Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
من أقدم الكتب في ذلك، كتاب (الوفيات) لأبي نُعيم الفضل بن دكين (ت٢١٩هـ) وهو موجود، وأيضاً كتاب (الوفيات) لعبد الباقي بن قانع (ت٣٥١هـ) وصل في التاريخ فيه إلى سنة (٣٤٦هـ) ، وهذا الكتاب غير موجود إلا أن جميع النقول التي فيه استوعبت في الكتب المتأخرة. من الكتب المهمة كتاب (تاريخ وفيات الشيوخ الذين أدركهم أبو القاسم البغوي) وهو إمامٌ متقدم توفي (٣١٧هـ) ، وأصل الكتاب مسودة كان أبو القاسم البغوي يُقيِّد فيها وفيات من عاصرهم من العلماء وكان محتفظاً بها لنفسه، فلما توفي أبو القاسم وَرِث الأوراق المسودة أحد أبناء عمومته، فسلّمها لأحد كبار الحفاظ من القرن الرابع الهجري وهو محمد بن المظفر البغدادي، فقام هذا الحافظ بترتيبها وإخراجها، والكتاب مطبوع بترتيب وتبييض الحافظ محمد بن المظفر. ثم أُلِف كتابٌ في الوفيات أصبح عمدة للعلماء يذيّلون عليه، وهو كتاب (تاريخ مواليد العلماء ووفياتهم) لابن زبر الرَبَعي، وهو مطبوع، توفي مؤلفه في (٣٧٩هـ) ، ووصل في التاريخ فيه إلى سنة (٣٥٧هـ) ، ثم ذيّل عليه عبد العزيز بن أحمد الكتاني (ت٤٦٦هـ) ، وابتدء من سنة (٣٣٨هـ) ، ووصل فيه إلى سنة (٤٦٢هـ) ، وهو مطبوع، ثم كتاب (ذيلُ ذيلِ تاريخ مواليد العلماء ووفياتهم) لهبة الله ابن الأكفاني (ت٥٢٤هـ) ، وابتدء من سنة (٤٦٣هـ) ، ووصل فيه إلى سنة (٤٨٥هـ) ، ثم ذيّل عليه أيضاً أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي (ت٦١١هـ) ووصل فيه إلى تاريخ (٥٨١هـ) وسمّى كتابه (وفيات النقلة) - ولم يطبع حتى الآن - ثم ذيّل عليه الحافظ المنذري فألّف كتاب (تكملة وفيات النقلة) ، وهو مطبوع في أربعة مجلدات، ووصل فيه إلى سنة (٦٤٢هـ) ، وهو كتابٌ مهم حيث أنه أضاف إلى كونه كتاب وفيات أيضاً ضبط الأسماء المذكورة فيه وأنسابهم أيضاً، فيعتبر من كتب الضبط، ثم إن المحقق الدكتور بشار عواد خدم هذا الكتاب خدمة فائقة جداً، ثم ألف عز الدين أحمد بن محمد الحسيني
стр. 72
كتاب (صلة التكملة لوفيات النقلة) - ولم يطبع - ثم ذيّل عليه أحمد بن أيبك الدمياطي (ت٧٤٩هـ) (ذيّل الصلة) ولم يطبع، ثم ذيّل عليه العراقي -شيخ ابن حجر-، وذيّل على كتاب العراقي ابنه: أبو زرعة العراقي، ثم توقف التذييل على هذا الكتاب، لكن خرجت كتب أخرى متممة ومذِيّلة،وهي الكتب التي تتكلم عن علماء قرن بكامله، مثل كتاب (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) للحافظ ابن حجر، ثم جاء بعده السخاوي في كتابه (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع) ، ثم جاء بعد السخاوي في القرن العاشر: الغزيّ في كتابه (الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة) ، وأيضاً للعيدروس كتاب (النور السافر في أعيان القرن العاشر) ، ثم جاء بعد القرن العاشر: المحبي فألّف (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) ، ثم جاء المرادي فألف (سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر) . ثم أُلِّفت كتبٌ مختلفة في أعيان كل بلد، فمثلاً لعلماءِ الحجاز يوجد كتاب من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر، وفي أعيان نجد كتاب الشيخ عبد الله البسام (علماء نجد خلال ستة قرون) ، وفي علماء المغرب (النشر المثاني) ، ولا يكاد يخلو قطرٌ من الأقطار الإسلامية إلا وهناك كتاب يؤرخ لعلمائه في الفترة المتأخرة، ويجمع أهم مافي هذه الكتب كتاب (الأعلام) للزركلي، حيث اعتنى بالمتأخرين عناية كبيرة، وذُيّل على كتاب (الأعلام) بتذييلين، الأول (تتمة الأعلام) لمحمد خير رمضان يوسف، والثاني: (ذيل الأعلام) لأحمد العلاونة،وقد طُبع مؤخراً.
ومن الكتب التي تعتني بذكر الوفيات: كتب التراجم عموماً، ككتاب (التاريخ الكبير) و (التاريخ الأوسط) للبخاري، وكتب التواريخ المحلية، مثل: (تاريخ بغداد) ،و (تاريخ دمشق) ،و (تاريخ جرجان) و (واسط) إلخ..
стр. 73
فإن لم تُعرف الوفاة ولا الولادة فنلجأ إلى محاولة معرفة طبقة الراوي، ومعرفة طبقة الراوي مهمةٌ لأغراض كثيرة، من أهمها: ماسبق من التثبت من عدم وجود سقط ظاهر في الإسناد، بل ربما بلغت أهمية الطبقة إلى درجة أنه يُصحَّح تاريخ الولادة والوفاة من خلال الطبقة. وهناك كتابٌ جيّدٌ يُنصح بقرائته حول علم الطبقات، وهو كتاب (علم طبقات المحدثين) لأسعد تيّم، وهو كتابٌ عميقٌ خدم علم الطبقات خدمة لم يسبق إليها من حيث التقعيد وذكر الأصول والضوابط المتعلقة بهذا العلم.
وكتب الطبقات كثيرة ومتعددة، من أقدمها وأهمها كتاب (الطبقات) لابن سعد، المشهور بالطبقات الكبرى لابن سعد، وهو كتاب مسند، والكتاب مطبوع، وطبعت له تتمات ثلاث، فينبغي العناية باقتنائها، فطبعت تتمة بتحقيق زياد منصور، وتتمة طبعت بتحقيق د. محمد بن صامل السلمي، وتتمة ثالثة بتحقيق د. عبد العزيز السلومي. ثم طبع الكتاب مؤخراً طبعةً كاملة، بتحقيق: علي بن محمد عمر. أيضاً من كتب الطبقات المهمة كتاب (الطبقات) لخليفة بن خيّاط -شيخ البخاري-، وكتاب (التاريخ الأوسط) للبخاري مرتب على الطبقات، وكتاب (الطبقات) لمسلم وهومطبوع، وكتاب (الثقات) لابن حبان مرتبٌ على طبقات واسعة جداً؛ لأنه اعتبر الصحابة كلهم طبقة واحدة، والتابعين كلهم طبقة واحدة، وأتباع التابعين طبقة واحدة، والطبقة الأخيرة طبقة أتباع أتباعِ التابعين. ومن كتب الطبقات: كتبٌ متعددة للذهبي، مثل كتاب (تذكرة الحفاظ) - ويعتبر كتاب (طبقات علماء الحديث) لابن عبد الهادي مختصر لـ (تذكرة الحفاظ) – وكتاب (سير أعلام النبلاء) للذهبي، وكتاب (تاريخ الإسلام) للذهبي، وهو كتاب ضخم جداً.
стр. 74
فإن لم يُوقف على طبقة الراوي أو لم تحدد تحديداً دقيقاً فأبحث عن ترجمةٍ لهذا الراوي -والترجمة لا يلزم أن يُذكر فيها تاريخ الولادة أو الوفاة أو الطبقة- وأنظر في شيوخ هذا الراوي، وأقيس هذا الراوي بالرواة الآخرين الذين رووا عن هؤلاء الشيوخ أنفسهم، فإذا كان الشيخ من الطبقة الخامسة، فإن التلميذ الذي روى عنه في الطبقة السادسة أو السابعة، ويمكن أيضاً من خلال النظر في تلامذة ذلك الراوي، فإذا وجدت أن شيوخهم من الطبقة السادسة أو السابعة فلا يخلو أن يكون شيخهم من تلك الطبقة.
من خلال ما سبق نستطيع أن نتجنب السقط الظاهر، لكن بقي احتمال وجود سقط خفي وهو ما كان من رواية راوٍ حدّث عنه بما لم يسمعه منه، أو رواية راوٍ عاصر من روى عنه ولم يسمع منه، وهما عبارة عن التدليس والإرسال الخفي -كما عند الحافظ ابن حجر-.
فإذا أردت أن أتثبت من عدم وجود سقطٍ خفي أنظر: هل صرّح الرواة بالسماع؟ فإن صرّحوا بالسماع، وصحّ هذا التصريح عنهم بالسماع، ولم يحتمل وجود تأول في هذا التصريح، فلا أشك في اتصال هذا الإسناد.
стр. 75
والمقصود بالتصريح بالسماع هو أن يقول: حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا أو سمعت أو ذكر لنا أو قال لنا ... الخ، وأما صحة التصريح فإن بعض الرواة قد يَهِمُ ويقول: حدثنا - وهو لم يحدثه -؛ لكونه تعوّد على عبارة حدثنا كجرير بن حازم، قال عنه يحيى بن معين: "جرير بن حازم كان سجيّة فيه أن يقول حدثنا حدثنا " وإن لم يقل شيوخه حدثنا، فيقع ذِكْرُ التصريح بالسماع منه وهماً لا تعمُّداً. بل إن بعض الرواة ضعّفهم أهل العلم لأنهم يذكرون صيغ السماع بين رواة معروفٌ عند أهل العلم أنهم لم يلتقوا، ومن هؤلاء سالم الخيّاط سُئل عنه أبو حاتم، فقيل:" سمع الحسن من أبي هريرة؟ قال: لا، قالوا: فإن سالم الخيّاط يقول عن الحسن سمعتُ أباهريرة! فقال أبو حاتم: هذا مما يبين ضعف سالم". ويُتنبه إلى أن توهيم الرواة في صيغ السماع له قيود وضوابط، ليست هي ضوابط وقيود مسألة الشذوذ. فإذا صحت صيغة السماع يبقى احتمال أن الراوي تأول في صيغة السماع، فقد يقول الراوي: حدثنا، ويقصد حدث أهل بلدنا، وغزا بنا، يقصد: غزا بأهل بلدنا أو غزا بالناس، وهذا فعله الرواة، وورد أيضاً عن أبي هريرة في الصحيحين حينما قال: ((لما افتتحنا خيبر)) ، ومعلومٌ أنه لم يسلم إلا بعد فتح خيبر، وكذلك الرجل الذي يخرج للدجال في آخر الزمان ويقول: ((أنت الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ عنك)) ، ومعلومٌ أنه لم يلق النبي ﷺ ، فيكون قصده بحدثنا أي حدث المسلمين. فالمقصود: أنه قد يتأول بعض الرواة، لكن الرواة الذين تأوّلوا قلةٌ جداً، وتأوّلهم أيضاً قليل جداً، فليس لهذه القضية حكم مُطّرد، فلا يقال: مادام أن الرواة قد تأوّلوا فلا يكون لـ (حدثنا) دلالة على السماع، بل هي دالّة على السماع إلا في حدود ضيقة، ليس هذا المقام مجال ذكرها.
