Полный текст (168 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي له في كل لطيف من قدرته معجز يتفكر فيه، وخفي من صنعه يتنبه (له) ويدل عليه، ونعم تقتضي مواصلة حمده، ومنن تحثّ على متابعة شكره، والذي ميز كل نوع من حيوان خلقه على حدته، وأبانه بشكله وصورته، وجعل له من الآلة ما يلائم طبعه مركبه؛ ويسُّره للأمر الذي خلق له، ويؤديه إلى مصلحته وقوام جسمه، وجعلنا من أشرف ذلك كله نوعاً، وأتمه معرفة، وجمع فينا بالقوة ما فرقه في تلك الأصناف بالآلة، فليس منها شيء مخصوص بحال له فيها مصلحة إلا ونحن قادرون على مثلها، كذوات الأوبار التي جعلت لها وقاء وكسوة، تلزمها ولا تعدمها، فإنا بفضل حيلة العقل نستعمل مثل ذلك إذا احتجنا إليه، ونفارقه إذا استغنينا عنه، وكذوات الحد والشوكة من صدف ومخلب، فأن لنا مكان ذلك ما نستعمله من السيوف والرماح وسائر الأسلحة، وكذوات الحافر والخف والظلف، فأن لنا أمثال ذلك مما ننتعله ونتقي أذى الأرض به، وجعل لنا خدماً وأعواناً، وزينةً وجمالاً، وأكلاً وأقواتاً، فبعض نمتطيه، وبعض نقتنيه، وبعض نغتذيه، وأحل لنا صيد البر والبحر والهواء، نقتنص الوحش من كناسها، ونحطها من معاقلها، ونستنزل الطير من الهواء، ونستخرج الحوت من الماء. ولم يكلنا في ذلك إلى مبلغ حيلتنا حتى عضدنا عليه، وسهل السبيل إليه، بأن خلق لنا من تلك الأنواع أشخاصاً أغراها بغيرها من سائر أجناسها، ووصلها من آلة الخلقة، وسلاح البنية، وقبول التأديب والتضرية، والانطباع على الأكف والاستجابة، فدلنا على موضع الصنع فيها،
стр. 2
وموقع الانتفاع بها، كل الفهد والكلب وسائر الضواري، والبازي والشاهين والصقر وسائر الجوارح كل ما يحويه من ذلك لنا كاسب، وعلينا كادح. وبمصلحتنا عائد، نستوزعه ﷻ الشكر على ما منحناه من هذه الموهبة، وفضلنا به من هذه التكرمة، إلى ما نقصر عن تعداده، ونعجز عن الإحاطة به، من عوائد كرمه، وفوائد قسمه، ونرغب إليه جل جلال في العون على طاعته ومقابلة إحسانه باستحقاقه. وصلى الله على محمد نبيه الصادق الأمين البشير النذير، وعلى آله الطيبين الأخيار، وسلم تسليماً، وعلى الأئمة من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب حتى تنتهي إلى العزيز بالله أمير المؤمنين فتشمله ونسله إلى يوم الدين.
إن للصيد فضائل جمة، وملاذ ممتعة، ومحاسن بيّنة، وخصائص في ظلف النفس ونزاهتها، وجلالة المكاسب وطيبها كثيرة، به يستفاد في النشاط والأريحية، والمنافع الظاهرة والباطنة، والمران والرياضة والخفوف والحركة، وانبعاث الشهوة، واتساع الخطوة، وخفة الركاب، وأمن من الأوصاب مع ما فيه من الآداب البارعة، والأمثال السائرة، ومسائل الفقه الدقيقة، والأخبار المأثورة، ما نحن مجتهدون في شرحه وتلخيصه، وتفصيله وتبويبه، في هذا الكتاب المترجم بكتاب البيزرة، على مبلغ حفظنا، ومنتهى وسعنا، وبحسب ما يحضرنا، وينتظم لنا، اتباعاً فيما لا يجوز الابتداع فيه، وابتداعاً فيما أغفله من تقدمنا ممن يدعيه، ونحن مقدّمون ذكر الأبواب التي تشتمل على ذلك، ليأتي كل باب منها في معناه، وبالله الحول والقوة ومنه التوفيق والمعونة.
стр. 3
باب من كانت له رغبة في الصيد وعنده شيء من آلته من الأنبياء صلوات الله عليهم، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه ومن الأشراف.
باب تمرين الخيل بالصيد والضراءة وجرأة الفارس على ركوبها باقتحام العقاب، وتسنم الهضاب، والحدور والانصباب.
باب ما قيل في طرد كل صنف من وحش وطير.
باب فضائل الصيد وأنه لا يكاد يحب الصيد ويؤثره إلا رجلان متباينان في الحال، متقاربان في علو الهمة، إما ملك ذو ثروة، أو زهد ذو قناعة، وكلاهما يرمي إليه من طريق الهمة، إما لما تداوله الملوك من الطلب، وحب الغلبة والظفر، وموقع ذلك من نفوسهم، أو للطرب واللذة والابتهاج بظاهر العتاد والعدة. والفقير الزاهد لظلف نفسه عن دنيّ المكاسب، ورغبتها عن مصرع المطالب وحقنه ماء وجهه عن غضاضة المهن، وتقاضي أجرة العمل، فمن هذه الطبقة من يقتات من صيده ما يكفيه، ويتصدق بما يفضل عنه، توقياً من المعاملة والمبايعة، ومنهم من يبيع ما فضل عن قوته، ويعود بثمنه في سائر مصلحته. وكانت هذه حال الخليل بن أحمد الفرهودي مع فضله وأدبه وكمال علمه وآلاته، في بازي كان يقتنص به، ويوسد خده لبنةً، وكان جلة الناس في عصره يجتذبونه، ويعرضون عليه المشاركة في أحوالهم فلا يثنيه ذلك من مذهبه، فأحد من كاتبه سليمان بن علي الهاشمي فكتب الخليل بن أحمد إليه:
أبلغ سليمانَ أني عنه في سَعةٍ ... وفي غنىً غير أني لستُ ذا مالِ
شحا بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هُزلاً ولا يبقى على حالِ
стр. 4
وقلما رأيت صائداً إلا تبينت فيه من سيما القناعة، وعلامة الزهد والصيانة، ما لا تتبينه في غيره من سائر المخالطين للناس، ولا تكاد تسمع منه ولا عنه ما تسمعه من سائرهم وعنهم.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس في التفسير قال: إنما سمي أصحاب المسيح الحواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين.
وقال أرسطا طاليس: أول الصناعات الضرورية الصيد ثم البناء ثم الفلاحة، وذلك لو أن رجلاً سقط إلى بلدة ليس بها أنيس ولا زرع لم تكن له همة إلا حفظ جسمه ونفسه بالغذاء الذي به قوامه، فليس يفكر إلا فيما يصيده، فإذا صاد واغتذى فليس يفكر بعد ذلك إلا فيما يستظل به ويستكن فيه وهو البناء، فإذا تم له فكر حينئذ فيما يزرعه ويغرسه.
ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن ههنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ.
قال أبو العباس السفاح لأبي دلامة: سل؟ فقال: كلباً، قال: ويلك، وماذا تصنع بالكلب؟ قال: قلت: سل، والكلب حاجتي، قال: هو لك، قال: ودابة تكون للصيد، قال: ودابة، قال: وغلام يركبها ويتصيد عليها، قال: وغلام، قال: وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا، قال: وجارية، قال أبو دلامة: كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال لا بد من دار، قال: ودار، قال: ولا بد من غلة وضيعة لهؤلاء، قال: قد أقطعناك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة، قال: وما
стр. 5
الغامرة؟ قال: لا نبات فيها، قال: أنا أُقطعك خمس مائة جريب في فيافي بني أسد، قال: فقد جعلنا لك المائتين عامرة، بقي لك شيء؟ قال: أقبل يدك، قال: أما هذه فدعها، قال: ما منعت عيالي شيئاً أهون من فقداً من هذا.
