← Книги сунны

Книги сунны · id 3939

عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها

عبد المحسن العباد

Полный текст (308 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومنها أيضا حديث حذيفة ﵁ نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال، الحديث. أورده البخاري في كتاب الرقاق وفي كتاب الفتن بإسناد واحد مع الاتفاق في المتن أيضا، وتقدم في المقدمة ما ذكره صاحب كشف الظنون أن التي ذكرها البخاري سندا ومتنا معادا ثلاثة وعشرون حديثا.

стр. 247

المبحث الرابع: شرح الحديث . ١- هذا الحديث أول حديث أورده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه: كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وذلك لاشتمال هذا الحديث بوضوح على بيان حق الله على عباده، وذلك في قوله ﷺ : "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"، وهذا الحق الذي بينه الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث مشتمل على النفي والإثبات الذي اشتملت عليه (لا إله إلا الله) ، فان قوله: أن يعبدوه إثبات، وقوله: ولا يشركوا به شيئا نفي، والمراد بذلك نفي جميع أنواع العبادة عن كل ما سواه وإثباتها لته وحده لا شريك له، فكما أنه المنفرد بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة فيجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له، وهذا النفي والإثبات الذي اشتملت عليه هذه الجملة التي بين بها الرسول الكريم عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم حق الله على عباده جاء في آيات كثيرة أورد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه المذكور كثيرا منها قبيل إيراد هذا الحديث ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فقوله (أن اعبدوا الله) إثبات وهو بمعنى: إلا الله، وقوله (واجتنبوا الطاغوت) نفي وهو بمعنى: لا إله، فتحصل من النفي والإثبات معنى (لا إله إلا الله) التي هي كلمة الإخلاص، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ﴾ الآية فهي بمعنى (لا إله إلا الله) ، ومنها قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ فجملة الأمر

стр. 248

إثبات وجملة النهي نفي فهي بمعنى لا إله إلا الله، وتنكير (شيئا) لإفادة عدم الإشراك به أي شيء كان، وأن يخص بالعبادة وحده لا شريك له. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ هو الآية أقن أن تخصوه بالعبادة وحده دون أن تجعلوا له شريكا في شيء منها، وختمت هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فقوله (فاتبعوه) إثبات (ولا تتبعوا السبل) نهي مؤداه النفي فهي بمعنى: لا إله إلا الله، أما الآية التي افتتح بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذلك المؤلف العظيم في توحيد الله تعالى فهي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أو وقد اشتملت على بيان الحكمة في خلق الثقلين الجن والإنس وهي أن يعبدوا الله وحده ويخصوه بجميع أنواع العبادة ولا يصرفوا لغيره شيئا منها. ٢- قوله: "بينا أنا رديف النبي ﷺ " قال الحافظ في الفتح: الردف والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه، وردف كل شيء مؤخره، وأصله الركوب على الردف وهو العجز، ولهذا قيل للراكب الأصلي ركب صدر الدابة، وردفت الرجل إذا ركبت وراءه، وأردفته إذا أركبته وراءك. ٣- قوله: "ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل" قال الحافظ في الفتح: الرحل للبعير كالسرج للفرس، وآخرة بالمد وكسر المعجمة بعدها راء هي العود الذي يجعل خلف الراكب يستند إليه، وفائدة ذكره المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضبط ما رواه، وقال الحافظ: ووقع في رواية عمرو ابن ميمون عن معاذ: كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له عفير، ووقع عند أحمد من رواية عبد الرحمن بن غنم عن معاذ أن النبي ﷺ ركب على حمار يقال له يعفور رسنه من ليف، قال: ويمكن الجمع بأن المراد بآخرة الرحل موضع آخرة الرحل للتصريح هنا بكونه كان على حمار، وإلى ذلك أشار النووي، ومشى ابن الصلاح على أنهما قضيتان انتهى. ٤- قوله: "لبيك"، المراد به: إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة قاله

стр. 249

الحافظ ابن حجر في الفتح. وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: والأظهر أن معناها إجابة لك بعد إجابة للتأكيد. ٥- قوله: "وسعديك"، قال النووي: ومعنى سعديك. أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وقال ابن هشام في أوضح المسالك (وسعديك) بمعنى إسعادا لك بعد إسعاد. وقال في باب الإضافة بعد أن قسم المضاف إلى المضمر إلى قسمين وذكر ما يضاف إلى كل مضمر وهو (وحد) قال: وما يختص بضمير المخاطب وهو مصادر مثناة لفظا ومعناها التكرار وهي لبيك بمعنى إقامة على إجابتك بعد إقامة وسعديك بمعنى إسعادا لك بعد إسعاد ولا تستعمل إلا بعد لبيك انتهى. ثم ذكر ألفاظا أخرى تختص بالإضافة إلى ضمير المخاطب أيضا. وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث معاذ بن جبل ﵁ في كتاب العلم من صحيح البخاري قوله: قال لبيك يا رسول الله وسعديك، اللب بفتح اللام معناه هنا الإجابة والسعد المساعدة كأنه قال: لباً لك وإسعادا لك ولكنهما ثنيا على معنى التأكيد والتكثير أي إجابة بعد إجابة وإسعادا بعد إسعاد انتهى. ٦- قوله: "هل تدري ما حق الله على العباد؟ " قال الحافظ في الفتح: الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة، ويقال للكلام الصدق حق لأن وقوعه متحقق لا تردد فيه، وكذا الحق المستحق على الغير إذا كان لا تردد فيه، والمراد هنا ما يستحقه الله على عباده مما جعله محتما عليهم قاله ابن التيمي في التحرير، وقال القرطبي: حق الله على عباده هو ما وعدهم به من الثواب وألزمهم إياه بخطابه. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه تيسير العزيز الحميد. قوله: "أتدرى ما حق الله على العباد"، الدراية هي المعرفة، وأخرج السؤال بصيغة الاستفهام ليكون أوقع في النفس وأبلغ في فنهم المتعلم، فان الإنسان إذا سئل عن مسألة لا يعلمها ثم أخبر بها بعد الامتحان

