Полный текст (877 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إذا نظرنا في هذه المسائل تبين لنا:
أ- أن معظم المسائل تتعلق بأحوال البرزخ.
ب - أن عشر مسائل منها في عذاب القبر والسؤال فيه.
ج- أن المسألة السادسة عشرة منها وهي مسألة إهداء القرب على الميت من مسائل الفقه أيضًا.
د- أن خمس مسائل منها ــ وهي: حقيقة النفس وقدمها وحدوثها، وصلتها بالروح، وتقدم خلقها على الأجساد أو تأخره، والموت له أو للبدن فقط ــ مما تعرض له الفلاسفة أيضًا.
هـ- المسألة الحادية والعشرون ــ وهي في النفس المطمئنة واللوامة والأمارة ــ من أهم مسائل تزكية النفس.
و- بعض المسائل صغير الحجم، وبعضها مطول. ومن المسائل المطولة: مسألة مستقر الأرواح (١٥) وإهداء القرب إلى الميت (١٦) وحقيقة النفس (١٩).
وقد انطوت هذه المسائل على مباحث أخرى مهمة منها: باب نفيس مطول من الفروق، ومسألة تلقين الميت، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، وغير ذلك.
стр. 37
عرض بعض مسائل الكتاب
عقدنا هذا المبحث لعرض مسائل ناقش فيها بعض أهل العلم الإمام ابن القيم، وسنضع بين يدي القارئ ما استدل به ﵀ على ما ذهب إليه وما نوقش به، وهي مسائل ثلاث كانت مثار الشك في نسبة الكتاب إلى المؤلف أو القول بأنه من أوائل مصنفاته قبل اتصاله بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
١) معرفة الأموات بزيارة الأحياء وسلامهم عليهم (ص ٥ - ٤٣).
استدل المؤلف على ذلك بما يلي:
١ - قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحَه حتى يرد ﵇"، قال ابن القيم: "فهذا نص في أنه يعرفه بعينه ويرد ﵇".
٢ - قول النبي ﷺ لقتلى بدر: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا؟ " فلما استغرب عمر نداءه قال: "والذي بعثني بالحق، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابًا". والحديث في الصحيحين.
٣ - حديث أنس في الصحيحين وفيه: "أن الميت يسمع قرعَ نعال المشيِّعين له إذا انصرفوا عنه".
٤ - تشريع السلام على أهل القبور، فقول المسلم: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان بمنزلة خطاب المعدوم والجماد.
стр. 38
٥ - تواتر الآثار عن السلف بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر به. وقد أورد المؤلف آثارًا ومنامات كثيرة ساقها ابن أبي الدنيا في كتابه القبور تحت باب "معرفة الموتى بزيارة الأحياء".
٦ - تسمية المسلِّم عليهم "زائرًا"، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره. وكذلك السلام على من لم يعلم بالمسلِّم محال.
قال: "فهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلِّم الردَّ".
٧ - استئناس الميت بالمشيِّعين لجنازته بعد دفنه كما جاء في حديث عمرو بن العاص في صحيح مسلم.
٨ - ذكر عن جماعة من السلف أنهم أوصوا أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن.
٩ - تلقين الميت.
١٠ - وقد ذكر منامات تفيد أن الموتى إذا صلى الرجل قريبًا منهم شاهدوه، وعلموا صلاته، وغبطوه على ذلك، وقال: "وهذه المرائي وإن لم تصلح بمجردها لإثبات مثل ذلك، فهي على كثرتها قد تواطأت على هذا المعنى، وتواطؤ رؤيا المؤمنين على شيء كتواطؤ روايتهم له وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه. على أنا لم نثبت هذا بمجرد الرؤيا، بل بما ذكرناه من الحجج وغيرها".
وذكر منامات أخرى كثيرة وختم المسألة بقوله: "الميت إذا عرف مثل هذه الجزئيات وتفاصيلها، فمعرفته بزيارة الحي له وسلامه عليه ودعائه له
стр. 39
أولى وأحرى".
هذه خلاصة ما قال ابن القيم وما استدل به.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هل الميت يسمع كلام زائره، ويرى شخصه؟
فأجاب: "الحمد لله رب العالمين. نعم يسمع الميت في الجملة"، واستدل من الأدلة السابقة بالثالث، فالثاني، فالرابع، فالأول، ثم بما جاء في السنن أن النبي ﷺ قال: "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي ... " الحديث، وما جاء فيها من قوله: "إن الله وكَّل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام".
ثم قال: "فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبهم، وقد لا يسمع لعارض يعرض له. وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال. فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى. فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي. وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي وإن سمع الخطاب وفهم المعنى كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣].
стр. 40
وأما رؤية الميت، فقد روي في ذلك آثار عن عائشة وغيرها" (١).
وسئل ثانية: هل يعرف الميت من يزوره أم لا؟ مع أسئلة أخرى، فقال: "والميت قد يعرف من يزوره، ولهذا كانت السنة أن يقال، السلام عليكم، أهل دار قوم مؤمنين ... " الحديث (٢).
وسئل ثالثة عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم؟
فأجاب: "وأما علم الميت بالحي إذا زاره، وسلم عليه، ففي حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ^: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه، ورد ﵇". قال ابن عبد البر (في الفتاوى: "ابن المبارك" تحريف): ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، وصححه عبد الحق صاحب الأحكام" (٣).
وقال في جواب آخر: "فإن الميت يسمع النداء كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال ... " وذكر الدليل الثالث، فالثاني، فالرابع، فالأول وهو حديث ابن عباس.
وقد ذكر شيخ الإسلام تصحيح ابن عبد البر للحديث في الفتاوى (٤/ ٢٩٥) وغيره، واستدل في أكثر من عشرة مواضع من كتبه، وهو الذي افتتح به ابن القيم جوابه عن هذه المسألة.
المقارنة بين أجوبة شيخ الإسلام هذه وجواب ابن القيم تدل على أن
_________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٢ - ٣٦٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٣١).
стр. 41
ابن القيم بنى جوابه على أجوبة شيخه، والأدلة الأربعة الأولى هي أدلة شيخه. ثم زاد عليه بعض الأدلة وأيدها بالآثار والمنامات.
لكن الفرق بين جوابيهما أن شيخ الإسلام يرى أن الميت يسمع في الجملة كما قال في جوابه الأول مرتين، وزاد في المرة الثانية أنه "لا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال". و"قد" هنا للتقليل. ويرى أن الميت قد يعرف من يزوره كما قال في جوابه الثاني، فهذه المعرفة أيضًا ليست دائمة.
أما ابن القيم فقد توسّع وعمم في كلامه. وقد نقل صاحبه ابن كثير في تفسيره (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٧) من أول المسألة إلى آخر قول ابن القيم بعد الدليل السادس. وقد حذف الاستدلال بتسمية المسلِّم زائرًا، ولكن نقل قوله: "والسلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلِّم محال". فكأن ابن كثير موافق لابن القيم في هذه المسألة وما استدل به مما نقله.
وقد ناقش الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ في مقدمته لكتاب "الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات" (ص ٩٨) دلائل القائلين بالسماع، فرد على الدليل الأول بأنه خاص بأهل القليب وكان خرقًا للعادة، وعلى الثاني بأن قرع النعال خاص بوقت وضعه في قبره. وذكر أنهم استدلوا بأحاديث أخرى لا تصح أسانيدها. ومنها حديث ابن عباس الذي نقل تصحيحه عن ابن عبد البر وصححه شيخ الإسلام وغيره (انظر ص ١٣٢).
ثم قال: "وأغرب ما رأيت لهم من الأدلة قول ابن القيم في الروح تحت المسألة الأولى ... فأجاب بكلام طويل جاء فيه ما نصه" ونقل استدلاله
стр. 42
بتسمية المسلم على الميت زائرًا وسلامه عليه وقال: "رحم الله ابن القيم فما كان أغناه عن الدخول في مثل هذا الاستدلال العقلي ... " إلخ. وقد سبق أن نقلنا تعقيبه هذا في مبحث تحقيق نسبة الكتاب.
