من الأحاديث على ذلك البتةَ لمن تأمَّلَها. وأمَّا حديث أُبيّ بن كعب، فليس هو عن النبي ﷺ . وغايته لو صحَّ ــ ولم يصحَّ ــ أن يكون من كلام أُبيّ. وهذا الإسناد يروَى به أشياءُ منكرةٌ جدًّا مرفوعة وموقوفة. وأبو جعفر الرازيُّ وُثِّق وضُعِّف. قال علي بن المديني: كان ثقة. وقال أيضًا: كان يخلط. وقال ابن معين: هو ثقة. وقال أيضًا: يُكتب (٦) حديثه إلا أنه يخطئ. وقال الإمام أحمد: ليس بقوي في الحديث.

стр. 576

وقال أيضًا: صالح الحديث (١). وقال الفلَّاس: سيئِّ الحفظ. وقال أبو زُرعة: يَهِم كثيرًا. وقال ابن حِبَّان: ينفرد (٢) بالمناكير عن المشاهير (٣). قلت: ومما يُنكَر من هذا الحديث قوله: «فكان رُوح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا، فدخل مِن فيها» (٤). ومعلومٌ أن الروح الذي أُرسل إلى مريم ليس هو روح المسيح بل ذلك الروح الذي نفخ فيها فحملت بالمسيح. قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (٥) [مريم: ١٧ ـ ١٩]. فروح المسيح لا يخاطبها عن نفسه بهذه المخاطبة قطعًا. وفي بعض طرق حديث أبي جعفر هذا أنَّ روح المسيح هو الذي خاطبها، وهو الذي أُرسِل إليها. وهاهنا أربع مقامات: أحدها: أنَّ الله سبحانه استخرج صورهم وأمثالهم، فميَّز (٦) شقيَّهم

стр. 577

وسعيدَهم (١)، ومعافاهم من مبتلاهم. والثاني: أنَّه سبحانه أقام عليهم الحجةَ حينئذ، وأشهدهم بربوبيته، واستشهد عليهم ملائكتَه (٢). الثالث: أن هذا (٣) تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهْم﴾ (٤) [الأعراف: ١٧٢]. الرابع: أنه أقرَّ تلك الأرواح كلَّها بعد إخراجها بمكان، وفرغ من خلقها. وإنما يتجدَّد كلَّ وقت إرسالُ جملة منها بعد جملة إلى أبدانها. فأما المقام الأول: فالآثارُ متظاهرةٌ به مرفوعةً وموقوفةً. وأما المقام الثاني: فإنما أخذه مَن أخَذه من المفسرين من الآية، وظنوا (٥) أنه تفسيرها. وهذا قول جمهور المفسرين (٦) من أهل الأثر . قال أبو إسحاق (٧): جائز أن يكون الله سبحانه جعل لأمثال الذرّ التي أخرجها فهمًا تعقِل به كما قال (٨): ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا

стр. 578

النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وقد سخَّر مع داود الجبال تسبِّح (١) معه والطيرَ. وقال ابن الأنباري (٢): مذهب أصحاب الحديث وكُبَراء (٣) العلم في هذه الآية: أنَّ الله أخرج ذرية آدم من صُلبه وأصلابِ أولاده، وهم في صوَر الذر، فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون. فاعترفوا بذلك، وقبلوا. وذلك بعد أن ركَّب فيهم عقولًا عرفوا بها ما عُرِض عليهم، كما جعل للجبل عقلًا حتى (٤) خُوطب (٥)، وكما فعل ذلك بالبعير لما سجد (٦)،

стр. 579

والنخلة (١) حتى سمعتْ، وانقادت حين دُعِيتْ. وقال الجرجانيُّ (٢): ليس [١٠٦ أ] بين قول النبي ﷺ : «إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذرية» وبين الآية اختلافٌ بحمد الله، لأنه (٣) إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته؛ لأنَّ ذرية آدم ذريةٌ لذريته، بعضُهم من بعض (٤). وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٥) [الأعراف: ١٧٢]. أي: عن الميثاق المأخوذ عليهم، فإذا قالوا ذلك كانت الملائكة شهودًا عليهم بأخذ الميثاق. قال: وفي هذا دليل على التفسير الذي جاءت به الرواية (٦) من أن الله

