← Книги сунны

Книги сунны · id 3939

عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها

عبد المحسن العباد

Полный текст (308 стр.). Показаны 281–308 · переход к 286.

стр. 281

المبحث الرابع: شرح الحديث . ١- قوله "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" خيركم: أفعل تفضيل حذفت الهمزة من أوله وقد تقدم في الحديث الحادي عشر أنها تأتى اسما في مقابل الشر ومنه قوله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، وترد أفعل تفضيل! ومنه قول السائل في الحديث الحادي عشر: أي الإسلام خير؟ ومثله قوله هنا: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. ٢- قوله: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. قال المناوي في فيض القدير: أي خير المتعلمين والمعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القرآن إذ خير الكلام كلام الله فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به. وقال القاري في المرقاة كما نقله المباركفوري في تحفة الأحوذي: ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما لأن العلم إذا لم يكن مورثا للعمل ليس علما في الشريعة إذ أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: لا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدى ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من غنى بقوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ

стр. 282

قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهو والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهو أشرف الجميع وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ فان قيل: فيلزم على هذا أن يكون المقريء أفضل من الفقيه؟ قلنا: لا، لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس لأنهم كانوا أهل اللسان فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر مما يدرى من بعدهم بالاكتساب، فكان الفقه لهم سجية، فمن كان في مثل شأنهم شاركهم في ذلك، لا من كان قارئا أو مقرئا محضاً لا يفهم شيئا من معاني ما يقرؤه أو يقرئه، فان قيل فيلزم أن يكون المقري أفضل ممن هو أعظم غناء في الإسلام بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا؟ قلنا: حرف المسألة يدور على النفع المتعدى فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل فلعل "من " مضمرة في الخبر، ولابد مع ذلك من مراعاة الإخلاص في كل صنف منهم، ويحتمل أن تكون الخيرية وإن أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك كان اللائق بحالهم ذلك، أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من يقتصر علي نفسه، أو المراد مراعاة الحيثية لأن القرآن خير الكلام فمتعلمه خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن، وكيفما كان فهو مخصوص بمن علم وتعلم بحيث يكون قد علم ما يجب عليه عينا انتهى. ٣- قوله قال: "وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج" أي حتى ولى الحجاج عل العراق، قال الحافظ ابن حجر: بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج للعراق ثمان وثلاثون سنة ولم أقف علي تعيين ابتداء إقراء أبى عبد الرحمن وآخره فالله أعلم بمقدار ذلك، ويعرف من الذي ذكرته أقصى المدة وأدناها، والقائل: وأقرأ أبو عبد الرحمن هو سعد بن عبيدة فانني لم أر هذه الزيادة إلا هن رواية شعبة عن علقمة انتهى. ٤- قوله قال: "وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا"القائل هو أبو

стр. 283

عبد الرحمن السلمي، والمعنى أن الحديث الذي حدث به عثمان في أفضلية من تعلم القرآن وعلمه حمل أبا عبد الرحمن أن قعد يعلم الناس القرآن لتحصيل تلك الفضيلة، قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري. ٥- من فقه الحديث: وما يستنبط منه: ١- الحث على تعلم القرآن وتعليمه. ٢- بيان فضل من تعلم القرآن وعلمه. ٣- تنبيه العالم إلى نفع غيره بما علمه. ٤- بيان ما كان عليه سلف هذه الأمة من إتباع سنة الرسول ﷺ والعمل بالعلم إذ أن أبا عبد الرحمن جلس لإقراء القرآن عملا بهذا الحديث الذي بلغه عن رسول الله ﷺ . وقبله أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ راوي هذا الحديث عن رسول الله ﷺ فان من أعظم مناقبه جمع القرآن ليتيسر للناس قراءته وإقراؤه، وكان تاليا لكتاب الله حتى في آخر لحظاته ﵁، فان الأوباش الذين قتلوه قتلوه وهو يتلو القرآن، وذكر أنه كان عند قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ كما في الأثر الذي أورده ابن كثير في تفسيره لهذه الآية من سورة البقرة.