стр. 250

بالسؤال عنها فان ذلك أدعى لفهمها وحفظها، وهذا من حسن إرشاده وتعليمه ﷺ . ٧- قوله: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"، قال الحافظ في الفتح: المراد بالعبادة عمل الطاعة واجتناب المعاصي وعطف عليها عدم الشرك لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى فاشترط نفي ذلك، والجملة حالية والتقدير يعبدونه في حال عدم الإشراك به. قال ابن حبان: عبادة الله إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح ولهذا قال في الجواب: فما حق العباد إذا فعلوا ذلك فعبر بالفعل ولم يعبر بالقول. ٨- قوله: "هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟ " أي إذا فعلوا حقه تعالى فالضمير يرجع إلى قوله: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا". ٩- قوله: "حق العباد على الله أن لا يعذبهم" قال الحافظ في الفتح: قال القرطبي: حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد: وحق العباد على الله معناه أنه متحقق لا محالة لأنه قد وعدهم ذلك جزاء على توحيده، ووعده حق إن الله ل! يخلف الميعاد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في تيسير العزيز الحميد: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل ليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك ووعده صدق، ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقا زائداً على هذا كما دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ولكن أهل السنة يقولون هو الذي كتب على نفسه الرحمة وأوجب

стр. 251

هذا الحق على نفسه لم يوجبه عليه مخلوق، والمعتزلة يدعون أنه أوجب عليه بالقياس على الخلق، وأن العباد هم الذين أطاعوه دون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغلطوا في ذلك انتهى. ١٠- من فقه الحديث، وما يستنبط منه: ١- بيان حق الله على عباده. ٢- بيان حق العباد على الله إذا أدوا حقه. ٣- جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة. ٤- فضل معاذ بن جبل ﵁. ٥- تواضعه ﷺ لركوب الدواب مع الإرداف عليها. ٦- الإرشاد إلى الطريقة المفيدة في التعليم وهي إخراج السؤال بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ في النفس وأوقع في فهم المتعلم. ٧- تكرار السؤال لتأكيد الاهتمام بما يخبر به المعلم. ٨- حسن أدب معاذ بن جبل ﵁ مع رسول الله ﷺ . ٩- أن على المسئول إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يكل العلم إلى عالمه وهو أولى من قوله: لا أدرى، لأن قوله: الله أعلم يفيد ما يفيده لا أدرى مع اشتماله على الثناء على الله سبحانه.

стр. 252

الحديث السابع عشر: قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الأيمان والنذور من صحيحه: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب- وهو يسير في ركب يحلف بأبيه- فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت".

стр. 253

المبحث الأول: التخريج . أورد البخاري هذا الحديث في خمسة مواضع من صحيحه هذا أحدها في باب لا تحلفوا بآبائكم، والثاني في كتاب الشهادات باب كيف يستحلف؟ ولفظه: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية قال ذكر نافع عن عبد الله ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " من كان حالفا فليحلف بالته أو ليصمت"، والثالث في كتاب مناقب الأنصار باب أيام الجاهلية ولفظه: حدثنا قتيبة حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ألا من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله"، فكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "لا تحلفوا بآبائكم". والرابع في كتاب الأدب في باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلا ولفظه: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﷺ : "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله وإلاّ فليصمت". والخامس في كتاب التوحيد باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، ولفظه: حدثنا أبو نعيم حدثنا ورقاء عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال قال النبي ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفا فليحلف بالله".

стр. 254

ورواه مسلم عن تسعة من مشايخه بأسانيده إلى نافع بمثل رواية البخاري في كتاب الأدب، ورواه عن أربعة من مشايخه عن إسماعيل عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بمثل رواية البخاري في أيام الجاهلية، ورواه الترمذي في جامعه في كتاب النذور والإيمان باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله ولفظه: حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه سمع النبي ﷺ عمر وهو يقول وأبي وأبي فقال: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، فقال عمر: فو الله ما حلفت به بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا قال وفي الباب عن ثابت بن الضحاك وابن عباس وأبى هريرة وقتيلة وعبد الرحمن بن سمرة قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح قال أبو عيسى قال أبو عبيد: معنى قوله ولا آثرا أي لم آثره عن غيري يقول لم أذكره عن غيري، حدثنا هناد حدثنا عبدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله مج ﷺ أدرك عمر وهو في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ليحلف حالف بالله أو ليسكت"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في باب التشديد في الحلف بغير الله تعالى فقال: أخبرنا على بن حجر عن إسماعيل وهو ابن جعفر قال حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله"، وكانت قريش تحلف بآبائها فقال لا تحلفوا بآبائكم، أخبرني زياد بن أيوب قال حدثنا ابن علية قال حدثنا يحي بن أبى إسحاق قال حدثني رجل من بنى غفار في مجلس سالم بن عبد الله قال سالم بن عبد الله سمعت عبد الله- يعنى ابن عمر- وهو يقول قال رسول الله ﷺ : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم "، ورواه في باب الحلف بالآباء عن شيخيه عبيد الله بن سعيد وقتيبة بن سعيد بمثل رواية قتيبة بن سعيد عند الترمذي، ورواه ابن ماجه في كتاب الكفارات باب من حلف له بالله فليرض، ولفظه: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة حدثنا أسباط بن محمد عن محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ رجلا يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم،

стр. 255

من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله". ورواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر ومتنه: أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". ورواه البخاري في صحيحه عن سعيد بن عفير بسنده إلى سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن عمر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكرا ولا آثرا". وروى نحوه النسائي وابن ماجه. وللحديث شواهد كثيرة منها: ما رواه النسائي وأبو داود بإسناده إلى أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون". وقال الحافظ في الفتح: ووقع في مصنف ابن أبى شيبة من طريق عكرمة قال قال عمر: حدثت قوما. فقلت: لا وأبى، فقال رجل من خلفي: " لا تحلفوا بآبائكم، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يقول: لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيح خير من آبائكم". قال الحافظ: وهذا مرسل يتقوى بشواهده. ومنها ما رواه الترمذي في جامعه حيث قال: حدثنا قتيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن الحسن بن عبيد الله عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وفسر هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: فقد كفر أو أشرك على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر أن النبي ﷺ سمع عمر يقول: وأبى وأبي فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، وحديث أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال في حلفه: واللات والعزى فليقل:

стр. 256

لا إله إلا الله". قال أبو عيسى: هذا مثل ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الرياء شرك"، وقد. فسر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ الآية. قال لا يُرائِي. ورواه أبو داود في سننه فقال: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن إدريس قال سمعت الحسن بن عبيد الله عن سعد بن عبيدة قال سمع ابن عمر رجلا يحلف والكعبة فقال له ابن عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد أشرك".

