← Книги сунны

Книги сунны · id 3939

عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها

عبد المحسن العباد

Полный текст (308 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله واهتدى ى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد، فهذه دراسة لعشرين حديثا من كلام النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم انتقيتها من صحيح الإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀، راعيت في انتقائها أن تكون أسانيدها ومتونها مشتملة على فوائد جمة، وجعلت الكلام في كل حديث مشتملا على أربعة مباحث: المبحث الأول، تخريج الحديث: ذكرت فيه المواضع التي أورده البخاري فيها، وذكرت أسانيدها غالبا، وذكرت من خرجه من الأئمة سواه مع العزو إلى الكتاب المخرج فيه. المبحث الثاني، التعريف برجال الإسناد: أوردت فيه ترجمة موجزة لكل راو تشتمل غالبا على نسبه ووطنه وبعض الذين روى عنهم وبعض الذين رووا عنه وبعض ما نقل في توثيقه والثناء عليه وبيان من خرج حديثه وسنة وفاته، وعند الترجمة للصحابي الذي روى الحديث عن رسول الله ﷺ أذكر عدد ما له من الحديث في الصحيحين وكتب السنن الأربعة مع بيان المتفق عليه عند الشيخين منها وما انفرد به كل منهما على نحو ما ذكره الخزرجى في خلاصة تذهيب الكمال. المبحث الثالث، لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث: وهو من أهم المباحث إذ هو بمثابة تطبيق لعلم مصطلح الحديث، وفيه نكت بديعة وطرائف حديثية ممتعة.

стр. 2

المبحث الرابع، شرح الحديث: حاولت في هذا المبحث إبراز الكثير من معاني المتن، وختمته بالحديث عن فقه الحديث وما يستنبط منه. وكثير من مادة هذا الكتاب مستفاد من مؤلفات الحافظ ابن حجر ﵀ كتهذيب التهذيب، وتقريبه، وفتح الباري ومقدمته، وقد عزوت إليه غالبا ولم أعز إليه في بعض الأحيان للتصرف في عبارته بالزيادة أو النقص. وقد مهدت للكلام على هذه الأحاديث بذكر ترجمة مختصرة للإمام أبى عبد الله البخاري ﵀، وتعريف موجز بكتابه الجامع الصحيح. والله أسأل أن يتقبل من المقل جهده، وينفع به طلاب العلم، إنه جواد كريم. جمادى الأولى١٣٩٠ هـ عبد المحسن بن حمد العباد

стр. 3

ترجمة موجزة للإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ نسبه: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَردِزبه الجعفي. فجده بزدزبه ضبط اسمه بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة وسكون الزاى المعجمة وفتح الباء الموحدة بعدها هاء، قال الحافظ ابن حجر هذا هو المشهور في ضبطه، وبردزبه في الفارسية الزراع كذا يقول أهل بخارى، وكان بردزبه فارسيا على دين قومه انتهى. وجده المغيرة بن بردزبه أسلم على يدي يمان البخاري والى بخارى ويمان جعفي فنسب إليه لأنه مولاه من فوق، عملا بمذهب من يرى أن من أسلم على يدي شخص كان ولاؤه له. وجده إبراهيم، قال الحافظ ابن حجر إنه لم يقف على شيء من أخباره.. وأبو إسماعيل ترجم له ابن حبان في الثقات، وقال: إسماعيل بن إبراهيم والد البخاري يروى عن حماد بن زيد ومالك، وروى عنه العراقيون، وترجم له الحافظ في تهذيب التهذيب. متى وأين ولد: ولد ﵀ في بخارى، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر في يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة.

стр. 4

نشأته وبدؤه طلب العلم: توفي والده وهو صغير، فنشأ في حجر أمه، وأقبل على طلب العلم منذ الصغر، وقد تحدث عن نفسه فيما ذكره الفربري عن محمد بن أبى حاتم وراق البخاري قال: سمعت البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: عشر سنين أو أقل، إلى أن قال: فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، يعنى أصحاب الرأي، قال ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج- فلما طعنت في ثمان عشرة سنة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين، ثم صنفت التاريخ بالمدينة عند قبر النبي ﷺ وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، قال: وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا إني كرهت أن يطول الكتاب. رحلته في طلب العلم وسماعه الحديث: اشتغل وهو صغير في طلب العلم وسماع الحديث فسمع من أهل بلده من مثل محمد بن سلام ومحمد بن يوسف البيكنديين وعبد الله بن محمد المسندي وغيرهم، ثم حج هو وأمه وأخوه أحمد وهو أسن منه سنة عشر ومائتين، فرجع أخوه بأمه وبقى في طلب العلم، فسمع بمكة من الحميدي وغيره، وبالمدينة من عبد العزيز الأويسي وغيره، ثم رحل إلي أكثر محدثي الأمصار في خراسان والشام ومصر ومدن العراق وقدم بغداد مراراً واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علمي الرواية والدراية، وسمع ببلخ من مكي بن إبراهيم وغيره، وبمرو من على بن الحسن وعبد الله بن عثمان وغير هما، وبنيسابور من يحي بن يحي وغيره، وبالري من إبراهيم بن موسى وغيره، وببغداد من سريج بن النعمان وأحمد بن حنبل وغير هما، وبالبصرة من أبى عاصم النبيل ومحمد بن عبد الله الأنصاري وغير هما، وبالكوفة من طلق بن غنام وخلاد بن يحي وغير هما، وبمصر من سعيد بن كثير بن عفير وغيره، وسمع من أناس كثيرين غير هؤلاء، ونقل عنه أنه قال كتبت عن ألف وثمانين نفسا ليس فيهم إلا صاحب حديث. وقال أيضا لم أكتب إلا عمن قال الإيمان قول وعمل.

стр. 5

ذكاؤه وقوة حفظه: وكان ﵀ قوي الذاكرة سريع الحفظ، ذكر عنه المطلعون على حاله ما يتعجب منه الأذكياء ذوو الحفظ والإتقان فضلا عمن سواهم، فقد قال عنه أبو بكر الكلوذاني: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل، كان يأخذ الكتاب من العلم فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الحديث من مرة واحدة. وقال محمد بن أبى حاتم وراق البخاري: قلت لأبى عبد الله محمد بن إسماعيل: تحفظ جميع ما أدخلته في المصنف قال: لا يخفي عليّ جميع ما فيه. وقال محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال محمد بن الأزهر السجستاني: كنت في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب، فقيل لبعضهم ما له لا يكتب؟ فقال: يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه. ولعل من أعجب ما نقل عنه في ذلك ما قاله الحافظ أبو أحمد بن عدى - كما في تاريخ بغداد ووفيات الأعيان وغير هما- سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمداً بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن

стр. 6

آخر فقال: لا أعرفه، فما زال يلقى عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول لا أعرفه، فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك يقضى على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب رجل آخر من العشرة وسأله كما سأله الأول والبخاري ﵀ يجيب بما أجاب به الأول، ثم الثالث والرابع حتى فرغ العشرة مما هيأوه من الأحاديث، فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فقلت: كذا، وصوابه كذا، وحديثك الثاني قلت: كذا، وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل. وعند ذكر هذه القصة يقول الحافظ ابن حجر ﵀: هنا يخضع للبخاري، فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة. نماذج من ثناء الناس عليه رحمه انته: وقد كان البخاري ﵀ موضع التقدير من شيوخه وأقرانه، تحدثوا عنه بما هو أهله وأنزلوه المنزلة التي تليق به، وكذلك غيرهم ممن عاصره أو جاء بعده. وقد جمع مناقبه الحافظان الكبيران الذهبي وابن حجر العسقلاني في مؤلفين خاصين، كما ذكر ذلك الذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن حجر في تهذيب التهذيب. ولعل من المناسب هنا ذكر بعض النماذج من ذلك: قال أبو عيسى الترمذي. كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فقال له لما قام: يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة، فاستجاب الله تعالى له فيه.