ثم رد الأول بزيارة البيت الحرام وزيارة قباء وتسمية طواف الإفاضة بطواف الزيارة. وردّ الثاني بمخاطبة الصحابة للنبي ﷺ في تشهد الصلاة بقولهم: السلام عليك أيها النبي، وهم خلفه قريبًا أو بعيدًا في مسجده وغير مسجده (ص ٦٠).
هذا في مقدمة الكتاب، ثم في تعليقه على كلام الآلوسي أشار إلى أشياء أخرى في الرد على الاستدلال بالسلام. وذكر ابن القيم فقال (ص ١٣٢): "وكأنه ﵀ ... لم يستحضر قول شيخ الإسلام ابن تيمية في توجيه هذا السلام ونحوه، فقال في الاقتضاء (ص ٤١٦) وقد ذكر حديث الأعمى المشار إليه آنفًا (يعني قوله: يا محمد إني توجهت بك إلى ربي ... وهذا إذا افترض أن النبي ﷺ كان بعيدًا أو غائبًا عنه لا يسمعه): "هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب لشهوده بالقلب كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. والإنسان يفعل هذا كثيرًا، يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من سمع الخطاب".
قلت: جاء كلام شيخ الإسلام هذا في توجيه حديث الأعمى، ولكن استدلاله بالسلام على الميت قد ورد في الجواب عن المسألة التي نحن فيها، كما سبق.
ومما استدل به ابن القيم على معرفة الأموات بزيارة الأحياء تلقين الميت بعد الدفن، وهي المسألة الآتية.
стр. 43
٢) تلقين الميت بعد الدفن (ص ٢٩ - ٣٣).
هذه المسألة من المسائل العارضة في كتاب الروح، وقد استدل بها ابن القيم على سماع الأموات وقال: ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة وكان عبثًا. ثم ذكر أن الإمام أحمد استحسن التلقين واحتج عليه بالعمل. وذكر حديث أبي أمامة وقال: "فهذا الحديث وإن لم يثبت، فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار ومن غير إنكار كافٍ في العمل به".
أما استحسان الإمام أحمد للتلقين، فلم أجده، وإنما المذكور عنه إباحته، كما في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٩٦ - ٢٩٩) وغيره. وابن القيم نفسه لما ذكر في كتابه زاد المعاد هديَ النبي في الجنائز قال: "ولا يلقن الميت، كما يفعله الناس اليوم. وأما الحديث الذي رواه الطبراني ... لا يصح رفعه. ولكن قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يفعلونه إذا دفن الميت، يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة، اذكر ما فارقت عليه الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ما رأيت أحدًا فعل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقال ذلك ... " (١). فهذا يدل على أنه لم يكن التلقين معمولًا به في سائر الأمصار والأعصار كما ذكر في كتاب الروح.
وقد سبق في مبحث "زمن تأليف الكتاب" أن كتاب الروح من الكتب التي ألفها ابن القيم قبل زاد المعاد، فينبغي أن يعدّ قوله في الزاد آخر قوليه في المسألة.
هذا، وقد تعقب كلام المؤلف في كتاب الروح الأمير الصنعاني فقال
_________
(١) زاد المعاد (١/ ٥٢٢ - ٥٢٣).
стр. 44
في كتابه "جمع الشتيت": "وهو كما تراه في غاية الضعف فإنه يقال له أولًا: لا تشكُّ أنت ولا تنكر أن أعظم الأئمة اتباعًا واقتداء برسول الله ﷺ هم أصحابه، ونعلم يقينًا أنه لم يأت عنهم حرف واحد أنهم لقنوا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليًّا ﵃، ولا أن أحدًا من هؤلاء الخلفاء لقن ميتًا بعد دفنه، بل ولا يمكن والله أن يأتي برواية عن أحد من الصحابة أنه قام على قبر غيره وقال: يا فلان بن فلانة، ولا قام أحد على قبر صحابي يناديه. فكيف يقول ابن القيم مع إمامته إنه اتصل العمل به في سائر الأمصار والأعصار؟ ثم يقال له ثانيًا: هذا الإمام أحمد يقول: ما رأى أحدًا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، فكيف يقول:" سائر الأمصار والأعصار"، وأحمد يخبر أنه لم يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة؟ وكم من أعصار قبله خلت من وفاته ﷺ . وأما الأمصار فلم تكن انحصرت في الشام".
وقد علق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀ في نسخته من كتاب الروح تعليقًا طويلًا على أمر الاستحسان والعمل في سائر الأمصار، وقد نقلناه منه في موضعه.
٣) قراءة القرآن وإهداؤها للميت (ص ٤١٦ - ٤١٨).
وهي جزء من المسألة السادسة عشرة من مسائل الكتاب في انتفاع الموتى بسعي الأحياء، أجاب عنها ابن القيم بجواب طويل مستفيض ذكر فيه أولًا: أن أهل السنة مجمعون على الانتفاع بأمرين، أحدهما: ما تسبب إليه الميت، والثاني: الدعاء والاستغفار له والصدقة والحج عنه. وإنما الخلاف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر. ثم ساق أدلة
стр. 45
انتفاع الميت بما تسبب إليه وما لم يتسبب، فذكر أدلة وصول ثواب الصدقة والصوم والحج. ثم قال: "وهذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه، وهذا محض القياس، فإن الثواب حق للعامل فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يُمنع من ذلك".
وقال أيضًا: "وقد نبه النبي ﷺ بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك ونية تقوم بالقلب ... على وصول ثواب القرآن التي هي عمل باللسان وتسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأولى ... والعبادات قسمان: مالية وبدنية. وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب سائر العبادات البدنية. وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية. فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار".
ثم ذكر أدلة المانعين من الوصول، ثم أدلة المقتصرين على وصول العبادات التي يدخلها النيابة كالصدقة والحج، ثم جواب القائلين بالوصول عن أدلة الفريقين. وهو جواب مطول قرر في آخره أن قراءة القرآن وإهداءها للميت تطوعًا بغير أجرة تصل إليه.
وهذا هو جواب شيخ الإسلام أيضًا لما سئل عن ذلك فقال: "من قرأ القرآن محتسبًا وأهداه إلى الميت نفعه ذلك" (١). فكأن جواب ابن القيم تفصيل وتشييد لجواب شيخ الإسلام. وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي. والمشهور من مذهب الشافعي ومالك أن العبادات البدنية لا يصل ثوابها إلى الميت.
_________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٠).
стр. 46
وقد أورد ابن القيم في آخر المسألة إيرادات على قوله، ثم أجاب عنها. وقد ناقش السيد رشيد رضا في تفسير المنار إجابات ابن القيم فقال: " ... وهو لم ينس من حجج المانعين لوصول ثواب قراءة القرآن ونحوها عدم نقل شيء من ذلك عن السلف، ولكنه وهو من أكبر أنصار اتباع السلف قد أجاب عن هذه الحجة بجواب ضعيف جدًّا".
وبعد ما ساق كلام ابن القيم بطوله، بدأ ردَّه عليه بقوله:
"عفا الله عن شيخنا وأستاذنا المحقق، فلولا الغفلة عن تلك المسألة الواضحة لما وقع في هذه الأغلاط التي نردها عليه ببعض ما كان يردها هو في غير هذه الحالة، وسبحان من لا يغفل ولا يعزب عن علمه شيء".
ثم ردّ على جواب ابن القيم ردًّا مفصلًا.
ومما قال في ردّه على تعليل ابن القيم عدمَ نقلِ شيء من هذه الأعمال لحرص السلف على كتمان أعمال البر: "ما من نوع من أنواع البر المشروعة إلا وقد نقل عنهم فيه الكثير الطيب، حتى الصدقات التي صرح القرآن بتفضيل إخفائها على الإبداء تكريما للفقراء وسترا عليهم، ولما قد يعرض فيها من المن والأذى والرياء المبطلة لها. وقراءة القرآن للموتى ليست كذلك حتى إن المراءاة بها مما لا يكاد يقع؛ لأن الذي يقرأ لغيره لا يعد من العباد الممتازين على غيرهم فيكتمه خوف الرياء. ثم أين الذين نصبوا أنفسهم للإرشاد والقدوة والدعوة إلى الخير من الصحابة والتابعين، لِمَ لم يؤثر عنهم قول ولا فعل في هذا النوع من البر الذي عم بلاد الإسلام بعد خير العصور لو كان مشروعا؟ فهل يمكن أن يقال: إنهم كانوا يتركون الأمر بالبر، كما قيل جدلا: إنهم أخفوا هذا النوع منه وحده؟ كلا، إنهم كانوا هداة
стр. 47
بأقوالهم وأعمالهم، وتأثير الأعمال في الهداية أقوى".
