Полный текст (308 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وغيرهم، وروى عنه عطاء بن أبى رباح وأبو الزبير المكي والأوزاعي وابن جريج ويونس بن يزيد والليث بن سعد وهشيم وسفيان بن عيينة وغيرهم. قال البخاري عن على بن المديني: له نحو ألفي حديث، وقال ابن سعد: قالوا وكان الزهري ثقة كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا، وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته، وقال النسائي: أحسن أسانيد تروى عن النبي ﷺ أربعة وذكر من بينها الزهري عن على بن الحسين عن أبيه عن جده، والزهري عن عبيد الله عن ابن عباس. ذكر ذلك وغيره الحافظ في تهذيب التهذيب، وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: هو أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وقال: وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم قن؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وقال: وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما: والله لهذه الكتب أشد على من ثلاث ضرائر. وقال: وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وقيل ثلاث وعشرين وقيل خمس وعشرين ومائة وهو ابن اثنتين وقيل ثلاث وسبعين سنة، وقيل مولده سنة إحدى وخمسين للهجرة والله أعلم انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة ﵀.
وابن شهاب هو الذي قام بتدوين الحديث النبوي بأمر عمر بن عبد العزيز ﵀ لهذا يطلقون عليه ﵀ أنه واضع علم الحديث رواية، ويقول السيوطي في ألفيته:
أول جامع الحديث والأثر ... ابن شهاب آمر له عمر
الخامس: حميد بن عبد الرحمن وهو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني عن أمه أم كلثوم بنت عقبة وخاله عثمان وطائفة وعنه ابنه
стр. 37
عبد الرحمن وابن أخيه سعد والزهري وثقه أبو زرعة وقال: مات سنة خمس وتسعين قاله الخزرجى في خلاصة التذهيب، وقال الحافظ في التقريب: ثقة من الثانية، وقال في تهذيب التهذيب. إن كنيته أبو إبراهيم ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عثمان وقال: قال العجلي وأبو زرعة وأبو خراش: ثقة وقال: توفي سنة ٩٥ وهو ابن ثلاث وسبعين سنة انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة.
السادس: صحابي الحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁، قال الحافظ في التقريب: معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب ابن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين انتهى. وقال في تهذيب التهذيب: أسلم يوم الفتح وقيل قبل ذلك روى عن النبي ﷺ وعن أبى بكر وعمر وأخته أم حبيبة وعنه جرير بن عبد الله البجلي والسأئب بن يزيد الكندي وابن عباس وسعيد بن المسيب وقيس بن أبى حازم وحميد بن عبد الرحمن بن عوف وأناس آخرون ذكرهم في تهذيب التهذيب ثم قال: ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد فأقره عثمان مدة خلافته ثم ولى الخلافة، قال ابن اسحاق: كان معاوية أميراً عشرين سنة وخليفة عشرين سنة انتهى. وقال في الخلاصة: له مائة وثلاثون حديثا اتفقا- البخاري ومسلم- على أربعة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة وقال الموفق ابن قدامة المقدسي في لمعة الاعتقاد: ومعاوية خال المؤمنين وكاتب وحى الله وأحد خلفاء المسلمين ﵃ وقال شارح الطحاوية وأول ملوك المسلمين معاوية ﵁ وهو خير ملوك المسلمين انتهى. وقد حصل بينه وبين أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ شيء من الخلاف وكل منهما قد اجتهد والمجتهد المصيب له أجران والمجتهد المخطىء له أجر واحد وخطؤه مغفور، والواجب على كل مسلم أن يصون لسانه عما جرى بينهما خصوصا وعما جرى بين أصحاب الرسول ﷺ عموما إلا بالكلام في الخير كما قال ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في
стр. 38
العقيدة الواسطية: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، وطاعة للنبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل احد ذهبا ما بلغ مذ أحدهم ولا نصيفه". وقال شارح الطحاوية: فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين، وقال أيضا بعد الإشارة إلى ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ واعتذاره عنهما قال: ونقول في الجميع بالحسنى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والفتن التي كانت في أيامه- أي أمير المؤمنين على ﵁ قد صان الله عنها أيدينا فنسأله تعالى أن يصون عنها ألسنتنا بمنع وكرمه انتهى. ويقول الطحاوي ﵀ في عقيدته: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. وقال ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية: وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، فقيل له فمعاوية، قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان على من على ورحم الله معاوية، وقال: قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني عباد بن موسى حدثنا على بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبى عروبة عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينا أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فادخلا بيتا واجيب الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج غلى وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول ت غفر لي ورب الكعبة.
وروى ابن عساكر عن أبى زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية فقال له ولمن قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب
стр. 39
معاوية رحيم وخصم معاوية خصم كريم فايش دخولك أنت بينهما؟ ﵄. وسئل الإمام أحمد عما جرى بين على ومعاوية فقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الأوزاعي سئل الحسن عما جرى بين على وعثمان فقال: كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة فابتلى هذا وعوفي هذا، وسئل عما جرى بين على ومعاوية فقال: كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة فابتليا جميعا، وقال أيضاً: وقال محمد بن يحي بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية، فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ سمع الله لمن حمده فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز: وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سئل المعافي بن عمران: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فغضب وقال للسائل أتجعل رجلا من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحى الله: وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: معاوية ستر لأصحاب محمد ﷺ ، "فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه"، وقال الميموني: قال لي أحمد بن حنبل يا أيا الحسن: "إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام"، وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجتريء عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلا وله داخلة سوء، وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: "ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية فإنه ضربه أسواطا".. إلى غير ذلك من الكلمات الجميلة المأثورة عن سلف هذه الأمة في حق خيار الخلق بعد النبيين والمرسلين أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين.
стр. 40
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسناد الستة خرج حديثهم الشيخان البخاري ومسلم بل قد خرج لهم أيضاً بقية أصحاب الكتب الستة ماعدا سعيد بن عفير شيخ البخاري فقد خرج له مع الشيخين النسائي وأبوداود في القدر ولم يخرج حديثه الباقون.
٢- في سند الحديث تابعيان مدنيان قرشيان زهريان هما ابن شهاب الزهري وشيخه حميد بن عبد الرحمن بن عوف فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
٣- في سند الحديث مصريان وهما شيخ البخاري سعيد بن عفير وشيخ شيخه عبد الله بن وهب.
٤- نصف سند الحديث الأعلى قرشيون وهم معاوية ﵁ وحميد بن عبد الرحمن وابن شهاب الزهري، ونصفه الأدنى من الموالى فسعيد ابن عفير مولى الأنصار وابن وهب مولى القرشيين ويونس بن يزيد مولى الأمويين.