стр. 257

المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد . الأول: شيخ البخاري عبد الله بن مسلمة وهو القعنبي قال الحافظ ابن حجر في التقريب: عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي الحارثي أبو عبد الرحمن البصري أصله من المدينة وسكنها مدة ثقة عابد كان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحداً من صغار التاسعة مات في أول سنة إحدى وعشرين أي بعد المائتين ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى ابن ماجه وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي التيمي المدني سكن البصرة يكنى أبا عبد الرحمن سمع مالك بن أنس وإبراهيم بن سيد وغير واحد روى عنه البخاري ومسلم وأكثرا انتهى، ونقل في تهذيب التهذيب توثيقه والثناء عليه ومن ذلك قول عبد الله بن داود الخريبي: حدثنا القعنبي عن مالك وهو والله عندي خير من مالك. وقول ابن سعد: كان عابدا فاضلا قرأ عن مالك كتبه، وقول العجلي. بصري ثقة رجل صالح قرأ مالك عليه نصف الموطأ وقرأ هو على مالك النصف. الباقي، وقول أبى زرعة: مما كتبت عن أحد أجل في عيني منه. وقول الحنيني: كنا عند مالك فقيل قدم القعنبي، فقال مالك: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض انتهى. وقال الذهبي في العبر: وهو أوثق من روى الموطأ. الثاني: مالك وهو ابن أنس قال الحافظ في التقريب: مالك بن أنس ابن مالك بن أبى عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه إمام دار

стр. 258

الهجرة رأس المتقين وكبير المثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر. من السابعة مات سنة تسع وسبعين أي بعد المائة وكان مولده سنة ثلاث وتسعين وقال الواقدي بلغ تسعين سنة ورمز لكونه من رجال الجماعة، ونقل في تهذيب التهذيب الكثير من ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول ابن عيينة: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وأعلمه بشأنهم، وقول الشافعي: مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين. وقول النسائي: ما عندي بعد التابعين أنبل من مالك ولا أجل منه ولا أوثق ولا آمن على الحديث منه ولا أقل رواية عن الضعفاء، ما علمناه حدث عن متروك إلا عبد الكريم وقول ابن حبان في الثقات: كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروى إلا ما صح، ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك وبه تخرج الشافعي. وقول ابن مهدى: ما رأيت رجلا أعقل من مالك، ثم قال في ختام ترجمته: ومناقبه كثيرة جداً لا يحتمل هذا المختصر استيعابها وقد أفردت بالتصنيف. وقال الذهبي في العبر: قال معن القزاز وجماعة: حملت بمالك أمه ثلاث سنين، وقال: قال ابن عيينة وبلغه موت مالك: ما ترك على ظهر الأرض مثله، وترجم له في تذكرة الحفاظ وقال: قد كنت أفردت ترجمة مالك في جزء وطولتها في تاريخي الكبير، اهـ. الثالث: نافع مولى عبد الله بن عمر قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: نافع أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة مات سنة سبع عشر ومائة أو بعد ذلك ورمز لكونه من رجال الجماعة، وقال في تهذيب التهذيب: نافع الفقيه مولى ابن عمر أبو عبد الله المدني أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، ونقل توثيق الأئمة له وثناءهم عليه، ومن ذلك قول البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وقول مالك: كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر لا أبالى أن لا أسمعه من غديره. وقول الخليلي: نافع من أئمة التابعين بالمدينة إمام في العلم متفق عليه صحيح

стр. 259

الرواية، منهم من يقدمه على سالم ومنهم من يقارنه به ولا يعرف له خطأ في جميع ما رواه. الرابع: صحابي الحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال الحافظ في التقريب: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوى أبو عبد الرحمن ولد بعد المبعث بيسير واستصغر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة وكان من أشد الناس إتباعا للأثر مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها أو أول التي بعدها ورمز لكون حديثه في الكتب الستة. وقال الخزرجى في الخلاصة: له ألف ١ وستمائة حديث وثلاثون حديثا اتفقا- أي البخاري ومسلم- على مائة وسبعين وانفرد البخاري بأحد وثمانين ومسلم بأحد وثلاثين. وذكر الحافظ في مقدمة الفتح: أن له عند البخاري مائتين وسبعين حديثا وقال ابن كثير في ترجمته في البداية والنهاية: أبو عبد الرحمن المكي ثم المدني أسلم قديما مع أبيه ولم يبلغ الحلم وهاجرا وعمره عشر سنين وقد استصغر يوم أحد فلما كان يوم الخندق أجازه وهو ابن خمس عشرة سنة فشهدها وما بعدها وهو شقيق حفصة بنت عمر أم المؤمنين أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون وذكر كثيراً من أخلاقه الفاضلة وسجاياه الحميدة ﵁ وعن أبيه وأخته وسائر الصحابة أجمعين.

стр. 260

المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث . ١- رجال الإسناد الأربعة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم ماعدا شيخ البخاري عبد الله بن مسلمة القعنبي فلم يرو له ابن ماجه. ٢- رجال الإسناد الأربعة مدنيون، وابن عمر ﵁ مكي ثم مدني وشيخ البخاري مدني ثم بصري.

стр. 261

٣- رجال الإسناد الأربعة: كنية اثنين منهم أبو عبد الله وهما: مالك ابن أنس وشيخه نافع مولى ابن عمر، وكنية اثنين منهم أبو عبد الرحمن وهما ابن عمر ﵁ وعبد الله بن مسلمة القعنبي. ٤- نافع هو مولى عبد الله بن عمر من أسفل وعبد الله مولى نافع من أعلى، فالحديث من رواية مولى من أسفل عن مولى من أعلى. ٥- هذا الإسناد مشتمل على السلسلة التي وصفها البخاري بأنها أصح الأسانيد على الإطلاق وهي رواية مالك عن نافع عن ابن عمر. ويقال لها السلسلة الذهبية. وفي تهذيب التهذيب: قال محمد بن إسحاق الثقفي: سئل محمد بن إسماعيل عن أصح الأسانيد فقال: مالك عن نافع عن ابن عمر. ٦- صيغ الأداء في جميع الإسناد (عن) إلا في رواية البخاري عن شيخه فهي التحديث. وش! مى مثل ذلك الإسناد المعنعن. والحكم في الإسناد المعنعن حمله على السماع متى كان الذي روى بالعنعنة سالما من التدليس، أما إذا كان مدلسا فالحكم فيه التوقف لأنه يحتمل السماع ويحتمل أن هناك واسطة بينه وبين من روى عنه بالعنعنة، فان صرح بالسماع قبل وزال احتمال التدليس. ٧- عبد الله بن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة في الصحابة وسبقت الإشارة إليهم في إسناد الحديث الثاني، وهو أحد المكثرين فيهم من الرواية عن رسول الله عظيم ويأتي في الدرجة التالية بعد أبى هريرة ﵁. ٨- شيخ البخاري مشتهر باسمه ونسبته فيقال له عبد الله بن مسلمة ويقال له القعنبي وليس في رجال الكتب الستة من اسم أبيه مسلمة كلن يسمى عبد الله سواه.