وقيل لبعض من كان مدمناً على الصيد من حكماء الملوك، أنك قد أدمنت هذا وهو خير الملاهي وفيه مشغلة عن مهم الأمور ومراعاة الملك. فقال: إن للملك في مداومة الصيد حظوظاً كثيرة أقلها تبينه في أصحابه مواقع العمارة من بلاده في النقصان والزيادة فيه، فأن رأى من ذلك ما يسره بعثه الاغتباط على الزيادة فيه وأن رأى ما ينكره جرد عنايته له ووفرها على تلافيه، فلم يستتر منه خلل، ورأس الملك العمارة، ولم يخرج ملك لصيد فرجع بغير فائدة، أما دوابه فيمرنها ويكف من غرب جماحها، وأما شهوته فينسئها، وأما فضول بدنه فيذيبها، وأما مراود مفاصله فيسلسها، وأما أن يكون قد طويت عنه حال مظلوم فيتمكن من لقائه، ويبوح إليه بظلامته، فيسلم من مأثمه. وأما أن ينكفئ بصيد يتفاءل بالظفر به إلى خصال كثيرة لا يخيل ما فيها من الربح.
وقيل للزاهد المشغوف بالصيد: لو التمست معاشاً غير هذا، فقال: ادن لا أحد مثله، أن هذا معاش يجدي عليَّ من حيث لا أعامل فيه أحداً وأنفرد به من الجملة وأسلم فيه من الفتنة، وألتمسه في الخلوات والفلوات، وهي مواضع أهل السياحة ومظان أولي العبادة، وقلمَّا خلوت من حيوان عجيب في خلقه، لطيف فيما يلهمه الله من احتيال رزقه، يحدث لي فكره في عظيم قدرة الله جل وعزّ على تصاريف الصور،
стр. 6
واختلاف التراكيب، تعجباً من مذاهب الوحش والطير، في مساعيها لمعاشها، وتمحلها لأقواتها وما يلحقها حين تقع في الأشراك، وترتبك في الحبائل، من الحتوف التي تنصبها لها الأطماع، ويسوقها إليها الحرص، فأنا من ذلك بين متبلّغ للدنيا، ومتأهب للآخرة.
وهذا كتاب كليلة ودمنة المتعارف عليه بين الحكماء فضله، المشتملة على الآداب جمله وفصوله، ذكر واضعه أنه حكمة ألفها، وجعلها على ألسنة الطير والوحش، للطف مواقعها من النفوس، بمقارنة الشكل الحيواني، وإذا كانت كذلك كانت بالقلوب أمس، من الحفظ أقرب، وإذا كان لذكرها والحكاية عنها هذا الموضع، فما ظنك بمشاهدتها ومطاردتها والظفر بما امتنع على الطالب منها.
وكانت ملوك الأعاجم تجمع أصنافها، (من الحيوان في حظائر) وتدخل أصاغر أولادها عليها وتعرّفها صنفاً صنفاً منها، كي لا (ينسبوا إلى الجهل) إذا كبروا ولم يكونوا رأوها في صغرهم، فرأوا شيئاً منها غريباً سألوا عنه.
وأشرف الغذاء الذي تحفظ به الأعضاء وما شاكلها، وليس شيء أشبه بها، وأسرع استحالة إليها من اللحم، وأفضل اللُّحمان ما استدعته الشهوة، وتقبلته الطبيعة بقوة عليه، ولا لحم أسرع انهضاماً، وأخص بالشهوة موقعاً، من لحم الصيد المطرود المكدود، لأن ذلك ينضجه ويهريه ويسقط عن الطبيعة بعض المؤونة في طبخه، وقد قام في النفس من العشق له، والتهالك عليه، والتشوف إليه، ما لم يقم فيها لغيره من المطاعم، فإذا وافى الأعضاء وقد تقدمت له هذه المقدمات، أحالته ذ
стр. 7
بالقبول في أسرع زمان. وإن كان الحيوان غليظاً عكست هذه الأسباب طبعه، ونفت ضرره، وقمعت كيموسه، وربما أُكل اللطيف الخفيف على تعنف وتكره، فكان إلى أن يأخذ من الأعضاء أقرب من أن تأخذ منه الأعضاء، وتأول الرواة معنى امرئ القيس في قوله:
ربّ رامٍ من بني ثُعَلٍ ... مخرجٍ كفيَّه من ستره
فأتته الوحش واردةً ... فتمتَّى النزعَ من يسره
فرماها في فرائصها ... من إزاء الحوض أو عقره
مطعَمٌ للصيد ليس له ... غيرها كسبٌ على كبره
على المدح بادمان الصيد، ويمن الطائر فيه، واستثناؤه بقوله على كبره زائد عندهم في المدح لوصفه أنه يتكلف من ذلك مع قدح السن وأخذها منه شيئاً لا يعجزه مع هذه الحال، ولا يلحقه فيها ما يعرض للمسن من الفتور والكلال، وبنو ثعل بنو عمه لأنهم فخذ من طيء، وكندة فخذ من مُرة، ومرة أخو طيء، فلم يرد غير المدح. وهذا الرامي عمرو الثعلي، وكان من أرمى الناس وفيه قيل:
ليت الغراب رمى حمامة قلبه ... عمرو بأسهمه التي لم تلغب
وفي أبيات امرئ القيس هذه أدب من أدب الصيد ولطائف حيله، وهو قوله: فتمتى النزع من يسره، وتمتى وتمطى واحد، أبدلت التاء من الطاء وفي تمتى معنيان: أحدهما الاعتماد والتوسط من قولهم حصلته في متي كمى فتمتاه بمعنى تعمد متاه، والآخر بمعنى إبدال التاء من الطاء يريد التمطي، وهو
стр. 8
أن مريدي الصيد بالرمي يتمطى بيساره نحو الأرض مرات حتى يؤنس الطريدة، فتألف ذلك منه ولا تذعر له، ثم حينئذ يستغرق نزعه، ويمضي سهمه. ولا يزال امرؤ القيس في كثير من شعره يفخر بالصيد وأكل لحمه، كقوله مع عراقته في الملك:
تظلُّ طهاةُ اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجّلِ
وسماه لذة واكتفى بذلك من أن يذكر الصيد لعلمهم بذلك واشتهاره فيهم وقدره عندهم فقال:
كأني لم أركب جواداً للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخالِ
ومن فضائله ما فيه من التبرز على ركوب الخيل صعوداً وحدوراً وكرّاً وانكفاءً وتعطفاً وانثناءً، وذلك كما قدمنا زائد في الفروسية، ملين من المعاطف، مسلس من المراود، محلل لكوامن الفضول، مثبت للركبة، منسيء للشهوة، مؤمن من العلل المزمنة.
وقال بعض الحكماء: قلما يعمش ناظر زهرة، أو يزمن مريغ طريدة، يعني بذلك من أدمن الحركة في الصيد، ونظر البساتين، فاستمتع طرفه بنضرتها، وأنيق منظرها، وليس يكبر الملك الرئيس العظيم الوقور إذا أثيرت الطريدة أن يستخف نفسه في ارغتها، ويستحضر فرسه في أثرها، ويترجل عنه في المواضع التي لا يقتحم الفرس مثلها.
