وكان له باع في علم الأنساب، والحقيقة أنني قصّرت فيه ولم آخذ عنه، ويعلم الله: ما كان يمنعني منه إلا خشية أن الإنسان يأتي ويقول: هذه القبيلة تنتمي إلى كذا، فيتحمل أوزار أنساب أمم هو في عافية منه، لكن الحمد لله، في الفقه والحديث والعلوم التي أخذتها عليه غناء عن غيرها.
السؤال الرابع عشر
هناك بعض الشباب الملتزمين يرفضون الأذان والإقامة بقصد الخوف من الرياء، والتواضع، وأنه ليس أهلاً لذلك، مع العلم أنهم لو رفضوا لأخذ مكانهم الجهلة، فما نصيحتكم لهؤلاء (١) [١٦٢] ) ؟
الجواب:
الإمامة شعيرة من شعائر الإسلام، يقوم بها العلماء الأعلام، وأشباههم من طلاب العلم الكرام، وكم يُحيى من سنن المرسلين إذا تقلدها الأخيار، وكم يُحيى من بدع المضلين، ويمات من سنن المرسلين إذا تقلدها الفجار الأشرار. ينبغي على طالبٍ إذا كان في حيّ لا يوجد فيه غيره وتعينت عليه، أن يتولاها، ويأثم إذا تقاعس لدرجة يليها من هو أجهل منه، ممن قد يعَرّض صلاة الناس إلى الخلل، أو يكون في تقدمه ضرر على الناس في دينهم أو عقائدهم.
وأما إذا وجد في حيّ فيه من يتولاها غيره، وامتنع على سبيل التورع أو التفرغ لطلب العلم فلا حرج عليه، خاصةً إذا غلب على ظنه أن الإمامة تشغله عن إتقان العلم؛ لأن التفرغ مقدم على بعض الأحوال في بداية الطلب.
والأفضل أن يجمع طالب العلم بين الطلب والإمامة، كي تعينه على تبليغ رسالة الله، ولا ينبغي لمن فتح الله له باب دعوة في الخطابة أو الإمامة أن يتقاعس.
стр. 142
وينبغي لطالب العلم إذا تقدم للإمامة أن يحفظ مسائل الإمامة وأحكامها، ويتصل بالعلماء ويستشيرهم عن هدي النبي ﷺ في صلاته، ويجعل لأهل الحيّ درساً أسبوعياً في مسجده، ويفتح للناس قلبه، ويسمع مشاكلهم، فإن الإمامة بمثابة الأبوة للناس، وإمام الحي لا يكون إماماً بمعنى الكلمة، إلا إذا جمع بين رضاء الله ورضاء الناس، وذلك بالتودد لهم والتلطف لهم في حدود الشرع.
الخاتمة (١) [١٦٣] )
فيا شباب الإسلام..
ويا طلاب العلم..
ويا ورثة الأئمة الأعلام..
إن ثغور الإسلام باكية..
إن منابر الإسلام شاكية..
إن ثغور الإسلام تنتظركم..
إن ثغور الإسلام تنتظر من طلاب العلم أن يسدوها، وأن يحموا حماها، وأن يغاروا لله وفي دين الله على ما فيها..
يا طلاب العلم.. مَن للحكمة والسنة والقرآن؟..
من للعقيدة والإيمان؟..
مَن يحمي حمَى (طاعة) الله المجيد؟..
مَن يبصر القلوب بالله؟..
إن وراءكم قلوباً تشتاق إلى لقياكم..
إن وراءكم أمماً تتعطش إلى الجلوس معكم..
إن وراءكم أمماً تنتظر منكم كلمة تدل على الله..
تنتظر منكم موعظة تذكر بالله..
إن وراءكم قلوب ضلّت عن السبيل، تنتظر منكم الهداية والسبيل..
إن وراءكم أمماً هي الخصوم لكم بين يدي الله..
والله، ما من ضال عن سبيل الله، إلا وهو خصم للعالم وطالب العلم بين يدي الله، فالله الله فيما حُمّلتم من دين الله، ما أعظم الأمانة التي حُمّلتموها والمسئولية التي تقلدتموها، فاتقوا الله في أبناء المسلمين، اتقوا الله في هذا الدين، ضاعت ثغور الإسلام، جفّت المحابر، وبكت المنابر، فمن لها إن لم تكونوا لها يا شباب الأمة، ويا ورثة العلماء والأئمة، اتقوا الله في هذه الرسالة، المسئولية بين يدي الله عن ذلك عظيمة.
стр. 143
لذلك: فإن كل طالب علم دخل إلى جامعة، أو جلس في حلقة، أو لازم شيخاً، فليعلم أنه بمجرد دخوله، وبمجرد ملازمته، قد وضعَ قدمه على عتبة المسئولية بين يدي الله ، وأنه سيحمل على ظهره أمانة يوقف فيها بين يدي الله، إما أن تشقيه وإما أن تسعده وترضيه.
فاعلموا -إخواني- أن التخصص في العلم الشرعي، وحمل هذه الحِكَم من الكتاب والسنة ما هي إلا حجج تكون للإنسان أو على الإنسان.