٥- يونس بن يزيد الأيلي مولى معاوية بن أبى سفيان الأموي ﵁ كما في تهذيب التهذيب، ففي سند الحديث مولى من أعلى وهو معاوية ﵁ ومولى من أسفل وهو يونس بن يزيد.
٦- قول معاوية ﵁ في الحديث: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" الخ. يسمى المرفوع من القول تصريحا.
٧- إخبار حميد بن عبد الرحمن بالهيئة التي حصل فيها أداء الحديث من معاوية ﵁ وهي كونه يخطب يدل على ضبطه وإتقانه لما رواه، ومثل هذا يعد من الطرق التي يستفاد بها ذلك في رواية الراوي وتحمله عند المحدثين.
стр. 41
٨- عبد الله بن وهب مدلس وقد صرح بالأخبار والأنباء كما تقدم إيضاح ذلك في فوائد التخريج، وابن شهاب الزهري وصفه الذهبي في ميزان الاعتدال بأنه يدلس نادرا، وهذا الحديث بصيغة (قال) الشبيهة (بعن) وقد صرح بالأخبار عند البخاري في كتاب الاعتصام وصرح بالتحديث عند مسلم في الزكاة وتقدم سياقهما في التخريج.
٩- إن تتبعنا لطرق هذا الحديث يسمى مثله في علم مصطلح الحديث الاعتبار.
ورواية إسماعيل بن أبى أويس عند البخاري وحرملة بن يحي عند مسلم عن ابن وهب تسمى متابعة تامة لأن سعيد بن عفير توبع في رواية الحديث عن شيخه ابن وهب.
ورواية حبان بن موسى عن عبد الله عن يونس وكذا الروايات الأخرى التي تلتقي أسانيدها مع إسناد سعيد بن عفير في الرواية عن معاوية ﵁ تسمى متابعة قاصرة.
أما الروايات التي ورد بها الحديث من طريق صحابة آخرين وهم عمر وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وأبو هريرة ﵃ فتسمى شواهد.
١٠- قال الحافظ ابن حجر في نخبة الفكر (ومن المهم في هذا الفن معرفة من اختلف في كنيته ومن كثرت كناه) وفي سند هذا الحديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال فيه الحافظ في تهذيب التهذيب: أبو إبراهيم ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عثمان.
١١- وقال في نخبة الفكر أيضاً (ومن المهم معرفة من وافقت كيته اسم أبيه) وفي سند هذا الحديث شاهد لذلك فيونس الأيلي كنيته أبو يزيد واسم أبيه يزيد.
стр. 42
المبحث الرابع: شرح الحديث:
١- هذا الحديث مشتمل على ثلاث جمل كل واحدة منها لها معنى قائم بنفسه والموافق للترجمة منها هو الجملة الأولى، وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن الجمل الثلاث قد تتعلق جميعها بترجمة الباب من جهة إثبات الخير لمن تفقه في دين الله. وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودا حتى يأتي أمر الله.
٢- قوله: يفقهه في الدين. معناه يفمهه، يقال ففه بالضم إذا صار الفقه له سجية، وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقه بالكسر إذا فهم والمراد به الفهم في الأحكام الشرعية أي الفهم الذي يثمر العمل ليكون فقهه وعلمه له لا عليه كما قال ﷺ في الحديث الصحيح.. "والقرآن حجة لك أو عليك".
٣- قال الحافظ في الفتح: ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية ﵁ من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره: ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به. والمعنى صحيح لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيها ولا طالب فقه فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير انتهى.
٤- الحديث دال على ما دلت عليه الآيات الكثيرة والأحاديث المستفيضة من وصف الله بالإرادة، ومعلوم أن مذهب أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته تنزيهه عما نزه عنه نفسه وإثبات جميع ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسمان رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بجلال الله بدون تكييف ولا تمثيل وبدون تأويل أو تعطيل كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فأثبت لنفسه السمع والبصر بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ونفي مشابهة غيره له بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
стр. 43
شَيْءٌ﴾ وصفات الله تعالى كلها يقال في بعضها ما يقال في البعض الآخر دون فرق بين صفة وصفة فكل ما ثبت في الكتاب والسنة من العلم والإرادة والسمع والبصر والكلام والقدرة واليدين والوجه والغضب والرضا والاستواء على العرش وغزير ذلك يجب إثباته له واعتقاده على النهج الواضح الذي بينه الله بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وكما أن لله ذاتا لا تشبه الذوات فكذا صفاته الثابتة بالكتاب والسنة تثبت على الوجه اللائق بالله دون أن يكون فيها مشابها لخلقه، فإنه يقال في الصفات ما قيل في الذات سواء بسواء، كما أنه يقال في بعض الصفات ما قيل في البعض الآخر سواء بسواء.
وإرادة الله تعالى عند أهل السنة نوعان دل عليهما كتاب الله وسنة نبيه ﷺ إحداهما بمعنى المشيئة الكونية القدرية. والثانية الإرادة الدينية الشرعية، والفرق بينهما أن الكونية القدرية شاملة لكل شيء لا فرق فيها بين ما يحبه الله وما يبغضه ولابد من وقوع ما تقتضيه وأما الدينية الشرعية فهي خاصة فيما يحبه الله ويرضاه ولا يلزم وقوع ذلك، فالله تعالى أراد من الإنس والجن شرعا ودينا أن يعبدوه وحده وذلك محبوب إليه ولذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل وأراد كونا وقدرا في بعض عباده الخير فاجتمع لهم الأمران الكوني والشرعي، وأراد في البعض الآخر غير ذلك فوقعت في حقه الكونية دون الدينية الشرعية فالذي أراده كونا وقدراً: أن يكون الناس فريقين فريقا في الجنة وفريقاً في السعير، ولابد من وقوع ذلك، ولو شاء غير ذلك لوقع، كما قال الله تعالى ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . وقال ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أما بيان الحق والدعوة إليه فهو حاصل للكل، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فحذف مفعول الفعل (يدعو) إشارة إلى العموم فيه والشمول، وأظهر مفعول الفعل (يهدى) . المفيد الخصوص، فالدعوة إلى الحق عامة للجميع والهداية خاصة فيمن وفقه الله.
стр. 44
وما قدره الله وقضاه لابد من وقوعه كما تقدم بيانه ونحن لا نعلم ذلك إلا بواحد من أمرين أحدهما وقوع الشيء، فكل ما وقع علمنا أن الله قد شاءه لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فأي حركة تجرى فهي بمشيئة الله، والثاني حصول الأخبار بالشيء الغائب عنا من الذي لا ينطق عن الهوى عظيم سواء كان ماضيا أو مستقبلا فإذا أخبر عن شيء ماض علمنا قطعا بأنه كان ووقع كما اخبر، وإذا أخبر عن شيء مستقبل علمنا قطعا بأنه لابد وأن يقع لأن الله قد شاءه، فالأخبار الماضية كأخبار بدء الخلق مثلا، والمستقبلة كأخبار آخر الزمان ونهاية الدنيا وغير ذلك.
