← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 3933

التخريج ودراسة الأسانيد

حاتم العوني

Полный текст (110 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التخريج ودراسة الأسانيد لفضيلة الشيخ الدكتور حاتم بن عارف الشريف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله مستحق الحمد ووليه، وصلواته على خيرته من خلقه وصفيه، نبينا محمد خاتم الرسل، المبعوث بأفضل الأديان والملل، وعلى مجيبي دعوته، ومصدقي كلمته، المتبعين لشريعته، والمتمسكين بسنته، وعليه وعليهم أفضل السلام، ومتتابع الرحمة والإكرام (١) . أما بعد: فهذه الطبعة الثانية من مذكرة التخريج ودراسة الأسانيد، لفضيلة الشيخ: حاتم بن عارف الشريف -حفظه الله-، والتي كانت في الأصل دروساً ألقاها فضيلته في صيف عام ١٤١٩هـ، بجامع الشيخ: عبد العزيز بن باز ﵀، بمكة المكرمة -حرسها الله-. وقد فُرِغت أشرطة هذه الدروس من قبل الأستاذ الفاضل: وائل الحارثي -وفقه الله-، وكانت منتشرةً بخط يده، ثم استأذنتُ الشيخ -حفظه الله- أن أكتبها بالكمبيوتر وأنزلها على الإنترنت، فسمح -حفظه الله- بذلك. وبدئت العمل فيها منذ فترة، وخرجت بحمد الله الطبعة الأولى منها، ولكن الاستعجال في إخراجها أدى لوجود بعض الأخطاء فيها، مما حداني إلى النظر في الأخطاء وتصويبها، وعرض بعض المواضع على الشيخ -حفظه الله-، الذي أضاف وحذف وعدّل؛ فكانت هذه الطبعة -ولله الحمد- أصح بكثيرٍ من سابقتها. وأحب أن أنبه على أن هذه الطبعة تختلف عن سابقتها، فلا يُكتفى بالطبعة الأولى عن الثانية؛ لأهمية التعديلات والإضافات في هذه الطبعة، ثم إن هذه الطبعة قد زُودت بكشاف للموضوعات، قام بوضعه الأخ الفاضل: عبده كدّاف -وفقه الله-، وسيُلحق بالمذكرة بإذن الله ملحق بأفضل طبعات كتب السنّة، ومن اقتنى المذكرة قبل أن يلحق بها؛ فليطلبه من مركز الأنصاري بمكة المكرمة -الذي قام بطبع هذه المذكرة-. هذا وأسأل المولى -جل وعلا- أن ينفع بهذه المذكرة. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه. وكتب/ المعتني بالمذكرة: خالد بن خلف الشريف

стр. 2

الجزء الأول: التخريج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. التخريج ودراسة الأسانيد: علمٌ مهمٌ من علوم السنة المشرفة، وهو في الحقيقة الثمرة، التي من أتقن مقدماتها وما قبلها فقد وصل إليها، وحقق ما يريده من دراسة علوم السنة؛ وهو تمييز المقبول من المردود مما ينسب ويضاف إلى النبي ﷺ والى صحابته، والتابعين كذلك. وهذا العلم لا يتقنه ولا يحسنه إلا من أتقن علوما ثلاثة؛ هي في الحقيقة أصول علوم الحديث: العلم الأول: علم أصول الحديث: وهو مصطلحه، وقواعده. العلم الثاني: وهو داخل في الأول، ويُخص لأهميته: وهو علم الجرح والتعديل. العلم الثالث: علم مصادر السنة، سواء المعتنية بإخراج الأحاديث بالأسانيد أو كتب التراجم. ثم إن إتقان هذه العلوم الثلاثة لا يتمُ إلا بممارسة التخريج من وقت مبكر، فبينهما تلازم كبير. فينبغي للطالب من حين دراسة مختصر في علوم الحديث أن يبتدئ في التدرب والتمرن على التخريج. وتخريجه للحديث في الوقت المبكر لا يعني أنه أتقنه، ولكن نطالبه بذلك حتى يتقن علم المصطلح وعلم التخريج أيضاً. * (تعريف التخريج) : * التخريج لغةً: مصدر الفعل خرَّج بمعنى أظهر وأبرز، فالتخريج هو الإظهار والإبراز. * وفي الاصطلاح: عزو الحديث إلى مصادره الأصلية المسندة، فإن تعذرت فإلى الفرعية المسندة، فإن تعذرت فإلى الناقلة عنها بأسانيدها، مع بيان مرتبة الحديث غالباً.

стр. 3

علاقة التعريف الاصطلاحي باللغوي ظاهرة: وهي أنك بعزوك للحديث أظهرته وأبرزته وأعلمت أماكن وجوده، إضافةً إلى أن حكمك على الحديث يعطيه مكانةً وقدراً، ويعرِّف القارئ من خلال حكمك هل يُعمل بهذا الحديث أم لا. * شرح التعريف: (العزو) : هو النسبة، أو الإحالة. وللعزو أساليب مختلفة منها: ١-...العزو المطوّل: وهو الذي يلتزم فيه المحُيل أو العازي ذكر مكان وجود الحديث في الكتاب من خلال ذكر الكتاب الذي أورد فيه الحديث، والباب، ثم يضيف المحيل والعازي إلى ذلك: رقم المجلد، والصفحة، ورقم الحديث إن وُجد أيضاً. وهذا أطول عزو ممكن، وقد يقوم مقام الباب والكتاب، ذكر الترجمة فيما لو كان الكتاب مرتب على التراجم، كتاريخ بغداد، وتراجم الضعفاء، فتقول: في ترجمة فلان. وميزة العزو المطوّل: أنه تبقى إفادته مهما اختلفت طبعات الكتاب. وعيبه: الطول، خاصةً إذا كان الحديث يُعزى إلى مصادر كثيرةٍ جداً. ٢-العزو المختصر: وهو أن تذكر من أخرج الحديث فقط. فتقول: أخرجه البخاري، من دون ذكر الباب ولا الكتاب ولا الصفحة ولا المجلد ولا أي شئ، كما كان يفعله المتقدمون، أنظر (تلخيص الحبير) ، و (نصب الراية) ، وكتب التخريج المشهورة. وهذه الطريقة مفيدة خاصة مع الكتب المشهورة مثل الصحيحين، والتي صنعت لها فهارس متعددة في الوقت الحاضر مما يسهل الرجوع للحديث فيها. ولعل السبب في استعمال هذه الطريقة عند المتقدمين هو اختلاف النسخ، ولم يكن لديهم طبعة معينة يمكن أن يعزى إليها كما هو حاصل في الوقت الحاضر. وهذه الطريقة المختصرة يمكن اللجوء إليها في مرّات قليلة ونادرة فيما لو كان الكتاب مشهوراً ومتداولاً، وفيما لو كان الذي يكتب ويصنف لا يصنف في التخريج فيأتي حديث أو حديثين فيعزوها إلى مصادرها عزواً مختصراً.

стр. 4

٣-...وهناك طريقة متوسطة: وهي التي يُذكر فيها رقم الحديث إذا كان الكتاب مرقماً، وهي الأفضل؛ لأن الترقيم غالباً لا يختلف بين الطبعات اختلافاً كثيراً، فيتقدم الحديث عشراً أو عشرين رقماً ثم تجده وهكذا،فالوقوف عليه مع اختلاف الطبعات ممكن، لكن الذي يقلل من فائدة هذه الطريقة هو أن بعض الكتب ترقيمها ليس صحيحاً، كما حصل في (مصنف ابن أبي شيبة) حيث رُقمت منه مجلدات وهناك مجلدات منه لم ترقم، ثم رجعوا للمجلدات الأخيرة ورقموها دون الالتفات للمجلدات الوسطى فأصبح الترقيم لا فائدة منه أو قليل الفائدة،لكن إذا كان الترقيم جيداً ودقيقاً إلى حدٍّ ما يكون العزو إليه أفضل من غيره، وهو متوسط بين التطويل والاختصار. إلا أن العزو المطوّل له فائدة خاصة في بعض الأحيان، ويلزم الباحث أن يعتني به فيما لو كان الموطن الذي يعزو إليه له أهمية خاصة كأن يكون طريقاً مهماً في كتابٍ سئ الطباعة والتحقيق، يُظنّ أنه سوف يُحققُ تحقيقاً جديداً، فتحديد الموطن مفيد؛ لأنه قد تختلف الطبعة، وقد يشكك الباحث إذا لم يجد الطريق في الطبعة الجديدة ولكن إذا قيل له مثلاً: أخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة فلان بن فلان، أمكن الوقوف على الطريق حتى لو اختلفت الطبعات. (الحديث) : في الاصطلاح: هو كل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة أو سيرة أو إلى الصحابة أو إلى التابعين كذلك. وهو قيدٌ نخرج به عزو الآيات القرآنية، وعزو الأبيات الشعرية إلى الدواوين.

стр. 5

(إلى مصادره الأصلية) : نلاحظ في وصف الكتاب بالأصالة في علوم الحديث أمرين: ١- قِدَمُ الكتاب. ٢- أهمية الكتاب. فقد يكون الكتاب قديماً لكنه ليس أصيلاً؛ لأنه غير مهم، مثاله: لو وقفت على حديث في (صحيح البخاري) يخرجه البخاري من نسخة (وكيع عن الأعمش) -وهي نسخة حديثية مطبوعة- هل يصح أن أعزو إلى (نسخة وكيع) المتقدمة أم إلى (صحيح البخاري) ؟ الصحيح أن أعزو إلى (صحيح البخاري) مع أن (نسخة وكيع) متقدمة، لكن مرتبة (صحيح البخاري) في الأهمية جعلته يُقدم على (نسخة وكيع) المتقدمة. وقد يحصل العكس فيكون الكتاب مهماً لكنه ليس بقديمٍ جداً، فلا يصح أن أعزو إلى ابن عساكر في (تاريخ دمشق) لحديث أخرجه ابن عساكر من طريق القطيعي عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أحمد بن حنبل في (المسند) ، وأترك العزو للمسند، بل الواجب عليَّ أن أعزو إلى (المسند) ثم إذا أضفت ابن عساكر بعد ذلك فلا بأس، لكن أن أترك العزو إلى (المسند) وأكتفي بالعزو إلى ابن عساكر مع أن ابن عساكر يرويه من طريق (المسند) بإسناده وأغفل (المسند) ، فهذا خطأٌ في التخريج؛ لأني لم أعزُ إلى المصدر الأصلي، فالمصدر الأصلي هو الذي بنى عليه ابن عساكر إسناده وروايته. ومن أمثلتها أيضاً روايات البغوي في كتابه (شرح السنّة) عن الكتب الستة، فلا يصح أن أعزو الحديث إلى البغوي في شرح السنّة والحديث موجود في أحد الكتب الستة، والبغوي كثير الرواية عن الكتب الستة في كتبه ومصنفاته، وكذلك المزي في (تهذيب الكمال) ، وغيرهم.