وأما قول ابن القيم: إن القائل بأن أحدًا من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به .. إلخ. فرد عليه السيد رشيد رضا بقوله: "الذي يثبت ما ذكر للسلف أجدر بقول ما لا علم له به، وناهيك به إذا كان معترفا بأنه لم ينقل ذلك عن أحد منهم، والنفي هو الأصل، وحسب النافي نفيه للنقل عنهم في أمر تدل الآيات الصريحة على عدم شرعيته، ويدل العقل وما علم بالضرورة من سيرتهم أنه لو كان مشروعا لتواتر عنهم أو استفاض".
أما قول ابن القيم: "وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله الله إليه، فما الذي خصَّ من هذا ثواب قراءة القرآن وحجر على المرء أن يوصله إلى أخيه"، فقال في مناقشته: "لم نكن ننتظره من أستاذنا ومرشدنا إلى اتباع النقل في أمور الدين دون النظريات والآراء، على أن هذه القاعدة النظرية غير مسلمة؛ فإن الثواب أمر مجهول بيد الله تعالى وحده كأمور الآخرة كلها، فإنها من علم الغيب التي لا مجال للعقل فيها. وما وعد الله تعالى به المؤمنين الصالحين المخلصين له الدين من الثواب على الإيمان والأعمال بشروطها لا يعرفون كنهه ولا مستحقه على سبيل القطع؛ ولذلك أمروا بأن يكونوا بين الخوف والرجاء، ولا يوجد في الآيات ولا الأخبار الصحيحة ما يدل على أن العامل يملك ثواب عمله وهو في الدنيا كما يملك الذهب والفضة أو القمح والتمر فيتصرف فيه كما يتصرف فيها بالهبة والبيع".
وقول ابن القيم: "وهذا عمل الناس حتى المنكرين في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء"، ردّ عليه السيد رشيد رضا بقوله:
стр. 48
"وعمل الخلف وحده في أمر تعبدي كهذا لا حجة فيه، على أنهم لم يجمعوا عليه" (١).
والغريب أن الأمير الصنعاني الذي وصم ابن القيم في مسألة التلقين بالتعصب، نقل معظم كلامه في مسألة إهداء القُرَب وقال: "فإن قلت: هذا شيء ما فعله سلف الأمة من الصحابة وغيرهم، وهم أحرص الناس على الخير. قلت: قد فعله هذا الصحابي لأشرف خلق الله ــ يعني قول أبيّ لرسول الله ﷺ : أجعل لك صلاتي كلها، والمقصود: الصلاة على النبي ﷺ ــ ومن أين لك أنه لم يفعل السلف ذلك، فإنه لا يشترط في هذه الهبة إشهاد الناس عليها ولا إخبارهم بها؟ وهب أنه ما فعل هذا أحد منهم فإنه لا يقدح فيهم لأنه مندوب لا واجب، ولأنه قد ثبت لنا دليل جواز فعله سواء سبقنا إليه أحد أو لا؟ " (٢).
وإهداء القُرَب إلى النبي ﷺ ــ الذي رآه شيخ الإسلام وغيره بدعة (٣)، فإن الصحابة لم يكونوا يفعلونه ــ استدل الأمير على جوازه أيضًا بقول أُبيّ!
_________
(١) تفسير المنار (٨/ ٢٢٦ - ٢٣٠).
(٢) تأنيس الغريب (ص ١٨٨).
(٣) جامع المسائل (٤/ ٢٥٤).
стр. 49
موارد الكتاب
موارد المؤلف في كتاب الروح نوعان: أحدهما نقول من الكتب سمَّاها أو سمَّى أصحابها، والآخر نقول شفوية أسندها إلى بعض شيوخه وأصحابه. أما النصوص التي نقلها من كتب شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية فصرَّح بالنقل عنه أحيانًا، ولم يصرح أحيانًا أخرى. وهذا منهجه المعروف في النقل عن شيخه.
وكثيرًا ما يغفل الإشارة إلى مصدره، وقد يذكر مؤلفه في خلال النقل، وقد يحيل على مصدر، مع أنه نقل منه بواسطة كتاب آخر، وقد يكون صاحب هذا المصدر الوسيط واهمًا في النقل، فينتقل وهمه إلى كتاب الروح. وقد نبهت على ما وقفت منه في حواشي الكتاب.
وقد رأيت أن أتحدث عن موارد المؤلف في هذا الكتاب مسألة مسألة، ولا أشير إلى الصحيحين والموطأ وكتب السنن ونحوها لاستفاضة النقل منها، وستأتي أسماؤها مع أماكنها في الفهرس الخاص بالكتب المذكورة في المتن.
* المسألة الأولى في معرفة الأموات بزيارة الأحياء وسلامهم عليهم.
بُنِيت هذه المسألة ــ فيما ظهر لي ــ على بعض فتاوى شيخ الإسلام كالفتوى الواردة في المجموع، وقد سئل عن معرفة الميت بزائره وسماعه لكلامه (٢٤/ ٣٠٣٩) و (٢٤/ ٣٦٢). وتصحيح ابن عبد البر لحديث: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه ... " والاستدلال بالسلام على الموتى على معرفتهم بالمسلِّم كلاهما مأخوذ من كلام الشيخ، وإن لم يشر المؤلف إلى ذلك.
стр. 50
ومن موارد هذه المسألة: كتاب القبور لابن أبي الدنيا. وقد نص المؤلف عليه وعلى الباب الذي نقل منه، وهو "باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء"، ومطبوعة كتاب القبور ناقصة، والباب المذكور ساقط منها. وقد وردت بعض الأخبار التي ساقها المؤلف في كتاب المنامات لابن أبي الدنيا أيضًا، ولكن المصدر الرئيس في هذه المسألة كتاب القبور.
ومن مواردها: كتاب القراءة عند القبور من كتاب الجامع للخلال.
ونقل فيها عن عبد الحق الإشبيلي، والمصدر كتابه العاقبة في ذكر الموت. وعن ابن عبد البر، والنقل من كتابه الاستيعاب.
ونقل حكاية عن ابن الجوزي، ولكن لم يسم الكتاب الذي أخذها منه، والجدير بالذكر أنها وردت في المنتظم والثبات عند الممات ــ وكلاهما لابن الجوزي ــ على وجه مختلف.
* المسألة الثانية في تزاور أرواح الموتى وتذاكرها.
بعض الأخبار التي نقلها المؤلف في هذه المسألة وعزاها إلى ابن أبي الدنيا قد وردت في كتاب المنامات وكتاب ذكر الموت له، ولكن يظهر أن مصدرها أيضًا كتاب القبور، فإني رأيت بعضها في كتاب الإصابة معزوًّا إلى كتاب القبور.
* المسألة الثالثة في تلاقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات.
في أول هذه المسألة نقل كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية، بشيء من التصرف والتعليق عليه من "شرح حديث النزول". ولم يذكر الشيخ إلا في أثناء النقل إذ قال: "واختار شيخ الإسلام هذا القول وقال: ... ". ثم خلط
стр. 51
تعليقه وقول الشيخ، وأوهم سياقه أن قوله: "والتحقيق أن الآية تتناول النوعين ... " من كلامه هو، كما فهم شمس الدين السفاريني في البحور الزاخرة (١/ ١٢٦)، مع أنه تحقيق شيخ الإسلام.
ثم نقل منامات كثيرة معظمها من كتاب "المنامات" لابن أبي الدنيا، دون الإشارة إلى الكتاب أو مؤلفه. وبعضها من كتاب العاقبة، وذكر مؤلفه في موضعين.
ومن موارد هذه المسألة: كتاب "النفس والروح" لابن منده وهو مفقود، وكتاب "المجالسة" للدينوري، والنص المنقول منه لم يرد في مخطوطاته.
وثمة حكايات غريبة نقلها عن علي بن أبي طالب القيرواني العابر، ولم يذكر كتابه، ولعله كتاب "البستان" الذي أحال عليه في المسألة السابعة.
