Полный текст (877 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
كتاب الروح
تأليف
ابن قيم الجوزية
(٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق
محمد أجمل أيوب الإصلاحي
стр. 2
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمُ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن كتاب الروح للإمام ابن قيم الجوزية ﵀ من الكتب النادرة في بابه. وقد وصلت إلينا كتب في النفس لابن سينا (ت ٤٢٨) وابن باجَّه الأندلسي (ت ٥٣٣) وفخر الدين الرازي (ت ٦٠٦) وقطعة من كتاب أبي البركات البغدادي (ت ٥٦٠)، ولكن كتاب ابن القيم هذا ينتمي إلى فئة أخرى من الكتب، وهي مصنفات محمد بن نصر المروزي (ت ٢٩٤) وأبي يعقوب النهرجُوري (ت ٣٠٣) وأبي إسحاق ابن شاقْلا (ت ٣٦٩) وأبي عبد الله ابن منده (ت ٣٩٥) والقاضي أبي يعلى (ت ٤٥٨). ولاسيّما كتاب الحافظ ابن منده "النفس والروح" الذي هو من أهم موارد كتاب الروح، وكان كتابًا كبيرًا.
وكل هذه المصنفات لا علم لنا الآن بوجودها في خزائن الكتب، بل لابن القيم نفسه كتاب آخر كبير ألَّفه قبل كتاب الروح هذا، وسمَّاه "الروح والنفس"، وأحال عليه في هذا الكتاب وغيره، ولكن لم نقف عليه، ولا ندري أضاع فيما ضاع من نفائس تراث ابن القيم أم لا يزال مخبوءًا في زاوية من الزوايا منتظرًا من يفتش عنه ويظهره للناس؟ فكتاب الروح لابن القيم هو الكتاب الوحيد بين أيدينا اليوم من الكتب المصنفة في هذا الباب على منهج السلف.
стр. 3
وأصل هذا الكتاب جواب عن أسئلة سئل عنها المصنف، وهي اثنان وعشرون سؤالًا، معظمها عن أحوال البرزخ وعذاب القبر ومستقر الروح بعد الموت، ومنها أسئلة عن حقيقة النفس وقِدَمها وما إلى ذلك. والمصنف ﵀ على طريقته في الجواب أفاض وأطنب، وبحث واستقصى، واستطرد فأفاد. فضم كتابه هذا مسائل عظيمة ومباحث مبسوطة وفوائد متنوعة في العقيدة والتفسير والحديث والفقه وتزكية النفس. وقد شهد بعض جلة العلماء بأن ابن القيم ﵀ قد بلغ في بعض أجوبته من استيعاب وجوه القول وتتبع حجج الخصوم والرد عليها ما لا مزيد عليه. ومن ثم كان كتاب الروح موردًا عذبًا لكلِّ من ألَّف بعده في مسائل الروح وأحوال البرزخ.
وقد طبع كتاب الروح قديمًا في الهند، فكانت طبعته الأولى صدرت سنة ١٣١٨، وأعيد طبعه هناك مرات. ثم طبع في مصر سنة ١٣٧٦. وبعد ذلك صدرت طبعات كثيرة.
وحُقِّق الكتاب لأول مرة سنة ١٤٠٤ في رسالة علمية عن ثلاث نسخ خطية، وطبعت في الرياض سنة ١٤٠٦، وكانت تلك خطوة أولى في سبيل إخراج نص الكتاب حسب المنهج العلمي.
ونشرتنا هذه خطوة جديدة في هذا السبيل. وقد اعتمدنا في تحرير نص الكتاب على ست نسخ خطية مع الاستئناس بنسختين أخريين، والرجوع إلى موارد الكتاب وغيرها، فأمكن ــ بفضل الله وحده ــ تصحيح كثير من التصحيفات والأوهام. وأرجو أن يكون النص في هذه النشرة أقرب إلى نص المؤلف مما كان عليه في النشرات السابقة.
стр. 4
وقدمت بين يدي الكتاب فصولًا تعريفية تحدثت فيها عن نسبة الكتاب، وعنوانه، وزمن تأليفه، ومطالبه، وموارده، والصادرين عنه، وأهميته والثناء عليه، ومختصراته، وطبعاته. ثم وصفت النسخ الخطية التي اعتمدت عليها، والمنهج الذي سلكته في إعداد هذه النشرة. وقد أطلت في تحقيق نسبة الكتاب ــ مع أن الشيخ بكر أبو زيد ﵀ قد سبق بذلك قبل زمن طويل ــ لأني رأيت فريقًا من الناس لا يزالون في ريبهم يترددون.
وآمل من العلماء والباحثين الأفاضل، إذا وقفوا على خلل أو زلل في تصحيح النص أو التعليق عليه، أن لا يغضُّوا أبصارهم، بل حقُّ العلم عليهم أن ينبِّهوا عليه متفضِّلين مشكورين.
وأشكر الإخوة المسؤولين والعاملين في أقسام المخطوطات في مكتبة الحرم المكي الشريف، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض على ما تكرَّموا به من تصوير النسخ المطلوبة من كتاب الروح وتيسير الاستفادة من غيرها، فجزاهم الله خير الجزاء. وقد سعى أخونا الدكتور عثمان جمعة ضميرية لتصوير مخطوطات الكتاب المحفوظة في مركز جمعة الماجد بدبي، فشكر الله سعيه وجعله في ميزان حسناته.
أسأل الله أن يتقبَّل هذا الجهد المتواضع وينفع به، وأن يجزل المثوبة لمؤلف الكتاب الإمام ابن قيم الجوزية ﵀. وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرياض محمد أجمل أيوب الإصلاحي
١٦ رمضان ١٤٣١
стр. 5
تحقيق نسبة الكتاب
كتاب الروح من أشهر كتب ابن القيم. ذكره المترجمون له ضمن مؤلفاته، وأقبل على نسخه الورَّاقون، واستفاد منه أهل العلم على اختلاف مذاهبهم وطبقاتهم وعلى تباعد أزمانهم وبلدانهم. فمنهم من تلمذ لابن القيم، ومنهم من عاصره. ومنهم الحنبلي والشافعي والحنفي، ومنهم الشامي والمصري والعراقي والنجدي واليماني. ومنهم من اختصره أو لخصه وأعاد ترتيبه، ومنهم من اقتصر على النقل منه. ومنهم من أعجب به وأثنى عليه. ولكن لم نر منهم من القرن الثامن إلى القرن الرابع عشر مَن تردّد في نسبة الكتاب إلى ابن القيم. بل ألفيناهم جميعًا مطبقين على عزوه إليه عزوًا صريحًا، حتى كانت سنة ١٣٨٤، إذ ظهر في مجلة "الهدي النبوي" الصادرة في القاهرة عنوان "هل كتاب الروح ليس لابن القيم؟ ". وذلك في ذيل الحلقة الثالثة من سلسلة مقالات الشيخ محمد نجيب المطيعي ﵀ في تعقب أحاديث وحكايات واردة في كتاب الروح (١). قال الشيخ: "سألني أخي الأستاذ جميل غازي رئيس قسم الثقافة والتوجيه المعنوي بالعلاقات العامة بمحافظة الدقهلية عما إذا كان هذا الكتاب (الروح) هو لابن القيم قطعًا، أم أنه منسوب إليه؟ وهل هذا الكتاب يتفق مع منهج ابن القيم الذي عُرف بالدقة والضبط والتثبت؟ فأقول: إن هذا الكتاب لابن القيم يقينًا، وذلك للأسباب الآتية".
_________
(١) المجلد ٢٩، العدد ١٢، شهر ذي الحجة، ص ٤١ ــ ٤٢. وقد أوقفني عليه أخي الشيخ جديع بن محمد الجديع، فجزاه الله خيرًا.
стр. 6
ثم ذكر خمسة أسباب أهمُّها: ما ذكره ابن القيم في كتاب الروح أن بعضهم رأى شيخ الإسلام ابن تيمية في المنام بعد موته؛ وقال: إن ذلك لا يدل على صحة نسبة الكتاب إلى ابن القيم فحسب، بل يدل على زمن تأليفه أيضًا، وهو بعد وفاة شيخ الإسلام.
واستدل بمنهج ابن القيم في البحث وأسلوبه وموضوعات الكتاب، وقال: "والذي يشكُّ في نسبة الكتاب إلى الشيخ عليه أن يثبت من كتبه الأخرى ما يهدم القضايا البارزة في كتابه هذا".