стр. 76
فإذا ثبتت هذه الاحتمالات: تصريح صحيح غير متأول عرفنا أن الرواية متصلة ليس فيها انقطاع.
تنبيه: التوقف عن قبول رواية الرواة إلا أن يصرحوا بالسماع ليس في عموم الرواة ، لكن في مَنْ وُصِفَ بأنه مدلس، فهذا هو الذي نطلب منه أن يصرح بالسماع، ثم إنه ليس كل مدلس نطلب منه أن يصرح بالسماع.
وهنا تنبيه آخر: وهو أن الراوي قد يكون غير موصوف بالتدليس، لكن مع ذلك يلزمنا التحري في سماعه؛ لأنه قد يكون هذا الراوي روى عمّن عاصره ولم يلقه، أو عمّن لم يعاصره أصلاً، لكنَّ عدم المعاصرة ليس واضحاً؛ لكون تاريخ الولادة والوفاة مجهولاً بالنسبة للشيخ والتلميذ، وقد تكون الطبقة محتملة كطبقة التابعين مع طبقة الصحابة، فالأمر هذا يكثر في طبقة التابعين، ويقلُّ في أتباع التابعين،ويكاد يندر فيمن سواهم. فنرجع إلى كتب المراسيل للتأكد من أن هذا الراوي لم يُحكم بعدم سماعه ممن روى عنه. ومن هذه الكتب وهو أجلّها: كتاب (المراسيل) لابن أبي حاتم، ثم تممّ هذا العمل العلائي في كتابه (جامع التحصيل) ، ثم تممّ هذا العمل أيضاً أبو زرعة العراقي في كتابه (تحفة التحصيل برواة المراسيل) وكلُّ هذه الكتب مطبوعة.
وأيضاً كتب التراجم كـ (تهذيب الكمال) و (تهذيب التهذيب) ،كثيراً ما تنصّ على السماع وعدمه وعلى المراسيل. وأيضاً عموم كتب العلل والسؤالات القديمة والتواريخ القديمة، مثل: (تاريخ يحيى بن معين) برواية الدوري، أو (تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين) ، وغيرها.
فإذا بحثنا فلم نجد ما سبق، ننظر هل وُصف بالتدليس؟ فإن لم يوصف بالتدليس، ولم نقف على حكم بعدم سماعه، والطبقة تحتمل السماع، فنقبل روايته ولو عنعن فإنا نقبل هذه العنعنة.
стр. 77
أما إذا وُصِفَ بالتدليس، فأنظر -أولاً-: ماهو نوع تدليسه الذي وصف به؟ فإن كان تدليسه تدليس شيوخ أو تدليس بلدان، فلا يؤثر ذلك على قبول عنعنته؛ لأن تدليس الشيوخ لا علاقة له بصيغ الأداء وإنما هو تعمية اسم الراوي أو كنيته أو لقبه، وذكره بغير ما يعرف به، فإذا كان ذلك فعلينا أن نعيّن الراوي فقط، فإذا عرفناه حكمنا عليه بما يلزم، وإذا لم نعرفه نتوقف في الحكم على الحديث؛ لأن هذا الراوي أشبه عندنا المجهول الذي لا نستطيع أن نحكم على حديثه لا بصحة ولا بضعف.
وإن كان تدليسه تدليس رواية الراوي عمّن سمع منه ما لم يسمعه، فهنا نقف مع الراوي وقفات متعددة، أولاً: ننظر هل ذُكر في مراتب المدلسين في مرتبة من تُقبل عنعنته أم مَنْ تُرَدُّ عنعنته. وكتب مراتب المدلسين يأتي في مقدمتها كتاب (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) للحافظ ابن حجر، حيث رتب فيه المدلسين على خمسة طبقات، الأولى والثانية تُقبل عنعنتهم، والثالثة يُرجح الحافظ بأنها تُرد عنعنتهم، والرابعة يجزم بردّ عنعنتهم، والخامسة حديثهم ضعيف سواءً صرحوا بالسماع أم لم يصرّحوا.
ومن الكتب التي خدمت هذه الناحية كتاب العلائي (جامع التحصيل) ، فقد رتب في مقدمة هذا الكتاب نماذج من المدلسين على طبقات يبيّن فيها من تُقبل عنعنته ومن لا تقبل، وفعل هذا الفعل نفسه الحافظ ابن حجر في كتابه (النكت على ابن الصلاح) ، ولا يغني كتابه السابق عن أحكامه في النكت؛ لأنه ربما تغيّر اجتهاد الحافظ ابن حجر فيذكر راوٍ في طبقة معينة ثم يجعله في النكت في طبقة أخرى، والظاهر أن كتاب (النكت) آخر الكتابين، فتنظر على ماذا استقر رأي الحافظ في هذا الراوي، فإن اختلفت آراؤه ترجح بالمرجحات الأخرى.
стр. 78
قد يختلف العلماء في الرواة من حيث ترتيبهم في مراتب التدليس وقبول عنعنتهم، بل قد يختلف رأي الإمام الواحد، وليس بصحيح أن نأخذ بالقول المتأخر، فقد يكون الأول هو الصواب ولا يكون المتأخر هو الصواب.
وأيضاً قد نجد تطبيقات العلماء مخالفة للمرتبة المذكورة لهذا الراوي في أحد هذه الكتب، فمثلاً العلماء متفقون على قبول عنعنة الزهري، ومنهم الحافظ ابن حجر نفسه، لكن نجد أن الحافظ ذكر الزهري في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين، التي رجح بأن عنعنة أصحابها تُردّ، فهذا دليل على خطأ اجتهاد ابن حجر في عنعنة الزهري ومجانبته للصواب في ترتيبه. ثم إن لأهل العلم مناهج وأقوال مختلفة في قبول رواية المدلس، فيجب على طالب العلم أن يراعي هذه الأقوال؛ لأنها ليست مُطْرحة كما يظنُّ بعض طلبة العلم، وبعضهم يتعامل مع رواية المدلس بعمل آلي فإن صرّح بالسماع قبل روايته، وإن لم يصرح بالسماع نظر في مراتب المدلسين، وحكم على الرواية من خلال مرتبة المدلس من حيث القبول والرد، وهذا التعامل الآلي خطأ، فهناك مناهج مختلفة حتى مع الراوي المُكثر من التدليس فقد يقبل العلماءُ عنعنته في حدود معينة وبشروط محددة.
٣) الخطوة الثالثة: معرفة مرتبة الراوي في الجرح والتعديل .
وقبل مراجعة كتب الجرح والتعديل؛ لمعرفة مرتبة الراوي فيها وأقوال أهل العلم فيه، يجب على طالب العلم أن يُتقن بابين من أبواب مصطلح الحديث تتعلق بهذا الأمر:
الباب الأول: باب معرفة مَنْ تقبل روايته ومَنْ تُردّ.
الباب الثاني: باب مراتب الجرح والتعديل.
فلا بد من إتقان وضبط هذين البابين؛ لأن العلماء قد يختلفون في الجرح والتعديل. فبدراسة هذين البابين أستطيع التعامل مع هذا الخلاف، وترجيح الصحيح.
стр. 79
*من المسائل المهمة التي ينبغي التنبيه عليها:
أنه لا يحتج بالراوي إلا إذا كان عدلاً ضابطاً. والضبط إما أن يكون ضبطاً تاماً، أو ضبطاً خفيفاً في حيّز القبول. والعدل: "هو المسلم العاقل البالغ السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة"، وهذه هي العدالة الباطنة، وهي التي لا تُعرف إلا من خلال طول المعاشرة والمخالطة، وليس المقصود بالباطنة مافي قلبه؛ لأنه ليس من قدرة البشرِ العلمُ بها، أما العدالة الظاهرة فهي ما تعرف بظاهر الأمر، ويمكن التفريق بين العدالة الباطنة والعدالة الظاهرة بأن نقول: أن العدالة الباطنة: هي العلم بعدم المُفسّق، والعدالة الظاهرة: هي عدم العلم بالمُفسّق فالأولى: نعلم ونتيقن بعدم وجود أمر يفسق الراوي به، أما الثانية: فلا نعلم عن الراوي شيئاً يفسق به.
وشرط البلوغ يشترطه العلماء حين الأداء لا حين التحمل، فقد يتحمل الراوي صغيراً، لكن يشترط أن لا يقبل حديثه إلا إذا رواه كبيراً.
وكذلك شرط الإسلام، فالكافر يمكن أن يتحمل في حال كفره، لكنه لا يقبل منه إلا أن يرويه بعد إسلامه، كما حصل مع بعض الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ حال كفرهم، ورووه بعد إسلامهم.
والمقصود بالمفسقات: ارتكاب الكبيرة، والإصرار على الصغيرة.
المروءة: هي موافقة أحكام الشرع والعقل السليم وأعراف المسلمين.
فكل من ارتكب أمراً يخالف الشرع فهو من خوارم المروءة، أو ارتكب أمراً لا يدل على العقل السليم كالمجنون، فليس عنده مروءة، وكالطفل الصغير أيضاً فليس عنده مروءة - لكن لا يقال أنهما من أهل الفسق؛ لأنهما غير مكلفين - وكذلك لا يرتكب أمرٌ يخالف أعراف المسلمين والصالحين.
стр. 80
وبعد بيان العدالة الظاهرة والباطنة، فهل يُشترط في قبول الراوي العدالة الباطنة فقط، أم أنه قد تقبل العدالة الظاهرة في بعض الأحيان؟ الصواب: أنه مَنْ كان عدلاً في الظاهر قد نقبله في بعض الأحيان، وهذه الحالات هي:
١- مَنْ تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم؛ لتقادم العهد بهم، فكل من تعذرت الخبرة الباطنة بحاله نكتفي منه بالعدالة الظاهرة، وهذا هو الذي سار عليه أهل العلم بعامة.
٢- المتأخرون من رواة النسخ الحديثية، فهؤلاء لا يشترط فيهم شئ كثير؛ لأنهم مجرد رواة لكتب ترويها الأمة كلها، كمن يروي (صحيح البخاري) ، وعنده إجازة بروايته بإسناده إلى مؤلفه، فكتاب البخاري تناقلته الأمة كلها، وليس هناك مزيّة في هذه الرواية إلا بقاء اتصال الإسناد، فيُقبل من أيّ شخصٍ مادام أن ظاهره الإسلام، ولم يكذب في دعواه، فيُقبل منه وإن كان في الباطن ليس عدلاً. المقصود أن المتأخرين يُتساهل فيهم، ونصّ على هذا التساهل الإمام الذهبي في مقدمة كتابه (ميزان الاعتدال) ، واعتبر الحدّ الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين من هذه الناحية -وهي: الاكتفاء بالظاهر، وعدم معرفة بواطن أحوالهم- سنة ثلاثمائة للهجرة، فمن جاء بعد سنة ثلاثمائة للهجرة يُتساهل فيما يتعلق بهم -وهم المتأخرون-، ومن أجل ذلك قال: لن أذكر كل من تُكُلِمَ فيه بعد سنة ثلاثمائة للهجرة، إلا من طُعن فيه بقادح شديد، أما من سواهم فيُتساهل معهم؛ لأنهم رواة نسخ. وعليه كلما تقادم العهد يتساهل في رواة النسخ، حيث لم يبق إلا مزية الإسناد، وهو شرفٌ مهم.