стр. 284

الحديث التاسع عشر: قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب التفسير من صحيحه: حدثنا ادع حدثنا شعبة عن الأعمش قال سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن أبى عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ قال: كان النبي ﷺ في جنازة فأخذ شيئا فجعل ينكت به الأرض فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة"، قالوا يا رسول الله: أفلا نتكل علي كتابنا وندع العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة "، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآية.

стр. 285

المبحث الأول: التخريج . أورد البخاري ﵀ هذا الحديث في عشرة مواضع من صحيحه ستة منها تفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ هذا أحدها، والثاني: رواه عن شيخه أبى نعيم عن سفيان عن الأعمش عن سعد بن عبيدة، والثالث: رواه عن شيخه مسدد عن عبد الواحد عن الأعمش عن سعد بن عبيدة، والرابع: عن شيخه بشر بن خالد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سعد بن عبيدة، والخامس: عن شيخه يحي عن وكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة، والسادس: عن شيخه عثمان بن أبى شيبة عن جرير عن منصور عن سعد بن عبيدة، والسابع: في كتاب الجنائز باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله رواه عن شيخه عثمان بن أبى شيبة بمثل إسناده ومتنه في كتاب التفسير، والثامن: في كتاب الأدب باب الرجل ينكت الشيء بيده في

стр. 286

الأرض، رواه عن شيخه محمد بن بشار عن ابن أبى عدى عن شعبة عن سليمان وهو الأعمش ومنصور عن سعد بن عبيدة، والتاسع: في كتاب القدر باب وكان أمر الله قدرا مقدورا، رواه عن شيخه عبدان عن أبى حمزة عن الأعمش عن سعد بن عبيدة، العاشر: في كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ وسنده: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن منصور والأعمش سمعا سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن على ﵁ عن النبي ﷺ ، وكل هذه الأسانيد العشرة تنتهي إلى سعد بن عبيدة، والمتن في بعضها مختصر، وفي البعض الآخر مطول، ورواية آدم عن شعبة المثبتة هنا من أتمها سياقا. ورواه مسلم في كتاب القدر من صحيحه عن شيوخه عثمان بن أبى شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم عن جرير عن منصور عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن على ومتنه قريب من متن رواية عثمان بن أبى شيبة عند البخاري في الجنائز والتفسير، ورواه عن شيخه أبى بكر بن أبى شيبة وهناد بن السري عن أبى الأحوص عن منصور بمثل إسناد الذي قبله وبنحو متنه، ورواه عن أبى بكر بن أبى شيبة وزهير بن حرب وأبى سعيد الأشج عن وكيع، وعن شيخه ابن نمير عن أبيه عن الأعمش، وعن شيخه أبى كريب عن أبى معاوية عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمي عن على، ومتنه أخصر من رواية عثمان بن أبى شيبة، ورواه بإسناد آخر بنحو الذي قبله فقال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور والأعمش أنهما سمعا سعد بن عبيدة يحدثه عن أبى عبد الرحمن السلمي عن على عن النبي ﷺ بنحوه. ورواه أبو داود في سننه في كتاب السنة باب في القدر فقال: حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا المعتمر قال سمعت منصور بن المعتمر مجدت عن سعد بن عبيدة عن عبد الله بن حبيب أبى عبد الرحمن السلمي عن على ﵇ قال: كنا في جنازة فيها رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ فجلس

