← Акыда

Акыда · id 390

الروح - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (877 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قال الحسن بن يحيى الجرجاني (١): فإن اعترض معترِضٌ في هذا الفصل بحديث يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله مسَح [١١٠ أ] ظهرَ آدم، فأخرج منه ذريته، وأخذ عليهم العهد، ثم ردَّهم في ظهره» (٢)، وقال: إنَّ هذا مانع من جواز التأويل الذي ذهبتَ إليه، لامتناع ردِّهم في الظَّهر إن كان أخذ الميثاق عليهم بعد البلوغ وتمام العقل. قيل له: إنَّ معنى «ثم ردَّهم في ظهره»: ثم يردُّهم في ظهره (٣)، كما قلنا: إن معنى ﴿أَخَذَ رَبُّكَ﴾: يأخذ ربك. فيكون معناه: ثم يردُّهم في ظهره بوفاتهم، لأنهم إذا ماتوا رُدُّوا إلى الأرض للدفن، وآدمُ خلق منها ورُدَّ فيها، فإذا رُدُّوا فيها فقد رُدُّوا في آدم وفي ظهره (٤)؛ إذ كان آدمُ خُلِق منها وفيها رُدَّ، وبعضُ الشيء من الشيء. وفيما ذهبتم إليه من (٥) تأويل هذا الحديث على ظاهره تفاوتٌ بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى، إلا أن يُرَدَّ تأويلُه إلى ما ذكرناه؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ﴾ (٦) [الأعراف: ١٧٢]. ولم يذكر آدمَ في القصة، إنما هو هاهنا مضاف إليه لتعريف ذريته أنهم منه وأولادُه. وفي الحديث: أنه مسح ظهرَ آدم، فلا يمكن ردُّ ما جاء في القرآن وما جاء في الحديث إلى الاتِّفاق إلا بالتأويل

стр. 597

الذي ذكرناه. قال الجرجاني: وأنا أقول: ونحن إلى ما رُوي في الآية عن رسول الله ﷺ ، وما ذهب إليه أهلُ العلم من السلف الصالح أمْيَل، وله أقْبَل، وبه آنَس، والله وليُّ التوفيق لما هو أَولى وأهدى (١). على أنَّ بعضَ أصحابنا من أهل السُّنَّة قد ذكَر في الردِّ على هذا القائل معنًى يُحتمَل ويسوغ في النَّظم الجاري ومجازِ العربية بسهولة (٢) وإمكان، من غير تعسُّف ولا استكراه. وهو أن يكون قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] مبتدأ خبره (٣) من الله عما كان منه في أخذ العهد عليهم، وإذ يقتضي جوابًا يُجعَل جوابه قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى﴾، وانقطع هذا الخبر بتمام قصته. ثم ابتدأ خبرًا آخرَ بذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة [١١٠ ب]، فقال (٤): ﴿شَهِدْنَا﴾ يعني: نشهد، كما قال الحُطيئة (٥): شهدَ الحطيئةُ حينَ يلقَى ربَّه ... أنَّ الوليدَ أحقُّ بالعُذْرِ (٦)

стр. 598

بمعنى: يشهَدُ الحطيئة. يقول تعالى: نشهد أنكم ستقولون يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ أي: عمَّا هم فيه من الحساب والمناقشة والمؤاخذة بالكفر. ثم أضاف إليه خبرًا آخرَ، فقال: ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ (١) بمعنى: وأن تقولوا؛ لأن ﴿أَوْ﴾ بمعنى واو النسق، مثل قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٢) [الإنسان: ٢٤]. فتأويله: ونشهد أن تقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣] أي: إنهم أشركوا، وحملونا على مذهبهم في الشرك في صِبانا (٣)، فجرينا على مذاهبهم، واقتدينا بهم؛ فلا ذنب لنا إذ كنا مقتدين بهم، والذنبُ في ذلك لهم. كما قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٤) [الزخرف: ٢٣]. يدل على ذلك قولهم: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: حَملِهم (٥) إيانا على الشرك. فتكون القصة الأولى خبرًا عن جميع المخلوقين بأخذ الميثاق

стр. 599

عليهم (١)، والقصة الثانية خبرًا عما يقول المشركون يوم القيامة من الاعتذار (٢). وقال فيما ادعاه المخالفُ أنه تفاوتٌ فيما بين الكتاب والخبر لاختلاف ألفاظهما فيهما قولًا يجب قَبولُه بالنظائر والعِبَر التي تأيَّد بها (٣) لمخالفته، فقال: إن الخبر عن الرسول ﷺ أنَّ الله مسح ظهر آدم أفاد زيادةَ خبرٍ كان في القصة التي ذكَرَ الله في الكتاب بعضَها، ولم يذكر كلَّها. ولو أخبر ﷺ بسوى هذه الزيادة التي أخبر بها ــ مما عسى أن (٤) يكون قد كان في ذلك الوقت الذي أُخِذَ فيه العهدُ، مما لم يضمِّنه الله كتابَه ــ لمَا كان في ذلك (٥) خلاف ولا تفاوت، بل كان (٦) زيادة في الفائدة. وكذلك الألفاظ إذا اختلفتْ [١١١ أ] في ذاتها وكان مَرجعُها إلى أمر واحد لم يوجِب ذلك تناقضًا، كما قال في كتابه في خَلْق آدم، فذكَر مرةً أنه خُلِق من تراب، ومرةً أنه خُلِق من حمأ مسنون، ومرةً من طين لازب، ومرةً من صَلصال كالفخَّار (٧)؛ فهذه الألفاظ مختلفة، ومعانيها أيضًا في