стр. 580

قال للملائكة: اشهدوا، فقالوا: شهدنا. قال: وزعم بعض أهل العلم أن الميثاقَ إنما أُخِذ على الأرواح دون الأجساد، لأنَّ (١) الأرواح هي التي تعقل وتفهم، ولها الثواب وعليها العقاب، والأجساد مَواتٌ (٢) لا تعقل ولا تفهم. قال: وكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، وذكر أنه قول أبي هريرة. قال إسحاق: وأجمعَ أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم، وأشهدهم. قال الجرجاني: واحتجوا بقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. والأجسادُ قد بَلِيت وضلَّت (٣) في الأرض، والأرواح تُرزَق وتَفرح، وهي التي تلَذُّ وتألم، وتفرح وتحزن (٤)، وتَعرفُ وتُنكر. وبيانُ ذلك في الأحلام موجودٌ: أنَّ الإنسان يصبح، وأثرُ لذة الفرح وألم الحزن باقٍ في نفسه مما (٥) تلقى الروح دون الجسد. قال: وحصل (٦) الفائدة في هذا الفصل أنه سبحانه قد أثبت الحجَّةَ على

стр. 581

كل منفوس ممن بلغ وممن (١) لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم، وزاد (٢) على من بلغَ منهم الحجَّةَ بالآيات والدلائل التي نصبَها في نفسه وفي العالَم، وبالرسل المُنفَذة (٣) إليهم مبشِّرين ومنذرين، وبالمواعظ بالمَثُلات (٤) المنقولة إليهم أخبارُها (٥)؛ غيرَ أنه لا يطالب أحدًا منهم من الطاعة إلا بقدر (٦) ما لزمه من الحجة، وركَّب فيهم من القدرة، وآتاهم من الآلة (٧). وبيَّن سبحانه ما هو عاملٌ في البالغين الذين أدركوا الأمر والنهي، وحجب عنَّا علمَ ما قدَّره في غير البالغين، إلا أنا نعلم أنه عدلٌ لا يجور في حكمه، وحكيمٌ لا تفاوتَ في صنعه، وقادرٌ لا يُسأل عمَّا يفعل، له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين. فصل ونازع هؤلاء غيرُهم في كون هذا معنى الآية (٨)، وقالوا: معنى قوله:

стр. 582

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾ (١) [الأعراف: ١٧٢]، أي: أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نُطَفًا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود، وأشهدَهم على أنفسهم أنه ربُّهم، بما أظهرَ لهم من آياته وبراهينه التي تضطرُّهم إلى أن يعلَموا أنه خالقُهم؛ فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربِّه ما يَشهدُ (٢) على أنه بارئُه ونافذُ الحكم فيه. فلمَّا عرفوا ذلك ودعاهم كلُّ ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهَدين (٣) على أنفسهم بصحته، كما قال في غير هذا الموضع: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] يريد: هم بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا: نحن كفَرة. وكما تقول: شهدَتْ جوارحي بقولك، تريد (٤): قد عرفتُه، فكأنَّ جوارحي لو استُشْهدتْ وفي وُسعها أن تنطِق لشهدتْ. ومن هذا الباب أيضًا ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] يريد: أعلَمَ وبيَّن، فأشبه إعلامُه وتبيينُه ذلك شهادةَ من شَهِد عند الحكام وغيرهم (٥). هذا كلام ابن الأنباري (٦).