وحكي عن عظماء الأكاسرة من ذلك ما هو مشهور في سيرهم، وعن الخلفاء الراشدين ما نذكره في باب من أغري به منهم، ومنها ما يسنح فيه من النشاط والأريحية، لا سيما مع الظفر، ودرك البغية، فأن المرء
стр. 9
يكون في تلك الحال أطرب منه عند سماع شائق الألحان، وتشاجي النغم من ذوي الإحسان، وربما قويت النفس حينئذ، وانبسطت الحرارة الغريزية فعملت في كوامن العلل.
أخبرني غير واحد ممن شاهد مثل ذلك أنه رأى من غدا إلى الصيد، وهو يجد صداعاً مزمناً، فطفر فعرض له رعاف حلَّل ما كان في رأسه، وآخر كانت به سلعة يجبن عن بطِّها، قويت عليها الطبيعة فانبطت. وآخر كان في بدنه جرح مندمل على نصل سهم، فبدر ذلك النصل، في وقت احداد حركته وتكامل أريحيته، وربما عكس ما يعرض له من ذلك ذميم حالاته، فآلت إلى ضدها من الخيرية، حتى يتشجع، وإن كان جباناً، ويجود وإن كان بخيلاً، وينطلق وجهه وإن كان عبوساً.
أخبرني بعض الأدباء عن رجل من الشعراء قصد بعض الكبراء. فتعذر عليه ما أمله عنده، وحال بينه وبينه الحجاب، وكان آلفاً للصيد مغرىً به، فعمد الشاعر إلى رقاع لطاف، فكتب فيها ما قاله من الشعر في مديحه، وصاد عدة من الظباء والأرانب والثعالب، وشد تلك الرقاع في أذناب بعضها، وآذان بعض، وراعى خروجه إلى الصيد، فلما خرج كمن له في مظانه ثم أطلقها، فلما ظفر بها واستبشر، ورأى تلك الرقاع، ووقف عليها، زاد في طربه، واستطرف الرجل واستلطفه، وتنبه على رعي ذمامه، وأمر بطلبه فأحضر، ونال منه خيراً كثيراً.
стр. 10
ومن شأن النفس أن تتبع ما عزها، وبعد من إدراكها، فإذا ظفرت بما هذه سبيله بعد إعمالها الحيلة فيه، كان استمتاعها بالظفر به أكثر منه بما وقع عليها فتيسر، وانقياد لها متسمحاً.
وهذا شبيه بما تأوله يحيى بن خالد البرمكي في توصيته ولده، بتقديم العدات أمام الهبات، فأنه قال لهم: إن الموعد إذا تخيل فصدق، وانتظر فطرق، وأستنجح فأنجح، أمتع من مفاجأة البرّ.
ولو أن محاول حرب، أو مقارع جيش، هلك عدوه قبل مكافحته إياه حتف أنفه، أو انفلَّ جيشه من سوء تدبيره فانصرف، أو جاءه ضاعاً طالباً لأمانه، لما كان مقدار السرور بذلك كمقداره لو نازله فقهره، أو بارزه فأسره. وهذا بين في الملاعب بالشطرنج فأن أحذق الاثنين بها وأعلمهما بتدبيرها إذا تبين التفاوت بينه وبين الآخر، ورآه متتابع الخطأ، عميّاً عن الاحتراز، متورطاً في الاغترار، مفرقاً عدده، مستهيناً لفنائه وتناقصه، محتملاً للطرح، لم يلتذ بملاعبته، ولم يحل له قمره.
ولو أن ملكاً يهدى له في كل يوم عدد كثير من أصناف الوحش والطير، لم يبلغ فرحه بذلك جزءاً واحداً من اغتباطه بقنبرة ضئيلة يدأب في صيدها، أو عكرشة هزيلة يظفر بها، وكم من جواد رائع يضن بظهره على أحب أولاده إليه قد قتله بازياره، ولو أن الصيد أمكن مريغه في أول إثارته لنقص ذلك من لذته، وقدح في موقعه.
وقال بعض المحدثين:
لولا طراد الصيد لم يك لذة ... فتَطاردي لي بالوصال قليلا
هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذة حتى يصيب غليلا
وأخذ هذا محمد بن الوزير الحافظ الغساني فكساه لفظاً حسناً في كلمة له يعتذر فيها من تأخير هدية:
стр. 11
يفَديك خلٌّ إذا هتف به ... جرت مجاري لسانه يدُهُ
أخَّر ما عنده لتطلبه ... ولذة الصيد حين تطرده
وقال بعض الكتاب يستعفي رئيساً من برٍّ بعث إليه:
قد جاءت الورق التي وقرتها ... والريم والسرج المُحَّلى والفرس
والبغلة السفواء والخلع التي ... كانت كعرض٢ك ليس فيه من دنس
في ريحها أرج يضوع كأنه ... من عود مَحْتِدِكَ الكريمِ المغترس
والضوء يلمع في الظلام كأنه ... من نور وجهك أو ذكائك يُقْتَبس
لكن أبت لي أن أروح واغتدي ... كلاً على الأخوان أخلاقي الشُّمس
لا أستلذ العيش لم أدأب له ... طلباً وسعياً في الهواجر والغلس
وأرى حراماً أن يواتيني الغنى ... حتى يحاوَل بالعناء ويُلتمَس
فاحبس نوالك عن أخيك موفراً ... فالليث ليس يُسيغ إلا ما افترس
ومن فضل العلم بالصيد والعادة له ما حكاه لي أبي عن اسحق (بن) إبراهيم بن السندي، عن عبد الملك بن صالح الهاشمي، عن خالد بن برمك، أنه كان نظر، وهو مع صالح الهاشمي صاحب المصلَّى وغيره من رجال الدعوة، وهو على سطح قرية نازل مع قحطبة حين فصلوا من خرسان، وبينهم وبين عدوهم مسيرة أيام إلى أقاطيع ظباء مقبلة من البر، حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: ناد في
стр. 12
الناس بالإسراج والإلجام، وأخذ الأهبة، فتشوف قحطبة فلم ير شيئاً يروعه. فقال لخالد: ما هذا الرأي؟ فقال: أما ترى الوحش قد أقبلت؟ إن وراءها لجمعاً يكشفها فما تمالك الناس أن يتأهبوا حتى رأوا الطليعة، ولولا علم خالد بالصيد لكان ذلك العسكر قد اصطلم.
وعذل بعض أبناء الملوك في الاستهتار بالصيد، والشغف به، وقيل له أنه هزل وكان أديباً فقال:
ربما أغندو إلى الصيد معي ... فتية هزلُهمُ في الصيد جِدْ
ألفوا الحرب فلما ظفروا ... فتحامَلوا أن يعاديهم أحد
واستقام الناس طراً لهمُ ... فغدوا ليس يرى فيهم أود
وتقاضت عادة الحرب وما ... جمعوه من عتاد وعُدد
وجدوا في الصيد منها شبهاً ... فابتغوها في معاناة الطرد
لترى عادتهم جارية ... لهم باقية لا تفتقد
ولما شهد أبو علقمة المُريّ عن د سوار أو غيره من القضاة وقف في قبول شهادته، فقال له أبو علقمة: لم وقفت في إجازة شهادتي؟ قال: بلغني أنك تلعب بالكلاب والصقور، قال: من خبرك أني ألعب بها فقد أبطل، وإن كان بلغك أني أصطاد بها فقد صدق من أبلغك، وأني أخبرك أني جاد في الاصطياد بها، غير هازل ولا لاعب، فهل وقف مبلغك على الفرق بين الجد واللعب؟ قال: ما وقف ولا أوقفته عليه، وأجاز شهادته.