стр. 6

(المُسندة) : وهي التي يروي فيها المؤلف الأحاديث بإسناده هو عن شيخه عن شيخ شيخه إلى منتهى الإسناد. وبهذا تعلم أنه من الخطأ الكبير أن تعزو الحديث إلى (جامع الأصول) لابن الأثير، أو إلى (مجمع الزوائد) للهيثمي، أو إلى النووي في (رياض الصالحين) ، وأنّ من فعل شيئاً من هذا فإنه لا يعرف شيئاً في فن التخريج. ومثل الكتب المشهورة المتداولة التي تورد الأحاديث مقطوعة أو بلاغات أو بغير أسانيد. •...مسألة: هل وَصفُ الكتاب بأنه أصلي أو أصيل يُغني عن وصفه بأنه مسند؟ الجواب: قد يكون الكتاب أصيلاً لكنه غير مسند، مثاله: (الأذكار) للنووي وتخريجه (نتائج الأفكار) لابن حجر، فـ (نتائج الأفكار) كتاب مسند، والأصل (الأذكار) غير مسند، فيصح أن تعزو لكتاب (نتائج الأفكار) ؛ لأنه كتاب مسند ويسوق أحاديث كتاب (الأذكار) بإسناده هو -أي ابن حجر-، ومثله كتاب (مسند الشهاب) للقضاعي، الذي ألّف كتاباً سمّاه (الشهاب) ، أورد فيه الحكم النبوية والأحاديث التي تصلح أن تكون أمثالاً متداولة، أوردها بغير إسناد في كتابه (الشهاب) ، ثم هو نفسه ألّف مسنداً لهذا الكتاب سمّاه (مسند الشهاب) ، ومثله أيضاً كتاب (الفردوس) للديلمي ليس فيه أسانيد، حتى جاء ابن المؤلف وأسند أحاديث كتاب أبيه، ورواها إلى النبي ﷺ ، في كتاب سمّاه (مسند الفردوس) ، وهو أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي. فكتاب (الفردوس) كتاب أصيل، لكنه غير مسند، وكتاب (مسند الفردوس) كتاب أصيل ومسند، وعليه: فلا بد من إضافة "مسند". (فإن تعذرت) : أي تعذر الوقوف على المصادر الأصلية. ومن أسباب تعذر ذلك: أن يكون الكتاب مخطوطاً لا يتيسر الاطلاع عليه، أو لا تتيسر الرحلة للنظر فيه، ففي هذه الحالة نلجأ للعزو إلى المصدر الفرعية. (فإلى الفرعية المسندة) : ونعني بالكتب الفرعية: الكتب الحديثية الناقلة عن كتب أقدم منها أو أكثر منها أهمية. فالكتب الفرعية هي التي اجتمع فيها أمران: ١- أن تكون جاءت بعد كتب أصيلة في الزمن. ٢- أن تكون أقل أهمية من الكتب التي سبقتها.

стр. 7

ويشترط في الكتاب الفرعي أيضاً أن يكون مسنداً. مثاله: ما لو روى البيهقي من الجزء المفقود من (صحيح ابن خزيمة) (١) ، فلو أخرج البيهقي بإسناده إلى ابن خزيمة حديثاً في (صحيح ابن خزيمة) م كتاب البيوع، فهنا يوصف كتاب البيهقي بأنه مصدر فرعي؛ لأنه يخرج هذا الحديث عن كتاب أقدم منه وأكثر منه أهمية، لكن عندما يتعذر على الوقوف على المصدر الأصلي؛ فإنه يلزمني العزو إلى المصدر الفرعي، مثل (السنن الكبرى) أو (معرفة السنن والآثار) أو (شعب الإيمان) . أيضاً مثل ما لو روى ابن عساكر عن جزء مفقود من (معجم الطبراني الكبير) –ومعجم الطبراني الكبير هناك أجزاء منه مفقودة- فابن عساكر مصدر فرعي والطبراني مصدر أصلي، لكن لمّا تعذر الوقوف عليه تم العزو إلى المصدر الفرعي. ويدخل في المصادر الفرعية: كتب الزوائد التي تذكر الأحاديث بأسانيدها مثل: كتاب (كشف الأستار عن زوائد مسند البزار) للهيثمي، ومثل (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية) لابن حجر. فهذه ليست الكتب الأصلية، بل كتبٌ فرعية استخرجت الزوائد من كتاب معيّن على كتب معينة، ويذكر هذه الأحاديث المؤلف الأصلي. ويدخل في المصادر الفرعية: كتب أطراف الحديث "الأطراف" مثل: (تحفة الأشراف) و (إتحاف المهرة) و (أطراف الغرائب والأفراد) .

стр. 8

فمثلاً قد تضمن (إتحاف المهرة) مسندَ أبي عوانة كاملاً [وهو مستخرجه على صحيح مسلم] ، وأما مطبوع مسنده ففيه نقصٌ، فنضطر أحياناً عند العزو إلى (مسند أبي عوانة) أن نعزو إلى (إتحاف المهرة) لابن حجر. وأيضاً هناك كتب من (صحيح ابن خزيمة) كانت موجودة عند الحافظ ابن حجر، مثل كتاب التوكل، وكتاب السياسة، كانا موجودين عند الحافظ ابن حجر وهي غير موجودة في (صحيح ابن خزيمة) المطبوع، فأضطر حينها في العزو إلى (إتحاف المهرة) ، فأقول: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه في كتاب التوكل، أنظر (إتحاف المهرة) للحافظ ابن حجر، فهذا مصدرٌ فرعي؛ لأنه نقل عن الكتب التي تروي بالإسناد. والكتب الفرعية لابد أن تكون مسندة وإلا لم يصح ذكرها في التخريج. (فإن تعذرت) : أي تعذر الوقوف على المصادر الأصلية والفرعية.

стр. 9

(فإلى الناقلة عنها بأسانيدها) : أي فنعزو إلى الكتب الناقلة عن الكتب الأصلية أو الفرعية بأسانيدها،فقد يذكر مثلاً الحافظ ابن حجر حديثاً يعزوه إلى كتاب مفقود ويسوق ابن حجر الإسناد كاملاً عن المؤلف من شيخه إلى النبي ﷺ ويحصل هذا مثلاً في (تلخيص الحبير) أو في (نصب الراية) ، أو كتب شيخ الإسلام ابن تيمية أو ابن القيم، فنسوق الإسناد ونعزوه إلى مؤلفه، ثم نحيل إلى الكتب السابقة التي أخرجت الحديث بالسند. وأيضاً كتب الأطراف والزوائد نستطيع إدخالها في الكتب الناقلة، لكن جُعِلت في المرتبة السابقة عن هذه المرتبة؛ لأنها أرقى مرتبةً باعتبار أنها تنقل جملةً من الأحاديث عن كتابٍ واحد ولا يأتي الحديث فيها عَرَضاً ضمن كتاب كبير ولكن تعتني بسياق أحاديث كثيرة جداً من كتاب واحد، لذلك تعتبر في مرتبة أعلى من غيرها من الكتب الناقلة، وخاصةً كتب الزوائد مثل (كشف الأستار) و (المطالب العالية) ، هي في الحقيقة كتب مسندة؛ لأن الحافظ ابن حجر ذكر في مقدمة الكتاب إسناده إلى كل مؤلف، فهي أيضاً صالحة لأن تكون من المصادر الفرعية لهذا السبب. (مع بيان مرتبة الحديث) : أي توضيح درجة الحديث من حيث القبول أو الردّ. *وقد اصطلح المتأخرون على تقسيم الأحاديث من حيث القبول والردّ إلى خمسة أقسام أصلية: ١-الصحيح. ٢-الحسن. ٣-الضعيف. ٤-شديد الضعف. ٥-الموضوع. هذا ما اصطلح عليه المتأخرون من الباحثين سواءً في الرسائل الجامعية أو غيرها. والحديث لا يخرج عنها فعلاً إما صحيحاً بقسميه، أو حسناً بقسميه كذلك، أو ضعيفاً أي خفيف الضعف، أو شديد الضعف: رواية المتروك، رواية منكر الحديث، رواية ساقط الحديث، الحديث المعضل، ثم يأتي بعد ذلك الحديث الموضوع وهو الذي يغلب على الظن أو يُجزم بأنه مكذوب على النبي ﷺ ، هذه خمسة أقسام، والتزامها حسن.

стр. 10

* الحكم على الحديث: ١- إما أن يكون متعلق بالمتن والإسناد كليهما. ٢-أو بالإسناد وحده. ٣-أو بالمتن وحده. أما الحكم على المتن والإسناد كليهما فلا يصح ولا يمكن إلا في إحدى حالتين: الحالة الأولى: أن تكون مسبوقاً من إمام ناقدٍ جِهبذ في الحكم على هذا الحديث. فلو خرّجت حديثاً مثلاً ودرست إسناده ومتنه في أحد الكتب فوجدته صحيحاً، فلا يصح لك أن تقول: حديث صحيح، إلا في إحدى حالتين، الحالة الأولى هي المذكورة آنفاً، من أن تكون مسبوقاً بإمام حكم على هذا الحديث، كأن يكون أخرجه البخاري في صحيحه فتقول حينئذٍ: حديث صحيح. الحالة الثانية: أن تزعم أنك استقرأت جميع كتب السنّة، وتوصلت إلى أن هذا الحديث ليس له علّة باطلة تقدح في صحته. ولا يصح أن تستقرأ فقط، إلا أن تكون دقيق الفهم عالماً بالتخريج وعلم المصطلح والجرح والتعديل، وقد بلغت مبلغ العلماء فيها، وتجزم بعدم وجود علّة باطنة تقدح في الحديث. أما الحكم على الإسناد: فتنظر في الإسناد الذي عندك وتحكم عليه بحسب الظاهر، فتقول: هذا إسناد صحيح، هذا إسناد ضعيف، ولا يُعْترَضُ عليك بعد ذلك إذا وُقف على علّة باطلة تقدح في حكمك؛ لأنك بقول: هذا إسناد ... ، حكمت على الإسناد فقط ولم تزعم أن الحديث بمجموع طرقه -مثلاً- ضعيف، وإنما حكمت على إسناد معيّن،وهو المذكور أمامك، وتلام فيما لو أخطأت في حكمك على هذا الإسناد. وأهل العصر في الغالب لا يستطيعون إلا هذه الطريقة فقط.