стр. 583

وزاد الجرجانيُّ (١) بيانًا لهذا القول فقال حاكيًا عن أصحابه (٢): إنَّ الله لما خلق الخلقَ، ونفَذَ علمُه فيهم بما هو كائن= صار (٣) ما لم يكن بعدُ ــ مما هو كائن ــ كالكائن؛ إذ علمُه بكونه مانعٌ (٤) من غير كونه، فسائغٌ (٥) في مجاز العربية أن يضع (٦) ما هو منتظَرٌ ــ مما لم يقع بعدُ ــ موضع الواقع (٧) لسَبْق علمه بوقوعه، كما قال في مواضعَ من القرآن، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، [١٠٧ أ] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: ٤٨].

стр. 584

قال: فيكون تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]: وإذ يأخذ ربك. وكذلك قولُه: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أي: ويُشهِدهم بما ركَّبه (١) فيهم من العقل الذي يكون به (٢) الفهم، ويجب به الثواب والعقاب. وكلُّ من وُلد وبلغ الحِنْثَ، وعَقَل الضَّر والنفع، وفهم الوعد والوعيد، والثواب والعقاب= صار (٣) كأن الله تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركَّب فيه من العقل، وأراه من الآيات والدليل على حدوثه، وأنه لا يجوز أن يكون قد خَلَق نفسه. وإذا لم يجز ذلك، فلابدَّ له من خالقٍ هو غيرُه، ليس كمثله. وليس من مخلوق يبلُغ (٤) هذا المبلغ، ولم يقدَح فيه مانع من فهم، إلا إذا حَزَبه أمرٌ يفزع إلى الله ، حتى (٥) يرفع رأسه إلى السماء، ويشير إليها بإصبَعه، علمًا منه بأنَّ خالقه تعالى فوقه. وإذا كان العقل الذي منه الفهم والإفهام مؤدِّيًا (٦) إلى معرفة ما ذكرنا ودالًّا عليه، فكلُّ من بلغ هذا المبلغ فقد أخَذ عليه العهد والميثاق، إذ جعل فيه السببَ والآلة اللذَين بهما يؤخذ العهد والميثاق (٧). وجائز أن يقال له: قد أقرَّ، وأذعَنَ، وأسلَمَ؛ كما قال الله

стр. 585

عزَّ وجلَّ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]. قال: واحتجُّوا بقوله ﷺ : «رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتَلِم، وعن المجنون حتى يُفيقَ، وعن النائم حتى ينتبه» (١) وقوله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ ثم قال: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. الأمانةُ (٢) هاهنا: عهد وميثاق. فامتناعُ السموات والأرض والجبال من حملِ الأمانة خلوُّها (٣) من العقل الذي يكون به الفهم والإفهام، وحَمْلُ الإنسان إياها لمكان العقل (٤) فيه (٥). قال: وللعرب في مثل هذا المعنى ضروبُ نظمٍ (٦). [١٠٧ ب] فمنها قوله:

стр. 586

ضَمِنَ القَنانُ لِفَقْعَسٍ سَوءاتِها ... إنَّ القَنانَ لِفَقْعَسٍ لا يأتلي (١) والقَنان: جبل، فذكر أنه قد ضمن لفقعس، وضمانُه لهم أنهم كانوا إذا حَزَبهم أمرٌ من هزيمة أو خوف لجؤوا إليه، فجعل ذلك كالضمان منه لهم. ومنه قول النابغة: كأجارف الجولان مِن هُلْكِ ربِّه ... وحَورانُ منها خاشعٌ متضائلُ (٢)

стр. 587

وأجارفُ الجَولان: جبالها (١)، وحَوران: الأرض التي إلى جانبها. وقال هذا القائل: إنَّ في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢) [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] دليلًا على هذا التأويل؛ لأنه أعلَمَ أنَّ هذا الأخذ للعهد عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. والغفلة هاهنا لا تخلو من أحد وجهين: إمَّا أن تكون عن يوم القيامة، أو عن أخذِ الميثاق. فأمَّا يومُ القيامة: فلم يذكر سبحانه في الكتاب أنه أخذ عليهم عهدًا وميثاقًا بمعرفة البعث والحساب، وإنما ذكَر معرفتَه فقط. وأما أخذُ الميثاق، فالأطفال والأسقاط إن كان هذا العهدُ مأخوذًا عليهم ــ كما قال المخالف ــ فهم (٣) لم يبلغوا بعدَ أخذِ هذا الميثاق عليهم مبلَغًا يكون منهم