стр. 287

ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من النار أومن الجنة، إلا قد كتبت شقية أو سعيدة"، قال فقال رجل من القوم: يا نبي الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقوة ليكونن إلى الشقوة، قال: "اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون للسعادة، وأما أهل الشقوة فييسرون للشقوة"، ثم قال نبي الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ . ورواه الترمذي في جامعه في تفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدى عن زائدة بن قدامة عن منصور بن المعتمر عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمي عن على ﵁ بنحو ما تقدم عند أبى داود وقال: هذا حديت حسن صحيح، ورواه في أبواب القدر عن الحسن بن على الحلواني عن عبد الله بن نمير ووكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمي عن على ﵁، ومتنه أخمر من الذي قبله، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في أوائل سننه فقال: حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا وكيع ح وحدثنا على بن محمد حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمي عن على قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ وبيده عود فنكت في الأرض، ثم رفع رأسه، فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار"، قيل يا رسول الله أفلا نتكل، قال. "لا، اعملوا ولا تتكلوا، فكل ميسر لما خلق له"، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ . ورواه الإمام أحمد في المسند.

стр. 288

المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد . الأول: شيخ البخاري آدم وهو ابن أبى إياس العسقلاني تقدم في رجال إسناد الحديث العاشر. الثاني: شعبة وهو ابن الحجاج بن الورد البصري تقدم في رجال إسناد الحديث العاشر أيضا. الثالث: الأعمش وهو سليمان بن مهران الكوفي تقدم في إسناد الحديث الثامن. الرابع والخامس: سعد بن عبيدة وشيخه أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي تقدما في رجال إسناد الحديث الثامن عشر. السادس: صحابي الحديث أمير المؤمنين وابن عم سيد الأولين والآخرين ورابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة الذين جعل عمر بن الخطاب ﵁ الأمر إليهم شورى من بعده أبو الحسن على بن أبى طالب ﵁. قال الحافظ في التقريب: على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته، من السابقين الأولين، المرجح أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة، مات في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بنى آدم بالأرض بإجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون سنة على الأرجح، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة. وقال الخزرجى في الخلاصة: على بن أبى طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو الحسن بن عم النبي ﷺ وختنه على بنته، أمير المؤمنين يكنى أبا تراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشميا له خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا اتفقا على عشرين وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر، شهد بدرا والمشاهد كلها، روى عنه أولاده الحسن والحسين ومحمد وفاطمة وعمر وابن عباس

стр. 289

والأحنف وأمم، قال أبو جعفر: كان شديدة الأدمة ربعة إلى القمر، وهو أول من أسلم من الصبيان جمعا بين الأقوال، قال له النبي ﷺ : " أنت منى بمنزلة هارون من موسى"، وفضائله كثيرة، استشهد ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت أو خلت من رمضان سنة أربعين، وهو حينئذ أفضل من على وجه الأرض، وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري تسعة وعشرين حديثا وقال ابن حجر في الإصابة: أبو الحسن أول الناس إسلاما في قول كثير من أهل العلم، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فربى في حجر النبي ﷺ ، ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك فقال له بسبب تأخيره بالمدينة: "ألا ترضي أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى"؟ وزوجه بنته فاطمة، وكان اللواء بيده في أكبر المشاهد، ولما آخى النبي ﷺ بين أصحابه قال له: أنت أخي، ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلى، وتتبع النسائي ما خص به من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئا كثيرا بأسانيد أكثرها جياد، وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ: أبو الحسن االهاشمي قاضى الأئمة وفارس الإسلام وختن المصطفي ﷺ ، كان ممن سبق إلى الإسلام ولم يتلعثم، وجاهد في الله حق جهاده، ونهض بأعباء العلم والعمل، وشهد له النبي ﷺ بالجنة، وقال: "من كنت مولاه فعلى مولاه"، وقال له: "أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى"، وقال: "لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق"، ومناقب هذا الإمام جمة أفردتها في مجلد وسميته بفتح المطالب في مناقب على بن أبى طالب ﵁. وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: ومن خصائص على قوله ﷺ يوم خيبر: "لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فلما أصبح رسول الله ﷺ غدوا كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله ﷺ "" أين على بن أبى طالب؟ " فقالوا هو يشتكى عينيه، فأتى به فبصق في عينيه، فدعا له فبرأ، فأعطاه الراية" أخرجاه في الصحيحين من حديث سهل بن سعد انتهى. وقد روى هذا الحديث غير سهل أكثر من اثني عشر صحابيا ذكرهم في تهذيب التهذيب.