стр. 13
ومن فضائل الصيد أنه كان الملك من ملوك فارس إذا حمل على ركوب الصيد دفع أصحابه ركابه سوطه إلى بطانته وهم خاصته، ودفعته الخاصة إلى الخدم وأدخله الخدم إلى موضع نسائه، فناولته إياه امرأة ثيب، وخرج من عندها وهو بيده، فأما في أوقات ركوبه إلى سائر المواضع غير الصيد والحرب، فيتناول السوط من حيث يركب منه.
وكانت الجوارح تنتصب على كنادرها من ناحية وساده نحو رأسه، والضواري وهي الكلاب والفهود وبنات عرس من ناحية ممد رجليه، والخيل أمامه أو عن يمينه، وكل من شهد معه الصيد حاش عليه العانة والسرب حتى يكون المكل يتصيدها، ويتصيدوا هم سائر الوحش والسباع، ما لم ينهوا عن ذلك، ولم يكن يرى أن يخلو سمعه من زقاء جارح ونباح صار وصهيل الخيل، والحان القيان، وطنين الأوثار.
وكانت لبهرام شوبين حظية مفتنة في جميع الآداب، فاقترحت عليه حضور الصيد معه، شغفاً منها به، ونزاعاً إلى مشاهدة الطرد، فأجابها إلى ذلك، فبينا هي معه إذ عن لهما سرب ظباء، وكان بهرام شوبين من جودة الرمي على ما لم يكن عليه سائر الملوك، فقال لها: أراك مشغوفة بالصيد، مرتاحة إليه، فكيف تحبين أن أرمي هذه الظباء، فقالت أريد أن تجعل ذكورها إناثاً وإناثها ذكوراً، ففهم كلامها، وقدر أنها توهمت عليه العجز عما التمسته منه، وأنها حاولت أن تبين من نقصه
стр. 14
فتفت في عضده عند من حضره من أهل مملكته، فقال: ما سألت شططاً، ثم رمى التيوس من الظباء فألقى قرونها فصارت كالإناث، وجعل يرمي كل واحدة من الإناث بسهمين، فيثبتهما في موضع القرنين، فتعود كأنها تيس، فلما تم له ذلك على ما طلبته منه عطف عليها فقتلها، خوفاً من أن تسومه بعد ذلك بفضل همتها وقريحتها، خطةً يقصر عنها فتفضحه.
وذكر الأصمعي عن الحرث بن مصرف قال: ساب رجلاً بحضرة بعض الملوك، فقال: أيها الملك أنه قتال ظباء، طلاب إماء، مشاء بإقراء، أقعر الآليتين، مقبل النعلين، أفحج الفخذين، مفجح الساقين، فقال له أردت أن تذمه فمدحته.
الإقراء جمع قري وهو مسيل نهر، وأقعر الآليتين ممتلئهما، مفجح الفخذين متباعد هذه من هذه، وهذا المصرف يضرب مثلاً في طلاب الأمر عليه، وتقسم رأيه في مناجزتهم، فيجعل نفسه كلب صيد، ويجعلهم ظباء فيقول:
تفرقت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد
فيقال إنه من شعره ويقال إنه تمثل به.
ووقف بعض الملوك بصومعة حكيم من الرهبان فناداه فاستجاب له فقال له: ما اللذة؟ فقال له: كبائر اللذات أربع، فعن أيها تسأل؟ فقال: صفهن لي، قال: هل تصيدت قط؟ قال: لا، قال فهل لك حظ في السماع والشرب؟ قال: لا، قال: فهل فاخرت ففخرت أو كاثرت فكثرت؟ قال: لا، قال: فما بقي لك من اللذات؟
стр. 15
وللصيد لذة مشتركة موجودة في طباع الأمم، وكأنها في سكان البدو والأطراف أقوى لمصاقبتهم الوحش ومنازلتهم إياها، فلا تزال تراهم لها ذاكرين، وبها متمثلين، ومنها طاعمين، حتى أن نساءهم ليتصيدن على الخيل، ذكر ذلك بعض الرواة فقال: أتيت مكة فجلست في حلقة فيها عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وإذا هم يتذاكرون العُذريين وعشقهم وصبابتهم فقال عمر: أحدثكم بعض ذلك، أنه كان لي خليل من بني عُذرة وكان مستهتراً بحديث النساء والصبوة إليهن وينشد فيهن، على أنه كان لا عاهر الخلوة ولا سريع السلوة، وكان يوافي الموسم في كل سنة فإذا أبطأ ترجمت له الأخبار وتوكفت له السُّفار حتى يقدم، فذا قدم تحدثنا حديث عاشقين صبين محزونين، وأنه التاث عليّ ذات سنة خبره، حتى قدم وافد عذرة، فأتيت القوم انشد عن صاحبي، فإذا غلام يتنفس الصعداء ثم قال: اعن أبي المسهر تسأل؟ قلت عنه نشدت، وإياه أردت، قال: هيهات هيهات، أصبح والله أبو المسهر لا مأيوساً منه فيهمل ولا مرجواً فيعلل، أصبح والله كما قال الشاعر:
لعمرك ما حبي لأسماء تاركي ... صحيحاً ولا اقضي بها فأموت
قلت: وما الذي به؟ قال: مثل الذي بك من تهالككما في الضلال، وجركما أذيال الخسار كأنكما لم تسمعا بجنة ولا نار، قلت: من أنت يا ابن أخي؟ قال: أنا أخوه، قلت: أما والله ما يمنعك أن تركب
стр. 16
طريق أخيك، وتسلك مسلكه إلا أنك وإياه كالواشي والنجاد لا يرقعك ولا ترقعه ثم انطلقت وأنا أقول:
ارائحةُ حجّاجُ عذرةُ غُدوةً ... ولما يرح في القوم جعد بن مهجع
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى ... متى ما يقل اسمع وأن نقلت يسمع
ألا ليت شعري أي شيء أصابه ... فبي زفرات هجن من بين أضلعي
فلا يبعدنك الله خلاً فأنني ... سألقى كما لاقيت في الحب مصرعي
فلما حججت وقفت في الموضع الذي كنت أنا وهو نقف فيه من عرفات، فإذا إنسان قد اقبل، وقد تغير لونه وساءت هيئته، فما عرفته إلا بناقته، فأقبل حتى خلف بين اعناقهما واعتنقني، وجعل يبكي، فقلت ما الذي دهاك؟ فقال: برح العذل، طول المطل، ثم أنشأ يقول:
لئن كانت غديَّة ذات لب ... لقد علمت بأن الحب داء
ألم تر ويحها تغيير جسمي ... وأني لا يزايلني البكاء
وأني لو تكلفت الذي بي ... لعف الكَلمْ وأنكشف الغطاء
فإن معاشري ورجال قومي ... حتوفهم الصبابة واللقاء
إذا العذريُّ مات بحتف انف ... فذاك العبد يبكيه الرشاء
стр. 17
فقلت: أبا المهر أنها لساعة عظيمة، وأنك في جميع من أقطار الأرض فلو دعوت كنت قَمِناً أن تظفر بحاجتك، وأن تنصر على عدوك، فدعا حتى إذا دنت الشمس للغروب وهم الناس بالإفاضة همهم بشيءٍ وأصخت له مستمعاً فجعل يقول:
يا رب كل غدوة وروحهْ ... من مُحرم يشكو الضحى وللوحه
أنت حسيب الخطب يوم الدوحه
قلت: وما (يوم) الدوحة؟ قال لي أخبرك إن شاء الله. إني برجل ذو مال ونعم وشاءٍ، وأني خشيت على إبلي التلف، فأتيت أخوالي كلباً، فأوسعوا لي عن صدر المجلس، وسقوني جمة الماء، وكنت فيهم خير أخوال حتى هممت بموافقة مالي بماء لهم يقال له الحرارات. فركبت فرسي، وعلقت معي شراباً كان أهداه إلي بعض الكلبيين فانطلقت حتى إذا كنت بين الحي ومرعى النعم، رفعت لي دوحة عظيمة فقلت: لو نزلت فقعت تحت الشجرة، ثم تروحت مبرداً فنزلت، وشددت
стр. 18