وليس معنى المشيئة الشاملة والإرادة القدرية أن الإنسان مسلوب الإرادة مجبور على أفعاله لا مشيئة له ولا اختيار بل له مشيئة تابعة لمشيئة الله كما قال تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ولهذا ندرك الفرق بين الحركات الاضطرارية كحركة المرتعش والحركات الاختيارية من العقلاء كالبيع والشراء وحصول الإحسان من البعض والإساءة من البعض الآخر، فالاضطرارية لا دخل للعبد فيها، والاختيارية تجرى بمشيئة العبد وإرادته التابعة لمشيئة الله وإرادته.
ومن أمثلة الإرادة الدينية في القرآن قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقوله ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ومن أمثلة الكونية القدرية قوله تعالى ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من السنة قوله- ﷺ في الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"..
٥- قوله إنما أنا قاسم والله يعطى. أعاد البخاري الحديث في كتاب فرض الخمس للاستدلال بهذه الجملة على أن قسمة الغنيمة إلى رسول الله ﷺ وأنه قاسم للمال حيث أمره الله وساق مع هذا الحديث أحاديث أخرى منها
стр. 45
حديث أبى هريرة ﵁ مرفوعا: "ما أعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت". والمعنى لا أعطى أحدا ولا أمنع أحداً إلا بأمر الله، وفي ذلك إثبات القضاء والقدر والإيمان بذلك وأنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطى لما منع الله وأن العباد يتصرفون في المال بحق وبغير حق بإرادتهم ومشيئتهم، وحصول قسمته بين الناس كما قسمه رسول الله ﷺ هو مما قضاه الله كونا وقدرا، وأمر به شرعا ودينا.
٦- قوله به.. ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.
أعاد البخاري الحديث بتمامه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة للاستدلال بهذه الجملة على عدم خلو الأرض من معتصم بالكتاب والسنة حتى يأتي أمر الله، وأورد هذه الجملة فقط في كتاب المناقب مشيرا إلى أن ذلك من علامات نبوة محمد ﷺ وهو منقبة لهذه الأمة.
٧- أمة محمد ﷺ لها معنيان: معنى عام ومعنى خاص، فالأمة بالمعني العام هي أمة الدعوة وهم كل إنسان وكذا الجن من حين بعث الله نبيه محمداً ﷺ إلى قيام الساعة فإن الدعوة موجهة إليهم كما قال ﷺ في الخمس التي أعطيها دون من قبله: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة. ويدل للأمة بالمعنى العام قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
أما الأمة بالمعنى الخاص فهي أمة الإجابة وهم الذين أجابوا الدعوة وفي خلوا في دين الله، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية. وقوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ الآية. ومن ذلك قوله ﷺ في هذا الحديث. " ولن تزال هذه الأمة" الخ.
٨- قوله عنه ولن تزال هذه الأمة: هو من العام المراد به الخصوص فإن المراد به بعض الأمة كما دل على ذلك أدلة منها قوله ﷺ : "لا تزال طائفة
стр. 46
من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون" أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
٩- في المراد بالطائفة المنصورة أقوال جزم البخاري ﵀ في صحيحه بأنهم أهل العلم بالآثار، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدرى من هم. وقال القاضي عياض: أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث، وقال النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة فرقة من أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر الله تعالى من مجاهد وفقيه ومحدث وزاهد وآمر بالمعروف وغير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد بل يجوز أن يكونوا متفرقين. ذكر هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
١٠- (أمر الله) : ذكر في الجملة الأخيرة مرتين لكل منهما معنى فمعنى أمر الله في قوله ﷺ : "ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله" شرع الله ودينه، وهو مثل قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد " ومعنى أمر الله في قوله: "حتى يأتي أمر الله" ما قدره الله وقضاه من خروج ريح في آخر الزمان تقبض روح كل من في قلبه شيء من الإيمان ويبقى شرار الناس الذين عليهم تقوم الساعة كما جاء ذلك في أحاديث صحيحة، منها ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب الفتن في ذكر الأمور التي تجري في آخر الزمان وفيه: بينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة.
والأمر كالإرادة يأتي لمعنى كوني قدري ومعنى ديني شرعي، وهذا الحديث فيه شاهد لكل من المعنيين.
١١- من فقه الحديث وما يستنبط منه:
١- الترغيب في طلب العلم والحث عليه.
٢- بيان فضل العلماء على سائر الناس.
стр. 47
٣- بيان فضل التفقه في الدين على سائر العلوم.
٤- إثبات صفة الإرادة لله تعالى.
٥- أن الفقه في الدين علامة لإرادة الله الخير بالعبد.
٦- إرشاد الناس إلى السنة وإعلانها على المنابر.
٧- الإيمان بالقضاء والقدر وأن المعطى المانع هو الله تعالى.
٨- بشارة هذه الأمة بأن الخير باق فيها.
٩- إخباره ﷺ عما يستقبل وهو من الغيب الذي أطلعه الله عليه.
١٠- إخباره بهذا المغيب من علامات نبوته ﷺ حيث وقع كما أخبر مدة أربعة عشر قرنا الماضية ولابد من استمرار ذلك حتى يأتي أمر الله كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.
١١- وجوب الإيمان بوقوع استمرار الحق وأنه لا ينقطع حتى يأتي أمر الله كما جاء ذلك عن الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه.
١٢- هذا الإخبار منه ﷺ عما يستقبل أحد طريقي العلم بالشيء الذي قدره الله والطريق الثانية الوقوع.
١٣- أن الطائفة المنصورة لها مخالفون ومناوؤن.
١٤- الحث على التمسك بالكتاب والسنة ليكون العبد من هذه الطائفة.
١٥- بيان أن أعداء هذه الطائفة لا يضرونها ولا يؤثرون على استمرار الحق.
١٦- أن استمرار الحق في أمة محمد ﷺ منقبة عظيمة لها.
١٧- أن الإجماع حجة.
стр. 48
الحديث الثاني
قال الإمام البخاري ﵀ في بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ :
حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس عن الزهري ح وحدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة".
стр. 49
المبحث الأول: التخريج:
هذا الحديث أورده البخاري في خمسة مواضع من صحيحه هذا أحددها،
والثاني في كتاب الصيام: باب أجود ما كان النبي ﷺ يكون في رمضان. ولفظه: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي ﷺ القرآن فإذا لقيه جبريل ﵇ كان أجود بالخير من الريح المرسلة".
