← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 39268

المدخل إلى السنن الكبرى - البيهقي - ت عوامة

أبو بكر البيهقي

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

١٢٣٦ - حدثنا أبو عبد الله الحافظ (١)، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا عارم (٢) ابن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن المنكدر قال: ما قدم البصرة أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يفضَّل على عمران بن حصين. ١٢٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجراحي بمرو، حدثنا مكي بن خالد السرخسي، حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة قال: رأيت لجابر بن عبد الله حلْقةً في المسجد، يؤخذ عنه. ١٢٣٨ - قال الشيخ أحمد: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، وأبوه، من أكابر الصحابة، شهد العقبة في السبعين من الأنصار، الذين بايعوا رسول الله ﷺ عندها، استُشهد أبوه يوم أحد، وبقي جابر بعد النبي ﷺ مدةً مديدةً حتى احتاجوا إلى علمه. ١٢٣٩ - وكذلك أبو سعيد سعد بن مالك الخدري شهد الخندق واستشهد أبوه يوم أحد، وبقي هو بعد النبي ﷺ مدةً

стр. 667

مديدةً، روى عنه جابر بن عبد الله، وقبل عمر بن الخطاب شهادته لأبي موسى في الاستئذان. ١٢٤٠ - ورجع إلى روايته عبد الله بن عباس في الصرف، وقال: أنتم أعلم برسول الله ﷺ مني (١). ١٢٤١ - وأبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، نزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة. وله، ولمن سمينا في هذا الجزء، ومن لم نُسمِّ من أصحاب رسول الله ﷺ ، لكل واحد منهم من فضل العلم والورع والسابقة ما يوجب الاقتداءَ به فيما لا يوجد فيه من الدلائل ما هو أعلى منه، ولفضائلهم كتاب آخر، يشتمل عليها، وهذا الموضع لا يسعُ لأكثر مما ذكرنا، وبالله التوفيق. ١٢٤٢ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٢)، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مالك بن الحارث، أو بعض أصحابه، عن مسروق قال: وجدت علم أصحاب النبي ﷺ انتهى إلى ستة: عمرَ، وعليّ، وأبيّ، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود ﵃، ثمَّ انتهى علم

стр. 668

هؤلاء الستة إلى اثنين: علي، وعبد الله، ﵄. ١٢٤٣ - أخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب ابن سفيان (١)، حدثنا أبو سعيد يحيى بن سليمان، حدثنا زياد البَكَّائي، وجرير الضبي، عن منصور، عن الشعبي، عن مسروق قال: شامَمْتُ أصحاب رسول الله ﷺ ، فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاء الستة قال: ثمَّ شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عمر، وعلي، وعبد الله. رواه مطرِّف، عن الشعبي، عن مسروق، فذكر أبا موسى بدل أبي الدرداء. ١٢٤٤ - حدثنا أبو عبد الله الحافظ (٢)، حدثني علي بن حمشاذ العدل، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا الحسن بن صالح، عن مطرِّف، عن الشعبي، عن مسروق قال: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله ﷺ ستة: عمر، وعلي، وعبد الله، وأبي، وزيد، وأبو موسى، ﵃. ١٢٤٥ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمر وابن

стр. 669

السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثني أبو عبد الله، هو أحمد بن حنبل، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا الشيباني، عن الشعبي قال: كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان عمر، وعبد الله، وزيد، يُشبه علمُ بعضهم بعضًا، وكان يقتبس بعضهم من بعض، وكان علي، والأشعري، وأبيّ، ﵃، يشبه علم بعضهم بعضًا، وكان يقتبس بعضهم من بعض، قلت: وكان الأشعري إلى هؤلاء؟ قال: كان أحد الفقهاء ﵏. ١٢٤٦ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: لقد جالست أصحاب محمد ﷺ ، فوجدتهم كالإخاذ، فالإخاذ يُروِي الرجل، والإخاذ يُروي الرجلين، والإِخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المئة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض صْدَرهم، فوجدت عبد الله من ذلك الإخاذ (٢). ١٢٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بكر بن سهل. ح، وأخبرنا أبو بكر ابن الحارث الفقيه، أخبرنا أبو محمد ابن حيان

стр. 670

الأصبهاني، حدثنا حمزة (١) قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرحيم ابن زيد العَمّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "سألت ربي فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى إليَّ: يا محمد، إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضُها أضوأُ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم، فهو عندي على هدًى". ١٢٤٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن (٢) قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي، حدثنا سليمان ابن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنَّة مني ماضية، فإن لم تكن سنَّة مني، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيُّما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة".

стр. 671

١٢٤٩ - أخبرنا أبو بكر ابن الحارث الأصبهاني، أخبرنا أبو محمد ابن حيّان الأصبهاني، حدثنا الحسن بن محمد التاجر، حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا يزيد بن هارون، عن جويبر، عن جوَّاب ابن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مثل أصحابي كمثل النجوم [في السماء]، هاهنا وهاهنا، من أخذ بنجم منها اهتدى، وبأيّ قول أصحابي أخذتم، فقد اهتديتم" (١). ١٢٥٠ - قال الإمام أحمد: هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسنادٌ. والله أعلم. ١٢٥١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق الإسفرايني، أخبرنا محمد بن أحمد بن البَرَاء قال: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الله بن جعفر المديني يقول (٢): لم يكن من أصحاب النبي ﷺ أحدٌ له أصحاب يفتون بقوله في الفقه، إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس ﵃.