стр. 600

الأحوال مختلفة؛ لأن (١) الصَّلصال غيرُ الحمأة، والحمأة غيرُ التراب، إلا أنَّ مرجعَها كلِّها في الأصل (٢) إلى جوهر واحد، وهو التراب، ومن التراب تدرَّجت هذه الأحوال. فقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقوله ﷺ : «إن الله مسح ظهرَ آدم، فاستخرج منه ذريته» معنًى واحدٌ (٣) في الأصل، إلا أنَّ قوله ﷺ : «مسح ظهرَ آدم» زيادةٌ في الخبر عن الله . ومَسْحُه (٤) ظهرَ آدم واستخراجُ ذريته منه (٥) مسحٌ لظهور ذريته واستخراجُ ذرياتهم من ظهورهم، كما ذكر تعالى؛ لأنَّا قد علمنا أنَّ جميع ذرية آدم لم يكونوا من صلبه، لكن لما كان الطبَق الأول من صُلْبه، ثم الثاني من صلب الأول، ثم الثالث من صلب الثاني، جاز أن يُنسَب ذلك كلُّه إلى ظهر آدم، لأنهم فرعُه، وهو أصلُهم. وكما جاز أن يكون ما ذكر الله أنه استخرجه من ظهور ذرية آدم من ظهر آدم، جاز أن يكون ما ذكر ﷺ أنه استخرجه من ظهر آدم من ظهور ذريته؛ إذ الأصلُ والفرع شيءٌ واحد. وفيه أيضًا أنه لما أضاف الذريةَ إلى آدم في الخبر احتمل أن يكون الخبر عن الذرية، وعن آدم؛ كما قال : ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. فالخبر في الظاهر عن الأعناق، والنعتُ للأسماء

стр. 601

المَكنِيَّة فيها، وهو (١) مضاف إليها، كما كان آدم مضافًا إليه هناك، وليسا جميعًا بالمقصودين ــ في الظاهر ــ بالخبر. ولا يُحتَمَل أن يكون قوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾ للأعناق، لأنَّ وجه جمعها: خاضعات. ومنه قول الشاعر (٢): وتَشْرَقَ بالقول الذي قد أذعتَه ... كما شرِقتْ صدرُ القَناةِ من الدم فالصدر مذكر، وقوله: «شرقت» أُنِّث لإضافة الصدر إلى القناة. فصل فهذا بعضُ كلام السلف والخلف في هذه الآية. وعلى كلِّ تقدير، فلا تدلُّ على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقًا مستقرًّا، وإنما غايتُها أن تدلَّ على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذرِّ، واستنطاقهم، ثم ردِّهم إلى أصلهم، إن صحَّ الخبر بذلك. والذي صحَّ إنما هو إثباتُ القدر السابق، وتقسيمُهم إلى شقي وسعيد. وأما استدلالُ أبي محمد بن حزم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، فما أليَقَ هذا الاستدلالَ بظاهريَّته، لترتيب الأمر بالسجود لآدم على خَلْقنا وتصويرنا؛ والخطابُ للجملة المركّبة من البدن والروح، وذلك متأخِّر عن خلق آدم.

стр. 602

ولهذا قال ابن عباس (١): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ آدم ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ لذريته (٢). وبيان (٣) هذا ما قاله مجاهد ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني آدم، و ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في ظهر آدم (٤). وإنما قال: ﴿خلقناكم﴾ بلفظ الجمع، وهو يريد آدم؛ كما تقول: ضربناكم، وإنما ضربتَ سيدَهم (٥). واختار أبو عُبيد في هذه الآية قول مجاهد؛ لقوله بعدُ: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ وكان قوله تعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا﴾ قبل خلق ذرية آدم وتصويرِهم في الأرحام، و (ثم) توجب التراخي والترتيب. فمَن جَعَل الخلق والتصوير في هذه الآية (٦) لأولاد آدم في الأرحام يكون قد راعى حكمَ (ثم) في الترتيب (٧)، إلا أن يأخذ بقول الأخفش، فإنه يقول: (ثم) هاهنا في معنى

стр. 603

الواو (١). قال الزجَّاج: وهذا خطأ لا يجيزه [١١٢ أ] الخليل وسيبويه (٢) وجميع من يوثق بعلمه (٣). قال أبو عبيد: وقد بيَّنه مجاهدٌ حين قال: إن الله خلق آدم (٤)، وصوَّرهم في ظهره، ثم أمر بعد ذلك بالسجود. قال: وهذا بيِّنٌ في الحديث وهو: «أنه أخرجهم من ظهر آدم في صُوَر الذرِّ» (٥). قلت: والقرآن يفسِّر بعضُه بعضًا. ونظيرُ هذه الآية قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥]. فأوقع الخلقَ من ترابٍ عليهم، وهو لأبيهم آدم، إذ هو أصلهم. والله سبحانه يخاطب الموجودين، والمرادُ آباؤهم، كقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]. وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ الآية [البقرة: ٦١]. وقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢]. وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]. وهو (٦) كثير في القرآن:

стр. 604

يخاطبهم، والمراد (١) آباؤهم. فهكذا قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]. وقد يستطرد (٢) سبحانه من ذكر الشَّخص إلى ذكر النوعِ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ ــ ١٣]. فالمخلوقُ من سلالة من طين: آدمُ. والمجعول (٣) نطفةً في قرار مكين: ذريتُه. وأما حديثُ خلقِ الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، فلا يصحُّ إسناده. ففيه عتبة بن السَّكَن، قال الدارقطني: متروك (٤). وأرطاة بن المنذر. قال ابن عدي: بعضُ أحاديثه غلطٌ (٥). فصل وأمَّا الدليل على أنَّ خلقَ الأرواح متأخرٌ عن خلق أبدانها، فمن وجوه: أحدها: أنَّ خلقَ أبي البشر وأصلِهم كان هكذا. فإنَّ الله سبحانه أرسل جبريل، فقبضَ قبضةً من الأرض، ثم خمَّرها حتى صارت طينًا، ثم صوَّره، ثم نفخ فيه الروح بعد أن صوَّره. فلما دخلت الروح فيه [١١٢ ب] صار لحمًا