стр. 262

المبحث الرابع: شرح الحديث . ١- قوله: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" ورد النهي عن الحلف بغير الله على صيغ مختلفة هذا أحدها. ومنها قوله ﷺ : " لا تحلفوا بآبائكم". ومنها قوله: "ألا من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله". ومنها قوله: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون". ومنها قول ابن عمر ﵁: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". ٢- قوله: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " قال في الفتح: قال العلماء السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضى تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصة لكن قد اتفق الفقهاء أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية وقال: وكأن المراد بقوله (بالله) الذات لا خصوص لفظ الله. ٣- السر في التنصيص على الآباء ومنع الحلف بهم مع أن الحكم شامل ولغيرهم أن الحلف بالآباء هو سبب الحديث، ولكونه عادة جاهلية كما في رواية البخاري في باب أيام الجاهلية ولفظه "ألا من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله"، فكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "لا تحلفوا بآبائكم". ٤- النهي عن الحلف بغير الله لا يعارضه ما ورد في القرآن من إقسامه تعالى ببعض مخلوقاته، فذاك خاص له سبحانه فهو سبحانه يقسم في كتايه بنفسه وبما شاء. من مخلوقاته وليس لغيره أن يقسم إلا به "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت".

стр. 263

٥- النهي عن الحلف بغير الله قد يعارضه ما ورد في حديث "أفلح وأبيه إن صدق"؟ والجواب عن ذلك ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح بعد إشارته إلى الحديث المشار إليه قال فان قيل ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ أجيب بأن ذلك كان قبل النهي أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم عقري حلقي. وما أشبه ذلك ثم ذكر وجوها أخرى وقال: وأقوى الأجوبة الأولان. ٦- جاء عن سلف هذه الأمة ما يبين سلامتهم من الحلف بغير الله وبعدهم عن التعلق بغيره سبحانه وبيان خطورة هذا الأمر، فأمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ يقول بعد أن قال له الرسول ﷺ ما قال: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكرا ولا آثرا. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال الشعبي: لأن أقسم بالله فأحنث أحب إلى من أن أحلف بغيره فأبر، ثم قال: وجاء مثله عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، في باب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا وقال حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كتاب فتح المجيد: ومن المعلوم أن الحلف بالله كاذبا كبيرة من الكبائر لكن الشرك أكبر من الكبائر وإن كان أصغر، فإذا كان هذا حال الشرك الأصغر فكيف بالشرك الأكبر الموجب للخلود بالنار كدعوة غير الله والاستغاثة به والرغبة إليه وإنزال حوائجه به. وقال حفيده الشيخ سليمان بن عبد الله في كتاب تيسير العزيز الحميد: وإنما رجح ابن مسعود ﵁ الحلف بالله كاذبا على الحلف بغيره صادقا لأن الحلف بالله توحيد والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة

стр. 264

الشرك، ذكره شيخ الإسلام يعنى ابن تيمية، ثم قال: وفيه دليل على أن الحلف بغير الله صادقا أعظم من اليمين الغموس، وفيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وفيه شاهد للقاعدة المشهورة وهى: ارتكاب أقل الشرين ضررا إذا كان لابد من أحدهما انتهى. وهذا الأثر الذي أورده الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد عن ابن مسعود ﵁ قد ذكره الحافظ المنذري في كتاب الترغيب والترهيب في باب الترهيب من الحلف بغير الله فقال: وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره وأنا صادق، ثم قال: رواه الطبراني موقوفا ورواته رواة الصحيح. ٧- من فقه الحديث، وما يستنبط منه: ١- النهي عن الحلف بالآباء وبكل من سوى الله. ٢- وجوب قمر الحلف على أن يكون بالله. ٣- قضاء الإسلام على العادات المذمومة في الجاهلية. ٤- الإشارة إلى عدم الإكثار من اليمين حيث قال: من كان حالفا. ٥- أن الإنسان عند الحلف أمامه أمران لا ثالث لهما: إما الحلف بالله،. وإما السكوت وعدم الحلف بغيره ولو كان ذلك الغير بالغا من التعظيم اللائق به ما بلغ كأنبياء الله ورسله وملائكته والكعبة فلا يجوز أن يقول المسلم ق حلفه: والنبي، وجبريل، والكعبة، وبيت الله، وحياتي، وحياتك، وحياة فلأن وغير ذلك من المخلوقات لأن الحلف بغير الله لا يرضاه الله ولا يرضاه رسوله ﷺ بل جاءت سنة المصطفي صلوات الله وسلامه عليه بتحريمه والتحذير منه وتقدم في الكلام على هذا الحديث ذكر بعض الأحاديث الصريحة في ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقد نهانا صلوات الله وسلامه عليه أن نحلف بغير الله فيتحتم علينا

стр. 265

الإنتها عن ذلك, وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الهم أرنا الحق حقا ًووفقنا لإتباعه وارنا باطلا ووفقنا لاجتنابه ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

стр. 266

الحديث الثامن عشر: قال البخاري ﵀ في كتاب فضائل القرآن من صحيحه: حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال أخبرني علقمة بن مرثد سمعت سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمي عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال. وذلك الذي أقعدني مقعدي هذا، حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبى عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه".