وتُعرف العدالة الباطنة -لنا الآن- من خلال:
١. الشهرة والاستفاضة، فمن كان مستفيض العدالة فليس هناك حاجةٌ في البحث عن عدالته، كالأئمة المشهورين: كالإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري ومسلم، فهؤلاء لا يُسأل ولا يُبحث عن مثلهم، بل هم يُسألون عن الناس.
٢. التنصيص: بأن ينص الأئمة على توثيق فلان، أو على ضعفه.
стр. 81
٣. التصحيح والتحسين: فإذا وقفت -مثلاً- على راوٍ أخرج له البخاري في صحيحه، ولم أقف على جرحٍ في هذا الراوي ولا تعديل، إلا أن البخاري أخرج له في صحيحه، فحكم هذا الراوي أنه ثقة؛ لأن أحد شروط الحديث الصحيح: أن يكون رواته عدولاً ضابطين. ويُحتمل أن يكون هذا الراوي ممن أخرج له البخاري في الشواهد والمتابعات، لكن حتى من أخرج له البخاري في الشواهد والمتابعات -على الصحيح- أنه لا ينزل عن مرتبة القبول عند من صحح له. ثم إن الذين أخرج لهم البخاري في المتابعات والشواهد قلة، والأصل أن يخرِّج للراوي استقلالاً. وكذلك من أخرج له الإمام مسلم فهو ثقة. وقد تكلم عن هذه القضية الإمام الذهبي في كتابه (الموقظة) ، وقسّم العلماء إلى ثلاث طبقات على حسب تشددهم وتساهلهم، فقال: من لم يُوثّق ولم يُجرح، وأخرج له البخاري ومسلم، فهو ثقة لا شك فيه، ومن صحح له الترمذي وابن خزيمة فحديثه: جيّد، ومن صحح له الدارقطني أو الحاكم فأقل أحواله حُسن حديثه. هذا كله فيمن لم يُجرح ولم يُعدّل، لكن هل تنحصر فائدة التصحيح السابق فيمن لم يجرح ولم يعدل فقط؟ الجواب: لا، يمكن أن يستفاد من ذلك أيضاً بضوابطٍ ليس هذا محل ذكرها.
وهناك أمرٌ يجعلنا نحتج بالتصحيح والتحسين مع وجود ما يخالفهما من العبارات الصريحة، وذلك في مثل ما لو صرّح الإمام أنه يُصحِّحُ الإسناد، فلو قال: هذا إسناد صحيح، فالأصل فيه أنه يقصد: أن هذا الإسناد تحققت فيه شروط الصحة، وأنه لم يصححه بالمتابعات والشواهد، وإنما صححه لاجتماع شروط الصحة فيه؛ لأن الوصف أصبح للإسناد، لا للحديث بمجمله حتى نقول بالمتابعات والشواهد. فإذا صُحح الإسناد -وهذا كثيراً ما يفعله الحاكم- فيمكن أن يحتج بذلك على توثيق رواة ذلك الإسناد، ويُعتبر أن الحاكم يوثقهم، وإن كان غيره يضعفهم، فتُعَدُّ هذه المسألة من مسائل تعارض الجرح والتعديل حينها.
стр. 82
أيضاً يمكن أن نحتج بالتصحيح فيما لو قال الإمام: حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث فلان، فهذا قد يكون أقوى من تصحيح الإسناد؛ لأن الغرابة لا تقبل إلا ممن اجتمعت فيهم صفات القبول، وصفات معيّنة قويّة تجعله حريّاً بأن يُعتمد عليه حتى عند تفرده، فالحكم على الحديث بالصحة مع الغرابة فيه دلالة قوية على توثيق رواته.
٤. من ذَكَرَ العلماء أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإن روى عن رجلٍ يكون هذا توثيقاً له، كما ذكروا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه لايروي إلا عن ثقة، وكذلك عن مالك، وعن يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن البخاري، وعن يحيى بن سعيد القطان، وعن أحمد بن حنبل، وغالب النقاد الكبار هم من هذا القبيل، ولا يعترض على هذا الكلام بأنه قد يكون ثقة عنده، أو أن العلماء قد ضَعفوا هذا الراوي الذي روى عنه هذا الإمام، فيقال عن هذا: أن رواية الإمام عن الراوي مثل حكمه عليه تصريحاً، فلو حَكَمَ أحد الأئمة على راوٍ بأنه ضعيف أو ثقة، وكان الراجح والصواب خلافه، فهل هذا يعني أن نطرح قول الإمام ولا نعتبره في الجرح والتعديل؟ الجواب: لا، بل نعتبر قوله ونحكم به؛ لأن هذه الحالات نادرة، ولا نجعل النادر قاضياً على الغالب، وعليه فالأصل في رواية الإمام عن رجل أنه توثيق له، وهذا الأمر قد اعتمده العلماء قديماً، وعليه فيصح أن تقول عن الراوي المذكور في إسناد الإمام: وثقه فلان، أي الإمام الذي روى عنه، وهذا المُرجح يذكر في حالة عدم وجود جرح ولا تعديل.
стр. 83
وتُعرف العدالة الظاهرة:
١. برواية عدلين ثقتين.
٢. أو برواية ثقة واحد، بشرط أن يكون من العلماء النُقّاد، فلو روى ناقدٌ عن أحد الرواة -الذين لا نعرف فيهم جرحاً ولا تعديلاً- فقد عُرفت عدالته الظاهرة.
ويعرف العلماء الضبط من خلال أمور:
١. النظر في روايات الراوي التي شارك فيها الرواة الآخرين الثقات، فإن وافقهم ولم يخالفهم في زيادة أو نقص أو تغيير، فهذا دليل ضبطه، وإن كان الغالب فيه عدم الموافقة وكثرة المخالفة، فهذا يدل على عدم ضبطه، وعلى حسب نسبة المخالفة يُعرف مقدار الضبط عند هذا الراوي.
٢. أن لا يكثر التفرد، أمّا إن كان غالب أحاديثه مفاريد لا يشاركه فيها أحد في أصل الرواية، فهذا دليل على أنه ليس بصحيح الرواية، بل قد يُتهم بالكذب بكثرة تفرده، وعدم رواية غيره لها.
٣. أن لا يتفرد بالمناكير، فقد لا يكون كثير التفرد، لكنه يتفرد فقط بالمناكير، وإن كانت معدودة. والنكارة قد تكون ظاهرة لا تخفى على أيّ طالب علم، كما يعبر عنها ابن حبان فيقول: هذا حديث لا يخفى على من ليس الحديث صناعته أنه ليس بصحيح، ومثل ما قيل لشعبة:" كيف تعرف أن الحديث كذب؟ قال: إذا كان في الحديث أنك لا تأكل القَرْعة حتى تذبحها، فهو كذب". لكن قد تخفى النكارة فلا يعرفها إلا المتمرس من الحفاظ الكبار، الذين يلهمهم الله -جل وعلا- اكتشاف ومعرفة الأحاديث التي يمكن أن تنسب إلى النبي ﷺ ، والأحاديث التي لا يمكن أن تنسب إليه ﷺ .
٤. ملاحظة طبقة الراوي، ومقدار تفرده: فكلما تأخرت طبقة الراوي لا نقبل منه التفرد، فالتفرد في طبقة التابعين أسهل وممكن من طبقة أتباع التابعين، وفي هذه الطبقة أشد من التي قبلها، وإمكانية التفرد فيها أكبر من طبقة أتباع أتباع التابعين، أما طبقة أتباع أتباع أتباع التابعين فلا يكاد يُقبل تفرد أحد فيها، بل ولا يُتصور حديث صحيح يرويه ثقة لا يجد مَنْ ينقله عبر هذه السنين إلا واحد، فهذا أدعى لردّ تفرده، وتضعيف حديثه.
وبالنسبة للتفرّد تُلاحظ في الحكم على حديث الراوي المقبول (في أي درجة من درجات القبول) إذا تفرد بحديث أموراً أربعة:
стр. 84
درجة ضبط الراوي وموازنتها بدرجة التفرّد (والتي تزداد درجتها كلما كان الحديث المتفرَّد به الدواعي على نقله أوفر) .
ج. وموازنة ذلك بطبقة الراوي كما سبق.
د. وموازنة ذلك بطبقة الراوي في الشيخ الذي تفرّد عنه - كما ذكر ذلك مسلمٌ في مقدمة صحيحه، في طريقة معرفة المنكر من الحديث -.
واختلال الضبط يُقسمه العلماء إلى قسمين:
١. اختلال ضبط طارئ.
٢. اختلال ضبط لازم.
أما اختلال الضبط اللازم: فهو سئ الحفظ من صغره، فمثل هذا له مراتب على حسب نسبة الخطأ عنده، وعلى هذا يُفرّق بين الرواة. وعموماً من لم يكن جَرْحُهُ إلا اختلال الضبط، فمهما فحش الغلط منه فهو في حيّز الاعتبار، وينفع في المتابعات والشواهد. قد يقول العلماء عمّن فحش غلطه: إنه متروك، لكن تأتي عبارة أخرى لعالم يقول: هو فاحش الغلط، لكنه لم يكن يكذب -أي عن الراوي المتروك في العبارة السابقة-. فبذلك نعرف أن قولهم متروك يعني: أن أحاديثه متروكٌ الاحتجاج بها، أي: ضعيفة، فلما قيل: لا يتهم بالكذب، عرفنا أنه برئ من الكذب، وإنما ضَعْفُه من خلال اختلال الضبط. وإنما قلنا باعتبار رواية فاحش الغلط غير المتهم بالكذب؛ لأنه قد يأتي راوٍ فاحش الغلط -غير متهم بالكذب- فيروي حديثاً بإسناده ومتنه، ويأتي آخر مثله يسوق نفس الحديث بإسناده ومتنه، فيتوافقان في الصفات والرواية، فمن النادر جداً أن يتوافق الاثنان على الخطأ بهذه الدقة، فهؤلاء يُعتبر بحديثهما ويتعاضدان.
لكن يُقَسَّمُ أصحاب اختلال الضبط إلى طبقات، فمن كان خطأه فاحشاً فلا بد من متابعة تامة قوية حتى تشدّ من روايته،أما من كان خطأه أقلّ من ذلك فيمكن أن يتقوى بأيّ متابعة.
стр. 85
أما الخطأ الطارئ وهو في الرواة المختلطين، فهناك كتب تخدم الباحث عن الرواة المختلطين، مثل كتاب (الكواكب النيّرات فيما اختلط من الرواة الثقات) لابن كيّال، وكتاب (المختلطين) للعلائي، وكتاب (الاغتباط فيمن رُمي من الرواة بالاختلاط) لسبط ابن العجمي، وأجلُّ هذه الكتب هما الكتابان الأوّلان، خاصة أن كتاب (الكواكب النيّرات) قد ملأه محققه بالتعليقات المفيدة في هذا الباب، كذلك كتاب (المختلطين) خَدَمَهُ محققه خدمة جليلة.
*حكم الراوي المختلط: إذا لم يُميّز فحديثه مردود. والمقصود بالتمييز: أي تمييز من سمع منه قبل الاختلاط ممن سمع منه بعد الاختلاط.
أما إذا تميّز، فمن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه مقبول، ومن سمع منه بعد الاختلاط فحديثه مردود، إلا إذا توافق مع راوٍ سمع منه قبل الاختلاط، فلا يُتصور أن الراوي المختلط يُخطئ في جميع أحاديثه، فقد يكون هناك أحاديث يرويها على الصواب.