стр. 672

كان لكل رجل (١) منهم أصحاب يقولون بقوله، ويفتون الناس، فكان أصحاب عبد الله، الذين يُقرِئون الناس بقراءته، ويفتونهم بقوله، ويذهبون مذهبه: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وعَبيدة السلْماني، وعمرو بن شُرحبيل، والحارث بن قيس، ستة هؤلاء عدّهم إبراهيم النخعي. ١٢٥٢ - قال: وكان أعلم أهل الكوفة بأصحاب عبد الله ومذهبهم إبراهيم والشعبي، إلا أن الشعبي كان يذهب مذهب مسروق، يأخذ عن علي ﵁، وعن أهل المدينة، وكان أبو إسحاق، وسليمان الأعمش، أعلمَ أهل الكوفة بمذهب عبد الله بعد هذين. وكان سفيان بن سعيد الثوري أعلم الناس بحديثهم، وطريقتهم بعد هذين. ١٢٥٣ - قال عليّ: وكان أصحاب زيد بن ثابت، الذين يذهبون مذهبه في الفقه، ويقولون بقوله هؤلاء الاثني عشر: كان منهم من لقيه، ومنهم من لم يلقه، كان ممن لقيه من هؤلاء الاثني عشر: قبيصة بن ذؤيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وأبان بن عثمان، وسليمان بن يسار، وكان ممن يقول بقوله ممن لا يثبت له لقاؤه مثل هؤلاء الأربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسالم، والقاسم. ١٢٥٤ - قال: وكان أعلم أهل المدينة بهؤلاء الاثني عشر ومذهبهم:

стр. 673

ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبو الزناد، وأبو بكر ابن حزم، ثمَّ كان بعد هؤلاء: مالك بن أنس. ١٢٥٥ - قال علي: وكان أصحاب ابن عباس ستة الذين يقولون بقوله، ويفتون به ويذهبون مذهبه: سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، ورواه علي عن يحيى بن سعيد القطان. ١٢٥٦ - قال علي: وكان أعلم الناس بهؤلاء وطريقتهم عمرو بن دينار، وكان أعلم الناس بهم بعده: ابن جريج، وسفيان بن عيينة. ١٢٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن يونس الفارسي، حدثنا إسماعيل ابن أبي أويس، وعيسى بن مينا. ح، وأخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثني أبو محمد عبد الله بن محمد المصري قالوا: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: قال أبو الزناد: أدركت من فقهاء أهل المدينة وعلمائهم، ممن يُرضى ويُنتهى إلى قولهم - وفي رواية ابن أبي أويس، وصاحبه: أن أباه قال: كان ممن أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم -: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن - يعني: ابن الحارث بن هشام -، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة،

стр. 674

وسليمان بن يسار، في مشيخةٍ جِلَّة سواهم من نظرائهم أهلِ فقهٍ وفضل. ١٢٥٨ - أخبرنا أبو الحسين (١) القطان، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٢)، حدثنا (٣) علي بن الحسن العسقلاني، حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك قال: كان فقهاء أهل المدينة الذين يصدرون عن رأيهم سبعة، فذكر هؤلاء الذين سماهم أبو الزناد، إلا أنَّه لم يذكر أبا بكر بن عبد الرحمن، وذكر فيهم: سالم بن عبد الله بن عمر. ١٢٥٩ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمر وابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول. ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق الإسفرايني، حدثنا محمد بن أحمد بن البَرَاء، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن سعيد قال: فقهاء أهل المدينة عشرة، قلت ليحيى: عُدَّهم، قال: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وقبيصة بن ذؤيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وأبان بن عثمان بن عفان، ﵃.

стр. 675

وسقط من رواية حنبل: خارجة بن زيد، وهو في رواية ابن البَرَاء (١). ١٢٦٠ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمر وابن السماك قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثني [أبو عبد الله، يعني: ] أحمد بن حنبل (٢)، حدثنا عبد الرحمن، هو ابن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله بن مسعود الذين يُقرِئون الناسَ ويعلمونهم السنة: علقمة، والأسود، وعَبيدة، ومسروق، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل. ١٢٦١ - قال: وحدثني أبو عبد الله أحمد بن حنبل، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن محمد بن سيرين قال: كان أصحاب عبد الله بن مسعود، مَن حفظ حديثه خمسة: كانوا كلُّهم يجعلون شُريحًا آخرهم، وكان بعضهم يبدأ بعَبيدة، ثمَّ الحارث، وبعضهم بدأ بالحارث، ثمَّ عَبيدة، ثمَّ علقمة، ثمَّ مسروق، ثمَّ شريح، وكان محمد يقول: إن قومًا أخسُّهم شريح. يعني: لَخيار. ١٢٦٢ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق الإسفرايني، حدثنا محمد بن أحمد بن البَرَاء قال: سمعت علي بن المديني يقول في حكاية ابن سيرين (٣): خالفه إبراهيم النخعي، وكان

стр. 676

إبراهيم عندي من أعلم الناس بأصحاب عبد الله وأبطنهم به. ١٢٦٣ - قال (١): وممن يقول بقولهم ويفتي بفتواهم: إبراهيم النخعي، وإبراهيمُ لقي من هؤلاء: الأسود، وعلقمة، ومسروقًا، وعَبيدة، ولم يسمع من الحارث بن قيس، ولا من عمرو بن شرحبيل. ١٢٦٤ - قال علي: وقتل الحارث بن قيس مع علي، ﵁، وليس بالأعور. ١٢٦٥ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمر وابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا مسدد، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي مِجْلَز قال: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي. ١٢٦٦ - وأخبرنا ابن بشران، أخبرنا أبو عمرو، حدثنا حنبل، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا أيوب بن سويد أبو مسعود الفلسطيني، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: سمعت مكحولًا يقول: ما لقيت أحدًا أعلم بسنة ماضية من الشعبي. ١٢٦٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمود، حدثنا ليث بن عبدة، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زَبْر الدمشقي، حدثنا أبي: عبدُ الله بن العلاء قال: سمعت الزهري (٢) يقول: أربعةٌ فقهاء: سعيد بن المسيّب بالمدينة، وعامر الشعبي بالكوفة، والحسن بن أبي الحسن بالبصرة، ومكحول بالشام.