стр. 290

المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث . ١- رجال الإسناد الستة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ البخاري آدم بن أبى إياس فلم يخرج له مسلم وابن ماجه. ٢- رجال الإسناد كوفيون إلا شيخ البخاري فهو عسقلاني وشيخ شيخه فانه بصري. ٣- الأعمش من المعروفين بالتدليس كما تقدم التنويه بذلك، وقد صرح بالسماع في إسناد هذا الحديث فأمن احتمان تدليسه، وقد صرح بالسماع في رواية البخاري في كتاب التوحيد، وفي بعض الطرق عند مسلم كما تقدم في التخريج. ٤- هذا الحديث أورده البخاري عن شيخه عثمان بن أبى شيبة في كتاب الجنائز، ثم أعاده في تفسير والليل إذا يغشى بمثل إسناده وفتنه في الجنائز، فيكون هذا من المواضع النادرة في صحيح البخاري كما تقدم التنبيه على ذلك في لطائف إسناد الحديث التاسع والحديث السادس عشر. ٥- رجال هذا الإسناد تقدم ذكرهم في بعض الأحاديث المتقدمة إلا الصحابي أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ وتقدم بعض اللطائف المتعلقة بهم فأغنى عن إعادتها. ٦- ذكر الحافظ في مقدمة الفتح: أنه لم يقف على اسم صاحب الجنازة المذكور في الحديث، فهو من مبهمات المتن.

стр. 291

المبحث الرابع: شرح الحديث . ١- قوله "كان النبي ﷺ في جنازة فأخذ شيئا فجعل ينكت به الأرض" جاء في بعض الروايات كما تقدم في التخريج أن ذلك كان في بقيع الغرقد، وجاء في بعضها بيان ذلك الشيء الذي ينكت به الأرض وأنه عود، وفي

стр. 292

بعضها مخضرة وهي العصا سميت بذلك لأنها تحمل تحت الخصر غالباً للاتكاء عليها, ومعنى ينكت: يخط يسيرا مرة بعد مرة وذلك فعل المفكر المفهوم. ٢- قوله "قالوا يا رسول الله أفلا نتكل" ورد في بعض النصوص تعيين السائلين، ففي بعضها سراقة بن مالك بن جعشم، وفي بعضها شريح بن عامر الكلابي، وفي بعضها عمر رضي القه عنه، وفي بعضها أبو بكر ﵁ قال الحافظ ابن حجر بعد ذكرها: والجمع بينها تعدد السائلين عن ذلك. ٣- قوله: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال الحافظ ابن حجر: والفاء معقبة لشيء محذوف تقديره: "فإذا كان كذلك أفلا نتكل"؟ وحاصل السؤال: ألا نترك مشقة العمل فإنا سنصير إلا ما قدر علينا؟ وحاصل الجواب: لا مشقة لأن كلا ميسر لما خلق له وهو يسير على من يسره الله، قال الطيبي: الجواب من الأسلوب الحكيم: منعهم عن ترك العمل وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية وزجرهم عن التصرف في الأمور المغيبة فلا يجعلوا العباده وتركها سببا مستقلا لدخول الجنة والنار، بل هي علأمات فقط انتهى. ٤- هذا الحديث أصل في باب القضاء والقدر وأنه قد سبق قضاء الله تعالى بكون المكلفين فريقين فريقا في الجنة وفريقا ؤ السعير. قال النووي قال الإمام أبو المظفر السمدإني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه ؤ بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب، لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونها الأستار، اختص الله به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، لما علمه من الحكمة، وواجبنا أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم

стр. 293

القدر عن العالم، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب انتهى. وقال الطحاوي في عقيدة أهل السنة ة وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فان الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه كما قال الله تعالى في كتابه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ، وقال: فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد أيكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وقال: فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيماً، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما.. ٥- من فقه الحديث، وما يستنبط منه: ١- مشروعية إتباع الجنازة. ٢- أن متبع الجنازة عليه أن يتذكر الآخرة وأن يظهر عليه أثر ذلك. ٣- موعظة العالم أصحابه عند القبور. ٤- إثبات القدر، وأنه ما شاء الله كان، وما أيشأ! يكن. ٥- مراجعة العالم والاستفسار منه عما قد يشكل. ٦- أن السعادة والشقاوة بتقدير الله وقضائه. ٧- الرد على الجبرية لأن التيسير ضد الجبر لأن الجبر لا يكون إلا عن كره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا وهو غير كاره له. ٨- الرد على القدرية لأن أفعال العباد وان صدرت عنهم فقد سبق علم الله بوقوعها بتقديره .

стр. 294

٩- أن العمل الطيب أمارة على الخير, والعكس بالعكس. ١٠- النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر, بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها, وكل ميسر لما خلق له. ١١- أن السنة تبين القرآن وتوضيحه وتدل عليه.

стр. 295

الحديث العشرون: قال الإمام البخاري في آخر كتاب التوحيد من صحيحه: حدثني أحمد بن إشكاب حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم".

стр. 296

المبحث الأول: التخريج . أورد البخاري هذا الحديث فالثلاثة مواضع من صحيحه هذا أحدها وهو آخر حديث في صحيح البخاري في باب قول الله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ، والثاني في كتاب الدعوات باب فضل التسبيح ولفظه: حدثنا زهير ابن حرب حدثنا ابن فضيل عن عمارة عن أبى زرعة عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده "، والثالث في كتاب الأيمان والنذور باب إذا قال والله لا أتكلم اليوم، فصلى أو قرأ أو سبح أو حمد أو هلل فهو على نيته ولفظه: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن فضيل حدثنا عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة قال: قال الرسول ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". ورواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء من صحيحه فقال ت حدثنا محمد ابن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب وأبو كريب ومحمد بن طريف البجلي قالوا حدثنا ابن فضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "كلمتان خفيفتان عل اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وأخرجه الترمذي في أبواب الدعاء من جامعه باب ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد ولفظه: حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا محمد بن الفضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير عن أبى هريرة ﵁ قال قال

стр. 297

رسول الله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". قال هذا حديث حسن غريب صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه في كتاب الأدب باب فضل التسبيح فقال: حدثنا أبو بشر وعلى بن محمد قالا حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". ورواه الإمام أحمد في المسند عن شيخه محمد بن فضيل بمثل إسناده ومتنه عند البخاري في كتاب الأيمان والنذور.

стр. 298

المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد . الأول: شيخ البخاري أحمد بن إشكاب قال الحافظ في التقريب: أحمد بن إشكاب الحضرمى أبو عبد الله الصفار واسم إشكاب مجمع وهو بكسر الهمزة بعدها معجمة ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة سبع عشرة أو بعدها أي بعد المائتين ورمز لكونه من رجال البخاري وحده. وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: أحمد بن إشكاب أبو عبد الله الصفار الكوفي سكن مصر سمع محمد بن فضيل بن غزوان روى عنه البخاري وقال: آخر ما لقيته بمصر سنة سبع عشرة ومائتين. ونقل الحافظ في تهذيب التهذيب توثيقه عن يعقوب بن شيبة وأبى حاتم والعجلي.