تنبيه: بعض العلماء قد يُغاير بين معنى التغيّر والاختلاط؛ لأنه بلا شك أن كل الرواة إذا كبر سنهم لا بد وأن يختل حفظهم، وهذا من طبيعة البشر، لكن من الرواة من يختل حفظهم إلى درجة أن يكثر هذا الاختلال فيكون مختلطاً، ومنهم من يحصل له الاختلال لكنه لا يزال متماسكاً، فكأنه نزل من تام الضبط إلى خفيف الضبط، فينزل حديثه من الصحة إلى الحسن، ومنهم من لا يختل إلا بدرجة يسيرة جداً، لا تؤثر في إنزاله عن مرتبة تمام الضبط. وقد يُنبه العلماء أحياناً على هذا الأمر، كما قال الذهبي في ترجمة أبي إسحاق السبيعي: (تغيّر تغيُرَ السن، ولم يختلط) ، فبيّن أن اختلاطه يسير؛ لكبر السن، وليس اختلاطاً فاحشاً.
стр. 86
* مسألة الرواية عن أهل البدع: قد اختلف فيها أهل العلم كثيراً، فمنهم من منع الرواية عن المبتدعة مطلقاً، ومنهم من قبلها عنهم مطلقاً، ومنهم من فصّل، واختلفوا أيضاً في هيئة هذا التفصيل.
والراجح في رواية المبتدع أنها لا تقبل إلا بالشروط الآتية:
الشرط الأول: أن لا يكون مُكفراً ببدعته، فمن كفَّرَهُ أهل السنّة والجماعة بعينه، فهذا لا يستحق أن يذكر في زمرة المسلمين فضلاً عن أن يكون من الرواة المقبولين.
الشرط الثاني: أن لا يكون فيه سببٌ لردّ الحديث سوى البدعة، أي أن يكون معروفاً بالتقوى والورع، ومُعظماً لحرمات الدين، وضابطاً ... إلخ، فالمقصود: أن لا يكون فيه طعنٌ سوى البدعة.
الشرط الثالث: أن يكون غير معاندٍ متبع للهوى، وهي التي يُعبر عنها العلماء بقولهم: أن لا يكون داعية، وقد عبّر عنها الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بقوله: أن لا يكون معانداً. فعبّر بالمعاند ولم يُعبر بمطلق الداعية.
ومَنْ نقل الإجماع كابن حبان والحاكم على عدم قبول الداعية، فيغلب على الظن أنهم يقصدون الداعية المعاند الذي يتبع الهوى، فيعرف الحق ويُصرّ على الباطل استكباراً وعناداً، فهذا غير متأول، فلا نقبل روايته مطلقاً، أما المتأول فيُتساهل مع روايته دون الأول.
الشرط الرابع: أن لا يروي حديثاً منكراً يؤيد بدعته. وينبغي التنبه لكون الحديث منكراً، فلا يكفي أنه يؤيد بدعته، فقد يروي المبتدع حديثاً يؤيد بدعته، لكن لا يكون منكراً، فحينها إذا اجتمع مع بقية الشروط قبلنا هذه الرواية، كما أخرج الإمام مسلم حديث عدي بن ثابت وهو من الرافضة، أن النبي ﷺ قال لعلي: ((لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)) ، فهذه روايةٌ في صحيح مسلم لأحد المبتدعة الدعاة، يؤيد فيها بدعته، لكن ليس فيها نكارة، فلا يشك أحدٌ أن علي بن أبي طالب لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، بل هذا نقوله في جميع الصحابة؛ فلذلك أخرج هذه الرواية الإمام مسلم.
стр. 87
*وهنا يرد سؤال، وهو أنه هل يحق لنا أن نردّ روايةً لمبتدع؛ لأنها منكرة تؤيد بدعته، ومع ذلك نقبل بقية مروياته؟ فهو إما أن يُتهم بالكذب؛ لروايته لذلك الحديث المنكر، وعليه فلا يُقبل له حديثٌ مطلقاً، وإما أن تقبل جميع أحاديثه، حتى الرواية التي نزعم أنها منكرة! فالجواب: أن هذا السؤال بهذا الاستثناء صحيح، وهذا الحكم مشابه لما يفعله القاضي في ردّ شهادة من له مصلحة أو قرابة للمشهود له، كشهادة الأب لابنه؛ لأنها مظنة أن يروي سوى الحق، وإن كان الشاهد عدلاً في نفسه، ومن أهل الديانة، مع أن القاضي قد يقبل شهادة الرجل نفسه، في قضية أخرى تنتفي فيها تلك المظنة. فمثل ذلك رواية الراوي المبتدع، فيما إذا روى ما يؤيد بدعته، إذا كان منكراً.
تنبيه: على طالب العلم أن يتنبه إلى أن كثيراً من ألفاظ العلماء حول المبتدعين تتعلق بهم في حياتهم -من حيث الرواية-، فيقول -مثلاً-: لا يُروي عن فلان. يقصد بذلك تحذير الناس من هذا الرجل مادام حيّاً، وهجره وتأديبه بذلك؛ ولكي لا يذهب إليه الناس فيروي لهم الروايات ويُدخل عليهم شُبه البدعة. فكثيراً من تلك العبارات كانت من باب الدعوة لهجر المبتدع، لا لبيان حكم روايته، ومن ذلك ماجاء عن الإمام أحمد أنه ذكر أحد المبتدعة وحذّر الناس منه، وكان لا يروي عنه في حياته، فلما مات روى الإمام أحمد عن رجل عنه؛ وذلك لانقطاع الخوف من فتنته، وكان رجلَ صدقٍ، ضابطاً للرواية، فبقيت مصلحة الرواية عنه، وذهبت مفسدة انتشار بدعته، وإشهار أمره.
* مسألة: مراتب الجرح والتعديل
أول من قسّم هذه المراتب تقسيماً واضحاً هو ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه (الجرح والتعديل) ثم تتابع بعد ذلك بعض أهل العلم في بيان هذه المراتب، مابين مختصر ومطوّل، فمن أكثر الكتب التي أطالت في بيان هذه المراتب كتاب (فتح المغيث) للسخاوي، وأكثَر من ذكر ألفاظ الجرح والتعديل.
стр. 88
لكن يمكننا أن نقسّم هذه المراتب إلى مراتب أربع أساسية، يدخل تحت كل مرتبة مراتب فرعية:
المرتبة الأولى: مراتب التصحيح بجميع ألفاظها، والمقصود الرواة الذين يُصحح حديثهم.
المرتبة الثانية: مراتب التحسين، وهم الرواة الذين يُحسن حديثهم لذاته.
المرتبة الثالثة: مراتب التضعيف، والمقصود خفيف الضعف لا الشديد.
المرتبة الرابعة: مراتب التضعيف الشديد.
ففي مراتب التصحيح تأتي عبارة: أمير المؤمنين، الحافظ الحجة، أوثق الناس، وبعدها بمرتبة تأتي عبارة:ثقة، ثبت، حجة.
ومراتب التحسين تأتي فيها مرتبة: صدوق، ثم مرتبة لا بأس به، وتحتها بقليل مرتبة أرجو أنه لا بأس به، وتحتها صالح، وتحتها شيخ، على خلاف فيهما.
ومراتب التضعيف: ليس بالقوي، ضعيف، ليّن، وما أشبهها.
ومراتب التضعيف الشديد: لفظ متروك، منكر الحديث، ساقط الحديث، ذاهب الحديث، واهٍ بمرة، ضعيف جداً، كذاب، ركن الكذب، دجّال الدجاجلة في آخر المراتب.
يلاحظ أننا لم نذكر مرتبة للوضع، فلم نقل مراتب الحكم بالوضع؛ وذلك لأن الوضع حكمٌ على الحديث، وليس حكماً على الراوي، ولذلك نبّه العلماء فقالوا: ربما صدق الكذوب.فلا يكفي للحكم على الحديث بأنه موضوع مجرد أن يكون فيه راوٍ كذاب، أو يكون فيه راوٍ من مراتب الضعف الشديد، بل أكتفي بالحكم على إسناد الحديث بأنه إسناد شديد الضعف أو ضعيف جداً، ولا أقول:موضوع حتى تكون هناك قرينة.
هناك كتب أُلّفت في قضايا الجرح والتعديل، ومراتبه. من أشهرها (الرفع والتكميل) للكنوي، وكتاب (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل) لأبي الحسن المصري، وكتاب (ضوابط الجرح والتعديل) للشيخ د/ عبد العزيز العبد الطيف، وهو كتاب جيّد على اختصاره، وكتب المصطلح عموماً تعتني ببيان مراتب الجرح والتعديل.
стр. 89
* تنبيهات حول قضايا الجرح والتعديل:
الأول: وجوب التنبه إلى الاصطلاحات الخاصة لبعض الأئمة ، حيث إن الاصطلاحات قد يكون لها معنىً خاص عند إمام، يختلف هذا المعنى عند الجمهور، كما ذكروا عن البخاري أن عبارة "سكتوا عنه" عنده تدل على التضعيف الشديد، مع أن ظاهر العبارة أنهم ما تكلموا فيه، مع أن المراد العكس أي أنهم تكلموا فيه كلاما جارحاً شديداً، فقصد بتلك العبارة أنهم أصبحوا لا يعتبرونه شيئاً. وكما ذكروا أيضاً عن يحيى بن معين أنه إذا قال:"ليس بشئ"، فإنه يقصد: قليل الحديث، وإن كان هذا القول ليس على إطلاقه، وأن الصواب أن يحيى بن معين يقول هذه العبارة في الغالب، والأصل أنه يقصد بها التضعيف الشديد، إلا أنه أطلقها مرّات وأراد بها قلة الحديث.
وقد نبّه على أهمية قضية الاصطلاحات الخاصة الإمام الذهبي في كتابه (الموقظة) ، حيث قال:"ونحن نفتقر إلى معرفة عُرْف الإمام الجهبذ في اللفظ الذي يذكره حول الراوي". وهذا يقوله الإمام الذهبي، ويُظهر افتقاره إلى معرفة اصطلاحات الأئمة في ألفاظهم، وبهذا يُعلم مدى الحاجة إلى خدمة قضايا ومراتب وألفاظ الجرح والتعديل، فلم تُخدم بما فيه الكفاية، وكذلك قرّر الشيخ عبد الرحمن المعلّمي، في مقدمة (الفوائد المجموعة) ، حيث تكلّم فيها عن أن كثيراً من معاني ألفاظ الجرح والتعديل المقررة في كتب المصطلح، تخالف معانيها الحقيقية.
стр. 90
الثاني: التنبيه إلى مراتب العلماء تشدداً وتساهلاً واعتدالاً في الجرح والتعديل . وقد نبّه أهل العلم على ذلك، ومنهم الإمام الذهبي في كتابه (ذِكْرُ مَنْ يُعتمدُ قوله في الجرح والتعديل) ، حيث ذكر أن العلماء في كل طبقة تقريباً ينقسمون إلى متشدد ومتساهل ومتوسط، والأكثر المتشدد والمعتدل، فذكر مثلاً في طبقة أتباع التابعين: يحيى بن سعيد القطان، ووصفه بأنه متشدد، وعبد الرحمن بن مهدي، ووصفه بأنه معتدل، وأحمد بن حنبل، ووصفه بأنه معتدل، ويحيى بن معين، ووصفه بأنه متشدد، وقال عن أبي زرعة: يُعجبني كلامه في الجرح والتعديل، ووصفه بأنه معتدل، وقال عن ابن عدي: بأنه معتدل ومتوسط، ووصف ابن حبان بالتساهل في التعديل، والتشدد في الجرح، وهناك من العلماء من لم يوصف لا بتشدد ولا بتساهل.