стр. 11

أما الحكم على المتن فقط: وهذا يفعله من كان قليل المعرفة جداً بعلم الحديث أو عنده ورعٌ زائد في حكمه على الأسانيد، كما فعل الشيخ محمود شاكر في تخريجه في (تهذيب الآثار) للطبري، فهو يترجم لرواة الإسناد ترجمةً كاملة، ولو أراد أن يحكم على الإسناد لفَعَلَ، لكنه لا يحكم؛ لأنه يقول: "أنه ليس من أهل هذا الفن"، لكنه يعزو الحديث إلى مصادره، وفي هذا حكمٌ على المتن، فلو قال: أخرجه البخاري، فإنه يحكم على المتن بأنه صحيح، أما إسناد الطبري فلا يحكم عليه.فهذه الحالة يمكن أن يلجأ إليها الطالب الذي يريد أن يخلي نفسه من المسؤولية تماماً، فيترجم لرواة الإسناد، ويعزو الحديث إلى المُخرّج، فإن المُخرِّجَ قد حكم على الحديث، أو إخراجه له يقتضي حكماً يكتفى به، فيقول: أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، أو أخرجه ابن عدي وقال: ضعيف لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهكذا. ( ... غالباً) : لاشك أن غالب كتب التخريج تعتني بالحكم على الحديث؛ لأنه الثمرة الأخيرة من العزو ودراسة الإسناد. لكن قد يقوم المخرّج بتخريج الحديث ولا يحكم عليه بحكمٍ ما، وهذا يحصل حتى في كتب التخريج المشهورة مثل (التلخيص الحبير) ، و (نصب الراية) ، ويكثر عند ابن كثير في كتابه (تحفة الطالب في تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب) ، و (تخريج أحاديث الشفا) للسيوطي، فهؤلاء يكتفون بالعزو فقط ولا يحكمون على الحديث غالباً. وعليه يتضح من ذلك أن الحكم على الحديث ليس شرطاً في التخريج، لكن غالب كتب التخريج تتضمن الحكم على الحديث. وقد يلجأ الباحث إلى عدم الحكم لعدم جزمه بحكمٍ على الحديث، فقد يدرس الإسناد ويتوقف في الحكم؛ لأن عِلمه قاده إلى التوقف في الحكم على الحديث.

стр. 12

هذا التعريف الآنف الذكر هو التعريف الإصطلاحي لعلم التخريج الذي سنتكلم عليه فيما يأتي. لكن قد يأتي لفظ "التخريج" ويُراد به غير المعنى الاصطلاحي المذكور، وللتخريج -سوى المعنى السابق- معنيان آخران: *رواية الحديث بإسناده من مُخرّجه إلى منتهاه. فهذا التخريج جاء بمعنى الرواية. فكما يصح أن تقول: رواه البخاري، يصح أن تقول: خرّجه البخاري، وهذا يقوله العلماء، وابن رجب خاصةً في كتبه يستعمل هذه اللفظة، فيستخدم "خرّجه" كثيراً.واصطلاح المتأخرين والمعاصرين خاصة فرّق بين التخريج والإخراج، فيطلقون التخريج على المعنى الاصطلاحي السابق، ويطلقون الإخراج ويقصدون به "رواه"، بل المعاصرين أيضاً فرّقوا بين أخرجه ورواه، فيقولون مثلاً رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار أخرجه البخاري من هذا الطريق، فيستخدمون لفظة "رواه" لغير المصنف بل لذكر الراوي الوارد في أثناء السند لو نقل طرف الإسناد، فيقولون: رواه فلان عن فلان، فإذا أراد أن يعزو إلى الكتاب قال: أخرجه. وهذا استخدام جيّد مادام التفريق يُعين على الفهم، وملاحظة الاصطلاح، فإذا أردت أن تعزو إلى الكتاب تقول: أخرجه، وإذا أردت أن تبيّن طرف الإسناد أو جزء من الإسناد تقول: رواه، حتى يحصل التفريق.

стр. 13

*المعنى الثالث للتخريج على المعنيين السابقين: وهو أن يقوم أحد العلماء بتصنيف كتابٍ في السنّة بالرجوع إلى مصادره ومسموعاته أو مسموعات أحد العلماء الذين يعاصرونه، فينتقي من هذه المسموعات أحاديث معينه ويرتبها على أحد وجوه الترتيب التالية: كأن يرتبها على المشيخة -أي على أسماء شيوخه- فإن رتبها على حروف المعجم قيل له: معجم شيوخ فلان. فإن لم يجعل لها ترتيباً معيناً قيل لها: فوائد، أو أمالي، أو جزء حديثي، أو ما شابه ذلك. فإن وجدت -مثلاً- كتاب (مشيخة بدر الدين بن جماعة) تخريج علم الدين البرزالي، تعرف أن البرزالي جاء إلى أصول شيخه بدر الدين بن جماعه، وقال له: أرني مسموعاتك، فأخرج له بدر الدين بن جماعة مسموعاته كاملة، واستخرج أحاديث منتقاة من أحاديث بدر الدين بن جماعة عن كل شيخ منهم، والانتقاء لابد أن يكون له سببٌ إما العلو أو الغرابة أو زيادةٌ في المتن أو الإسناد أو ما شابه ذلك. فيأتي التخريج بمعنى: أن يخرج أحاديث أحد معاصريه بأسانيدهم إلى النبي ﷺ على أيّ وجهٍ من وجوه الترتيب. * بعض الكتب المؤلفة في التخريج: ١- حصول التفريج بأصول التخريج، لأبي الفيض الغماري -وهو من أقدم الكتب-. ٢- أصول التخريج ودراسة الأسانيد، للشيخ محمود الطحّان. ٣- كشف اللثام عن أسرار تخريج أحاديث سيّد الأنام، لعبد الموجود عبد اللطيف. ٤- طرق تخريج الحديث النبوي، للدكتور / عبد المُهدي عبد القادر. ٥- التأصيل، للشيخ: بكر بن عبد الله أبو زيد.

стр. 14

* فوائد علم التخريج: ١-الفائدة العظمى: تمييز صحيح السنّة من سقيمها. وقد نبّه العلماء قديماً على هذه الفائدة، فقال علي بن المديني ﵀:" الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه "، ويقول يحيى بن معين ﵀:" الحديث إذا لم نروه من ثلاثين وجهاً ما عقلناه "، وزاد أبو حاتم ﵀ فقال:" الحديث إذا لم يروى من ستين وجهاً ما عقلناه ". والإمام أحمد ﵀ يقول:" الأحاديث يفسر بعضها بعضاً ". وهذا كما يحمل على المتن، أي: أن المتون يفسر بعضها بعضاً، فكذلك الأسانيد يفسر بعضها بعضاً. والفوائد التي تلي هذه الفائدة هي فرعٌ عنها. ٢-معرفة الأحاديث التي يُعمل بها، والتي لا يُعمل بها. ٣- معرفة الأحاديث التي تُستنبط منها الأحكام، والتي لا تستنبط منها الأحكام. ٤- معرفة الأحاديث التي يجب اعتقاد ما جاء فيها - إذا كان مدلولها عقدي -، والأحاديث التي لا يجوز اعتقاد مافيها؛ لضعفها، أو لأنها موضوعة. ٥-حفظ السنّة، وبقاؤها إلى يوم القيامة. والفوائد غيرها كثيرة، ولكن هذه أصولها وأساسها. * بيان تفاوت مراتب التخريج: أولاً: تخرّيج مطوّل: وهو الذي تُستوعب فيه الأسانيد استيعاباً كاملاً، فيذكر من أخرج الحديث ويعزو إليه الحديث، ثم يذكر إسناد هذا المصنف كاملاً، ويترجم لجميع رواة السند في جميع طرق الحديث على جميع الوجوه، هذا تخريج مطوّل جداً. وهو يصعب مع الكتب الكبار، أو تخريج أحاديث كثيرة، ثم إن الفائدة من هذا التطويل قد لا تكون متحققة دائماً كأن يكون الحديث صحيحاً من طريق معين. فهذه الطريقة لا يُنصح بإتباعها إلا إذا كان الباحث يريد أن يُفرد حديثاً معيناً بالتصنيف.

стр. 15

ثانياً: تخرّيج مختصر: وهو أن يُكتفى بالعزو إلى من أخرج الحديث مع الحكم على الحديث، كما في (خلاصة البدر المنير) لابن الملقن، وهو في الغالب يبتدئ بحكم إمام متقدم فيقول: أخرجه البخاري ومسلم، ويكتفي بالعزو إليهما، أو يقول: أخرجه الترمذي وصححه، وهذا أيضاً يحصل في كتب الشيخ الألباني المختصرة مثل: (صحيح الجامع الصغير) ، و (ضعيف الجامع الصغير) ، و (صحيح الترغيب والترهيب) ، وغيرها من الكتب المختصرة. ثالثاً: تخريج متوسط: -والتوسط يختلف أيضاً- وهو الاعتناء باختلاف الطرق ونقاط الالتقاء بين الرواة. فمثلاً إذا كان الحديث يدور على الزهري ثم اختلف على الزهري بأوجه مختلفة واختلف تلامذة الزهري عليه في رواية الحديث اختلافاً في المتن والإسناد أو في واحدٍ منهما، فيأتي المُخرّج ويقول: أخرجه فلان وفلان من طريق –مثلاً- عُقيل بن خالد عن الزهري بوجه كذا –ويذكر الوجه الذي رُوي به- وخالفه يونس بن يزيد الأيلي فرواه عن الزهري بطريق كذا، ووافق يونس مالك وفلان وفلان –ويذكر من أخرجه من هذا الوجه من أصحاب الكتب – ثم بعد ذلك يرجح بين الطرق، ببيان الحكم الذي يليق بكل طريق إن كان هناك اختلاف حقيقي أو لم يكن اختلافاً حقيقياً، أو إذا كان بعض الرواة أوثق من بعض، أو اتفق بعض الثقات على وجه وخالفهم راوٍ على وجه آخر....وهكذا.

стр. 16

وهذه الطريقة هي المتبعة في كثير من كتب التخريج التي يمكن أن توصف بأنها أكثر كتب التخريج إفادة، من أمثال: (التلخيص الحبير) أو (نصب الراية) أو كتب الشيخ الألباني الموسعة كـ (السلسلة الصحيحة) و (السلسلة الضعيفة) و (إرواء الغليل) وأمثالها. ومن الكتب المتقدمة التي تستخدم هذه الطريقة كتاب (العلل) للدارقطني، ويُنصح مَنْ أراد أن يتعلم طريقة سياق الطرق أن يقرأ كتاب (العلل) للدارقطني، فطريقته فيه بديعةٌ جداً، حيث يسوق الطرق والأسانيد واختلاف الرواة في الحديث الواحد فيما يقارب الصفحتين، بخلاف ما يحصل في الوقت الحاضر من المتأخرين من التطويل بشكل مملّ. * نصائح لطلاب العلم في طرق تخريج الحديث: ١-يجب أن يفرّق طلبة العلم بين تخريج أحاديث كتاب معيّن ضمن تحقيق هذا الكتاب، وبين أن يؤلف كتاباً في التخريج، ويكون كتاباً مستقلاً في التخريج. ففي حالة التحقيق لا يسوغ للمحقق أن يتوسع التوسع الزائد، بل يكتفي بأقل ما يُبلّغ إلى المقصود وهو الحكم على الحديث، فإذا كان الحديث في الصحيحين يُكتفى بالعزو إليهما، أو صححه إمامٌ معتبر، فيخرّجه ويحكم عليه، إلا إذا كان هناك خلافٌ فيشير إليه ويرجح باختصار. أمّا إذا كان يؤلف كتاباً مستقلاً في التخريج فإن له الحق أن يتخذ أي أسلوب من أساليب التخريج السابقة، والتوسط مطلوب دائماً. ٢- الحرص على عدم إضاعة الوقت والجهد بكثرة العزو إلى مصادر كثيرة من كتب السنّة، قد يغني بعضها عن بعض، وهذا قد يدخل في قصة حمزة الكناني حينما خرّج حديثاً من مائة وجه، فرأى يحيى بن معين في المنام فقال له يحيى-في المنام-:"أخشى أن يدخل ذلك في قوله تعالى ﴿ألهاكم التكاثر﴾ "، خاصةً وأنّه الآن قد كثُرت الفهارس، فكثرة المصادر والمراجع لم تَعُدْ ميزاناً يُفرَّق به بين العالم والجاهل، بل الانتقاء من تلك المصادر والمراجع هو الذي يُفرَّق به بين العالم والجاهل.