стр. 677

قال أبو إسحاق - يعني: إبراهيم بن محمود -: فعرضت ذلك على أبي سليمان داودَ بنِ علي الفقيه فقال لي: لو لم أُجَبَّنْ لقلت: مُطَّلِبيُّنا لم يكن دونهم في الفقه أو أفقه (١). ١٢٦٨ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمر وابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا عارم (٢) ابن الفضل، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا محمد ابن أبي يعقوب قال: سمعتُ مورِّقًا العجلي قال: قال لي أبو قتادة العدوي: يا مورِّق، الزمْ هذا الرجل، وخذ عنه، فوالله ما رأيت رجلًا أشبه رأيًا بعمر بن الخطاب منه. يعني: الحسن البصري ﵄. ١٢٦٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو، حدثنا أبو الموجِّه، أخبرنا عبدان، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم قال: سمعت مورِّقًا العجلي يقول: ما رأيت أحدًا أفقه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين. قال عاصم: وذُكر محمد بن سيرين عند أبي قلابة فقال: اصرفوه حيث شئتم، فلتجِدُنَّه أشدَّكم ورعًا، وأملكَكم لنفسه. قال حماد: وحدثني شعيب بن الحبحاب قال: قال لي الشعبي: عليك

стр. 678

بذاك الأصم. يعني: محمد بن سيرين. ١٢٧٠ - قال الشيخ أحمد: وفي الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين جماعة آخرون هم أهل فضل وفقه، وفي إحصائهم وذكر فضائلهم تطويل، وقصدنا من هذا الكتاب تنبيه المتفقِّة على معرفة الصحابة والتابعين، وفي معرفة من ذكرنا منهم تنبيه على من لم نذكره. ١٢٧١ - وأما فقهاء الأمصار الذين انتهى إليهم علم الصحابة والتابعين، أو ما انتهى إليهم منه، واجتهدوا فيما سمعوا، واختار كل واحد لنفسه مذهبًا على ما أدى إليه اجتهاده، وصنف فيه، وتبعه من رأى فيما اختاره مثل رأيه فهم: من أهل الحجاز: أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك ابن أبي عامر الأصبحي، مات سنة تسع وسبعين ومئة، وهو ابن ست - وقيل: ابن خمس - وثمانين سنة. وأبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي، مات سنة أربع ومئتين، وهو ابن أربع وخمسين سنة. ومن أهل الشام: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، مات في أصح الأقاويل سنة سبع وخمسين ومئة، وهو ابن سبعين سنة. ومن أهل مصر: أبو الحارث الليث بن سعد الفَهْمي، مات سنة خمس وسبعين ومئة، وهو ابن إحدى وثمانين سنة. ومن أهل العراق: أبو حنيفة النعمان بن ثابت، مولى بني تيم الله، مات سنة خمسين ومئة، وهو ابن سبعين سنة.

стр. 679

وأبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، مات سنة إحدى وستين ومئة، وهو ابن ثلاث، وقيل: ابن أربع، وقيل: ابن خمس وستين سنة. وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين، وهو ابن سبع وسبعين سنة. ومن أهل خراسان: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، وهو ابن راهويه، مات سنة ثمان وثلاثين ومئتين، وهو ابن سبع وسبعين سنة. وأما أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، وأبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني فهما مع أقرانهما من العراقيين من المنتمين إلى أبي حنيفة. وأما أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي مع أقرانه من العراقيين، وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني مع أقرانه من المصريين فهم من المنتمين إلى الشافعي. وأما أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مع أقرانه الذين عُرفوا بالرأي والفقه فقد ذهب أتباعهم. وأما أبو بِسطام شعبة بن الحجاج، وأبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، وأبو معاوية هُشَيم بن بَشِير الواسطي، وأبو إسماعيل حماد بن زيد البصري، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك، وأبو سعيد يحيى بن سعيد القطان، وأبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي، وأبو زكريا يحيى بن معين، وأبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر المديني، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجُعْفي، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج

стр. 680

القشيري النيسابوري، مع أقرانهم الذين عُرفوا بالحديث، فهم أئمة أهل الحديث، الذين إليهم الرجوع في تصحيح الأخبار وتعليلها، وتزكية الرواة وجرحهم. وأما أبو سليمان داود بن علي الأصبهاني: فإنَّه كان من المنتحلين مذهب الشافعي والذابين عنه، ثمَّ إنه ذهب مذهب أهل الظاهر في ترك القول بالقياس فيما ليس فيه نص (١). ١٢٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: طبقات أصحاب الحديث خمسة: المالكية، والشافعية، والحنبلية، والراهويّه، والخُزَيمية، وهم رهط أبي بكر محمد ابن إسحاق بن خزيمة. ١٢٧٣ - قال أحمد: لقد أصاب العنبري فيما قال، فابن خزيمة أخذ الفقه من أبي إبراهيم المزني وغيره من أصحاب الشافعي، وإسحاق بن راهويه حين عَرَف فضل الشافعي، وتقدُّمه، انتسخ كتابه العراقي ببغداد، وحمله إلى خراسان، ولما ورد أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذيّ نيسابور بكتب الشافعي التي ألفها بمصر كتبها إسحاق بن راهويه، ورجع إلى أكثرها، هكذا ذكره لنا شيخنا أبو عبد الله الحافظ. وأما أحمد بن حنبل: فمعروف منه مجالستُه الشافعيَّ بمكة، وحين قدم العراق، وأخذُه عنه (٢)، وتحريضُه أصحابه على الأخذ منه، وثناؤه