والظاهر أن السائل ــ وهو الشيخ جميل غازي ﵀ ــ لم يصدر في سؤاله عن دراسة لكتاب الروح، ولعل نقد الشيخ المطيعي لبعض الروايات والآثار الواردة فيه أثار في نفسه الشك في نسبة الكتاب، فكتب إليه مستفسرًا.
ثم أخرج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ سنة ١٣٩٨ (١) كتاب "الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات" لخير الدين الآلوسي (ت ١٣١٧) وصدّره بمقدمة ضافية ذكر فيها كتاب الروح أولًا في حاشيتها (ص ٤٠) فقال: "كتاب الروح المنسوب لابن القيم". ثم في (ص ٦٠) أورد كلامًا لابن القيم مع الرد عليه وقال: " ... ولهذا وغيره فإني في شك كبير من صحة نسبة الروح إليه، أو لعله ألفه في أول طلبه للعلم، والله أعلم".
_________
(١) وهي تاريخ مقدمة الشيخ الألباني لكتاب الآلوسي. وفيها صدرت الطبعة الأولى من الكتاب فيما يبدو، فإن طبعته الثانية صدرت في العام التالي ١٣٩٩.
стр. 7
وقد أصدر الشيخ بكر أبو زيد ﵀ كتابه "ابن قيم الجوزية ــ حياته وآثاره" في عام ١٤٠٠، فذكر أنه "قد انتشر على ألسنة بعض طلاب العلم أن كتاب الروح ليس لابن القيم أو أنه ألَّفه قبل اتصاله بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. هذا ما تناقلته الألسن ومرّ على الأسماع في المجالس والمباحثات، ولم أر ذلك مدوَّنًا في كتاب، ولعل شيئًا من ذلك قد دُوِّن ولكن لم يتيسر الوقوف عليه" (١).
وكأن ما سمع الشيخ بكر كان صدى لما ذكره الشيخ الألباني في مقدمة "الآيات البينات"، ولكن لم يكن الكتاب المذكور قد صدر حينما أعدّ الشيخ بكر رسالته عن ابن القيم، فلم يقف عليه، كما فاته الاطلاع على سؤال الشيخ جميل غازي وجواب الشيخ محمد نجيب المطيعي. وقد رد الشيخ بكر على الشبهتين، وأثبت أن كتاب الروح لابن القيم بلا ريب، وأنه ألّفه بعد اتصاله بشيخ الإسلام لا قبله.
وذكر الشيخ بكر أنه لتحقيق هذه المسألة قرأ كتاب الروح من أوله إلى آخره قراءة المتأمل الفاحص، فتبين له أن ما تناقلته الألسن "نتائج موهومة سبيلها النقض، ونهايتها الرفض المحض، وأنها إنما انتشرت من غير دراسة ولا تحقيق".
وصدق الشيخ، فلم يكن كلام الشيخ الألباني أيضًا صادرًا عن دراسة لكتاب الروح، وإنما الذي أثار الشك في نفسه أنه وجد في كتاب الروح رأيًا واحتجاجًا مخالفًا لما عهده من منهج ابن القيم، وخادشًا لصورته المرسومة في ذهنه، ثم إن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون هو السبب الأقوى الموجب
_________
(١) ابن قيم الجوزية ــ حياته، آثاره، موارده؛ دار العاصمة، ١٤٢٣ (ص ٢٥٤).
стр. 8
للاستغاثة بغير الله عند المبتدعة (١)، فضاق الشيخ بما ذهب إليه ابن القيم، فأنكره، وشك في نسبة الكتاب نفسه إلى ابن القيم إلا أن يكون قد ألّفه قبل اتصاله بشيخ الإسلام.
يقول الشيخ: "وأغرب ما رأيت لهم من الأدلة قول ابن القيم ﵀ في الروح (ص ٨) تحت المسألة الأولى: هل تعرف الأموات بزيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ فأجاب بكلام طويل جاء فيه ما نصه ... ".
ثم نقل قول ابن القيم: "ويكفي في هذا تسميته المسلِّم عليهم زائرًا، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرًا؛ فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره. هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم. وكذلك السلام عليهم أيضًا، فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلِّم محال. وقد علّم النبي ﷺ أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: "سلام عليكم أهل الديار ... وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب، ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلِّم الردّ".
وعقب الشيخ على ذلك قائلًا: "رحم الله ابن القيم، فما كان أغناه عن الدخول في مثل هذا الاستدلال العقلي، الذي لا مجال له في أمر غيبي كهذا؛ فوالله لو أن ناقلًا نقل هذا الكلام عنه ولم أقف أنا بنفسي عليه لما صدقته لغرابته، وبعده عن الأصول العلمية، والقواعد السلفية، التي تعلمناها منه، ومن شيخه الإمام ابن تيمية؛ فهو أشبه شيء بكلام الآرائيين والقياسيين الذي يقيسون الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق، وهو قياس باطل فاسد، طالما ردّ ابن القيم أمثاله على أهل الكلام والبدع؛ ولهذا وغيره
_________
(١) الآيات البينات (ص ٢٥).
стр. 9
فإني في شك كبير من صحة نسبة "الروح" إليه، أو لعله ألَّفه في أول طلبه للعلم. والله أعلم، ثم إن كلامه مردود في شطريه بأمرين ... " (١).
قلت: قول ابن القيم: "فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلِّم محال ... وإن لم يسمع المسلِّم الردّ" نقله بعينه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٧) ضمن اقتباس طويل من كتاب الروح. فهل يدعو ذلك إلى الشك في نسبة التفسير إلى ابن كثير؟
وماذا عسى أن يقول الشيخ لو درى أن هذا الاستدلال بعينه مأخوذ من كلام شيخ الإسلام الذي قال: "وقد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه كان يأمر بالسلام على أهل القبور، ويقول: "قولوا: السلام عليكم أهل الديار ... " فهذا خطاب لهم، وإنما يخاطَب مَن يسمَع" (٢).
وقال في موضع آخر: "والميت قد يعرف من يزوره. ولهذا كانت السنة أن يقال: السلام عليكم، أهل دار قوم مؤمنين ... " إلخ (٣).
وسيأتي عرض المسألة في فصل آخر، وإنما يعنينا هنا ما يتعلق بنسبة الكتاب. والدلائل على صحتها متوافرة متنوعة (٤)، وقد قسمناها إلى قسمين: القسم الأول في الدلائل الخارجية، والقسم الثاني في الدلائل الداخلية.
_________
(١) الآيات البينات (ص ٦٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٤).
(٤) انظر جملة منها في كتاب "ابن قيم الجوزية ــ حياته، آثاره، موارده" للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ (ص ٢٥٥ - ٢٥٨).
стр. 10
أما القسم الأول فمن أظهر دلائله:
١) أن ابن القيم نفسه ذكره في كتابه جلاء الأفهام (٥٥٧)، فلما أورد حديث أبي هريرة: "إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان" الحديث، قال: "وقد استوفيت الكلام على هذا الحديث وأمثاله في كتاب الروح". يقصد كلامه في المسألة السادسة.
٢) أن الحافظ ابن رجب (ت ٧٩٥) ــ وهو من تلامذة ابن القيم ــ نقل في كتابه "أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور" نصوصًا عديدة من كتاب الروح ــ كما سيأتي ــ فقال في (ص ٦٨): "وذكر شيخنا أبو عبد الله ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الروح ... ". ونقل حكاية. ثم قال (ص ٦٩): "قال شيخنا"، ونقل حكاية أخرى. وانظر الحكايتين في المسألة السابعة.
٣) أن أبا عبد الله محمد بن محمد بن محمد المنبجي الحنبلي (ت ٧٨٥) قد ألّف كتابه "تسلية أهل المصائب" سنة ٧٧٧، واستفاد فيه من كتاب الروح ونسبه إلى ابن القيم بصراحة، فقال: "قال العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب الروح له: حدثني صاحبنا أبو عبد الله ... " (ص ٢٧١). والحكاية التي نقلها واردة في المسألة السابعة. وكذلك لما نقل ردّ ابن القيم على ما زعمه ابن حزم من عدم ردّ الأرواح في القبور إلى الأجساد قبل يوم القيامة قال: "فهذا العلامة ابن القيم ﵀ قد كفانا مؤنة الرد بلا تكلف" (ص ٢٧٨). وهذا الردّ في المسألة السادسة.
٤) أن نُسَخه الخطية المنتشرة في خزائن الشرق والغرب ويبلغ عددها نحو أربعين نسخة كلها مجمعة على نسبته إلى ابن القيم. وأقدمها نسخة الظاهرية المكتوبة سنة ٧٧٤ بعد وفاة ابن القيم بثلاث وعشرين سنة، وهي الأصل الذي اعتمدنا عليه في نشرتنا هذه.