стр. 588

غَفْلةٌ عنه، فيجحدونه، ويُنكرونه؛ فمتى تكون هذه الغفلة منهم؟ وهو لا يؤاخذهم بما لم يكن منهم، وذكرُ ما لا يجوز ولا يكون مُحال (١). وقوله: ﴿أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، فلا يخلو هذا الشرك الذي يؤاخَذون به أن يكون منهم أنفسِهم، أو من آبائهم. فإن كان منهم، فلا يجوز (٢) أن يكون ذلك إلا بعد البلوغ وثُبوتِ الحجة عليهم؛ إذ الطفل لا يكون منه شرك ولا غيره. وإن كان من غيرهم، فالأمَّةُ (٣) مُجمِعة على أنْ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] كما قال في الكتاب. وليس هذا (٤) بمخالف لما رُوي عن النبي [١٠٨ أ] ﷺ : «أن الله مسح ظهرَ آدم، وأخرج منه ذرِّيتَه، فأخذ عليهم العهد» (٥)؛ لأنه ﷺ اقتَصَّ قول الله ، فجاء مثلَ نظمِه (٦)، فوضع الماضي من اللفظ موضعَ المستقبل. قال: وهذا شبيهُ القصَّة بقصَّة قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]. فجعل سبحانه ما أَنزلَ على الأنبياء من الكتاب

стр. 589

والحكم ميثاقًا أَخذَه من أممهم بعدَهم. يدلُّ على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، ثم قال للأمم (١): ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. فجعل سبحانه بلوغ الأممِ كتابَه المنزّلَ على أنبيائهم حجةً عليهم كأخذ الميثاق عليهم، وجَعَل معرفتَهم به إقرارًا منهم. قلت: وشبيهٌ به أيضًا قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]. فهذا ميثاقُه الذي أخذه عليهم بعد إرسال رسله (٢) إليهم بالإيمان به وتصديقِه. ونظيرُه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: ٢٠]. وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١]. فهذا (٣) عهدُه إليهم على ألسنة رسله. ومثله: قوله لبني إسرائيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. ومثله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَه﴾ (٤) [آل عمران: ١٨٧]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ

стр. 590

وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]. فهذا ميثاقٌ أخَذه (١) منهم بعدَ بعثهم كما أخذ من أممهم بعدَ إنذارهم. [١٠٨ ب] وهذا الميثاق الذي لعَن سبحانه مَن نقَضه، وعاقبه بقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، فإنما عاقبهم بنقضهم الميثاقَ الذي أخذه عليهم على ألسنة رسله. وقد صرَّح به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣]. ولما كانت هذه الآية ونظيرتها (٢) في سورة مدنية خاطب بالتذكير بهذا الميثاقِ فيها أهلَ الكتاب، فإنه ميثاقٌ أخَذه عليهم بالإيمان به وبرسله. ولما كانت هذه (٣) آيةُ الأعراف في سورة مكية ذكَر فيها الميثاق والإشهاد العامَّ لجميع المكلَّفين (٤) بالإقرار بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك، وهو ميثاقٌ وإشهاد يقومُ به عليهم الحجة (٥)، وينقطع به العذر (٦)، وتحلُّ به العقوبة،

стр. 591

ويُستَحقُّ بمخالفته الإهلاك. فلابدَّ أن يكونوا ذاكرين له، عارفين به؛ وذلك ما فطرَهم عليه من الإقرار بربوبيته، وأنَّه ربُّهم وفاطرُهم، وأنَّهم مخلوقون مربوبون. ثم أرسل إليهم رسُلَه يذكِّرونهم بما في فِطَرهم وعقولهم، ويعرِّفونهم حقَّه عليهم وأمرَه ونهيَه ووعدَه ووعيدَه (١). ونظمُ الآية إنما يدلُّ على هذا من وجوه متعددة (٢): أحدها: أنه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل: آدم (٣)، وبنو آدم غيرُ آدم. الثاني: أنه قال: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، ولم يقل: من ظهره، وهذا بَدَلُ بعضٍ من كلٍّ، أو بدلُ اشتمالٍ (٤)، وهو أحسن (٥). الثالث: أنه قال: ﴿ذُرِّيَّاتِهم﴾، ولم يقل: ذرِّيته. الرابع: أنه قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جعلهم شاهدِين على