فهذه القضية مهمة وعميقة أيضاً، ومما يدل على دقتها وعمقها أننا ينبغي أن نعرف منزلة الإمام الذي وصف الأئمة بالتشدد والتساهل، هل هو متشدد أو متساهل؟ فالمسألة دقيقة تحتاج إلى دراسة، فلا يُعتبر حكم فلان من الأئمة على فلان هو الحكم الفصْل الذي لا محيد عنه؛ فلعله لكونه متشدداً يصف غيره بالتساهل، فالمسائل هذه لا يمكن الجزم فيها، بل تحتاج إلى دراسةٍ وبحثٍ وتحري.
стр. 91
وهنا تنبيه يتعلق بهذه المسألة: وهو أن بعض طلبة العلم يظن أن وصف العالم بالتشدد أو بالتساهل أو بالتوسط، أنه يعني أن لا يُقبل من إمام متشدد أن يحكم بالتضعيف، ونعتبر هذا من تشدده، كما أنه لا يقبل توثيق المتساهل مطلقاً، وهذا الظن غير صحيح، ولم يقلْ به أهل العلم، ولا الذهبي نفسه، الذي وصف العلماء بالتشدد والتساهل، فلم يفعل هذا الفعل. بل وُصِفَ العلماء والأئمة بهذه الأوصاف؛ لتنتفع بها عند تعارض أقوال الجرح والتعديل فقط، أما من يظن أنه يردّ قول المتشدد في التضعيف، والمتساهل في التوثيق، فهذا خطأ في المنهج؛ لذلك تجد بعضهم حينما يقف على حكم للحافظ ابن حجر يعتمد فيه على توثيق ابن حبان، تجدهم يتعجبون من صنيع الحافظ، مع أنه هو الذي وصف ابن حبان بالتساهل في التوثيق، وهذا خطأ فمن الذي قال: أن وصف الإمام بالتساهل يقتضي ردّ قوله في التوثيق، وكذا العكس؟!! ، وكذلك تجدُ أن أعرف الناس بـ (المستدرك) للحاكم هو الذهبي -الذي اختصره-، وهو الذي تعقب الحاكم في مرّات بألفاظ لاذعة وشديدة جداً، لمّا صحح بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، مع ذلك قال الذهبي في تصحيح الحاكم العبارة السابقة، وهي: "وإذا صحح الحديث الدارقطني والحاكم، فأقل أحواله حُسْن حديثه "، وكذلك الذهبي انتقد الترمذي بالتساهل، وقال فيه -كما سبق-:"إذا صحح الترمذي وابن خزيمة لرجل فهو جيّد الحديث". كما أن هذا المنهج الخاطئ يقتضي وصف الأئمة والعلماء بعدم العلم؛ لأنك لو قلت: فلان لا يقبل توثيقه، فمعنى ذلك أنك أهدرت أحكامه، والأحكام لا تهدر إلا لمن كان الغالب عليه الخطأ، أما من كان عالماً فتكون غالب أحكامه صواب، ويجب عليك قبول أحكامه، إلا إذا جاء ما يدلّ على أنه خالف الصواب.
стр. 92
فائدة وصف العلماء بالتشدد والتساهل والاعتدال عند التعارض، فلو أن جارحاً متشدداً وصف راوياً بأنه ضعيف، ووصفه معتدل بأنه صدوق، ووثقه متساهل، فيصبح الصواب أنه صدوق.
الثالث: التنبيه إلى أن كثيراً من ألفاظ الجرح والتعديل غير محررة المعاني ، فمثلاً: قول الإمام البخاري في الراوي "فيه نظر"، معناه: أنه شديد الضعف، وذكر ذلك الذهبي وابن كثير وغيرهم، وأثبتت الدراسة الاستقرائية لأحد الدارسين، الذي استقصى لفظ البخاري "فيه نظر"، وخرج بأنه يقصد بها: الضعف الخفيف، وأيّد هذه الدراسة بأقوال أئمة ثلاثة، أوّلهم الترمذي، فقد نقل عن شيخه البخاري قوله في راوٍ "فيه نظر" فقال الترمذي مُعبّراً عن ذلك: "فلم يجزم فيه بشئ"، ففهم الترمذي من عبارة "فيه نظر" أن البخاري متردد، والرواة الذين يستحقون التردد هم من كان في آخر مراتب الحسن، وأعلى مراتب الضعف. والثاني: ابن عدي، في كتابه (الكامل) -في أكثر من موضع- حيث يفهم من كلام البخاري "فيه نظر" أنه ضعف خفيف. وآخر هؤلاء هو الحافظ ابن حجر، حيث ذكر هذه القضية عَرَضاً في كتابه (بذل الماعون في فضل الطاعون) ، فقال:"قال البخاري: فيه نظر، وهذه عبارته فيمن يكون وسطاً"، أي بين القبول والردّ، وهذا هو الصحيح.
الرابع: التنبيه إلى أن عبارات الأئمة المتقدمين ليست دائماً متقيدة بالمراتب ، ولكنهم يتوسعون في التعبير على الرواة، فقد يُسئل الإمام عن الراوي، فيهتم ببيان أنه مقبول الرواية أو لا، دون أن يعتني بتفصيل الحكم، ومما يدل على صحة هذا الكلام، أنه إذا سئل الإمام عن راويين أحدهما أوثق من الآخر تجده يقول: الحُجْةُ سفيان الثوري وفلان وفلان، وهذا -أي الآخر- ثقة. فهنا يبين الفرق بين لفظ حجة، ولفظ ثقة، لكن إذا سئل مُفرداً، فقد يجيب بجواب عام لا يقصد به التقيد بمرتبة معينة.
стр. 93
وهنا أمر آخر يدّل على أنه قد يحصل نوع من التوسع، أن الصحيح في أول من استخدم "الحسن" بالمعنى الاصطلاحي هو الإمام الترمذي، بل حتى استخدام الترمذي للحسن بالمعنى الاصطلاحي يحتاج إلى مزيد دراسة وبحث وتثبت من مُراد الترمذي بالحسن، الذي عرّفه في كتابه (العلل الصغير) ، إلا أن العلماء اختلفوا في تفسير تعريفه، وهنا يُلاحظ مدى بعدنا عن فهم كلام الأئمة المتقدمين، فهذا إمام عرّف المصطلح، ومع ذلك اختلف العلماء في فهم التعريف، فكيف بالمصطلحات التي لم تُعرّف أصلاً. فالمقصود أنه اختلف العلماء في تفسير الحديث الحسن، ولازال الاختلاف قائماً، وتجد تفسير ابن رجب مخالفٌ لتفسير ابن حجر، ومخالفٌ أيضاً للتفسير الذي ذكره ابن كثير، ومخالفٌ أيضاً للتفسير الذي ذكره الذهبي، حتى قال الذهبي في (الموقظة) : "أنا على إياسٍ أن أحدُّ تعريفاً مكتملاً للحديث الحسن". الذي يهمنا هنا أن أول من استخدم الحسن بالمعنى الاصطلاحي هو الترمذي -على الصحيح-، وكل الذين جاء عنهم أنهم استخدموا لفظ الحديث الحسن، كشعبة والشافعي والبخاري، فقد استخدموه بالمعنى اللغوي، وقد نصّ الحافظ ابن حجر في كتابه (النكت) ، على أن استخدام الشافعي للفظ الحسن هو بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الاصطلاحي؛ لأنه استعرض الأحاديث التي وصفها الشافعي بأنها حسان، فوجد بعضها في الصحيحين، ولم يقصد الشافعي أنها مرتبة وسطى، فبيّن أن مقصوده بالحُسْن هو الحسن اللغوي، أي أنه يريد أن يبيّن أنها مقبولة.
يتضح مما سبق أن العلماء حينما يقولون: ثقة، وصدوق، وما أشبهه، لم يكن عندهم شئ اسمه "حديث حسن" حتى يخصونه بمراتب خاصة بالتعديل، فإذا قال شعبة -مثلاً-:"فلان حسن الحديث"، فلا يصح أن أحمله على مرتبة الحديث الحسن؛ لأنه لم يكن عنده مرتبة وسطى بين الصحيح والضعيف،وهي مرتبة الحديث الحسن.
стр. 94
فيجب التنبه إلى تطور المصطلح، وعلى أيّ مصطلح كان الأئمة يتكلمون؛ لكي لا تحمل كلامهم على غير محمله الصحيح.
أمرٌ آخر قد يدل على معاني المصطلحات وألفاظ الجرح والتعديل وهو السياق، أي سياق العبارة، ومن هنا نتنبه إلى ضرورة الرجوع إلى الكتب الأصلية، التي ساقت ألفاظ الجرح والتعديل، فلا يصح أن نكتفي بـ (تهذيب التهذيب) فقط؛ لأن الحافظ ابن حجر يذكر العبارة الخاصة بالراوي فقط، مع أنك لو رجعت إلى الكتاب الأصلي، قد تجده ذكر هذه العبارة في سياقٍ معيّن يدلُّ على مُراد الإمام، كما لو قُرِنَ الراوي خفيف الضعف براوٍ كذاب، فسئل عنهما الإمام، فيقول: فلان صالح، ليس كفلان الكذاب. وهو لا يقصد بـ"صالح" أنه يُحسّنُ حديثه، لكن لما قُرِنَ بالكذاب، رأى أنه من الظلم أن يُقرن بينهما، وكأنهما في مرتبة واحدة، وأن الواجب التفريق بين هذين الراويين، فيأتي الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) فيقول:"قال يحيى بن معين: فلان صالح". فإذا رجعت إلى الكتاب الأصلي وجدت أن ابن معين ذكر هذا في سياق معيّن.وهناك سياق آخر، ويحصل كثيراً في مثل كتاب (تاريخ عثمان ابن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين) ، حيث ذكر في مقدمة الكتاب طبقات الرواة عن شيّخ معيّن، فيسأله عن أوثق الرواة عن شعبة، فيقول: أوثقهم فلان وفلان وفلان، فيقول: ثمَّ من؟ ، فيقول: ثم فلان وفلان، ثم يسأله عنهم، فيقول: فلان ثقة وفلان ضعيف، وهو من عبارته توثيق الراوي في هذا الشيخ، وتضعيفه في هذا الشيخ، أي أنه في روايته عن شعبة ضعيف. ثم يأتون في كتب المصطلح أو بعض كتب التراجم فيقولون:"قال يحيى بن معين: ضعيف"، وكأنه أطلق العبارة مع أنه ذكرها في سياق مراتب الرواة في هذا الشيخ المعيّن، فهذا يدل على أهمية الرجوع إلى الكتب الأصلية في الجرح والتعديل، ولا يُكتفى بالفرعية ما أمكن ذلك.
стр. 95
الخامس: قضية كلام الأقران في بعضهم البعض ، تكلم عن هذه القضية العلماء قديماً وحديثاً، لكنَّ المُلاحِظَ لكلام العلماء قديماً مع كلامهم حديثاً، يُلاحظ بَوْناً من ناحية زيادة تسليط الأضواء في العصر الحاضر على هذه القضية، وكأن علماء الجرح والتعديل كانوا يتكلمون بأهوائهم، حتى كأنه أيّ قرين لهم يجرحونه من باب الحسد، فيتصور طالب العلم أنه لا يُقبل كلام القرين في القرين بتاتاً، مع أن العكس هو الصواب؛ لأن الأقران هم أعرف الناس ببعض، وأئمة الجرح والتعديل كانوا أورع وأتقى لله من أن يكون هذا الغالب من شأنهم، فإذا وجدنا مثالاً أو مثالين خالفت هذا المنطق، فلا نجعلها الصفة الغالبة. ويُنتبه إلى أن الذين أظهروا هذه القضية، أظهروها لغرضٍ مُعيّن في مثل كتاب (الرفع والتكميل) للكنوي، لا يخفى عن الطالب الحصيف، حيث إنها كانت دفاعاً عن شخصٍ معيّن فقط.