وختم المسألة بأن "غير واحد ممن كان غير مائل إلى شيخ الإسلام ابن تيمية" حدثه أنه رآه بعد موته وسأله عن شيء كان يشكل عليه في مسائل الفرائض وغيرها، فأجابه بالصواب. وليته سمَّى بعض أولئك!
* المسألة الرابعة: الموت للروح أو للبدن وحده؟
من مصادرها: كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي، وقد سمَّى المؤلف دون الكتاب.
ومنها: زاد المسير لابن الجوزي، نقل منه أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
стр. 52
وحكى فيها عن شيخه الحافظ أبي الحجاج المزي قوله في حديث: إنه دخل على الراوي في حديث آخر.
* المسألة السادسة في عودة الروح إلى الميت في قبره وقت السؤال.
فيها عدة نقول من شرح حديث النزول لشيخ الإسلام. وبعضها من غير تصريح بأنه من كلام الشيخ.
ونقل فيها من كتاب الملل والنحل لابن حزم، وكتاب النفس والروح لابن منده، وقد يكون نقله من الكتاب الأخير بواسطة شرح حديث النزول لشيخ الإسلام.
* المسألة الملحقة بالسادسة في عذاب القبر هل هو على النفس والبدن أو أحدهما؟
إذا استثنينا أقوال الإمام أحمد فالمسألة كلها بأحاديثها وآثارها وأقوالها مأخوذة من مصدرين: فتوى لشيخ الإسلام، والتذكرة للقرطبي. وقد صرّح المؤلف في أولها بأن شيخ الإسلام قد سئل عن هذه المسألة وهو ذاكر "لفظ جوابه"، والمسألة في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٢ - ٢٩٥). أما تذكرة القرطبي فلم يشر إليها المؤلف، وقد ساق الأحاديث مساق القرطبي، فوهم في بعضها. ونقل ثلاثة آثار من كتاب الطاعة والمعصية لعلي بن معبد بأسانيدها، وهي في التذكرة محذوفة الأسانيد، فلا أدري أنقلها من كتاب ابن معبد مباشرة، أم كانت عنده نسخة أخرى من التذكرة؟ ومن التذكرة نقل أقوال المعتزلة في عذاب القبر. وتصرف في النقل في بعض المواضع، فوقع في الخطأ، كما ستراه في موضعه.
стр. 53
* المسألة السابعة في الرد على المنكرين لعذاب القبر وسعته وضيقه.
من مواردها: كتاب التذكرة، وقد بنى بعض أجوبته على كلام القرطبي دون إشارة إليه؛ وكتاب المحتضرين لابن أبي الدنيا، ولم ينص على اسم الكتاب؛ وكتاب القبور له.
وأحال للمنامات على كتاب المنامات لابن أبي الدنيا، وكتاب البستان للقيرواني العابر.
ونقل خبرًا عن شيخ الإسلام بلفظ "أخبرني شيخنا عن بعض المحتضرين، فلا أدري أشاهد أو أُخبر عنه ... ".
ونقل خبرين عن اثنين من أصحابه، فقال في الخبر الأول: "حدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الرُّزيز الحرّاني أنه خرج من داره ... ". وصفه ابن كثير بالإمام العالم العابد الناسك العالم خطيب الجامع الكريمي بالقُبَيبات، وأرخ وفاته في سنة ٧٤٣. انظر ترجمته في البداية والنهاية (١٨/ ٤٥٨). وقد تصحف "الرُّزيز" في المراجع إلى "الوزير" و"رزين".
وقال في الخبر الثاني: "حدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد ابن منتاب السلامي، وكان من خيار عباد الله، وكان يتحرى الصدق. قال: جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد ... ".
وقد ترجم لابن منتاب الصفديُّ في أعيان العصر (٤/ ٤٣٧) وابن حجر في الدرر الكامنة (٣/ ٤٣٧). وتوفي بدمشق سنة ٧٢٨، كما سبق.
* المسألة العاشرة في الأسباب المنجية من عذاب القبر.
من مواردها: مسند عبد بن حميد، والتمهيد لابن عبد البر، ومسند
стр. 54
الطيالسي، والترغيب والترهيب لأبي موسى المديني، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم، ولم ينص على الكتابين الأخيرين.
ومن مواردها: تذكرة القرطبي، وقد انخدع بطريقته في النقل، وذلك أن الحكيم الترمذي فسر قوله ﷺ : "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" في كتابه نوادر الأصول، ونقل القرطبي جزءًا منه وقال في آخره: "قاله الترمذي الحكيم"، ثم قال: "قلتُ: إذا كان الشهيد لا يفيق ... ". مع أن قوله هذا تتمة كلام الحكيم، ويجب حذف "قاله الترمذي الحكيم. قلت". وقد نقل ابن القيم تفسير الترمذي الحكيم أولًا دون الإشارة إليه، مما يوهم أنه تفسير ابن القيم، ثم قال: "قال أبو عبد الله القرطبي: إذا كان الشهيد ... " وردّ عليه.
ونقل فيها عن شيخ الإسلام تعظيمه لحديث عبد الرحمن بن سمرة في رؤيا النبي ﷺ الطويلة. قال: "سمعت شيخ الإسلام يعظم أمر هذا الحديث ... ".
* المسألة الحادية عشرة في كون السؤال في القبر عامًّا للمسلمين والمنافقين والكفار.
نقل فيها من التمهيد قول ابن عبد البر: إن الفتنة في القبر لا تكون إلا للمؤمن والمنافق، وردّ عليه.
* المسألة الثانية عشرة في اختصاص السؤال في القبر بهذه الأمة أو عمومه.
نقل فيها أقوال الحكيم الترمذي وعبد الحق الإشبيلي والقرطبي، ومصدرها جميعًا تذكرة القرطبي.
стр. 55
* المسألة الثالثة عشرة في امتحان الأطفال في قبورهم.
مبناها على فتوى شيخ الإسلام الواردة في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٧، ٢٨٠) وجامع المسائل (٤/ ٢٢٢).
* المسألة الرابعة عشرة في دوام عذاب القبر وانقطاعه.
من مواردها: كتاب القبور لابن أبي الدنيا، ولم يسم الكتاب.
* المسألة الخامسة عشرة في مستقر الأرواح في البرزخ.
من أهم مواردها: التمهيد لابن عبد البر، ثم كتاب النفس والروح لابن منده، ثم كتاب الفصل في الملل والنحل لابن حزم. ولم يسم الكتب، وإنما ذكر أصحابها. وبعض النصوص المنقولة من الملل والنحل لم ترد في نسخته المطبوعة.
ومنها: كتاب الرد على ابن قتيبة لمحمد بن نصر المروزي (ص ٣٨٠).
* المسألة السادسة عشرة في انتفاع أرواح الموتى بشيء من سعي الأحياء.
من مواردها: مسائل الإمام أحمد برواية محمد بن يحيى الكحال، والمفهم في شرح صحيح مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي، والرعاية لأبي عبد الله ابن حمدان.
ومما لم يسمه: الاستذكار لابن عبد البر، والصحاح للجوهري.
ونقل فيها نصًّا من بعض كتب أبي الوفاء ابن عقيل.
ومن مواردها: فتوى شيخ الإسلام عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ
стр. 56
إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٦ - ٣٢٤) وقد ذكر قول طائفة إن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما نفى ملكه لغير سعيه، ثم قال: "وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها".
* المسألة السابعة عشرة في قِدم الروح وحدوثها.
من مواردها: فتوى شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٤/ ٢١٦ - ٢٣١) وقد نقل ابن القيم نصًّا طويلًا منها (٤٢٤ - ٤٢٧).
ومنها: كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد. وقد يكون نقله بواسطة الفتوى المذكورة، ولكن في اللفظ اختلاف.
وفي الكلام على الإضافة إلى الله يبدو أنه صادر عن كتاب الجواب الصحيح لشيخ الإسلام (٢/ ١٥٥ - ١٦١).
ومنها: كتاب النفس والروح لابن منده، وقد نقل من خطبة الكتاب، ثم نقل بعض الأحاديث والآثار منه.