стр. 17

٣- بالنسبة للأحاديث التي خُدِمت بالتخريج، وخاصةً أحاديث الأحكام، حيث إنها خدمت خدمةً واسعة جداً منذ القدم من أهل العلم، ولا يعني ذلك أنه ليس هناك إضافة في تخريجها، فهناك إمكانية للإضافة والترجيح، لكن الذي يُنبَّه عليه أنه: يُلام الباحث الذي يأتي -مثلاً- لحديث خرّجه الزيلعي في (نصب الراية) ، فينقل هذا التخريج لكن مع فرق هو: أنه يعزو لأرقام الأحاديث، والزيلعي لم يكن يعزو لأرقام الأحاديث، وقد يسطو على عمل الزيلعي فينقله ولا يشير إلى أنه استفاده منه، وقد يكون أميناً فيشير إلى ذلك، ولكن لعل الذي يكفي هو أن تذكر حكم الحديث، وتقول: انظر (نصب الراية) ، فإذا كانت لديك إضافة مهمة تذكرها بعد العزو إلى (نصب الراية) ولا بأس أن تذكر من تخريج الزيلعي ما يتعلق بإضافتك، لكن المهم أن لا تعيد العمل وتُملّ نفسك والقارئ، ويُنتبه أيضاً لضرورة الأمانة وعدم السطو على جهود الآخرين سواءً من الأئمة المتقدمين أو من المعاصرين، وبركة العلم أن تعزوه إلى قائله، وهذا لا يعيبك مادام أنك قد عزوت القول لصاحبه، ومادام أن المتقدم خدم العمل خدمة وافية. *طرق استخراج الحديث (أو الوسائل التي يمكن بها معرفة مكان الحديث) : هي أربعة طرق أساسية: الأولى: استخراج الحديث من خلال النظر في إسناده. الثانية: استخراج الحديث من خلال النظر في متنه. الثالثة: استخراج الحديث من خلال برامج الحاسب الآلي. الرابعة: استخراج الحديث من خلال استعراض كتب السنّة، وقراءتها قراءة شاملة.

стр. 18

الطريقة الأولى: [استخراج الحديث من خلال النظر في إسناده] * ويندرج تحت هذه الطريقة عدة طرق فرعية: أ- من خلال معرفة الصحابي: والكتب التي تخدم هذه الوسيلة: ١. المسانيد ، والكتب المرتبة على المسانيد. والمسانيد:"هي الكتب التي رتبت الأحاديث فيها على اسم الصحابي". ولمؤلفي المسانيد أساليب مختلفة في الترتيب، فمنهم من يرتب على حسب الأكثر رواية، ومنهم من يرتب على حسب النسب والقرب من النبي ﷺ ، ومنهم من يرتب على حسب الفضيلة، ومنهم من يرتب على حسب البلدان، وقد يحصل في المسند الواحد أكثر من وجه من وجوه الترتيب، كما هو في (مسند الإمام أحمد) ، فابتدأ بالعشرة ثم بأهل بيت النبي ﷺ ثم بالمكثرين من الصحابة، ثم رجع إلى البلدان كمسانيد المكيين، والشاميين، والأنصار لهم مسند خاص. والمسانيد كثيرة جداً، يأتي في قمتها (مسند الإمام أحمد بن حنبل) . ومن كتب المسانيد المطبوعة: (مسند أحمد) ، و (مسند أبي يعلى) ، و (مسند البزار) ، و (مسند الحميدي) و (المنتخب من مسند عبْد بن حُميد) ، و (مسند أبي داود الطيالسي) ،والمتبقي من (مسند إسحاق بن راهوية) ، والمتبقي من (مسند ابن أبي شيبة) ، وغيرها كثير. ويُنتبه إلى أنه هناك كتباً سُميت مسانيد ولم ترتب على ترتيب المسانيد الآنف الذكر، من أمثال ذلك: (المسند للدارمي) -المشهور بـ (سنن الدارمي) واسمه الصحيح: (المسند) كما نصَّ عليه جلُّ أهل العلم- فهو مرتبٌ على أبواب الفقه، وكذلك (مسند السرّاج) مرتبٌ على أبواب الفقه واسمه المسند، وأيضاً (مسند عبد الله بن المبارك) ، ويأتي على قمة هذه الكتب كتاب الإمام مسلم فإن اسمه: (المسند الصحيح المختصر) أما تسميته بالجامع فإنه خطأٌ محض؛ لأن (الجامع) كتابٌ آخرٌ لمسلم غير الصحيح وتسميته بـ (الصحيح) اختصاراً، واسمه الصحيح هو (المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ ) فسمّاه مسنداً مع أنه مرتبٌ على أبواب الفقه وأبواب العلم.

стр. 19

وهناك كتبٌ رُتِبت على المسانيد، ولم تسمَّ بالمسانيد مثل: (الأحاديث المختارة) للضياء المقدسي، وهو أحد الكتب التي اشترطت الصحة، وهو مرتب على المسانيد ولم يسمَّ به، وأيضاً كتاب (العلل) للدارقطني مرتب على المسانيد، وأيضاً كتاب (جامع المسانيد) لابن كثير، وهو كتاب كبيرٌ وضخمٌ ومهمٌ، وقد طبع، وهو مرتبٌ على المسانيد كذلك، وأيضاً مما رتب على المسانيد كتاب (الجامع الكبير) للسيوطي -قسم الأفعال منه هو الذي رُتب على المسانيد-. تنبيه: بالنسبة للكتب المذكورة لا يلزم أن تكون مسندةٌ، هي إما أن تكون مسندةً أو تُحيلُك إلى الكتب المسندة كـ (الجامع الكبير) للسيوطي، فهو يحيل ولا يسند. ٢. المعاجم المرتبة على أسماء الصحابة -وهي يمكن أن تدخل ضمن المسانيد، ولكن باعتبار أنها سميت باسمٍ مختلفٍ وهو اسم: المعجم، وباعتبار أن ترتيبها التزم ترتيب الصحابة على حروف المعجم، فيمكن اعتبارها قسم آخر-: من أوسع كتب المعاجم (المعجم الكبير) للطبراني، المطبوع في (٢٥) مجلداً، وكتاب (معجم الصحابة) لعبد الباقي بن قانع، وهناك كتابٌ من المعاجم طُبع الموجود منه: وهو كتاب (معجم الصحابة) لأبي القاسم البغوي -وهو غير البغوي صاحب (شرح السنّة) -. ٣. كتب معرفة الصحابة المسندة: مثل كتاب (الآحاد والمثاني) لابن أبي عاصم، و (معرفة الصحابة) لابن مندة، و (معرفة الصحابة) لأبي نعيم الأصبهاني، فهي تذكر في ترجمة الصحابي بعض أحاديثه، وقد تعتني بالغرائب أو بما له فائدة حديثية معينة. ٤. كتب الأطراف: ومن أشهرها (تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف) للمزي، الذي جمع أطراف الكتب الستة ورتبه على مسانيد الصحابة، وأيضاً كتاب (إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة بأطراف الكتب العشرة) لابن حجر، ومنها (إطراف المُسْنِد المُعتلي بأطراف المسند الحنبلي) مطبوع وهو لابن حجر، لكنه داخل ضمن (إتحاف المهرة) .

стр. 20

٥. الكشافات والفهارس التي يصنعها المحققون بناءً على ترتيب الأحاديث على مسانيد الصحابة، وهي كثيرة من أمثلتها الفهارس التي صنعت لـ (مستدرك الحاكم) ولـ (سنن الدارقطني) ، وكتب كثيرة أخرى. ٦. مسانيد الصحابة المُفردة: فقد يؤلف أحد العلماء في جمع أحاديث صحابيٍّ معيّن، أو لا يبلغنا من تأليفه إلا مسنداً معيناً من مسندٍ كبير فُقد ولم يبق إلا مسند أحد الصحابة أو بعضهم. فمن هذه المسانيد المطبوعة: (مسند أبي بكر الصديق) لأبي بكر المروزي، و (مسند عمر) -وهو جزءٌ منه- للنّجاد، و (مسند الفاروق) لابن كثير، ولأحد المعاصرين -وهو يوسف أوزبك - (مسند علي بن أبي طالب) في سبع مجلدات، و (مسند سعد بن أبي وقاص) للدّورقي، و (مسند عبد الرحمن بن عوف) للبَرْتي، وغيرها كثير كـ (مسند عائشة) لإسحاق بن راهويه، و (مسند ابن عمر) لأبي أمية الطرسوسي. ٧. كتب تراجم الرواة المُسندة التي تتضمن تراجم للصحابة: وهي كثيرةٌ مثل كتب التواريخ المحلية، مثل: (ذكر أخبار أصبهان) لأبي نُعيم، تجده يذكر في المقدمة الصحابة الذين نزلوا أصبهان ويذكر بعض أحاديثهم بالإسناد، و (تاريخ دمشق) لابن عساكر، يذكر في أثناءه ترجمة معاوية بن أبي سفيان، وتجدها أوسع التراجم حيث يكاد يستوعب كثيراً من أحاديث معاوية بن أبي سفيان وغيرها، وأيضاً (التاريخ الكبير) للبخاري قد يورد في ترجمة الصحابي أحاديثاً له، وفي الغالب أنه يوردها لبيان علةٍ معينة. ب- من خلال راوٍ في أثناء السند: والكتب التي تخدم هذه الطريقة: ١. كتب ومصنفات هذا الراوي -الذي أبحث من خلاله-: فإذا كانت له مصنفات أبحث في مصنفاته، لعل الحديث يكون موجوداً فيها، فمثلاً: لو نظرت في إسنادٍ فيه الإمام أحمد فمظنته (المسند) للإمام أحمد، فإذا كان متعلقاً بفضائل الصحابة فمظنته (فضائل الصحابة) للإمام أحمد، فإن كان متعلقاً بالزهد فمظنته كتاب (الزهد) للإمام أحمد، وهكذا ...