فرسي بغصن من أغصانها، ثم جلست تحتها، إذا رجل يطرد مسحلاً واتاناً، فلما قرب مني إذا عليه درع صفراء، وعمامة خز سوداء، وإذا شعرته تنال فروع كتفيه، فقلت في نفسي غلام حديث عهد بعرس، اعجلته لذة الصيد، فنسي ثوبه وأخذ ثوب امرأته، فما لبث أن لحق المسحل فصرعه ثم ثنى طعنة للأتان، وأقبل وهو يقول:
نطعنهم سُلكى ومخلوجة ... كَرّك لامَيْنِ على نابل
فقلت له: إنك قد تعبت وأتعبت فلو نزلت، فثنى رجله ونزل، فشد فرسه بغصن من أغصان الشجرة، ثم جلس معي فجعل يحدثني حديثاً ذكرت قول الشاعر:
وإن حديثاً منك لو تبذلينه ... جَنى النحل في إعجاز عوذ مطافل
فبينا هو كذاك إذ نكت بالسوط على ثنيتيه فما ملكت نفسي أن قبضت على السوط وقلت: مه فقال: ولم؟ قلت أخاف أن تكسرهما أنهما رقيقتان قال: وهل عذبتان ثم رفع عقيرته يتغنى:
إذا قَبَّل الإنسان آخر يشتهي ... ثناياه لم يأثم وكان له أجرا
فإن زاد زاد الله في حسناته ... مثاقيل يمحو الله عنه بها الوِزرا
стр. 19
ثم قال ما هذا الذي تعلقته؟ قلت: شراب هل لك فيه؟ قال: ما أكره منه شيئاً. ثم نظرت إلى عينيه كأنهما مهاة قد أضلت ولداً، وذعرها قانص، فعلم نظري فرفع عقيرته يتغنى:
إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
فقلت: من أين لك هذا الشعر؟ فقال: وقع رجل منا نحو اليمامة فهو الذي أنشدنيه، ثم ملت لأصلح شيئاً من أمر فرسي فرجعت وقد حسر العمامة عن رأسه فإذا هو أحسن الناس وجهاً، فقلت: سبحانك اللهم! ما أعظم قدرتك، وأحسن صنعتك، قال: وكيف قلت ذلك؟ قلت: لما راعني من نور وجهك، وبهرني من جمالك، قال: وما الذي يروعك من زرق الدواب، وحبيس التراب، ثم لا يدري أينعم بعد ذلك أو يبتئس. قلت: بل لا يصنع الله بك إلا خيراً إن شاء الله، ثم قام إلى فرسه، فلما أقبل برقت لي بارقة من الدرع فإذا ثدي كأنه حق فقلت: نشدتك الله أنت رجل أو امرأة؟ فقال أني والله امرأة تكره العهر وتحب العزل، قلت: وأنا والله كذلك، فجلست تحدثني ما أفقد من أنسها شيئاً، حتى مالت على الدوحة سكراً، فاستحسنت والله يا ابن أبي ربيعة الغدر، وزُين في عيني، ثم أن الله عصمني فجلست منها حجرة فما لبثت أن انتبهت مذعورة، فلاثت عمامتها رأسها وأخذت الرمح، وحالت في متن فرسها، فقلت لها: ولما تزوديني منك زاداً، فأعطتني بنانها فشممت منها والله كالسياب الممطور ثم قلت: أين الموعد؟
стр. 20
قالت إن لي أخوة شرساً، وأباً غيوراً، ولأن أسرك أحب إلي من أن أضرك، ثم مضت فكان والله آخر العهد منها إلى يومي هذا. فهي والله التي بلغتني هذا المبلغ. قلت: والله يا أبا مسهر ما استحسن الغدر إلا بك، فاخضلت لحيته بدموعه باكياً، قلت: والله ما قلت لك إلا مازحاً، ودخلتني له رقة فما انقضى الموسم، شددت على ناقتي، وحملت غلاماً على بعير وجعلت عليه قبة آدم حمراء، كانت لأبي عبد الله، وأخذت معي ألف دينار ومطرف خز ثم خرجنا حتى أتينا كلباً، فإذا الشيخ أبو الجارية في نادي قومه، فأتيته فسلمت عليه، فقال: وعليك السلام من أنت؟ فانتسبت له فقال: المعروف غير المنكر، ما الذي جاء بك! قلت: جئتك خاطباً؟ قال: أنت الكفي لا يرغب عن حسبه، والرجل لا يرد عن حاجته. قلت: إني لم آتك في نفسي، وإن كنت موضع الرغبة ولكن لابن أختكم العذري، فقال: والله أنه لكفيّ الحسب، كريم المنصب. غير أن بناتي لا يقعن إلا في هذا الحي من قريش، قال: فعرف الجزع في وجهي، فقال: أما أنا فأصنع بك ما لا أصنعه بغيرك، أخيرها فهي وما اختارت، فقلت: والله ما أنصفتني، فقال: وكيف ذلك؟ قلت: تختار لغيري. ووليت الخيار لي غيرك، فأومى إليّ صاحبي أن دعه يخيرها، فأرسل إليها بالخيار، وقال: رأيك؟ فقالت ما كنت لأستبد برأي دون رأي القرشي وما أختار، قال: قد صيرت إليك الأمر قال: فحمدت الله جل ذكره، وصليت على محمد صلى الله عليه وقلت: قد زوجتها الجعد بن مهجع، وأصدقتها هذا الألف دينار، وجعلت
стр. 21
تكرمتها العبد والبعير والقبة، وكسوت الشيخ المطرف الخزّ، ولم أبرح حتى بنى عليها وانصرفت أقول:
كفيتُ أخي العذري ما كان نابه ... ومثلي لأثقال النوائب يحمل
وربما ألث السحاب وجرت الأودية، وتتابع السيل، وثلجت الصحراء حتى يعم ذلك معاقل الأروى. وكناس الظباء، ومرابض المها، ومفاحص القطا، ومساالك الطير من الهواء، فتلجأ الصوار والسرب والعانة والرعيل والرف إلى العمارة فتؤخذ قبضاً وتكون حالها في استملامها وضعف من يقدر عليها في تلك الصورة كقول علي بن الجهم في وصف غيث:
وحتى رأينا الطير في جنباتها ... تكاد أكف الغانيات تصيدها
ولا يكون لصيدها ذلك الموقع، على أن ناساً قد أمكنهم مثل ذلك فرأوا تركه، وقالوا إنما لجأت إلينا، وعادت بجوارنا فنؤمنها ولا نروعها، ولا نجور عليها، وفعل مثل ذلك مجير الجراد، وأسمه حارثة بن حنبل من طيء، وكان الجراد قد وقع في أرضه فبدأ بالوقوع حول خبائه، فخرج أهل الحي ليصيدوه، فركب فرسه وأشرع إليهم صدر قناته،
стр. 22
وقال ما كنت لأمكّنكم من جاري، وفخر بذلك قومه، فقال هلال بن معاوية التَّغلبي:
ومنا الكريم أبو حنبل ... أجار من الناس رِجْل الجراد
وزيد لنا والنا حاتم ... غياث الورى في السنين الشداد
وفعل مثله رجل من بني عبد الله بن كلاب يقال له همَّام وبات بأرض خلاء ليس معه أحد، فأوقد ناراً وكان صاد صيداً، فلما رأى الذئب النار أتاها، وذلك من شأنه إذا رأى النار، فلما قرب الذئب منه وهو غَرْثان أقبل يتقرش ما يرميه همَّام من العظام ولا يراه، فلما تبينه رمى إليه بقية صيده ولم يرعه، وأنشأ يقول:
يا رب ذئب باسل مقدامِ ... منجرد في الليل والإظلامِ
عاود أكل الشاء والأنعامِ ... قد ضافني في الليل ذي التمامِ
في ليلة دانية الارزامِ ... يقرش ما ألقي من العظامِ
فبات في أمني وفي ذمامي ... مستدفئاً من لهب الضرامِ
آثرته بالقسم من طعامي ... ولا يخف نبلي ولا سهامي
ولو أتى غيري من الأقوامِ ... من اللئام لا من الكرامِ
إذن للاقى عاجل اِلحمام
وأخبرني من وثقت بصدقه عن رجل من جلَّة أهل همذان، أن الثلج كثر في ضياعه حتى لجأت إليها عانات كثيرة، فأخذها وكلاؤها ولم يحدثوا فيها حدثاً، وكتبوا إليه بخبرها، فكتب إليهم أن أقيموا لها قضيماً
стр. 23
وعلفاً إلى أن ينحسر الثلج، فإذا انحسر الثلج فخلوا سبيلها، واحموها حتى تصل إلى ابعد موضع من العمارة ففعلوا ذلك.