ومنها: كتاب محمد بن نصر المروزي، ولعله "الرد على ابن قتيبة" وقد سماه في المسألة الخامسة عشرة. وقد يكون مصدر النقل كتاب ابن منده.
* المسألة الثامنة عشرة في تقدم خلق الأرواح على الأجساد أو تأخره.
ذكر فيها أن في المسألة قولين حكاهما شيخ الإسلام وغيره. وقد ذكر الشيخ القولين في درء التعارض (٨/ ٤١٤).
وفيها كلام مفصل على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. وقد ذكر ابن
стр. 57
رُشيِّق المغربي في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام "ثلاث قواعد، أكثر من سبعين ورقة" (١) في الآية المذكورة. ولعلها من أهم موارد ابن القيم في هذه المسألة.
ومن مواردها: كتاب النفس والروح لابن منده، والتفسير البسيط للواحدي، وأقوال أبي إسحاق الزجاج وابن الأنباري وغيرهما كلها مأخوذة منه؛ والملل والنحل لابن حزم، والتمهيد لابن عبد البر، ونظم القرآن لأبي علي الجرجاني، وبعض النصوص المنقولة منه قد وردت في البسيط. ولم يذكر المؤلف الكتب المذكورة، وإنما سمَّى مؤلفيها بعض الأحيان.
ونقل من تفسير ابن عيينة، ولكن يبدو أن مصدره كتاب محمد بن نصر المروزي.
وقد ذكر مرة واحدة الزمخشري وابن الجوزي والواحدي والماوردي، والمقصود من كتبهم: الكشاف، وزاد المسير، والبسيط، والنكت والعيون.
والأقوال التي نقلها في تجريح أبي جعفر الرازي كلها في تهذيب الكمال لشيخه المزي إلا قول ابن حبان فهو في كتاب المجروحين له.
* المسألة التاسعة عشرة في حقيقة النفس.
من مواردها: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، والملل والنحل لابن حزم.
ونقل فيها نصًّا للفخر الرازي لم أجده في كتابه في النفس ــ والغريب أن ابن القيم لم يرجع إليه ــ ولا في تفسيره وما وقفت عليه من كتبه.
_________
(١) الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٨٦).
стр. 58
ونقل فيها حكاية عن القاضي نور الدين بن الصائغ المتوفى سنة ٧٤٩.
ومن مواردها: كتاب المنامات لابن أبي الدنيا وقد سمَّى الكتاب، وغريب الحديث لابن قتيبة ولم يذكر الكتاب، وكتاب الاستذكار وقد ذكر مؤلفه، والصحاح للجوهري، نقل منها تفسير كلمة الجسم. وكتاب الرؤيا لمسعدة، ولعله مسعدة بن اليسع بن قيس الباهلي، ولم أقف على خبر لهذا الكتاب.
ونقل بعض المنامات عن القيرواني العابر، وهو صاحب كتاب البستان الذي نقل منه في بعض المسائل السابقة.
في هذه المسألة أفاض ابن القيم في إثبات جسمية الروح، ثم ساق ٢٢ دليلًا للمنازعين. وقد ذكر الآلوسي الكبير (١) أن للشيخ "الرئيس رسالة مفردة في ذلك سماها بالحجج العشر .. (٢). وابن القيم زيَّف حججه في كتابه". وقد رجعت إلى هذه الرسالة ورسالة أخرى لابن سينا في معرفة النفس، وكذلك إلى كتابيه "النجاة" و"الشفاء"، ولكن لم أجد فيها إلا بعض الدلائل التي ذكرها ابن القيم هنا. وقد نقل دليلًا منها عن أبي البركات البغدادي، ولم أجده في كتاب المعتبر له، ولعله في كتابه في النفس، وقد وصلت إلينا قطعة منه، ولكن ليس فيها النص المنقول هنا. وقد تكون دلائل أخرى أيضًا منقولة من الكتاب المذكور.
_________
(١) روح المعاني (١٥/ ١٥٦).
(٢) في مطبوعة روح المعاني:" الغر"، ولعله تصحيف. والرسالة مطبوعة في دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد الدكن.
стр. 59
ولا أدري أكان كتاب أبي بكر الرازي (ت ٣١٣) في أن النفس ليست بجسم (١) من موارد المؤلف في هذه المسألة أم لا؟
وقد رد ابن القيم على أدلة المنازعين جميعًا ردًّا مفصلًا، ولم أقف ــ مع الأسف ــ على موارد ابن القيم فيها. وقد أورد ضمنها قولًا لابن سينا، وهذا أيضًا لم أجده.
* المسألة العشرون: هل النفس والروح شيء واحد أو شيئان متغايران؟
من مواردها: الصحاح للجوهري، نقل منه تفسير النفس؛ وكتاب النفس والروح لابن منده.
* المسألة الحادية والعشرون: هل النفس واحدة أو ثلاث؟
نقل فيها أقوال المفسرين في "النفس المطمئنة" من تفسير الطبري دون الإشارة إليه. وفيها باب مطول من الفروق، لم يصدر فيها ابن القيم عن كتاب آخر، بل معظم الكلام من نتائج فكره وفيض خاطره.
_________
(١) انظر: الفهرست للنديم (٢/ ٣١١)، وهذا غير كتابيه الكبير والصغير في النفس.
стр. 60
الصادرون عنه
الصادرون عن كتاب الروح كثيرون، معظمهم صرَّح بمصدره، فسمَّى الكتاب والمؤلف جميعًا أو اكتفى بذكر المؤلف. ومنهم من نقل دون الإشارة إلى الكتاب أو مؤلفه. ومن هؤلاء: الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤) وابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢) شارح العقيدة الطحاوية.
أما الأول فقد نقل في تفسيره (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٧) نصًّا طويلًا من المسألة الأولى في معرفة الأموات بزيارة الأحياء بشيء من الاختصار. وتأثره بابن القيم بادٍ أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وأما ابن أبي العز الحنفي، فقد ساق في شرح الطحاوية (٢١٩ - ٢٢٠) الوجوه العشرة كلها التي استدلّ بها ابن القيم على رأيه من نظم الآية المذكورة. وكذلك نقل من المسائل (٤، ٥، ٧، ١٢، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ٢٠، ٢١)، ولخص عدة مسائل منها كاملة. انظر شرح الطحاوية (٣٨٤ - ٤٠١)، (٤٥٨ - ٤٦٥).
والذين صرحوا بالنقل بين مكثر ومقل.
أما المكثرون، فمنهم:
- شمس الدين محمد بن محمد المنبجي الحنبلي (ت ٧٨٥).
وقد ألَّف كتابه "تسلية أهل المصائب" سنة ٧٧٧ إثر الطاعون الذي مات فيه ألوف من الناس. نقل فيه من كتاب الروح بالنص في الصفحات
стр. 61
(٢٧١، ٢٧٧ - ٢٧٨، ٢٨٤، ٢٨٨، ٢٩١، ٢٩٦). وهي من الباب الخامس والعشرين في أن الله يثبت الذين آمنوا عند السؤال في القبر، والباب السادس والعشرين في اجتماع الأرواح وهيئتها وأين محلها. وقد جمع في البابين عدة مسائل من مسائل كتاب الروح.
ولا تظن أن الاستفادة من كتاب الروح محصورة في الصفحات المذكورة، بل نصوص أخرى كثيرة مصدرها كتابنا هذا. منها جواب شيخ الإسلام الذي أورده ابن القيم في أول المسألة الملحقة بالسادسة، وقد عقب في أثنائه على كلام الشيخ للتوضيح، دون تنبيه، فنقله المنبجي (ص ٢٩١ - ٢٩٣) على أنه كله من كلام شيخ الإسلام. ولم يشر إلى أنه نقله من كتاب الروح.
- ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥).
كتابه "أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور" أصله كتاب أخبار يشاركه في معظم أبوابه كتاب الروح. ولم يذكر ابن رجب كتاب شيخه إلا في موضع واحد (٦٨ - ٦٩) إذ نقل قصتين إحداهما رواها ابن القيم عن ابن منتاب السلامي التاجر والأخرى عن صاحبه ابن الرزيز الحراني. ولكن ابن رجب قد نسج في أبواب كثيرة من كتابه على منوال شيخه، وعدد كبير من الآثار والأخبار التي أوردها فيه مصدرها كتاب الروح. وحسبك أن تلقي نظرة خاطفة في الباب التاسع من كتاب الأهوال في ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ، الذي يقابل المسألة الخامسة عشرة في كتاب الروح.