стр. 592

أنفسهم؛ فلابدَّ أن يكون الشاهدُ ذاكرًا لما شهِد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار، لا يذكر شهادةً (١) قبلها. الخامس: أنه سبحانه أخبر أنَّ حكمةَ هذا الإشهاد إقامةُ الحجَّةِ عليهم، لئلا يقولوا يوم القيامة [١٠٩ أ]: إنا كنا عن هذا غافلين. والحجة إنما (٢) قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فُطِروا عليها، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. السادس: تذكيرُهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ومعلوم أنهم غافلون (٣) بالإخراج (٤) لهم من صلب آدم كلِّهم، وإشهادِهم جميعًا ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم (٥). السابع: قوله: ﴿أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٦) [الأعراف: ١٧٣]. فذكر حكمتين في هذا التعريف والإشهاد:

стр. 593

إحداهما: أن لا يدَّعوا الغفلة، والثانية: أن لا يدَّعوا التقليد؛ فالغافلُ لا شعورَ له، والمقلِّدُ متَّبِعٌ في تقليده لغيره. الثامن: قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو عذَّبهم (١) بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك. وهو سبحانه إنما يُهلِكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجَّة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بُطلان (٢) ما كانوا عليه. وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليُهلِك القرى بظلم، وأهلُها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار (٣). التاسع: أنه سبحانه أشهدَ كلَّ واحدٍ واحدٍ (٤) على نفسه أنه ربُّه وخالقُه، واحتَجَّ عليهم (٥) بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]. أي: فكيف يُصرَفون عن التوحيد بعد هذا الإقرار منهم أنَّ الله ربُّهم وخالقُهم. وهذا كثير في القرآن. فهذه هي الحجَّةُ التي أشهدَهم على أنفسهم بمضمونها، وذكَّرتْهم بها رسلُه بقوله (٦): ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].

стр. 594

فالله تعالى إنما ذكَّرهم على ألسنة رسله بهذا الإقرار والمعرفة، ولم يذكِّرهم قطُّ (١) [١٠٩ ب] بإقرارٍ سابقٍ على إيجادهم، ولا أقام به عليهم حجَّة. العاشر: أنه جعل هذا آيةً، وهي الدِّلالة الواضحة البيِّنة المستلزِمة لمدلولها بحيث لا يتخلَّف عنها المدلول. وهذا شأن آيات الرب تعالى (٢) فإنها أدلةٌ معيَّنةٌ (٣) على مطلوب معيَّن مستلزِمةٌ للعلم به، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٥٥]. أي: مثلَ هذا التفصيلِ والتَّبيين نفصل الآيات لعلهم يرجعون من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان. وهذه الآيات التي فصَّلها هي التي بيَّنها في كتابه من أنواع مخلوقاته. وهي آيات أفقية (٤) ونفسية، آياتٌ في نفوسهم وذواتهم (٥) وخَلْقهم، وآياتٌ في الأقطار والنواحي مما يُحدِثه الربُّ ﵎، مما يدل على وجوده ووحدانيته وصدقِ رسلِه، وعلى المعاد والقيامة. ومن أبْيَنِها (٦) ما أشهدَ به كلَّ واحد على نفسه من أنه ربُّه وخالقُه (٧) ومبدعُه، وأنه مربوب مصنوع