стр. 605

ودمًا، حيًّا ناطقًا. ففي تفسير (١) أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّة، عن ابن مسعود؛ وعن ناسٍ من أصحاب النبي ﷺ : «لما فرَغ الله من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليسَ (٢) على مُلك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: «الجن»، وإنما سُمُّوا «الجنَّ»؛ لأنهم خُزَّانُ الجنَّة. وكان إبليسُ مع ملكه خازنًا، فوقع في صدره، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد لي (٣) ــ وفي لفظ: لمزيةٍ لي ــ على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبرُ في نفسه اطَّلع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة (٤): ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. قالوا: ربَّنا، وما يكون حال الخليفة؟ قال: تكون له ذريةٌ يُفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل (٥) بعضُهم بعضًا. قالوا: ربنا

стр. 606

﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] يعني: من شأن إبليس. فبعث جبريلَ إلى الأرض ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض (١) مني، فرجَعَ، ولم يأخذ، وقال: ربِّ إنها عاذت بك، فأعذتُها. فبعث ميكائيل، فعاذت منه، فأعاذها. فبعث ملَكَ الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع، ولم أنفِّذ أمره. فأخذ من وجه الأرض، وخَلَط. فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. فصعِد به، فبلَّ الترابَ (٢) حتى عاد طينًا لازبًا. واللازب: هو الذي يلزَقُ (٣) بعضُه ببعض. ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢]. فخلقه الله بيده لكيلا يتكبَّر إبليسُ عنه، ليقول له: تتكبَّرُ عما عملتُ بيدي، ولم أتكبَّر أنا عنه. فخلَقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة، فمرَّت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه. وكان أشدَّهم منه فزَعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به، فيضربه، فيصوِّتُ [١١٣ أ] الجسدُ كما يصوِّت الفَخَّارُ، تكون له صلصلة، فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ

стр. 607

كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، ويقول: لأمرٍ ما خُلِقتَ! ودخل مِن فيه، فخرج من دُبره، فقال للملائكة: لا تَرهَبوا من هذا فإن ربَّكم صَمَدٌ، وهذا أجوف. لئن سُلِّطتُ عليه لأهلكنَّه. فلما بلغ الحينَ الذين يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروحَ قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الروحَ فدخل الروحُ في رأسه عَطَس، فقالت الملائكة: قل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال له الله: يرحمك ربُّك. فلما دخل الروحُ في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام (١) قبل أن يبلغ الروح رجليه، فنهض عَجلانَ (٢) إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. وذكر باقي الحديث (٣). وقال يونس بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، قال: لمَّا خلق الله النار ذُعِرتْ منها الملائكة ذُعرًا شديدًا، وقالوا: ربَّنا لمَ خلقتَ هذه النار؟ ولأي شيء خلقتَها؟ قال: لمن عصاني من خَلْقي. ولم يكن لله خَلْقٌ يومئذ (٤) إلا الملائكة، والأرضُ ليس فيها خَلْقٌ، إنما خُلِق آدمُ بعد ذلك. وقرأ (٥) قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا

стр. 608

مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ليت (١) ذلك الحين (٢)! ثم قال: وقالت الملائكة: ويأتي علينا دهرٌ نعصيك فيه؟ ــ لا يرون له خلقًا غيرهم ــ قال: لا، إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا، وأجعلَ فيها خليفةً. وذكر الحديث (٣). قال ابن إسحاق: فيقال ــ والله أعلم ــ: خلَقَ اللهُ آدمَ، ثم وضعه ينظرُ إليه أربعين عامًا قبل أن ينفُخَ فيه الروحَ، حتى عاد صلصالاً كالفخَّار، ولم تمسَسْه نار. فيقال ــ والله أعلم ــ: لما انتهى الروح إلى رأسه عطَسَ، فقال: الحمد لله. وذكر الحديث (٤). فالقرآن والحديث [١١٣ ب] والآثار تدلُّ على أنَّ الله سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خَلْقِ جسده، فمِن تلك النفخةِ حدثت فيه الروح. ولو كانت روحه مخلوقةً قبل بدنه مع جملة أرواح ذريته لَمَا عَجِبت الملائكة من خلقه، ولَمَا تعجَّبت من خلق النار، وقالت: لأي شيء خلَقْتَها؟ وهي ترى أرواحَ بني آدم فيهم المؤمن والكافر، والطيب والخبيث، ولَمَا كانت (٥) أرواح الكفار كلُّها تبعًا لإبليس، بل كانت الأرواح الكافرةُ مخلوقةً قبل كفره؛ فإن