والثالث في كتاب بدء الخلق: باب ذكر الملائكة ولفظه: حدثنا محمد ابن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس،
стр. 50
وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن"، فان رسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وعن عبد الله حدثنا معمر بهذا الإسناد نحوه وروى أبو هريرة وفاطمة ﵄ عن النبي ﷺ : "أن جبريل كان يعارضه القرآن".
والرابع في كتاب المناقب: باب صفة النبي ﷺ رواه عن شيخه عبدان بسنده في هذا الحديث وبمثل لفظه عند بشر بن محمد إلا أنه بدون "كان " في قوله: وكان أجود ما يكون الخ..
والخامس في كتاب فضائل القرآن: باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ ولفظه: حدثنا يحي بن قزعة حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة".
وقد أخرج الإمام مسلم ﵀ هذا الحديث في كتاب الفضائل من صحيحه، فقال: حدثنا منصور بن أبى مزاحم حدثنا إبراهيم- يعنى ابن سعد- عن الزهري ح وحدثني أبو عمران محمد بن جعفر بن زياد واللفظ له أخبرنا إبراهيم عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود مما يكون في شهر رمضان أن جبريل ﵇ كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة"، وحدثنا أبو بكر حدثنا ابن المبارك عن يونس ح وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد نحوه.
стр. 51
وروى قبل ذلك بحديثين بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، وأخرج الحديث البخاري في الأدب المفرد عن شيخه موسى بن إسماعيل بمثل حديثه عنه في كتاب الصيام سنداً ومتناً وأخرجه النسائي في كتاب الصوم: باب الفضل والجود في شهر رمضان عن شيخه سليمان بن داود عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس بنحو هذا الحديث عند البخاري، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده من طرق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس ﵁ وأخرج الجملة الأخيرة منه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز بسنده إلى عمر عن عبيد الله عن ابن عباس "أن النبي ﷺ كان أجود من الريح المرسلة إذا نزل عليه جبريل ﵇ يدارسه القرآن"، ثم قال غريب من حديث عمر لم نكتبه إلا من هذا الوجه.
стр. 52
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
الأول: شيخ البخاري في الإسناد الأول عبدان. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبى رواد واسمه ميمون، وقيل: أيمن الأزدي العتكي- مولاهم- أبو عبد الرحمن المروزي الحافظ الملقب عبدان. وقال الخزرجى في الخلاصة روى عن شعبة ومالك وابن المبارك وعنه البخاري والذهلي وخلق، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب قال أحمد بن عبدة: تصدق عبدان في حياته بألف ألف درهم وكتب كتب ابن المبارك بقلم واحد وذكر توثيقه عن أبى رجاء محمد بن حمدويه وقول الحاكم كان إمام أهل الحديث ببلده، وقال في التقريب: ثقة. حافظ من العاشرة مات سنة إحدى وعشرين نما شعبان، أي بعد المائتين، ورمز لكونه من رجاله الجماعة سوى ابن مات.
الثاني: شيخ البخاري في الإسناد الثاني بشر بن محمد قال الخزرجي
стр. 53
في الخلاصة: بشر بن محمد السختياني أبو محمد المروزي صدوق رمى بالإرجاء، عن ابن المبارك، وعنه البخاري وقال: مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وذكره ابن حبان في الثقات كما في تهذيب التهذيب وهو من رجال البخاري دون بقية الجماعة.
الثالث: شيخ شيخي البخاري في الإسنادين عبد الله بن المبارك قال الحافظ في تهذيب التهذيب: عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي أحد الأئمة، وقال في تقريب التهذيب: ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير من الثامنة مات سنة إحدى وثمانين أي بعد المائة وله ثلاث وستون سنة ورمز لكونه من رجال الجماعة. وذكر في تهذيب التهذيب الكثير من ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول ابن عيينة: نظرت في أصر الصحابة فما رأيت لهم فضلا على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه، وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سمع معمر بن راشد ويونس بن يزيد وغير واحد، وروى عنه عبد الرحمن بن مهدى ومسلم بن إبراهيم وغير واحد عند مسلم، وسرد في تهذيب التهذيب الكثير من أسماء شيوخه وتلامذته ومنهم شيخاه وتلميذاه في هذا الحديث، وقال الخزرجى في الخلاصة: وترجمته كبيرة في الحلية لأبى نعيم وتاريخ الحاكم.
الرابع: معمر بن راشد قال الحافظ في تقريب التهذيب: معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن: ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا وكذا فيما حدث به بالبصرة من كبار السابعة مات سنة أربع وخمسين أي بعد المائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ورمز لكونه من رجال الجماعة، وقال في مقدمة الفتح: معمر بن راشد صاحب الزهري كان من أثبت الناس فيه وقال: أخرج له البخاري من روايته عن الزهري وابن طاووس وهمام بن منبه ويحي بن أبى كثير وهشام بن عروة وأيوب وثمامة بن أنس وعبد الكريم الجزري وغيرهم ولم يخرج له من رواية عن
стр. 54
قتادة ولا ثابت إلا تعليقا ولا من روايته عن الأعمش شيئا ولم يخرج له من رواية أهل البصرة عنه إلا ما توبعوا عليه عنه واحتج به الأئمة كلهم، ونقل في تهذيب التهذيب توثيقه عن ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي وذكر كثيرا من ثناء الأئمة عليه.
الخامس والسادس: يونس بن يزيد الأيلي وشيخه ابن شهاب الزهري وقد تقدم التعريف بهما في رجال إسناد الحديث الأول.
السابع: عبيد الله بن عبد الله قال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي حليف بنى زهرة أحد الفقهاء السبعة سمع عبد الله بن عباس وزيد بن خالد وأبا هريرة وأم قيس بنت محصن وعائشة وأبا سعيد الخدري عند هما- أي في الصحيحين- وغير واحد عند مسلم، وروى عنه الزهري وصالح بن كيسان، وموسى بن أبى عائشة عند هما وغير واحد عند مسلم، وقال الحافظ في تقريب التهذيب: أبو عبد الله المدني ثقة فقيه ثبت من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين وقيل سنة ثمان وقيل غير ذلك، ورمز لكونه من رجال الجماعة، ونقل في تهذيب التهذيب ثناء كثير من الأئمة عليه وتوثيقهم له ﵀.