стр. 21

وقد يُعين كثيراً في معرفة المُصَنَّفِ بطريقة سريعة إذا كان الباحث يستحضرُ إسناد هذا الكتاب، ومن رواه عن مصنِّفه، فمثلاً: إذا وجدت في إسناد البغوي:"الترمذي"، فإذا كان من رواية الهيثم بن كليب الشاشي، فأعرف غالباً أنه في (الشمائل المحمدية) للترمذي؛ لأن راويها عن الترمذي هو الهيثم بن كليب الشاشي، لكن إذا كان من رواية المحبوبي عن الترمذي، فأعرفُ أنه في (الجامع) . ومثاله أيضاً كتب ابن المبارك، فإذا كان الراوي عن ابن المبارك هو سعيد بن رحمة، فهو في كتاب (الجهاد) لابن المبارك، وإذا كان الراوي هو الحُسّين بن الحسن المروزي، فهو إما في (الزهد) أو في (البر والصلة) لابن المبارك، وإذا كان الراوي نُعيم بن حماد فهو في (الزهد) برواية ابن حماد عنه، وإذا كان من رواية حبّان بن موسى فهو في كتاب (المسند) لابن المبارك. وأيضاً كتب ابن أبي الدنيا كثيرة جداً، ويُخرج من طريقه كثيرٌ من الأئمة، خاصةً كالبيهقي والحاكم وغيرهما، فمن خلال معرفتك بكتب ابن أبي الدنيا تستطيع أيضاً أن تحدد ما هو الكتاب الذي أخرج الحاكم أو البيهقي هذا الحديث منه من كتب ابن أبي الدنيا. فالنظر في رواة السند وهل فيهم مُصنِّفٌ مهم؛ لكي أرجع إلى مصنفاته وأستخرج منها الحديث. ٢. الأجزاء والكتب التي أفردت حديث راوٍ بعينه: مثل حديث علي بن الجعد الجوهري المشهور (بالجعديات) لأبي القاسم البغوي، فإذا كان عندي في الإسناد "علي بن الجعد" فأرجع إلى كتاب (الجعديات) ففي الغالب أني سأجده فيه، فإن كان الحديث من رواية أبي القاسم البغوي عن علي بن الجعد، فيقيناً أنه يوجد في (الجعديات) . ومنها (حديث ابن أبي مسرّة) للفاكهي، و (حديث علي بن حُجُر عن إسماعيل بن جعفر المدني) ، و (حديث أبي الزبير عن غير جابر) لأبي الشيخ الأصبهاني، وغيرها كثير....

стр. 22

ومنه الأجزاء الحديثية المتعلقة براوي -المؤلف يذكر أحاديثه في جزء-: مثل (جزء الحسن بن عرفة) ، و (جزء بِيْبِي بنت عبد الصمد الهرثمية) ، وجزء (وكيع عن الأعمش) ، وأيضاً (صحيفة همّام) ، و (صحيفة سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة) -وهي مطبوعة-، وغيرها كثير. ٣. كتب الفوائد والأمالي: المنسوبة إلى مؤلفيها، مثل (الفوائد الغيلانيات) لأبي بكر الشافعي، و (أمالي المحاملي) ، و (أمالي الشجري الزيدي) -وهي أمالي حديثية غير أمالي ابن الشجري النْحوي-، و (فوائد أبي طاهر المُخلّص) . ٤. فهارس الأعلام ورجال الأسانيد في الكتب المحققة: فكثيرٌ من المحققين يصنعون فهارس شاملة للأعلام الواردة في الكتاب. ٥. كتب التراجم المُسندة: مثل: (التاريخ الكبير) للبخاري، وكتب التواريخ المحلية، وكتب الضعفاء المُسندة كـ (معرفة المجروحين) لابن حبان و (الكامل) لابن عدي و (الضعفاء) للعُقيلي، فمثلاً إذا مررتُ على حديث من رواية محمد بن السائب الكلبي -النسّابة المشهور المتهم بالكذب- حينها أرجع مباشرة إلى كتب الضعفاء لعلّي أجدُّ هذا الحديث فيه، وإذا مررتُ براوٍ دمشقي أو بغدادي أرجع إلى (تاريخ دمشق) أو (تاريخ بغداد) ؛ لعلّي أجدُّ هذا الحديث مذكوراً في ترجمة ذلك الراوي. وهناك كتب تراجم مفردة وهي من أهم الكتب في ذلك عند محاولة استخراج الحديث من اسم الراوي، مثل: (ترجمة عمر بن عبد العزيز) و (ترجمة معروف الكرخي) كلاهما لابن الجوزي حيث يذكر بعض مسانيدهم إلى من بعدهم. ٦. كتب الأطراف الدقيقة في ترتيبها: مثل: (تحفة الأشراف) للمزي، فمع أنه رتب الكتاب على المسانيد، فقد رتب الرواة عن الصحابي على حروف المعجم، وإذا كان التابعي الذي يروي عن الصحابي مُكثراً عن هذا الصحابي، فإنه يرتب الرواة عن هذا التابعي، بل لربما رتب الطبقة الرابعة على حروف المعجم، وهكذا.

стр. 23

٧. الكتب الخاصة بصفةٍ معينة تتعلق بالراوي: فمثلاً إذا كنت أخرّج حديث رجل من أصحاب الكتب الستة -فهذه صفةٌ متعلقةٌ بالراوي- فأرجع إلى (تهذيب الكمال) ، لعل المزيّ أخرج حديث هذا الراوي بإسناده. وإذا كان الراوي ضعيفاً أرجع إلى كتب الضعفاء. وإذا كان هذا الراوي اسمه مشابهاً لأسماء رواة آخرين مختلفين، حينها أرجع لكتاب (المتفق والمفترق) حيث يذكر الخطيب البغدادي أسماء الرواة المختلفين ويذكر لهم أحاديث بإسناده. وإذا كان اسم هذا الراوي يشتبه في خطه مع راوٍ آخر ويختلف في نطقه -وهو علم المؤتلف والمختلف-، فأرجع إلى (المؤتلف والمختلف) للدارقطني لعله يذكر حديثاً من طريق هذا الراوي. وإذا اتفق هذا في الرواية عن شيخ معيّن مع راوٍ آخر مع تباعد ما بينهما من الوفاة فأرجع إلى كتاب (السابق واللاحق) للخطيب البغدادي. وإذا كان الراوي دمشقي أرجع إلى (تاريخ دمشق) ، أو بغدادي فأرجع إلى (تاريخ بغداد) ، فهذه صفات متعلقة بالراوي. وهكذا إذا كان الراوي مشهوراً بكنيته أو تُعرف به الكنية، فأرجع إلى كتب الكنى والأسماء، مثل (الكنى والأسماء) لأبي أحمد الحاكم، أو (الكنى والأسماء) للدولابي. وكذلك كتب الزهاد والصوفية -إذا كان الراوي مشهوراً عنه بأنه من الزهاد أو معروفاً بأنه متصوف-، فأرجع إلى كتاب (حلية الأولياء) لأبي نعيم، أو إلى كتاب (طبقات الصوفية) لأبي عبد الرحمن السلمي؛ لأنه يتضمن أحاديث مُسندة في تراجم أولئك الرواة الذين وصفوا بذلك. ٨. الكتب التي اهتمت بأحاديث راوٍ معيّن ، مثل: (معرفة السنن والآثار) للبيهقي، الذي استوعب حديث الشافعي المكتوب كلًّهُ، فأيُّ حديث للشافعي تجده في السنن للبيهقي، الذي التزم أن يخرج كل أحاديث الشافعي في كتابه بإسناده هو.

стр. 24

٩. الكتب التي عُرف مؤلفوها بالاختصاص بشيخ معيّن ، مثلاً إذا كنت أخرّج حديثاً من رواية سفيان بن عيينة، فنجد أن الحميدي في (مسنده) يخرّج لسفيان بن عيينة غالباً -بل لو سمي الكتاب مسند ابن عيينة لصحَّ سوى أحاديث معدودة- فنرجع لـ (مسند الحميدي) ، وإذا كان الحديث -مثلاً- لمعمر بن راشد فأرجع لـ (مصنّف عبد الرزاق) ، الذي عُرف بكثرة روايته عن معمر فأرجع لـ (مصنف عبد الرزاق) ، وإن كان الحديث من رواية رجل آخر غير عبد الرزاق فغالباً أجده في (المصنف) لعبد الرزاق. وإذا كان الحديث من طريق الحاكم، فإني أرجع إلى مصنفات البيهقي الذي عُرف باختصاصه بالرواية عن الحاكم، وإن كان الحديث من رواية غير البيهقي.

стр. 25

ج- من خلال صفة تتعلق بالإسناد: الكتب المعينة على هذه الطريقة: ١. الكتب التي تتضمن أحكاماً على الأحاديث ، فالحكم على الحديث قد يكون متعلقاً بالإسناد والمتن، وقد يكون متعلقاً بالإسناد وحده، فمن هنا تدخل تحت هذه الطريقة. فإذا كان الحديث موصوفاً بالصحة، أرجع إلى الكتب التي اشترطت الصحة، وإذا كان الحديث موصوفاً بشدة الضعف، أرجع إلى كتاب (العلل المتناهية) لابن الجوزي أو كتب الضعفاء التي تخرّج أحاديث الضعفاء، وإذا كان الحديث موصوفاً بأنه موضوع أو توصلت من خلال البحث إلى أنه موضوع، فأرجع إلى كتب الموضوعات، كـ (الموضوعات) لابن الجوزي، وإذا كان الحديث موصوفاً بالإرسال، فأرجع إلى كتب المراسيل، ككتاب (المراسيل) لأبي داود السجستاني، وإذا كان الحديث موصوفاً بالإدراج في الإسناد، فأرجع إلى كتاب (الفصل للوصل المُدرج في النقل) للخطيب البغدادي، ولا يصح أن أرجع إلى كتاب (المَدْرَجُ إلى المُدْرَجِ) للسيوطي؛ لأنه خاص بالإدراج في المتن، بخلاف كتاب الخطيب البغدادي الذي تضمّن كلا القسمين: الإدراج في المتن، والإدراج في الإسناد، ثم إن كتاب الخطيب كتابٌ مسند. وإذا وقع في الحديث اختلافٌ في الإسناد فمظنته الكبرى كتب العلل، وخاصة كتاب (العلل) للدارقطني فهو كتابٌ عظيم، لا يصح لأحدٍ أن يتكلم في الأحاديث تصحيحاً أوتضعيفاً إلا بعد الإطلاع عليه والاعتماد عليه كثيراً، فهو كتاب عظيم لا يُسْتغنى عنه أبداً، وإذا كان في الإسناد اختلاف على رواته، فأرجع إلى كتاب (العلل) للدارقطني، أو كتاب (العلل) لابن أبي حاتم، أو (العلل) لعلي بن المديني، وغيرها. أيضاً الكتب والأجزاء الحديثية في أنواع مختلفة، مثل كتاب (شعب الإيمان) للبيهقي، وكتب الاعتقاد التي تتضمن كلاماً للصحابة والتابعين حول الاعتقاد، مثل كتاب (السنّة) لعبد الله بن الإمام أحمد، (وشرح اعتقاد أهل السنّة والجماعة) لللالكائي ونحوها.