стр. 7

ويقول الإمام البخاري: كنت إذا دخلت على سليمان بن حرب يقول: بين لنا غلط شعبة. وقال محمد بن أبى حاتم وراق البخاري سمعت يحي بن جعفر البيكندي يقول: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فان موتى يكون موت رجل واحد وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم. وقال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل، ولما بلغ على بن المديني قول البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند على بن المديني، قال لمن أخبره: دع قوله، ما رأى مثل نفسه. وقال رجاء بن رجاء: هو- يعنى البخاري- آية من آيات الله تمشى على ظهر الأرض. وقال أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور: هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري. ويقول الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ: وكان رأسا في الذكاء، رأساً في العلم، رأسا في الورع والعبادة، ويقول في كتابه العبر: وكان من أوعية العلم يتوقد ذكاء، ولم يخلف بعده مثله رحمة الله عليه. وقال الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: هو إمام أهل الحديث في زمانه والمقتدى به في أوانه والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه، وقال: وقد كان

стр. 8

البخاري ﵀ في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء والرغبة في الآخرة دار البقاء. وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية: هو إمام المسلمين وقدوة الموحدين وشيخ المؤمنين والمعول عليه في أحاديث سيد المرسلين وحافظ نظام الدين. وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل على الخيل سوى من ركب بغلا أو حمارا وسوى الرجالة: هذا غيض من فيض مما قيل في الإمام أبى عبد الله البخاري رحمه الله تعالى برحمته الواسعة. مصنفاته: وقد اتحف الإمام البخاري ﵀ المكتبة الإسلامية بمصنفات قيمة نافعة، أجلها وعلى رأسها كتابه الجامع الصحيح الذي هو أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي. ومنها الأدب المفرد، ورفع اليدين في الصلاة، والقراءة خلف الإمام، وبر الوالدين، والتأريخ الكبير والأوسط والصغير، وخلق أفعال العباد، والضعفاء، والجامع الكبير، والمسند الكبير، والتفسير الكبير، وكتاب الأشربة، وكتاب الهبة، وأسامي الصحابة، إلى غير ذلك من مؤلفاته الكثيرة التي أورد كثيرا مخها الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة فتح الباري.. عناية العلماء بترجمته ونقل أخباره ﵀: لما قام الإمام البخاري ﵀ بالعناية التامة في تدوين سنة النبي ﷺ وتنقيتها من الشوائب، وتجريد

стр. 9

الأحاديث الصحيحة جعل الله له لسان صدق في الآخرين، فما زال الناس منذ عمره، ولا يزالون يثنون عليه ويترحمون عليه ويولون كتابه الجامع الصحيح العناية التامة، وما من مؤلف في التاريخ وتراجم الرجال إلا ويزين مؤلفه بذكر ترجمته والتنويه بشأنه ونقل أخباره ﵀. فهذا الحافظ الذهبي ﵀ يترجم له في تذكرة الحفاظ ويقول بعد نقل شيء من مناقبه قلت: قد أفردت مناقب هذا الإمام في جزء ضخم فيه العجب. وهذا الحافظ ابن حجر يترجم له في تهذيب التهذيب، ويقول في ترجمته. قلت: مناقبه كثيرة جداً قد جمعتها في كتاب مفرد، ولخصت مقاصده في آخر الكتاب الذي تكلمت فيه على تعاليق الجامع الصحيح. وقد ترجم له أيضاً في آخر كتابه هدى الساري مقدمة فتح الباري، ونقل شيئا من ثناء مشايخه وأقرانه عليه. ثم قال: ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفنى القرطاس ونفدت الأنفاس، فذاك بحر لا ساحل له. وذكره الحافظ ابن كثير فما تاريخه البداية والنهاية في أعيان سنة ست وخمسين ومائتين وقال: وقد ذكرنا له ترجمة حافلة في أول شرحنا لصحيحه، ولنذكر ههنا نبذة يسيرة من ذلك فذكرها في ثلاث صفحات. وترجم له ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، وعدد شيئا من مناقبه. ثم قال: واعلم أن مناقب أبى عبد الله كثيرة فلا مطمع نما استيعاب غالبها، والكتب مشحونة وفيما أوردناه مقنع وبلاغ. ويجدر بهذه المناسبة أن أضع بين يدي القاريء جدولا يوضح بعض الكتب المطبوعة التي اشتملت على ترجمته، وتسمية مؤلفيها، مع ذكر تاريخ

стр. 10

وفياتهم، وعدد صفحات الترجمة وتعيينها من كل كتاب، ليكون راغب الوقوف على أخباره ﵀ على علم بمظنتها، كما يدرك من ذلك أيضاً المطول منها والمختصر وذلك فيما يلي: المؤلف وتاريخ وفاته ... اسم الكتاب ... عدد صفحات الترجمة ... الصفحة الأولى ... الجزء ... تاريخ الطبع ومكانه ١-الخطيب البغدادي ٤٦٣هـ ... تاريخ بغداد ... ٣١ ... ٤ ... ٢ ... مصر ١٣٤٩هـ ٢- القاضي محمد بن أبي يعلى٥٢٦هـ ... طبقات الحنابلة ... ٩ ... ٢٧١ ... ١ ... مطبعة السنة المحمدية بمصر ٣- ابن خلكان٦٨١هـ ... وفيات الأعيان ... ٣ ... ٣٢٩ ... ٣ ... ١٣٦٧هـ مصر ٤- الحافظ الذهبي٧٤٨هـ ... تذكرة الحفاظ ... ٢ ... ١٣٤ ... ٢ ... في حيدرأباد بالهند ٥- ابن السبكي ٧٧١هـ ... طبقات الشافعية كبرى ... ١٨ ... ٢ ... ٢ ... ١٣٢٤هـ مصر ٦- الحافظ بن كثير٧٧٤هـ ... البدايه والنهاية ... ٣ ... ٢٤ ... ١١ ... مطبعة السعادة بمصر ٧- الحافظ ابن حجر العسقلاني٨٥٢هـ ... هدي الساري ... ١٧ ... ٢٥٠ ... ٢ ... ١٣٨٣هـ مصر ٨- الحافظ ابن حجر العسقلاني٨٥٢هـ ... تهذيب التهذيب ... ٩ ... ٤٧ ... ٩ ... ١٣٢٦هـ حيدرآباد ٩- العليمي الحنبلي٩٢٧هـ ... المنهج الأحمد ... ٤ ... ١٣٣ ... ١ ... ١٣٨٢هـ مصر ١٠- ابن العماد الحنبلي١٠٨٩هـ ... شذرات الذهب ... ٢ ... ١٣٤ ... ٢ ... ١٣٥٠هـ مصر ١١- صديق حسن خان١٣٠٧هـ ... التاج المكلل ... ٣ ... ١٠٦ ... ٠ ... ١٣٨٢هـ الهند وفاته ومدة عمره: توفي ﵀ في خَرتَنَك قرية من قرى سمرقند ليلة السبت بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين. ومدة عمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يوما، رحمه الله تعالى. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في كتابه البداية والنهاية: وقد ترك ﵀ بعده علما نافعا لجميع المسلمين، فعلمه لم ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات في الحياة، وقد قال رسول الله ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به ... " الحديث رواه مسلم.