- جلال الدين السيوطي (ت ٩١١).
له كتاب "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور". وهو أيضًا في
стр. 62
أصله كتاب أخبار ويشارك كتاب الروح في أبواب كثيرة. وقد ختم كتابه بفوائد تتعلق بالروح وقال بصراحة: "لخصت أكثرها من كتاب الروح لابن القيم" (٤١٤). وهو أيضًا في مسألة مستقر الأرواح قد اعتمد كثيرًا على كتاب الروح. والمواضع التي سمى فيها ابن القيم هي: (١٩٩، ٢٠١، ٢١٠، ٢٤٥، ٢٤٧، ٢٧٥، ٢٩٧، ٣١٢، ٣١٣، ٣١٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٥، ٣٣٢، ٣٥١، ٣٥٢، ٤١٤، ٤٢١، ٤٢٢).
وقد نقل السيوطي في مؤلفاته الأخرى أيضًا من كتاب الروح. ومنها الحاوي للفتاوي (١/ ٢١٢)، (٢/ ١٦٥، ١٦٦) والحبائك في أخبار الملائك (ص ٢٦٣).
- شمس الدين محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي (ت ١١٨٨).
وهو في مؤلفاته كثير الاعتماد على كتب شيخ الإسلام وابن القيم، وينقل فصولًا كاملة منها. وله كتاب كبير سماه "البحور الزاخرة في أحوال الآخرة" ضمّنه نصوصًا كثيرة من كتاب الروح، فالصفحات (١/ ١٠٠ - ١٣٠) قلما تخلو صفحة منها من قوله: "قال المحقق" يعني ابن القيم. وانظر النقول من كتاب الروح في (١/ ١٧٨ - ١٨١، ٢٠٢ - ٢٠٤، ٢١٩ - ٢٢٨، ٢٣٤، ٢٤٠ - ٢٤٥، ٢٧٠ - ٢٧٥، ٢٧٨ - ٢٨١، ٢٩٨، ٣٠٢ - ٣٠٣، ٣١٤ - ٣١٩).
وكذلك نقل منه في كتابه لوامع الأنوار البهية (٢/ ٨، ٩، ١٠، ١٢، ١٧ - ٦٣، ١٥٧) وغذاء الألباب (١/ ٨٧، ٣٦٠)، (٢/ ١٧٣) وشرح ثلاثيات المسند (١/ ٥٨٤ - ٥٨٧، ٥٨٨، ٧٣٣، ٧٣٤ - ٧٣٧).
- محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (ت ١١٨٠).
للسيوطي أبيات في تثبيت الميت شرحها الأمير الصنعاني وسمَّى
стр. 63
الشرح "جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت"، ثم نظم تكملة أبيات السيوطي وشرحها أيضًا وسماه "تأنيس الغريب وبشرى الكئيب بلقاء الحبيب"، وقد طبع التأنيس في ذيل جمع الشتيت في كتاب واحد. ولما كانت الأبيات في مساءلة الميت وعذاب القبر وما إليه نقل الشارح نصوصًا طويلة من كتاب الروح. انظر الصفحات (٣٤، ٤٥، ٤٩ - ٥٤، ٥٥ - ٥٦، ٥٩ - ٦٧، ٧٩، ٨١ - ٨٢، ٨٣ - ٨٥، ٩٤، ١٠٧ - ١٠٩، ١٤١ - ١٤٢). أما "تأنيس الغريب" الذي يشغل الصفحات (١٦٣ - ١٨٨) من الكتاب فلا تخلو صفحة منه من كلام ابن القيم.
وقد تعقب الأمير أحيانًا ابن القيم في بعض المسائل منها مسألة تلقين الميت (٨٠)، وتقدم خلق الأرواح على الأجساد (١٧٥)، كما سبق.
وقد نقل الأمير من كتاب الروح، وأحال عليه في كتابه سبل السلام (٢/ ١١٣، ١١٤) أيضًا.
وأما المقلون، فمنهم:
- ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢) في فتح الباري (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠)، (٦/ ٤٤٤، ٤٤٥)، (٨/ ٤٠٣).
- ومحمد بن يوسف الصالحي (ت ٩٤٢) في سبل الهدى والرشاد (٢/ ٣٥٩)، (٣/ ١٨٦، ٥٦٨).
- وزين الدين المناوي (ت ١٠٣١) في فيض القدير شرح الجامع الصغير (٢/ ٥٠٥)، (٣/ ٣٤، ١٥٨، ٢٥١)، (٤/ ٥٧، ٣٦٦، ٤٠٨).
- ومنصور بن يونس البهوتي الحنبلي (ت ١٠٥١) في كشاف القناع عن متن الإقناع (١/ ٦٠٨، ٦٣٤).
стр. 64
- وصالح بن محمد العمري الفُلَّاني (ت ١٢١٨) في إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار (١١٣).
- ومصطفى بن سعد الرُّحيباني (ت ١٢٤٣) في مطالب أولي النهى (١/ ٩٠٩، ٩٢٧).
- وابن عابدين (ت ١٢٥٢) في حاشيته على الدر المختار (٢/ ١٩٢، ٢٤٣).
- والآلوسي الكبير (ت ١٢٧٠) في روح المعاني (١٥/ ١٥٢ - ١٦٢) تحت قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ وقد أحال عليه في (٢٣/ ٥٧)، (٣٠/ ٩٨) أيضًا.
стр. 65
أهمية الكتاب والثناء عليه
المسائل التي احتوى عليها كتاب الروح ــ سواء أكانت رئيسة أم جلبها الاحتجاج أو الاستطراد ــ منها مسائل شريفة هي نفسها في غاية الأهمية لصلتها بالعقيدة أو تزكية النفس. وقد تكون أهميتها راجعة إلى المنهج الذي سلكه ابن القيم في تناولها من حيث الشمول والإحاطة وحشد المذاهب وأدلتها ثم الفصل بينها وترجيح الراجح منها في ضوء الكتاب والسنة.
ومن القسم الأول: المسائل المتعلقة بعذاب القبر. وهي عشر مسائل، ولا سيما المسألة السابعة في الرد على الملاحدة والزنادقة المنكرين لعذاب القبر وسعته وضيقه وقولهم: إنا نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة يعذبون الموتى بمطارق الحديد، ولا نجد هناك حيَّات ولا ثعابين ولا نيرانًا تأجَّجُ. ولو كشفنا حاله في حالة من الأحوال لوجدناه لم يتغير. ولو وضعنا على يمينه الزئبق وعلى صدره الخردل لوجدناه على حاله إلخ.
أشار السيوطي في أبيات التثبيت إلى هذا الاعتراض وجواب القاضي ابن العربي عنه وأن إمام الحرمين نحا نحوه في كتاب الإرشاد، وكذا الغزالي في الإحياء. قال:
وحجةُ الإسلام في الإحياء ... وكم إمامٍ راح ذا اكتفاء
يريد أن جماعة من الأئمة اكتفوا بجواب القاضي ابن العربي. كذا فسَّره الأمير الصنعاني ثم قال: "واعلم أنه قد بسط الجواب وزاد عليه ابن القيم ﵀ في كتاب الروح، ولا غناء عن استيفاء ما ذكره؛ فإن المسألة مهمة، والإيمان بها متعين. قال في بسط كلام ابن العربي وإن لم يتعرض لذكره
стр. 66
لكنه يصلح بسطًا له ما لفظه: ... " (١). ثم نقل المسألة.
ولأهمية هذا المبحث أفرده بعض علماء الهند وسماه "الرسالة القبرية في الرد على منكري عذاب القبر من الزنادقة والقدرية". ونشرها ضمن مجموعة صدرت باسم "الهدية السعيدية فيما جرى بين الوهابية والأحمدية" (٢).
ومن المسائل التي اتسمت بالتتبع الشديد والاستقصاء البالغ: مسألة مستقر الأرواح بعد الموت إلى قيام الساعة. ولم يبالغ ابن القيم إذ قال بعد ذكر مذاهب الناس في ذلك: "فهذا ما تلخص لي من جميع أقوال الناس في مصير أرواحهم بعد الموت، ولا تظفر به مجموعًا في كتاب واحد غير هذا البتة". ومن ثم كلُّ من تكلم على هذه المسألة بعد ابن القيم كان عالةً عليه.