الثامن: صحابي الحديث عبد الله بن عباس ﵁، قال الخزرجى في الخلاصة: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي أبو العباس المكي ثم المدني ثم الطائفي ابن عم النبي ﷺ وصاحبه وحبر الأمة وفقيهها وترجمان القرآن روى ألفا وستمائة وستين حديثا اتفقا- أي البخاري ومسلم- على خمسة وسبعين وانفرد البخاري بثمانية وعشرين ومسلم بتسعة وأربعين. وقال أيضاً: ابن عباس سمع من النبي ﷺ خمسة وعشرين حديثا وباقي حديثه عن الصحابة، واتفقوا على قبول مرسل الصحابي، وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري مائتي حديث وسبعة عشر حديثا. وقال في تقريب التهذيب: ولد قبل الهجرة بثلاث
стр. 55
سنين ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم في القرآن فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه، وقال: مات سنة ثمان وستين بالطائف وهو أحد المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة ورمز لكون حديثه في الكتب الستة، وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: روى عنه سعيد بن جبير وسعيد ابن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة والقاسم بن محمد بن أبى بكر وجماعة من التابعين عند هما- أي في الصحيحين- وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: فائدة: روى عن غندر أن ابن عباس لم يسمع من النبي ﷺ إلا تسعة أحاديث، وعن يحي القطان عشرة، وقال الغزالي في المستصفي أربعة وفيه نظر، ففي الصحيحين عن ابن عباس مما صرح فيه بسماعه من النبي ﷺ أكثر من عشرة وفيهما مما يشهد فعله نحو ذلك وفيهما مما له حكم الصريح نحو ذلك فضلا عما ليس في الصحيحين.
стр. 56
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسنادين الثمانية خرج أصحاب الكتب الستة حديثهم إلا شيخ البخاري في الإسناد الأول عبدان فلم يرو له ابن ماجه وروى له الباقون. وشيخه في الإسناد الثاني بشر بن محمد فقد انفرد البخاري بإخراج حديثه.
٢- في سند الحديث تابعيان مدنيان هما ابن شهاب الزهري وشيخه عبيد الله بن عبد الله فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
٣- في سند الحديث ثلاثة مروزيون وهم شيخا البخاري: عبدان وبشر، وشيخ شيخيه: عبد الله بن المبارك.
٤- في سند الحديث أرديان ولاء ولا شيح البخاري عبدان، ومعمر ابن راشد شيخ عبد الله بن المبارك.
٥- حرف ح يفيد تحويل الإسناد من إسناد إلى آخر، والفائدة من ذلك
стр. 57
هي الاختصار وتلافي تكرار الأسماء، ومنتهي الإسنادين الزهري، ومنه يكون الإسناد واحدا هكذا:
قال البخاري: حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس عن الزهري ح: وحدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه. قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس الخ.
وإنما لم يجعل البخاري الطريقين طريقاً واحداً من عبد الله بن المبارك مع أنه هو ملتقى طريق عبدان بطريق بشر بن محمد لأن عبد الله بن المبارك حدث به عبدان عن يونس وحده وحدث به بشر بن محمد عن يونس ومعمر معا.
٦- قول عبد الله بن المبارك في الإسناد الثاني: أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه: أي أن لفظ الحديث من رواية يونس وأما رواية معمر فهي بمعناه ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من فتح الباري، وقال في شرحه لحديث جابر ﵁ في الخمس التي أوتيها ﷺ في أوائل كتاب التيمم وهو الحديث الآتي، وفي إسناده تحويل قال: وقد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد فإن اللفظ يكون للأخير والله أعلم انتهى. وعلى هذا فمتن الحديث لفظه من رواية بشر بن محمد شيخ البخاري في الإسناد الثاني كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر.
٧- في سند الحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يرد إطلاق هذا الوصف عليهم كثيرا، قال النووي لي كتاب الإشارات إلى أسماء المبهمات: اعلم أن من أفضل التابعين وكبارهم وسادتهم الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، فستة متفق عليهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق وخارجة بن زيد بن
стр. 58
ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وفي السابع ثلاثة أقوال أحدها أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف نقله الحاكم أبو عبد الله عن فقهاء الحجاز، والثاني أنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قاله ابن المبارك، والثالث أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قاله أبو الزناد انتهى. وذكر هم ابن القيم في أوائل إعلام الموقعين على ما قاله أبو الزناد وقال: وقد نظمهم القائل فقال:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر ... روايتهم ليست عن العلم خارجه
فقل: هم عبيد الله، عروة، قاسم ... سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجه
٨- صحابي الحديث عبد الله بن عباس ﵁ وهو أحد العبادلة كما ذكر ذلك العلماء ومنهم ابن حجر كما تقدم النقل عنه من كتاب تقريب التهذيب، وقد قال العراقي في كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد: اعلم أن في الصحابة ممن يسمى عبد الله مائتين وعشرين رجلا لكن اشتهر إطلاق اسم العبادلة على أربعة منهم: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بن العاص كذا ذكرهم أهل الحديث وغيرهم.
٩- في سند الحديث عبدان وهو لقب اشتهر به واسمه عبد الله بن عثمان، والزهري وهو محمد بن مسلم، وقد اشتهر بهذه النسبة كما أنه اشتهر أيضاً بالنسبة إلى جده شهاب فيطلق عليه كثيراً إما الزهري، وإما ابن شهاب.
١٠- قال الحافظ في نخبة الفكر: ومن المهم في هذا الفن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه وفي سند هذا الحديث أربعة من هؤلاء هم عبد الله بن عباس ﵁ كنيته أبو العباس وعبيد الله بن عبد الله كنيته أبو عبد الله ويونس به يزيد كنيته أبو يريد وبشر بن محمد كميته أبو محمد.
١١- متن هذا الحديث من قبيل المرفوع من الفعل تصريحا.
стр. 59
المبحث الرابع: شرح الحديث:
١- معنى أجود الناس: أكثر الناس جودا فرسول الله ﷺ أجود الناس بكل ما تحتمله هذه الكلمة من معنى، جاد بنفسه في سبيل الله فكسرت رباعيته وشج وجهه، وجاد بجاهه، وجاد بما أعطاه الله من المال، وجاد بالدلالة والإرشاد إلى كل ما ينفع العباد في الحال والمآل وتحذيرهم من كل ضار نص الحاضر والمستقبل.
٢- قوله: وكان أجود ما يكون في رمضان: أجود بالرفع في أكثر الروايات وفي بعضها بالنصب، فالرفع على أن أجود اسم كان والخبر محذوف أو هو مبتدأ خبره في رمضان والجملة خبر كان واسمها ضمير، وأما النصب فعلى أنه خبر كان واسمها ضمير والتقدير: كان رسول الله ﷺ مدة كونه في رمضان أجود منه في غديره.
٣- قوله: كان رسول الله ﷺ أجود الناس: في هذه الجملة احتراس بليغ لئلا يتخيل من قوله: وكان أجود ما يكون في رمضان، أن الأجودية خاصة منه برمضان فأثبت له الأجودية المطلقة أولا، ثم عطف عليها زيادة ذلك في رمضان.