стр. 11

تعريف موجز بصحيح البخاري اسمه: اشتهر بين الناس قديما وحديثا تسمية الكتاب الذي ألفه الإمام البخاري ﵀ في الحديث النبوي (صحيح البخاري) . أما اسمه عند البخاري ﵀ فالجامع الصحيح كما ذكر ذلك في الباعث له على تأليفه وقد سماه "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه "، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه فتح الباري، وذكر ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث أنه سماه: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه ". السبب الباعث للإمام البخاري على تأليفه: ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه فتح الباري أسبابا ثلاثة دعت الإمام البخاري ﵀ إلى تأليف كتابه الجامع الصحيح: أحدها: أنه وجد الكتب التي ألفت قبله بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف فلا يقال لغثه سمين، قال فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب في صحته أمين. كذا ولعله فلا يقال لغثه غث ولا لسمينه سمين. الثاني: قال: وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية، وساق بسنده إليه أنه قال: كنا عند إسحاق بن راهوية فقال: " لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله ﷺ ، قال فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح". الثالث: قال: وروينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال سمعت البخاري يقول: رأيت النبي ﷺ وكأني واقف بين يديه وبيدي

стр. 12

مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح. مدى عنايته في تأليفه: ولم يأل البخاري ﵀ جهدا في العناية، في هذا المؤلف العظيم يتضح مدى هذه العناية مما نقله العلماء عنه، فنقل الفربري عنه أنه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. ونقل عمر بن محمد البجيري عنه أنه قال: ما أدخلت فيه- يعنى الجامع الصحيح- حديثاً إلا بعد ما استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته. ونقل عنه عبد الرحمن بن رساين البخاري أنه قال: صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى. موضوع الجامع الصحيح: والأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ هي موضوع كتابه الجامع الصحيح فهي التي وجه عنايته إليها وجعل كتابه مشتملا عليها ويدل لذلك أمور منها: ١- تسميته لكتابه: الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه. ٢- تصريحه بذلك في نصوص كثيرة نقلت عنه، تقدم ذكر بعضها في السبب الباعث له على تأليفه وفي التنويه بمدى عنايته في تأليفه، ومن ذلك غير ما تقدم ما نقله الإسماعيلي عنه أنه قال لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً وما تركت من الصحيح أكثر وروى إبراهيم بن معقل عنه أنه قال: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح- وتركت من الصحيح حتى لا يطول. محتويات الجامع الصحيح: وصحيح البخاري كما اشتمل على

стр. 13

الأحاديث الصحيحة التي هي موضوع الكتاب، فهو يشتمل أيضاً على ما في تراجم أبوابه من الاستنباط وذكر أقوال السلف ومن التعليقات والموقوفات وغير ذلك مما ليس داخلا في موضوع كتابه. قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري بعد الإشارة إلى موضوع الكتاب: ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة انتهى. وبذلك جمع الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح بين الرواية والدراية بين حفظ سنة رسول الله ﷺ وفهمها. التعليقات في صحيح البخاري: التعليق هو حذف راو أو أكثر من أول السند ولو إلى آخر الإسناد، وهو كثير في صحيح البخاري بخلاف صحيح مسلم فإنه فيه قليل جدا. وقد ألف الحافظ ابن حجر في وصل تعليقات البخاري كتابا أسماه: "تغليق التعليق " واختصر هذا الكتاب في مقدمة الفتح في فصل طويل ذكر فيه تعاليقه المرفوعة والإشارة إلى من وصلها، وكذا المتابعات لالتحاقها بها في الحكم، قال في أوائل الفصل؟ وقد بسطت ذلك جميعه في تصنيف كبير سميته تغليق التعليق ذكرت فيه جميع أحاديثه المرفوعة وآثاره الموقوفة، وذكرت من وصلها بأسانيدي إلى المكان المعلق، فجاء كتابا حافلا وجامعا كاملا- إلى أن قال- وما علمت أحدا تعرض لتصنع في ذلك، وقال نص نهاية الفصل بعد ذكر آخر ما في الصحيح من الأحاديث المعلقة المرفوعة: وقد بينت ما وصله منها في مكان آخر من كتابه مع تعيينه، وما لم يصله هو في مكان آخر من كتابه، ووصله في مكان من كتبه التي هي خارج الصحيح بينته أيضاً، وما لم نقف عليه من طريقه بينت من وصله إلى من علق عنه من الأئمة في تصانيفه إلى آخر كلامه ﵀.

стр. 14

وحاصل الحكم على التعليقات أن ما كان منها بصيغة الجزء كقال وروى وجاء ونحو ذلك مما بنى الفعل فيه للمعلوم فهو صحيح إلى من علقه عنه، ثم النظر فيما بعد ذلك، وما كان منها بصيغة التمريض كقيل ورُوى ويُروى ويُذكر ونحو ذلك مما بنى الفعل فيه للمجهول، فلا يستفاد منها صحة ولا ينافيها أيضاً، ذكر معنى ذلك الحافظ ابن كثير في اختصاره لمقدمة ابن الصلاح وقال: لأنه قد وقع من ذلك كذلك وهو صحيح وربما رواه مسلم، وقال الحافظ في مقدمة الفتح بعد ذكر الصيغة الأولى: الصيغة الثانية وهي صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه لكن فيه ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح. عدد أحاديث صحيح البخاري: قد حرر الحافظ ابن حجر عدد الأحاديث المرفوعة في صحيح البخاري والمعلقة، وأوضح ذلك في مقدمة الفتح إجمالا وتفصيلا، وإليك خلاصة ما انتهي إليه في ذلك على سبيل الإجمال: ١- عدد الأحاديث المرفوعة الموصولة بما فيها المكررة ٧٣٩٧ حديثا ٢- عدد الأحاديث المرفوعة المعلقة بما فيها المكررة ١٣٤١ حديثا ٣- عدد ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ٣٤٤ حديثا ٤- عدد ما فيه من الموصول والمعلق والمتابعات المرفوعة بالمكررة ٩٠٨٢ حديثا ٥- عدد الأحاديث المرفوعة الموصولة بدون تكرار ٢٦٠٢ حديثا ٦- عدد الأحاديث المعلقة بدون تكرار ١٥٩ حديثا ٧- عدد الأحاديث المرفوعة موصولة أو معلقة بدون تكرار ٢٧٦١ حديثا وهذه الأعداد إنما هي في المرفوع خاصة دون ما في الكتاب من الموقوفات على الصحابة والمقطوعات عن التابعين ومن بعدهم.