стр. 267

المبحث الأول: التخريج . انفرد البخاري عن مسلم في إخراج هذا الحديث فرواه من هذين الطريقين في باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه. ورواه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن ولفظه: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن عثمان عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه ". ورواه الترمذي في جامعه في أبواب فضائل القرآن باب ما جاء في تعليم القرآن فقال: حدثنا محمود بن غيلأن حدثنا أبو داود أنبأنا شعبة أخبرني علقمة ابن مرثد قال سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن أبى عبد الرحمن عن عثمان ابن عفان أن رسول الله ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". قال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا، وعلم القرآن في زمن عثمان

стр. 268

حتى بلغ الحجاج بن يوسف، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، حدثنا محمود بن غيلان حدثنا بشر بن السرى حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبى عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "خيركم أو أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه"، هذا حديث حسن صحيح، هكذا روى عبد الرحمن بن مهدى وغير واحد عن سفيان الثوري عن علقمة ابن مرثد عن أبى عبد الرحمن عن عثمان عن النبي ﷺ وسفيان لا يذكر فيه (عن سعد بن عبيدة) ، وقد روى يحي بن سعيد القطان هذا الحديث عن سفيان وشعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن عثمان عن النبي بمقيم حدثنا بذلك محمد بن بشار، وحدثنا يحي بن سعيد عن سفيان وشعبة قال محمد بن بشار وهكذا ذكره يحي بن سعيد عن سفيان وشعبة غير مرة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن عثمان عن النبي ﷺ قال محمد بن بشار: وأصحاب سفيان لا يذكرون فيه: عن سفيان عن سعد بن عبيدة، قال محمد بن بشار: وهو أصح، قال أبو عيسى: وقد زاد شعبة في إسناد هذا الحديث سعد بن عبيدة، وكأن حديث سفيان أصح، قال على بن عبد الله قال يحي بن سعيد: ما أحد يعدل عندي شعبة وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان، قال أبو عيسى: سمعت أبا عمار يذكر عن وكيع قال قال شعبة: سفيان أحفظ منى وما حدثني سفيان عن أحد بشيء فسألته إلا وجدته كما حدثني. وفي الباب عن على وسعد. ورواه ابن ماجه في أوائل سننه في باب فضل من تعلم القرآن وعلمه فقال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحي بن سعيد القطان حدثنا شعبة وسفيان عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان قالت: قال رسول الله ﷺ . قال شعبة خيركم, وقال سفيان. " أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه"، حدثنا على بن محمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبى عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان

стр. 269

قال: قال رسول الله ﷺ : " أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". ورواه الدارمي ق سننه في كتاب فضائل القرآن باب خياركم من تعلم القرآن وعلمه بمثل الإسناد الأول عند البخاري ومتنه: "إن خيركم من علم القرآن أو تعلمه" قال: أقرأ أبو عبد الرحمن في، إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال: ذلك أقعدني مقعدي هذا. ورواه الإمام أحمد في المسند فقال: حدثنا وكيع حدثنا سفيان وعبد الرحمن عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبى عبد الرحمن عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه"، وقال: حدثنا محمد ابن جعفر وحجاج قالوا حدثنا شعبة قال: سمعت علقمة بن مرثد يحدث عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ أنه قال: "إن خيركم من علم القرآن أو تعلمه"، قال محمد بن جعفر وحجاج فقال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني هذا المقعد، قال حجاج قال شعبة: ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان ولا من عبد الله ولكن قد سمع من على قال عبد الله بن أحمد: قال أبى وقال بهز عن شعبة قال علقمة بن مرثد: أخبرني، وقال: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، حدثنا عفان حدثنا شعبة أخبرني علقمة بن مرثد وقال فيه: من تعلم القرآن أو علمه، وقال حدثنا يحي بن سعيد عن سفيان وشعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن عثمان عن النبي ﷺ قال سفيان: أفضلكم وقال شعبة: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وأخرجه أبو داود الطيالسي ق مسنده عن شعبة بمثل إسناد البخاري ومتنه وقال فيه: قال أبو عبد الرحمن فذاك أقعدني مقعدي هذا. وأخرجه الخطية البغدادي في ترجمة أحمد بن محمد الأدمي بإسنادين إلى أبى نعيم الفضل بن دكين عن موسى الفراء عن علقمة بن مرثد عن أبى عبد الرحمن عن عثمان ولفظه: "خياركم أو أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه"، ورواه

стр. 270

في ترجمة أحمد بن الحسين أبى زرعة الرازي بإسناده إلى أبى حنيفة ومسعر وسفيان وشعبة وقيس وغيرهم عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن عثمان ولفظه: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه "، وفي ترجمة عبد الوهاب بن عثمان المخبزي بإسناده إلى قيس بن الربيع عن علقمة عن سعد ابن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن عثمان بلفظ الذي قبله. وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة أبى عبد الرحمن السلمي بإسنادين إلى شعبة عن علقمة عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن عثمان رواه عن شعبة فيهما سليمان بن حرب وحجاج ويعلى بن عباد وداود بن المحبر ولفظه: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه "، قال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا، ثم قال أبو نعيم: هذا حديث صحيح متفق عليه، رواه عن شعبة يحي بن سعيد القطان ويزيد بن زريع ويعقوب الحضرمي والناس، ورواه الثوري عن علقمة، واختلف فيه فرواه وكيع وعبد الرحمن بن مهدى وعبد الرزاق وأبو نعيم والفريابي وعامة أصحابه عن علقمة عن أبى عبد الرحمن من دون سعد، ورواه يحي بن سعيد القطان عنه مقرونا بشعبة بإدخال سعد بين علقمة وأبى عبد الرحمن، وممن وافق شعبة والثوري عليه قيس بن الربيع ومحمد بن أبان الجعفي ومسعر من رواية خلف بن ياسين عن أبيه عنه، وممن رواه عن علقمة من دون سعد عمرو بن قيس الملائي والجراح ابن الضحاك ومسعر بن كدام من رواية محمد بن بشر عنه، وعبد الله بن عيسى بن أبى يعلى والربيع بن المركس وموسى الفراء وعمرو بن النعمان الحضرمي وأبو اليسع وسعدان بن يزيد اللخمى وأيوب عن جابر وسلمة بن صالح وعثمان بن مقسم البرى، وممن رواه عن أبى عبد الرحمن السلمي سوى سعد وعلقمة الحسن بن عبد الله النخعي وأبو عبد الأعلى الثعلبي وعبد الملك ابن عمير وعبد الكريم وعطاء بن السائب وعاصم بن أبى النجود، واختلف على عاصم فيه فرواه أبو نعيم ويحي السحيلي وغير هما عن شريك عن عاصم عن أبى عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود، ورواه حيوة بن المغلس عن