٤- الحكمة في زيادة جوده ﷺ في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن: أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والقرآن خلقه ﷺ كما قالت عائشة ﵂ يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه، وأيضاً فرمضان موسم الخيرات وزيادة الجود والكرم وقد وصفه الله بأنه الذي أنزل فيه القرآن، فبمجموع ما ذكر من الوقت الفاضل وهو رمضان والمنزول به وهو القرآن والنازل به وهو جبريل ومدارسته معه حصل المزيد في الجود والله أعلم.
٥- قوله: فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، هذه هي نتيجة مدارسة القرآن والمراد بالريح المرسلة ريح الرحمة التي يرسلها الله لإنزال الغيث العام كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ
стр. 60
وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابا﴾ الآية.
٦- وصفت الريح المفضل عليها جوده الخير بالمرسلة لأمرين: الأول إشارة إلى عموم النفع بجوده ﷺ كما تعم الريح المرسلة بل هو أعم وأشمل منها، والثاني احتراسا من الريح العقيم الضارة.
٧- قدم معمول أجود وهو بالخير لنكتة لطيفة وهي أنه لو أخره لظن تعلقه بالمرسلة أي المرسلة بالخير وهو وإن كان لا يتغير به المعنى المراد من الوصف بالأجودية إلا أنه يفوت فيه التنصيص على مناط أجوديته ﷺ التي سيق الكلام لإثباتها والتنويه بشأنها.
٨- قوله: فيدارسه القرآن، لفظ المدارسة يفيد حصولها من الجانبين وحديث ابن عباس عند البخاري في كتاب فضائل القرآن يفيد حصولها من جانب النبي ﷺ وذلك في قوله فيه- يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، ويدل لحصولها من جانب جبريل حديث أبى هريرة ﵁ الذي أورده البخاري في كتاب فضائل القرآن عقب حديث ابن عباس حيث قال ﵁: كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه.
٩- هذا الحديث أورده البخاري في بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ وقد
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في وجه المناسبة: وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان لأن نزوله إلى السماء جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس فكان جبريل يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان فليا كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة ﵂ وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب والله أعلم بالصواب.
стр. 61
١٠- من فقه الحديث وما يستنبط منه:
١- امتنان الله على نبيه ﷺ بجعله أجود الناس.
٢- الترغيب في الجود في كل وقت.
٣- الحث على الزيادة في الجود في شهر رمضان.
٤- استحباب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان والإشارة إلى أنها أفضل من سائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لفعله جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
٥- استحباب زيارة الصلحاء وأهل الخير.
٦- تكرار الزيارة إذا كان المزور لا يكره ذلك.
٧- جواز أن يقال رمضان بدون ذكر شهر.
٨- استعمال التشبيه وضرب الأمثلة في إيضاح ما يراد بيانه.
٩- حصول قراءة القرآن من جبريل ﵇ في غير الوقت الذي نزل به على محمد ﷺ .
١٠- أن القرآن يطلق على بعضه وعلى معظمه لأن أول رمضان من بعد البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور.
١١- تدارس القرآن بين القراء وهو من التعاون على البر والتقوى.
١٢- أن مداومة قراءة القرآن سبب في الزيادة في الخير وهو من ثواب الحسنة بحسنة بعدها.
١٣- مذاكرة الفاضل بالخير والعلم وإن كان لا يخفي عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ.
١٤- أن تحصيل العبد لفضل الزمان إنما هو بزيادة العبادة فيه.
стр. 62
١٥- أن الثمرة العظمى لقراءة القرآن أن يظهر أثرها على القاريء في أخلاقه وأعماله كما جاء في هذا الحديث من زيادة النبي ﷺ في الخير عند مدارسة القرآن مع جبريل، وكما جاء عن عائشة ﵂ أن خلقه ﷺ القرآن، تعنى أنه يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه وكما جاء عنه ﷺ التحذير من خلاف ذلك بقوله في الحديث الصحيح: "والقرآن خجة لك أو عليك ".
١٦- تعظيم شهر رمضان لوصف الله له بإنزال القرآن فيه ثم معارضته ﷺ مع جبريل ما نزل منه فيه ويلزم من ذلك كثرة نزول جبريل فيه وفي كثرة نزوله الخير الكثير.
١٧- الإيمان بنزول جبريل من السماء وصعوده ومدارسته القرآن مع محمد ﷺ وهو من الإيمان بالملائكة الذي هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور.
стр. 63
الحديث الثالث
قال البخاري ﵀ في أوائل كتاب التيمم من صحيحه:
حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشيم ح قال وحدثني سعيد ابن النضر قال أخبرنا هشيم قال أخبرنا سيار قال حدثنا يزيد- هو ابن صهيب الفقير- قال: أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
стр. 64
المبحث الأول: التخريج:
أورد البخاري هذا الحديث في كتاب التيمم عن شيخيه محمد بن سنان وسعيد بن النضر، وسياق المتن لفظ سعيد كل قال الحافظ ابن حجر في الفتح، وقد أعاد الحديث في كتاب الصلاة عن شيخه محمد بن سنان فقال: حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشيم قال حدثنا له جار- هو أبو الحكم- قال حدثنا يزيد الفقير قال حدثنا جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأيما رجل مات أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم؟ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، وأعطيت الشفاعة"، وأورد طرفا منه وهو قوله ﷺ . "وأحلت لي الغنائم".. من رواية محمد بن سنان في كتاب فرض الخمس.
стр. 65
وأخرج الحديث بتمامه مسلم في صحيحه عن شيخيه يحيى بن يحي وأبى بكر بن أبى شيبة عن هشيم بمثل إسناده عند البخاري ولفظه: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسافة شهر، وأعطيت الشفاعة". وأخرج الخصلة الأولى وهي نصره ﷺ بالرعب ضمن حديث من طرق عن أبى هريرة ﵁، وأخرج الخصلة الثانية من طريقين عن ربعي بن حراش عن حذيفة ﵁، ومن طرق عن أبى هريرة ﵁، وأخرج الخصلة الثالثة من طريق عن أبى هريرة ﵁، وأخرج الخصلة الخامسة من طريق عن أبى هريرة ﵁ بلفظ: " وأرسلت إلى الخلق كافة"..
وأخرجه النسائي عن شيخه الحسن بن إسماعيل بن سليمان عن هشيم بهذا الإسناد، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبى ذر ﵁.
وقال الحافظ في الفتح: ومدار حديث جابر هذا على هشيم بهذا الإسناد وله شواهد من حديث ابن عباس وأبى موسى وأبى ذر، ومن رواية عمرو بق شعيب عن أبيه عن جده رواها كلها أحمد بأسانيد حسان.