وتلجأ أيضاً إلى الأنس والعمارة إذا أجدبت السنة وعدمت الكلأ، وذكر هذا المعنى إبراهيم الموصلي في قوله يرثي أخاه إسماعيل بن جامع المغني فقال:
وإني وإسماعيل يوم فراقهِ ... لِكالغمد يوم الروع فارقه النصلُ
فإن اغْشَ قوماً بعده أو ازُرْهُم ... فكالوحشِ يدنيها من الأنُسِ المحلُ
يذكرُنيك الخيرُ والشرُّ والتقى ... وقول الخنا والحلمُ والعلمُ والجهلُ
فألقاك عن مذمومها متنزهاً ... وألقاك في محمودها ولك الفضلُ
وقد زعم قوم أن هذا الشعر لمسلم بن الوليد الأنصاري. ومثله لآخر:
تخرّم الدهرُ إشكالي فأفردني ... منهم وكنتُ أراهم خيرَ جُلاّسِ
وصرتُ اصحبُ قوماً لا إشاكلهم ... والوحشُ تأنسُ عند المحل بالناسِ
وأخبرني مخبر عن أبي العباس بن الداية عن المعتصم أنه أوغل يوماً في الصيد وحده، فبصر بقانص يصيد ظباءً فاستدناه وقال: حدثني اعجب ما رأيت في صيدك فقال: خربقت المشارع التي تردها الظباء، فلما شمت الخربق صدرت عطاشاً، ثم عات من غدٍ، فانصرفت أيضاً عطاشاً، ثم عادت في اليوم الثالث بأجمعها، فلما جهدها العطش رفعت رؤوسها إلى السماء فأتاها الغيث فما انصرفت حتى رويت وخاضت في الماء.
وذكرت العلماء بطبائع الحيوان أن الوحش ربما انحازت إلى العمران عن مواضعها من الجبال والبر في الفصل الذي يتصل بفصل الشتاء فيستدل بذلك أهل البلدان على قوة شتاء تلك السنة وشدة برده وثلجه، لأنها تحس في الجبال بتغير الهواء، وبردٍ شديدٍ، فتستدل بذلك على ما بعده من قوة البرد، وتخاف الهلاك فتلجأ إلى العمارة.
стр. 24
باب من كان مستهتراً بالصيد من الأشراف
إسماعيل بن إبراهيم النبي صلى الله عليهما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وقد رتب الأنصار فنصب خمسين رجلاً منهم في وادٍ وقال ارموا يا بني إسماعيل فقد كان أبوكم رامياً، وكان إسماعيل ﵇ مولعاً بالقنص محباً له، متعباً نفسه فيه، مباشراً لعمل آلات الرمي، ولقد قصده أبوه إبراهيم ﵇ زائراً لينظر إليه فلم يجده بمحله لشغله بالقنص.
وحمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، وكان من النجدة على ما خصه الله به، حتى قيل له أسد الله، وكان إسلامه عند منصرفه من صيد، وعلى يده صقر، وجاء في الحديث أن حمزة كان صاحب قنص فرجع يوماً من صيده فقالت له امرأة كانت رأت ما نال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله من أذى أبي جهل: يا أبا عُمارة لو رأيت ما صنع أبو الحكم اليوم بابن أخيك، فمضى على حاله، وهو متعلق قوسه في عنقه، حتى دخل المسجد، فألفى أبا جهل فعلا رأسه بقوسه فشجه، ثم قال حمزة: ديني دين محمد أشهد أنه رسول الله ﷺ .
وعدي بن حاتم طيء وعنه الأحاديث المأثورة في محرم الصيد ومحلله لأنه كان يكثر مسألة النبي صلى الله عليه عما يعانيه من ذلك.
وقال بعض من عُذل في مداومة الصيد:
عذلتني على الطراد وقبلي ... حمزة من اراغة الصيد راحا
كاسراً صقرُه عليه ظباءً ... سانحاتٍ كفى عليها الجناحا
فابتغى ملة النبي وقد كا ... ن رأى فيه قبل ذلك جِماحا
стр. 25
ورمى هامة اللعين أبي جه ... ل بقوس فشجه إيضاحا
وعدي بن حاتم اسمح الخل ... ق إلى الصيد لم يزل مرتاحا
إنما الصيد همة ونشاطٌ ... يُعقب الجسمَ صحة وصلاحا
ورجاء ينال فيه سروراً ... حين يلقى إصابة ونجاحا
ومن خلفاء بني العباس كان أبو العباس السفاح شديد اللهج بالصيد، ناشئاً ومكتهلا، ومن أخباره أنه خرج يوماً متنزهاً نحو الخورنق في يوم من أيام الربيع، ومعه دهم من أهل بيته، وجماعة من خاصته ومواليه فبسط هناك ودعا بغدائه وحضر مائدته عمومته وأبو جعفر المنصور. فبينما هم كذلك يتضاحكون ويأكلون، إذ طلع عليهم أعرابي فوقف بازائهم فسلَّم عليهم بإشارة، فأشار إليه أبو العباس فاستدناه فدنا وقرب منه، فقال له: ادن فأصب من طعامنا فجثا على ركبتيه بعد أن سلم فأكل أكل جائع منهوم مقرور، فلما انتهى اقبل على أبي العباس فقال: بأبي أنت وأمي يا حسن الوجه، انتسب إليّ أعرفك، فتبسم، ثم قال: رجل من اليمن من عبد المدان، قال: أنت والله شريف، ولكني أشرف منك، قال أبو العباس: فانتسب إليه أعرفك، قال: بيت قيس من بني عامر. قال أبو العباس: شريف إلا أنني اشرف منك، قال: كلاّ ما بنو الحرث أشرف من بني عامر إلا أن تكون عارضتني في نسبك، قال: ما عارضتك وأنهم لأحد طرفيّ، قال: فممَّنْ أنت؟ قال: من بني هاشم، قال: رهط رسول الله صلى الله عليه، قال: نعم قال: شريفٌ والله الذي لا إله إلا هو، فما قرابة ما بينك وبين هذا الملك، يعني أبا العباس،
стр. 26
قال: قريبه. قال: بأبي أنت وأمي أهو الحُمَيْمي؟ قال: هو هو قال: فاكتم عليّ حديثاً أحدّث به عنه، قال: أكتم عليك، قال: رأيته وهو غليّم يقعد يرمي في غرض بالحُميْمَة، فيجمع بين نبله في مثل راحتي هذه، ثم ينصرف عن غرضه، فيمر بالطائر فيصرعه بسهمه فما يملك حتى يذبحه بسيفه، ويقطعه ويضرم ناراً أو يستعير نار مَلَّة قد أأضرمرميهما أضرمها أهلها لغدائهم فيرمي بصيده عليها، ويرمي بطرفه إليها لئلا يغلبه أحد على ما فيها، ثم يأكله نتفاً بريشه، مع شظية من لحمه، حتى يأتي على ما فيه ما يشركه فيه عشير ولا خليل. فصاح به داود بن علي: اسكت فض الله ناجذك، إنما تخاطب أمير المؤمنين. فقال أبو العباس لداود: يا عم ما هذه المعاشرة؟ رجل تكلم عن الأنس والانبساط، وقد تحرم بنا، ولزمنا ذمامه، فأرعبته، وأوهنت متنه، وقطعت حديثه، تكلم يا فتى! فلما سمع ما قال داود قال: وكنت أرى في هذا الفتى أمارات خير تدل على أنه سيملك ما بين لابتيها قال وما هي قال: لينُ الجانب، والصفح عن الجاهل، والبذل للنائل، مع مركبّه الكريم، وموضعه من النبوة، فضحك أبو العباس حتى فحص الأرض برجليه وضحك أهل بيته وأمر له بألف دينار وكساه وحمله.