جاء بعض السلف إلى أمّ المؤمنين عائشة ﵂ وكان يسألها المسائل، فقالت له يوماً من الأيام: أي بنيّ.. أكُلَّ ما علمتَه عملتَ به؟ فقال: يا أماه.. إني مقصّر -وجلس يشتكي من تقصيره- فقالت له: يا بنيّ.. لِمَ تستكثر من حجج الله عليك (١) [١٦٤] ) .
فينبغي لنا أن نستشعر أن هذا العلم الذي نتعلمه حجج علينا، وأن وراءنا أمماً تنتظر هذا الوحي بفارغ الصبر، وراءك أهلك، وراءك حيك وأهل بلدتك وعشيرتك، ينتظرون هذا العلم الذي تتعلمه، فاتق الله فيما تعلمت، وكن غيوراً على هذا الدين، وبث الحِكم من كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
احتسبوا -إخواني- الأجر عند الله، واعلموا أن هذا العلم لا يراد به الدنيا، وإنما يراد به ما عند الله. قال ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة) (٢) [١٦٥] ) .
فطلاب العلم هم أشبه الناس بالعلماء، وأعرفهم بالفضل وسبيل الأدب مع الله وخَلقه. لهم الأخلاق السامية، والآداب العالية، يغزون القلوب بأخلاقهم وأدبهم، قبل أن يغزوا العقول بأفهامهم ودعوتهم (٣) [١٦٦] ) .
стр. 144
اللهم إنا نسألك الإخلاص في العلم والعمل، ونسألك بعزّتك وجلالك أن تجعل هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلّم على نبيه وآله وصحبه أجمعين (١) [١٦٧] ) .
أحد طلاب العلم
المدينة المنورة (٢٦/٨/١٤١٦هـ)
فهرس الموضوعات
الإهداء ... ٢
مقدمة ... ٣
تمهيد في شرف العلم ومكانة العلماء ... ٧
الفصل الأول معالم في الأدب مع العلماء ... ١١
أولاً: الأدب لأموات العلماء ﵏: ... ١٥
المَعْلَمْ الأول: ذكرهم بالجميل: ... ١٥
المَعْلَمْ الثاني: ذكرهم بالإجلال والإعظام: ... ١٧
المَعْلَمْ الثالث: أن يعتني بردّ الجميل لهم: ... ١٧
المَعْلَمْ الرابع: نشر فضلهم بين الأحياء، والاعتذار لهم في الأخطاء: ... ١٨
ثانياً: الأدب مع الأحياء من العلماء: ... ١٩
стр. 145
المَعْلَمْ الأول: التبكير لمجلس العلم: ... ٢١
المَعْلَمْ الثاني: الدنو والقرب من العلماء، والجلوس جلسة الموقر لمجلس العلم المتلهف عليه: ... ٢١
المَعْلَمْ الثالث: الإنصات: ... ٢٢
المَعْلَمْ الرابع: التأدب معهم في الخطاب والسؤال: ... ٢٣
المَعْلَمْ الخامس: تحضير الدروس: ... ٢٥
المَعْلَمْ السادس: التواضع للحق: ... ٢٥
الفصل الثاني معالم في آداب طالب العالم في نفسه ... ٢٨
المَعْلَمْ الأول: تقوى الله: ... ٢٩
المَعْلَمْ الثاني: الإخلاص لله: ... ٣٠
المَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته: ... ٣٢
المَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشقة في الطلب: ... ٣٣
المَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه: ... ٣٥
المَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب: ... ٣٧
المَعْلَمْ السابع: الوصية بالرفقة: ... ٣٨
المَعْلَمْ الثامن: الأدب وحسن الخلق: ... ٤٢
المَعْلَمْ التاسع: أخذ العلم عن أهله: ... ٤٦
المعْلَمْ العاشر: الاهتداء بالكتاب والسنة: ... ٤٩
المَعْلَمْ الحادي عشر: العمل بالعلم: ... ٥٠
الفصل الثالث معالم في آداب طالب العلم في درسه ... ٥٣
المَعْلَمْ الأول: أخذ العلم فنّاً فنّاً: ... ٥٤
المَعْلَمْ الثاني: الاجتهاد في ضبط العلم: ... ٥٤
المَعْلَمْ الثالث: عدم الاستعجال في النزول للساحة: ... ٥٥
المَعْلَمْ الرابع: مذاكرة العلم: ... ٥٦
الفصل الرابع معالم في بعض أحكام الفتوى ... ٥٨
تمهيد ... ٥٩
المَعْلَمَ الأول: إخلاص النية لله: ... ٦١
المَعْلَمَ الثاني: البصيرة في العلم: ... ٦٢
المَعْلَمَ الثالث: الورع: ... ٦٢
المَعْلَمَ الرابع: معرفة المصالح والمفاسد المترتبة على الفتوى: ... ٦٣
المَعْلَمَ الخامس: تحصيل الخشية من الله : ... ٦٤
المَعْلَمَ السادس: التأني في فهم السؤال وتصوره: ... ٦٤
المَعْلَمَ السابع: معرفة حال المستفتي: ... ٦٧
الفصل الخامس إجابات مُهِمّة عن أسئلة مُلِمّة ... ٦٨
السؤال الأول: ... ٦٨