стр. 66
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
الأول: شيخ البخاري في الإسناد الأول محمد بن سنان قال الحافظ في تهذيب التهذيب: محمد بن سنان الباهلي أبو بكر البصري المعروف بالعوقي والعوقة حي من الأزد نزل فيهم، وذكر أنه روى عن إبراهيم بن طهمان وفليح وهشيم وغيرهم، وأنه روي عنه البخاري وأبو داود وغيرهم، وذكر توثيقه عن جماعة منهم ابن معين والدارقطني؟ وقال في تقريب التهذيب: ثقة ثبت من كبار العاشرة مات سنة ثلاث وعشرين أي بعد المائتين ورمز لكونه من رجال البخاري وأبى داود وابن ماجه والترمذي.
стр. 67
الثاني: شيخ البخاري في الإسناد الثاني سعيد بن النضر قال الحافظ في تهذيب التهذيب: سعيد بن النضر البغدادي أبو عثمان سكن آمل جيحون، روى عن هشيم وعثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وغير هما، وعنه البخاري والفضل بن أحمد بن سهل الآملي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في تقريب التهذيب ثقة من العاشرة مات سنة أربع وثلاثين أي بعد المائتين ورمز لكونه من رجال البخاري وحده.
الثالث: هشيم، قال الحافظ في تقريب التهذيب: هشيم بالتصغير ابن بشير- بوزن عظيم- ابن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية ابن أبى خازم بمعجمتين الواسطي ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة مات سنة ثلاث وثمانين أي بعد المائة وقد قارب الثمانين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: السلمي مولاهم الواسطي يكنى أبا معاوية أصله من بلخ، كان جده القاسم منها نزل واسط للتجارة، وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب كثيرا ممن روى عنهم وممن رووا عنه، وممن روى عنهم حميد الطويل وسيار أبو الحكم وخالد الحذاء والأعمش، ومن الذين رووا عنه ابن المبارك ووكيع ويزيد بن هارون وغيرهم، وقال في مقدمة الفتح: هشيم بن بشير الواسطي أحد الأئمة متفق على توثيقه إلا أنه كان مشهورا بالتدليس، وروايته عن الزهري خاصة لينة عندهم فأما التدليس فقد ذكر جماعة من الحفاظ أن البخاري كان لا يخرج عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، واعتبرت أنا هذا في حديثه فوجدته كذلك إما أن يكون قد صرح به في نفس الإسناد أو صرح به من وجه آخر، وأما روايته عن الزهري فليس في الصحيحين منها شيء، واحتج به الأئمة كلهم والله أعلم انتهى. ولكونه مشهورا بالتدليس مثل به العراقي في ألفيته لوجود المدلسين في رجال الصحيح فقال:
стр. 68
وفي الصحيح عدة كالأعمش ... وكهشيم بعده وفتش
الرابع: سيار، قال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سيار ابن أبى سيار واسمه وردان أبو الحكم العنزي الواسطي، يقال هو أخو مساور الوراق سمع الشعبي وثابتا البناني ويزيد الفقير عند هما- أي في الصحيحين- وسليمان الأشجعي عند البخاري روى عنه شعبة وهشيم عند هما وقرة بن خالد عند مسلم، وذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب توثيقه عن الإمام أحمد وابن معين والنسائي وقال في تقريب التهذيب: وهو أخو مشاور الوراق لأمه، ثقة وليس هو الذي يروى عن طارق بن شهاب من السادسة مات سنة اثنتين وعشرين أي بعد المائة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
الخامس: يزيد الفقير، قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: يزيد بن صهيب الكوفي أبو عثمان المعروف بالفقير بفتح الفاء بعدها قاف، قيل له ذلك لأنه كان يشكو فقار ظهره، ثقة من الرابعة، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى الترمذي، وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سمع جابر بن عبد الله ﵁، وعنه سيار أبو الحكم عند هما- أي في الصحيحين- وقيس بن سليم وأبو عاصم محمد بن أيوب عند مسلم، وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب توثيقه عن ابن معين وأبى زرعة والنسائي وقال: قال أبو حاتم وابن خراش: صدوق، زاد ابن خراش جليل عزيز الحديث وقال: وذكره ابن حبان في الثقات انتهي ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
السادس: صحابي الحديث جابر بن عبد الله ﵁، قال الحافظ في تقريب التهذيب: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بمهملة وراء، الأنصاري ثم السلمي بفتحتين صحابي ابن صحابي غزا تسع عشرة غزوة ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة ورمز لكون حديثه في الكتب الستة، وقال الخزرجي في الخلاصة: أبو عبد الرحمن أو أبو عبد الله أو أبو محمد المدني صحابي مشهور له ألف وخمسمائة حديث وأربعون
стр. 69
حديثا، اتفقا- أي البخاري ومسلم- على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري تسعين حديتا.
стр. 70
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- هذا الحديث رواه البخاري عن شيخه محمد بن سنان عن هشيم ثم أتى بحرف ح الدالة على التحويل إلى إسناد آخر فرواه عن شيخه سعيد ابن النضر عن هشيم، وقد مر التنبيه على بعض ها يتعلق بالتحويل في الكلام على الحديث الثاني وأضيف هنا: أن استعمال التحويل في الإسناد قليل عند البخاري بخلاف مسلم فإنه يستعمله كثيرا، والسر في ذلك أدن البخاري ﵀ يفرق الحديث على الأبواب فيأتي به في موضح بإسناد للاستدلال به على حكم ثم يعيده مستدلا به على حكم آخر بإسناد آخر، أما مسلم ﵀ فيجمع الروايات ويسوقها مساقا واحدا فلذا يكثر عنده استعمال التحويل.
٢- استعمل البخاري وحمه الله التحويل في إسناد هذا الحديث ولم يجمح بين شيخيه مع كونهما حدثاه به عن هشيم لأنه سمعه منهما متفرقين وكأنه سمعه من محمد بن سنان مع غيره، فلذلك جمع فقال: حدثنا، وسمعه من سعيد وحده فلذا أفرد فقال: حدثني. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح.
٣- صيغة الأداء من محمد بن سنان عن هشيم (حدثنا) ومن سعيد ابن النضر عن هشيم (أخبرنا) قال الحافظ في الفتح: وكأن محمدا سمعه من لفظ هشيم فلهذا قال: حدثنا، وكأن سعيدا قرأه أو سمعه تقرأ على هشيم، لهذا قال: أخبرنا، تم قال الحافظ بعد ذكوه هذا والذي قبله: ومراعاة هذا كله على سبيل الإصطلاح.
