وإذا غلب على الظن أنه يحفظ دينه، وأن ذلك يعين إخوانه على القرب منه والألفة والمحبة وفي حدود المشروع، فلا حرج، وقد توسع أهل البدع في هذا الباب حتى استعبدوا الناس -والعياذ بالله- من دون الله، فأهانوهم، وأذلوهم بلحس الرُّكب والأقدام والأيدي.. وغير ذلك مما تمجُّه الطباع السليمة، فضلاً عن النفوس المستقيمة التي تسير على نهج الله، الذي أراد تكرمة بني آدم لا إذلاله، حتى أن الإمام مالك -رحمة الله عليه- كان يشدد في تقبيل اليد، ويسميها السجدة الصغرى، خوفاً من ذريعة الغلوّ في الصالحين والعلماء، ويتأكد ذلك في هذه الأزمنة التي ضعف فيها الدين في نفوس الناس، وبالغ العوام في هذه الأمور، أو يكون طالب العلم أو العالم في بيئة تبالغ في ذلك من الانحناء عند السلام وأخذ الكف بعد السلام ومسح الوجه بها.. كل ذلك من البدع والضلال الذي نشأ من الغلوّ في الصالحين والعلماء، ودين الإسلام دين عدل، فلا غلوّ ولا إجحاف
السؤال السادس
بعض طلاب العلم يرى أن من الأصلح لطالب العلم أن يعتزل -في كثير من الأحيان- الناس حتى يأمن شرهم، هل هذا صحيح (١) [١١٦] ) ؟
الجواب:
مخالطة الناس مع الصبر أفضل من العزلة، كما جاء في الحديث: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) (٢) [١١٧] ) ، وهذا من حيث العموم، أما إذا كان طالب العلم لا يستطيع التحمل والصبر على الأذى، أو ضعف أخلاقه لا يساعده على الدعوة والنصح وتعليم الناس مع عبادته وصلاحه، فهذا فتح الله عليه في باب العبادة، وتحمل أحاديث الأمر بالاعتزال على مثل هذه الحالات الذي يغلب على الظن فيها هلاك صاحبها بسبب الخلطة.
стр. 107
أما من رزقه الله العلم بالكتاب والسنة مع حسن خلق ولين ورفق، وحكمة وصبر، فهذا يجب عليه أن يخرج إلى الساحة، ويذكّر العباد برب العباد، وينصح ويوجه ويقيم حجة الله على خلقه، وهو بأفضل المنازل، فالإسلام كيف تبلغ شريعته وتقام حجته، وتنصَبُ راياته وتبيّن معالمه إذا أصبح علماؤه وطلاب علمه عاكفين في المساجد وفي الخلوات يقرؤون ويتعبدون؟ .. الإسلام دين كفاح، دين جهاد ودعوة وإصلاح ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:١١٠] ، والسبب هل تصلون وتصومون فقط؟ لا.. بل ((تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:١١٠] وإذا تقاعس العلماء وطلاب العلم عن الدعوة والجهاد في سبيل الله وإصلاح العباد وتقريبهم من ربهم، من الذي ينذر ويبشر ببشارة الله، ويقيم حجة الله على عباد الله. ولله در القاضي عبد الوهاب ﵀ في أبياته اللطيفة:
متى تصل العطاشُ إلى ارتواءٍ ... إذا استقتْ البحارُ من الركايا
ومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ ... وقد جلسَ الأكابرُ في الزوايا
وإنّ ترفُّعَ الوضعاءِ يوماً ... على الرُّفعاء من إحدى البلايا (١) [١١٨] )
стр. 108
يعني إذا كان العلماء والأكابر أهل الفضل جلسوا في الزوايا يتعبدون، إذاً: لا نثنى صغار السن والأحداث لقيادة الأمة، وعندها لا تسأل عن فساد الأحوال، ولذلك نصّ العلماء ﵏ أن تولي القضاء يجب على العالم طلبه إذا غلب على ظنه أنه يحكم بالعدل وينفع الناس، ولما استشكل بعضهم ذلك، أجيب بأنه: إذا امتنع من أجل أن يتورع، كان منجياً لنفسه قاصراً الخير عليها، وإذا خرج للقضاء كان قائماً بحق الغير عليه: من نشر العدل والعلم والحكمة، والحث على طاعة الله، وذلك نفعه للكافة والعامة، وهو أفضل من نفع نفسه خاصة، وهو معنى مستنبط من حديث رسول الله ﷺ : (فضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب) (١) [١١٩] ) ، فحال من يؤثر في غيره مختلف عن حال من ينفّر غيره، ومن كان ضرره أكثر من نفعه لو خرج للناس، فالأفضل له أن يتعبد ويصلح نفسه.
ولما كتب عبد الله العمري العابد إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل، كتب إليه الإمام مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيتُ بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر (٢) [١٢٠] ) . اهـ
стр. 109
وهذا فتح من الله على البعض من الأخيار الصالحين البررة، ربما جلس معهم العامي، فلا يجد عندهم أسلوب الدعوة، بمجرد ما يخطئ يقيمون الدنيا ويقعدونها عليه، لماذا؟؛ لأن الله لم يفتح عليهم في الدعوة، فهذا فضل من الله، والله يعطي فضله من يشاء، ولبعض الناس جهاده في خلوته أكثر من جهاده في علانيته، ومنهم العكس، ومنهم من جمع الله له بين الحسنيين، وآتاه كلا الفضيلتين، ويدل لذلك قوله ﷺ لأبي ذرّ ﵁: (إذا رأيت البناء بلغ سلعاً، فاخرج من المدينة) (١) [١٢١] ) ؛ لأنه ﵁ كان شديداً في طاعة الله، ويأخذ بالعزائم، ويرى أنه لا يجوز لك - وتعتبر من الذين يكنزون الذهب والفضة في الآية - أن تنام وعندك دينار واحد زائد عن حاجتك، من زهده وقوة خوفه من الله ﵁ وأرضاه، وهذا من حكمته ﷺ : أن فاضل بين أصحابه، فكان يعطي البعض أحاديث الزهد، كأبي ذرّ، لو تتبعت أحاديثه في مسند الإمام أحمد لوجدت أكثرها في الزهد، والبعض من الصحابة أحاديثه في الجهاد أكثر، والبعض أحاديثه في العبادة، والبعض أحاديثه في العلم، والخلاصة أن الناس يختلفون، وبناءً عليه يُحكم لكلٍ حسب حاله. والله تعالى أعلم.
السؤال السابع
أنا خطيب مسجد، تكلم فيَّ بعض الناس، فبِمَ تنصحوني؟ وما هي وصيتكم لمن يتكلم في الدعاة والعلماء، وينفر منهم الناس؟. وهل تجدي المناقشة معهم (٢) [١٢٢] ) ؟
الجواب:
هذه -والله- المصيبة التي تحزن إذا انتقص أهل العلم والفضل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله إن باطن الأرض أولى من ظاهرها في العيش مع أقوام لا يعرفون لأهل العلم حقهم، ولا يقدرون لهم قدرهم.
стр. 110
يا هذا.. قد نظرت إلى الدعاة والهداة، فوجدت فيهم من الفضل والصلاة والاستقامة والدعوة إلى الله ما سوف يحاسبك الله عنه، لم يبقَ إلا أن ينتقص العلماء وينفر منهم، وتُحذر الناس من مجالسهم، إنها مصيبة ورزية، إنها ثلمة -والله- في الإسلام إذا انتقص العلماء والدعاة، وتُتبعت عوراتهم وأخطاؤهم، ونُفِّر من مجالسهم، هذا مفتون، شأن أهل البدع -والعياذ بالله-.
إنهم ينفرون من العلماء، ولذلك من أهم وأظهر سمات أهل الضلال أنهم يحتقرون أهل العلم؛ لأنهم يعلمون أنه لا يكشف عوارهم بعد الله إلا العلماء، فلذلك إخواني في الله ينبغي أن نتق الله في حقوق العلماء، في حقوق طلاب العلم والدعاة والهداة إلى الله ، ينبغي أن تُلجم هذه الألسن بلجام الورع، والله، ما من كلمة تتلفظ فيها -حتى لو نقلت عن عالم أو داعية كلمة فيها انتقاص له- تحمل وزرها بين يدي الله ، ونزّل نفسك منزلة هذا العالم، أترضى أن تظهر للناس فضيحتك وأخطاؤك.
سلمنا جدلاً أنه أخطأ، فما الذي جعلك أن تذكر السيئات ولا تذكر الحسنات؟
قال سعيد بن المسيب ﵀: من هذا الذي كمل، إنما يرجى الإنسان بالغلبة، ذلك أن الله تعالى يقول: ((فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [الأعراف:٨] ، ما قال: فمن خلصت موازينه (١)
стр. 111
[١٢٣] ) .
ولذلك العالم قد يزل، ولا ينبغي أن تُعجل في التشنيع عليه، بل يلتمس له العذر ما أمكن؛ لأن التشنيع عليه ثلمة في الدين.
والمنهج: أن تنقد الخطأ للخطأ، ولا تجرّح، شأن أهل الصلاح والفضل يبينون الخطأ دون تتبع عورات المسلمين وأعراضهم: ((وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا)) [يوسف:٨١] ، لا ينبغي للمسلم أن يقتحم عوار أخيه فيتهمه في منهجه وعقيدته، الذي يعنيك ما قرأت وما سمعت، وأما أن يلمز بعضنا بعضاً، وأن يحاول كل منا أن يفسر أقوال العلماء ويحملها على غير محاملها، فإنه سيسأل بين يدي الله عن ذلك: ((سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ)) [الزخرف:١٩] .
أحبتي في الله! إن الله قسم بين الخلق فضله، فجعل أقواماً مفاتيح للخير، ويتكلمون بالخير، ولا يعرفون الفحش، برأهم الله من السوء في أنفسهم وأقوالهم، أعفة في اللسان، أعفة في الجنان، لا يُدخلون في قلوبهم غِلاً على مسلم، وهي من صفات أهل الجنة: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)) [الأعراف:٤٣] .