стр. 609

الله (١) سبحانه إنما حكَمَ عليه بالكفر بعد خَلقِ بدنِ آدم وروحِه، ولم يكن قبل ذلك كافرًا (٢). فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة، وهو لم يكن كافرًا إذ ذاك؟ وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه؟ فالأرواح الكافرة إنما حدثت بعد كفره، إلا أن يقال: كانت كلُّها مؤمنةً ثم ارتدَّت بسببه. والذي احتجُّوا به على تقدُّم (٣) خلق الأرواح يخالف ذلك. وفي حديث أبي هريرة في تخليق العالم: الإخبار عن خَلْقِ أجناس العالم، وتأخُّر خلق آدم إلى يوم الجمعة، ولو كانت الأرواح مخلوقةً قبل الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام. فلمَّا لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام عُلِم أنَّ خلقها تابعٌ لخلق الذرية، وأنَّ خلق آدم وحده هو الذي وقع في تلك الأيام الستة. وأما خلق ذريته، فعلى الوجه المشاهَد المعايَن. ولو كان للروح وجودٌ قبل البدن، وهي حية عالمة ناطقة، لكانت ذاكرةً لذلك في هذا العالم شاعرةً به، ولو بوجه ما. ومن الممتنِع أن تكونَ حيةً عالمةً ناطقةً عارفةً بربِّها، وهي بين ملأ من الأرواح، ثم تنتقلَ إلى هذا البدن ولا تشعرَ بحالها قبل ذلك بوجه ما. وإذا كانت بعد المفارقة تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل، وتعلم ما كانت (٤) عليه هاهنا ــ مع أنها اكتسبت بالبدن أمورًا عاقتها عن كثير من كمالها (٥) ــ فلَأن تشعرَ بحالها

стр. 610

[١١٤ أ] الأول، وهي غير مَعُوقة هناك (١)، بطريق الأولى. إلا أن يقال: تعلُّقُها بالبدن واشتغالُها بتدبيره مَنَعها من شعورها بحالها الأول، فنقول: هَبْ أنه منعها من شعورها به على التفصيل والكمال، فهل يمنعُها عن أدنى شعورٍ بوجهٍ ما مما (٢) كانت عليه قبل تعلُّقها بالبدن؟ ومعلوم أنَّ تعلقَها بالبدن لم يمنعها عن الشعور بأول أحوالها وهي في البدن، فكيف يمنعها من الشعور بما كان قبل ذلك! وأيضًا فإنها لو كانت موجودةً قبل البدن لكانت عالمة حية (٣) ناطقة عاقلة، فلمَّا تعلَّقتْ بالبدن سُلِبتْ ذلك كلَّه، ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئًا فشيئًا. وهذا لو كان لكان من أعجَب الأمور أن تكون الروحُ كاملةً عاقلةً ثم تعود ناقصةً ضعيفةً جاهلةً، ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها. فأين في العقل والنقل والفطرة ما يدلُّ على هذا؟ وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. فهذه الحال التي أُخْرِجنا عليها هي حالنا الأصلية، والعلم والعقل والمعرفة والقوة طارئ (٤) علينا حادث فينا بعد أن لم يكنْ. ولم نكن نعلمُ قبل ذلك شيئًا البتَّة، إذ لم يكن لنا وجودٌ نعلم ونعقل به.

стр. 611

وأيضًا فلو كانت مخلوقةً قبل الأجساد، وهي على ما هي (١) عليه الآن من طيبٍ وخبث، وكفر وإيمان، وخير وشر لكان ذلك ثابتًا لها قبل الأعمال. وهي إنما اكتسبت هذه الصفات والهيئات من أعمالها التي سَعَتْ في طلبها واستعانت عليها بالبدن، فلم تكن تَتَّصِف (٢) بتلك الهيئات والصفات قبل قيامها بالأبدان التي بها عَمِلت تلك الأعمالَ. وإن كان قُدِّر لها قبل إيجادها ذلك، ثم [١١٤ ب] خرجت إلى هذه الدار على ما قدر لها، فنحن لا ننكر الكتاب والقَدَر السابقَ لها من الله. ولو دلَّ دليلٌ على أنها خُلِقت جملةً، ثم أودعت في مكان حيةً عالمةً ناطقةً، ثم كلَّ وقت (٣) تبرزُ إلى أبدانها شيئًا فشيئًا، لكُنَّا أولَ قائل به؛ فالله سبحانه على كل شيء قدير، ولكن لا نخبرُ عنه خلقًا وأمرًا إلا بما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله ﷺ . ومعلوم أنَّ الرسول ﷺ لم يخبر عنه بذلك، وإنما أخبر بما في الحديث الصحيح: «إنَّ خلقَ ابن آدم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثلَ ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسَل إليه الملكُ، فينفخُ فيه الروح» (٤). فالملَكُ وحده يُرسَل إليه، فينفُخ فيه، فإذا نفَخَ فيه كان ذلك سببَ حدوث الروح فيه. ولم يقل: يرسَل الملكُ إليه (٥) بالروح، فيُدْخِلُها في

стр. 612

بدنه. وإنما أُرسل إليه الملكُ وحده، فأحدثَ فيه الروح بنفخته فيه، لا أنَّ الله سبحانه أرسل إليه الروح التي كانت موجودة قبل ذلك بالزمن الطويل مع الملَك. ففرقٌ بين أن يُرسَل إليه ملكٌ ينفخ فيه الروحَ، وبين أن يُرسَل إليه روحٌ مخلوقةٌ قائمة بنفسها مع الملَك. وتأمَّلْ ما دلَّ عليه النصُّ من هذين المعنيين. وبالله التوفيق.

стр. 613

فصل وأما المسألة التاسعة عشرة (١) وهي: ما حقيقة النفس؟ هل هي جزء من أجزاء البدن، أو عرض من أعراضه، أو جسمٌ مساكِن له مودَع فيه، أو جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ وهل الأمَّارةُ واللوَّامة والمطمئِنَّة نفسٌ واحدة لها هذه الصفات، أم هي ثلاثة أنفس (٢)؟ فالجواب: أنَّ هذه مسائل قد تكلَّم الناس فيها (٣) من سائر الطوائف، واضطربت فيها أقوالهم، وكثر فيها خطؤهم. وهدى الله أتباعَ الرسول [١١٥ أ] وأهلَ سنته لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فنذكر أقوال الناس وما لهم وعليهم (٤) في تلك الأقوال، ونذكر الصوابَ بحمد الله وعونه.