стр. 595

مخلوق حادث بعد أن لم يكن، ومُحالٌ أن يكون حدَثَ بلا مُحدِث، أو يكون هو المحدِثَ لنفسه. فلابد له من مُوجِد أوجده (١) ليس هو كمثله. وهذا الإقرار والشهادة (٢) فطرةٌ فُطِروا عليها ليست بمكتسَبة. وهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾ (٣) [الأعراف: ١٧٢]. مطابقةٌ لقول النبي ﷺ : «كلُّ مولود يولد على الفطرة» (٤). ولقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١]. ومن المفسرين من لم يذكر إلا هذا القول فقط كالزمخشري (٥). ومنهم من لم يذكر إلا القول الأول فقط، ومنهم من حَكَى القولين كابن الجوزيِّ (٦)، والواحديِّ (٧)، والماوردي (٨)، وغيرهم.

стр. 596

قال الحسن بن يحيى الجرجاني (١): فإن اعترض معترِضٌ في هذا الفصل بحديث يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله مسَح [١١٠ أ] ظهرَ آدم، فأخرج منه ذريته، وأخذ عليهم العهد، ثم ردَّهم في ظهره» (٢)، وقال: إنَّ هذا مانع من جواز التأويل الذي ذهبتَ إليه، لامتناع ردِّهم في الظَّهر إن كان أخذ الميثاق عليهم بعد البلوغ وتمام العقل. قيل له: إنَّ معنى «ثم ردَّهم في ظهره»: ثم يردُّهم في ظهره (٣)، كما قلنا: إن معنى ﴿أَخَذَ رَبُّكَ﴾: يأخذ ربك. فيكون معناه: ثم يردُّهم في ظهره بوفاتهم، لأنهم إذا ماتوا رُدُّوا إلى الأرض للدفن، وآدمُ خلق منها ورُدَّ فيها، فإذا رُدُّوا فيها فقد رُدُّوا في آدم وفي ظهره (٤)؛ إذ كان آدمُ خُلِق منها وفيها رُدَّ، وبعضُ الشيء من الشيء. وفيما ذهبتم إليه من (٥) تأويل هذا الحديث على ظاهره تفاوتٌ بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى، إلا أن يُرَدَّ تأويلُه إلى ما ذكرناه؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ﴾ (٦) [الأعراف: ١٧٢]. ولم يذكر آدمَ في القصة، إنما هو هاهنا مضاف إليه لتعريف ذريته أنهم منه وأولادُه. وفي الحديث: أنه مسح ظهرَ آدم، فلا يمكن ردُّ ما جاء في القرآن وما جاء في الحديث إلى الاتِّفاق إلا بالتأويل

стр. 597

الذي ذكرناه. قال الجرجاني: وأنا أقول: ونحن إلى ما رُوي في الآية عن رسول الله ﷺ ، وما ذهب إليه أهلُ العلم من السلف الصالح أمْيَل، وله أقْبَل، وبه آنَس، والله وليُّ التوفيق لما هو أَولى وأهدى (١). على أنَّ بعضَ أصحابنا من أهل السُّنَّة قد ذكَر في الردِّ على هذا القائل معنًى يُحتمَل ويسوغ في النَّظم الجاري ومجازِ العربية بسهولة (٢) وإمكان، من غير تعسُّف ولا استكراه. وهو أن يكون قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] مبتدأ خبره (٣) من الله عما كان منه في أخذ العهد عليهم، وإذ يقتضي جوابًا يُجعَل جوابه قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى﴾، وانقطع هذا الخبر بتمام قصته. ثم ابتدأ خبرًا آخرَ بذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة [١١٠ ب]، فقال (٤): ﴿شَهِدْنَا﴾ يعني: نشهد، كما قال الحُطيئة (٥): شهدَ الحطيئةُ حينَ يلقَى ربَّه ... أنَّ الوليدَ أحقُّ بالعُذْرِ (٦)