ولذلك لا يزال الإنسان يحسد العالم على علمه، على صلاحه، حتى تفنى حسناته -والعياذ بالله-.
стр. 112
ومن العجب أن ترى طالب علم مجتهداً في العلم، قائماً الليل وصائماً النهار، حتى إذا جاء الكلام عن العلماء والدعاة، خرجت منه تلك الكلمات، فأتت على جميع حسناته -والعياذ بالله-، قالوا: يا رسول الله.. هي تصوم وتصلي، ولكنها تؤذي جارتها، قال: (لا خير فيها، هي من أهل النار) (١) [١٢٤] ) ، قالوا: ولا يؤمَن على من نال من أعراض الدعاة والعلماء من سوء الخاتمة، كما في قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ مع الرجل، وسعيد بن زيد ﵁ مع المرأة، لما اتهماهما (٢) [١٢٥] ) ، فدعيا عليهما فساءت خاتمتهما -والعياذ بالله-، يا هذا.. وما يدريك أن لهؤلاء دعوات في السحر لا تردّ، وما يدريك لعلهم من أولياء الله، فتكون بمعاداتهم محارباً لله: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) (٣) [١٢٦] ) .
يا أخي، المسلم الحق (من سلم المسلمون من لسانه ويده) (٤) [١٢٧] ) ، ليس الإسلام الحقيقي: أن يأتي المسلم ظاهره على خير وباطنه منطوي على الحقد والغلّ وخبث النية والطوية على عباد الله، هذا ليس من الإسلام، الإسلام فيه براءة الظاهر والباطن.
المسلم الحق يستهويك حديثُه، سديدٌ في منطقه وفي رأيه، بعيدٌ عن سفاسف الأمور، سبحان الله! ما وجدنا ننقل إلا عورات، وعورات مَنْ؟! عورات أهل العلم والفضل.
إخواني في الله ينبغي علينا:
أولاً: ألّا نتصف بهذه الصفة والخصلة التي يبغضها الله، إنها الفحش في القول: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)) [النساء:١٤٨] .
стр. 113
ومن تخلق بذلك ليس بحبيب لله ، بل جاء في الحديث: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) (١) [١٢٨] ) ، فكيف بالعالم؟
ثانياً: ألا نسكت على من ينتقص علماءنا، ينبغي أن نغار على علمائنا، إذا لم نغر عليهم فعلى من نغار؟ وإذا لم تأخذك حميةُ الدين للعالم، فلمن تكون؟
ثالثاً: نفرق بين من ينقد بأدب، وحسن خلق، وعلى علم وبيّنة، وبين من ينتقد ويطعن في العلماء وطلاب العلم، العرض أمره ليس بالهين، فلو أن ثلاثةً من الصحابة ﵃ طَعنوا في عرضٍ دون بيّنة -وحاشاهم من ذلك- لما قبل منهم، ولردّت شهادتهم، لقوله تعالى: ((وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [النور:٤] ، فإذا كان هذا في العِرض (٢) [١٢٩] ) ، فكيف بمن يقذف العالم والداعية في عقيدته ومنهجه؟. فالذي ينبغي التبيّن والتثبت.
الناس كثُر فيها القيل والقال والنقل والشائعات.
رابعاً: الاشتغال بعيوب النفس عن عيوب الناس، لاسيما أهل العلم والفضل، فالماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، وعليك بنفسك وعيوبك.
فللناس ربٌ محاسبهم، ويجزيهم على الخير إحساناً، وعلى غيره صفحاً وغفرانا.
وقال قال النبي ﷺ لعمر في حاطب ﵁ حين كتب الكتاب للكفار، يكشف سراً من أسرار المسلمين، ومع ذلك يقول ﷺ : (وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم) (٣) [١٣٠] ) .
هذا يدل على أن العبد الصالح قد يكون بينه وبين الله حسنات تحرق خطاياه وزلَلَه.
стр. 114
تريد لهذا العالم الذي أفنى ليله ونهاره في الجهاد والدعوة إلى الله أن تفني حسناتك أمامه؟. تريد أن الله لا يغفر إساءته، وله من الحسنات ونشر العلم والخير ما لا يُحصى، فالرجاء في الله عظيم (١) [١٣١] ) .
والله أسال: أن يرزقنا عفة الظاهر والباطن، وهذه –والله- وصية لكم أجمعين، لا أقصد بها شخصاً معيناً، ولا طائفة معينة، ولكن أريد أن يترسمها كل مؤمن فضلاً عن طالب العلم.
وأما الأخ الذي تُكُلّمَ فيه فأوصيه بما يأتي:
стр. 115
أولاً: أن تتعزى وتتسلى بمن مضوا قبل من السلف والأخيار، فهذا رسول الله ﷺ سيد الأنبياء والعلماء الأبرار، اتهم في عرضه، واتهم في فكره ومنهجه، فقيل فيه: أفّاك؛ حاشاه، وقيل: ساحر، وقيل: كذّاب، ومات وهو سيد الأولين والآخرين؛ لأن الله تعالى جعل الأمور بعواقبها، وهي سنة ماضية في كل من تمسك بهذا الدين: أن يُبتلى على قدر تمسكه، كما اشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل، ثم الأمثل) (١) [١٣٢] ) ، فإن كنت أمثل صُبَ عليك من البلاء ما لا يعلمه إلا الله، ولْتعلم أن الله سيضعك -بالصبر على هذا البلاء- في مرتبة أحبابه وأوليائه ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)) [السجدة:٢٤] ، أن تصبر وتحتسب عند الله مما قيل فيك، فإن الله ﵎ قد تكفل بعباده وبيده أزمّة الأمور، فاصبر والله معك، قال ﷺ : (من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر) (٢) [١٣٣] ) ، والله تعالى يقول: ((إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) [البقرة:١٥٣] ، فإذا أراد الله رفعك وكره ذلك الخلق كلهم، فله الأمر من قبل ومن بعد (٣) [١٣٤] ) .
ولا تعبأ بحسدهم وبغضهم لك، ولمّا ابتلي الحافظ عبد الغني ﵀ في محنته (٤) [١٣٥] ) ، قال فيه القائل:
إِنْ يَحسِدوكَ فلا تعبأ بقائلهم ... هم الغُثاءُ وأنت السيد البطلُ
стр. 116
والناس لا نجاة منها، فلو صاحبت أفضل الناس لابد من كلام الناس فيك.
تالله لو صحب المرء جبريلا ... لا بدّ من قيلٍ وقيلا
قد قيلَ في اللهِ أقوالٌ مسمّاة ... تتلى إذا رتّل القرآن ترتيلا
قد قيل إن له صاحبة ... تعالى الله عما قيلا
فالله لم يسلم من كلام خلقه: من أن له صاحبة وولداً، تعالى الله عما يقوله الظالمون علواً كبيراً.
وهذه الفتنة لو وجدت عقولاً وقلوباً تتقي الله، لما راجت واستحكمت، وقد وقعت فتن في زمن أصحاب النبي ﷺ في أعظم من ذلك، في الدماء، لكنها وجدت عقولاً راجحة ضيقت نطاقها، وعرفت أهل الشر والغوى فيها، ونحن لا نبرّئ ساحات أهل العلم من وجود أناس لا خير فيهم، دخلاء على الصالحين، أو يتمسحون بالصلاح وهم منهم براء، وأشهد الله أني بريء ممن برئ من عقيدة السلف، وأبرأ إلى الله ممن يتكلم ويطعن في الصالحين والأخيار.
ثانياً: لا تناقش الجهال حتى لا تهلكهم، ربما أثناء نقاشه يرد آية أو حديثاً بمحض هواه وفهمه فيهلِك، وتضيّع وقتك.
قال الإمام الشافعي: جادلني عالم فجدلته -أي غَلَبْتُه-، وجادلني جاهلٌ فغلبني، لأن الجاهل لا تدري من أين تأتيه، إذا جئته من يمين، يأتيك من شمال، وهكذا، ليست عنده ضوابط ولا قواعد ولا اصول يحتكم إليها، فلا تضيّع وقتك معه، قل له: ارجع إلى العلماء، حتى لا تَفْسُد القلوب بسبب هذه المناقشات التي لا تجدي؛ لأن هذا النوع من النقاش يفسدها ويوقع بينها الخلاف، والله قرن الفشل بالخلاف ((وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) [الأنفال:٤٦] .
ثالثاً: إذا كان الذي أمامك طالب علم، قد حصَّل علم آلة الخلاف والنقاش والاجتهاد، وتستفيد من مناقشته ومناظرته، فخذ بآداب البحث والمناظرة، وهي معروفة ومشهورة، ومنها:
стр. 117
أ- أن يكون (١) [١٣٦] ) الخلاف بحجة وبرهان، والاستدلال بهذه الحجة مبني على أصل مقرر عند العلماء لا بمحض الهوى، فيستنبط (استنباطاً) ما سبقه إليه أحد، والعلم الحق موروث، والنبي ﷺ قال: (.. وإن الأنبياء لم يورِّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورَّثوا العلم..) (٢) [١٣٧] ) .
فالذي يتكلم في الخلافيات والمسائل، ويناظر إخوانه وهو يعتمد أصول العلماء ويتكلم بكلامهم، فقد تكلم بإثارة من علم السلف.
وإذا جاءك إنسان بقول عليه دليل وليس لك علم به، فاسكت -رحمك الله- حتى لا تزلّ قدم بعد ثبوتها، فقد يمقت الله طالب العلم بردّه لسنة. وكان أبو بكر ﵁ يقول: (أخاف إن تركت سنته أن أضل، إن الله يقول: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور:٦٣] ، ينبغي أن يزن طالب العلم نفسه بميزان الشرع، ولا يتكلم في دين الله إلا بحجة من الله وبينة، لا بالهوى والظن، ((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)) [يونس:٣٦] .