стр. 614

قال أبو الحسن الأشعريُّ في مقالاته (١): اختلف الناس في الروح والنفس والحياة، وهل الروح هي الحياة أو غيرها، وهل الروح جسم أم لا؟ فقال النظَّام: الروح جسم، وهي النفس (٢). وزعم أن الروح حيٌّ بنفسه، وأنكر أن تكون الحياة والقوة معنًى غير الحيِّ والقوي (٣). وقال آخرون: الروح عَرَض. وقال قائلون منهم جعفر بن حرب (٤): لا ندري: الروح جوهر أو عرض (٥)؟ واعتلُّوا في ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. ولم يخبر عنها ما هي، لا أنها (٦) جوهر، ولا أنها عرض. قال: وأظن جعفرًا (٧) أثبت الحياةَ غير الروح، وأثبت الحياةَ عرضًا.

стр. 615

وكان الجُبَّائي يذهب إلى أنَّ الروح جسم، وأنها غير الحياة، والحياة عرض. ويعتلُّ بقول أهل اللغة: خرجت روحُ الإنسان. وزعم أنَّ الروح لا تجوز عليها الأعراض. وقال قائلون: ليس الروحُ شيئًا أكثرَ من اعتدال الطبائع الأربعة (١)، ولم يرجعوا من قولهم [اعتدال] (٢) إلا إلى المعتدل، ولم يثبتوا في الدنيا (٣) شيئًا إلا الطبائع الأربعة التي هي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. وقال قائلون (٤): إن الروح معنًى خامسٌ غيرُ الطبائع الأربعة، وأنه ليس في الدنيا إلا الطبائع الأربعة والروح. واختلفوا في أعمال الروح، فثبَّتها (٥) بعضهم طباعًا، وثبَّتها بعضهم اختيارًا. وقال قائلون: الروح: الدم الصافي والخالصُ من الكدر والعفونات. وكذلك قالوا في القوة. وقال [١١٥ ب] قائلون: الحياة هي الحرارة الغريزية. وكلُّ هؤلاء الذي حكَينا قولهم في الروح من أصحاب الطبائع يثبتون أن الحياة هي الروح.

стр. 616

وكان الأصَمُّ (١) لا يثبتُ الحياة والروح شيئًا غيرَ الجسد، ويقول: ليس أعقِلُ إلا الجسدَ الطويل العريض العميق الذي أراه وأشاهده. وكان يقول: النفسُ هي هذا البدن بعينه لا غير، وإنما جرى عليها هذا الذكر (٢) على جهة البيان والتأكيد لحقيقة الشيء، لا على أنها معنًى غيرُ البدن. وذكر عن أرِسْطاليس (٣): أن النفس معنًى مرتفعٌ (٤) عن الوقوع تحت النشوء والكون (٥)، وأنها جوهر منبسط (٦) مُنبَثٌّ في العالم كلِّه من الحيوان على جهة الإعمال له والتدبير، وأنه لا تجوز عليه صفة قلَّةٍ ولا كثرة. قال: وهي على ما وصفت من انبساطها في هذا العالم غيرُ منقسمةِ الذاتِ والبِنْية، فإنها (٧) في كل حيوان العالم بمعنًى واحدٍ لا غير. وقال آخرون: بل النفس معنًى موجودٌ ذاتُ حدود (٨) وأركان، وطول

стр. 617

وعرض وعمق، وأنها غير مفارقة في هذا العالم لغيرها مما يجري عليه حكم الطول والعرض والعمق. وكلُّ واحد (١) منهما يجمعهما صفة الحدِّ والنهاية (٢). وقالت طائفة (٣): إن النفس موصوفةٌ بما وصفها هؤلاء الذين قدَّمنا ذكرَهم من معنى الحدود والنهايات، إلا أنها غيرُ مفارقة لغيرها مما لا يجوز (٤) أن يكون موصوفًا بصفة الحيوان. وحكى الحريري (٥) عن جعفر بن مُبَشِّر (٦): أن النفس جوهر، ليس هو هذا الجسمَ وليس بجسم، ولكنه معنى بايَنَ الجوهر والجسم. وقال آخرون: النفسُ معنًى غيرُ الروح (٧)، والروحُ غير الحياة، والحياة عنده عرضٌ. وهو أبو الهذيل، يزعم (٨) أنه قد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوبَ النفس والروحِ دون الحياة [١١٦ أ]. واستَشْهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾

стр. 618

[الزمر: ٤٢]. وقال جعفر بن حرب: النفس عَرَضٌ من الأعراض يوجَد في هذا الجسم، وهو أحد الآلات التي يستعين بها الإنسان على الفعل كالصحة والسلامة وما أشبهها، وأنها غير موصوفة بشيء من صفات الجواهر والأجسام (١). هذا ما حكاه الأشعري. وقال طائفة: النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفُّس. قالوا: والروح عرَضٌ، وهي (٢) الحياة فقط، وهو غيرُ النَّفْس، وهذا قول القاضي أبي بكر بن الباقلاني ومن اتَّبعه من الأشعرية (٣). وقالت طائفة: ليست النفس جسمًا ولا عرضًا وليست في مكان، ولا لها طول ولا عرض ولا عمق ولا لون ولا بعض (٤). ولا هي في العالم ولا خارجَه، ولا محايثة (٥) له ولا مباينة. وهذا قول المشَّائين، وهو الذي حكاه الأشعري عن أرسطاطاليس (٦). وزعموا أن تعلُّقها بالبدن لا بالحلول فيه