стр. 11
٥) ذكره الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢) في ترجمة ابن القيم في كتابه الدرر الكامنة (٣/ ٤٠٢) (١). وكذلك نسبه إليه فيما نقله منه في فتح الباري: (٣/ ٢٣٩)، (٦/ ٤٤٤، ٤٤٥)، (٨/ ٤٠٣). ولفظه فيها جميعًا: "ابن القيم في كتاب الروح".
٦) أن إبراهيم بن عمر البقاعي (ت ٨٨٥)، وهو من كبار أصحاب الحافظ ابن حجر، قد اختصر كتاب الروح وأعاد ترتيبه وسماه "سر الروح". وقال في مقدمته: "فإني كاتب إن شاء الله تعالى في هذه الأوراق المقصود بالحقيقة من كتاب الروح للإمام العلامة شمس الدين محمد بن قيم الجوزية الدمشقي الحنبلي سقى الله ثراه ورحم منقلبه ومثواه ... " (ص ٢).
٧) ذكره جلال الدين السيوطي (ت ٩١١) في ترجمة ابن القيم في بغية الوعاة (١/ ٦٣) ونسبه إليه في كتبه الأخرى، منها كتابه "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور" الذي قال في خاتمته: "خاتمة في فوائد تتعلق بالروح لخصت أكثرها من كتاب الروح لابن القيم" (ص ٤١٤). وقد نقل نصوصًا كثيرة منه في أثناء الكتاب أيضًا فقال في موضع: "وذكر ابن القيم في كتاب الروح" (ص ٢٤٥). وقال في كتاب الحبائك في أخبار الملائك: "وقال العلامة شمس الدين ابن القيم في كتاب الروح" (ص ٢٦٣). ونحوه في كتاب الحاوي للفتاوي له (١/ ٢١٢)، وفيه أيضًا: " ... قولان للحنابلة حكاهما ابن القيم في كتاب الروح" (٢/ ١٦٥). وهذه النصوص والأقوال كلها واردة في كتاب الروح الذي بين أيدينا.
_________
(١) وكذلك ذكره في ترجمته السيوطي (ت ٩١١) في بغية الوعاة (١/ ٦٣) كما سيأتي، وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩) في شذرات الذهب (٨/ ٢٩٠) والشوكاني (ت ١٢٥٠) في البدر الطالع (٢/ ١٤٣).
стр. 12
٨) ذكر شمس الدين ابن طولون (ت ٩٥٣) في كتابه الفلك المشحون (ص ٤٢) كتابًا له بعنوان "الفتوح في حقيقة الروح"، وقال: "لخصته من كتاب الروح لابن القيم مع تتمات".
٩) قد تعقب محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢) في كتابه جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت (ص ٨٠) كلام ابن القيم في تلقين الميت بعد دفنه، وكذلك أشار في تأنيس الغريب (ص ١٧٥) إلى أن أدلة القائلين بخلق الأرواح قبل الأجساد واضحة، وأن ابن القيم "تكلف لردّها فما نهض ما قاله". ولكن لم يشك في نسبة كتاب الروح إليه، بل أكثر من النقل منه مع عزوه إليه، ومن ذلك قوله: "واعلم أنه قد بسط الجواب وزاد عليه ابن القيم ﵀ في كتابه الروح، ولا غناء عن استيفاء ما ذكره، فإن المسألة مهمة والإيمان بها متعين" (ص ٤٩)، ثم نقل نصًّا طويلًا من المسألة السابعة في الرد على منكري عذاب القبر. ومنه قوله: "قال ابن القيم في كتاب الروح" (ص ٨١). والجدير بالذكر أن الأمير كتب نسخة من كتاب الروح بخطه، وهي محفوظة في مكتبة ندوة العلماء بالهند. وقال في سبل السلام: "وذهب ابن القيم إلى عموم المسألة، وبسط المسألة في كتاب الروح" (٢/ ١١٣) يعني مسألة اختصاص هذه الأمة بالسؤال في القبر دون الأمم السالفة. وينظر أيضًا (٢/ ١١٤).
١٠) أن شمس الدين محمد بن أحمد السفَّاريني الحنبلي (١١١٤ - ١١٨٨) ــ وهو معروف بكثرة النقل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ــ نقل نصوصًا كثيرة من كتاب الروح في كتابيه: البحور الزاخرة في أحوال الآخرة، ولوامع الأنوار البهية، فقال في البحور عندما ذكر القول
стр. 13
المختار عند ابن القيم في حقيقة الروح: "اختار هذا القول الإمام المحقق ابن القيم في كتابه الروح من أقوال عديدة". ثم أثنى على الكتاب فقال: "وكتابه هذا من أجلّ ما رأينا في هذا الفن بل هو أجلها وأعظمها ... " (١/ ١٠٠). وكذا في كتاب لوامع الأنوار صدَّر نقوله من كتاب الروح في مواضع بقوله: "قال الإمام المحقق ابن القيم في كتاب الروح". انظر مثلًا: ٢/ ٨ - ١٠، ١٢، ١٨، ٢٠، ٢١، ٢٣، ٣٢، ٣٨، ٥٢، ٦٠، ١٥٧.
١١) الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بُطين (١١٩٤ - ١٢٨٢) مفتي الديار النجدية في عهده وأحد علماء الدعوة في عهد الدولة السعودية الثاني. وكانت له عناية بكتب ابن القيم، فقد اختصر إغاثة اللهفان وبدائع الفوائد (١). وبين يدي نسخة من كتاب الروح كانت في حوزة الشيخ أبا بطين، وفي حاشيتها تعليقات بخطه. ومنها تعقيب على استدلال ابن القيم بعمل الناس على تلقين الميت بعد دفنه (ق ٨/أ)، ولكن لم يبد شكًّا في نسبة الكتاب.
١٢) الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (١٢٢٥ - ١٢٩٣) من كبار أئمة الدعوة (٢)، وله رد على رجل عراقي يدعى داود بن سليمان بن جرجيس طبع بعنوان: "تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس" جاء فيه: "ومن العجب أن هذا العراقي زعم أن ابن القيم قال في كتاب الروح ... " (ص ٦٦). ثم قال: "وكتاب الروح موجود ومسموع من المشايخ الثقات العارفين بنصوصه وأقواله وأصوله وفروعه".
_________
(١) انظر ترجمته في آخر الدرر السنية (١٦/ ٢/٤٢٧)، والسحب الوابلة (ص ٦٢٦).
(٢) ترجمته في آخر الدرر السنية (١٦/ ٢/٤١٣)، ومشاهير علماء نجد (ص ٦٩).
стр. 14
١٣) وكتاب "الآيات البينات" الذي أخرجه الشيخ الألباني ﵀ وشكك في نسبة الكتاب إلى ابن القيم في مقدمته، لم يشك صاحبه أبو الخير نعمان بن محمود الآلوسي (ت ١٣١٧) في نسبة كتاب الروح إلى ابن القيم، فلما نقل نصًّا منه قال: "قال الحافظ ابن القيم في كتاب الروح" (ص ١٣٧) وفي موضع آخر: "وقد ردّه العلامة ابن القيم في كتاب الروح" (ص ١٢١). وكذلك في كتابه الشهير جلاء العينين في محاكمة الأحمدين نقل نصًّا من كتاب الروح في مستقر الأرواح فقال: "وقال العلامة ابن القيم من كلام طويل في كتاب الروح ما نصه" (ص ٤٦٨). وفي موضع آخر: "وفي كتاب الروح للحافظ ابن القيم بعد أن أيد وصول ثواب قراءة القرآن للأموات بأدلة كثيرة قال ما نصه" (ص ٦٤٥).
وقبله والده شهاب الدين محمود بن عبد الله الآلوسي (١٢١٧ - ١٢٧٠) لما ذكر في روح المعاني مذهب القائلين بجوهرية الروح وأنها ليست داخلة البدن ولا خارجة عنه قال: "ورد هذا المذهب ابن القيم في كتاب الروح بما لا مزيد عليه" (١٢/ ٥٦)، ونحوه في (١٥/ ١٦٣، ٣٠٩). وفي موضع آخر ذكر أن المعول عليه عند المحققين قولان: الأول أن الإنسان عبارة عن جسم نوراني علوي حي متحرك ... إلخ. ثم قال: "وقال ابن القيم في كتابه الروح: إنه الصواب ولا يصح غيره، وعليه دلّ الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة، وذكر له مائة دليل وخمسة أدلة فليراجع" (٨/ ١٤٨).