عوّد نفسك من اليوم: أنك لا تدخل في نقاش أو خلاف دون تصور وحجة وبرهان، واترك طلاب العلم حولك يختلفون ويصيحون ويُقيمون الدنيا ويقعدونها، واستمع لخلافهم وانصت، وخذا ما صفا، ودع ما كدر، واجْنِ الثمار وألْقِ الحطب في النار.
وأما عاقبة من فُتن وكان جريئاً على الخلافات والمناظرات والمناقشات، دون علم، فإنه إذا تخرّج لا يرتاح حتى يجد من يناقشه ويناظره، ويصبح ديدنه ذلك، وأصحب ما عنده مسألة إجماعية لا خلاف فيها، ويصير علمه وبضاعته -والعياذ بالله- القيل والقال.
стр. 118
كان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمة الله عليه- متصفاً بأنه لا يمكن أن يناقش أحداً أبداً، ويؤثر عنه أنه يجلس في المجلس، فما أن يقوم المشايخ بالمناظرة مع بعضهم حتى يقوم من المجلس، وبهذا أصبح عزيزاً بعلمه، عزيزاً بشخصه (١) [١٣٨] ) ، بخلاف ما إذا أصبح الإنسان منفلت اللسان، يجادل كل من هب ودب، فتضيع هيبة علمه.
ومجالس الجدل والمماراة أمَرَ الله بعدم الجلوس فيها: ((وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ)) [النساء:١٤٠] .
ب- تحديد المسألة وتحرير موضع النزاع، حتى لا تضيعوا الوقت في مناقشة مسائل، متفق عليها بينكم أو لا التقاء بينكم فيها.
ج- تحديد الأصل حتى يعرف من المطالب بالدليل ومن المدعي ومن المدعى عليه، فالذي يخرج عن الأصل هو المطالب بالدليل مثلاً الأصل فيها الجواز، الذي يقول بعدم الجواز هو المطالب بالدليل، لكن الذي يحصل من بعض طلاب العلم يجلسون مع بعض، الأول يقول: ائتني بالدليل على عدم الجواز، والثاني كذلك يقول: لا.. بل أنت تعطني دليل على الجواز.. وهكذا، مع أنه إذا كان أصل المسألة أمر تعبدي، فالذي يقول غير مشروع لا يطالب بالدليل؛ لأن الأصل معه، والآخر يقول بأنه مشروع هو الذي يطالب بدليل نسبة شيء إلى الشرع.. وهكذا.
стр. 119
د- أن ينظر في هذا الدليل بكل إنصاف وتجرد للحق، والله، ما أنصفت خصمك من نفسك إلا وفقك الله للحق، وهذا مجرب، وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- يتناظرون ويتناقشون، ويحصّلون من الفوائد درراً ونكتاً، لا تزال قواعد تنير الطريق لمن وراءهم، ومن قرأ الفقه الإسلامي يدرك أنه ما ثَرَتْ مادته إلا بردود العلماء ومناقشاتهم، حتى أصبحنا اليوم لو نزلت نازلة أو مشكلة معاصرة، نستطيع أن نخرجها على أصول العلماء، فكان الخلاف ثراء للمادة العلمية، لماذا؟. لأن مناقشاتهم مبنية على أساس: سلامة الصدر، وحسن الظن، والتجرد للحق.
بخلاف ما يفعله بعض الطلاب -أصلحهم الله- من التشكيك في المدرّس، والتشويش عليه، وإظهار عواره أمام الطلاب، وليته اتقى الله، ولم يؤذِ هذا المسلم ويَحْرِم إخوانه من الفائدة، وليته سكت فلم يتحمل وزر ما نطق به.
الحلمُ زينٌ والسكوتُ سلامةٌ ... ... ... فإذا نطقْتَ فلا تكن مهذاراً
فلنتّقِ الله في هذه المجالس، ونراقب الله في المناقشات التي لا يراد بها وجه الله، لو أن طلاب العلم إذا جلسوا تذاكر كل بما سمع من شيخه، واستمروا على ذلك، وأصبح هذا ديدنهم وشأنهم، لوجدوا عاقبة وثمرة العلم من: انشراح الصدر، وعلوّ الدرجة، ولم يمرّ يوم أو أسبوع إلا وقد ازداد طالب العلم بما يرفعه الله به درجات، فإن شئت فاستقلّ أو استكثر. ونسأل الله العظيم أن يعصمنا وإياكم من هذه الآفات. والله تعالى أعلم.
السؤال الثامن
أرجو أن تدلونا على كتاب يكون -بعد عون الله تعالى- عوناً على تحضير دروس بلوغ المرام على النمط الذي نسمعه من فضيلتكم (١) [١٣٩] ) ؟
الجواب:
الحقيقة: الطريقة الأكمل والأفضل قراءة الحديث وضبط نصّه وحفظه، ثم يقرأ شرحاً مفصلاً للحديث، ولمعاني الألفاظ، بحيث يكون عنده تصور مبدئي، ثم بعد ذلك يتفرغ للشرح الذي يسمعه.
стр. 120
فإن حصلت عنده إشكالات، يكون قد تهيأ لسماع الأجوبة عليها، فإن وجد فيها ما يحل هذه الإشكالات ويزيلها فالحمد لله، وإلا تداركها بالسؤال بعد الدرس.
وأما الرجوع للمطولات في البداية، فإنها تُربك طالب العلم، وطلاب العلم لهم ثلاثة أحوال:
المرتبة الأولى: مرتبة البداية، ويكون الطالب لا يميز بين الأدلة، ولا يعرف قويها من ضعيفها، ولا جهة دلالتها.
فهذا يقتصر على الخلاصة من الدرس، والراجح من الأحكام مع دليله، ولا يتعرض للأقوال ومناقشة أدلتها؛ لأنه لا يكلف بها.
كما ذكر هذا الإمام ابن القيم في (إعلام الموقّعين) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (المجموع) في أكثر من موضع، إن شأن هذا: الاكتفاء بقول عالم مع معرفة دليله، ويسير على هذا الشرح بقول واحد ودليله، ويبقى حتى يصل إلى درجة الاتّباع.
وبعد أن يعرف الفقه بكماله، أو يقرأ كتاباً في أحاديث الأحكام بكامله، يكون عنده تصور مبدئي، يصبح بعد هذا وقد أخذ الفقه بدليله ممن يوثق به، وضبطه على نمط معين.
فإذا لقي الله وسأله عن هذا الذي يقوله أو يفعله أو يفتي به، ذكر حجته ودليله بين يدي الله .
وإذا كان لا يحسن النظر وفهم الدليل، فقد احتج بما كلف بالرجوع إليهم في قوله تعالى: ((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [النحل:٤٣] .
يقول الإمام ابن القيم ﵀: إجماع السلف على هذا: كانوا يأمرون العوام بالرجوع إلى أهل العلم، ولا يكلفوهم باجتهاد ولا بنظر.
المرتبة الثانية: وهي الاتّباع وفهم الدليل: لا يعرف وجه الأدلة، ومراتب الدلالة، وكيفية التعامل مع النصوص المتعارضة، والترجيح، ولكنه يفهم الدليل ووجه دلالته، وإذا جاءته أقوال عديدة يتشتت ويتذبذب، ولا يستطيع أن يقف بين فحول الأئمة وينتقي من أقوالهم وترجيحاتهم، فهذا شأنه أن يأذ كل قول بدليله.
стр. 121
فتتعبد الله بقول أو بحجة من كتاب أو سنة، ولا تذهب لشيخ آخر حتى لا تتشتت، فقد يكون الشيخ الأول يعتبر دلالة المفاهيم، والثاني لا يعتبرها، فلا تثبت على طريقة، تارةً تتعبّد الله بدليل، وتارةً تتركه، وهذا تناقض منَع العلماء منه، وهو التنقل والتلفيق بين أقوال العلماء.
وهذه مرتبة المتبع: عنده إلمام بالدليل دون الترجيح بين أنواع الأدلة، وهذه حالة كثير من طلاب العلم المتقدمين، ولذلك بعضهم يتذبذب؛ لأنهم يدخلون على الخلافات والأقوال قبل أن يكون عندهم تصور لأدلة ومسالك الفقهاء.
فإذا قرأت الفقه بقول عالم ودليله -كما كان السلف يفعلون- دون تعصب، فأنت متبع، ولا مانع أن تلقى الله بقول أحمد، أو الشافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، بالدليل، فهم أئمة يقتدى بهم، وأجمعت الأمة على أخذ علم هؤلاء وجلالتهم.
فتسير في فقهك بضوابط وأصول منضبطة مرتبة، حتى تصل إلى مرتبة الاجتهاد.
والذي ضرّ الكثير من طلاب العلم: الاجتهاد في هذه المرحلة، فيملّ ويسأل ويحتار، خاصة في مسائل البيوع والمعاملات.
ولذلك تجد بعض الطلاب يقول في مسألة كذا: أنا متحير، لا أدري أين الحق ولا أين الراجح، أو يرجح بهواه، فيقول: هذا أقوى في نظري من هذا، ولكن بالهوى -والعياذ بالله- لا بالحجة والبرهان؛ لأنه لا يملك الملكة التي تجعله يرجح بضوابط معينة.
وبعض الأدلة كلها من القوة بمرتبة واحدة، ولكن بعضها ألصق بالقواعد والأصول من بعض، والله يقول: ((فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)) [الأنبياء:٧٩] ، فجعل خلاف الفقه فيه حجة لكل قول، ولكن جعل التفهيم لسليمان، وأثنى على الجميع.