стр. 681

عليه، ودعاؤه له، ﵁. ١٢٧٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو تراب المذكِّر قال: سمعت محمد بن المنذر الهروي يقول: لما قدم عليهم الشافعي العراق سمع الكتب منه حسين الكرابيسي، وأبو ثور، والزعفراني، وغيرهم، وحدثهم بأحاديث كثيرة، فسمع منه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما، فسمعت الزعفراني يقول: ما دخلت على الشافعي قط إلا وأحمد بن حنبل كان قد سبقني إليه. ١٢٧٥ - قال الشيخ أحمد: وأما مالك بن أنس فإنَّه أخذ العلم عن جماعة من التابعين من أهل الحجاز، ثمَّ عن ابن شهاب الزهري، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وغيرهم من فقهاء أهل الحجاز، وهم أخذوه (١) عن فقهاء التابعين الذين سميناهم فيما مضى، ومن لم نسمِّهم من أهل الحجاز مع من أدركوا من الصحابة، وأخذ أيضًا عن أيوب بن أبي تميمة السَّخْتِياني صاحب فقهاء أهل البصرة. ١٢٧٦ - وأما الأوزاعي، والليث بن سعد: فمرجعهما أيضًا في فتاويهما إلى الآثار، وأخذا العلم (٢) عمن أخذه منهم مالك بن أنس، ثمَّ عن غيرهم من فقهاء بلدهما، مع من أدركا من التابعين.

стр. 682

١٢٧٧ - وأما سفيان بن سعيد الثوري ﵁، فاعتماده أيضًا في فتاويه على الآثار، وأخذَ العلم عن أبي إسحاق السَّبيعي، وإسماعيل ابن أبي خالد، والأعمش، وغيرهم من الكوفيين، ثمَّ عن منصور بن المعتمر، وغيره من أصحاب إبراهيم النخعي، وإبراهيمُ أخذه عن التابعين الذين سميناهم فيما مضى من أهل العراق، وأخذ العلم أيضًا عن جماعة من المكيين والمدنيين واليمانيين والبصريين، مع من أدرك من التابعين، إلا أن ميله إلى قول أصحابه أكثر. ١٢٧٨ - وأما أبو حنيفة: فإنَّه أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وغيره من أصحاب إبراهيم مع من أدرك من التابعين، ويقال: إنه لقي من الصحابة عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيدي، وأنس بن مالك، وكان له رأي ولسان في الجدل. ١٢٧٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر ابن إسحاق يقول: سمعت الحسن بن علي بن زياد يقول: سمعت أحمد ابن أبي سُريج يقول: سمعت الشافعي يقول: قلت لمالك بن أنس: رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيته، لو تكلم في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته (١).

стр. 683

١٢٨٠ - وأما الشافعي: فإنَّه أخذ العلم من أهل الحجاز: عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وحاتم بن إسماعيل المدني، وأنس بن عياض الليثي، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فُديك، وعم أبيه محمد بن علي بن شافع، وغيرهم، وهم أخذوه عمن أدرك منهم من أدرك من التابعين، ثمَّ عمن أدركوا من أدرك من فقهاء التابعين الذين سميناهم فيما مضى ومن لم نسمّ. ١٢٨١ - وسفيان بن عيينة من بينهم: أخذ علم فقهاء المكيين عن عمرو بن دينار، وعبد الله ابن أبي نَجيح، وعبد الله بن طاوس، وابن جريج، وغيرهم. وعلم المدنيين عن ابن شهاب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهما. وعلم العراقيين عن أبي إسحاق، وإسماعيل بن أبي خالد، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وأيوب السختياني، وغيرهم، وأخذه الشافعي عنه عن جماعتهم. ١٢٨٢ - وأخذ الشافعي عن مسلم بن خالد الزَّنْجي، وعبد المجيد بن عبد العزير بن أبي رَوّاد، وعبد الله بن الحارث المخزومي، مما انتهى إلى عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، من علم عطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومجاهد، وغيرهم من فقهاء المكيين، ثمَّ مما انتهى إليه من علم المدنيين. ١٢٨٣ - وأخذ عن فضيل بن عياض: مما انتهى إليه من علم منصور