стр. 26

وإذا كان الحديث الذي تبحث عنه متعلقٌ بالزهد، فأرجع إلى كتب الزهد المليئة بالآثار، ككتاب (الزهد) للإمام أحمد، وكتاب (الزهد) لابن المبارك، وكتاب (الزهد) لوكيع. وكتب ابن أبي الدنيا فهي كتبٌ مهمة جداً، ومليئةٌ بالآثار، وأخطأ من في الحكم مَنْ هَوّن من شأنها باعتبار أن كثيراً من الأحاديث التي فيها لا تصح أو غالبها ضعيف، فلو سلّمنا له بذلك، فهذه الكتب مهمةٌ جداً في معرفة آثار الصحابة، والمزية العظمى لها أن المؤلف يروي بالإسناد، فلا يُستغنى عن كتب ابن أبي الدنيا. ثم إنه لاشك أنّ الخطيب البغدادي من أعلم الناس بكتب الحديث ومعرفة المهم منها، فالخطيب ﵀ لمّا رحل من بغداد إلى دمشق حمل معه -في حِمله الذي يحمل فيه كتبه- نحو أربعين كتاباً من كتب ابن أبي الدنيا خاصة، وهو في حال السفر التي لا يحمل فيها الإنسان إلا المهم من حاجياته، فهذا دليلٌ على عناية الخطيب بها مما يدل على أهميتها، وهناك جزء كامل في أسماء الكتب التي حملها الخطيب البغدادي في سفره من بغداد إلى دمشق، مطبوع هذا الجزء ضمن كتاب (الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث) للدكتور: محمود الطحّان. ومما يدل على أهميتها أيضاً أن ابن رجب الحنبلي يعتمد في الأحاديث التي يذكرها –كثيراً- على الأجزاء التي يصنفها ابن أبي الدنيا، فمثلاً في شرحه لحديث ((إنما الأعمال بالنيات..)) في جامع العلوم والحكم، تجد أن غالبَ الآثار الموجودة فيه مأخوذةٌ من كتاب (الإخلاص) لابن أبي الدنيا. فالمقصود أن كتب ابن أبي الدنيا مهمة ينبغي اقتناؤها والعناية بها.

стр. 27

٢. كتب مبهمات الإسناد: فإذا كان في الإسناد راوٍ مُبهم: وهو الراوي الذي لم يسمَّ فيُقال في الإسناد: عن رجلٍ، أو عن أحد الناس، أو عن أحد المسلمين، أو حدثنا الثقة، أو حدثنا من لا أتهمه، فهذا كله إبهامٌ في الإسناد. وهناك كتبٌ اعتنت ببيان المبهمين في الأسانيد، مثل كتاب (الغوامض والمبهمات) لابن بشكوال، وكتاب (المستفاد من مبهمات المتن والإسناد) لأبي زُرعة العراقي. ٣. كتب الغرائب والأفراد: من أمثال كتاب (الغرائب والأفراد) للدراقطني -الذي لم يبق منه إلا أجزاء يسيرة-، لكن يوجد كتاب (أطراف الغرائب والأفراد) لابن طاهر المقدسي المشهور بابن القيسراني، الذي أخذ كتاب الدارقطني ورتبه على الأطراف مثل تحفة الأشراف، وهو كتاب موجود حُقق على شكل رسائل جامعية في جامعة الإمام محمد بن سعود، وقد طُبع طبعة تجارية. أيضاً من الكتب التي اعتنت بالغرائب: كتابَيْ (المعجم الأوسط) و (المعجم الصغير) ، وكلاهما للطبراني، وقد اعتنيا بذكر الأحاديث الغرائب، وبيان وجه الغرابة فيها، أيضاً كتاب (مسند البزار) فهو ملئٌ ببيان الغرابة في الأسانيد، بل إنه مذكور ضمن الكتب التي صُنفت في الغرائب، أيضاً كتاب (الأفراد) لابن شاهين، وطبع منه جزء صغير -وهو المتبقي من الكتاب-.

стр. 28

٤. كتب الأحاديث المسلسلة: فإذا كان مسلسلاً بأسماء متشابهة، مثل: علي عن علي عن علي، أو أحمد عن أحمد عن أحمد ... وهكذا، فهذا يسمى مسلسل بالأسماء، وفي هذا الفن مصنف خاص وهو كتاب (نزهة الحُفّّّّّاظ) لأبي موسى المديني، ومن أغرب ما فيه:كتابٌ مسلسلٌ بمن اسمه حسن، وفيه سبعة: حسن عن حسن عن حسن عن حسن عن حسن عن حسن عن الحسن بن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ أنه قال: ((أحْسَنُ الحُسْنِ الخلقُ الحسن)) ، والحديث موضوع، -والمسلسلات لها هيئات مختلفة -. ومن المطبوع أيضاً كتاب (المناهل السَلْسَة في الأحاديث المسلسلة) لعبد الباقي الأيوبي. والتسلسل:" هو عبارة عن تكرر صفة في الإسناد"، كأن يقول كل راوٍ:وهو أول حديث سمعته منه، فيكون الحديث المسلسل بالأوليّة، أو يكون مسلسلاً بصفة في الرواة، كأن يكون مسلسلاً بالدمشقيين أو بالحنابلة أو بالحنفية أو بالشافعية، أو مسلسلاً بصيغة تحديث معينة، مثل أن يقول كل راوٍ: سمعتُ، أو مسلسلاً بالمصافحة، أو مسلسلاً بقراءة سورة الصف. والمسلسلات كثيرة، وهيئاتها أيضاً متعددة، وقد تكلّم العلماء على أن غالبها ضعاف. والمقصود أن الحديث إذا كان مسلسلاً فإنه يُرجع إلى الكتب الخاصة بالأحاديث المسلسلة. وعموماً فالكتب التي تتعلق بصفات معينة في الأسانيد كثيرة جداً، وهنا تظهر أهمية معرفة مصادر السنّة، وأنها من الأمور المعينة في التخريج من حيث الإتقان والتسهيل وتوفير الوقت.

стр. 29

الطريقة الثانية: [استخراج الحديث من خلال النظر في المتن] *وسائل هذه الطريقة: أ. استخراج الحديث من خلال طرف المتن ، أي أول المتن المروي. وهنا تنبيه: وهو أن مُستخدم هذه الطريقة يَلزمه أن يحاول استحضار جميع ألفاظ الحديث المختلفة لذلك المتن، مثل حديث ((إنما الأعمال بالنيات..)) فينبغي للباحث أن يضع الاحتمالات التي يمكن أن يكون الحديث مروياً بها؛ لأن اختلاف حرفٍ واحد في بداية الكلمات قد يُعسِّر عليك عملية الوقوف على الحديث. ثم قد يقف الباحث على الحديث من خلال طرقٍ سابقة أو لاحقة، ويجدُ هناك ألفاظاً مختلفة، فينبغي أن تُقيّد هذه الألفاظ المختلفة في البداية، فإذا جاء وقت البحث تكون الألفاظ موجودة بين يديك، فتستطيع أن تُقلبّ الفهرس أو الكتاب الذي رُتّب على بداية الحديث على جميع الوجوه حتى تقف على مُرادك. ثم ينتبه لأمر آخر: وهو أن بعض الأحاديث قد تكون جزءاً من حديث طويل يأتي اللفظ في وسطه، فتبحث من خلال هذه الطريقة فلا تجده، وحينها يكون الحلُّ أن تخرّج بأحد الطرق السابقة أو اللاحقة، مثاله: الحديث المشهور ((صلوا كما رأيتموني أصلّي)) ، لا تكاد تجده بهذا اللفظ في أحد الفهارس أو في الكتب التي رتبت على بداية الأحاديث؛ لأنه جزءٌ من حديثٍ طويل فيه قصة، وهو حديث مالك بن الحويرث المشهور. وقد تكون هناك أحاديث مشهورة على ألسنة الفقهاء، وفي نصها اختلافٌ يسيرٌ مما يجعل عملية الوقوف على مصادرها أمراً صعباً، ولكن بمعرفة الألفاظ واختلافها، وهل هي جزء من حديث طويل أم لا؟ يَسْهُلُ على الباحث الوقوف على الحديث من خلال هذه الطريقة. ومن هنا يحسن التنبيه على مَنْ يعمل بالتحقيق أو طلاب الرسائل الجامعية، أنه عند الفهرسة لِما ورد في الكتاب مِنْ أحاديث أن يشيروا لاختلاف الألفاظ في الفهرسة ولِما يدخل ضمن حديثٍ طويل، فيقول مثلاً: إنما الأعمال بالنيات = الأعمال بالنيات، ويفهرس جميع مقاطع الحديث؛ حتى يستطيع الباحث أن ينتفع من هذا الفهرس انتفاعاً جيّداً، ويخدم طلبة العلم خدمة كبيرة بذلك.

стр. 30

* الكتب التي تخدم هذه الوسيلة: ١. الكتب التي رتبت على حروف المعجم: ولا أستحضر كتاباً مسنداً رُتب على حروف المعجم إلا (مسند الفردوس) لأبي منصور الديلمي، أما باقي الكتب فهي عبارة عن كتبٍ محذوفة الأسانيد تعزو إلى أماكن وجود الحديث، والى مَنْ أخرج الحديث، ومن أشهر هذه الكتب (الجامع الصغير وزيادته) للسيوطي، الذي خدمه الشيخ الألباني في (صحيح الجامع الصغير) و (ضعيف الجامع الصغير) ، وأيضاً للسيوطي كتابٌ آخر -لكنه مات ولم يتمه- وهو (الجامع الكبير) ، والقسم الأول منه وهو أحاديث الأقوال: وهي المنسوبة إلى قول النبي ﷺ مرتبٌ على حروف الهجاء، أما القسم الثاني: وهو الأحاديث الفعلية للنبي ﷺ فهو مرتبٌ على المسانيد -كما سبق-، وهناك كتابٌ يجمع الجامع الصغير والكبير وهو كتاب (كنز العُمّال) للمتقي الهندي، وهو كتابٌ مهمٌ للتخريج، خاصةً بفهرسه الذي صدر في مجلدين ضخمين وهو مرتب على حروف المعجم، أما كتاب (الكنز) فهو مرتبٌ على أبواب الفقه، ولكن فهرسه مرتبٌ على حروف المعجم، وبه يُستغنى عن كتاب (الجامع الكبير) و (الجامع الصغير) ، لكن يبقى أن لـ (الجامع الكبير) مزية في قسم الأفعال: وهي ترتيبه على مسانيد الصحابة، وهذه المزية لا توجد لا في (كنز العمال) ولا في كشاف أحاديثه وآثاره.