стр. 122
فالمقصود أن طالب العلم في هذه المرتبة الاتباع، لا يحتار، بل يعرف ويضبط مسالك وطرق العلماء في الاستدلال، إن سار على هذا الضابط سلم، مثلاً: مفهوم الصفة أنه حجة، تقول: (في السائمة الزكاة) ، أنها إذا لم تَرْعَ أكثر الحول لا زكاة فيها، فتعتبر مفهوم الصفة هنا في باب الزكاة، وتعتبره في أبواب المعاملات كما اعتبرته في العبادات.
لكن لو تنقلت بين عالمين: أحدهما يرجح مفهوم الصفة مثلاً، والآخر لا يقول به، وقلت بأقواله في المعاملات؛ لقوته فيها وتمرسه، فتردّ نصوصاً فيها حجة المفهوم الذي تعتبره في العبادات ولا تعتبره، ولا تتعبد الله به في المعاملات، فيصبح هذا تناقض، وهذا الذي جعل العلماء -رحمة الله عليهم- يمنعون من التلفيق بين أقوال العلماء والمذاهب في بداية التفقه.
ومن بلغ مرحلة أن يجتهد ويقف أمام ترجيحات الفقهاء، وكانت عنده ضوابط ومسالك يسير بها في اجتهاداته، وكذلك ملكة يعلم بها قوة وضعف أدلة الخصم، فإذا بلغ هذه المرتبة، ينتقل للمرتبة الثالثة، وهي:
المرتبة الثالثة: الاجتهاد.
أما أن تكون في مرتبة الاتّباع وتجتهد، فلا، والله، لشرفٌ لك أن تقول: اتبع قول فلان -وتراه موثوقاً بعلمه وديانته من علماء السلف، أو من العلماء المعاصرين ممن شُهد لهم بالضبط والتحري، فتبقى على قوله بالدليل- من أن تجتهد ولستَ من أهل الاجتهاد، فإذا انتهيت من الفقه وعلم هذا الشيخ أو ذاك وتصورته على هذه الطريقة، إذا بك وجميع مسائل الفقه منحصرة عندك بضوابط معيّنة، وتجدك اكتملت عندك الصورة، وتصورت الفقه بأكمله على نمط معين مؤصَّل على منهج السلف، ولذلك انظروا للأئمة، ما منهم إلا وكان له مذهب معين.
فمثلاً شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ انظر إليه في (المجموع) : قال أصحابنا، وارتضاه أصحابنا، وهو الصحيح من أقوال أصحابنا.
стр. 123
بل إنه يجتهد في المذهب، فيقول: والصحيح من مذهب أحمد كذا، وغلط بعض أصحابنا في كذا وكذا، ويقول: ومن قال أن مذهب أحمد كذا فقط غلط لكذا وكذا. فتجده حجة في مذهبه، حجة خارجاً عن مذهبه.
كما في الإنصاف للمرداوي -رحمة الله عليه- إذا ذكر الخلافات داخل المذهب وقال: قال الشيخ، فمراده: شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، ويقطع ويقوي قوله بترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمة، لماذا؟. لأنه قرأ علم إمام من الأئمة المشهود لهم بالإمامة والاقتداء بهم بالدليل، فوضع الله له البركة والخير في علمه.
ولا شك أن طالب العلم حينما يقرأ مثلاً أركان الصلاة بدليل في مذهب واحد، ليس مثل أن يقرأها في المذاهب الأخرى بأدلة متباينة متعارضة، فكيف يضبط؟! وهكذا طالب العلم، إذا لم يستطِع التمييز بين الأدلة يكتفي بالقول الراجح بدليله، ويمضي ويبقى على هذا، ويسير حتى ينتهي من الفقه كله، ويتصور أبوابه ومباحثه، ولا يهمك نقد غيرك لك، يلومك من يلومك، ويسفّه رأيك من يسفّهه، لا شأن لك به، كلنا أخذ الفقه بهذه الطريقة، كنا نأخذ على مشايخنا ونضبط أقوالهم، بالدليل لا مجرد أقوال رجال، لا.. بل بالدليل.
فلما انتهينا أصبح الفقه أمامنا منضبط، وبعد أن قرأنا على مشايخنا، وجدنا أقوال وأدلة تخالف ما كنّا تلقيناه على مشايخنا، فأخذنا بها وتركنا ما كنا عليه وخالفناهم؛ لقوة أدلتها، وما نقص ذلك من قدرهم ومنزلتهم في قلوبنا، أبداً والله، ولكن الحق أحبّ إلينا من كل أحد.
فلذلك: الطالب الذي يأخذ منهج معيّن، يفيد ويستفيد، ويصل إلى مرتبة الفقيه، وأما من يسلك كل يوم طريق ويتذبذب، لا تجد له أصلاً.
стр. 124
وخذ طالب علم ممن سار على هذا المنهج الغير منضبط، وناظره في مسألة معيّنة، لا تجد له أصلاً ثابتاً، ولا تخرج مع بنتيجة، وتجده عائماً ليس له ميزان تصل مع إليه فيعذرك وتعذره في المسألة، أو تصلا إلى قول فصل في القضية، والسبب هو أن الأساس الذي سار عليه هو: التلقي من مشارب مختلفة في بداية الطلب، فيواجه أقوال وإشكالات يوردها جهابذة العلماء، لا يحسن فهم توجيهها، ولا الخروج منها.
وكذلك يواجهه في شروح الأحاديث: كشروح الإمام النووي، أو ابن حجر، أو الحافظ ابن دقيق، أو الحافظ العيني.. وغيرهم -رحمة الله على الجميع-.
ولو جئت تنظر في قول كل واحد منهم تقول: أبداً، هذا قوله راجح، ثم إذا جئت تقرأ لغيره، تجد قول الأول من أضعف ما يكون، ثم تجد جواباً عن هذا الجواب عند الأول، وتصبح في حيرة.
وحتى لو وصلت إلى نتيجة، لا تأمن من أنك كما قلت للقول الأول بأنه راجح، لا تزال مزعزع الثقة بقولك وما أنت عليه، ولو في آخر قول وصلت إليه.
ولذلك الأفضل الانضباط بأصل معين من البداية، وهذا الذي يميز فقه المتقدمين من الأئمة على غيرهم، تجد فقههم كالبناء، وأصولهم ثابتة ومنضبطة.
ومن هنا تلمس: أن بعض الفقهاء والعلماء له أقوال غريبة في المعاملات، فتتعجب كيف قال به في هذه المسألة، ويزول عجبك حين تعرف أن له أصلاً مشى عليه، واختاره ضابطاً له بقي عليه وثبت عليه.
مثلاً بعض المالكية يقول في المزارعة: إذا كانت الزراعة تابعة للنخل المسقي في حدود الثلث جاز أن تتبع، وإذا كانت أكثر من الثلث لا تتبع. فتستغرب من أين جاءوا بضابط الثلث، فتجد الإمام مالك ﵀ أخذ من قوله ﵊: (الثلث والثلث كثير) (١) [١٤٠] ) ضابطاً في القلة والكثرة، وهذا أصل اعتمده من السنة، وليس من هواه، فيقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاعتبر الثلث ضابطاً في جميع الأبواب.
стр. 125
وهكذا الفقه عند المتقدمين، أصولهم في العبادات هي أصولهم في المعاملات، لا تتغير، ولا تتناقض ولا تختلف.
بخلاف بعض المؤلفات المعاصرة، خذه، تجده يرجّح بأصل من العبادات، يخالفه في المعاملات ولا يعتبره، مع أن المسألة في البابين مبنية على الأصل نفسه، فيناقض نفسه بنفسه، ويفتي هنا بالجواز، وهناك بعدمه، مع أن الأصل واحد؛ لأنه ينظر إلى كل مسألة منفصلة عن نظائرها وعن مقاصد الشريعة وبعيداً عن مجموعة الأحاديث التي وردت فيها، وليس هذا صنيع السلف -رحمة الله عليهم-، بل ربما نظروا إلى أصل مقصود الشرع، هل ينظر في هذا الباب إلى المسامحة أم التضييق؟ ومعهم ملكات تؤهلهم لذلك.
أئمة ودواوين علم، يحفظون القرآن والسنة، بل البعض يحفظ مئات آلاف الأحاديث.
فإذا جاء أحدهم للمسألة، يستحضر كل هذه النصوص وشتاتها في الكتاب والسنة، وقد تجد الحديث في الهبات، يستنبط منه دليلاً على مسألة ما في الصوم، والحديث في الصلاة وفيه دلالة على مسألة في العشرة الزوجية، وهذا فضل من الله، فاضل به بين العلماء، وظهرت فيه سعة وشمولية هذه الشريعة الكاملة، وظهر فيه فضل علماء السلف: بحسن الاستنباط وحُسن الفهم ودقة الوعي، بل ربما تجد الواحد يحدثك بقصة في آية قرآنية ويستنبط منها حكماً شرعياً ومسألة فقهية.
стр. 126
وهذا من فهمهم عن الله وارتباطهم بالكتاب والسنة، تجد الواحد منهم يقوم بهذا القرآن في ثلاث ليال. يختمونه فتمرّ بهم المسائل، ناهيك عن ورعهم وخوفهم من التقوّل على الله، وارتباطهم بالله، واستلهامهم منه التوفيق والسداد (١) [١٤١] ) ، والمقصود أن الذي يريد أن يضبط الفقه يضبطه بالأصول، ويتقيد بها دون تعصب ولا جمود، في مرحلية ينتقل إلى ما بعدها حتى يصل إلى مرتبة الاجتهاد.
كل ذلك بإخلاص وتعظيم لعلماء السلف، ومعرفة حقهم وعظيم فضلهم علينا.
فكم من قول ربما سخر طالب العلم منه واستهجنه واستبعده، يتبيّن له فيما بعد أنه الصواب، أو يتبيّن وجهه ودليله الذي يعذر به صاحبه أمام الله جل وعلا.