стр. 598

بمعنى: يشهَدُ الحطيئة. يقول تعالى: نشهد أنكم ستقولون يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ أي: عمَّا هم فيه من الحساب والمناقشة والمؤاخذة بالكفر. ثم أضاف إليه خبرًا آخرَ، فقال: ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ (١) بمعنى: وأن تقولوا؛ لأن ﴿أَوْ﴾ بمعنى واو النسق، مثل قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٢) [الإنسان: ٢٤]. فتأويله: ونشهد أن تقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣] أي: إنهم أشركوا، وحملونا على مذهبهم في الشرك في صِبانا (٣)، فجرينا على مذاهبهم، واقتدينا بهم؛ فلا ذنب لنا إذ كنا مقتدين بهم، والذنبُ في ذلك لهم. كما قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٤) [الزخرف: ٢٣]. يدل على ذلك قولهم: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: حَملِهم (٥) إيانا على الشرك. فتكون القصة الأولى خبرًا عن جميع المخلوقين بأخذ الميثاق

стр. 599

عليهم (١)، والقصة الثانية خبرًا عما يقول المشركون يوم القيامة من الاعتذار (٢). وقال فيما ادعاه المخالفُ أنه تفاوتٌ فيما بين الكتاب والخبر لاختلاف ألفاظهما فيهما قولًا يجب قَبولُه بالنظائر والعِبَر التي تأيَّد بها (٣) لمخالفته، فقال: إن الخبر عن الرسول ﷺ أنَّ الله مسح ظهر آدم أفاد زيادةَ خبرٍ كان في القصة التي ذكَرَ الله في الكتاب بعضَها، ولم يذكر كلَّها. ولو أخبر ﷺ بسوى هذه الزيادة التي أخبر بها ــ مما عسى أن (٤) يكون قد كان في ذلك الوقت الذي أُخِذَ فيه العهدُ، مما لم يضمِّنه الله كتابَه ــ لمَا كان في ذلك (٥) خلاف ولا تفاوت، بل كان (٦) زيادة في الفائدة. وكذلك الألفاظ إذا اختلفتْ [١١١ أ] في ذاتها وكان مَرجعُها إلى أمر واحد لم يوجِب ذلك تناقضًا، كما قال في كتابه في خَلْق آدم، فذكَر مرةً أنه خُلِق من تراب، ومرةً أنه خُلِق من حمأ مسنون، ومرةً من طين لازب، ومرةً من صَلصال كالفخَّار (٧)؛ فهذه الألفاظ مختلفة، ومعانيها أيضًا في

стр. 600

الأحوال مختلفة؛ لأن (١) الصَّلصال غيرُ الحمأة، والحمأة غيرُ التراب، إلا أنَّ مرجعَها كلِّها في الأصل (٢) إلى جوهر واحد، وهو التراب، ومن التراب تدرَّجت هذه الأحوال. فقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقوله ﷺ : «إن الله مسح ظهرَ آدم، فاستخرج منه ذريته» معنًى واحدٌ (٣) في الأصل، إلا أنَّ قوله ﷺ : «مسح ظهرَ آدم» زيادةٌ في الخبر عن الله . ومَسْحُه (٤) ظهرَ آدم واستخراجُ ذريته منه (٥) مسحٌ لظهور ذريته واستخراجُ ذرياتهم من ظهورهم، كما ذكر تعالى؛ لأنَّا قد علمنا أنَّ جميع ذرية آدم لم يكونوا من صلبه، لكن لما كان الطبَق الأول من صُلْبه، ثم الثاني من صلب الأول، ثم الثالث من صلب الثاني، جاز أن يُنسَب ذلك كلُّه إلى ظهر آدم، لأنهم فرعُه، وهو أصلُهم. وكما جاز أن يكون ما ذكر الله أنه استخرجه من ظهور ذرية آدم من ظهر آدم، جاز أن يكون ما ذكر ﷺ أنه استخرجه من ظهر آدم من ظهور ذريته؛ إذ الأصلُ والفرع شيءٌ واحد. وفيه أيضًا أنه لما أضاف الذريةَ إلى آدم في الخبر احتمل أن يكون الخبر عن الذرية، وعن آدم؛ كما قال : ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. فالخبر في الظاهر عن الأعناق، والنعتُ للأسماء
следующие страницы →