стр. 15

وبعد ذكر الحافظ ابن حجر لجملة الأحاديث بدون تكرار قال: وبين هذا العدد الذي حررته والعدد الذي ذكره ابن الصلاح وغيره تفاوت كثير، ويعنى بذلك ما جاء عن ابن الصلاح حيث قال في علوم الحديث: وقد قيل إنها باسقاط المكررة أربعة آلاف حديث ثم إنه علل ذلك بقوله: يحتمل أن يكون العاد الأول الذي قلدوه في ذلك كان إذا رأى الحديث مطولا في موضع ومختصرا في موضع آخر يظن أن المختمر غير المطول إما لبعد العهد به أو لقلة المعرفة بالصناعة، ففي الكتاب من هذا النمط شيء كثير، وحينئذ يتبين السبب في تفاوت ما بين العددين والله الموفق، انتهي كلامه ﵀ وغفر له وجزاه عن خدمته التامة للسنة وبخاصة أصح الكتب الحديثية خير الجزاء. السر في إعادة البخاري الحديث الواحد في موضع أو مواضع من صحيحه: معلوم أن الإمام البخاري ﵀ لم يرد الاقتصار في صحيحه على سرد الأحاديث الصحيحة. وإنما أراد مع جمع الحديث الصحيح استنباط ما اشتمل عليه من حكم وأحكام ولذلك يستنبط من الحديث الحكم ويجعله ترجمة. ثم يورد الحديث تحتها للاستدلال به عليها، ويستنبط منه حكما آخر يترجم به ويورد الحديث مرة أخرى للاستدلال به أيضا فيكون التكرار لغرض الاستدلال، على أنه إذا أعاد الحديث مستدلا به لا يخلى المقام من فائدة جديدة وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه من قبل، وذلك يفيد تعدد الطرق لذلك الحديث، ولهذا قال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي فيما نقل عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح، وقلما يورد حديثا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وذكر الحافظ ابن حجر أن الذي وقع له من ذلك قليل جدا. وقال صاحب كشف الظنون، والتي ذكرها سندا ومتنا محادا ثلاثة وعشرون حديثا. وللبخاري أغراض أخرى في إعادة الحديث في موضع أو مواضع ذكر كثيرا منها الحافظ في مقدمة الفتح.

стр. 16

تراجم صحيح البخاري: وصف الحافظ ابن حجر تراجم صحيح البخاري بكونها حيرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار، وبكونها بعيدة المنال منيعة المثال انفرد بتدقيقه فيها عن نظرائه، واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه، وقد فصل القول فيها في مقدمة الفتح وذكر أن منها ما يكون دالا بالمطابقة لما يورده تحتها، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو معناه وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام حيث لا يجزم بأحد الاحتمالين، وكثيرا ما يترجم بأمر لا يتضح المقصود منه إلا بالتأمل كقوله: باب قوله الرجل ما صلينا، فإن غرضه الرد على من كره ذلك، وكثيرا ما يترجم بلفظ يوميء إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدى معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي، وربما اكتفي أحيانا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معه أثراً أو آية فكأنه يقول لم يصح في الباب شيء على لشرطه. لهذه الأمور وغيرها اشتهر عن جمع من الفضلاء قولهم: فقه البخاري في تراجمه. شرط البخاري في صحيحه: روى الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح بسنده إلى الحافظ أبى الفضل بن طاهر المقدسي أنه قال: شرط البخاري أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بثمن الثقات الإثبات ولكون إسناده متصلا غير مقطوع وإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن، وإن لم يكن إلا راو واحد وصح الطريق إليه كفي انتهى. وهذا الذي رواه الحافظ عنه في مقدمة الفتح صرح. به المقدسي نفسه بلفظ قريب منه في أول كتابه بشروط الأئمة الستة. وقال الحافظ في مقدمة الفتح وفي شرح نخبة الفكر في معرض ترجيح صحيحه على صحيح مسلم: أما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن

стр. 17

يكون الراوي قد ثبت لي لقاء من روى عنه ولو مرة واكتفي مسلم بمطلق المعاصرة، وقال في شرح النخبة أيضاً في أثناء تعداد مراتب الصحيح: ثم يقدم في الأرجحية من حيث الأصحية ما وافقه شرطهما لأن المراد به رواتهما مع باقي لشروط الصحيح. ثناء العلماء عليه وتلقيهم له ولصحيح مسلم بالقبول: قال الحافظ في مطلع مقدمة الفتح: وقد رأيت الإمام أبا عبد الله البخاري في جامعه الصحيح قد تصدى للاقتباس من أنوارهما البهية- يعنى الكتاب والسنة- تقريرا واستنباطا، وكرع من مناهلهما الروية انتزاعا وانتشاطا، ورزق بحسن نيته السعادة فيما جمع حتى أذعن له المخالف والموافق، وتلقى كلامه في الصحيح بالتسليم المطاوع والمفارق، إلى آخر كلامه ﵀. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: وأجمع العلماء على قبوله - يعنى صحيح البخاري- وصحة ما فيه، وكذلك سائر أهل الإسلام. وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، وأما كتابه الجامع الصحيح فأجل كتب الإسلام بعد كتاب الله. وقال أبو عمرو بن الصلاح في علوم الحديث بعد ذكره أن أول من صنف في الصحيح البخاري ثم مسلم. وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز، ثم قال: ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحاً وأكثر هما فوائد. وقال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد الكتاب العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث انتهى.

стр. 18

وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه الكمال- فيما نقله في شذرات الذهب: الإمام أبو عبد الله الجعفي مولاهم البخاري صاحب الصحيح، إمام هذا الشأن والمقتدى به فيه والمعول على كتابه بين أهل الإسلام. وقال الإمام الشوكاني في مطلع كتابه قطر الولي على حديث الولي، وهو حديث "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " قال: ولا حاجة لنا في الكلام على رجال إسناده فقد أجمع أهل هذا الشأن أن أحاديث الصحيحين أو أحدهما كلها من المعلوم صدقه المتلقي بالقبول المجمع على ثبوته، وعند هذه الإجماعات تندفع كل شبهة ويزول كل تشكيك، وقد دفع أكابر الأئمة من تعرض للكلام على شيء مما فيهما وردوه أبلغ رد وبينوا صحته أكمل بيان، فالكلام على إسناده بعد هذا لا يأتي بفائدة يعتد بها، فكل رواته قد جاوزوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين موهن انتهى. هذه أمثلة لكلام العلماء في صحيح البخاري، وبيان علو درجته وتلقى الأمة له ولصحيح مسلم بالقبول. وجوه ترجيح صحيحه على صحيح مسلم: تقدم ذكر بعض أقوال الأئمة الدالة على تقديم الصحيحين صحيح البخاري وصحيح مسلم على غير هما وتلقى الأمة لهما بالقبول، وفي بعضها النص على تقديم صحيح البخاري على صحيح مسلم وهو أمر مشهور عند أهل العلم وذلك لأمور: الأول: أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضعة وثلاثون رجلا، المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلا، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا، المتكلم فيه بالضعف منهم مائة وستون رجلا، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلا أولى من التخريج عمن تكلم فيه وإن لم يكن ذلك الكلام قادحا.

стр. 19

الثاني والثالث: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم، وأن أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم وميز جيدها من موهومها بخلاف مسلم في الأمرين. الرابع: أن البخاري اشترط ثبوت التلاقي بين الراوي ومن روى عنه ولو مرة واكتفي مسلم بمجرد المعاصرة وذلك واضح الدلالة على تقديم صحيح البخاري على صحيح مسلم لما فيه من شدة الاحتياط وزيادة التثبت. الخامس: أن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر. وهذه الوجوه بالإضافة إلى اتفاق العلماء على أن البخاري أعلم بهذا الفن من مسلم وأن مسلما تلميذه وخريجه، وكان يشهد له بالتقدم في هذا الفن والإمامة فيه والتفرد بمعرفة ذلك في عصره. وقد أوضح هذه الوجوه وغيرها الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح، وفي شرحه لنخبة الفكر. وهذا الترجيح لصحيح البخاري على صحيح مسلم المراد به: ترجيح الجملة على الجملة لا كل فرد من أحاديثه على كل فرد من أحاديث الآخر كما أشار إلى ذلك السيوطي في ألفيته بقوله: وربما يعرض للمفوق ما ... يجعله مساويا أو قدما ومن أمثلة ذلك كما في شرح النخبة للحافظ ابن حجر: أن يكون الحديث عند مسلم وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر لكن حفته قرينة صار بها يفيد العلم فإنه يقدم على الحديث الذي يخرجه البخاري إذا كان فردا مطلقا.. أما ما نقل عن بعض العلماء من تقديم صحيح مسلم على صحيح البخاري فهو راجع إلى حسن السياق وجودة الوضع والترتيب لا إلى الأصحية كما قرر ذلك أهل هذا الشأن.