стр. 299

الثاني: محمد بن فضيل قال الحافظ في التقريب: محمد بن فضيل بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاى الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق عارف رمى بالتشيع من التاسعة مات سنة خمس وتسعين أي بعد المائة ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في مقدمة الفتح: محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي أبو عبد الرحمن الضبي من شيوخ أحمد وله تصانيف وثقه العجلي وابن معين وقال أحمد: كان شيعيا حسن الحديث، وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم، وقال النسائي: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا كثير الحديث شيعيا وبعضهم لا يحتج به، قلت أي الحافظ ابن حجر إنما توقف فيه من توقف لتشيعه، وقد قال أحمد بن على الأبار: حدثنا أبو هاشم سمعت ابن فضيل يقول: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه، قال: ورأيت عليه آثار أهل السنة والجماعة ﵀، احتج به الجماعة انتهى. الثالث: عمارة بن القعقاع قال الحافظ في التقريب: عمارة بن القعقاع ابن شبرمة بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة الضبى بالمعجمة والموحدة الكوفي الثقة أرسل عن ابن مسعود وهو من السادسة، ورمز لكونه من رجال الجماعة. ونقل في تهذيب التهذيب توثيقه عن ابن معين والنسائي وابن سعد ويعقوب بن سفيان. الرابع: أبو زرعة قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: أبو زرعة ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي قيل اسمه هرم وقيل عمرو وقيل عبد الله وقيل عبد الرحمن وقيل جرير ثقة من الثالثة ورمز لكونه من رجال الجماعة. ونقل في تهذيب التهذيب توثيقه عن ابن معين وابن خراش. وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله أبو زرعة البجلي الكوفي سمع أبا هريرة وجده جرير بن عبد الله عند هما وقال روى عنه أبو حيان التيمي وعلى بن مدرك وعمارة بن القعقاع عند هما.

стр. 300

الخامس: صحابي الحديث أبو هريرة ﵁ قال الحافظ في تقريب التهذيب: أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل حافظ الصحابة اختلف في اسمه واسم أبيه قيل عبد الرحمن بن صخر ثم ذكر أقوالا قال بعدها واختلف في أيها الأرجح؟ فذهب الأكثرون إلى الأول، وذهب جمع من النسابين إلى عمرو بن عامر مات سنة سبع وقيل سنة ثمان وقيل سنة تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة، وقال الخزرجى في الخلاصة: أبو هريرة اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي الحافظ له خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين وانفرد البخاري بتسعة وسبعين ومسلم بثلاثة وتسعين. وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري أربعمائة وستة وأربعين حديثا. وترجم له الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية في اثنتي عشرة صفحة وذكر الكثير من مناقبه ﵁ وقال: وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ الكثير الطيب، وكان من حفاظ الصحابة، وروى عن أبى بكر وعمر وأبى بن كعب وأسامة بن زيد ونضرة بن أبى نضرة والفضل بن العباس وكعب الأحبار وعائشة أم المؤمنين وحدث عنه خلائق من أهل العلم وقال: قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم، وقال: وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم.

стр. 301

المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث . ١- رجال الإسناد الخمسة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ البخاري أحمد بن إشكاب فقد انفرد البخاري بإخراج حديثه. ٢- رجال الإسناد كوفيون إلا الصحابي فانه مدني.

стр. 302

٣- الصحابي والتابعي في الإسناد كل منهما اشتهر بكنيته وكل منهما اختلف في اسمه. ٤- الصحابي في هذا الإسناد هو أكثر الصحابة حديثا على الإطلاق، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في الإصابة: وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا. وقال النووي في التقريب: وأكثرهم حديثا أبو هريرة ثم ابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعائشة، وقد بين السيوطي في شرحه تدريب الراوي عدد ما لكل واحد منهم من الحديث فذكر عدد ما لأبى هريرة ﵁ وهو يوافق العدد الذي تقدم ذكره نقلا عن الخلاصة للخزرجى، وذكر أن الذي رواه ابن عمر ﵄ ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثا والذي رواه أنس ﵁ ألفا حديث ومائتان وستة وثمانون حديثا ١ والذي رواه ابن عباس ﵁ ألف وستمائة وستون حديثا، والذي رواه جابر ألف وخمسمائة وأربعون حديثا. والذي روته عائشة ﵂ ألفان ومائتا حديث وعشرة أحاديث، ثم قال السيوطي: وليس في الصحابة من يزيد حديثه على ألف غير هؤلاء إلا أبا سعيد فانه روى ألفا ومائة وسبعين حديثا. وقد نظم السيوطي هؤلاء الصحابة السبعة الذين زاد حديث كل منهم على ألف حديث في ألفيته في علوم الحديث فقال: والمكثرون في رواية الأثر ... أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدري ... وجابر وزوجة النبي ٥- هذا الحديث من أمثلة الفرد المطلق، فقد تفرد في روايته أبو هريرة ﵁، وتفرد في روايته عن أبى هريرة أبو زرعة وتفرد به عن أبى زرعة عمارة بن القعقاع، وتفرد به عن عمارة محمد بن فضيل، ثم كثر رواته عن محمد بن فضيل، وذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث أنه لم ير هذا