ثم ذكر القول الثاني إنه ليس بجسم ولا جسماني وهو الروح وليس بداخل العالم ولا خارجه إلخ، ثم قال: "وللشيخ الرئيس رسالة مفردة في ذلك ... وابن القيم زيف حججه في كتابه. وهو كتاب مفيد جدًّا يهب للروح روحًا ويورث للصدر شرحًا".
стр. 15
ونكتفي بهذا من الدلائل الخارجية على إثبات نسبة كتاب الروح إلى ابن القيم، وسيأتي المزيد في فصل "الصادرين عنه".
أما القسم الثاني من الدلائل، وهي التي سميناها دلائل داخلية فهي مبثوثة في الكتاب، وإليكم أبرزها:
١) ذكر ابن القيم في كتاب الروح هذا كتابًا آخر له في موضوع الروح نفسه فقال في المسألة الخامسة: "وعلى هذا ــ يعني كون الروح ذاتًا قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل ... ــ أكثر من مائة دليل قد ذكرناها في كتابنا الكبير معرفة الروح والنفس" (ص ١٢٣).
وقد ذكر هذا الكتاب الذي وصفه هنا بالكبير في كتابه مفتاح دار السعادة (٣/ ١٠٥) وفي جلاء الأفهام مرتين (ص ٢٩٨، ٣٧١) وسماه كتاب الروح والنفس.
٢) ذكر ابن القيم في عشرة مواضع من كتاب الروح شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وفي الكتاب مواضع أخرى نقل فيها كلام شيخه دون الإشارة إليه. وسيأتي تفصيلها في بحث موارد الكتاب.
٣) أورد في المسألة الرابعة حديثين وقال: إن أحدهما دخل في الآخر وركب الراوي بين اللفظين، ثم قال: "وكان شيخنا أبو الحجاج يقول ذلك". يعني الحافظ أبا الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي (ت ٧٤٢) صاحب تهذيب الكمال وهو من شيوخ ابن القيم. وكثيرًا ما ينقل عنه ولا سيما في الحديث والرجال (١).
_________
(١) ابن قيم الجوزية للشيخ بكر أبو زيد (ص ١٧٧).
стр. 16
٤) في الكتاب مباحث ومسائل ولطائف وفوائد كثيرة تكلم عليها ابن القيم في كتبه الأخرى، فكان كلامه عليها هنا وهناك واحدًا في رأيه واستدلاله وأسلوب تناوله. ومن ذلك:
١ - تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] في المسألة الثامنة عشرة، فقد ذهب ﵀ في تفسيرها ــ خلافًا لمذهب "أهل الحديث وكبراء أهل العلم" كما يقول ابن الأنباري ــ إلى أن المراد ما فطرهم سبحانه عليه من الإقرار بربوبيته، وأنه ربهم وفاطرهم، وأنهم مخلوقون ومربوبون، ثم أرسل إليهم رسله يذكِّرونهم بما في فطرهم وعقولهم، وقال: نظم الآية إنما يدل على هذا من وجوه متعددة، ثم ذكر عشرة وجوه. وبهذا فسرها ابن القيم في كتاب السماع (٣٨٤ - ٣٨٥)، واستدل بسبعة وجوه من الوجوه العشرة المذكورة في كتاب الروح.
٢ - المسألة الحادية والعشرون في كتاب الروح عن النفس أواحدة هي أم ثلاث؟ ذكر فيها أن كثيرًا من الناس وقع في كلامهم أن لابن آدم ثلاث أنفس: مطمئنة ولوامة وأمارة، ثم قال: والتحقيق أنها نفس واحدة ولكن لها صفات، فتسمى باعتبار كل صفة باسم. ثم تكلم على الصفات الثلاث وأفاض في الكلام. وفي كتابه إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان عقد الباب الحادي عشر على علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه. ومهد له بالكلام على النفس أواحدة هي أم ثلاث، ثم وصف الثلاث وصفًا مختصرًا بذكر الخلاف واشتقاق اللوامة من اللوم أو التلوم. وهذا كله موافق لما في كتاب الروح، والفرق بينهما في التفصيل والاختصار أو بعض الزيادة.
стр. 17
٣ - المسألة الأولى في كتاب الروح: هل تعرف الأموات بزيارة الأحياء وسلامهم عليهم أو لا؟ وقد أجاب عنها المؤلف بالإثبات. فهو يرى أن الميت يعرف زيارة الحي ويستبشر به، ويسمع سلامه عليه. ومما استدلّ به على ذلك أن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلِّم محال.
وقد ساق في كتابه زاد المعاد الحديث الطويل المروي عن لقيط بن عامر واستخرج منه فوائد كثيرة منها:
"وقوله: (حيثما مررت بقبر كافر فقل: أرسلني إليك محمد). هذا إرسال تقريع وتوبيخ، لا تبليغ أمر ونهي. وفيه دليل سماع أصحاب أهل القبور كلام الأحياء وخطابهم لهم" (٣/ ٦٨٥).
٤ - وفي هذه المسألة قد استشهد المؤلف ببعض الحكايات والأقوال التي نقلها من كتاب القبور لابن أبي الدنيا، باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء. منها حكاية عاصم الجحدري، وقول محمد بن واسع، وقول الضحاك، وحكاية عن مطرف بن عبد الله، وكلها تتعلق بيوم الجمعة.
وفي زاد المعاد لما عدد خصائص يوم الجمعة قال: "الحادية والثلاثون: أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زوارهم ومن يمرّ بهم ويسلِّم عليهم ويتلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام، فهو يوم يلتقي فيه الأحياء والأموات".
ثم استشهد على ذلك بقصة مطرف، وقصة عاصم، وقول محمد بن واسع، وقول الضحاك. (١/ ٤١٥ - ٤١٦).
٥ - في الفرق بين الصبر والقسوة، ذكر أن "القلوب ثلاثة: قلب قاس
стр. 18
غليظ بمنزلة اليد اليابسة، وقلب مائع رقيق جدًّا .. وأصح القلوب: القلب الرقيق الصافي الصلب". وترى هذه الأقسام الثلاثة ووصفها بنحو ما قال هنا في الوابل الصيب (١٢٠ - ١٢٢) وشفاء العليل (١٠٥ - ١٩٢).
٦ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ ــ ٣٠] رجح فيه ابن القيم أن ذلك يقال للنفس المطمئنة عند الموت ويوم القيامة أيضًا. فجمع بين القولين، فلا منافاة بينهما. كذا قال في كتاب الروح في المسألة الحادية والعشرين وفي مدارج السالكين (٢/ ١٧١ - ١٧٩).
٧ - المسألة الثامنة عشرة في تقدم خلق الأرواح على الأجساد أو تأخر خلقها عنها، وقد رد ابن القيم على القائلين بأن الأرواح خلقت قبل الأجساد. وقد خطَّأ قولهم هذا في روضة المحبين (١٢٠) أيضًا.
٨ - المسألة السابعة في الرد على الملاحدة والزنادقة المنكرين لعذاب القبر وسعته وضيقه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة. وقد مهد ابن القيم بثلاثة أمور أولها: "أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته، بل أخبارهم قسمان: أحدهما ما تشهد به العقول والفطر، الثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها ... ". و"الأمر الثاني أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان".
ثم قال: "وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل
стр. 19
بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولاسيَّما إن أضيف إليه سوء القصد. فيتفق سوءُ الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده، وسوءُ القصد من التابع، فيا محنة الدين وأهله! ".
وقد عقد المؤلف الفصل الحادي والعشرين من كتابه "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" في بيان الأسباب الجالبة للتأويل. وذكر أربعة أسباب: اثنين من المتكلم واثنين من السامع، وهما سوء الفهم وسوء القصد. وقال: "فلما حدث بعد انقضاء عصرهم ــ يعني الصحابة ــ من ساء فهمه وساء قصده وقعوا في أنواع من التأويل بحسب سوء الفهم وفساد القصد ... وإذا تأملت أصول المذاهب الفاسدة رأيت أربابها قد اشتقوها من بين هذين الأصلين ... " (٥٠٠ - ٥١٠). وذكر في "شفاء العليل" من آثار القسوة تحريف الكلم عن مواضعه ثم قال: "وذلك من سوء الفهم وسوء القصد" (ص ١٠٦).
وفي زاد المعاد ذكر من فقه قصة قدوم وفد نجران "أن الكلام عند الإطلاق يحمل على ظاهره حتى يقوم دليل على خلافه ... " وأشار إلى إيراد النصارى على قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]. قال: " ... فإيراده إيراد فاسد وهو إما من سوء الفهم أو سوء القصد". (٣/ ٦٤٤).