стр. 619

ولا بالمجاورة ولا بالمساكنة ولا بالاتصال بالمقابلة؛ وإنما هي بالتدبير له فقط. واختار هذا المذهب البُوشَنْجي (١)، ومحمد بن النعمان الملقب بالمفيد (٢)، ومُعمَّر بن عبَّاد (٣)، والغزالي. وهو قول ابن سينا وأتباعه. وهو أردأ المذاهب وأبطلُها، وأبعدُها من الصواب (٤). قال أبو محمد بن حزم (٥): وذهب سائر أهل الإسلام والملل المقِرَّة بالمعاد (٦) إلى أن النفس جسمٌ طويل عريض عميق، ذات مكان، حيَّة (٧) مميِّزة مصرِّفة للجسد. قال: وبهذا نقول. قال: والنفس والروح اسمان

стр. 620

مترادفان بمعنى واحد، ومعناهما واحد. وقد ضبط أبو عبد الله بن الخطيب (١) مذاهب الناس في النفس، فقال (٢): «ما يشير إليه كلُّ إنسان بقوله: (أنا) إما أن يكون جسمًا، أو عرَضًا ساريًا في الجسم، أو لا جسمًا ولا عرَضًا ساريًا فيه. أما [١١٦ ب] القسم الأول، وهو أنه جسم، فذلك الجسم إما أن يكون هو هذا البدنَ، وإما أن يكون جسمًا مشاركًا لهذا (٣) البدن، وإما أن يكون خارجًا عنه. وأما القسم الثالث (٤)، وهو أن نفس الإنسان عبارة عن جسم خارجَ هذا (٥) البدن، فهذا لم يقُلْه أحد. وأما القسم الأول، وهو أن الإنسان عبارةٌ عن هذا البدنِ والهيكلِ المخصوص، فهو قول جمهور الخلق، وهو المختار عند أكثر المتكلمين» (٦).

стр. 621

قلت: هو قول جمهور الخلق الذين عرفَ الرازي أقوالَهم من أهل البدع وغيرهم من المضلِّين (١)، وأما أقوال الصحابة والتابعين وأهلِ الحديث فلم يكن له بها شعورٌ البتَّةَ، ولا اعتقد أن لهم في ذلك قولاً، على عادته في حكاية المذاهب الباطلة في المسألة. والمذهبُ الحقُّ الذي دلَّ عليه القرآن والسنة وأقوال الصحابة لم يعرفه ولم يذكره (٢). وهذا الذي نسبه إلى جمهور الخلق، من أن الإنسان هو هذا البدنُ المخصوص فقط وليس وراءه شيء، هو من أبطل الأقوال في المسألة، بل هو أبطَلُ من قول ابن سينا وأتباعه. بل الذي عليه جمهور العقلاء أن الإنسان هو البدن والروح معًا. وقد يُطلق اسمه على أحدهما دون الآخر بقرينة (٣).

стр. 622

فالناس (١) لهم أربعة أقوال في مسمى الإنسان: هل هو الروح فقط، أو البدن فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما؟ وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه: هل هو اللفظ فقط، أو المعنى فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما (٢)؟ فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه. قال الرازي: «وأما القسم الثاني وهو أن الإنسان عبارةٌ عن جسم مخصوص موجود في داخل هذا البدن، فالقائلون بهذا القول اختلفوا في تعيين ذلك الجسم على وجوه: الأول: أنه عبارة عن الأخلاط [١١٧ أ] الأربعة التي منها يتولد (٣) هذا البدن. والثاني: أنه الدم. والثالث: أنه الروح اللطيفُ الذي يتولَّد في الجانب الأيسر من القلب، وينفذ في الشَّرْيانات إلى سائر الأعضاء. والقول الرابع: أنه الروح الذي يصعد في القلب (٤) إلى الدماغ ويتكيف بالكيفية الصالحة لقبول قوة الحفظ والفكر والذكر. والخامس: أنه جزء لا يتجزأ في القلب. والسادس: أنه جسم مخالف (٥) بالماهية لهذا الجسم المحسوس،

стр. 623

وهو جسم نُوراني عُلْوِيٌّ خفيف حيٌّ متحرك (١) ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سَرَيان الماء في الورد، وسريان الدُّهْن في الزيتون، والنارِ في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا (٢) لهذه الأعضاء، وأفادَها هذه الآثارَ من الحسِّ والحركة الإرادية (٣). وإذا فسدتْ هذه الأعضاء (٤) بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروحُ البدنَ، وانفصل إلى عالم الأرواح». وهذا القول هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصحُّ غيره، وكلُّ الأقوال سواه باطلةٌ، وعليه دلَّ الكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة. ونحن نسوق الأدلة عليه على نسَق واحد: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]. ففي الآية ثلاثة أدلة: الإخبارُ بتوفِّيها، وإمساكها، وإرسالها. الرابع: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ

стр. 624

بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٣ ــ ٩٤]. وفيها أربعة (١) أدلَّة: أحدها (٢): بسطُ الملائكة أيديَهم لتناولها. الثاني: وصفُها بالإخراج والخروج. الثالث: الإخبار عن عذابها ذلك اليوم. الرابع: الإخبار عن مجيئها إلى ربها. فهذه سبعة أدلة. الثامن: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠ ــ ٦١]. وفيها ثلاثة أدلة: أحدها: الإخبار بتوفِّي الأنفس بالليل. الثاني: بعثها إلى أجسادها بالنهار. الثالث: تَوفِّي الملائكة له عند الموت.