стр. 31

أيضاً من الكتب التي رُتِبت على حروف المعجم: كتب الأحاديث المشتهرة على الألسنة، والمقصود بها الأحاديث الدائرة على ألسنة الناس، ويذكرونها في احتجاجاتهم ومعاملاتهم سواءً العلماء والعامة، وقد اعتنى العلماء بترتيب كتب تبين مراتب هذه الأحاديث من حيث القبول والرد، وأقدم من ألّف كتاباً في ذلك هو الزركشي (١) ، وسماه (اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة) وهو مشتهر، ومطبوع باسم (التذكرة في الأحاديث المشتهرة) (٢) ، وهو مرتبٌ على أبواب الفقه، وهو الوحيد من كتب الأحاديث المشتهرة على الألسنة الذي رُتب على أبواب الفقه، أما بقية الكتب الآتية فهي مرتبة على حروف المعجم، تلاه في التأليف الحافظ ابن حجر بنفس المسمى (اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة) وتلاهّ كتاب في ذلك هو كتاب (المقاصد الحسنة في بيان الأحاديث المشتهرة على الألسنة) للسخاوي، وهو أجلّ هذه الكتب، وهو نافع جداً في التخريج ولا يُستغنى عنه أبداً. وأيضاً كتاب (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة) للسيوطي -وهو مطبوع- وهو عبارةٌ عن تلخيصٍ لكتاب الزركشي السابق، وزاد عليه السيوطي في (الدرر المنتثرة) ، ثم جاء ابن طولون -وهو متأخر عن الأئمة السابقين- فألف كتاباً سماه (الشذْرة في الأحاديث المشتهرة) وهو مطبوع، جمع فيه مؤلفه بين الكتب الثلاثة السابقة، وليس له في الكتاب إلا الجمع، ثم جاء بعده بدر الدين الغزي فألف كتاباً سماه (إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن) وهو مطبوع، جمع فيه مؤلفه بين الكتب السابقة وأضاف إضافات كثيرة ومفيدة، وجاء حفيد

стр. 32

المصنف وهو أحمد بن عبد الكريم الغزي فالتقط من كتاب جده السابق ما وصف بأنه "لا يثبت فيه حديث" في كتاب سماه (الجدّ الحثيث في بيان ما ليس بحديث) ، حققه الشيخ: بكر أبو زيد، وجاء إمام آخر وهو الجينيني -إبراهيم بن سليمان بن محمد الجِيْنيني-، فأخذ زيادات كتاب الغزيّ (إتقان ما يحسن) على (المقاصد الحسنة) ، حتى يبرز هذه الزيادات ويبين ماهي الإضافات التي أضافها الغزيّ على السخاوي. ومن أهم الكتب المتأخرة -والتي جمعت ما سبق- كتاب (كشف الخفا ومزيل الإلباس عمّا يدور من الحديث على ألسنة الناس) للعجلوني، وهو عبارة عن خلاصة الكتب السابقة، لكن يعيبه أمران: أ) أن المؤلف اختصر كلام السخاوي والمخرّجين اختصاراً شديداً جداً، حتى لربما اكتفى في بعض الأحيان بذكر اسم العالم فقط، أما الأسانيد التي كان يسوقها السخاوي والكلام عليها وما يتعلق بها فحذفه كله، ولم يُبقِ إلا على شئٍ يسير من ذلك، وهذا مما يقلل فائدة الكتاب. ب) أن المؤلف متصوفٌ، وقد أدخل عقيدته في كثيرٍ من أحكامه وفيما يتعرض له في الكتاب، حيث يظهر من خلال قراءة الكتاب محاولة بثِّ عقيدته من خلاله. وهناك كتبٌ كثيرةٌ في هذا الفن، ولكن ما سبق هي أمهات الكتب في ذلك وأهمها.

стр. 33

٢. الفهارس والكشافات الحديثة التي صُنعت في أواخر الكتب المحققة أو التي أُفردت بالتصنيف، فكثيراً من محققي كتب السنّة يعتنون بصنع فهارس على أطراف الأحاديث في تلك الكتب، وبعضها أعمال جيدة متقنة، وبعضها يعتريه النقص، وعلى كلِّ حال فهي مهمةٌ ومُعينةٌ في التخريج. ونستعرضُ أهمها وهي فهارس الكتب التسعة، فمنها: فهرسٌ مستقلٌ لصحيح البخاري اسمه (دليل القاري لمواضع الأحاديث في صحيح البخاري) للغنيمان، وهو مصنوع على فتح الباري -الطبعة السلفية-، ويمتاز بأنه حتى لو اختلفت الطبعة فإنك تستطيع أن تقف على الحديث؛ لأنه عيّن لك اسم الكتاب والباب، أما (صحيح مسلم) فطبعة محمد فؤاد عبد الباقي، حيث جعل المجلد الخامس فهارس للكتاب، أما (سنن أبي داود) فكانت أفضل طبعةٍ طبعةُ عزت عبيد الدّعاس وفيها فهارس،ولكن صدرت طبعةٌ بعد ذلك بتحقيق محمد عوّامة وهي أجود الطبعات إلى الآن، لكن هذه الطبعة لم يصدر لها فهارس إلى الآن -وإن كان المحقق وعد بإصدار فهرس للكتاب-، أما (جامع الترمذي) فقد صُنعت له فهارس منفردة، ولا أعرف له طبعة مفهرسة فهرسة جيده، أما (سنن النسائي مع شرح السيوطي وحاشية السندي) فقد رقمها عبد الفتاح أبو غدة، وصنع لها مجلداً كاملاً للفهارس، وكذلك فقد حقق محمد فؤاد عبد الباقي (سنن ابن ماجة) وصنع له فهارساً، وأما (موطأ مالك) برواية يحيى الليثي المشهورة فقد أخرجه محمد فؤاد عبد الباقي وصنع له فهارساً، والروايات الأخرى للموطأ غالبها خرج مطبوعاً محققاً ومفهرساً أيضاً، وأما (مسند الإمام أحمد) فله فهرسان جيّدان: الأول:المسمى بـ (مُرشد المحتار) من صنع وإعداد الشيخ: حمدي السلفي.

стр. 34

والثاني: (المنهج الأسعد في ترتيب أحاديث مسند الإمام أحمد) لعبد الله ناصر الرحماني، وهو في أربعة مجلدات، وميزة هذا الكتاب أنه فهرس فيه ثلاث طبعات للمسند: الطبعة القديمة التي طبعت في ست مجلدات المطبوعة عام ١٣١٣هـ، والطبعة التي حققها الشيخ أحمد شاكر، والطبعة التي بترتيب الساعاتي (الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد ن حنبل الشيباني) ، وأما (سنن الدارمي) فله فهرس مطبوع بإعداد أحمد بن عبد الله الرفاعي على أطراف الحديث وعلى المسانيد، وأخرج (سنن الدارمي) مصطفى البُغا أيضاً بفهرس في آخره. وهناك فهارس أيضاً كثيرة أخرجتها "دار عالم الكتب" وهي من الفهارس المتقنة، وأشرف على إصدار هذه الفهارس الدكتور: سمير طه المجذوب، وتجد في الغالب أن أربعة أو خمسة اشتركوا في إصدار فهرس واحد، وقد أصدرت فهرس لـ (مصنف عبد الرزاق) في أربع مجلدات، المجلد الأول والثاني على أطراف الحديث، والثالث والرابع على المسانيد، وأيضاً أخرجوا فهرس لـ (مستدرك الحاكم) في مجلدين ضخمين، وفهرس (لمجمع الزوائد ومنبع الفوائد) في أربعة مجلدات ضخام، وفهرس لـ (سنن الدارقطني) في مجلدين كبار، وفهرس لـ (نصب الراية) للزيلعي، وهي فهارس متقنة. أيضاً من الفهارس المهمة كتاب (موسوعة أطراف الحديث النبوي) لأبي هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، وميزة هذا الكتاب أنه جمع بين مائة وخمسين كتاباً، وخرج له ذيلٌ أيضاً، والكتاب غير دقيق، ولكنه مفيد ونافع في الإعانة على الوقوف على الحديث، ولا يُستغنى عنه؛ لأنه ينفع كثيراً. أيضاً من الكتب الجيّدة: (الجامع المفهرس لمصنفات الألباني) لسليم الهلالي، الذي فهرس فيه الأحاديث الواردة في مؤلفات الألباني المطبوعة.

стр. 35

هناك فهارس قديمة مما يدل على أن فكرة الفهرسة للكتب موجودة قديماً، ومن أقدم الكتب المفهرسة كتاب (المجروحين) لابن حبان، فقد فهرس أحاديثه ابن طاهر المقدسي -المشهور بابن القيسراني- في كتاب سماه (تذكرة الحفاظ) وهو مطبوع، حيث فهرس كتاب (المجروحين) على حروف المعجم،وميزة هذا الكتاب أنه ليس فهرساً فقط، بل هو فهرسٌ يذكر لك فيه حكم ابن حبان على الحديث بعد سياقه لطرفه، والراوي الذي تكلم في الحديث بسببه -أي: علة التضعيف-، ثم قد يضيف ابن طاهر رأيه الشخصي، وهذه فائدة مهمة جداً. وقد صنع ابن طاهر المقدسي -أيضاً- كتاباً آخر وهو (ذخيرة الحفاظ) فَهْرَسَ فيه كتاب (الكامل) لابن عدي، وقد طُبع هذا الكتاب في خمسة مجلدات، وفيه نفس المزايا السابقة من الفهرسة على أطراف الحديث، وقد يتعقب ابن طاهر المقدسي بعض الأحاديث في رأي خاص له. هذه أهم الفهارس التي رُتبت على حروف المعجم. ب. استخراج الحديث من خلال كلمة بارزة فيه: أي كلمة بارزة من وسط المتن أو أوله أو آخره. وأشهر ما يخدم هذه الطريقة: ١. (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) ، الذي صنعه جماعة من المستشرقين، وطبع في ثمان مجلدات، والكتاب مفيدٌ على إعوازٍ كبير فيه، وقد خدم هذا المعجم الكتب التسعة: الستة المشهورة، إضافة إلى (موطأ مالك) و (سنن الدارمي) و (مسند أحمد) ، وقد يوجد الحديث في هذه الكتب وتبحث في جميع ألفاظه في (المعجم المفهرس) ولا تجده، مما يدل على نقصٍ كبيرٍ في خدمة هذا المعجم، وإن كانت خدمته جليلة، وخاصة لمن أراد أن يؤلف في موضوع معيّن فإن الكتاب يستحضر له جملة كبيرة من الأحاديث تعينه في كتابة موضوعه.