أما قاعدة "كلام الأقران في بعضهم لا يقبل"، فهي قاعدة صحيحة، لكن بقيّد تجاهله وتعامى عنه أولئك، حتى لكأنه لا عبرة به، وهذا القيد هو أن نقول: كلام القرين في القرين لا يقبل إذا كان المُتَكلّمُ فيه ثابت العدالة بكلام عامة أهل العلم، أي لا يقبل كلام الأقران فيمن ثبتت عدالته. مثاله: لما تكلم النسائي في أحمد بن صالح المصري، مع أن أحمد بن صالح إمامٌ في الجرح والتعديل مثل يحيى بن معين، فكلام النسائي فيه لا يقبل، خاصةً إذا عرفنا القضية التي جعلت النسائي يتكلم في أحمد بن صالح المصري، الإمام الذي أثنى عليه العلماء، ولم يجرحه إلا النسائي، فحينها تعلم أن جرح النسائي ليس في محله ولا يقبل منه.
стр. 96
أيضاً الكلام بسبب اختلاف المذاهب، يقال فيه مثل ما قيل في كلام الأقران. وقد ورد عن بعض العلماء أنهم جرحوا أناساً؛ لمجرد اختلاف المذهب، مثل الجوزجاني ففيه تحامل على من فيه تشيّع؛ وذلك لأن الجوزجاني فيه نصب. وأيضاً كلام من فيه تشيّع على من فيه نصب، مثل ما سبق، وهذا وارد عن العلماء، لكنه ليس هو الأصل؛ وذلك لأن غالب أئمة السنّة عقائدهم صافية سليمة، وإن استثنينا البعض القليل، وأمرٌ آخر وهو أننا عرفنا من أهل السنّة والجماعة أنهم أكثر الناس إنصافاً واعتدالاً، فهذا البخاري يروي عن عمران بن حطّان -الخارجي الداعية-، لكن لما عرف صدقه روى عنه، ويروي عن من رُمي بالقدر، ويروي عن المُرجي، وعن الشيعي، بل حتى عن الرافضي، فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أن أكثر الناس اعتدالاً وإنصافاً هم أهل السنّة والجماعة؛ لأنهم هم الأمة الوسط بين الإفراط والتفريط. وأما قضية أن المحدثين يتكلمون في أهل الرأي، والعكس؛ لاختلاف المذاهب، فهذا غير صحيح.
السادس: أن الجرح والتعديل لا يقبلان إلا من ثقةٍ عارفٍ بأسبابهما ، فلا يُقبل الجرح والتعديل من ضعيف، كما أنه لا يقبل من جاهلٍ بأسباب الجرح والتعديل، وإن كان ثقة في نفسه. وأسباب الجرح كثيرةٌ متعلقة بالعدالة والضبط، كما أن أسباب التعديل كثيرةٌ متعلقة بالعدالة والضبط، فمن كان لا يضبط حديثه، فلا يستطيع أن يحكم في أحاديث غيره، هل هي مضبوطة أم لا؟! ، ومن كان مجروحاً في عدالته، فلا يؤمن حكمه في الناس؛ ولأجل أهمية هذه القضية ألّف العلماء كتباً حولها، مثل كتاب (ذِكْرُ مَنْ يُعتمد قوله في الجرح والتعديل) للذهبي، وكتاب (المتكلمون في الرجال) للسخاوي، وهناك مُقدّمات لبعض الكتب، تتضمن ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وهناك رسالة علمية خرجت بعنوان (المُزكون لرواة الأخبار) .
стр. 97
السابع: مسألة تعارض الجرح والتعديل ، وهذه المسألة مهمةٌ جداً؛ لأنها كثيرة الحصول واقعاً، فكثيراً هم الرواة الذين اختُلف فيهم جرحاً وتعديلاً.
والمسألة اختلف فيها اختلافاً طويلاً وكبيراً بين العلماء، والراجح فيها ضمن النقاط التالية:
١) تقديم الجرحِ المُفسّر بجارحٍ حقيقي، إلا إذا ردّ أحدُ العلماء بما يدلُّ على عدم صحة هذا الجرح.
والمقصود بالجرح المُفسّر الذي بُيّن سببه، والجارح الحقيقي هو الذي يستحق أن يُجْرَحَ به في عدالته أو في ضبطه، لا كما جرح أحدهم راوياً، فسُئل: لماذا؟ ، فقال:"رأيته يركب على برذون يجري به في السوق"، فهذا ليس بجارحٍ حقيقي، وكذا من جرح راوياً آخر، فسُئل لماذا؟ ، فقال:" سمعت في بيته طنبوراً". أي مزماراً، فهذا محتمل أن يكون من طفلٍ صغير أو غيره، بغير علم الشيخ، فتجريحه بهذا ليس بصحيح. كذلك يحصل في التعديل، كمن وثّق أحد الناس، فسُئل عن توثيقه، فقال:" لو رأيت لحيته وهيئته ". فهذا غير صحيح، فلا يصح الاكتفاء بالهيئة في التعديل.
المقصود: أنه إذا بيّن الجارحُ أو المُعدِّلُ سبباً لا يكفي للجرح أو للتعديل، فلا يُقبل في الجرح ولا في التعديل؛ لذا اشترطنا الجارح الحقيقي الذي يستحقُ أن يُقبل، فهذا مُقدّمُ إلا في حالةٍ واحدة، وهي أن يأتي إمامٌ آخر ويقول:" أنا أعرف أن فلاناً قد تكلم في فلان بكذا، والصواب ليس كذلك"، ويبيّن القضية. وهذا يحصل كثيراً، ونجده أيضاً في (ميزان الاعتدال) للذهبي، فهناك مِنْ الرواة مَنْ ضُعِفُوا بأسبابٍ جارحةٍ في ظاهرها، ودافع عنهم الذهبي، كمن ضُعف بأنه يشرب الخمر، فيأتي الذهبي ويقول:لم يكن يشرب الخمر، بل كان يشرب النبيذ، وهو من أهل الكوفة، حيث كان يشربه بناءً على مذهب أهل الكوفة في جواز شرب النبيذ، فالراوي ثقةٌ وعدلٌ وليس فيه شئ.
стр. 98
وقد يجرحه في الضبط، فيقول مثلاً: روى حديث كذا، وتفرّد به، وهو منكر الحديث، فيأتي ابن عدي -مثلاً- فيقول: لم يتفرد به، بل تابعه فلان وفلان، فالحديث مقبول، ولا يدّل ذلك على جرح هذا الراوي. مع أننا لو لم نقف على هذه المتابعات، ولا على مثل هذا الدفاع، فالأصل أن يكون هذا الجرح مقبولاً. ثم إن الردّ والدفاع لا بد أن يكون في محله، فإذا لم يكن في محله، فإنه لا يقبل.
٢) تقديم الجرح المبهم -غير المفسر- على التعديل: هذا هو الأصل؛ لأن مع الجارح زيادة علم. ويتضح هذا بأنك لو قدمت قول الجارح على قول المُعدِّل، فكأنك تقول: أنا لاأكذب المُعدِّل، لكن الجارح ظهر له من أمر المُعدِّل مالا يعرفه المُعدِّل، وكلاً منهما أخبر بحسب علمه. لكن إذا قدمت قول المُعدِّل على قول الجارح، فهذا يقتضي تكذيب الجارح بأنه ليس هناك سببٌ يقتضي الجرح، ولم يصدق الجارح في جرحه، أو أقل أحواله أنه مخطئ، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل حمل كلام العلماء على الأصوب، ومن أجل ذلك نقدّم الجرح المبهم على التعديل. ثم إنه ينبغي أن نتذكر أن كلامنا عن الجارح والمُعدِّل العارف بأسباب الجرح والتعديل، فالأصل فيه أن يجرح بسبب حقيقي.
ما سبق هو الحكم الأصلي، ونخرج عنه بقرائن، وهي كثيرة جداً، من أمثلتها:
أ) كثرة المُعدّلين: فإذا وثقه جماعة، وضعفه واحد بجارحٍ مبهم، فنقدم قول الأكثرين، ونحمل التضعيف على أنه ليس بجارح حقيقي.
ب) معاصرة المُعدّلين، وعدم معاصرة الجارح أو الجارحين؛ لأن المعاصر أعرف وأعلم بمن في عصره، فتعديله يُقدم على الجرح المبهم.
جـ) عِظَمُ علمِ المُعدّلين على علم الجارحين.
стр. 99
د) بلدية المُعدّلين: أي أن يكون من أهل بلد الراوي الذي تُكلّم فيه، فلو كان هناك راوٍ بصري، وعدّله البصريون، وجرحه عالمٌ من أهل خراسان، فيقدم من كان من أهل بلده وهم البصريون؛ لأنهم أعرف بأهل بلدهم. وكان من آداب الرحلة عند المحدثين، أن المحدث لا يرحل حتى يستوفي ويستوعب حديث بلده، ويكون عارفاً به.
هـ) قوة عبارة المُعدّلين على عبارة الجارحين، فلو جاءت عبارة تعديلٍ كقوله:"ثقة حجة" أمام عبارة جرح كقوله "أحسبه ليناً"، فعبارة الجرح تضعف عن عبارة التعديل التي هي الأقوى، فلا شك أننا نقدم العبارة القوية على الضعيفة.
و) هناك ألفاظ قد يتبادر إلى الذهن أنها جرح، وهي في الحقيقة تعديل، مثل ما قال شعبة عن أحد الرواة:"إنه شيطان"، فظاهر العبارة أنها ذم، مع ذلك فقد أراد شعبة أنه باقعة في الحفظ، وشئ عجيب فيه، حتى لكأنه ليس بأنسي في قوة حافظته، ومن المعروف أن من عادة العرب أنهم ينسبون الأشياء المستغربة إلى الجن. كذا ما قاله ابن وارة عن عبد الرحمن بن مهدي، لما رأى قوة حفظه، قال:" ماذا خرج من ظهر مهدي، كأنه جني ".
وهناك عبارات على الضد مما سبق، فقد يدل ظاهرها على التعديل، والصواب: أنها جرحٌ، كعبارة:"هو على يديْ عدل "، فهمها العراقي على أنها تعديل، ومعناها: أنه على يدِيْ عدلٌ، وتعقبه الحافظ ابن حجر وبيّن أنها عبارة جرح، وضبطها:"هو على يدَي عدلٍ"، و"عدل" هذا رجل كان من حُجاب أحد الحكام الظلمة في اليمن، وكان كلما أراد أن يقتل إنساناً، قال: يا عدل -ينادي حاجبه- تعال خذ هذا واقتله. حتى صار ذلك مثلاً عند العرب، فإذا قيل: فلان على يدي عدل، يعني: أنه هالك، فيقصد بها إذا أطلقت على الراوي أنه هالك.