٤- قال الحافظ في الفتح: ثم إن سياق المتن لفظ سعيد وقد ظهر
стр. 71
بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد فان اللفظ يكون للأخير والله أعلم.
٥- رجال الإسنادين في هذا الحديث اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم إلا يزيد الفقير فلم يرو له الترمذي، وشيخ البخاري في الإسناد الأول محمد بن سنان فلم يرو له مسلم والنسائي، وشيخه في الإسناد الثاني سعيد بن النضر فلم يرو له سوى البخاري.
٦- قال الحافظ ابن حجر في نخبة الفكر: ومن المهم معرفة من نسب
إلى غير ما يسبق إلى الفهم انتهى. وفي إسناد هذا الحديث شاهدان لذلك: الأول محمد بن سنان الباهلي المعروف بالعوقي، والعوقة حي من الأزد نسب إليهم لكونه نزل فيهم وليس منهم. الثاني يزيد الفقير فإن المتبادر إلى الفهم أنه من الفقر وليس كذلك وإنما كان يشكو فقار ظهره فقيل له الفقير لذلك.
٧- في سند الحديث واسطيان وهما: هشيم بن بشير وشيخه سيار أبو الحكم.
٨- في سند الحديث هشيم بن بشير وهو من المشهورين بالتدليس وقد صرح بالأخبار في هذا الإسناد، بل قد ذكر الحافظ ابن حجر أن كل ما في صحيح البخاري له مما صرح فيه بالسماع كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
٩- في سند الحديث راويان نسبتهما (السلمي) وهما جابر بن عبد الله الأنصاري السلمي، والثاني هشيم بن بشير السلمي. قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: (السلمي) بالضم كثير وبالفتح في الأنصار فقط انتهى. وقال النووي في التقريب (السلمي) في الأنصار بفتحهما ويجوز في لغية كسر اللام وبضم السين في بنى سليم.
стр. 72
المبحث الرابع: شرح الحديث:
ا- لم يبين في هذا الحديث متى قال ذلك رسول الله ﷺ وقد بين أنه
стр. 73
في غزوة تبوك في الحديث الذي خرجه الإمام أحمد في مسنده حيث قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلى فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم فقال لهم: "لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي" الخ الحديث. وهذا من الشواهد لرواية هشيم بن بشير التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما تقدم.
٢- قوله " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي " مفهوم الحديث أنه لم يختص بغير الخمس المذكورة وقد عدد الحافظ ابن حجر في فتح الباري خصائص أخرى غيرها فبلغت بها سبع عشرة وقال: يمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وقال: وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفي أن عدد الذي اختص به نبينا ﷺ عن الأنبياء ستون خصلة. وقد أشار السيوطي في شرحه لسنن النسائي إلى كلام الحافظ ابن حجر هذا وأن ذلك دعاه إلى تتبعها وأنه أفردها بمؤلف سماه: أنموزج اللبيب في خصائص الحبيب، قسمها فيه إلى قسمين ما خص به عن الأنبياء وما خص به عن الأمة وبلغت عدة القسمين أكثر من ألف خصيصة.
وقال الحافظ ابن حجر في الجمع بين هذا المفهوم وبين الأدلة الدالة على الخصائص الأخرى: وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله.
٣- قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وظاهر الحديث يقتضى أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله وهو كذلك ولا يعترض بأن نوحاً ﵇ كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه وقد كان مرسلا إليهم، لأن هذا العموم لم يكن من اصل بعثته وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق بالموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك،
стр. 74
وأما قول أهل الموقف لنوع كما صح ؤ حديث الشفاعة: أنت أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية رسالته وعل تقدير أن يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم.
٤- قوله "نصرت بالرعب مسيرة شهر" الرعب الوجل والخوف والفزع قال الحافظ ابن حجر: مفهومه أنه أيوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب "ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهرا" فالظاهر اختصاصه به مطلقا وإنما جعل الغاية شهراً لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده من غير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال. وقال العراقي في طرح التثريب: وأما النصر بالرعب فهو أن الله تعالى كان يقذف الرعب في قلوب أعدائه لتخذيلهم وورد في بعض طرقه أنه كان يسير الرعب بين يديه شهرا، معناه أنه كان إذا توجه إلى وجه من الأرض ألقى الله الرعب على من أمامه إلى مسيرة شهر.
٥- قوله " وجعلت لي الأرض مسجدا " أي موضع سجود ويخص من هذا العموم ما تيقنت نجاسته وما دل دليل على منع الصلاة فيه كالمقبرة. قال العراقي في طرح التثريب: اختلف في بيان ما خصص به على الأمم قبله في ذلك فقيل إن الأمم الماضية لم تكن تباح الصلاة لهم إلا في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس، وقيل كانوا لا يصلون إلا فيما يتيقنون طهارته من الأرض وخصصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنت نجاسته حكاما القاضي عياض. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: والأظهر ما قاله الخطابي وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: "وكان من قبلي إنما يصلون في
стр. 75
كنائسهم" وهذا نص في محل النزاع فثبتت الخصوصية ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب. وفيه: ولم يكن من الأنبياء أحد يصلى حتى يبلغ محرابه.
٦- قوله "وطهورا" الطهور بفتح الطاء أي المطهر لغيره لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية والحديث إنما سيق لإثباتها وهو يدل على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض ويؤيده رواية أبى أمامة عند البيهقي: "فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهورا ومسجداً".. وعند أحمد "فعنده طهوره ومسجده" وفي رواية عمرو بن شعيب "فأين أدركتني الصلاة تمسحت وصليت" وخص بعض العلماء اسم بالتراب مستدلا بذكر لفظ (التراب) عند ابن خزيمة عن جابر وفي حديث على عند البيهقي وأحمد كما أشار إلى ذلك كله وغيره الحافظ ابن حجر في الفتح، ونقل العراقي في طرح التثريب عن القرطبي ما معناه: أن ذكر التراب من قبيل ذكر الخاص محكوما عليه بحكم العام وهو لا يسقط عمومه ثم تعقب ذلك.
٧- قوله "فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل " أي بعد أن يتيمم حيث لا ماء، وذكر "الرجل " لا مفهوم له أي وكذلك النساء وهو نظير قوله نسيه: لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه. وقوله: من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من الغرماء. والغرض من ذكر هذه الجملة بعد التي قبلها دفع توهم اختصاصه بذلك كما اختص بالشفاعة.
٨- قوله "وأحلت لي المغانم و! تحل لأحد قبلي" المغانم جمع مغنم وفي رواية محمد بن سنان (الغنائم) وهي جمع غنيمة وهي ما أخذ من الكفار في الحرب قال الخطابي: "من تقدم علي ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته"، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري في
следующие страницы →