стр. 36

٢. الفهارس الحديثة التي صنعها بعض الكتَّاب على الألفاظ: نفس الفكرة السابقة قام باتباعها بعض الكُتّاب المعاصرين، فصنعوا فهارس للألفاظ النبوية لكتب معينة، فمثلاً (سنن ابن ماجة) أخرجه الدكتور مصطفى الأعظمي مذيلاً بفهارس على الألفاظ في آخر الكتاب، فجعل (سنن ابن ماجة) في مجلدين، والفهارس مجلدين أيضاً، وهي فهارس متقنة ودقيقة، حيث فهرس جميع الكلمات الواردة في (سنن ابن ماجة) ، أيضاً كتاب (المعجم المفهرس لألفاظ سنن الدارقطني) صنعه الدكتور يوسف المرعشلي، وأيضاً فهرس على الألفاظ لـ (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) لأبي هاجر بسيوني زغلول. ٣. كتاب (مفتاح كنوز السنّة) الذي ترجمه: محمد فؤاد عبد الباقي، وهو كتابٌ مهم، وإن كانت أهميته ضعفت مع صدور الفهارس الحديثة، ولكن لازالت فائدته قائمة، وميزته التي تُبقي فائدته مع كثرة الفهارس، أنه فهرس للألفاظ وللموضوعات في آن واحد، فمثلاً إذا ذكر لفظة "صلاة التطوع" تجده يذكر كل الأحاديث المتعلقة بصلاة التطوع في الكتب التي خدمها وهي الكتب التسعة، مضافاً إليها (مسند زيد بن علي) -وهذا المسند لا قيمة له؛ لأنه مكذوب على زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب- وأيضاً كتاب (المغازي) للواقدي و (الطبقات) لابن سعد و (سيرة ابن هشام) ، هذه الكتب التي فُهرست في (مفتاح كنوز السنّة) .

стр. 37

٤. كتب غريب الحديث: وهي تعتني بالألفاظ الغريبة لغةً، أي التي لا يعرف معناها بسبب قلة استخدامها. ومن أشهر كتب الغريب كتاب (غريب الحديث) لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم، وأيضاً كتاب (غريب الحديث) لإبراهيم الحربي، وجاء بعد أبي عُبيد من ذيّل على كتابه وهو ابن قتيبة في كتاب سماه (غريب الحديث) وله كتاب آخر اسمه (إصلاح غلط أبي عبيدُ) تعقب فيه أبا عُبيد في المواضع التي يرى ابن قتيبة أنه أخطأ فيها، ثم جاء بعد ابن قتيبة من ذيّل على ابن قتيبة وهو الإمام الخطابي في كتابه (غريب الحديث) ، ثم جاء بعد هؤلاء جميعاً أبو عُبيد الهروي صاحب (الغريبين) -غريب القرآن والحديث-، وذيّل على صاحب (الغريبين) أبو موسى المديني في كتابه (المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث) ، لكن كتاب أبي موسى لا يدخل في مصادر التخريج؛ لأنه غير مسند، أما كتاب أبي عبيد وتتماته وكتاب الحربي وكتاب أبي عبيد الهروي فهي من مصادر التخريج، لأنها كتبٌ مسندة. وطريقة استخدام هذه الكتب هي أنه إذا وقف الباحث على كلمة غريبة لغوياً، فيغلب على الظن أن يذكرها العلماء الذين صنفوا في غريب الحديث، وقد يُعين الباحث قبل أن يبحث الرجوعُ إلى كتاب (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير، فإذا وجد أن ابن الأثير ذكر هذا الحديث وبيّن معنى هذه اللفظة فلا بد أن تكون في أحد مصادره، ومِنْ مصادره الكتب السابقة، فيصبح كتاب (النهاية) كالفهرس. وأيضاً فالكتب السابقة لها فهارس مُعِينة، فكتاب (غريب الحديث) لأبي عبيد صدر له فهرسٌ منفرد على الأطراف وعلى المسانيد وعلى الألفاظ، وأيضاً كتاب إبراهيم الحربي له فهرسٌ في آخره.

стр. 38

ج. استخراج الحديث عن طريق موضوعه أو الأحكام المستنبطة منه . ولا يستطيع أن ينتفع بهذه الوسيلة إلا من فهم معنى الحديث، وعرف أظهر حكمٍ يمكن أن يستفاد من هذا الحديث، بل كلما كان فهم الباحث دقيقاً كانت استفادته من هذه الطريقة أنفع، ومما يدل على ذلك أن البخاري ربما أورد الحديث تحت باب معيّن يحارُّ الباحث في العلاقة بين الترجمة وبين إيراد الحديث تحتها، مما جعل عدداً من العلماء يتوقف في معرفة مقصد البخاري في بعض التراجم. والكتب التي يستعان بها في هذه الطريقة: ١. الكتب المرتبة على الموضوعات: ومن أشهرها كتب الجوامع، كـ (الجامع الصحيح) للبخاري، و (المسند الصحيح) لمسلم، وكتب السنن كذلك -ويفرقون بين كتب الجوامع وكتب السنن، بأن كتب الجوامع تعتني بجميع أبواب العلم، بخلاف السنن فأكثر عنايتها بأبواب الفقه فقط،أي بأحاديث الأحكام التي يُستنبط منها حكم، وقد يوردون غيرها ولكنه قليل-،ويدخل ضمن كتب الجوامع والسنن جميع كتب الصحاح المؤلفة مثل: (صحيح ابن خزيمة) ، و (صحيح ابن حبان) وخاصة ترتيبه المسمى (الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان) -وهو مطبوع-، وأيضاً كتب المستخرجات كـ (مستخرج أبي عوانة) و (مستخرج أبي نُعيم) ، و (مختصر الأحكام) المستخرج على جامع الترمذي، و (المستدرك) للحاكم، وكتب السنن الأربعة -إلا أن كتاب الترمذي جامع وأُطلق عليه "سنن" تغليباً، وأيضاً كتاب (السنن الكبرى) للبيهقي، وهو من أمهات السنّة، وجميع ما سبق مرتبٌ على أبواب الفقه.

стр. 39

٢. الكتب المُفردة في موضوعات معيّنة ، مثل: كتب التفسير بالمأثور خاصة المسندة، وغير المسندة مفيدة في بيان من أخرج الحديث، فمثلاً من كتب التفسير المسندة: (تفسير ابن جرير الطبري) و (تفسير ابن أبي حاتم) و (تفسير الثوري) و (تفسير عبد الرزاق) و (تفسير مجاهد) ، وهناك كتبٌ في التفسير بالمأثور لكنها إما ناقلة بالأسانيد كـ (تفسير ابن كثير) ، أو كتب تعزو إلى من أخرج الحديث مثل (الدر المنثور) للسيوطي. وهذه الكتب شاملة للمرفوع والموقوف والمقطوع. يدخل ضمن التفسير كتب أسباب النزول -خاصة المسندة منها- مثل: (أسباب النزول) للواحدي -وهو الأصل لكتب أسباب النزول-، وأيضاً كتاب (العُجاب في بيان الأسباب) للحافظ ابن حجر، لكنه لم يتمه بل توقفَ في أثناء "سورة النساء"، وهو كتاب جليل وعظيم الفائدة في أسباب النزول، وهو كتاب مطبوع. أيضاً كتب الناسخ والمنسوخ في القرآن المسندة، مثل: كتاب (الناسخ والمنسوخ) لابن الجوزي، و (ناسخ القرآن ومنسوخه) لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم، وهي تُورد الأحاديث التي يُستدل بها على النسخ بأسانيدها. ومن المواضيع المُفردة: كتب العقيدة المسندة بأنواعها، فمنها مثلاً ما يتعلق بالإيمان، مثل (شعب الإيمان) للبيهقي، و (الإيمان) لابن مندة، وكتاب (تعظيم قدر الصلاة) لابن نصر المروزي -وقد تَعْرِضُ لمسائل الإيمان-،ومنها ما يتعلق بالأسماء والصفات مثل كتاب (التوحيد) لابن خزيمة، وكتاب (التوحيد) لابن مندة، وكتاب (الأسماء والصفات) للبيهقي، ومنها الكتب المتعلقة بالرد على أهل الأهواء والبدع، ككتاب (الرد على الجهمية) ، و (الرد على بشر المرّيسي) كلاهما لعثمان بن سعيد الدارمي، ومنها الكتب الشاملة مثل (السنّة) لعبد الله ابن الإمام أحمد، ولابن أبي عاصم، وللخلال.

стр. 40

ومن المواضيع المفردة: الكتب التي أُلفت في موضوع فقهي، مثل كتاب (الصلاة) لأبي نُعيم الفضل بن دكين، وكتاب (البسملة) لابن طاهر المقدسي، وكتاب (الإنصاف) لابن عبد البر، وكتاب (الطُّهور) لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم، وكتاب (الأموال) -أيضاً-لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم، وكتاب (الأموال) لحُميد بن زنجولة، وكتاب (الخراج) ليحيى بن آدم، (والقراءة خلف الإمام) للبخاري، (وجزء رفع اليدين) له أيضاً، و (القراءة خلف الإمام) أيضاً للبيهقي، وكل هذه مسندة. وهي أجزاء كثيرة طُبع منها الكثير، وبقي الأكثر لم يُطبع. ومن المواضيع المفردة: الكتب التي أُلفت في السيرة والشمائل المحمدية مثل: (سيرة ابن إسحاق) ، وقد طُبع جزء منها -وهو المعروف الآن-، و (تهذيب سيرة ابن هشام) . وتُذكر أيضاً هنا: كتب الدلائل النبوية، مثل (دلائل النبوة) لأبي نُعيم، و (دلائل النبوة) للبيهقي، و (دلائل النبوة) للفريابي، و (دلائل النبوة) لأبي القاسم التيمي المشهور بقوام السنّة. ومن كتب الشمائل: كتاب (الشمائل المحمدية) للترمذي -وهو من أصولها-، وكتاب (الأنوار في شمائل النبي المختار) لأبي الشيخ الأصبهاني، وكلها مطبوعة. ومن المواضيع المفردة: الكتب المتعلقة بفضائل الصحابة، والمسند منها: كتاب (فضائل الصحابة) للإمام أحمد، و (فضائل الصحابة) لخيثمة الطرابلسي، وكتاب (فضائل الخلفاء الأربعة) لأبي نُعيم الأصبهاني. وهناك كتب فضائل صحابة على الخصوص، مثل: كتاب (خصائص علي) للنسائي -وهو موجود ضمن (السنن الكبرى) -، كتاب (فضائل أبي بكر الصديق) لابن بَلْبَان الفارسي، وكتاب (فضائل علي بن أبي طالب) لابن المغازلي الواسطي، وكلها مطبوعة.
следующие страницы →