ومنها أيضًا: مسألة حقيقة النفس. وقد حشد في إثبات جسميتها نحو ١١٥ وجهًا. ثم ساق ٢٢ دليلًا للمنازعين وقال في ذلك: "فهذا كل ما موهت به هذه الطائفة المبطلة من منخنقة وموقوذة ومتردية، ونحن نجيبهم عن ذلك كله فصلًا بفصل بحول الله وقوته ومعونته". وقد استغرقت هذه المسألة نحو السُّبع من حجم الكتاب. قال الآلوسي الكبير: "وردَّ هذا المذهب ــ يعني كون الروح جوهرًا مجردًا لا خارج العالم ولا داخله ــ ابنُ القيم في كتاب الروح بما لا مزيد عليه" (٣). وقال في موضع آخر: "وتحقيق
_________
(١) جمع الشتيت (ص ٤٩).
(٢) انظر: ابن قيم الجوزية للشيخ بكر أبو زيد (٢٥٤).
(٣) روح المعاني (٢٣/ ٥٧).
стр. 67
ذلك بما لا مزيد عليه في كتاب الروح للعلامة ابن القيم عليه الرحمة" (١).
إن قول الآلوسي هذا ــ وهو مَن هو في الاطلاع على كتب الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة ــ يُعَدُّ شهادة كبيرة بقيمة هذا المبحث من كتاب الروح.
ومن مسائل الكتاب ــ وهي المسألة الخامسة ــ أن الأرواح، بعد مفارقة الأبدان إذا تجردت، بأي شيء يتميز بعضها من بعض، حتى تتعارف وتتلاقى؟ وقد نبَّه المصنف نفسه على أنها مسألة نادرة " لا تكاد تجد من تكلم فيها، ولا تظفر فيها من كتب الناس بطائل ولا غير طائل، ولاسيَّما على أصول من يقول بأنها مجردة عن المادة وعلائقها"
أما المباحث العارضة التي استطرد إليها المؤلف، فمن أهمها: مبحث الفروق في آخر الكتاب، وهو مبحث نفيس أفاض فيها الكلام، وأشاد بأهميته قائلا: "ولا تستطل هذا الفصل، فلعله من أنفع فصول الكتاب، والحاجة إليه شديدة".
ومنها الكلام ضمن المسألة الرابعة على قول النبي ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: "فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ". نبَّه المصنفُ على أهميته، وقال: "ولو لم يكن في الجواب إلا كشف هذا الحديث وشأنه لكان حقيقًا أن يُعَضَّ عليه بالنواجذ".
* ولكتاب الروح أهمية أخرى عند المعنيين بالتراث. فقد تضمن نصوصًا من كتب لا تزال مفقودة حتى الآن.
_________
(١) روح المعاني (٣٠/ ٩٨).
стр. 68
- ومنها كتاب " النفس والروح" لابن منده. نقل نصوصًا منه شيخ الإسلام وابن القيم وابن حجر وغيرهم، ولكن كتاب الروح انفرد بإيراد مقدمة الكتاب، والإشارة إلى بعض أبوابه، في المسألة السابعة عشرة.
- ومنها "نظم القرآن" للحسن بن يحيى الجرجاني. نقل منه ابن القيم نصوصًا بعضها في التفسير البسيط للواحدي.
- ومنها كتاب "البستان" لعلي بن أبي طالب القيرواني العابر. وقد نقل منه ابن القيم أخبارًا عديدة، وهي نصوص نادرة انفرد بها كتاب الروح. ولم أجد نقلًا من الكتاب المذكور إلا في الروض الأنف للسهيلي (١/ ٢٧٦)، (٢/ ٦٦). وقد نقل ابن غنام المقدسي العابر في كتابه "المعلم على حروف المعجم" من "مختصر القيرواني" و"القصيدة الرائية" له، ولكن لم يشر إلى كتاب البستان.
- ومنها: كتاب مسعدة في الرؤيا. ولم أر من ذكر هذا الكتاب.
* وكذلك تضمن نصوصًا من كتب لم ترد في نسخها المطبوعة. ومنها كتاب الملل والنحل لابن حزم، والمجالسة للدينوري. ومنها كتاب القبور لابن أبي الدنيا، أورد منها ابن القيم آثارًا كثيرة، ولما تظهر نسخة كاملة من الكتاب المذكور.
* وأختم هذا الفصل بكلمات في الثناء على الكتاب.
١ - وأولها كلمة منشئ المقدمة الواردة في نسخة قليج باشا المكتوبة سنة ٨٢١. فهو من علماء القرن الثامن وتوفي في التاسع. قال:
"وبعد، فهذا كتاب عظيم النفع، جليل القدر، كثير الفائدة، ما صنف مثله
стр. 69
في معناه، فلا تكاد تجد ما تضمنه من بدائع الفوائد وفرائد القلائد في كتاب سواه".
٢ - وقال شمس الدين السفاريني (ت ١١٨٨) في البحور الزاخرة:
"وكتابه هذا من أجلّ ما رأينا في هذا الفن، بل هو أجلّها وأعظمها. ولا ينبغي لمن له رغبة في العلوم أن يجهله ولا شيئًا منه، فعليك به فإنه مفيد جدًّا" (١).
٣ - وقال شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠) في روح المعاني:
"وهو كتاب مفيد جدًّا يهب للروح رَوحًا، ويورث للصدر شرحًا" (٢).
٤ - وقال الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري (ت ١٤١٤) في شرحه لمشكاة المصابيح:
" ... فعليك أن تطالعه، فإنه كتاب جليل القدر، ما صنف مثله
في معناه" (٣).
٥ - وقد أثنى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ على فصل الفروق، فقال:
" ذكر العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب الروح بحثًا مهمًّا في الفرق بين الصفات الكريمة والصفات الذميمة، والفرق بين صفات أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وهو بحث جدير بالعناية والمراجعة. رحم الله كاتبه رحمة واسعة" (٤).
_________
(١) البحور الزاخرة (١/ ١٠٠).
(٢) روح المعاني (١٥/ ١٥٦).
(٣) مرعاة المفاتيح (١/ ٢١٨).
(٤) الفوائد المتنوعة للشيخ ابن باز (٧٣).
стр. 70
اختصار الكتاب وترجمته
أولاً: اختصاره
عني غير واحد من العلماء باختصار الكتاب وتلخيصه ومنه:
١) "سر الروح "
لبرهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي (ت ٨٨٥). وهو أهم مختصرات الكتاب. ولم يقتصر البقاعي على اختصاره، بل أعاد ترتيبه، وزاد زيادات.
وفي ذلك يقول في مقدمته: "وبعد، فإني كاتب إن شاء الله تعالى في هذه الأوراق المقصود بالحقيقة من كتاب الروح للإمام العلامة ... وذلك هو الصحيح من الأقوال في كل مسألة بأقوى أدلتها. وربما زدت شيئًا فميزته غالبًا بـ"قلت والله أعلم". ورتبته أحسن من ترتيبه، وبالغت جهدي في تهذيبه. وكنت ظننت أنه يكون بعد الزيادة والتحرير في نحو ثلثه، والثلث كثير، فجاء في نصفه فائقًا في رصفه ووصفه. ولم أخِلَّ بشيء من مختاره، ولا حذفت صحيحًا من أحاديثه وأخباره".
ثم قال: "وهو إحدى وعشرون مسألة، منها ما هو فرع من غيره، فرددتها على عشر مسائل".
وهذا ترتيب البقاعي لمسائل كتاب الروح:
الأولى: في حقيقة الروح والنفس، وفي أنهما واحد أم شيئان متغايران، وفي أن النفس واحدة أم ثلاث؟
стр. 71
- جمع المسائل (١٩، ٢٠، ٢١) في مسألة واحدة. وقد سبقه إلى ذلك ابن القيم كما رأينا في عنوان المسألة (١٩)، ولكنه لما توسع فيها أفرد المسألتين الأخريين.
الثانية: أهي قديمة أم محدثة، وبعد إثبات حدوثها، أفتقدم خلقها على خلق الجسد أو تأخر عنه؟
- جمع فيها المسألتين (١٧، ١٨).