وركب المنصور يوماً في صدره مُشَهّرَة مشمراً من ذيله، وعلى يده بازي حتى عبر الجسر بادياً، وانكفى فعبر الآخر راجعاً، وتبينه الناس فلما عاد واستقر به مجلسه قال للربيع: ما الناس في ركوب
стр. 27
أمير المؤمنين على هذه الحال، قال: عجبوا منها قال: إنه كان لأمير المؤمنين في ذلك مذهب، وهو أنه سيأتي من أبنائنا من يحب الصيد ويتبذل فيه، فأحببت أن يكون مني ما رأيت فمتى فعل مثله منا فاعل بعدي قال الناس: قد ركب المنصور على مثل هذه الصورة.
وكان المهدي محمد بن عبد الله مع ما كان فيه من الحذر والتحفظ والبعد من التبذل مشغوفاً بالصيد لا يكاد يُغِبُّه، وكان مع ذلك مجدوداً فيه لا يحرم، ذكَر ذلك بعض شعرائه في كلمة قال فيها:
يغدو الإمام إذا غدا ... للصيد ميمون النقيبهْ
فتؤوب ظافرة جوا ... رحه واكلبُه الأريبه
بمخالب وبراثن ... بدماء ما اقتنصت خضيبه
وسهامه لوحوشه ... والطير قاصدة مصيبه
وكأنما عرفته فانق ... ادت لدعوته مجيبه
وكان للرشيد حظ من الصيد لا كمداومة المهدي له، واستهتاره به، وكان يرتاح له إذا حضره ارتياحاً شديداً، حتى تحمله الأريحية على ركض فرسه، والشد في أثر الطريدة.
أخبرني بعض ولد عبد الملك صالح الهاشمي عن أبيه عن جده عن عبد الملك قال: كنت احضر مع الرشيد الطرد كثيراً، فحضرت معه يوماً ومعنا حسين الخادم، وكانت الحال بيني وبينه منفرجة، ولا يزال يتتبع هفواتي، ويغري بي الرشيد، فأراغت الكلاب طريدة وأطلقت عليها، وأعطى الرشيد فرسه عنانه ومرّ يشتد في طلبها ولم أتبعه، ولا زدت في عنان فرسي، فرأى ذلك حسين مني فاهتبله وأسرع إلى الرشيد
стр. 28
فقال: لو زاد عبد الملك بن صالح في عنان فرسه حتى يلحق بأمير المؤمنين لم يكن بذلك من بأس فقال الرشيد: استجهلنا أبو عبد الرحمن، ولم ير مساعدتنا على ما نحن فيه، قال: قد فعل ذلك فأمسك الرشيد فضل عنانه متوقفاً عليّ حتى قربت منه، فعاتبني على ما أنكره، فقلت: يا أمير المؤمنين العذر واضح. قال: وما هو؟ قلت: أنا على فرس لا أثق به قال: عذر، وأمر لي بجنيبة فركبتها وتسايرنا غير بعيد، إلى أن أثيرت طريدة أخرى ففعل كفعله الأول، ولزمت حالي الأولى، فأشتد إنكاره وتلوّمعليّ فلحقته، فقال: أقلنا العلة فما استقيلت الزلة، فقلت: يا أمير المؤمنين إذا كنت لا أثق بفرسي وقد بلوته، فأنا بما لم ابْلُه أقل ثقة، فقال: لا ولكن السكينة والوقار افرطا على أبي عبد الرحمن، وكان هذا بعض ما احفظه عليّ. وتوخّى أبو نؤاس في تشبيب قصيدته التي أولها:
خَلق الزمان وشرّتي لم تَخلقِِ ... ورُميت عن غرض الشباب بأفوقِ
ولقد غدوتُ بدستبان مُعلُمٍ ... صخب الجلاجل في الوظيف مسبّق
حرّ صنعناه لتُحكَم كفُّه ... عمل الرفيقةِ واستلاب الأخرق
стр. 29
يجلو القذى بعقيقتين اكتنّتا ... بذرى سليم الجفن غير مخرّق
ألقى زآبره وأخلف بزة ... كانت ذخيرة صانع متنوق
فكأنه متدرع ديباجةً ... عن قالص التبّان غير مسوّق
فترى الأوز قريب خطوِ مشيعٍ ... غرثانَ منبسط الشواكل بورق
يعتام جلتها ويقصر شأوها ... بمؤنّف شاكي الشباه مذلق
стр. 30
حتى رفعنا قدرنا برغامها ... واللحم بين مردَّم وموشق
فأفتتحها بذكر الصيد وصفة الجارح، هزاً منه بذلك، وبعثاً من أريحيته لما يعلمه من رأيه في الصيد، وموقعه من قلبه. والرغام التراب بالفتح ومنه أرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب.
وكان محمد الأمين أشد انهماكاً في الصيد وأحرص عليه من كل من تقدمه. وأكثر طرد أبي نواس معمول في جوارح محمد وضواريه مثل قوله:
فأمتع الله به الأميرا ... ربي ولا زال به مسرورا
ثم كان المعتصم أكثرهم محالفة للصيد، وأخفهم فيه ركاباً لتوفر همته على الفروسية وما شاكلها، ودخل في بابها، وأكثر مباشرة ذلك بنفسه.