стр. 303

الحديث إلا من طريق محمد بن فضيل بهذا الإسناد، ولما ذكر تخريج الترمذي له وقوله عقبه: حسن صحيح غريب قال الحافظ ابن حجر: قلت وجه الغرابة فيه ما ذكرته من تفرد محمد بن فضيل وشيخه وشيخ شيخه وصحابيه انتهى. ومثل هذا الحديث في ذلك الحديث الذي جعله البخاري ﵀ فاتحة كتابه وهو حديث: إنما الأعمال بالنيات، فانه فرد مطلق أيضا، تفرد بروايته عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، وتفرد به عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرد به عن محمد بن إبراهيم يحي بن سعيد الأنصاري، ثم اشتهر عن يحمى ابن سعيد، ففاتحة صحيح البخاري فرد مطلق وخاتمته فرد مطلق. ٦- حديث أبى هريرة ﵁ هذا هو آخر حديث أورده البخاري في الجامع الصحيح، فهو خاتمة صحيحه، وقد تبعه بعض المصنفين في الحديث: في جعله خاتمة كتبهم، ومن هؤلاء الحافظ المنذري ختم به كتابه الترغيب والترهيب، ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني ختم به كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام.

стр. 304

المبحث الرابع: شرح الحديث . ١- قوله: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن الخ" كلمتان خبر مقدم مبتدؤه. سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، والنكتة في تقديم الخبر تشويق السامع إلى المبتدأ، وكلما طال الكلام في وصف الخبر حسن تقديمه، لأن كثرة الأوصاف الجميلة تزيد السامع شوقا، قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري. ٢- أوصاف الخبر الثلاثة حبيبتان وخفيفتان وثقيلتان.. الأول حبيبة بمعنى محبوبة والثاني والثالث فعيلة بمعنى فاعلة. ٣- قوله: "حبيبتان إلى الرحمن" قال الحافظ ابن حجر: وخص لفظ الرحمن بالذكر لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده حيث يجازى على العمل القليل بالثواب الجزيل. ٤- قوله: "خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان" قال الحافظ ابن

стр. 305

حجر: وصفهما بالخفة والثقل لبيان قلة العمل وكثرة الثواب. ٥- قوله: "ثقيلتان في الميزان" هو من نصوص الوعد التي يعول عليها المرجئة معرضين عن نصوص الوعيد، ويقابلهم الخوارج والمعتزلة الذين يغلبون نصوص الوعيد ويغفلون عن نصوص الوعد، ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين الطرفين المتناقضين، طرف الإفراط وطرف التفريط، فهم يأخذون بنصوص الوعد والوعيد معا، يجمعون بين الخوف والرجاء، ولا يقولون كما تقول المرجئة: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ولا يقولون كما تقول الخوارج والمعتزلة بخروج مرتكب الكبيرة من الإيمان في الدنيا وخلوده في النار في الآخرة وإنما يرون أن العاصي مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فليس عندهم من أهل الإيمان المطلق (الكامل) ولا يمنعونه مطلق الاسم، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، هذا حكمه عندهم في الدنيا، أما في الآخرة فكل ذنب دون الشرك فأمر صاحبه إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبه في النار عقوبة لجريمته ثم يخرجه منها ويدخله الجنة، فماله إلى الجنة ولابد، ولهذا يجمع الله بين الترغيب والترهيب في كتابه العزيز فيقول ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ ويقول ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ويقول ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يرشد بذلك عباده إلى أن يخافوه ويرجوه، فلا يأمنون مكر الله لرجائهم المجرد عن الخوف، ولا يقنطون من رحمته لخوفهم المجرد عن الرجاء، بل كما قال الله تعالى عن أوليائه ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وقد نقل الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث عن ابن بطال أنه قال: هذه الفضائل الواردة في فضل الذكر إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال كالطهارة من الحزام والمعاصي العظام فلا تظن أن من أدمن الذكر