стр. 271

شريك عن عاصم عن أبى عبد الرحمن عن عثمان. وللحديث شواهد من حديث عبد الله بن عمرو، أخرجه الخطيب في ترجمة أحمد بن إبراهيم أبى بكر البزار ومن حديث على ﵁ أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند والترمذي في جامعه والدارمي في سننه. ومن حديث سعد بن أبى وقاص أخرجه ابن ماجه والدارمي في سننه. ومن شواهده أيضا ما ذكره أبو نعيم في الحلية في ترجمة أبى عبد الرحمن السلمي بعد إيراد من رواه منتهيا إلى أبى عبد الرحمن قال: وممن رواه عن النبي ﷺ عثمان وعلى وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وأبو أمامة وأنس بن مالك، ورواه عن على النعمان والحسين بن سعد، ورواه عن سعد بن أبى وقاص ابنه مصعب، ورواه عن أبى هريرة أبو سلمة، ورواه عن أبى أمامة الشعبي، ورواه عن أنس سليمان التيمي وأبو هدبة انتهى. ومن شواهده أيضاً ما أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس ﵁ في ترجمة سليمان بن طرخان التيمي، وأخرجه الطبراني في الصغير ذكره في مجمع الزوائد وقال: وفيه محمد بن سنان القزاز وثقه الدارقطني وضعفه جماعة، ومنها ما أخرجه الخطيب البغدادي من حديث عبد الله بن مسعود في ترجمة محمد بن بكير بن واصل الحضرمي وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط ذكره في مجمع اأش وائد وقال: وإسناده فيه شريك وعاصم وكلاهما ثقة وفيهما ضعف.

стр. 272

المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد . الأول: شيخ البخاري في الإسناد الأول حجاج بن منهال قال الحافظ في التقريب ة حجاج بن المنهال الأنماطي أبو محمد السلمي مولاهم البصري ثقة فاضل من التاسعة مات سنة ست عشرة أو سبع عشرة ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في تهذيب التهذيب: روى عن جرير بن حازم والحمادين وشعبة وعبد العزيز الماجشون وهمام ويزيد بن إبراهيم التستري وغيرهم وعنه

стр. 273

البخاري، وروى له الباقون بواسطة الدارمي، وبندار وأبو موسى وصاعقة والخلال وأناس آخرون سماهم، ونقل توثيقه عن أحمد وأبى حاتم والعجلي والنسائي وابن سعد وابن قانع. الثاني: شعبة وهو ابن الحجاج أبو بسطام البصري تقدم في رجال إسناد الحديث العاشر. الثالث: علقمة بن مرثد قال الحافظ في التقريب: علقمة بن مرثد بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة الحضرمي أبو الحارث الكوفي ثقة من السادسة ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال الحزرجي في الحلاصة: روى عن أبى عبد الرحمن السلمي وسويد بن غفلة وعنه مسعر وشعبة والثوري، وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سمع سعد بن عبيدة عند هما - يعنى البخاري ومسلم- ونقل في تهذيب التهذيب توثيقه عن النسائي ويعقوب بن سفيان وذكره ابن حبان في الثقات ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته، وإنما قال الحافظ في تهذيب التهذيب: وقال خليفة بن خياط: توفي في آخر ولاية خالد القسري على العراق انتهى. وكانت نهاية ولايته على العراق سنة عشرين ومائة كما في البداية والنهاية لابن. كثير. الرابع: سعد بن عبيدة قال الحافظ في التقريب: سعد بن عبيدة السلمي أبو حمزة الكوفي ثقة من الثالثة مات في ولاية عمر بن هبيرة على العراق ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سعد بن عبيدة أبو حمزة السلمي ختن أبى عبد الرحمن سمع ابن عمر والبراء بن عازب وأبا عبد الرحمن عند هما والمستورد عند مسلم روى عنه منصور والأعمش وحصين بن عبد الرحمن وعلقمة بن مرثد عند هما. ونقل الحافظ في تهذيب التهذيب توثيقه عن ابن معين والنسائي وابن سعد والعجلي، ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته. الخامس: أبو عبد الرحمن السلمي اسمه عبد الله بن حبيب قال الحافظ

стр. 274

قال التقريب: عبد الله بن حبيب بن ربيعة بفتح الموحدة وتشديد الياء أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي المقري مشهور بكنيته، وأبيه صحبة ثقة ثبت في الثانية مات بعد السبعين. ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في تهذيب التهذيب: روى عن عمر وعثمان وعلى وسعد وعن جماعة من الصحابة سماهم، وعنه إبراهيم النخعي وعلقمة بن مرثد وسعد بن عبيدة وأناس آخرون سماهم. ونقل توثيقه عن العجلي والنسائي ومحمد بن عمر، وقول ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة، وقال في تهذيب التهذيب: قال أبو إسحاق السبيعي: اقرا القرآن في المسجد أربعين سنة، وقال عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن: صمت لله ثمانين رمضان. السادس: صحابي الحديث أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان ﵁ قال الحافظ في التقريب: عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أمير المؤمنين ذو النورين أحد السابقين الأولين والخلفاء الأربعة والعشرة المبشرة استشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة خمس وثلاثين وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة وعمره ثمانون وقيل أكثر وقيل أقل، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة، وقال الخزرجى في الخلاصة: أبو عمرو المدني ذو النورين وأمير المؤمنين ومجهز جيش العسرة وأحد العشرة وأحد الستة هاجر الهجرتين له مائة وستة وأربعون حديثا اتفقا على ثلاثة وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة، وعنه أبناؤه أبان وسعيد وعمرو وأناس ومروان بن الحكم وخلق، غاب عن بدر لتمريض ابنة النبي ﷺ فضرب له النبي ﷺ بسهم، قال ابن عمر: كنا نقول عك عهد النبي ﷺ أبو بكرثم عمرثم عثمان، وقال ابن سيرين: كان يحي الليل كله بركعة، وذكر الحافظ في مقدمة الفتح أن له عند البخاري تسعة أحاديث. وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: أبو عبد الله يكنى بابنه من رقية بنت رسول الله ﷺ يقال أبو عمرو، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس أسلمت، وأمها البيضاء