стр. 100
ز) اختلاف اجتهاد الناقد: فقد تأتي عبارة لأحد النقاد يُضعِفُ فيها الراوي، وآخرون يوثقونه، وتأتي عبارة أخرى لنفس الناقد يوثق فيها ذلك الراوي في رواية أخرى عنه، فهذه قرينة تجعلني أُقدّم التوثيق على الجرح.
ح) عداوة المُعدِّل للمُعدّل له، سواءً في المذهب أو في غيره، وهذه لا نجعلها قاعدة مطردة، ولكنها قد تكون قرينة من القرائن، فإذا علمت أن هناك عداوة قد تجعلني أقدم التعديل على الجرح.
كما أنني قد أردُّ التعديل -كما في الجرح- إذا كان صادراً من إنسانٍ غالٍ في محبة إنسان آخر. وهذه القرينة ليست دائماً، بل قد يُعمل بها على حسب الحال.
الثامن: من مسائل الجرح والتعديل المهمة، مسألة المجهول؛ لأن المجهول ليس مُعدّلاً ولا مجروحاً، فهو حالة وسط يُجهل حالها.
وقد قسّم العلماء المجهول إلى أقسام، أشهرها تقسيم ابن الصلاح إلى ثلاثة أقسام:
١- المستور: وهو من روى عنه عدلان، أو روى عنه إمام حافظ -نصّ على هذه الاضافة ابن رجب، في شرح العلل-. فالمستور عُلمت عدالته الظاهرة، وجُهلت عدالته الباطنة.
٢- مجهول الحال: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة، لكن عُرفت عينه. وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد ليس من النقاد.
٣- مجهول العين: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة، ولم تعرف عينه، وهو كالمبهم.
أما حكم مستور الحال: فمن ناحية العدالة يُكتفى بالعدالة الظاهرة، مع الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم؛ لتقادم العهد بهم. وأيضاً نكتفي بالعدالة الظاهرة للرواة المتأخرين، وهم رواة النسخ، أما سوى ذلك فلا يكتفي العلماء بالعدالة الظاهرة.
стр. 101
أما مجهول الحال والعين: فنتوقف عن قبول حديثهم، ومآل هذا التوقف عدم العمل بالحديث، لذلك تجد العلماء يقولون: حديث ضعيف، فيه فلان وهو مجهول، مع أن الأدق أن يقال: حديثه تُوُقِّفَ فيه؛ لأن فيه فلان وهو مجهول، لكن لما كان التوقف مآله عدم العمل، أصبح هو والتضعيف متقاربان، فأطلق العلماء الضعف عليه تجوّزاً، وهو في محله، وليس خطأ تضعيفه.
لكن الأمر الدقيق: ما هي مرتبة ضعف حديث المجهول؟ هل هو في مرتبة الاعتبار به، ويتقوى حديثه بالمتابعات والشواهد، أم لا يتقوى بنفسه، ولا يُقوّي غيره؟ فهل هو شديد الضعف أو خفيف الضعف؟ فالجواب: أننا لا نستطيع أن نحكم بحكم عام على جميع المجهولين حالاً أو عيناً، بل نقول هؤلاء حكمهم يختص بالحديث الذي يروونه، فإذا رووا حديثاً شديد النكارة، فهذا لا يتقوى أبداً، كأن تظهر فيه علامات الوضع وغيرها، ومجهول الحال أخفُّ حالاً من مجهول العين.
تنبيه: حكم الإمام على راوٍ بالجهالة لا يعتبر تعارضاً مع حكم إمامٍ آخر بالتوثيق لنفس الراوي؛ وذلك لأن الإمام الذي وصفه بالجهالة وصفه بذلك لأنه لا يعرفه وهو مجهول عنده، أما الإمام الآخر فإنه يعرفه ويحكم عليه. فهذه المسألة لا تعتبر من مسائل تعارض الجرح والتعديل، وللأسف أنّا نجد من يُقدّم الحكم بالجهالة على التعديل، وهذا خطأ؛ لأن الحكم بالجهالة هو إعلام من الناقد بعدم علمه بهذا الراوي، أما الحكم بالتوثيق فإخبارٌ من الإمام أنه يعرف هذا الراوي وأنه ثقة. فلا تعارض بين الحكم بالجهالة والحكم بالتعديل أو بالتجريح، ولا يُشَكُ في تقديم حكم المُعدّل أو المُجرّح على مَنْ حكم بالجهالة.
стр. 102
المرحلة الرابعة -من مراحل دراسة الأسانيد-: الحكم على الإسناد المُفرد دون المجموع. فأنظر في كل إسناد منفرد عن بقية طرق الحديث، وأحكم على الإسناد بحسب ما يستحقه على الإنفراد، وهذا الحكم لن تكون له قيمة كبيرة إلا في الأخير، وذلك لأُميّز الإسناد الذي يقوي ويتقوى، أو لا يستطيع ذلك، كالإسناد الشديد الضعف.
تنبيه: الأقلُّ في هذا العلم يقضي على الأكثر -قاعدة مطردة -، فالإسناد الذي كل رواته ثقات إلا راوٍ واحد ضعيف، فحكم هذا الإسناد ضعيف، والإسناد الذي كل رواته أئمةٌ حفاظ كبار إلا راوٍ واحد دجّال، فحكمه شديد الضعف، فتنظر في أقل راوي في هذا الإسناد، فتحكم عليه باعتبار درجة هذا الراوي.
ويُنتبه إلى خطورة الاكتفاء بهذا الحكم المُفرد على الأسانيد، فلا يُظنّ أن العمل قد انتهى، بل لا بد من مراعاة المراحل الآتية، التي هي في غاية الأهمية، ويغفل عنها كثيرٌ من طلبة العلم.
المرحلة الخامسة: النظر في اختلاف الطرق -إن وجدت -
فأنظر هل الاختلاف في هذه الرواية من ناحية المتن أو الإسناد؟ كأن يُبدل راوٍ براوٍ آخر، أو يروى الحديثُ مرّة متصلاً وأخرى مرسلاً، ومرة مرفوعاً وأخرى موقوفاً، أو اختلافات في المتن من نقص أو زيادة أو تقديم أو تأخير يؤثر في المعنى مطلقاً.
فإن لم يوجد اختلاف لا في الإسناد ولا في المتن، عندها يُنظر هل حُكِّمَ على هذا الحديث بالتفرّد؟ ، فإن لم يحكم عليه بالتفرد، فعندها من الممكن أن أحكم حكماً مبدئياً على هذا الإسناد بما يستحقه من صحة أو ضعف، فإن ظهر لي أن الحديث تفرّد به الراوي، والتفرد يظهر بأحد أمرين:
١- إما بالنصّ من أحد الأئمة المُطلعين الحُفاظ، كأن يقول: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فلان، أو هذا حديث فرْدٌ، أو لا أعرفه إلا من هذا الوجه، وغيرها مما يدل على التفرّد والغرابة.
٢- قد أحكم بالتفرد دون وجود هذا النصّ، وذلك حين اجتماع أمرين:
стр. 103
أ) عند الاستقصاء الواسع من الباحث في التخريج، ويكون من أهل الاستقصاء، وهو مَنْ يعرف المراجع والمصادر، بحيث أنّه في ظنّه لن يغيب عن علمه واطلاعه أمرٌ ذو بال.
ب) أن يوافق ذلك قرائن تدل على أن العلماء والحفّاظ لم يعرفوا هذا الحديث إلا من هذا الوجه، مثل: فيما لو جئت مثلاً إلى (العلل) للدارقطني فذكر هذا الحديث -ومن شأن الدارقطني أنه يبسط طرق الحديث-، فلم يذكر إلا طريقاً واحداً لهذا الحديث، فهذه قرينة؛ لأنه لو وجد الدارقطني طرقاً أو روايات أخرى لذكرها، ثم قد يوافق الدارقطني ابن أبي حاتم، فيذكر الحديث في علله، ويذكر ما حصل فيه من اتفاق واختلاف، وأيضاً يذكر أن مرجعه إلى راوٍ واحد. وبعض الأحيان تأتي عبارات، مثل أن يقول العالم:" هذا الحديث يُعرف بفلان "، فهذه ليست صريحة بالتفرد، لكنه اشتهر بروايته، حتى كأنه تفرّد به. ثم يوافق ذلك عدم وقوفي على الحديث من وجه آخر، فحينها يمكن أن أميل لترجيح أن هذا الراوي تفرّد بهذا الحديث.
стр. 104
فإن ثبت أن هذا الحديث تفرّد به فلان، فأنظر هل هذا الحديث مما يُحتمل أن يتفرد به هذا الراوي أم لا؟ ؛ لأن العلماء نصّوا -وعلى رأسهم ابن الصلاح،وغيره- أن من أقسام الحديث الشاذ والمنكر المردودة: تفرّد من ليس فيه من الضبط والإتقان ما يقع جابراً لتفرده. فقد يكون الراوي ثقة أو صدوقاً فيتفرد بأصل، والمقصود بالأصل: هو الحكم أو الخبر الغريب الذي لا نكاد نجده بهذا الوضع إلا في هذا الحديث، ومسألة التفرد بأصل مسألةٌ شائكةٌ، ولا يمكن لأي إنسان أن يدخل فيها، ويحكم بأن هذا الحديث أصل، وتفرّد به- وقد سبق ذكر قرائن وملاحِظِ الحكم على التفرّد -، فإذا تفرّد الثقة أو الصدوق بأصل، وكان ممن لا يحتمل التفرّد، فهذا نردّه، ونقول: لعله من أوهامه، إذ لو كان صحيحاً لتصدّى الأئمة الكبار لحفظ هذا الأصل وضبطه. ومن أمثلة ذلك: حديث أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، أخرجه أبو داود بسند صحيح، ثم قال عنه: هذا حديث منكر. وبيّن العلماء سبب نكارته: أنه تفرّد به راوٍ اسمه: همّام بن يحيى، وهو ثقة من رجال الشيخين، لكن رأى أبو داود أنه لا يحتمل التفرّد بهذا الحديث، وكذلك قال النسائي عن هذا الحديث:" هذا حديث غير محفوظ "؛ والسبب في هذا أن النبي ﷺ لبس خاتماً في آخر عمره، ولو كان النبي ﷺ -يخلعه كلما أراد الخلاء؛ لكَثُر الناقلون عنه؛ لأنها قضية متكررة في اليوم والليلة، فتفرد همّام بن يحيى بهذا الحديث عن شيخه، وشيخه عن شيخه إلى الصحابي مثيرٌ للريبة، فكيف لا يرويه إلا همّام بن يحيى في طبقة أتباع التابعين؟! ألا يرويه من الأمة أحد غيره!! ، فجعل العلماء يستنكرون بذلك الحديث، وأنه لا يصح.
стр. 105
أما في حالة: إذا اختلف الرواة، فحينئذ ينبغي أن أُحدّد -أولاً- موطن الاختلاف، والراوي الذي اختلف عليه، فمثلاً أجد روايات حديث ما التقت عند الزهري، ثم اختلف في الراوية على الزهري على الأوجه المُختلف عليها، فمثلاً بعضهم يرويه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وبعضهم يرويه عن الزهري عن سعيد عن النبي ﷺ ، وبعضهم عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي- ﷺ ، وبعضهم يرويه من كلام الزهري. من هذا المثال يتضح أن موطن الخلاف هو الزهري.