стр. 625

فهذه عشرة أدلَّة. الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. وفيها ثلاثة أدلة: أحدها: وصفها بالرجوع. والثاني: وصفها بالدخول. والثالث: وصفها بالرِّضا. واختلف السلف: هل يقال لها ذلك عند الموت، أو عند البعث، أو في الموضعين؟ على ثلاثة أقوال (١). وقد روي في حديث مرفوع أن النبي ﷺ قال لأبي بكر الصديق: «أمَا، إنَّ الملَكَ سيقولها لك (٢) عند الموت» (٣). وقال زيد بن أسلم: بُشِّرت بالجنة عند الموت، ويوم الجمع، وعند

стр. 626

البعث (١). وقال أبو صالح: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ هذا عند الموت. ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ قال: هذا يومَ القيامة (٢). فهذه أربعة عشر دليلًا (٣). الخامس عشر: قوله ﷺ : «إنَّ الروح إذا قُبِضَ تبعه البصَرُ» (٤). ففيه دليلان: أحدهما: وصفه بأنه يُقبض. الثاني: أن البصر يراه. والسابع عشر (٥): ما رواه النسائي (٦): حدثنا أبو داود، عن عفان، عن حماد عن أبي جعفر، عن عُمارة بن خزيمة، أن أباه قال: رأيت في المنام كأني [١١٨ أ] أسجد على جبهة النبي ﷺ ، فأخبره (٧) بذلك، فقال: «إن الروح

стр. 627

ليلقَى الروح»، فأقنَعَ (١) رسول الله ﷺ هكذا ــ قال عفان برأسه إلى خلفه ــ فوضع جبهته على جبهة النبي ﷺ . فأخبرَ أن الأرواح تتلاقى في المنام. وقد تقدَّم قول ابن عباس (٢): تلتقي أرواح الأحياء والأموات (٣) في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى. الثامن عشر: قوله ﷺ في حديث بلال: «إنَّ الله قبض أرواحكم وردَّها إليكم حين شاء» (٤). ففيه دليلان: وصفُها بالقبض، والرَّدِّ. العشرون: قوله ﷺ : «نَسَمة المؤمن طائرٌ يعلقُ في شجر الجنة» (٥). وفيه دليلان: أحدهما: كونُه (٦) طائرًا. الثاني: تعلُّقها في شجر الجنة (٧)، وأكلُها، على اختلاف التفسيرين (٨).

стр. 628

الثاني والعشرون: قوله: «أرواحُ الشهداء في حواصل طير خُضْرٍ تسرَح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ بالعرش، فاطَّلع إليهم ربُّك اطِّلاعةً فقال: أيَّ شيء تريدون؟ .. » الحديث، وقد تقدم (١). وفيه ستة أدلة: أحدها: كونُها مودَعةً في جوف طير. الثاني: أنها تسرح في الجنة. الثالث: أنها تأكل من ثمارها، وتشرب من أنهارها. الرابع: أنها تأوي إلى تلك القناديل أي: تسكن إليها. الخامس: أنَّ الربَّ تعالى خاطبها واستنطقها، فأجابته وخاطبته. السادس: أنها طلبت الرجوعَ إلى الدنيا. فعُلِم أنها مما يقبلُ الرجوع. فإن قيل: هذا كلُّه صفة الطير لا صفةُ الروح. قيل: بل الروحُ (٢) المودَعةُ في جوف الطير قصدًا (٣). وعلى الرواية التي رجَّحها أبو عمر (٤)، وهي قوله: «أرواح الشهداء كطير» ينتفي السؤال بالكلية. التاسع والعشرون (٥): قوله في حديث طلحة بن عبيد الله (٦): أردتُ

стр. 629

مالي بالغابة، فأدركني الليل، فأويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام [١١٨ ب]، فسمعت قراءةً من القبر ما سمعتُ أحسنَ منها. فقال رسول الله ﷺ : «ذاك عبد الله، ألم تعلم أنَّ الله قبض أرواحهم، فجعلها في قناديلَ من زَبَرْجَد وياقوت، ثم علَّقها وسط الجنة، فإذا كان الليل رُدَّت إليهم أرواحهم، فلا تزال كذلك حتى إذا طلع الفجر رُدَّت أرواحهم إلى مكانها الذي (١) كانت فيه». ففيه (٢) أربعة أدلة سوى ما تقدم: أحدها: جعلُها في القناديل. الثاني: انتقالها من حيِّز إلى حيِّز (٣). الثالث: تكلُّمها وقراءتها في القبر (٤). الرابع: وصفها بأنها في مكان. الثالث والثلاثون: حديث البراء بن عازب، وقد تقدَّم سياقُه (٥). وفيه عشرون دليلاً: أحدها: قول ملَك الموت لنفسه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]. وهذا خطاب لمن يعقل ويفهم (٦).

стр. 630

الثاني: قوله: «اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان». الثالث: قوله: «فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فِي السِّقاء». الرابع: قوله: «فلا يدَعونها في يده طَرْفَة عين حتى يأخذوها منه». الخامس: قوله: «حتى يكفنوها في ذلك الكفن ويحنطوها (١) بذلك الحنوط». فأخبر أنَّها تُكفَّن وتحنَّط. السادس: قوله: «ثم يُصعَد بروحه إلى السماء». السابع: قوله: «ويوجد منها كأطيب نفحةِ مسكٍ وجدت». الثامن: قوله: «فتُفتَح له أبوابُ السماء». التاسع: قوله: «ويشيِّعه من كلِّ سماء مقرَّبوها حتى ينتهي إلى الرب تعالى». العاشر: قوله: «فيقول تعالى: رُدُّوا عبدي إلى الأرض». الحادي عشر: قوله: «فتُرَدُّ روحُه في جسده». الثاني عشر: قوله في روح الكافر: «فتَفرَّقُ (٢) في جسده، فيجذِبها، فتنقطع منها العروق والعصب». الثالث عشر: قوله (٣): «ويوجد لروحه كأنتنِ ريحٍ وُجدت على وجه الأرض».