стр. 684

ابن المعتمر، وغيره من الكوفيين. ١٢٨٤ - وعن سعيد بن سالم القداح: مما انتهى إليه من علم ابن جريج، وغيره من الحجازيين. ١٢٨٥ - ثمَّ من علم سفيان بن سعيد الثوري، وغيره من الكوفيين. ١٢٨٦ - وأخذ من أهل الشام: عن عمر وابن أبي سلمة التنِّيسي، ويحيى بن حسان، وغيرهما، مما انتهى إليهم من علم الأوزاعي، والليث ابن سعد، وكان يتأسف على ما فاته من رؤية الليث. ١٢٨٧ - وأخذ من أهل اليمن: عن هشام بن يوسف الصنعاني، وغيره مما انتهى إليهم من علم معمرِ بن راشد صاحبِ الزهري، ويحيى بن أبي كثير اليَمَامي، وغيره. ١٢٨٨ - وأخذ من أهل البصرة: عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية، وغيرهما مما انتهى إليهم من علم أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وخالد بن مِهران الحذَّاء، وغيرهم من أصحاب الحسن، وابن سيرين، وأبي قلابة، وغيرهم من فقهاء البصرة، مع من أدركا من التابعين، ثمَّ عن أصحاب عبد الله بن عون، وهشام بن حسان صاحبي الحسن، وغيره من البصريين. ١٢٨٩ - ثمَّ عن عمرو بن الهيثم أبي قَطَن، وغيره من أصحاب شعبة ابن الحجاج، ثمَّ عن أصحاب سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وهشيم بن بَشير الواسطي، وغيرهم من العراقيين.

стр. 685

١٢٩٠ - وأخذ من أهل الكوفة: عن مروان بن معاوية الفزاري، ووكيع بن الجراح، وغيرهما من أصحاب إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وسفيان الثوري، وغيرهم. ١٢٩١ - وأخذ عن جماعة من أهل الحجاز والعراق: عن هشام بن عروة بن الزبير، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، وعبد الله (١) بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطّاب ﵁، وأخذ عن عبد الله بن المبارك الخراساني، ثمَّ عن داود بن عبد الرحمن العطار، عنه. ١٢٩٢ - ثمَّ أخذ عن أصحاب عبيد الله بن عمرو الرقي من أهل الجزيرة، وأخذ عن محمد بن الحسن الشيباني، من مذهبه ومذهب صاحبه ما احتاج إليه، حتى وقف عليه وعلى ما احتجا به، ثمَّ ناظره فيما كان يَرَى خلافه فيه وكان يقول: ما كلمتُ أسودَ الرأس أعقلَ من محمد بن الحسن (٢).

стр. 686

وكان محمد بن الحسن يعظِّمه ويبجِّله، ورجع إلى قوله في مسائل معدودة. ١٢٩٣ - وكان مَن مضى من علماء أهل المدينة لا يعرفون مذاهب أهل الكوفة، وكان أهل الكوفة يعرفون مذاهب أهل المدينة، فكانوا إذا التقوا، وتكلموا، ربما انقطع المدني، فكتب الشافعي مذاهبهم، ودلائلهم، ثمَّ لم يخالفهم إلا فيما قويتْ حجته عنده، وضعفتْ حجة الكوفيين فيه. وكان يكلم محمد بن الحسن وغيره على سبيل النَّصَفة (١). وكان يقول: ما ناظرت أحدًا قط إلا على النصيحة، وكان يقول: ما ناظرت أحدًا قط، فأحببت أن يخطئ، وكان يقول: ما كلمت أحدًا قطُّ، إلا ولم أبالِ بيّن الله الحقَّ على لساني أو لسانه.

стр. 687

١٢٩٤ - وكان عبد الله بن أحمد بن حنبل يحكي عن أبيه قال (١): قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح فأَعلِموني إنْ شاء يكون كوفيًا، أو بصريًا، أو شاميًا، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا. ١٢٩٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد بن أحمد العدل، أخبرنا عمر بن الربيع بن سليمان، بمصر، حدثنا الحضرمي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، فذكره. قال أحمد: ولهذا (٢) كثُر أخذه بالحديث، وهو أنَّه جمع علم أهل الحجاز والشام واليمن والعراق، وأخذ بجميع ما صح عنده من غير محاباة منه، ولا ميل إلى ما استجلاه من مذهب أهل بلده، مهما بان له الحق في غيره. وفيمن كان قبله مَنِ اقتصر على ما عَهِد من مذاهب أهل بلده، ولم يجتهد في معرفة صحة ما خالفه (٣)، والله يغفر لنا ولهم، ويرحمنا وإياهم، فكلٌّ منهم بحمد الله ومنِّه رجع في أكثر ما قال، ومعظم ما رسم إلى وثيقة أكيدة، ممن يُقتدى به في الدين، وفقنا الله تعالى للاقتداء بهم، والاهتداء بهديهم، وجمع بيننا وبينهم في جنات النعيم بفضله وسعة رحمته، إنه غفور رحيم.

стр. 688

١٢٩٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن زياد العدل يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: ما أحدٌ أورعَ لخالقه من الفقهاء. ١٢٩٧ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت الحسين بن على بن يزدانيار يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: إن لم يكن الفقهاء أولياءَ الله في الآخرة، فما لله وليّ. ١٢٩٨ - ورواه أحمد بن يحيى بن زُكير المصري، عن الربيع، عن الشافعي: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياءَ الله، فما لله وليّ (١). * * * * *