стр. 20

عدد شيوخ البخاري في الجامع الصحيح وطبقاتهم: ذكر صاحب كشف الظنون أن عدد مشايخ البخاري الذين خرج عنهم في الجامع الصحيح مائتان وتسعة وثمانون، وعدد الذين تفرد بالرواية عنهم دون مسلم مائة وأربعة وثلاثون. وذكر الحافظ في مقدمة الفتح أن مشايخه منحصرون في خمس طبقات: الطبقة الأولى: من حدثه عن التابعين مثل محمد بن عبد الله الأنصاري حدثه عن حميد، ومثل مكي بن إبراهيم حدثه عن يزيد بن أبى عبيد، ومثل أبى عاصم النبيل حدثه عن يزيد بن أبى عبيد أيضاً، ومثل عبيد الله بن موسى حدثه عن إسماعيل بن أبى خالد، ومثل أبى نعيم حدثه عن الأعمش، ومثل خلاد بن يحي حدثه عن عيسى بن طهمان، ومثل على بن عياش وعصام بن خالد حدثاه عن حريز بن عثمان، وشيوخ هؤلاء كلهم من التابعين. الطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين، كآدم بن أبى إياس، وأبى مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وسعيد بن أبى مريم، وأيوب بن سليمان بن بلال وأمثالهم. الطبقة الثالثة: هي الوسطى من مشايخه وهم من لم يلق التابعين بل أخذ عن كبار تبع الأتباع، كسليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد ونعيم بن حماد وعلى بن المديني ويحي بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبى بكر وعثمان بن أبى شيبة وأمثال هؤلاء، وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم. الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلا كمحمد بن يحي الذهلي وأبى حاتم الرازي ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة وعبد بن حميد

стр. 21

وأحمد بن النضر وجماعة من نظرائهم، وإنما يخرج عن هؤلاء ما فاته من مشايخه أو ما أيجده عند غيرهم. الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإسناد سمع منهم للفائدة، كعبد الله بن حماد الآملي وعبد الله بن أبى العاص الخوارزمي وحسين ابن محمد القباني وغيرهم، وقد روى عنهم أشياء يسيرة وعمل في الرواية عنهم بما روى عثمان بن أبى شيبة عن وكيع قال: "لا يكون الرجل عالما حتى يحدث عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه"، وعن البخاري أنه قال: "لا يكون المحدث كاملا حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه ... " ثناء العلماء على الرواة المخرج لهم ؤ صحيح البخاري، وانتقاد بعض الحفاظ بعضهم والجواب على ذلك: تقدم في كلام الشوكاني على صحة حديث "من عادى لي وليا " قوله: فكل رواته قد جاوزوا القنطرة وارتفع عنهم القيل والقال وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام أو يتناولهم طعن طاعن أو توهين موهن. وقال الحافظ في مقدمة الفتح: وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي خرج عنه في الصحيح: "هذا جاز القنطرة"، يعنى بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه. وقال الحافظ في شرح نخبة الفكر: ورواتهما- يعنى الصحيحين- قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم، فهم مقدمون على غيرهم في رواياتهم وهذا أصل لا يخرج عند إلا بدليل انتهى. وقد كان من دأب العلماء أحيانا عند إرادة التعريف ببعض الرواة: الاكتفاء بالقول: بأنه من رجال الصحيحين أو أحدهما. هذا وقد انتقد بعض الحفاظ نحو الثمانين من رجال صحيح البخاري كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند ذكر وجوه ترجيح صحيح البخاري على

стр. 22

صحيح مسلم، وقد عقد الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح فصلا ذكرهم فيه واحدا واحدا، وأجاب عما وجه إليهم من انتقادات، وقال في معرض تعداد الفصول العشرة التي اشتملت عليها المقدمة:- التاسع- في سياق أسماء جميع من طعن فيه من رجاله على ترتيب الحروف، والجواب عن ذلك الطعن بطريق الإنصاف والعدل والاعتذار عن المصنف في التخريج لبعضهم ممن يقوى جانب القدح فيه إما لكونه تجنب ما طعن فيه بسببه، وإما لكونه أخرج ما وافقه عليه من هو أقوى منه، وإما لغير ذلك من الأسباب، وقال في مطلع الفصل المشار إليه: وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولاسيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، هذا إذا خرج له في الأصول، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا فذلك الطعن مقابل تعديل هذا الإمام فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي أو في ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة على الجرح متفاوتة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح، ثم إنه ذكر الأسباب الخمسة التي عليها مدار الجرح وهي البدعة والمخالفة والغلط وجهالة الحال ودعوى الانقطاع في السند، وتكلم على كل منها بالنسبة لرجال الصحيح إجمالا ثم نبه على أمور قدح بها بعض العلماء وهي غير قادحة. وقال الخطيب البغدادي - كما في قواعد التحديث للقاسمي: ما احتج البخاري ومسلم به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب. وقال الحافظ الذهبي في جزء جمعه في الثقات الذين تكلم فيهم بما لا

стр. 23

يوجب ردهم ما نصه: وقد كتبت في مصنفي الميزان عددا كثيرا من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم وغير هما بهم، لكون الرجل منهم قد دون اسمه في مصنفات الجرح وما أوردتهم لضعف فيهم عندي بل ليعرف ذلك، وما زال يمر بي الرجل الثبت وفيه مقال من لا يعبأ به إلى آخر كلامه ﵀. انتقاد بعض الحفاظ بعض الأحاديث في صحيح البخاري والجواب عن ذلك: ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن الدارقطني وغيره من الحفاظ انتقدوا على الصحيحين مائتين وعشرة أحاديث، اشتركا في اثنين وثلاثين حديثا وانفرد البخاري عن مسلم بثمانية وسبعين حديثا وانفرد مسلم عن البخاري بمائة حديث، وقد عقد فصلا خاصا للكلام على الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري أورد فيه الأحاديث على ترتيب الصحيح وأجاب عن الانتقادات فيها تفصيلا، وقد أجاب عنها في أول الفصل إجمالا حيث قال: والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصر هما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، ثم ذكر بعض ما يؤيد ذلك. ثم قال: فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عند هما فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غير هما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما: الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد. الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد. الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها. الرابع: ما تفرد به الرواة ممن ضعف من الرواة.