стр. 127
كنت أعجب من قول الإمام ابن جرير، شيخ المفسرين ﵀، يقول: إن فرض الأذن في الوضوء: الغسل كالوجه، وليس المسح فسألت الوالد -رحمة الله عليه-، فقال: لا تعجب يا بني، ألم يقل ﷺ في دعاء سجود التلاوة (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشقّ سمعه وبصره..) (١) [١٤٢] ) الحديث، فأضاف السمع للوجه، وهذا وإن كان قولاً ضعيفاً ترده السنة القولية والفعلية، لكن المقصود هو معرفة قدرنا عند أولئك الرجال الذين حَوَتْ صدورهم الكتاب والسنة: ((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)) [العنكبوت:٤٩] . نسأل الله لنا ولإخواننا العصمة من الزلل.
السؤال التاسع
عندما يفتي البعض في إجابة مسألة، يذكر أقوالاً لأهل العلم فيها، ولا يَنسبها لأصحابها، أليس من الأمانة العلمية: نسبة القول لصاحبه؟ وما هي المراجع والمصادر الفقهية المعتمدة في كل مذهب، والتي تعتني بذكر الأدلة؟ أفيدونا بالتفصيل جزاكم الله خيراً (٢) [١٤٣] ) ؟
الجواب:
هذا فيه تفصيل: فإن كان في أسلوب نسبته للقول يوهم أنه من كلامه، فالأمانة العلمية تقتضي: نسبة القول لصاحبه، أما شخص يقول:
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين أو على ثلاثة أقوال، فهذا ليس مدعي لنفسه شيئاً، ولا يطالَب بنسبة الأقوال لأصحابها، وهي في حقه مرتبة فضل، لا مرتبة فرض.
стр. 128
والعلم بنسبة الأقوال، وحفظها، وحفظ أصحابها، أمر تشيبُ منه الرؤوس، ولذلك تجد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -وناهيك به علماً وتحقيقاً، ومع أنه جمع فأوعى كثيراً من العلم- يقول: وهذه المسألة للعلماء فيها قولان: أصحها كذا وكذا، أو يقول: قول بالمنع وقول بالجواز، ولا ينسب الأقوال، وأحياناً يسترسل فيبيّن صحة النسبة؛ لأن الفقه يحتاج إلى بيان وتمييز الأقوال.
ثم المرتبة الثانية: وهي أعلى مما قبلها: نسبة الأقوال، وأعلى منها تحرير نسبة هذا القول، وهل هو المذهب أم قول ضعيف أم مشهور؟ وهل هو عند المتقدمين أو المتأخرين؟ فهذه أمور تختص بعلماء جهابذة؛ لأنها تحتاج نفساً طويلاً، وباعاً قوياً، وهو من أقوى ما يميز علماء وفقهاء السلف ﵏ عن غيرهم: الفقه المقارَن أو المقابَل. خذ مثالاً على ذلك: الإمام ابن جرير الطبري -رحمة الله عليه- في اختلاف الفقهاء في التفسير تجده يقول: وقال بعض العلماء: لا يجوز ذلك، ومنهم فلان وفلان.. ثم يسوق سنده حدثني فلان عن فلان أنه سئل عن كذا وكذا فقال بكذا وكذا، وإذا كان في السند أو الرواية ضعف، بيّنه، وهذه أمور خدمها علماء السلف ﵏ سواء في المذاهب الفقهية أو غيرها من العلوم الأخرى.
وينبغي التنبيه على أن الأئمة لهم أسانيد بعضها أقوى من بعض، وأصحاب وكتب بعضها أقوى في الترجيح من بعض، إذا تعارضوا.
وأما المراجع الفقهية، فخُذها مرتبة حسب المذاهب (١)
стр. 129
[١٤٤] ) .
أ- الحنفية:
١- المتون:
- المختصر (١) [١٤٥] ) ، للقدوري.
- كنز الدقائق، للنسفي.
٢- الشروح والحواشي:
- فتح القدير، لابن الهُمام مع تكملته (٢) [١٤٦] ) . (من أكبر شروح الهداية وأوسعها) .
- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نُجيم مع تكملته.
- حاشية عابدين، لابن عابدين مع تكملته، من أفضل كتب المذهب وأجمعها.
- الاختيار في تعليل المختار، لأبي الفضل الموصلي. احتوى على ما عليه الفتوى في المذهب (٣) [١٤٧] ) .
٣- الكتب التي تعني بأدلة الحنفية:
- أحكام القرآن، للجصاص (من الكتاب) .
- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني (من السنة) .
- المبسوط، للسرخسي، (النقلية والعقلية) .
- بدائع الصنائع، للكاساني، (النقلية والعقلية) .
ب- المالكية:
١- المتون:
- المختصر، لخليل بن إسحاق.
- الرسالة، لابن ابي زيد القيرواني.
٢- الشروح والحواشي:
- الشرح الكبير، للدردير (أوضحها وأخصرها) .
- مواهب الجليل، للحطاب.
- حاشية الخرشي (اعتنى بالأمثلة) .
- منح الجليل، لعليّش.
- حاشية البناني (اعتنى بالخلاف في المذهب وحَسْمه بين الماليكة، وردَّ تعارض عبارات المختصر) .
- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، للدسوقي.
٣- الكتب التي تعتني بأدلة المالكية:
- أحكام القرآن، لابن العربي (من الكتاب) .
- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (من الكتاب) .
- المنتقى، للباجي (من السنة) ، مع الأدلة العقلية.
- مسالك الدلالة في بيان أدلة الرسالة، للغماري، مناقشة الأدلة والردود باختصار.
- التمهيد والاستذكار، لابن عبد البر (من السنة) ، ويعتني بالردود والمناقشات في المسائل الخلافية.
ج- الشافعية:
١- المتون:
- المهذب، للشيرازي.
стр. 130
- المنهاج (منهاج الطالبين) ، للإمام النووي ﵀.
٢- الشروح والحواشي:
- المجموع شرح المهذب، للنووي، اعتنى بالأدلة والردود والمناقشات.
- نهاية المحتاج شرح المنهاج، للرملي الملقب بالشافعي الصغير، وهو من أوسع كتب المذهب، ويعتني بالراجح من الخلاف فيه.
- مغني المحتاج، للشربيني.
- حاشية قليوبي وعميرة.
- حواشي الشرواني والعباد.
٣- الكتب التي تعني بأدلة الشافعية:
- أحكام القرآن، إلْكيا الهراسِي الطبري (من الكتاب) .
- فتح الباري، لابن حجر (من السنة) .
- شرح النووي على مسلم (من السنة) .
- المجموع، للنووي، (العقلية والنقلية) .
د- الحنابلة:
١- المتون:
- المقنع، لابن قدامة.
- منتهى الإرادات، للفتوحي.
- الإقناع، للحجاوي.
٢- الشروح والحواشي:
- المبدع، لابن مفلح.
- شرح منتهى الإرادات، للبهوتي.
- كشاف القناع، للبهوتي.
٣- تحرير المذهب عند اختلاف الروايات والأوجه:
- الإنصاف، للمرداوي، وقد جمعه من مائة وخمسين كتاباً في المذهب، وهو من أعظم كتب الحنابلة.
٤- أدلة الحنابلة: (النقلية العقلية) :
- كتب الإمام ابن قدامة، مثل: العمدة، وهو أخصرها وأجلّها، ثم المقنع، ثم الكافي، ثم المغني.
- كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم.
هـ- الظاهرية:
- المحلى، للإمام أبي محمد علي بن حزم الظاهري، وهو أنفسها وأجمعها، وقد جمع فأوعى، وذكر أدلتهم والردود على ما ورد عليهم من اعتراضات.
و مذاهب السلف من الصحابة والتابعين، وأقوالهم في المسائل الخلافية: يمكن معرفتها عن طريق المصنفات والكتب التي تعتني بذكر فتاويهم، وهي تأتي على طريقتين: على طريقة الحكاية والتلخيص، فتجدها في المغني والمجموع؛ وأما على الطريقة المسندة، فمن أشهرها ما يلي:
- المصنف، لعبد الرزاق.
- المصنف، لابن أبي شيبة.
- تهذيب الآثار، للإمام المسند العظيم ابن جرير الطبري.
- المحلى، لابن حزم.
ز- الكتب التي تعتني بنقل الإجماع في المسائل الفقهية:
стр. 131
-الإجماع، لابن المنذر.
-مراتب الإجماع، لابن حزم.
-مغني ذوي الأفهام، لابن عبد الهادي (١) [١٤٨] ) .
السؤال العاشر
يقول الأخ: نويت أن أقوم بتأليف كتاب، ولكن ينتابني وسواس: أن هذا رياء، وأن لا أكتب اسمي وأرمز بلقبي، فهل هذا حل للوسواس، أم ترون أن أكتب اسمي كاملاً ولا أهتم بهذا الوسواس (٢) [١٤٩] ) ؟
الجواب:
أولاً: لا أرى أن كل إنسان -عنت له فكرة التأليف- أن يكتب إلا بشروط ثلاثة:
أ- الأهلية في العلم والتأليف: وتكون بشهادة أهل العلم للشخص.
جلس الإمام مالك ﵀ ذات يوم بين طلابه، فسأل سائل عن مسألة، فأجابه عبد الرحمن بن القاسم العتقي، وهو من أصحاب مالك، فغضب مالك ﵀ وقال: لا ينبغي لأحد أن يفتي حتى يشهد له من هو خير منه أنه أهل للفتوى، والله ما أفتيت الناس حتى شهد لي سبعون من أهل هذا المسجد -يعني مسجد النبي ﷺ أني أهل للفتوى (٣) [١٥٠] ) ، فلا ينبغي التصدر الكامل للفتوى والتأليف، إلا ممن شهد له أهل العلم بأنه أهل لهذا المقام.
فالعينُ تُبصِرُ ما دنى ونأى ... ... ... ولا تَرى ما بها إلا بمرآةِ
ويعلم الله (٤) [١٥١] ) : أنني عرض عليّ مجلس أفضل من هذا المجلس، في مسجد النبي ﷺ وأنا أصغر سناً من الآن، وامتنعت؛ لأن التصدر يحتاج إلى أهلية.