стр. 689

باب من له الفتوى والحكم ١٢٩٩ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي قال (١): ليس للحاكم أن يولِّي الحكم أحدًا، ولا لمُوَلَّى الحكمِ أن يقبله، ولا للوالي أن يولي أحدًا، ولا ينبغي للمفتي أن يفتي حتى يجمع أن يكون: عالمًا، علم الكتاب، وعلمُه: ناسخُه ومنسوخُه، وخاصُّه وعامُّه، وفرضُه وأدبه، وعالمًا بسنن رسول الله ﷺ ، وأقاويل أهل العلم قديمًا وحديثًا، وعالمًا بلسان العرب، عاقلًا يميز بين المشتبه ويعقل القياس، فإن عدم واحدةً من هذه الخصال، لم يحلَّ له أن يقول قياسًا. ١٣٠٠ - وكذلك لو كان عالمًا بالأصول، غيرَ عاقل للقياس الذي هو الفرع، لم يَجُز أن يقال لرجل: قِسْ، وهو لا يعقل القياس، وإن كان عاقلًا للقياس، وهو مضيع لعلم الأصول أو شيء منها، لم يجز أن يقال له: قِس على ما لا تعلم. ١٣٠١ - واعتبر في كتاب الشهادات أن يكون القاضي مع هذا عدلًا. ١٣٠٢ - واعتبر في القديم مع هذا أن يكون عاقلًا، كيف يأخذ

стр. 690

الأحاديث، مصحِّحًا لأخذها لا يردّ منها ثابتًا، ولا يُثبت ضعيفًا. ١٣٠٣ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا الحسن بن علي بن عفان العامري، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يَقبض العلماء فيُقْبَض العلم، حتى إذا لم يترك عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا". أخرجاه في "الصحيح" من أوجه عن هشام، ورواه مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة (١). ١٣٠٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٢)، أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن عمرو ابن أبي نَعِيمة - رضيع عبد الملك بن مروان، وكان امرأ صدقٍ - عن مسلم بن يسار قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ بيتًا في جهنم، ومن أُفتيَ بغير علم كان إثمه

стр. 691

على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرُّشْد في غيره فقد خانه". وكذلك رواه سعيد بن أبي أيوب، عن بكر بن عمرو (١). ١٣٠٥ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا الدينوري محمد بن عبد الله بن مهران، حدثنا سعيد - يعني: ابن منصور -، عن خلف بن خليفة، حدثنا أبو هاشم قال: لولا حديث ابن بريدة، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ لقلنا إن القاضي إذا اجتهد فلا شيء عليه، ولكن قال: قال رسول الله ﷺ : "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم (٢) يقضِ به، فَجَار في الحكم، فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق، فقضى للناس على جهل، فهو في النار" (٣). ١٣٠٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن أحمد بن

стр. 692

بالويه، أخبرنا (١) محمد بن غالب، حدثنا عمرو بن مرزوق، وأبو عمر الحوضي واللفظ لعمرو قالا: حدثنا (٢) شعبة، عن أبي حَصين قال: سمعت أبا عبد الرحمن يقول: إن عليًا ﵁ أتى على قاصٍّ يقصُّ فقال: أتعرفُ الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال علي ﵁: هلكتَ وأهلكتَ. ١٣٠٧ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، أخبرنا أبو عبد الله بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا سلمة بن نُبيط، عن الضحاك. ح، وأخبرنا أبو الطيب أحمد بن علي بن محمد الطالبي الجعفري بالكوفة، أخبرنا أبو أحمد عبيد الله بن موسى ابن أبي قتيبة، حدثنا أحمد بن موسى التميمي أبو جعفر، حدثنا أبو نعيم، عن سلمة بن نُبيط الأشجعي، حدثنا الضحاك بن مزاحم قال: مرَّ ابن عباس بقاصّ، فضربه برجله، وقال: يا قاصُّ، هل تعلم الناسخ من المنسوخ؟ قال: وما الناسخ من المنسوخ؟ قال: أَوَلا تعرف؟ قال: لا، قال: هلكتَ وأهلكتَ. لفظ حديث جعفر. ١٣٠٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب،

стр. 693

حدثني سفيان، عن أبي سنان الشيباني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنَّه كان يقول: من أفتى بفتيا، وهو يُعَمِّي فيها كان إثمها عليه. ١٣٠٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا (١) أبو جعفر محمد بن مهران الجمّال (٢)، أخبرني علي بن شقيق، عن ابن المبارك قال: قيل له: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالمًا بالأثر، بصيرًا بالرأي. ١٣١٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا سعيد محمد بن شاذان يقول: سمعت أبا قدامة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: احفظْ: لا يجوز أن يكون الرجل إمامًا حَتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم (٣). ١٣١١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي (٤): ومن تكلَّف ما جهل، وما لم يُثْبِته معرفةً، كانت

стр. 694

موافقته للصواب إنْ وافقه من حيثُ لا يعرفه غيرَ محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذور، إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه. ١٣١٢ - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد ابن عبيد الصفار، حدثنا (١) الحسن بن علي بن المتوكل، حدثنا سُريج، حدثنا سهيل ابن أبي حزم، حدثنا أبو عمران الجَوْني، عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" (٢). ١٣١٣ - أخبرنا أبو نصر ابن قتادة، أخبرنا أبو منصور النضرويي، حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا سعيد بن منصور (٣)، حدثنا هشيم، أخبرنا العوام بن حوشب، حدثنا إبراهيم التيمي قال: خلا عمرُ بن الخطّاب ذات يوم فجعل يحدث نفسه فأرسل إلى ابن عباس، فقال: كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد، ونبيُّها واحد، وقبلتُها واحدة؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أُنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيمَ نزل، وإنه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يعرفون فيمَ نزل، ويكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا فيه اقتتلوا، فزبره عمر

стр. 695

وانتهره، فانصرف ابن عباس، ثمَّ دعاه بعدُ فعرف الذي قال ثمَّ قال: إيهًا أَعِد عليَّ. هذا منقطع، وفيه وفي الحديث المرفوع قبله إنْ ثَبَتا كالدلالة على منع أرباب العقول من الكلام في العلم من غير معرفة منهم بأصول العلم وفروعه. وبالله التوفيق. (١). * * * * *