стр. 24

الخامس: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله. السادس: ما اختلف فيه بتعيين بعض ألفاظ المتن. وفي ضمن ذكره لهذه الأقسام ذكر الجواب عن ذلك في الجملة وأشار إلى بعض الأحاديث المنتقدة التي فصل القول فيها بما يوضح الجواب الإجمالي. ثم قال: فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح وقد حررتها وحققتها وقسمتها وفصلتها، لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر. وقال في نهاية الفصل: هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد المطلعون على خفايا الطرق- إلى أن قال: فإذا تأمل المنصف ما حررته من ذلك عظم مقدار هذا المصنف في نفسه وجل تصنيفه في عينه وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم. عناية العلماء بصحيح البخاري: وقصارى القول: أن صحيح البخاري أول مصنف في الصحيح المجرد وهو أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز، ورجاله مقدمون في الرتبة على غيرهم وأحاديثه على كثرتها أينتقد الجهابذة المبرزون في هذا الفن منها إلا القليل مع عدم سلامة هذا النقد، ومع هذا كله جمع فيه مؤلفه ﵀ بين الرواية والدراية، وهذه الميزات وغيرها هي السر في إقبال العلماء عليه واشتغالهم فيه وعنايتهم التامة به، فلقد بذل العلماء قديما وحديثاً فيه الجهود العظيمة، وصرفوا في خدمته الأوقات الثمينة، وأولوه ما هو جدير به من اهتمامهم، فكم شارح لجميع ما بين دفتيه بسطا واختصارا، ومقتصر على إيضاح بعض جوانبه، فألفوا في رجاله عموما وفي شيوخه خصوصا، وصنفوا في شرح تراجم أبوابه وغير ذلك من الجوانب التي أفردت بالتأليف. وكان على رأس المبرزين في هذا الميدان الحافظ الكبير أحمد بن حجر العسقلاني المتوفي سنة ٨٥٢ هـ، فقد أودع في كتابه العظيم فتح الباري بشرح

стр. 25

صحيح البخاري مع مقدمته ما في العجب، فكما أن مؤلفه ﵀ أحسن في انتقائه وجمعه غاية الإحسان فقد أحسن الحافظ ابن حجر في خدمته والعناية به تمام الإحسان، وإن نسبته إلى غيره من الشروح كنسبة صحيح البخاري إلى غيره من المصنفات، فرحم الله الجميع برحمته الواسعة وجزاهم خير الجزاء.

стр. 26

الحديث الأول قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ في كتاب العلم من صحيحه: (باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) . حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطى، ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله".

стр. 27

المبحث الأول، التخريج: هذا الحديث رواه البخاري بتمامه نص ثلاثة مواضع هذا أحدها والثاني في كتاب فرض الخمس حيث قال: حدثنا حبان ابن موسى أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يقول: قال رسول الله ﷺ "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين والله المعطى وأنا القاسم ولا تزال هذه الأمة ظاهرة على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون"، والثالث في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة حيث قال: حدثنا إسماعيل حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد قال: سمعت معاوية بن أبى سفيان يخطب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله". ورواه مسلم في كتاب الزكاة من صحيحه دون الجملة الأخيرة في موضعين قال نا الأول: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبه حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقى عن عبد الله بن عامر اليحصبى قال

стр. 28

سمعت معاوية يقول إياكم وأحاديث إلا حديثا كان في عهد عمر فإن عمر كان يخيف الناس في الله ، سمعت رسول الله ﷺ وهويقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك الله له فيه ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذى يأكل ولا يشبع". وقال في الثاني: حدثني حرملة بن يحي أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت معاوية بن أبى سفيان وهو يخطب يقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطى الله". ورواه في كتاب الإمارة دون الجملة الوسطى فقال: حدثني اسحاق بن منصور أخبرنا كثير بن هشام حدثنا جعفر وهو ابن برقان حدثنا يزيد بن الأصم قال سمعت معاوية بن أبى سفيان ذكر حديثا رواه عن النبي ﷺ لم أسمعه روى عن النبي ﷺ على منبره حديثا غيره قال: قال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولاتزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة". وقد روى الشيخان الجملة الأخيرة فقط في أحاديث أخرى غير هذه الأحاديث المذكورة. وقال الترمذي في جامعه: باب إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين، حدثنا على بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن أبيه عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". وفي الباب عن عمر وأبي هريرة ومعاوية، هذا حديث حسن صحيح انتهى. ورواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس ﵁، ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبى هريرة ﵁ بمثل الجملة الأولى عند

стр. 29

الشيخين والترمذى، ورواه أيضاً من خديث معاوية ﵁ ولفظه: "الخير عادة والشر لجاجة ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين". ورواه ابن حبان في صحيحه فقال: أخبرنا ابن قتيبة (وهو محمد بن الحسن) قال حدثنا حرملة بن يحي قال حدثنا ابن وهب قال أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبى سفيان يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ورواه البخاري تعليقا في باب: العلم قبل القول والعمل من كتاب العلم فقال: وقال ﷺ "من يرد الله به خيراً يفقهه وإنما العلم بالتعلم". قال الحافظ ابن حجر: كذا في رواية الأكثر وفي رواية المستملى يفهمه، ثم أشار إلى أن البخاري وصله باللفظ الأول، ثم قال: وأما اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبى عاصم في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن عمر مرفوعا وإسناده حسن، والفقه هو الفهم قال الله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ أي لا يفهمون، والمراد الفهم في الأحكام الشرعية قال وقوله "وإنما العلم بالتعلم" هو حديث مرفوع أيضا أورده ابن أبى عاصم والطبراني من حديث معاوية أيضاً بلفظ: "يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه"، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، إسناده حسن إلا أن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر، وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود موقوفا. ورواه أبونعيم الأصبهاني مرفوعا، وفي الباب عن أبى الدرداء وغيره، فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري، والمعنى ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم، انتهى. وقال الحافظ أبو بكر الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن عمر بن الخطاب أن رسوله الله ﷺ قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وهوضعيف: وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من يرد الله به خيرا يفقهه فأ الدين"، رواه الطبراني في الصغير ورجاله رجال الصحيح، وعن عبد الله يعنى ابن مسعود ﵁ قال:

стр. 30

قال رسول الله ﷺ "إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده"، رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون انتهى. وأورد الحافظ المنذرى في كتابه الترغيب والترهيب حديث ابن مسعود هذا، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به، وأورد حديث معاوية عند الشيخين وابن ماجه وقال: ورواه أبويعلى وزاد فيه: ومن لم يفقهه لم يبال به، وروى حديث معاوية ﵁ أبو نعيم في الحلية في ترجمة رجاء بن حيوة من رواية رجاء بن حيوة عنه، وفي ترجمة محمد بن المبارك من رواية يونس بن ميسرة عنه، وفي ترجمة على بن عبد الحميد من رواية عبد الله ابن عامر عنه، ورواه بلفظ: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده" من حديث ابن مسعود ﵁ في ترجمة شقيق بن سلمة من رواية أبى بكر بن عياش عن الأعمش عن أبى وائل عنه، وقال: غريب من حديث الأعمش تفرد عنه به أبو بكر بن عياش. وقال أبو عمر بين عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله: باب قوله ﷺ "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، ثم روى بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً: "من يرد الله به خيراً يفقهه". ورواه بسنده عنه عن أبيه عمر ﵄ مرفوعا بلفظ: "من يرد الله أن يهديه يفقهه"، ثم قال: أخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي، قال حدثنا سليمان بن داود الشاذكوني قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا معمر عن الزهري في سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، وفي هذا الباب حديث معاوية صحيح أيضاً حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا يحي القطان عن ابن عجلان قال حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: كان معاوية ابن أبى سفيان يخطب بالمدينة يقول: "أيها الناس إنه لا مانع لما أعطي الله، ولا معطى لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".