стр. 631

الرابع عشر: قوله: «فيُقذَف بروحه من السماء، وتُطْرَح طرحًا فتهوي إلى الأرض» (١). الخامس عشر: قوله: «فلا يمرُّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا [١١٩ أ]: ما هذا الروح الطيب؟ وما هذا الروح الخبيث؟». السادس عشر: قوله: «فيُجلِسانه ويقولان له (٢): ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟» فإن كان هذا للروح فظاهرٌ (٣)، وإن كان للبدن فهو بعد رجوع الروح إليه من السماء. السابع عشر: قوله: «فإذا صعد بروحه، قيل: أَيْ ربِّ، عبدُك فلان». الثامن عشر: قوله: «أرجِعوه، فأرُوه ماذا أعددتُ له من الكرامة، فيرى مقعده من الجنة أو النار». التاسع عشر: قوله في الحديث: «إذا خرجت روح المؤمن صلَّى عليها كلُّ ملَكٍ لله بين السماء والأرض». فالملائكةُ تصلِّي على روحه، وبنو آدم يصلُّون على جسده. العشرون: قوله: «فينظرُ إلى مقعده من النار حتى تقومَ الساعة». والبدنُ قد تمزَّق وتلاشى، وإنما الذي يرى المقعدَين الروحُ.

стр. 632

فصل الرابع والخمسون (١): حديث أبي موسى (٢): «تخرج نفسُ المؤمن أطيبَ من ريح المسك، فتنطلق بها الملائكة الذين يتوفَّونه، فتلقاهم (٣) ملائكةٌ من دون السماء، فيقولون: هذا فلان بن فلان، كان يعمل كيتَ وكيتَ ــ لمحاسن (٤) عمله ــ فيقولون: مرحبًا بكم وبه، فيقبضونها منهم، فيُصعَد به من الباب الذي كان يَصعدُ منه عملُه، فيشرق (٥) في السموات وهو (٦) برهان كبرهان الشمس، حتى ينتهى بها إلى العرش. وأما الكافر فإذا قُبِض انطُلِق بروحه، فيقولون: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان، كان يعمل كيتَ وكيت ــ لمساوي عمله ــ فيقولون: لا مرحبًا لا مرحبًا، رُدُّوه. فيُرَدُّ إلى أسفلِ الأرض إلى الثرى». ففيه عشرة أدلة: أحدها: خروجُ نفسه. الثاني: طيب ريحها. الثالث: انطلاقُ الملائكة بها. الرابع: تحيةُ الملائكة لها.

стр. 633

الخامس: قبضُهم لها. السادس: صعودُهم بها. السابع: إشراقُ السماوات لضوئها. الثامن (١): انتهاؤها إلى العرش. التاسع: قول الملائكة: من [١١٩ ب] هذا؟ وهذا سؤال عن عينٍ وذاتٍ (٢) قائمةٍ بنفسها. العاشر: قوله: رُدُّوه، فيُرَدُّ إلى أسفل الأرضين. فصل الرابع والستون: حديث أبي هريرة (٣): «إذا خرجت روحُ المؤمن تلقَّاه ملكان، فيُصعِدانه إلى السماء، فيقول أهل السماء: روحٌ طيبة جاءت من قِبَل الأرض. صلى الله عليكِ وعلى جسدٍ كنت تعمُرينه ــ وذكر المسكَ ــ ثم يصعَدُ به إلى ربِّه ، فيقول: رُدُّوه إلى آخر الأجلين». ففيه ستة أدلة: أحدها: قوله: تلقَّاه ملكان. الثاني: قوله: «فيُصعدانه إلى السماء». الثالث: قول الملائكة: «روح طيبة جاءت من قِبَل الأرض».

стр. 634

الرابع: صلاتهم عليها. الخامس: طيبُ ريحها. السادس: الصعودُ بها إلى الله . فصل الحادي والسبعون: حديث أبي هريرة (١): «إن المؤمن تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدةً، وأبشري برَوح وريحان وربٍّ غيرِ غضبان. فما يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، فيُعرَج بها حتى يُنتهَى بها (٢) إلى السماء، فيُستفتح لها. فيقال: مَن هذا؟ فيقال: فلان بن فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب! ادخلي حميدةً، وأبشري برَوح وريحان وربٍّ غيرِ غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك حتى يُنتهَى بها إلى السماء التي فيها الله . وإذا كان الرجل السوء قالوا (٣): اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق وآخرَ من شكله أزواج! فلا يزال يقالُ لها ذلك حتى تخرج، فيُنتهَى بها إلى السماء، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان بن فلان. فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في

стр. 635

الجسد [١٢٠ أ] الخبيث! ارجعي (١) ذميمةً، فإنه لا تُفتَح لك أبواب السماء. فتُرسَل إلى الأرض، ثم تصير إلى القبر». وهو حديث صحيح، وفيه عشرة أدلة: الأول: قوله: «كانت في الجسد الطيب» و «كانت في الجسد الخبيث». فهاهنا حالٌّ، ومحلٌّ. الثاني: قوله (٢): «اخرجي حميدة». الثالث: قوله: «وأبشري بروح وريحان» (٣) فهذا بشارة (٤) بما تصير إليه بعد خروجها. الرابع: قوله: «فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتَهى بها إلى السماء» (٥). الخامس: قوله: «فيستفتَح لها». السادس: قوله: «ادخلي حميدة». السابع: قوله: «حتى ينتهَى بها إلى السماء التي فيها الله». الثامن: قوله لنفس الفاجر (٦): «ارجعي ذميمة».
следующие страницы →