٥) من منهج ابن القيم في البحث أنه في المسائل الخلافية يستقصي الأقوال وحجج القائلين بها، ثم يناقشها قولًا قولًا بعرضها على الكتاب والسنة دون تعصب لهذا أو ذاك، وقد يقيم مناظرة بين الخصوم، فهذا يحتج على ذاك، ثم ذاك يرد على هذا، وهكذا حتى يظهر الصواب. ومن أمثلة ذلك
стр. 20
في كتاب الروح: مسألة مستقر الأرواح، ومسألة حقيقة النفس، ومسألة انتفاع أرواح الموتى بشيء من سعي الأحياء. فلما حشد أقوال الناس في مصير الأرواح بعد الموت في المسألة الخامسة عشرة قال: "فهذا ما تلخص لي من جميع أقوال الناس في مصير أرواحهم بعد الموت، ولا تظفر به مجموعًا في كتاب واحد غير هذا البتة. ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال، وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دل عليه الكتاب والسنة، على طريقتنا التي منّ الله بها".
وهذه الطريقة يعرفها كل من اطلع على كتب ابن القيم.
٦) قول ابن القيم في النص السابق: "ولا تظفر به مجموعًا في كتاب واحد غير هذا البتة" من العبارات المألوفة في كتب ابن القيم. وكثيرًا ما ينبِّه قارئه على قيمة المادة التي تجشم جمعها من المصادر المختلفة في مكان واحد. وهذا من سمات منهجه في التأليف. ومن أمثلة ذلك: قوله في حادي الأرواح: "فهذا نهاية إقدام الفريقين في هذه المسألة، ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب" (ص ٧٩١).
وقال فيه أيضًا: "فتأمل هذه الأبواب وما تضمنته من النقول والمباحث والنكت والفوائد التي لا تظفر بها في غير هذا الكتاب البتة ... " (١٠٠).
وقال في إعلام الموقعين: "قد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب ولا بقريب منها" (١/ ٢٢٧). وانظره أيضًا (٤/ ٨١، ٢٢٢)، وطريق الهجرتين (ص ٧٩٨) وعدة الصابرين (ص ١١) ومدارج السالكين (١/ ٢٢٧، ٤٠٠)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٢٧٦)، وبدائع الفوائد (ص ١٦٠٣).
стр. 21
٧) في آخر كتاب الروح باب طويل في الفروق، ولكن الفروق الثمانية التي ختم بها الكتاب هي خلاصة القواعد التي قامت عليها دعوة شيخ الإسلام وأصحابه في إصلاح الأمة والرجوع بها إلى الكتاب والسنة في العقيدة والعبادات والمعاملات والسلوك جميعًا. فالفروق الثلاثة: "الفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين، والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه المعطلة، والفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل" تدور حول التوحيد. و"الفرق بين تجريد متابعة المعصوم وبين إهدار أقوال العلماء وإلغائها، والفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع والحكم المؤول الذي نهايته أن يكون جائز الاتباع عند الضرورة ولا درك على مخالفه" حول تقليد الأئمة الفقهاء المجتهدين. و"الفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والفرق بين الحال الإيماني والحال الشيطاني" حول التصوف. ومعظم مؤلفات ابن القيم دائرة على هذه المحاور، فلا يخفى على من له شيء من الأنسة بكتبه أن كتاب الروح أيضًا قد خرج من المعدن نفسه.
٨) ابن القيم ﵀ معروف بطول النفس وإشباع الكلام والاستطراد، وبعض المباحث التي يستطرد إليها يكون أهم من الموضوع الأصلي الذي عقد الكلام عليه، وكثيرًا ما ينبه في آخر هذه الفصول والمباحث الطويلة على أن أهميتها وشدة الحاجة إليها هي التي اقتضت الإطالة فيها. فقال في كتاب الروح بعدما أورد فصولًا كثيرة في الفروق: "ولا تستطل هذا الفصل فلعله من أنفع فصول الكتاب والحاجة إليه شديدة ... ".
стр. 22
ومن أمثلة هذا التنبيه في الكتب الأخرى: قوله في الداء والدواء: "ولا تستطل هذا الفصل فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد" (ص ٥٠).
وقال في عدة الصابرين: "ولا تستطل هذا الفصل المعترض في أثناء هذه المسألة، فلعله أهم منها وانفع" (ص ٣٥٩).
وقال في بدائع الفوائد: "ولا تستطل هذا الفصل فإنه أهم مما قصد بالكلام" (١/ ١٢٨)، وانظره أيضًا (١/ ٢٦٨).
وقال في مفتاح دار السعادة: "ولا تستطل هذا الفصل وما فيه من نوع تكرار يشتمل على مزيد فائدة، فإن الحاجة إليه ماسة والمنفعة عظيمة" (٢/ ٢٠٠).
أكتفي بهذه الشواهد وهي كثيرة، وأقول أنا أيضًا لقارئ هذه المقدمة: لا تستطل هذا الفصل، فإني كنت أظن أن أمر نسبة هذا الكتاب إلى ابن القيم قد أصبح مفروغًا منه بعد التحقيق الذي دوَّنه الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في كتابه "ابن قيم الجوزية" كما سبق، ولكن رأيت طائفة من طلبة العلم لا يزالون يتساءلون عن صحة نسبته إلى ابن القيم، فكأن الشبهة لا تزال عالقة بالأذهان، مع أن كتاب الشيخ بكر قد صدر قبل أكثر من ثلاثين سنة، ثم أعيد طبعه أكثر من مرة، ثم صدرت نشرة الدكتور بسام العموش وأكدت نسبة الكتاب. ومن ثم أطلت في هذا المبحث بعض الإطالة، وسيأتي في الفصول القادمة ما يؤيد ذلك ويعزِّزه.
стр. 23
عنوان الكتاب
لم ينص ابن القيم في كتاب الروح على عنوانه، ولكنه أحال عليه بهذا الاسم في كتابه جلاء الأفهام (ص ٥٥٧) كما سبق. وبه سماه المترجمون له كالحافظ ابن حجر والسيوطي وابن العماد وغيرهم. والناقلون منه ــ ومنهم تلميذه الحافظ ابن رجب، وشمس الدين المنبجي ــ وهم كُثْر، ذكروه بهذا الاسم أيضًا.
وهذا العنوان هو الوارد في مخطوطاته الكثيرة التي يبلغ عددها زهاء أربعين نسخة ما عدا مخطوطتين: إحداهما محفوظة في المكتب الهندي في لندن برقم (B ٨٧) وصورتها في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وقد ورد عنوان الكتاب في أولها: "روح الأرواح" مع هذه الزيادة: "تحقيق أحوال ما بعد الموت والآخرة والبرزخ". وهو غلط منشؤه فيما يبدو الخلط بين ابن الجوزي وابن قيم الجوزية، فإن "روح الأرواح" كتاب لابن الجوزي في الوعظ، وهو مطبوع. ومن قبل ما خلط الوراقون بينهما فنسبوا بعض كتب ابن الجوزي إلى ابن قيم الجوزية (١).
أما المخطوطة الأخرى فهي نسخة الظاهرية التي هي أقدم نسخ الكتاب فيما نعلم، وقد اعتمدنا عليها في إعداد هذه النشرة. وقد ثبت فيها اسم الكتاب في صفحة العنوان هكذا:"كتاب الروح والنفس". وكتبت كلمة "النفس" بخط مائل.
_________
(١) انظر: ابن قيم الجوزية للشيخ بكر أبو زيد (٢٦ - ٢٧)، (٢٠٢ - ٢٠٨).
стр. 24
وليس العنوان فيما أرى بخط ناسخ المخطوطة، ولا شك أن الذي كتبه لم يقرأ الكتاب كاملًا؛ فإن ابن القيم نفسه أحال فيها على كتاب آخر له كبير "في معرفة الروح والنفس"، فهذا الكتاب غيره لا محالة. ومن ثم علَّق بعض من قرأ هذه النسخة تحت العنوان المذكور بخط مائل أيضا: "قلت: الصواب ترك (والنفس)، فإن لمؤلف هذا الكتاب كتاب كبير (كذا) في معرفة الروح والنفس، أشار إليه في جواب المسألة الخامسة من هذا الكتاب. والله أعلم".