стр. 31

سمعت هذه الكلمات من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد. وأخبرنا عبد الرحمن بن يحي قال حدتنا على بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال أخبرنا عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدتنا محمد١ بن عبد الرحمن قال سمعت معاوية وخطبنا فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطى، ولن تزال هذه الأمة قائمة على الحق أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، وروى نحوه بسنده إلى الإمام البخاري ومنه عن شيخه سعيد بن عفير بمثل سنده في كتاب العلم من صحيحه. وروى بسنده إلى كثير بن هشام في سند الحديث الذي أورده الإمام مسلم في كتاب الإمارة ومنه بمثل سنده ومتنه عنده. وروى بسنده إلى عبد الله بن محيريز عن معاوية أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين" انتهى. ورواه أبو داود الطيالسي بسنده إلى محمد بن كعب القرطبي عن معاوية بنحو حديثه المتقدم ذكره عند ابن عبد البر. خلاصة التخريج: والخلاصة أن الجملة الأولى التي ترجم بها الإمام البخاري ﵀ وهي قول ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" رواها الشيخان وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وابن أبى عاصم والطبراني وأبو يعلى وأبو نعيم الأصبهاني وأبو عمر بن عبد البر وأبو داود الطيالسي من حديث معاوية بن أبى سفيان ﵁، ورواها الترمذي والإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵁ ورواها ابن ماجه والطبراني في الصغير وأبو عمر بن عبد البر من حديث أبى هريرة ﵁، ورواها ابن أبى عاصم والطبراني في الأوسط وأبو عمر بن عبد البر من حديث عمر بن الخطاب ﵁، ورواها أبو عمر بن عبد البر من حديث ابن عمر ﵄، ورواها البزار والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود ﵁.

стр. 32

من فوائد هذا التخريج: ١- الوقوف على كثرة طرق الحديث، ومعلوم أن كثرة الطرق تحصل بها زيادة القوة. ٢- الوقوف على تصريح عبد الله بن وهب بالأخبار والأنباء كما في إحدى الروايات عند مسلم وكما عند ابن حبان، وعبد الله بن وهب قد وصفه ابن سعد بالتدليس كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن مدار أسباب الجرح على خمسة أشياء فذكر من بينها دعوى الانقطاع في السند بأن يدعى في الراوي أنه كان يدلس أو يرسل، ثم قال عند الجواب عن ذلك: وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده- أي البخاري- بالعنعنة فإن وجد التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض وإلاّ فلا.. وهذا الحديث قد رواه ابن وهب بالعنعنة عند البخاري وقد صرح بالأخبار عند مسلم والأنباء عند ابن حبان كما رأيت فاندفع الاعتراض بعد حصر الطرق والوقوف عليها. ٣- معرفة المكان الذي خطب فيه معاوية ﵁ وأنه على منبر رسول الله ﷺ في المدينة كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات مسلم وأوضحته رواية ابن عبد البر.

стр. 33

المبحث الثاني، التعريف برجال الإسناد بإيجاز: الأول: أول رجال الإسناد سعيد بن عفير شيخ البخاري، وهو سعيد ابن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاري مولاهم أبو عثمان المصري وقد ينسب إلى جده كما في إسناد هذا الحديث: روى عن الليث ومالك وابن وهب وغيرهم، وروى عنه البخاري في الصحيح والأدب المفرد.

стр. 34

وخرج حديثه مسلم وأبو داود في القدر والنسائي، قال الحافظ في التقريب: صدوق عالم في الأنساب وغيرها، وقال: وقد رد ابن عدى على السعدي في تضعيفه وقال في تهذيب التهذيب: وذكره ابن حبان في الثقات وقال إبراهيم ابن الجنيد وابن معين: ثقة لا بأس به، وقال النسائي: سعيد بن عفير صالح وابن أبى مريم أحب إلي منه. وقال الحاكم يقال إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه. وقال في خلاصة تهذيب الكمال: قال ابن عدى صدوق ثقة، وقال الحافظ في هدى الساري: ونقل عن الدولابي عن السعدي قال: سعيد بن عفير فيه غير لون من البدع وكان مخلطا غير ثقة ثم تعقب ذلك ابن عدى فقال: هذا الذي قاله السعدي لا معنى له ولا بلغني عن أحد في سعيد كلام، وهو عند الناس ثقة ولم ينسب إلى بدع ولا كذب ولم أجد له بعد استقصائي على حديثه شيئا ينكر عليه سوى حديثين رواهما عن مالك فذكر هما وقال: لعل البلاء فيهما من ابنه عبيد الله لأن سعيد بن عفير مستقيم الحديث، ثم قال الحافظ: قلت: لم يكثر عنه البخاري وروى له مسلم والنسائي، وقال في تهذيب التهذيب ولد سنة ١٤٦ وتوفي سنة ٢٢٦ هـ. الثاني: ابن وهب وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد قاله الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، روى عن عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح والليث بن سعد ويونس بن يزيد وغيرهم وروى عنه شيخه الليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدى وعلي بن المديني وحرملة بن يحي وغيرهم، قال فيه الإمام أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح، وقالت: ما أصح حديثه وأثبته، وقال أحمد بن صالح حدث ابن وهب بمائة ألف حديث، وقال ابن أبى خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقالت ابن أبى حاتم عن أبى زرعة: نظرت في نحو ثلاثين ألفا من حديت ابن وهب بمصر وغير مصر لا أعلم إني رأيت له حديثا لا أول له وهو ثقة، وقال ابن سعد: عبد الله بن وهب كان كثير العلم ثقة فيما قال حدثنا، وكان يدلس، وقال العجلي: مصري ثقة صاحب سنة رجل صالح

стр. 35

صاحب آثار، وعن ابن وضاح قال: كان مالك يكتب إلى عبد الله بن وهب. فقيه مصر، قال وما كتبها مالك إلى غيره، ذكر ذلك وغيره الحافظ في تهذيب التهذيب وقال: وقال ابن يونس: حدثني أبى عن جدي قال سمعت ابن وهب يقول: ولدت سنة ١٢٥ وطلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة، وكانت وفاته سنة ١٩٧ ﵀ وقد خرج حديثه الجماعة. الثالث: يونس بن يزيد بن أبى النجاد الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام أبو يزيد مولى معاوية بن أبى سفيان ﵁ ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا وفي غير الزهري خطأ قاله الحافظ في تقريب التهذيب، روى عن الزهري ونافع مولى ابن عمر وهشام بن عروة وغيرهم، وروى عنه الليث والأوزاعي وابن المبارك وابن وهب وغيرهم كما في تهذيب التهذيب، وقال الحافظ في هدى الساري: قلت: وثقه الجمهور مطلقا وإنما ضعفوا بعض روايته حيث يخالف أقرانه أو يحدث من حفظه فإذا حدث من كتابه فهو حجة، قال ابن البرقي: سمعت ابن المديني يقول: أثبت الناس في الزهري مالك وابن عيينة ومعمر وزياد بن سعد ويونس من كتابه، وقد وثقه أحمد مطلقا وابن معين والعجلي والنسائي ويعقوب بن شيبة والجمهور، واحتج به الجماعة، وقال في التقريب: مات سنة تسع وخسين أي بعد المائة على الصحيح، وقيل سنة ستين. الرابع: ابن شهاب الزهري وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، وكنيته أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه قاله الحافظ في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب: الفقيه أبو بكر الحافظ المدني أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام انتهى. وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وأبو الطفيل ومحمود بن الربيع، وروى عن الفقهاء السبعة