أما كون الإنسان يجمع من هنا وهناك، ويعيد صياغة العبارات، ثم يخرجها، وتحسب على أنها كتب علمية فلا.
стр. 132
والأهلية تحتاج إلى أمور ثلاثة:
أ- علم موروث عن النبي ﷺ .
ب- سنوات طويلة من طلب العلم، وكان السلف ربما جلس الواحد منهم عند العالم ثلاثين عاماً، قبل أن يتصدر للتدريس.
ج- عقل؛ لان الإنسان قد يكون عالم ولا عقل له. والعلماء ثلاثة مراتب:
أ- عالم عقله أكبر من علمه، عنده علم قليل، ولكن عنده حكمة وبصيرة في توجيه الناس وإرشادهم إلى ما يكون فيه خير كثير.
ب- عالم علمه أكبر من عقله، عنده علم كثير ويحفظ ويقرأ، ولكنه لا يحسن وضع الأمور في نصابها.
ج- عالم استوى عقله وعلمه، وهذه مرتبة الكمال، فلا بد من الأمرين للمتصدر.
العلم: وهو الركيزة الأولى، والعقل: الذي يعرف به محاسن الأمور ومساوئها، وهذه الركيزة الثانية.
وأما التصدر الجزئي فيكفي فيه علم الشخص بالمسألة التي يتكلم فيها.
ومن لم يتوفر فيه هذا الشرط، فليتقِ الله في نفسه وفي المسلمين؛ لأن النبي ﷺ حذّر من اتخاذ الجهال رؤوساً في توجيه الأمة وتعليمها، وذلك في قوله ﵊: (حتى إذا لم يبقَ عالم، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) (١) [١٥٢] ) .
ولأن من ألف فقد عرض عقله على الناس في طبق، فإما أن يرى منه عقل كامل، أو ما هو دون ذلك.
إضافة إلى مدح الناس وثنائهم عليه بالخير أو ذمهم، ولذلك قالوا: من ألف فقد استهدف، أي صار هدفاً للناس في المدح أو الذم.
وكان علماء السلف إذا الفوا، عرضوا مؤلفاتهم على علماء عصرهم حتى يشهدوا بأهلية المؤلف (٢) [١٥٣] ) .
стр. 133
ب-أن توجد الحاجة لهذا التأليف: وهي من علامات وثمرات الإخلاص وإرادة وجه الله، أما إذا لم توجد حاجة، فلماذا يؤلف الإنسان! وما وجد هذا الزخم والغثاء في التآليف المعاصرة إلا حين فُقد هذا الشرط، وصار كل من اشتهى ألّف، ولذلك انظر إلى السلف الصالح -رحمة الله عليهم- ما كانوا يؤلفون حتى يلحّ عليهم في الطلب ويسألوا (١) [١٥٤] ) .
ولله أمر عجيب: أن ترى من يؤلف اليوم في مسالة قُتِلَت بحثاً من علماء سلفنا الصالح -رحمة الله عليهم-، وأنهوا الكلام فيها واستوعبوها بحثاً، وكفونا فيها المؤنة.
فيأتي هذا ويقول: أحكام الوضوء، والثاني يؤلف في أحكام السواك أو الطهارة، وكلها مسائل ليست طارئة أو نازلة، بل ربما من المسائل التي هي من الفروع الواضحة، والتي قلّ أن يخلو منها كتاب.
فيأتي هذا -وليته يكتفي بالنقل المقيد-، لا.. بل المصيبة أنه يجمع من كتب بعض المذاهب الزلات والهنات، ويطلق لسانه بالسب والشتم والثلب وانتقاص العلماء، وربما نقل عبارة لكي يعلق عليها بصفحات يثرب فيها على من ألف قبله، وهذا خطأ، وإلا لما ألّف أحد (٢) [١٥٥] ) . نسأل الله السلامة والعافية.
بل ربما نصَّب نفسه حكماً بين فحول الأئمة والعلماء، كالإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رحمة الله عليهم-.
стр. 134
مواقف كان يهابها العلماء الحفاظ الأتقياء، ويأتي هذا يزعم أنه أتى بالقول الفصل الذي لا ينبغي اتّباع قول غيره (١) [١٥٦] ) ، ويخرج على الناس في المسائل بأشذ وأضعف قول عند السلف. نعم هناك تعصب ولا شك، والإنسان ليس بكامل.
والتعصب جبلّة، والمعصوم من عصمه الله من التعصب لغير الحق، والمبالغة في ذلك حتى يخرج الإنسان فيها عن حدّ الشرع لا تحمد.
ولا نقصد بهذا الكلام تقديس أقوال العلماء، لكن أن نعرف قدرنا ومن نحن بعد الله لولا كتبهم وعلمهم، والتآليف أمانة، والناس إذا قرأت لك أو استمعت لمحاضرتك أو دروسك تأتمنك على الدين.
ج- أن يكتب وهو يريد وجه الله والدار الآخرة، ونفع الأمة، لا الرياء والشهرة، ولا مزاحمة الغير. ولما ألّف الإمام مالك ﵀ موطأه، ألّف الناس الموطآت، فقالوا له: يا أبا عبد الله.. كثرت الموطآت، فقال: ستعلمون ما أريد به وجه الله (٢) [١٥٧] ) .
والآن -بالله عليكم- هل تعرفون موطأ غير موطأ الإمام مالك برواية محمد بن الحسن أو يحيى بن يحيى الليثي، اندثرت كل تلك الموطآت، فالأمور التي يقصد بها غير وجه الله ، غالباً تكون وبالاً على صاحبها، فما كان لله دام واتصل.
ثانياً: التأليف لا يدل دائماً على العلم:
стр. 135
فبعض الناس قد يعجز أثناء درسه عن إباحة كل ما في نفسه من علم، ويكون علمه مختبئاً، لا يظهر إلا إذا أمسك قلمه، والبعض العكس، وبعض العلماء جمع الله له بين التدريس والتأليف، وهذا موجود في كتب التراجم، تجد بعضهم أثني عليه في التدريس، ولم يُثن عليه في التأليف؛ ولذلك اليوم تجد البعض من العلماء وعاء من أوعية العلم، حافظاً يستحضر الشتات في المسألة، لكن لو سألته عن نازلة، لا يحسن الفتوى فيها، ولله تعالى في خلقه شؤون وحِكم.
ولا مانع أن تؤلف وتنفع إخوانك، ولو أخذت كتاباً من كتب السلف، أخرجته للنور -تحتسب عند الله الأجر، ويكون لك مثل أجر مؤلفه ووفاءً لحقهم علينا- لكان أجدى من هذا الزخم الموجود في المكتبات، والذي لا نحتاجه.
السؤال الحادي عشر
نرجو من فضيلة شيخنا الكريم أن يعطينا بعض الأشياء عن حياة والده وبعض المواقف من سيرته (١) [١٥٨] ) ؟
الجواب:
هذا سؤال مفاجئ، والشخص إذا فوجئ بالسؤال لا يستحضر، لكن من أهم الأمور التي كنت ألمسها في الوالد -رحمة الله عليه-:
أ- قضية إخلاص العمل لله ﷻ . أذكر أني ذات مرة راجعته في مسألة فيها دخلٌ من الدنيا، فقال لي كلمة قد يقولها عوام الناس، ولكن والله كان لها عظيم الأثر في قلبي إلى الآن، قال: يا بني.. إن الله عليم بذات الصدور - أي بحقائقها من إرادة وجهه أو إرادة الدنيا -، فقال: بذات الصدور، والله هذه الكلمة إلى الآن في قلبي، كل ما وجدت شيئاً من دخل الدنيا تذكرتها.
стр. 136
ب-مما لسمته منه -رحمة الله عليه-: كثرة العبادة الخفية، كان يجلس مع الناس ولا تظهر عليه كثرة العبادة، ولكن ما إن يخلو في جوف الليل حتى أسمع نشيجه وبكاؤه من غرفته -رحمة الله عليه-، وكان كثير قيام الليل، حتى أني أذكر أن بعض المشايخ في بعض المحاضرات استبعد أن يختم الشخص القرآن في ليلة، وجرى بينه وبينه كلام، وقلت: إن ذلك ممكن، خاصة في ليالي الشتاء، وإن كان -طبعاً- خلاف السنة كما تعلمون، أن لا يُختم في أقل من ثلاث.
فذكرت ذلك للوالد، فقال: ليس ببعيد، بل هو سهل جداً وبسيط، فلم أزل معه وكأني مع المحاضر أشكك في ذلك حتى قال لي: يا بني.. الحمد لله مرّت عليّ في بداية الطلب سنوات أستفتح بعد العشاء بالقرآن ولا يأتي السحر إلا وأنا في آخر القرآن. رحمة الله عليه.
ج-ومما عرف به: الورع والحرص على أكل الحلال. يقول لي العم: محل اتفاق عندنا أنه ما كان عنده صبوة إلى الحرام.
د-وكان أهم شيء عنده: الوقت، منذ بداية الطلب، يذكر لي أحد كبار السن عن خال له من أقرباء الشيخ الذي ارتحل الوالد لأخذ العلم عنه، يقول: وكان لا يخالط الطلاب إلا إذا كانت هناك فائدة، ولا يأنس بكل أحد -رحمة الله عليه-، وأنا لا أذكر أنه دخل المنزل وكان الوقت وقد صلاة وجلس دون أن يبدأ بالصلاة، حتى في مرض موته، كان يصلي جالساً ما كتب الله له، ثم ينقلب على فراشه.
وله مكتبة فيها ما لا يقل عن أربعة آلاف كتاب، ما فيها كتاب إلا وقرأه من جلدته إلى جلدته.