الثالثة: ما حالها؟ أتموت أم الموت للبدن وحده؟
- وهي المسألة (٤) في الأصل.
الرابعة: في أنها هل تعاد إلى الميت ومتى تعاد؟
- وهي المسألة (٦) في الأصل.
الخامسة: في مستقر الأرواح ما بين الموت والقيامة ومتى تزار القبور؟
- وهي المسألة (١٥) في الأصل.
السادسة: في أنها هل لها إدراك بعد الموت أم لا؟ وفيه ثلاثة أمور ...
- جمع فيها المسائل الثلاث الأوَل وهي معرفة الأموات بزيارة الأحياء وسلامهم، وتلاقي أرواح الموتى، وتلاقي أرواح الأحياء والأموات.
السابعة: بأي شيء تتمايز الأرواح بعد مفارقة الأشباح حتى تتعارف؟ وهل تتشكل بأشكال أبدانها أو لا؟
- وهي المسألة (٥) في الأصل.
стр. 72
الثامنة: في فتنة القبر بالسؤال، وفيه ثلاثة أمور: الأول: أيخص ذلك هذه الأمة أم يعم جميع الأمم؟ الثاني: هل يعم مكلفي هذه الأمة وغير مكلفيهم أو لا؟ الثالث: أيعم المسلمين والكفار أم يخص المؤمنين والمنافقين؟
- جمع فيها المسائل (١١، ١٢، ١٣) مع تقديم (١٢) على (١١).
التاسعة: هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعي الأحياء أو لا؟
- وهي المسألة (١٦) في الأصل.
العاشرة: في عذاب القبر ونعيمه، وما محله، أهو النفس أم البدن أم هما؟ وهل ذكر في القرآن؟ وفي أنه دائم أم منقطع؟ وما يوقع فيه وما ينجي منه؟
- جمع فيها خمس مسائل وهي: الملحقة بالمسألة السادسة ثم (٧، ٨، ٩، ١٠).
ولا شك أن البقاعي كان موفقًا في ترتيب الكتاب على هذا الوجه، فهو ترتيب منطقي متدرج. وتلخيصه أيضًا جيد في الجملة، ولكن لا يغني عن الأصل.
وكتاب سرّ الروح مطبوع، وقد صدرت طبعته الأولى في القاهرة سنة ١٣٢٦ على نفقة محمد أمين الخانجي.
٢) "الفتوح في حقيقة الروح "
لشمس الدين ابن طولون (ت ٩٥٣). ذكره في الفلك المشحون (ص ٤٢)، وقال: "لخصته من كتاب الروح لابن القيم مع تتمات". ونسخة الظاهرية التي هي أقدم نسخ كتاب الروح كانت في ملك ابن طولون، كما سيأتي.
стр. 73
٣) "مختصر كتاب الروح "
لإسماعيل بن محمد بن ركين. نسخة منه في المكتبة الأزهرية برقم ٣٠٢٧٣٧ في ٨ ورقات. وصورتها بين يديّ. بداية النسخة: "قال سيدنا ومولانا الشيخ إسماعيل بن محمد بن ركين عفا الله عنه وعن المسلمين: هذا مختصر من كتاب الروح للشيخ الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى مشتمل على جميع مقاصد الكتاب المذكور، والحمد لله وحده على نعمه، وإرساله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبرئ القلب من سقمه ... وبعد، فهذه كراسة مختصرة من كتاب الروح لشيخ الإسلام ابن قيم الجوزية قدس الله روحه ونور ضريحه احتوت على مقاصد الكتاب أعريته عن الدليل ليقرب التناول. منها: هل تعرف الأموات بزيارة الأحياء وسلامهم عليهم؟ فجوابه ... ".
لم أقف على ترجمة لإسماعيل بن محمد بن ركين، ولكن نسخة من هذا المختصر نفسه محفوظة في دار الكتب الظاهرية برقم ٦١٩٦ (ق ١ - ٦) وذكر في فهرس مخطوطات التصوف (٢/ ٦٣٩) أن ناسخها المؤلف محمد الأزهري. وقال مفهرسها الشيخ رياض المالح إن المؤلف لعله: شمس الدين محمد بن محمد بن علي الحسباني الغماري المدني المالكي المعروف بالأزهري المتوفى سنة ٩٦٢.
وقد ذكر في فهرس دار الكتب المصرية (١/ ٢٠٦) "مختصر كتاب الروح" لبعض الفضلاء برقم ٥٩ مجاميع، ولعله نسخة أخرى من مختصر ابن ركين.
وفي مكتبة ندوة العلماء في لكنؤو (الهند) نسخة من "مقاصد الروح"
стр. 74
لمؤلف مجهول برقم ٩٣٦ (١٦ ص) كما في فهرست مخطوطاتها (٣٧٨) وهي أيضًا نسخة من مختصر ابن ركين، والعنوان مأخوذ من قوله في المقدمة: "احتوت على مقاصد الكتاب".
٤) "قاعدة مختصرة من كتاب الروح "
اختصار الشيخ إسماعيل بن محمد بن بردس. فرغ منه في ١٥ جمادى الأولى سنة ٩٧٩. نسخة منه بخط المؤلف مذكورة في فهرست الكتبخانة الخديوية (٦/ ١٦٧).
إسماعيل بن محمد بن بردس البعلي توفي سنة ٧٦٦، وابنه محمد بن إسماعيل سنة ٨٣٠، انظر الأعلام (١/ ٣٢٤)، و (٦/ ٣٧) فلا يمكن أن يكون أحدهما صاحب هذا الاختصار الذي فرغ منه سنة ٩٧٩.
٥) "نفحة الأرواح وتحفة الأفراح "
لعبد الوهاب بن عبد الوهاب بن عبد الله الشافعي. ضمن مجموع في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم ٩٥٤ (٧٧ - ١٢٠) انظر: الأثبات في مخطوطات الأئمة (ص ٢ ٦٤).
٦) "أسرار الأرواح "
نسخة من هذا المختصر محفوظة في مكتبة غازي خسرو في يوغوسلافيا برقم ٣٤٢٩. وصورة منها في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي برقم ٣٢٥. وهي في ٣٠ ورقة.
وفي آخرها: " ... تمت الرسالة في أسرار الأرواح بعون الله تعالى وحسن توفيقه على يد أضعف عباد الله تعالى وأحقرهم يوسف حفظه الله تعالى من جميع التأسف وغفر الله له ... ".
стр. 75
وتاريخ نسخها ٢٧ جمادى الآخرة سنة ١٠٠٧.
٧) وقد اختار العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي (ت ١٣٨٦) ﵀ مباحث من الكتاب، ولخَّص كثيرًا من الفروق وعلَّق على بعضها، في مجموع (ق ٢٣٤ - ٢٤٧) بخطه محفوظ في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم ٤٦٥٦. أفادني بذلك أخي الشيخ علي العمران، وأرسل إلي التعليق المذكور بعد ما انتهى صف الكتاب، فرأيت إثباته هنا للفائدة.
- تكلم ابن القيم في (ص ٦٩٩) على الفرق بين الجزع والرقة، فعلَّق عليه الشيخ المعلمي بقوله:
"أقول: لم يوضح الفرق. والذي يظهر أن الفرق إنما هو اتباع رضوان الله. ورضوان الله هو في الرقة والرحمة دائمًا، إلا أن تؤدي إلى ترك ما أمر به أو فعل ما نهى عنه" (ق ٢٤٥).
- وفي (ص ٧٠٢) تكلم ابن القيم على الفرق بين الحقد والموجدة، فعلَّق الشيخ:
"أقول: الموجدة ما يمكن أن يزيله العتاب والاعتذار والصلح. والحقد بخلاف ذلك، ولاسيما إذا كان مع إظهار عدم التأثر. وأشد منه إذا كان بعد إظهار العفو والرضا. وأشد منه إذا كان أشد مما تقتضيه الإساءة، بحيث يحمل صاحبه على عقوبة أعظم من الفعل" (ق ٢٤٦).
٨) "مختصر لمسائل كتاب الروح "
وقفت على نسخة إلكترونية منه، وهو من إعداد الشيخ سليمان بن صالح الخراشي.
следующие страницы →