стр. 36

وغيرهم، وروى عنه عطاء بن أبى رباح وأبو الزبير المكي والأوزاعي وابن جريج ويونس بن يزيد والليث بن سعد وهشيم وسفيان بن عيينة وغيرهم. قال البخاري عن على بن المديني: له نحو ألفي حديث، وقال ابن سعد: قالوا وكان الزهري ثقة كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا، وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته، وقال النسائي: أحسن أسانيد تروى عن النبي ﷺ أربعة وذكر من بينها الزهري عن على بن الحسين عن أبيه عن جده، والزهري عن عبيد الله عن ابن عباس. ذكر ذلك وغيره الحافظ في تهذيب التهذيب، وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: هو أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وقال: وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم قن؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وقال: وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما: والله لهذه الكتب أشد على من ثلاث ضرائر. وقال: وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وقيل ثلاث وعشرين وقيل خمس وعشرين ومائة وهو ابن اثنتين وقيل ثلاث وسبعين سنة، وقيل مولده سنة إحدى وخمسين للهجرة والله أعلم انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة ﵀. وابن شهاب هو الذي قام بتدوين الحديث النبوي بأمر عمر بن عبد العزيز ﵀ لهذا يطلقون عليه ﵀ أنه واضع علم الحديث رواية، ويقول السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثر ... ابن شهاب آمر له عمر الخامس: حميد بن عبد الرحمن وهو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني عن أمه أم كلثوم بنت عقبة وخاله عثمان وطائفة وعنه ابنه

стр. 37

عبد الرحمن وابن أخيه سعد والزهري وثقه أبو زرعة وقال: مات سنة خمس وتسعين قاله الخزرجى في خلاصة التذهيب، وقال الحافظ في التقريب: ثقة من الثانية، وقال في تهذيب التهذيب. إن كنيته أبو إبراهيم ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عثمان وقال: قال العجلي وأبو زرعة وأبو خراش: ثقة وقال: توفي سنة ٩٥ وهو ابن ثلاث وسبعين سنة انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة. السادس: صحابي الحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁، قال الحافظ في التقريب: معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب ابن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين انتهى. وقال في تهذيب التهذيب: أسلم يوم الفتح وقيل قبل ذلك روى عن النبي ﷺ وعن أبى بكر وعمر وأخته أم حبيبة وعنه جرير بن عبد الله البجلي والسأئب بن يزيد الكندي وابن عباس وسعيد بن المسيب وقيس بن أبى حازم وحميد بن عبد الرحمن بن عوف وأناس آخرون ذكرهم في تهذيب التهذيب ثم قال: ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد فأقره عثمان مدة خلافته ثم ولى الخلافة، قال ابن اسحاق: كان معاوية أميراً عشرين سنة وخليفة عشرين سنة انتهى. وقال في الخلاصة: له مائة وثلاثون حديثا اتفقا- البخاري ومسلم- على أربعة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة وقال الموفق ابن قدامة المقدسي في لمعة الاعتقاد: ومعاوية خال المؤمنين وكاتب وحى الله وأحد خلفاء المسلمين ﵃ وقال شارح الطحاوية وأول ملوك المسلمين معاوية ﵁ وهو خير ملوك المسلمين انتهى. وقد حصل بينه وبين أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ شيء من الخلاف وكل منهما قد اجتهد والمجتهد المصيب له أجران والمجتهد المخطىء له أجر واحد وخطؤه مغفور، والواجب على كل مسلم أن يصون لسانه عما جرى بينهما خصوصا وعما جرى بين أصحاب الرسول ﷺ عموما إلا بالكلام في الخير كما قال ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في

стр. 38

العقيدة الواسطية: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، وطاعة للنبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل احد ذهبا ما بلغ مذ أحدهم ولا نصيفه". وقال شارح الطحاوية: فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين، وقال أيضا بعد الإشارة إلى ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ واعتذاره عنهما قال: ونقول في الجميع بالحسنى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والفتن التي كانت في أيامه- أي أمير المؤمنين على ﵁ قد صان الله عنها أيدينا فنسأله تعالى أن يصون عنها ألسنتنا بمنع وكرمه انتهى. ويقول الطحاوي ﵀ في عقيدته: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. وقال ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية: وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، فقيل له فمعاوية، قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان على من على ورحم الله معاوية، وقال: قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني عباد بن موسى حدثنا على بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبى عروبة عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينا أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فادخلا بيتا واجيب الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج غلى وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول ت غفر لي ورب الكعبة. وروى ابن عساكر عن أبى زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية فقال له ولمن قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب

стр. 39

معاوية رحيم وخصم معاوية خصم كريم فايش دخولك أنت بينهما؟ ﵄. وسئل الإمام أحمد عما جرى بين على ومعاوية فقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الأوزاعي سئل الحسن عما جرى بين على وعثمان فقال: كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة فابتلى هذا وعوفي هذا، وسئل عما جرى بين على ومعاوية فقال: كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة فابتليا جميعا، وقال أيضاً: وقال محمد بن يحي بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية، فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ سمع الله لمن حمده فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز: وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سئل المعافي بن عمران: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فغضب وقال للسائل أتجعل رجلا من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحى الله: وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: معاوية ستر لأصحاب محمد ﷺ ، "فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه"، وقال الميموني: قال لي أحمد بن حنبل يا أيا الحسن: "إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام"، وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجتريء عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلا وله داخلة سوء، وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: "ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية فإنه ضربه أسواطا".. إلى غير ذلك من الكلمات الجميلة المأثورة عن سلف هذه الأمة في حق خيار الخلق بعد النبيين والمرسلين أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين.

стр. 40

المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث: ١- رجال الإسناد الستة خرج حديثهم الشيخان البخاري ومسلم بل قد خرج لهم أيضاً بقية أصحاب الكتب الستة ماعدا سعيد بن عفير شيخ البخاري فقد خرج له مع الشيخين النسائي وأبوداود في القدر ولم يخرج حديثه الباقون. ٢- في سند الحديث تابعيان مدنيان قرشيان زهريان هما ابن شهاب الزهري وشيخه حميد بن عبد الرحمن بن عوف فالحديث من رواية تابعي عن تابعي. ٣- في سند الحديث مصريان وهما شيخ البخاري سعيد بن عفير وشيخ شيخه عبد الله بن وهب. ٤- نصف سند الحديث الأعلى قرشيون وهم معاوية ﵁ وحميد بن عبد الرحمن وابن شهاب الزهري، ونصفه الأدنى من الموالى فسعيد ابن عفير مولى الأنصار وابن وهب مولى القرشيين ويونس بن يزيد مولى الأمويين. ٥- يونس بن يزيد الأيلي مولى معاوية بن أبى سفيان الأموي ﵁ كما في تهذيب التهذيب، ففي سند الحديث مولى من أعلى وهو معاوية ﵁ ومولى من أسفل وهو يونس بن يزيد. ٦- قول معاوية ﵁ في الحديث: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" الخ. يسمى المرفوع من القول تصريحا. ٧- إخبار حميد بن عبد الرحمن بالهيئة التي حصل فيها أداء الحديث من معاوية ﵁ وهي كونه يخطب يدل على ضبطه وإتقانه لما رواه، ومثل هذا يعد من الطرق التي يستفاد بها ذلك في رواية الراوي وتحمله عند المحدثين.
следующие страницы →