هـ- ووجدت فيه خصلة، أنه لا يمكن أن يتكلم في شيء يجهله، ولو كان من أوضح الواضحات، وكان يستشهد بقول الله تعالى: ((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)) [ص:٨٦] ، وإذا أعطاك المسالة يعطيك إياها عن تحرير، وهذا من أجلِّ نعم الله على طالب العلم: أن يرزقه الله عدم تكلف شيء لا يعرفه، وهو دليل على أمانته ووقوفه عند حدود الله.
стр. 137
و ومن الخصال التي كان يتحلى بها: عدم مبالاته بالدنيا أقبلت أو أدبرت. أذكر ذات مرة أنه حفر بئراً كلفه ما لا يقل عن مائتين وخمسين ألف ريال، ولم يشأ الله أن يخرج منها ماء، فجاء الذي حفره وقال: يا شيخ.. هذا يحتمل أن يسدّ شيئاً من المجاري، ويمكن مستقبلاً، أن يتحسن الوضع - يخفف الصدمة على الوالد-، فقال: يا بني.. والله لو تذهب هذه المزرعة كلها فإني راضٍ عن الله.
ز- وقلّ أن يُسأل شيئاً إلا أعطاه. دخلتُ عليه ذات يوم فوجدته يبكي، فلما رآني قلب وجهه إلى جهة الفراش ثانية ومسح الدموع، ثم جلس كأن لم يكن به شيء، فلما استقرّ بي المجلس وحييته بما يليق، سأتله لمعرفة ما الذي يبكيه -وكنت جريئاً عليه نوعاً ما-، وخشيت أن يكون جاءه ما يسوء، فما زلت به وهو يريد أن يصرفني، فقلت: يا شيخ.. رأيتك تبكي! فقال: يا بنيّ.. وما لي لا ابكي وأيتام فلان توفي أبوهم وليس عندي ما أرسله لهم!!. والله ما كفّ بكاءه حتى يسر الله ما يسر، وإذا به كأنني جئت بالحاجة إليه.
وكان يعوّدنا الرحمة والرأفة بالمساكين، وهي خصلة عجيبة فيه، حتى كان يقول لي: إذا مررتَ بامرأة تسأل، لا تجاوزها حتى تعطيها، ولو تعطيها غترتك التي على راسك، كأني أتعجب من هذا الكلام.
فقال: لأنك تعرف المرأة إذا احتاجت قد تقع في الزنا، وهي عورة من عورات المسلمين، فلا يليق بك أن تمرّ بها إلا وقد كفيتها ولو كانت كاذبة.
وكان راتبه أكثر من سبعة آلاف في ذلك الزمان، ما يأتي منتصف الشهر إلا ويقترض -رحمة الله عليه-، فنفعه الله بهذه الصفة كثيراً، ولذلك إذا أراد الله أن يفرغ طالب العلم للعلم، نزع من قلبه حبّ الدنيا. ويعلم الله كم من بيوت لمّا توفي، فقدتْ عطفه وحنانه.
الموقف الأخير أذكره - ولعله يكون سبباً للترحم عليه- أنه قبل أن يتوفى بقرابة ثلث ساعة، والله العظيم لا أذكر أنني رأيته أشرق وجهاً ولا أبهج نفساً منه من تلك الساعة -رحمة الله عليه-.
هذه بعض المواقف التي تحضرني، واسأل الله العظيم أن يجمعنا في مستقر رحمته.
стр. 138
السؤال الثاني عشر
هل هناك نظم في الفقه تنصحون به (١) [١٥٩] ) ؟
الجواب:
حفظ المتون في خير، ومن حفظ المتون حاز الفنون، لكن لا أرى أن يزاحم الطالب ذاكرته في بداية الطلب بحفظ المتون في الفقه، بل يبدأ بحفظ القرآن، ثم أحاديث الأحكام، بحفظ عمدة الأحكام، ثم بلوغ المرام، ثم له بعد ذلك أن يحفظ ما شاء من المتون الفقهية.
ومن ابتدأ بفقهه بحفظ نصوص الكتاب والسنة بارك الله له في فقهه، ولقي الله بدليل وحجة، وهذا شيء مجرّب، كم من طلاب علم يحفظون نصوص العلماء وخلافهم وأقوالهم في المذهب وغيره، ويحسنون الصدر والورد، وإذا أقمته أمام الدليل لا يحسن فهمه ولا الاستنباط منه، وهذا -لاشك- إغراق في حفظ المتون الفقهية دون وعي وفهم لأصولها. والفقه في الحقيقة يقوم على الفهم عن الله ورسوله ﷺ ، وهذا الذي عناه النبي ﷺ بقوله: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (٢) [١٦٠] ) .
فمن وفقه الله لمعرفة النصوص النازلة كتاباً وسنة واجتهاداً صحيحاً مبنياً على نظر صحيح، وأحسنَ فهمها وفهم قواعدها، وأصول الشرع التي بنيت عليه الأحكام، لا شك أنه قد أصاب الفقه.
السؤال الثالث عشر
نريد من الشيخ نبذة عن كيفية طلبك للعلم؟
الجواب:
جزى الله من كتبه ورجى ثوابه، وأخشى أن أثبّط طلاب العلم، وتكونون كالمستجير من الرمضاء في النار.
والحديث عن النفس محرج، لكن على العموم نذكر بعض الشيء، وأسأل الله العظيم ألا يؤاخذني في الآخرة على ملء مادة من الشريط بمثل هذه الأخبار، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 139
أما عن طلبي للعلم، فأسأل الله أن يجزي الوالد عني كل خير، وأحمد الله ﵎ أن هيأه لي وسخره لي، وما كان العبد ليصيب ذلك لولا فضل الله. كان ﵀ حريصاً إلى أخذنا إلى مجالسه في الحرم، وحضور درسه في البيت، وكان يأخذني منذ الصغر معه لدرسه بالحرم، حتى أنني ربما أنام -من صغري- في حجره في الدرس؛ لأنه كان يدرّس بعد الفروض كلها، إلا العصر أحياناً يكون عنده درس في البيت، فلما بلغت الخامسة عشرة، أمرني أن أجلس بين يديه وأن اقرأ عليه دروس الحرم، فابتدأت معه في سنن الترمذي، وتعرفون بداية مثلي في جمع من الناس في مسجد النبي ﷺ ، ولكنه أراد أن يشحذ همتي، وكان يحسن الظن فيّ، أسأل الله العظيم ألا يخيّب ظنه فيّ.
فابتدأت بقراءة سنن الترمذي، ثم الموطأ، وختمته عليه، ثم سنن ابن ماجة، وتوفي ولم أكمله عليه، وأسال الله أن يكتب له أجر إكماله. هذا بالنسبة للدرس الأول بعد المغرب.
ثم يأتي طالب ويقرأ عليه درس في اللغة، ثم طالب يقرأ عليه درساً في الفقه، وكنت أحضر معه.
وبعد العشاء كنت أقرأ عليه صحيح مسلم، حتى ختمه، وابتدأ بالختمة الثانية، وتوفي في آخرها. ومن غريب ما يذكر: أنه توفي عند باب فضل الموت والدفن في المدينة.
وأذكر أنه في آخر هذا الدرس دعا، ولم تكن عادته الدعاء في هذا الموضع، وقد قرأت عليه هذا الحديث من البخاري ومسلم قرابة أربعة مرات، ما أذكر أنه دعا إلا في آخر مجلس من حياته، وكان صحيحاً ليس به بأس، فبعد أن ذكر الفضل في الموت في المدينة وأقوال الصحابة، قال: وأسأل الله ألا يحرمنا ذلك، فأمّن الحاضرون، وكان تأمينهم ملفت للنظر كتأمين المصلين في الحرم في الصلاة من كثرتهم.
ثم في الفجر كان يقرأ التفسير حتى تطلع الشمس، وأما بعد صلاة الظهر فكنت أقرأ عليه صحيح البخاري حتى ختمته، ثم ابتدأتُ قراءة ثانية، وتوفي ولم أكملها عليه.
стр. 140
وأما بالنسبة لقراءتي الخاصة عليه، فقرأت عليه في الفقه متن الرسالة حتى أكملته. وشيئاً كثيراً من مسائل كتاب بداية المجتهد، وكنت أحررها، وكان ﵀ واسع الباع في علم الخلاف، إلا أنه من ورعه كان لا يرجح.
وأما بالنسبة لعلم الأصول فقرأت عليه، لكنه كان ﵀ لا يحب كثرة الجدل والمنطق، التي يقوم عليها علم الأصول، فكان إذا دخلت معه في المنطق يقول: قم يطردني؛ لأنه كان يرى تحريمه، وهو قول لبعض العلماء.
وإن كان اختيار بعض المحققين -ومنهم شيخ الإسلام- التفصيل كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله:
وابن الصلاح والنّواوي حَرّما ... وقال قومٌ ينبغي أن يُعْلَما
والقولة المشهورة الصحيحة ... جوازه لكامل القريحة
ممارسِ السنة والكتاب ... ليهتدي بها إلى الصواب
المقصود: أن أُدلل على أني ما أستوعب معه جانب الأصول من ناحية المنطق والخلافات، وأتممته على بعض المشايخ الذين كان لهم باع فيه، وأسأل الله أن يكون فيها تعويض لما لم أقرأه على الوالد.
أما المصطلح، فقرأت عليه بعض المنظومات، منها البيقونية والطلعة (١) [١٦١] ) ، وقرأت عليه في تدريب الراوي.
والسيرة كان له درس في رمضان يقرأ فيه البداية والنهاية، وكان في التاريخ شيء عجيب، حتى إن الشيخ محمد العثيمين يقول لي: كان والدك يحفظ البداية والنهاية.
стр. 141
وكان له باع في علم الأنساب، والحقيقة أنني قصّرت فيه ولم آخذ عنه، ويعلم الله: ما كان يمنعني منه إلا خشية أن الإنسان يأتي ويقول: هذه القبيلة تنتمي إلى كذا، فيتحمل أوزار أنساب أمم هو في عافية منه، لكن الحمد لله، في الفقه والحديث والعلوم التي أخذتها عليه غناء عن غيرها.