وهذا قاطع ــ كما ترى ــ في أن العنوان المكتوب في أول هذه النسخة خطأ صرف. ولعل كاتبه اجتهد في تسمية هذا الكتاب من عنده، إذ وجد النسخة غفلًا من العنوان، ورأى المؤلف قد خصص المسائل الثلاث الأخيرة لحقيقة النفس وما إليها، والمسألة الأولى منها مطولة جدًّا، فبدا له أن عنوان "الروح والنفس" أنسب لهذا الكتاب من عنوان "الروح"، وهو لا يعلم أصلًا أن للمؤلف كتابًا آخر كبيرًا بعنوان "الروح والنفس".
وهنا وقفتان:
الوقفة الأولى: أورد خير الدين الآلوسي (ت ١٣١٧) في كتابه جلاء العينين في محاكمة الأحمدين خمسة بحوث موجزة في الروح. الثاني منها في حقيقة الإنسان وقال: "إن المعول عليه عند المحققين قولان: الأول أنه عبارة عن جسم نوراني علوي ... وقال المحقق ابن القيم في كتاب الروح إنه الصواب، وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة" إلخ (ص ١٦٨). وهذا كله منقول من روح المعاني لوالده. ولكن بعد أسطر لما ختم البحث قال: "ومن أراد الإحاطة بالأدلة والتفصيل فليرجع إلى كتب الإمام الرازي ... وإلى كتاب الروح والنفس لابن القيم وروح المعاني وغيرها (ص ١٦٩).
стр. 25
ثم بعد صفحتين فقط تطرق إلى البحث الرابع في مستقر الأرواح، ونقل الأقوال المختلفة فيه من كتابنا هذا، ثم قال: "وإن أردت تفصيل أدلة هذه الأقوال فعليك بكتاب الروح لابن القيم عليه الرحمة" (ص ١٧١) ثم نقل نصًّا منه.
فهل كان خير الدين ﵀ يملك نسخة من كتاب الروح وأخرى من كتاب الروح والنفس، فكان يحيل مرة على هذه، وأخرى على تلك، إحالة مقصودة؟ لا أرى ذلك، وإنما هو من التسامح في تسمية الكتاب الذي بين أيدينا، وهو مصدر النقل، وهو المقصود بالإحالة في المواضع المذكورة.
الوقفة الثانية: ذكر الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في أثناء كلامه على كتاب الروح والنفس لابن القيم: "وذكره السفاريني في شرح الثلاثيات (١/ ٥٨٤، ٧٣٤) " (١).
قلت: يعني قول السفاريني في الموضعين: "وقال الإمام ابن القيم في كتابه (الروح الكبرى) ". وقد وصف ابن القيم كتاب الروح والنفس بأنه "كبير" فلما سمّاه السفاريني بالروح الكبرى دل ذلك على أنه قصد كتاب (الروح والنفس) ولتمييزه عن كتاب (الروح) وصفه بالكبر.
وأضيف هنا أن السفاريني في موضعين من كتابه غذاء الألباب أيضًا سماه بالروح الكبرى (١/ ٣٦٠)، (٢/ ١٧٣).
وقد تأملت المواضع الأربعة فلاحظت الأمور الآتية:
١) نقل في الموضع الأول (١/ ٥٨٤) نصًّا قصيرًا من المسألة
_________
(١) ابن قيم الجوزية (ص ٢٥٩).
стр. 26
الملحقة بالمسألة السادسة، وهي: هل عذاب القبر على النفس أو البدن أو كليهما؟ ثم قال في الصفحة التالية (١/ ٥٨٥): "قال ابن القيم في (الروح) ". ونقل نصًّا طويلًا من المسألة نفسها، فهل يعقل ــ إذا فرضنا أن السفاريني كان يملك نسخة من "الروح الصغرى" وأخرى من "الروح الكبرى" ــ أن ينقل أولًا نصًّا قصيرًا من (الكبرى) ثم ينقل بعده نصًّا آخر طويلًا من (الصغرى)؟ والنصّان من مسألة واحدة قد وردت في الصغرى، فما الذي ألجأه إلى التفريق بينهما في الإحالة؟
٢) في الموضع الثاني بعد شرح الحديث الخامس والسبعين في الاستعاذة من عذاب القبر نبه السفاريني على أمرين: الأول أسباب عذاب القبر، ونقل المسألة التاسعة كاملًا إلا يسيرًا (١/ ٧٣٤ - ٧٣٧). ثم نقل تحت "التنبيه الثاني" نحو نصف المسألة العاشرة في المنجيات من عذاب القبر. ثم قال: "وقال ابن القيم في محل آخر من الروح" ونقل نصًّا من المسألة الرابعة عشرة في دوام عذاب القبر أو انقطاعه. فقوله في هذا النقل المتصل بالنقل السابق: "محل آخر من الروح" صريح في أن النقول الثلاثة كلها من كتاب واحد سماه في أولها "الروح الكبرى" وفي الثالث "الروح".
٣) ويلاحظ أنه في الموضعين المذكورين سماه عند بداية النقل الأول بالروح الكبرى، ثم سماه بالروح.
٤) أما في غذاء الألباب فنقل في الموضع الأول (١/ ٣٦٠) نصًّا من فصل الفرق بين الرجاء والتمني، وفي الموضع الثاني (٢/ ١٧٣) من فصل الفرق بين المهابة والكبر، ثم الفرق بين الصيانة والكبر. والفروق الثلاثة كلها من جملة الفروق الواردة في آخر كتاب الروح.
стр. 27
فالذي يظهر لي ــ والله أعلم ــ أن النصوص المذكورة مثل نصوص أخرى كثيرة نقلها السفاريني جميعًا من كتاب الروح هذا، وإنما سماه بالروح الكبرى في المواضع الأربعة تعظيمًا لها وتنويها بأهميته.
أما كتاب الروح والنفس الذي ذكره ابن القيم في جلاء الأفهام ومفتاح دار السعادة، ووصفه في كتاب الروح بأنه كبير، فلم نقف له على ذكر أو نقل منه في المصادر.
стр. 28
زمن تأليف الكتاب
سبق في الفصل الأول أن الشيخ الألباني ﵀ ذكر احتمالًا، إن صحت نسبة الكتاب إلى ابن القيم، وهو أن يكون قد ألَّفه في بداية الطلب، يعني قبل اتصاله بشيخ الإسلام ابن تيمية وتأثره بفكره ومنهجه.
وقد ردَّ الشيخ بكر أبو زيد ﵀ هذا الاحتمال بأن ابن القيم ذكر فيه شيخ الإسلام في نحو عشرة مواضع مستشهدًا بأقواله وذاكرًا لاختياراته على عادته المألوفة في عامة مؤلفاته (١). وفي أول موضع منها قال:
"وقد حدثني غير واحد ممن كان غير مائل إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه رآه بعد موته وسأله عن شيء كان يشكل عليه من مسائل الفرائض وغيرها فأجابه بالصواب" (ص ٩٦).
وهذا قاطع بأن كتاب الروح أُلِّف بعد وفاة شيخ الإسلام سنة ٧٢٨.
ويؤيد هذا أن ابن القيم نقل في المسألة السابعة من الكتاب حكاية فقال: "وحدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن منتاب السلامي، وكان من خيار عباد الله، وكان يتحرى الصدق ... " (ص ٢٠٠). وقد توفي ابن منتاب أيضًا سنة ٧٢٨ (٢).
وقد نقل ابن القيم في المسألة التاسعة عشرة حكاية حدثه إياها القاضي نور الدين بن الصائغ. وقد ورد بعد اسمه في النسختين (ب، ط): "رحمه
_________
(١) ابن قيم الجوزية (ص ٢٥٦).
(٢) انظر ترجمته في أعيان العصر (٤/ ٤٣٧) والدرر الكامنة (٣/ ٤٣٧).
стр. 29
الله". فإن صح هذا كان تأليف كتاب الروح بعد وفاة القاضي في الطاعون سنة ٧٤٩. ولكن لا سبيل إلى تصويب ما ورد في النسختين المذكورتين.
بل ثمة قرينة أخرى تشير إلى أن الكتاب ألف قبل سنة ٧٤٠. وذلك أن كتاب ابن القيم في السماع أُلِّف جوابًا عن استفتاء كان سنة ٧٤٠ كما ورد النص على ذلك في الكتاب (ص ٨٧). وذكر فيه المؤلف من كتبه زاد المعاد (ص ٢٠٢). ومن الكتب المذكورة في الزاد: جلاء الأفهام (١/ ٨٧، ٩٣). وفي جلاء الأفهام أحال المصنف على كتاب الروح وقال: "وقد استوفيت الكلام على هذا الحديث وأمثاله في كتاب الروح" (ص ٥٥٧).
فيمكن القول بأن كتاب الروح أُلِّف قبل جلاء الأفهام، وزاد المعاد، وكتاب السماع، ما بين عامي (٧٢٨) و (٧٤٠).