стр. 275

بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، ولد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان ربعة حسن الوجه رقيق البشرة عظيم اللحية بعيد ما بين المنكبين، وقال: وزوج النبي ﷺ ابنته رقية عثمان وماتت عنده في أيام بدر فزوجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين، وقال: وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله ﷺ بشره بالجنة وعده من أهل الجنة وشهد له بالشهادة، وروى أبو خيثمة في فضائل الصحابة من طريق الضحاك عن النزال بن سبرة: قلنا لعلى حدثنا عن عثمان قال: ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، وقال: وهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية، تخلف عن بدر لتمريضها فكتب له النبي ﷺ بسهمه وأجره، وتخلف عن بيعة الرضوان لأن النبي ﷺ كان بعثه إلى مكة فأشيع أنهم قتلوه فكان ذلك سبب البيعة فضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: هذه عن عثمان، وقال ابن مسعود لما بويع: بايعنا خيرنا ولم نأل، وقال على: كان عثمان أوصلنا للرحم وكذا قالت عائشة لما بلغها قتله: قتلوه وإنه لأوصلهم للرحم وأتقاهم للرب. وقد قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: ذو النورين، ومن تستحي منه الملائكة، ومن جمع الأمة على مصحف واحد وقت الاختلاف، ومن افتتح نوابه إقليم خراسان وإقليم المغرب، وكان من السابقين الصادقين القائمين الصائمين المنفقين في سبيل الله، وممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وزوجه بابنتيه رقية وأم كلثوم ﵃ أجمعين، وقال: وكان ممن جمع بين العلم والعمل والصيام والتهجد والإتقان والجهاد في سبيل الله وصلة الأرحام انتهى. أما بقية رجال الإسناد الثاني ممن لم يتقدم في الإسناد الأول: فالأول: شيخ البخاري أبو نعيم وهو الفضل بن دكين قال الحافظ في التقريب: الفضل بن دكين الكوفي واسم دكين عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولاهم الأحول أبو نعيم الملائي بضم الميم مشهور بكنيته ثقة ثبت من التاسعة مات سنة ثمان عشرة وقيل تسع عشرة أي بعد المائتين وكان مولده سنة ثلاثين أي بعد المائة وهو من كبار شيوخ البخاري ورمز لكونه من رجال

стр. 276

الجماعة، وترجمته في تهذيب التهذيب تبلغ ست صفحات فيها الكثير من ثناء الأئمة عليه، وقال الحافظ في مقدمة الفتح: الفضل بن دكين أبو نعيم الكوفي أحد الأثبات قرنه أحمد بن حنبل في التثبت بعبد الرحمن بن مهدى وقال: كان أعلم بالشيوخ من وكيع، وقال مرة: كان أقل خطأ من وكيع، والثناء عليه في الحفظ والتثبت يكثر إلا أن بعض الناس تكلم فيه بسبب التشيع ومع ذلك فصح عنه أنه قال: ما كتبت على الحفظة أنني سببت معاوية احتج به الجماعة. والثاني: سفيان وهو الثوري، تقدم في رجال إسناد الحديث الثامن.

стр. 277

المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث . ١- رجال الإسنادين الثمانية خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة. ٢- رجال الإسنادين الثمانية كوفيون إلا عثمان ﵁ فهو مدني، وإلاّ حجاج بن منهال وشيخه شعبة فهما بصريان. ٣- ثلاثة من رجال الإسناد الأول نسبة كل منهم (السلمي) ، وحجاب بن منهال مولاهم، وسعد بن عبيدة كما أنه يوافق شيخه أبا عبد الرحمن السلمي في هذه النسبة يوافقه أيضاً في كونه مثله من أهل الكوفة وهو زوج ابنة أبى عبد الهـ صت السلمي. ٤- أبو عبد الرحمن السلمي اشتهر بكنيته واسمه عبد الله بن حبيب ابن ربيعة كما تقدم. ٥- الإسناد الأول: اشتمل على أربع من صيغ الأداء وهي التحديث والإخبار والسماع والعنعنة، والإسناد الثاني: اشتمل على صيغتي التحديث والعنعنة. ٦- علقمة بن مرثد له في صحيح البخاري ثلاثة أحاديث فقط هذا

стр. 278

أحدها والثاني في كتاب الجنائز والثالث في مناقب الصحابة، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث في فتح الباري. ٧- في الإسناد تابعيان وهما أبو عبد الرحمن السلمي وصهره سعد بن عبيدة والراوي عن سعد هو علقمة بن مرثد وقد قال عنه الحافظ في الفتح: وهو من ثقات أهل الكوفة من طبقة الأعمش انتهى. والأعمش من صغار التابعين، وقد أدرك علقمة زمن الصحابة إذ كانت وفاته في آخر ولاية خالد القسري على العراق وكان آخر ولايته سنة عشرين بعد المائة، فان ثبت لقاؤه أحداً من الصحابة كان عدد التابعين في هذا الإسناد ثلاثة. ٨- هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحفاظ على البخاري في صحيحه والبالغ عددها مائة وعشرة أحاديث كما تقدم. وقد انتقده الدارقطني من وجهين: أحدهما كون شعبة زاد في الإسناد الأول سعد بن عبيدة بين علقمة وأبى عبد الرحمن، ورواه سفيان عن علقمة عن أبى عبد الرحمن دون زيادة سعد، قال الدارقطني كما في مقدمة الفتح: أخرج البخاري حديث الثوري عن علقمة بن مرثد عن أبى عبد الرحمن السلمي عن عثمان أن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وأخرجه أيضاً من حديث شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن عثمان وقال فيه: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال الدارقطني: فقد اختلف شعبة والثوري في إسناده فأدخل شعبة بين علقمة وبين أبى عبد الرحمن سعد بن عبيدة وقد تابع شعبة على زيادته من لا يحتج به، وتابع الثوري جماعة ثقات. الوجه الثاني من وجهي الانتقاد: ما ذكر من أن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع أن عثمان كما تقدم عن الترف ذي في التخريج قال الدارقطني كما في مقدمة الفتح أيضا: وقال حجاج بن محمد عن شعبة: لم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان شيئا.

стр. 279

وقد أشار إلى هذين الوجهين الحافظ في الفتح فقال: قوله عن سعد بن عبيدة، كذا يقول شعبة، يدخل بين علقمة بن مرثد، أبى عبد الرحمن سلم ابن عبيدة، وخالفه سفيان الثوري فقال: عن علقمة عن أبى عبد الرحمن ولم يذكر سعد بن عبيدة، وقد أطنب الحافظ أبو العلأء العطار في كتابه (الهادي في القرآن) في تخريج طرقه فذكر ممن تابع شعبة ومن تابع سفيان جمعا كثيرا، وأخرجه أبو بكر بن أبى داود في أول الشريعة له وأكثر من تخريج طرقه أيضا، ورجح الحفاظ رواية الثوري وعدوا رواية شعبة من المزيد في متصل الأسانيد. وقال الترمذي: كأن رواية سفيان أصح من رواية شعبة، وقال: وقد قال أحمد حدثنا حجاج بن محمد عن شعبة قال أيسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان، ونقل ابن أبى داود عن يحي بن معين مثل ما قال شعبة، وذكر الحافظ أبو العلاء أن مسلما سكت عن إخراج هذا الحديث في صحيحه انتهى. والجواب عن الوجه الأول ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح: وأما البخاري فأخرج الطريقين فكأنه ترجح عنده أنهما جميعا محفوظان، فيحمل على أن علقمة سمعه أولا من سعد ثم لقي أبا عبد الرحمن فحدثه به، أو سمعه مع سعد بن أبى عبد الرحمن فثبته فيه سعد، وقد أجاب بنحو هذا في مقدمة الفتح أيضا. والجواب عن الوجه الثاني من وجوه: الأول: قال الحافظ في مقدمة الفتح: وأما كون أبى عبد الرحمن لم يسمع من عثمان فيما زعم شعبة فقد أثبت غيره سماعه عنه وقال البخاري في التاريخ الكبير: سمع من عثمان والله أعلم. الثاني: قال الحافظ في الفتح: قلت قد وقع في بعض الطرق التصريح بتحديث عثمان لأبى عبد الرحمن، وذلك فيما أخرجه ابن عدى في ترجمة عبد الله بن محمد بن أبى مريم من طريق ابن جريج عن عبد الكريم عن أبى عبد الرحمن حدثني عثمان وفي إسناده مقال.