السؤال الرابع عشر
هناك بعض الشباب الملتزمين يرفضون الأذان والإقامة بقصد الخوف من الرياء، والتواضع، وأنه ليس أهلاً لذلك، مع العلم أنهم لو رفضوا لأخذ مكانهم الجهلة، فما نصيحتكم لهؤلاء (١) [١٦٢] ) ؟
الجواب:
الإمامة شعيرة من شعائر الإسلام، يقوم بها العلماء الأعلام، وأشباههم من طلاب العلم الكرام، وكم يُحيى من سنن المرسلين إذا تقلدها الأخيار، وكم يُحيى من بدع المضلين، ويمات من سنن المرسلين إذا تقلدها الفجار الأشرار. ينبغي على طالبٍ إذا كان في حيّ لا يوجد فيه غيره وتعينت عليه، أن يتولاها، ويأثم إذا تقاعس لدرجة يليها من هو أجهل منه، ممن قد يعَرّض صلاة الناس إلى الخلل، أو يكون في تقدمه ضرر على الناس في دينهم أو عقائدهم.
وأما إذا وجد في حيّ فيه من يتولاها غيره، وامتنع على سبيل التورع أو التفرغ لطلب العلم فلا حرج عليه، خاصةً إذا غلب على ظنه أن الإمامة تشغله عن إتقان العلم؛ لأن التفرغ مقدم على بعض الأحوال في بداية الطلب.
والأفضل أن يجمع طالب العلم بين الطلب والإمامة، كي تعينه على تبليغ رسالة الله، ولا ينبغي لمن فتح الله له باب دعوة في الخطابة أو الإمامة أن يتقاعس.
стр. 142
وينبغي لطالب العلم إذا تقدم للإمامة أن يحفظ مسائل الإمامة وأحكامها، ويتصل بالعلماء ويستشيرهم عن هدي النبي ﷺ في صلاته، ويجعل لأهل الحيّ درساً أسبوعياً في مسجده، ويفتح للناس قلبه، ويسمع مشاكلهم، فإن الإمامة بمثابة الأبوة للناس، وإمام الحي لا يكون إماماً بمعنى الكلمة، إلا إذا جمع بين رضاء الله ورضاء الناس، وذلك بالتودد لهم والتلطف لهم في حدود الشرع.
الخاتمة (١) [١٦٣] )
فيا شباب الإسلام..
ويا طلاب العلم..
ويا ورثة الأئمة الأعلام..
إن ثغور الإسلام باكية..
إن منابر الإسلام شاكية..
إن ثغور الإسلام تنتظركم..
إن ثغور الإسلام تنتظر من طلاب العلم أن يسدوها، وأن يحموا حماها، وأن يغاروا لله وفي دين الله على ما فيها..
يا طلاب العلم.. مَن للحكمة والسنة والقرآن؟..
من للعقيدة والإيمان؟..
مَن يحمي حمَى (طاعة) الله المجيد؟..
مَن يبصر القلوب بالله؟..
إن وراءكم قلوباً تشتاق إلى لقياكم..
إن وراءكم أمماً تتعطش إلى الجلوس معكم..
إن وراءكم أمماً تنتظر منكم كلمة تدل على الله..
تنتظر منكم موعظة تذكر بالله..
إن وراءكم قلوب ضلّت عن السبيل، تنتظر منكم الهداية والسبيل..
إن وراءكم أمماً هي الخصوم لكم بين يدي الله..
والله، ما من ضال عن سبيل الله، إلا وهو خصم للعالم وطالب العلم بين يدي الله، فالله الله فيما حُمّلتم من دين الله، ما أعظم الأمانة التي حُمّلتموها والمسئولية التي تقلدتموها، فاتقوا الله في أبناء المسلمين، اتقوا الله في هذا الدين، ضاعت ثغور الإسلام، جفّت المحابر، وبكت المنابر، فمن لها إن لم تكونوا لها يا شباب الأمة، ويا ورثة العلماء والأئمة، اتقوا الله في هذه الرسالة، المسئولية بين يدي الله عن ذلك عظيمة.
стр. 143
لذلك: فإن كل طالب علم دخل إلى جامعة، أو جلس في حلقة، أو لازم شيخاً، فليعلم أنه بمجرد دخوله، وبمجرد ملازمته، قد وضعَ قدمه على عتبة المسئولية بين يدي الله ، وأنه سيحمل على ظهره أمانة يوقف فيها بين يدي الله، إما أن تشقيه وإما أن تسعده وترضيه.
فاعلموا -إخواني- أن التخصص في العلم الشرعي، وحمل هذه الحِكَم من الكتاب والسنة ما هي إلا حجج تكون للإنسان أو على الإنسان.
جاء بعض السلف إلى أمّ المؤمنين عائشة ﵂ وكان يسألها المسائل، فقالت له يوماً من الأيام: أي بنيّ.. أكُلَّ ما علمتَه عملتَ به؟ فقال: يا أماه.. إني مقصّر -وجلس يشتكي من تقصيره- فقالت له: يا بنيّ.. لِمَ تستكثر من حجج الله عليك (١) [١٦٤] ) .
فينبغي لنا أن نستشعر أن هذا العلم الذي نتعلمه حجج علينا، وأن وراءنا أمماً تنتظر هذا الوحي بفارغ الصبر، وراءك أهلك، وراءك حيك وأهل بلدتك وعشيرتك، ينتظرون هذا العلم الذي تتعلمه، فاتق الله فيما تعلمت، وكن غيوراً على هذا الدين، وبث الحِكم من كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
احتسبوا -إخواني- الأجر عند الله، واعلموا أن هذا العلم لا يراد به الدنيا، وإنما يراد به ما عند الله. قال ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة) (٢) [١٦٥] ) .
فطلاب العلم هم أشبه الناس بالعلماء، وأعرفهم بالفضل وسبيل الأدب مع الله وخَلقه. لهم الأخلاق السامية، والآداب العالية، يغزون القلوب بأخلاقهم وأدبهم، قبل أن يغزوا العقول بأفهامهم ودعوتهم (٣) [١٦٦] ) .
стр. 144
اللهم إنا نسألك الإخلاص في العلم والعمل، ونسألك بعزّتك وجلالك أن تجعل هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلّم على نبيه وآله وصحبه أجمعين (١) [١٦٧] ) .
أحد طلاب العلم
المدينة المنورة (٢٦/٨/١٤١٦هـ)
فهرس الموضوعات
الإهداء ... ٢
مقدمة ... ٣
تمهيد في شرف العلم ومكانة العلماء ... ٧
الفصل الأول معالم في الأدب مع العلماء ... ١١
أولاً: الأدب لأموات العلماء ﵏: ... ١٥
المَعْلَمْ الأول: ذكرهم بالجميل: ... ١٥
المَعْلَمْ الثاني: ذكرهم بالإجلال والإعظام: ... ١٧
المَعْلَمْ الثالث: أن يعتني بردّ الجميل لهم: ... ١٧
المَعْلَمْ الرابع: نشر فضلهم بين الأحياء، والاعتذار لهم في الأخطاء: ... ١٨
ثانياً: الأدب مع الأحياء من العلماء: ... ١٩
стр. 145
المَعْلَمْ الأول: التبكير لمجلس العلم: ... ٢١
المَعْلَمْ الثاني: الدنو والقرب من العلماء، والجلوس جلسة الموقر لمجلس العلم المتلهف عليه: ... ٢١
المَعْلَمْ الثالث: الإنصات: ... ٢٢
المَعْلَمْ الرابع: التأدب معهم في الخطاب والسؤال: ... ٢٣
المَعْلَمْ الخامس: تحضير الدروس: ... ٢٥
المَعْلَمْ السادس: التواضع للحق: ... ٢٥
الفصل الثاني معالم في آداب طالب العالم في نفسه ... ٢٨
المَعْلَمْ الأول: تقوى الله: ... ٢٩
المَعْلَمْ الثاني: الإخلاص لله: ... ٣٠
المَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته: ... ٣٢
المَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشقة في الطلب: ... ٣٣
المَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه: ... ٣٥
المَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب: ... ٣٧
المَعْلَمْ السابع: الوصية بالرفقة: ... ٣٨
المَعْلَمْ الثامن: الأدب وحسن الخلق: ... ٤٢
المَعْلَمْ التاسع: أخذ العلم عن أهله: ... ٤٦
المعْلَمْ العاشر: الاهتداء بالكتاب والسنة: ... ٤٩
المَعْلَمْ الحادي عشر: العمل بالعلم: ... ٥٠
الفصل الثالث معالم في آداب طالب العلم في درسه ... ٥٣
المَعْلَمْ الأول: أخذ العلم فنّاً فنّاً: ... ٥٤
المَعْلَمْ الثاني: الاجتهاد في ضبط العلم: ... ٥٤
المَعْلَمْ الثالث: عدم الاستعجال في النزول للساحة: ... ٥٥
المَعْلَمْ الرابع: مذاكرة العلم: ... ٥٦
الفصل الرابع معالم في بعض أحكام الفتوى ... ٥٨
تمهيد ... ٥٩
المَعْلَمَ الأول: إخلاص النية لله: ... ٦١
المَعْلَمَ الثاني: البصيرة في العلم: ... ٦٢
المَعْلَمَ الثالث: الورع: ... ٦٢
المَعْلَمَ الرابع: معرفة المصالح والمفاسد المترتبة على الفتوى: ... ٦٣
المَعْلَمَ الخامس: تحصيل الخشية من الله : ... ٦٤
المَعْلَمَ السادس: التأني في فهم السؤال وتصوره: ... ٦٤
المَعْلَمَ السابع: معرفة حال المستفتي: ... ٦٧
الفصل الخامس إجابات مُهِمّة عن أسئلة مُلِمّة ... ٦٨
السؤال الأول: ... ٦٨