стр. 30
سبب التأليف وبناء الكتاب
كتاب الروح من الكتب التي ألفها ابن القيم إجابة عن سؤال أو أسئلة عُرضت عليه. مثله مثل الداء والدواء، والطرق الحكمية، وكتاب الصلاة، وكتاب السماع، والمنار المنيف وغيرها. يدل على ذلك قوله في آخر المسألة الأولى: "والمقصود: جواب السائل ... "، وقوله: "وأما المسألة السابعة: وهي قول السائل ... "، ونحوه في الثامنة والتاسعة. وقوله: "وأما المسألة العاشرة، وهي قوله ... ". ونحوه في الرابعة عشرة. وكذا قوله في آخرها: "وسيأتي إن شاء الله تمام لهذه في جواب السؤال عن انتفاع الأموات بما تهديه إليهم الأحياء" يعني المسألة السادسة عشرة.
مثل هذه الكتب التي بنيت على الاستفتاء، منها ما خلا من خطبة الكتاب وافتتح المؤلف فيه جوابه بعد "الحمد لله" مباشرة نحو الداء والدواء. وردت في أوله صورة الاستفتاء ثم "فأجاب الشيخ الإمام ... ﵁: الحمد لله. ثبت في صحيح البخاري ... ". ومثله في كتاب السماع. ومنها ما استهله بخطبة قصيرة نحو كتاب الصلاة.
أما كتاب الروح فلا صورة فيه للاستفتاء ولا خطبة، وإنما بدأ الجواب بقوله: "أما المسألة الأولى" كما صرح بذلك أحد النساخ. ولا شك أن المؤلف قد افتتح جوابه بالحمدلة أو نحوها كما في الداء والدواء، وكان على تلامذته أو غيرهم ممن عني بنسخ كتابه أن يتبعوا في ذلك أصل المؤلف، وليس فيه ما يبعث على الاستغراب، ولكن جماعة منهم لم يعجبهم خلوُّ مثل هذا الكتاب الجليل من الخطبة، فتكلفوا وتطوعوا بإنشاء مقدمات له من عندهم. وقد حملت إلينا النسخ التي بين أيدينا ثلاثة نماذج
стр. 31
منها، وسنثبتها عند وصف النسخ المعتمدة في التحقيق.
أما المسائل التي اشتمل عليها كتاب الروح فهي: إحدى وعشرون مسألة. وذلك حسب ترقيمها في جميع النسخ الخطية التي بين أيدينا إلا نسخة واحدة (ن)، وكذا في النسخ المطبوعة. وذلك راجع إلى ترقيمها في أصل المؤلف. وقد نص على هذا العدد في مقدمة عدد من النسخ، ومنها نسخة الظاهرية ــ وهي أقدم النسخ ــ فجاء فيها: "أما بعد، فهذا كتاب مشتمل على إحدى وعشرين مسألة في الأرواح وما يتعلق بها ... ". وأكد برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥) ذلك في مقدمة سر الروح فقال: "وهو إحدى وعشرون مسألة".
أما النسخة (ن) فعدد المسائل حسب ترقيمها اثنتان وعشرون مسألة. وذلك أن المؤلف بعد المسألة السادسة، وهي أن الروح هل تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال أو لا؟ قال: "وهذا يتضح بجواب المسألة، وهي قول السائل: هل عذاب القبر على النفس أو على البدن ... ؟ ".
يظهر أن هذه المسألة ــ وهي من جملة المسائل المعروضة عليه كما تفيد عبارة "قول السائل"، وهي مسألة طويلة ــ قد ألحقها المؤلف فيما بعد، وتركها غفلًا دون ترقيم، لأن ذلك يقتضي تغيير الترقيم لأربع عشرة مسألة من الثامنة إلى الحادية والعشرين، إن كان أضافها بعد الفراغ من المسألة الأخيرة.
وهذه الإضافة كانت سببًا لاضطراب في النُّسَخ، فناسخ (ق) رقَّم المسألة الملحقة بالسابعة، والسابعة بالثامنة، وأبقى التاسعة على حالها، فتكررت فيها التاسعة.
стр. 32
أما النسخة (ن) وكانت هي ــ أو أصلها ــ جريئة في إصلاح المتن، فرقمت المسألة الملحقة بالسابعة، ثم أصلحت الترقيم في سائر المسائل، فبلغ عددها ٢٢ مسألة.
هل هذه المسائل الاثنتان والعشرون التي أجاب عنها المؤلف كلها كانت معروضة عليه، أو أضاف هو بعض المسائل إتمامًا للكلام على مسألة أو نظرًا إلى أهميتها؟
يلوح هذا التساؤل في مقدمة النسخة (ط) التي قال كاتبها ضمن ثنائه على الكتاب: "يشتمل على جملة من المسائل تتضمن الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة والآثار وأقوال العلماء الأخيار، لا أدري أسئل مصنفه ــ قدس الله روحه ــ عنها فأجاب أم سئل عن البعض ولكن هو أطال الخطاب، فإني رأيته مجردًا عن خطبة وسؤال أصلًا، مبتدأ فيه بقوله: (أما المسألة الأولى هل يعرف الأموات بزيارة الأحياء أم لا؟) ".
ومما يثير السؤال أننا نقرأ في المسألة الخامسة قول المؤلف: "ولا يمكن جواب هذه المسألة إلا على أصول أهل السنة ... والقول إنها ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل .. وعلى هذا أكثر من مائة دليل، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في معرفة الروح والنفس، وبيَّنَّا بطلان ما خالف هذا القول من وجوه كثيرة وأن من قال غيره لم يعرف نفسه".
ثم إذا وصلنا إلى المسألة التاسعة عشرة في حقيقة النفس وجدناها مصداقًا لما ذكره هنا عن كتاب الروح والنفس. فهي مسألة كبيرة أطال فيها الكلام، وذكر مائة وستة عشر دليلًا (حسب تعديده) على قوله، ثم أورد
стр. 33
اثنتين وعشرين حجة للخصم ثم ردَّ عليها جميعًا. فهل هذه المسألة لم تكن من المسائل المعروضة عليه أو كانت معروضة لكن كانت نيته أن يتناولها بالاختصار، وأن يحيل للتفصيل على كتاب الروح والنفس، بيد أنه لما تكلم عليها غيَّر رأيه؟
يؤيد الاحتمال الأخير أنه لو كانت الإجابة عن السؤال المذكور على هذا الوجه من الإضافة والإطناب مقصودة من بداية الأمر لأحال هناك على هذه المسألة التاسعة عشرة بدلًا من الإحالة على كتاب الروح والنفس. كما فعل في المسألة الخامسة عشرة، إذ قال: " ... فالقول الصحيح غيره، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، إذ ليس الغرض في جواب هذه المسألة الكلام في الأرواح هل هي مخلوقة قبل الأجساد أم لا؟ ". فأحال على المسألة الثامنة عشرة من هذا الكتاب، ولم يحل على كتابه الكبير في الروح والنفس، مع أن هذا البحث لا بد أن يكون من أهم موضوعاته.
بل لعل المؤلف لم يكن في باله وهو يكتب عنوان المسألة التاسعة عشرة أن يتوسع في الكلام عليها، فإنه لم يقتصر فيه على سؤال واحد بل ضمَّنها ثلاثة أسئلة، فقال: "وأما المسألة التاسعة عشرة وهي: ما حقيقة النفس ... ؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ وهل الأمارة واللوامة والمطمئنة نفس واحدة لها هذه الصفات أم هي ثلاث أنفس؟ ".
وصنيعه هذا في العنوان يدل على أنه كان يريد أن يتكلم تحته على المسائل الثلاث ويختم بها الكتاب. والمسألة الأولى منها هي التي تحتاج إلى إفاضة القول، فيتكلم عليها بشيء من التفصيل ويحيل للتوسع في أدلته والرد على المنازعين على كتابه الكبير في الروح والنفس. ولكنه لما خاض
стр. 34
في المسألة بدا له ــ فيما أظن ــ أن ينقل المسألة برمتها أو بشيء من التصرف من كتاب الروح والنفس.
ومثل هذا حصل في المسألة الثالثة في الكلام على النفس المطمئنة والنفس اللوامة، فقد انجرَّ الكلام إلى ذكر بعض الفروق، والمؤلف له عناية خاصة بها لأهميتها في الدين، فقد قال: "إن الدين كله فرق"، فأطلق العنان لقلمه الفياض وتكلم على خمسة وثلاثين فرقًا، ثم توقف قليلًا لتنبيه القارئ على خطر باب الفروق، ثم عاد فتكلم على ثمانية فروق ختم بها الكتاب.