стр. 306

وأصر على ما شاءه من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أنه يلتحق بالمطهرين المقدسين ويبلغ منازلهم بكلام أجراه على لسانه ليس معه تقوى ولا عمل صالح انتهى. ٦- قوله: "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" المعنى أنزه الله عن كل، مما لا يليق به قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وسبحان اسم منصوب على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف تقديره: سبحت الله سبحانا كسبحت الله تسبيحا، ولا يستعمل غالبا إلا مضافا وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله، ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل أي نزه الله نفسه، والمشهور الأول، وقد جاء غير مضاف في الشعر كقوله: سبحانه ثم سبحانا أنزهه وقال في قوله: "وبحمده" قيل الواو للحال والتقدير أسبح الله متلبسا بحمدي له من أجل توفيقه، وقيل عاطفة، والتقدير أسبح الله وأتلبس بحمده. ٧- قوله: "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" قال الحافظ ابن حجر فيما نقله عن شيخه أبى حفص عمر البلقيني في أواخر مقدمة الفتح قال: وهاتان الكلمتان معنا هما جاء في ختام دعاء أهل الجنان لقوله تعالى ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ٨- من فقه الحديث، وما يستنبط منه: ١- الحث على المواظبة على هذا الذكر والتحريض على ملازمته. ٢- إثبات صفة المحبة لله تعالى. ٣- الجمع بين تنزيه الله تعالى والثناء عليه في الدعاء.

стр. 307

٤- بيان الرسول ﷺ لأمته الأسباب التي تقربهم إلى الله وتثقل موازينهم في الدار الآخرة. ٥- إثبات الميزان وجاء في بعض النصوص إثبات أن له كفتين. ٦- إثبات وزن أعمال العباد. ٧- التنبيه على سعة رحمة الله حيث يجازى على العمل القليل بالثواب الجزيل. ٨- الإشارة بخفة هاتين الكلمتين على اللسان إلى أن التكاليف شاقة على النفس، ومن أجل ذلك قال ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات. وقد جاء عن بعض السلف التعليل لثقل الحسنة وخفة السيئة فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فلذلك ثقلت فلا يحملنك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفت، فلا تحملنك خفتها على ارتكابها. ٩- إطلاق الكلمة مراداً بها الكلام. ١٠- جواز السجع إذا وقع بغير كلفة. ١١- إيراد الحكم المرغب في فعله بلفظ الخبر لأن المقصود من سياق هذا الحديث الأمر بملازمة الذكر المذكور. ١٢- الإشارة إلى امتثال قوله تعالى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك﴾ . هذا ما يسر الله ﷺ وتحريره من الكلام على عشرين حديثا من صحيح الإمام أبى عبد الله محمد لن إسماعيلي البخاري، والتمهيد لها بتحريف موجز بالإمام البخاري وصحيحه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وكان الفراغ من ذلك في يوم السبت الموافق الحادي عشر من شهر صفر

стр. 308

سنة تسعين بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. اللهم اجعلنا ممن أردت به الخير ففقهته في دينك, فسار على النهج القويم الذي بعثت به رسولك الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم, اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن واختم لنا هذه الحياة بخاتمة السعادة, واجعلنا اللهم ممن يثقل ميزنه بالحسنات, إنك جواد كريم ملك بر رؤوف رحيم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.