فإذا عينت الراوي المختلف فيه، انظر هل هو ثقة أو ليس بثقة، فإن كان ثقة، فأنظر في الرواة المختلفين عنه، لعل الرواة عنه فيهم ضعيف، فيكون هو الذي خالف، فإذا وقفت -مثلاً- على أن الرواة عنه: واحدٌ منهم ثقة، والبقية ضعفاء، فتكون الوجوه كلها خطأ من هؤلاء الضعفاء، والصحيح هو الوجه الذي رواه ذلك الثقة، وأعتبر رواية الصدوق شاذة. والمقصود هنا المخالفة الحقيقية، كاختلاف الوصل مع الإرسال. وإذا كان غالب الرواة على وجه، وجاء راوٍ أو اثنين وتفرّدا بوجه آخر، فعندها نرجح رواية الأكثر عدداً، خاصة إذا كان الراوي أو الراويين أقل درجة من الأكثرين.
стр. 106
قد تأتي حالة لا أستطيع أن أوهّم فيها الرواة عن الشيخ، كأن أجد أن كل وجه من الوجوه اتفق على روايته عددٌ من الثقات، فاتفاق هؤلاء الثقات على رواية هذا الوجه يُبعد احتمال أن يكونوا جميعاً أخطأوا على هذا الشيخ، وكذلك الثقات الآخرون الذين رووا الوجه الآخر وغيرهم على وجه ثالث، فعندها أنظر إن كان هذا الراوي المُختلف عليه إمامٌ واسع الرواية يُحتمل أن يكون هذا الحديث عنده من جميع هذه الوجوه؛ لأنه حافظ وشيوخه كثيرون، فتكون هذه الروايات عنه صحيحة، لكن إذا كان الراوي المُختلف عليه صدوق في ضبطه شئ، فيعتبر النقاد اختلاف الوجوه عنه دليل على اضطراب حفظه، فإما أن نجد قرينة من غير الروايات عنه تُرَجِحُ أحد هذه الوجوه أو يقول النقاد:" هذا حديث مضطرب، لم يُعرف الصواب فيه". فإذا وجدنا ما يدل على صحة أحد هذه الوجوه من دليل خارجي، غير روايات هذا الرجل حكمنا به، وإن لم نجد: نحكم بالإضطراب على هذه الرواية.
стр. 107
تنبيه: أهمية الاستعانة بكتب العلل ، ولولا أن كتب العلل الموجودة الآن لا تستوعب كل الأحاديث لقلنا: بوجوب الرجوع إلى كتب العلل، والاستفادة منها في كل حديث. فينبغي أن تراجع كتب العلل، ويُنظر هل تكلّم العلماء عن هذه الرواية بشئ أو لا؟ ، فقد تكون هناك علة باطنة، أو تكون هناك روايات فاتت على الباحث، خاصةً إذا كان الحديث مشهوراً، أو كثير الاختلاف فيه بين العلماء، فمثل هذا بنسبة كبيره أن العلماء قد تعرضوا له في كتب العلل، ثم إن كتب العلل ليست قليلة كما يُظن، فـ (العلل) للدارقطني لوحده موسوعة عظيمة، حيث طُبع منه أحد عشر مجلداً، وبقي منه ما يوصله إلى العشرين مجلداً، ثم يُنتبه في أثناء البحث في كتاب (العلل) للدارقطني، فقد تكون الرواية التي تبحث عنها من رواية أبي هريرة، وتجد الدارقطني ذكرها في مسند ابن عمر؛ لأنه في أحد طرق هذا الحديث روي من طريق ابن عمر، فيذكر طرق ذلك الحديث في مسند ابن عمر، فعليه ينبغي أن تُقلب الحديث من جميع وجوهه، وتبحث عنه في كل مظنة له.
ثم إن بعض التعليلات تأتي متناثرة في بعض الكتب، ككتب السنن وغيرها، وأيضاً كتاب البزار، كتاب عظيم جداً، قال فيه ابن كثير:"ويوجد في (مسند البزار) من التعليلات ما لا يوجد في غيره". وكلامه صحيح حيث نجد فيه تعليلاتٍ، وأحكاماً خفيّة في تعليل الأحاديث لا نجدها في غيره، أيضاً اضافة إلى كتب العلل الأخرى، كـ (العلل الكبير) للترمذي، و (العلل) لابن أبي حاتم، و (العلل) لعلي ابن المديني.
أيضاً هناك كتب ينبغي أن تراجع بعد الانتهاء من التخريج وهي للعلماء السابقين:كـ (تلخيص الحبير) ووكل كتب التخريج الموجودة، تُراجع لعل عند أحدهم زيادة طريق، أو زيادة توضيح، إلى غير ذلك.
стр. 108
المرحلة السادسة والأخيرة: هي الحكم على الحديث بناءً على المراحل السابقة بما يستحقه هذا الحديث.
تنبيه: ينبغي النظر في المعضدات، فقد أحكم على هذا الحديث بحكمٍ معين، لكن قد أجد ما يعضده ويقويه من طرق وشواهد أخرى.
وليس بصحيحٍ ما يقوله بعض المتأخرين بأن التقوية بالمعضدات ليس من منهج المتقدمين، بل الصحيح أنه منهج المتقدمين،والدليل عليه ما نصّ عليه الشافعي، من ذكر المعضدات التي تقوي الحديث المرسل -وهو من أقسام الضعيف عنده-، والشافعي ﵀ من أئمة المتقدمين.
والمُعضد قد يكون متابعة من رواية نفس الصحابي، وقد يكون شاهداً من رواية صحابي آخر، على أن يكون المعنى منطبقاً بين الروايتين. وقد يكون فتوى عامة أهل العلم، أو العمل بمقتضى هذا الحديث، فهذه مُعضدات،ولا يلزم أن يكون كل مُعضد في كل مرة يقوي الحديث، ولكن قد يقوي الحديث في بعض الأحيان، من أجل ذلك نجد أن الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) -وهو الذي لا يقبل المرسل- قال مرة في حديث ((لا وصية لوارث)) :"لا نعرف له إسناداً صحيحاً، إلا أن عامة أهل السيّر لا يشكون أن النبي ﷺ -قاله يوم فتح مكة". واحتج به الشافعي، ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة الشافعي هل هذا الحديث له أسانيد صحيحة أو لا؟ ، فالصحيح أن له أسانيد صحيحة، كما بيّن الشيخ: أحمد شاكر في تعليقه على كتاب (الرسالة) ، لكننا نناقش مذهب الشافعي في هذه القضية، ونبيّن لك أن من منهج العلماء أنهم يقوّون الحديث الضعيف إذا كان عامة أهل العلم يعملون به، ونصّ على هذه القضية الشافعي في كلامه على المرسل، ونصّ عليه ابن عبد البر وغيره.
فإذا كان الحديث في إسناده شئ من الضعف لكن اتفق أهل العلم على العمل به -وليس المقصود إجماعاً-، ولم يُعلم لهم مخالف فعندها نُعضّد الحديث، وندخله في حيّز القبول مادام أنه خفيف الضعف، وفي الإمكان أن يرتقي.
стр. 109
وينتبه إلى أن الحديث الذي يُعضّد هو الحديث خفيف الضعف. أما الحديث شديد الضعف فلا يرتقي ولا يُعضّد، ولو روي من مائة وجه، فهذا هو الصحيح، وكم من حديث يرويه العلماء من طرق متعددة –كابن عدي- ويقول:"هذا الحديث تهافت عليه الكذابون، فرواه فلان وفلان ... "، ويُفتضح الراوي عندهم برواية هذا الحديث، فقد يكون الراوي مستور الحال، فإذا روى هذا الحديث، قال:" هو كذّاب"، فلو كانوا يقولون بمطلق مجموع الطرق لأصبح هذا الراوي عندهم "ثقة"، بدلاً من أن يكون ضعيفاً أوكذّاباً.
وأخيراً: نرجع بالنصيحة في الاكتفاء بالحكم على الإسناد، وعدم التطرق بالحكم على الحديث بذاته، إلا إذا سُبقت من إمام مطلع، ووافق حكمي على الإسناد إطلاع ذلك الإمام، فعندها ممكن أن أحكم على الحديث.
وأخيراً أيضاً:إن هذا العلم دينٌ فانظروا عمّن تأخذون دينكم، فالقضية خطيرة، فلا يُظن أن الحكم على الراوي أمرٌ سهل وهيّن، أو أن الحكم على الأحاديث أمرٌ هيّن.
وينبغي أن يُعلم أن الجرح والتعديل في الأصل هو غيبة، ولولا ضرورة هذه الغيبة وأن مفسدتها أقلُّ من مفسدة عدم الغيبة، لما رضي العلماء بالجرح أبداً، والضرورة تُقدر بقدرها، فيجب عليّ أن لا أتجاوز موطن الضرورة، ومن المؤسف أن بعض طلبة العلم الذي قد يسمع-مثلاً- أن شريك بن عبد الله القاضي فيه ضعف، فإذا ذكره فإنه يذكره بسخرية، ولو كان حيّاً لما استطاع أن يواجهه بهذه الطريقة، مع أن شريك بن عبد الله القاضي كان عالماً من علماء السنّة، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، وكان من أشدِّ الناس في قمع أهل البدع، وفلان من الناس قد يكون عابداً من العباد أو زاهداً من الزهاد، ضُعّف لسوء حفظه، فيجب عليك أن تنتبه لألفاظك وعباراتك مع هؤلاء. وهذا يُبيّن ضرورة مراجعة كتب التراجم المطوّلة، حتى تتبيّن حال الرواة، وتُنزّل الناس منازلهم.
стр. 110
لمّا كان ابن أبي حاتم يُحدّث بكتابه (الجرح والتعديل) ، أتاه أحد الزهاد فقال له:"يا أبا محمد لعلك تتكلم في أناس وضعوا رحالهم في الجنة من مائتي سنة"، فأوقف ابن أبي حاتم الدرس، وجعل يبكي، مع علمه بوجوب هذا الأمر وأهميته، إذ لولاه لذهب كثير من السنّة، وضاع كثير من الدين.
ثم اعلم أن حكمك على الراوي خطيرٌ جداً، من أجل ذلك يقول ابن دقيق العيد:" أعراض المسلمين حفرةٌ من حفر النار، وقف على شفيرها صنفان من الناس المُحدِّثون والحكام"، والمقصود أن الذي يتكلم في الحديث على شفير جهنم، إلا أن يوفقه الله ؛ وذلك لأن تضعيف راوٍ واحد، قد يكون ثقة، معناه أنك حكمت على جميع أحاديثه بأنها ليست سنةً، وليست ديناً، وليست وحياً من رب العالمين،ولانوراً يُهتدى به. وحكمك على راوٍ بأنه ثقةٌ، معناه أن أحاديثه يجب أن تلتزم بها، وأنها وحي وحقٌ وخير يجب أن تعتقده وتعمل به، وكذلك الحكم على الحديث خطيرٌ جداً.
وهذا العلم يحتاج إلى المُتفرّغ له، والمُشتغل به، فليس من حق أي إنسان أن يتكلم في الأحاديث، وليس من حق من لم يشتغل بعلم الحديث اشتغالاً كافياً أن يحكم عليه، فهذا العلم لا يقبل الشركة، بل يلزم أن تتخصص فيه وحده، وإذا انقطعت عنه فترة ضَعُفت معرفتك به؛ لأنه خبرة تتكون من خلالها حاسة يُتَمكن بها تذّوق الأحاديث، وتمييز صحيحها من سقيمها.
نسأل الله أن يعلمنا ماينفعنا، وينفعنا بما علمنا
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين
كشاف الموضوعات (ويتضمن دليلاً لأهم المسائل الواردة في المذكرة)