стр. 696

باب إبطال الاستحسان ١٣١٤ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي ﵀ (١): حُكْم الله جل ثناؤه، ثمَّ حكم رسول الله ﷺ ، ثمَّ حكم المسلمين: دليل على أنَّه لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكمًا أو مفتيًا، أن يحكم ولا أن يفتي، إلا من جهةِ خبرِ لازمٍ، وذلك الكتابُ ثمَّ السنةُ، أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه، أو قياسٌ على بعض هؤلاء، ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان، وذَكَر فيما احتج به قولَ الله : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، فلم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمتُ أن السُّدَى: الذي لا يُؤمر ولا يُنهى، ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به، فقد أجاز لنفسه أن يكون في معاني السُّدَى، وقد أعلمه الله أنَّه لم يتركه سُدى، ورأى أن قال: أقول ما شئت. ولو جاز تعطيل القياس، جاز لأهل العقول من غير أهل العلم أن يقولوا فيما ليس فيه خبر بما يحضرهم من الاستحسان (٢). ١٣١٥ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا

стр. 697

عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿سُدًى﴾ قال: هَمَلًا (١). ١٣١٦ - وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن السقا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بُطَّة، حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا الأصبهاني، حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] قال: لا يؤمر، ولا ينهى. واحتج الشافعي (٢) أيضًا بما: ١٣١٧ - أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، من أولاد النعمان بن بشير الأنصاري، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن بن الحسين بن منصور، حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا شعبة، عن أبي عون الثقفي، عن الحارث بن عمر وابن أخي المغيرة بن شعبة، عن رجال من أهل حمص من أصحاب معاذ، عن معاذ: أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عَرَض القضاء؟ " قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله تعالى قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: قلت: فبسنة رسول الله ﷺ قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ ؟ " قال: قلت: أجتهد رأيي لا آلو قال: فضرب صدري بيده وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله ﷺ لما يُرضي

стр. 698

رسول الله ﷺ " (١). ١٣١٨ - أخبرنا أبو سعيد يحيى بن محمد بن يحيى الحاكم الإسفرايني، أخبرنا أبو بحر محمد بن الحسن بن كوثر البربهاري، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا الشيباني، عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى شريح: إذا حضرك أمر لابدَّ منه فانظر ما في كتاب الله فاقضِ به، فإن لم يكن فبما قضى به الرسول ﷺ ، فإن لم يكن فبما قضى به الصالحون وأئمة العدل، فإن لم يكن، فأنت بالخيار، فإن شئتَ أن تجتهد رأيك فاجتهد، وإن شئت أن تؤامرني فآمِرْني، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرًا لك، والسلام. ١٣١٩ - وأخبرنا أبو نصر ابن قتادة، أخبرنا أبو محمد أحمد بن إسحاق البغدادي الهروي، أخبرنا معاذ بن نجدة، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا سفيان - هو الثوري -، عن سليمان، عن الشعبي، عن شريح قال: كتب إليَّ عمر ﵁ أنِ اقض بما في كتاب الله، فذكر الحديث بمعناه، إلا أنَّه لم يذكر أئمة العدل، وقال في آخره: فأنت بين أمرين: إن شئت أن تَقَدَّم، وإن شئت أن تَأَخر، وأرى أن تتأخر خيرٌ لك، والسلام. ١٣٢٠ - أخبرنا أبو سعيد الحاكم، أخبرنا أبو بحر البربهاري، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثر الناس على عبد الله

стр. 699

ابن مسعود يسألونه فقال: يا أيها الناس، إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولسنا هناك، وإنه قدِّر لنا أنْ بلغْنا من الأمر ما ترون، فمن ابتلي منكم بقضاء فليقضِ بما في كتاب الله ، فإن لم يكن في كتاب الله، فليقض بما قضى به رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله ﷺ ، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله ﷺ ولا فيما قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقولن أحدكم: إني أخاف، وإني أرى، فإن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وشبهاتٌ بين ذلك، ودع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك (١). ١٣٢١ - وأخبرنا أبو سعيد الحاكم، أخبرنا أبو بحر البربهاري، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا حضرك أمر لابد منه، فاقضِ بما في كتاب الله، فإن عَييت، فبما قضى به الرسول ﷺ ، فإن عييت، فبما قضى به أئمة العدل، فإن عييت فأُمَّ - يعني: الحقَّ - ولا تأْلُ، فإن عييتَ، فأَقْرِرْ ولا تستحي. ١٣٢٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله،

стр. 700

حدثنا الأوزاعي، حدثني عبدة بن أبي لبابة (١)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ ، لم يدرِ على ما هو فيه إذا لقي الله . ١٣٢٣ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا شبابة، حدثنا هشام بن الغازِ، عن نافع، عن ابن عمر قال: كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنةً (٢). ١٣٢٤ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أخبرنا أحمد بن محمد بن عبدوس، حدثنا عثمان بن سعيد قال: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد الله بن جعفر المَخْرَمي (٣)، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فأمره ردٌّ". أخرجاه في "الصحيح" كما مضى (٤).