стр. 280

الثالث: قال الحافظ في الفتح عقب ذكر الذي قبله مباشرة: لكن ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصله وفي ترجيح لقاء أبى عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة، وهي أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان ولم يوصف بالتدليس اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه وهو عثمان ﵁، ولاسيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ القرآن على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبى النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال: إنه لم يسمع منه.

стр. 281

المبحث الرابع: شرح الحديث . ١- قوله "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" خيركم: أفعل تفضيل حذفت الهمزة من أوله وقد تقدم في الحديث الحادي عشر أنها تأتى اسما في مقابل الشر ومنه قوله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، وترد أفعل تفضيل! ومنه قول السائل في الحديث الحادي عشر: أي الإسلام خير؟ ومثله قوله هنا: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. ٢- قوله: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. قال المناوي في فيض القدير: أي خير المتعلمين والمعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القرآن إذ خير الكلام كلام الله فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به. وقال القاري في المرقاة كما نقله المباركفوري في تحفة الأحوذي: ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما لأن العلم إذا لم يكن مورثا للعمل ليس علما في الشريعة إذ أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: لا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدى ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من غنى بقوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ

стр. 282

قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهو والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهو أشرف الجميع وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ فان قيل: فيلزم على هذا أن يكون المقريء أفضل من الفقيه؟ قلنا: لا، لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس لأنهم كانوا أهل اللسان فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر مما يدرى من بعدهم بالاكتساب، فكان الفقه لهم سجية، فمن كان في مثل شأنهم شاركهم في ذلك، لا من كان قارئا أو مقرئا محضاً لا يفهم شيئا من معاني ما يقرؤه أو يقرئه، فان قيل فيلزم أن يكون المقري أفضل ممن هو أعظم غناء في الإسلام بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا؟ قلنا: حرف المسألة يدور على النفع المتعدى فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل فلعل "من " مضمرة في الخبر، ولابد مع ذلك من مراعاة الإخلاص في كل صنف منهم، ويحتمل أن تكون الخيرية وإن أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك كان اللائق بحالهم ذلك، أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من يقتصر علي نفسه، أو المراد مراعاة الحيثية لأن القرآن خير الكلام فمتعلمه خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن، وكيفما كان فهو مخصوص بمن علم وتعلم بحيث يكون قد علم ما يجب عليه عينا انتهى. ٣- قوله قال: "وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج" أي حتى ولى الحجاج عل العراق، قال الحافظ ابن حجر: بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج للعراق ثمان وثلاثون سنة ولم أقف علي تعيين ابتداء إقراء أبى عبد الرحمن وآخره فالله أعلم بمقدار ذلك، ويعرف من الذي ذكرته أقصى المدة وأدناها، والقائل: وأقرأ أبو عبد الرحمن هو سعد بن عبيدة فانني لم أر هذه الزيادة إلا هن رواية شعبة عن علقمة انتهى. ٤- قوله قال: "وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا"القائل هو أبو

стр. 283

عبد الرحمن السلمي، والمعنى أن الحديث الذي حدث به عثمان في أفضلية من تعلم القرآن وعلمه حمل أبا عبد الرحمن أن قعد يعلم الناس القرآن لتحصيل تلك الفضيلة، قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري. ٥- من فقه الحديث: وما يستنبط منه: ١- الحث على تعلم القرآن وتعليمه. ٢- بيان فضل من تعلم القرآن وعلمه. ٣- تنبيه العالم إلى نفع غيره بما علمه. ٤- بيان ما كان عليه سلف هذه الأمة من إتباع سنة الرسول ﷺ والعمل بالعلم إذ أن أبا عبد الرحمن جلس لإقراء القرآن عملا بهذا الحديث الذي بلغه عن رسول الله ﷺ . وقبله أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ راوي هذا الحديث عن رسول الله ﷺ فان من أعظم مناقبه جمع القرآن ليتيسر للناس قراءته وإقراؤه، وكان تاليا لكتاب الله حتى في آخر لحظاته ﵁، فان الأوباش الذين قتلوه قتلوه وهو يتلو القرآن، وذكر أنه كان عند قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ كما في الأثر الذي أورده ابن كثير في تفسيره لهذه الآية من سورة البقرة.

стр. 284

الحديث التاسع عشر: قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب التفسير من صحيحه: حدثنا ادع حدثنا شعبة عن الأعمش قال سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن أبى عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ قال: كان النبي ﷺ في جنازة فأخذ شيئا فجعل ينكت به الأرض فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة"، قالوا يا رسول الله: أفلا نتكل علي كتابنا وندع العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة "، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآية.

стр. 285

المبحث الأول: التخريج . أورد البخاري ﵀ هذا الحديث في عشرة مواضع من صحيحه ستة منها تفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ هذا أحدها، والثاني: رواه عن شيخه أبى نعيم عن سفيان عن الأعمش عن سعد بن عبيدة، والثالث: رواه عن شيخه مسدد عن عبد الواحد عن الأعمش عن سعد بن عبيدة، والرابع: عن شيخه بشر بن خالد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سعد بن عبيدة، والخامس: عن شيخه يحي عن وكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة، والسادس: عن شيخه عثمان بن أبى شيبة عن جرير عن منصور عن سعد بن عبيدة، والسابع: في كتاب الجنائز باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله رواه عن شيخه عثمان بن أبى شيبة بمثل إسناده ومتنه في كتاب التفسير، والثامن: في كتاب الأدب باب الرجل ينكت الشيء بيده في
следующие страницы →