فلو علم المؤلف أن المسألة الأولى من المسائل الثلاث ستستغرق نحو ٤٤ صفحة (من الطبعة الهندية) والثالثة نحو ٨٢ صفحة في حين أن الثانية لا تحتاج إلا إلى خمس صفحات فحسب= لو علم ذلك واستقبل من أمره ما استدبر لم يجمعهن قط في مسألة واحدة، وهي المسألة التاسعة عشرة. وقد اضطر لما اتسع الكلام على الأولى إلى إفراد الثانية بالعشرين والثالثة بالحادية والعشرين، ولكن بقي ذكر الثلاث كلها في المسألة التاسعة والعشرين كما كان، وفات المؤلف أن يعود إليها ليحذف الثانية والثالثة من عنوانها.
وإليكم الآن مسائل الكتاب حسب ترتيب المؤلف:
١ - هل تعرف الأموات بزيارة الأحياء وسلامهم عليهم أو لا؟
٢ - أرواح الموتى هل تتلاقى وتتزاور وتتذاكر أو لا؟
٣ - هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟
٤ - هل تموت الروح أو الموت للبدن وحده؟
٥ - الأرواح بعد مفارقة الأبدان إذا تجرّدت فبأي شيء يتميز بعضها من بعض حتى تتعارف وتتلاقى ... ؟
стр. 35
٦ - هل تعاد الروح إلى الميت في قبره وقت السؤال أو لا؟
* هل عذاب القبر على النفس والبدن أو على أحدهما، وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أو لا؟
٧ - ما جوابنا للملاحدة والزنادقة المنكرين لعذاب القبر وسعته وضيقه .. ؟
٨ - ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن ... ؟
٩ - ما الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور؟
١٠ - ما الأسباب المنجية من عذاب القبر؟
١١ - السؤال في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو يختص بالمسلم والمنافق؟
١٢ - هل سؤال منكر ونكير مختص بهذه الأمة أو يكون لها ولغيرها؟
١٣ - هل يمتحن الأطفال في قبورهم؟
١٤ - هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟
١٥ - أين مستقر الأرواح ما بين الموت إلى القيامة؟
١٦ - هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعي الأحياء او لا؟
١٧ - هل الروح قديمة أو محدثة مخلوقة؟
١٨ - هل تقدم خلق الأرواح على الأجساد أو تأخر خلقها عنها؟
١٩ - ما حقيقة النفس؟
٢٠ - هل النفس والروح شيء واحد أو شيئان متغايران؟
٢١ - هل النفس واحدة أم ثلاث؟
стр. 36
إذا نظرنا في هذه المسائل تبين لنا:
أ- أن معظم المسائل تتعلق بأحوال البرزخ.
ب - أن عشر مسائل منها في عذاب القبر والسؤال فيه.
ج- أن المسألة السادسة عشرة منها وهي مسألة إهداء القرب على الميت من مسائل الفقه أيضًا.
د- أن خمس مسائل منها ــ وهي: حقيقة النفس وقدمها وحدوثها، وصلتها بالروح، وتقدم خلقها على الأجساد أو تأخره، والموت له أو للبدن فقط ــ مما تعرض له الفلاسفة أيضًا.
هـ- المسألة الحادية والعشرون ــ وهي في النفس المطمئنة واللوامة والأمارة ــ من أهم مسائل تزكية النفس.
و- بعض المسائل صغير الحجم، وبعضها مطول. ومن المسائل المطولة: مسألة مستقر الأرواح (١٥) وإهداء القرب إلى الميت (١٦) وحقيقة النفس (١٩).
وقد انطوت هذه المسائل على مباحث أخرى مهمة منها: باب نفيس مطول من الفروق، ومسألة تلقين الميت، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، وغير ذلك.
стр. 37
عرض بعض مسائل الكتاب
عقدنا هذا المبحث لعرض مسائل ناقش فيها بعض أهل العلم الإمام ابن القيم، وسنضع بين يدي القارئ ما استدل به ﵀ على ما ذهب إليه وما نوقش به، وهي مسائل ثلاث كانت مثار الشك في نسبة الكتاب إلى المؤلف أو القول بأنه من أوائل مصنفاته قبل اتصاله بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
١) معرفة الأموات بزيارة الأحياء وسلامهم عليهم (ص ٥ - ٤٣).
استدل المؤلف على ذلك بما يلي:
١ - قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحَه حتى يرد ﵇"، قال ابن القيم: "فهذا نص في أنه يعرفه بعينه ويرد ﵇".
٢ - قول النبي ﷺ لقتلى بدر: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا؟ " فلما استغرب عمر نداءه قال: "والذي بعثني بالحق، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابًا". والحديث في الصحيحين.
٣ - حديث أنس في الصحيحين وفيه: "أن الميت يسمع قرعَ نعال المشيِّعين له إذا انصرفوا عنه".
٤ - تشريع السلام على أهل القبور، فقول المسلم: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان بمنزلة خطاب المعدوم والجماد.
стр. 38
٥ - تواتر الآثار عن السلف بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر به. وقد أورد المؤلف آثارًا ومنامات كثيرة ساقها ابن أبي الدنيا في كتابه القبور تحت باب "معرفة الموتى بزيارة الأحياء".
٦ - تسمية المسلِّم عليهم "زائرًا"، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره. وكذلك السلام على من لم يعلم بالمسلِّم محال.
قال: "فهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلِّم الردَّ".
٧ - استئناس الميت بالمشيِّعين لجنازته بعد دفنه كما جاء في حديث عمرو بن العاص في صحيح مسلم.
٨ - ذكر عن جماعة من السلف أنهم أوصوا أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن.
٩ - تلقين الميت.
١٠ - وقد ذكر منامات تفيد أن الموتى إذا صلى الرجل قريبًا منهم شاهدوه، وعلموا صلاته، وغبطوه على ذلك، وقال: "وهذه المرائي وإن لم تصلح بمجردها لإثبات مثل ذلك، فهي على كثرتها قد تواطأت على هذا المعنى، وتواطؤ رؤيا المؤمنين على شيء كتواطؤ روايتهم له وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه. على أنا لم نثبت هذا بمجرد الرؤيا، بل بما ذكرناه من الحجج وغيرها".
وذكر منامات أخرى كثيرة وختم المسألة بقوله: "الميت إذا عرف مثل هذه الجزئيات وتفاصيلها، فمعرفته بزيارة الحي له وسلامه عليه ودعائه له
стр. 39
أولى وأحرى".
هذه خلاصة ما قال ابن القيم وما استدل به.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هل الميت يسمع كلام زائره، ويرى شخصه؟
فأجاب: "الحمد لله رب العالمين. نعم يسمع الميت في الجملة"، واستدل من الأدلة السابقة بالثالث، فالثاني، فالرابع، فالأول، ثم بما جاء في السنن أن النبي ﷺ قال: "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي ... " الحديث، وما جاء فيها من قوله: "إن الله وكَّل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام".
ثم قال: "فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبهم، وقد لا يسمع لعارض يعرض له. وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال. فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى. فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي. وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي وإن سمع الخطاب وفهم المعنى كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣].
стр. 40
وأما رؤية الميت، فقد روي في ذلك آثار عن عائشة وغيرها" (١).
وسئل ثانية: هل يعرف الميت من يزوره أم لا؟ مع أسئلة أخرى، فقال: "والميت قد يعرف من يزوره، ولهذا كانت السنة أن يقال، السلام عليكم، أهل دار قوم مؤمنين ... " الحديث (٢).
وسئل ثالثة عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم؟
فأجاب: "وأما علم الميت بالحي إذا زاره، وسلم عليه، ففي حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ^: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه، ورد ﵇". قال ابن عبد البر (في الفتاوى: "ابن المبارك" تحريف): ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، وصححه عبد الحق صاحب الأحكام" (٣).
وقال في جواب آخر: "فإن الميت يسمع النداء كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال ... " وذكر الدليل الثالث، فالثاني، فالرابع، فالأول وهو حديث ابن عباس.
وقد ذكر شيخ الإسلام تصحيح ابن عبد البر للحديث في الفتاوى (٤/ ٢٩٥) وغيره، واستدل في أكثر من عشرة مواضع من كتبه، وهو الذي افتتح به ابن القيم جوابه عن هذه المسألة.
المقارنة بين أجوبة شيخ الإسلام هذه وجواب ابن القيم تدل على أن
_________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٢ - ٣٦٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٣١).
следующие страницы →