стр. 701

١٣٢٥ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي في كتاب الإقرار بالحكم الظاهر (١)، فذكر فصلًا طويلًا في ردّ الاجتهاد على غير أصل، وذكر فيما احتج به قولَ الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] فجعل الناسَ تبعًا لهما، لم يُهملهم، والاجتهادُ ليس عينًا قائمةً، إنما هو شيء يُحدثه من نفسه، ولم يؤمر باتباع نفسه، إنما أُمر باتباع غيره، فإحداثه على الأصلين اللذين افترض الله عليه، أولى به من إحداثه على غير أصل. ١٣٢٦ - وذكر مثال ذلك الكعبةَ، من رآها صلى إليها، ومن غاب عنها توجه إليها بالدلائل عليها لأنها الأصل، فإن صلى غائبًا عنها برأي نفسه بغير اجتهاد بالدلائل عليها، كان مخطئًا، وكانت عليه الإعادة. ١٣٢٧ - قال: ومثلُ قول الله : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] والمثلُ للمقتول (٢)، وقد يكون غائبًا، فإنما يُجتهد على أصل الصيد المقتول، فينظر إلى أقرب الأشياء به شبهًا، فَيَدِيه. ١٣٢٨ - ومثلُ أذان ابن أم مكتوم في عهد رسول الله ﷺ ، وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (٣)، فلو جاز الاجتهاد على غير أصل، كان لابن أم مكتوم أن يؤذِّن بغير إخبار غيرِه له أن الفجر قد طلع، ولكن لما لم تكن فيه آلة الاجتهاد على الأصل

стр. 702

لم يجز اجتهاده حتى يخبره من قد اجتهد على الأصل. ثم ساق الكلام إلى أن قال: ١٣٢٩ - فإن قيل: فقد أمر رسولُ الله ﷺ سعدًا أن يحكم في بني قُريظة، فحكم برأيه، فقال رسول الله ﷺ : "وافقتَ حكم الله فيهم" (١)، قيل: هو مثل قول الله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] على معنى استطابةِ أنفسِ المستشارين أو المستشار فيهم، والرضا بالصلح على ذلك، ووضع الحرب بذلك السبب، لا أن برسول الله ﷺ حاجةً إلى مشورة أحد، والله يؤيده بنصره (٢)، بل لله ولرسوله المنُّ والطَّوْل على جميع خلقه، فيحتمل أن يكونَ قوله له "احكم": على هذا المعنى، أو يكونَ قد علم من رسول الله ﷺ سنة في مثل هذا، فحكم على مثلها، أو يحكم فيوفِّقه الله لأمر رسول الله ﷺ (٣) فيعرف رسول الله ﷺ صواب ذلك، فيقرُّه عليه، أو يعرف غير ذلك، فيعمل رسول الله ﷺ في ذلك بطاعة الله. ١٣٣٠ - قال: فإن قيل: فقد أكلوا الحوت بغير حضور النبي ﷺ ، بلا أصل عندهم، يعني: أصحاب أبي عبيدة (٤)، قيل:

стр. 703

لموضع الضرورة والحاجة إلى أكله، على أنهم ليسوا على يقين من حِلّه، ألا تراهم سألوا عن ذلك، أَوَلا ترى أصحاب أبي قتادة في الصيد الذي صاده إذ لم يكن بهم ضرورة إلى أكله أمسكوا إذ لم يكن عندهم أصل، حتى سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك (١). ١٣٣١ - وذكر الشافعي ﵁ لهم غير هذا: من أن النبي ﷺ كان يبعث عماله وسراياه ويأمر الناس بطاعتهم، وقد فعلوا برأيهم. ثم أجاب عنه: بأن رسول الله ﷺ كان يأمرهم بطاعة الله ، ورسوله ﷺ ، ويأمر من أمَّر عليهم أميرًا أن يطيعوه ما أطاع الله، فإذا عصى الله فلا طاعة له عليهم، وأنه كره لهم كل شيء فعلوه برأي أنفسهم من الحرق والقتل، وأباح لهم كل ما عملوه مطيعين فيه لله ولرسوله، فلو لم تكن لنا حجة في ردّ الاجتهاد على غير أصل، إلا ما احتججت به: أن النبي ﷺ كره لهم ونهاهم عن كل أمر فعلوه برأي أنفسهم، لكان فيه كفاية. قال الشيخ أحمد: والأحاديث التي أشار إليها الشافعي ﵀ مخرجة في كتاب "السنن" في مواضعها. وقوله "أمسكوا": يريد به بعض من كان مع أبي قتادة. * * * * *

стр. 704

باب ما يُذكر من ذم الرأي وتكلُّف القياس في موضع النصّ قال الله جل ثناؤه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ١٣٣٢ - قال الشافعي ﵁: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩]- يعني: والله أعلم - هم وأمراؤهم الذين أُمروا بطاعتهم، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] يعني - والله أعلم -: إلى ما قال الله والرسول. ١٣٣٣ - أخبرنا بذلك أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس - هو - الأصم، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي (١)، فذكره. ١٣٣٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قال مجاهد: البدع والشبهات. ١٣٣٥ - أخبرناه أبو بكر القاضي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا أبو أسامة، عن شِبْل بن عباد المكي، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، فذكره. ١٣٣٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد، حدثنا إبراهيم ابن أبي طالب، وعبد الله بن محمد قالا: حدثنا محمد بن المثنى،

стр. 705

حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد (١)، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: "بعثت أنا والساعةَ كهاتين" ويفرِّق (٢) بين إصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد، فإن خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرُ الهَدْيِ (٣) هَدْي محمد، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة". ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن مِن نفسه، مَن ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دَينًا أو ضَياعًا (٤) فإليَّ وعليَّ". رواه مسلم [في "الصحيح"] (٥) عن محمد بن مثنى.
следующие страницы →