ثم كان المعتضد كالمعتصم في أكثر أموره ومآربه، وأشبه به من سائر (أهل) بيته وبنيه من الخلفاء لمباشرة الحرب والصيد وما أشبههما، ولم يكن ينفك من حرب إلا إلى صيد، ولا من صيد إلا إلى حرب، وكان يخرج لصيد الأسد، فيخيم عليها حتى لا يبقى منها باقية، أخبر عنه نجبة ابن علي نديمه قال: كان يقول كثيراً لما بني (الثريا) أتعلم أن بناءً من ابنية الخلفاء يشبه هذا البناء أو يعادله في محل أو موقع؟ أما تراني قاعداً على سريري، يعرض عليّ وزيري، ويُصاد بين يدي صيد البر
стр. 31
والبحر، وكأني في وسط المتصيد. وما أشبّه ما وقع له من ذلك إلا بقول القائل:
يا حبذا السفح سفح المرج والوادي ... وحبذا أهله من رائح غادي
تزقي فرافيره والعيس واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي
ولي في نحو هذا المعنى، وكنا نخرج للصيد بمصر في موضع يعرف بدير القُصير، منيف على ذروة جبل المقطم، مطل على النيل، فهو سهلي جبلي بحري:
سلام على دير القُصَير وسفحه ... فجنَّات حلوان إلى النّخَلاتِ
منازل كانت لي بهن مآرب ... وكن مواخيري ومنتزهاتي
إذا جئتها كان الجياد مراكبي ... ومنصرفي في السفن منحدرات
فأقنص بالأسحار وحشيّ عينها ... واقتنص الأنسي في الظلمات
معي كل بسام أغر مهذب ... على كل ما يهوى النديم مؤاتي
ولُحمان مما امسكته كلابنا ... علينا ومما صيد بالشبكات
وكأس وابريق ونادي ومزهر ... وساق غرير فاتر اللحظات
كأن قضيب البان عند اهتزازه ... تعلم من أعطافه الحركات
هنالك تصفو لي مشارب لذتي ... وتصحب أيام السرور حياتي
стр. 32
ولم يتأخر المكتفي عن (مثل) مذهبه في الصيد، إلا أنه كان أكثر ما يدمنه الصيد بالفهد والعُقاب، هما سَبُعا الضواري والجوارح، ويباشر ذلك بنفسه، ويمتهنها فيه، لشدة الشغف به والارتياح إليه، أخبرني بذلك شهرام وكان خصيصاً به لمعرفته وحسن أدبه. وأخبرني بمثله أبو بكر محمد بن يحيى الصولي. وأخبرني من رآه بظاهر إنطاكية منصرفة مع المعتضد عند أخذه وصيفاً الخادمَ والفهدُ رديفه، وقد التمسه أهلها، للسلام عليه بعد تسليمهم على أبيه، فوجدوه على تلك الحال غير محتشم (منها وانصرفت عنايته إلى الخيل) وكان جمعها واقتناؤها (ومداومة ركوبها) أكبر همة ولذته، ولم يشغف بالصيد ذلك الشغف.
стр. 33
صفة البواشق
وذكر ألوانها وشياتها وأوزانها وصفة الفاره منها
فالأحمر الأسود الظهر جيد صبور على الكد، والأحمر الظهر والبطن رخو ماله جلَد، والأخضر العريض القطب صلب على المواكب. ومنها الأخضر المبرديّ الشية والاسبهرج الذي يشبه لون البزاة، ومنها الأصفر. وأكثر ما رأيناه من أوزانها مائة وثلاثون درهماً وأقله خمسة وتسعون درهماً، وما رأينا منها كبيراً فارهاً والفاره منها الأوسط، وهو افره ما رأيناه ولعبنا به، ولم نصف ما للناس، وإنما ما عندنا وفي ملكنا وصدنا به.
стр. 34
باب في ضراءة الباشق وفراهته
وما يصيد من الطرائد المعجزة التي هي من صيد البازي، وذكر علاجات البواشق وعللها وما خلص منها من العلل وأنجب، وذكر القرنصة وذكر ما عاش عندي منها بالقاهرة حرسها الله، وذكر ما تحتاج إليه في القرنصة من الخدمة، وذكر السبب الذي استحقت عندي به التقدمية على البزاة إذ كان مؤلفو الكتب يقدمون البازي على سائر الجوارح
صفة ضراءة الباشق وهو وحشي
يحتاج الباشق إلى أن يكون على يد رفيق من البيازرة يعرف ما يعمل به، وهو أن يخيط عينيه إلى أن يكلب على الطعم، ومقدار ذلك سبعة أيام، ومنها ما يكون كلَبه على الطعم في أكثر من هذه المدة وأقل منها، لأنها ليست بطبع واحد، ولتكن حمولته في موضع منفرد حتى يهدي فإذا هدي على اليد، وكلِب كلَباً تاماً كاملاً على الطعم، فأفتحه وأطعمه في بيت خال، فإذا كان وقت تعبيره وعبّر، فاجعله في قباء واتركه في قبضت، واقعد به بين الناس، وأقمه على يدك ساعة، فإذا وثب ثوباً خشيت أن ينخلع منه، فأردده إلى القباء، والزم به الرفق، كما
стр. 35
وصيناك، فأنك تأمن عليه أن ينخلع، وأن تخرج فخذاه، ثم لا تزال على ذلك إلى أن تجرّده، فإذا بلغ التجريد فأركب به الدابة واستجِبْه إليها مراراً كثيرة من النخل والأرض وسائر المواضع، فإذا لم يبق عليك من أجابته شيء على ما وصفنا، فخذ له من طير الماء الفرافير ولقفه إياها، فإذا لقفها فخذ واحدة وخِطْ عينها بريشة من جناحها وطِيّها، فإذا أخذها وعرفها، فأقعِد غلاماً في خليج، ومعه فرفورة. وليكن الغلام مستتراً عنك وأنت على حافة الخليج راكب، والباشق على يدك، والطبل بين يديك، وتقدم إلى من معه الفرفورة أن يطيرها عند نقرك الطبل، ثم أنقر الطبل فإذا طيرها وأخذها الباشق فاذبحها في كفه، وأشبعه عليها، فإذا عملت به ذلك مراراً وأخذها، ولم يقف عنها، فأركب إلى الصحراء ومعك الباشق، ولتكن معك طيرة ماء، وأنظر موضعاً فيه طير ماء، فأرسل الباشق عليها، فإذا صاد فأشبعه، وإن لم يحسن عليها فأخرج له طيرة الماء التي معك، وارمها له وأذبحها في رجله، وأشبعه عليها، فأنك إذا عملت به ذلك مرة أو مرتين، صاد بمشيئته الله، فإذا صاد فأشبعه، فإذا أشبعته أربعاً أو خمس مرار، فصر به إلى الماء، وأطلب ما توسط من طير الماء، فأن صاد فأشبعه وعد به في اليوم الثاني، وانتظر به العشية، واطلب به ما كبر من طير الماء مثل الأخضر وأنثاه، ومثل المذنّب وأنثاه، والدراج وأنثاه، فأنه يصيد بعون الله، فإذا بلغت به إلى ذلك فما بقي عليك من ضراءته شيء. وهذه صفة الضراءة على طير الماء. فإذا فرغ طير الماء وكان آخر السنة، وكان الباشق فرخاً، وأحببت قرنصته، فأفعل، وأن أحببت أن تطلب به الحمام ويصيده تسليقاً
стр. 36
فأعمد إلى حمام فأشدد رجله بطُوالة وأقمه على حائط قصير وكن تحت الحائط، وعلى يدك الباشق، وأمر غلامك بجر الخيط الذي في رجل الحمام ليتحرك فيراه الباشق، فإذا نظره الباشق فأرسله عليه، فإذا أخذه فأشبعه عليه، ثم نقّله من ذلك الحائط إلى ما هو أعلى منه قليلاً، ونقله من حائط إلى آخر، وكلما أخذ حماماً فأذبحه في كفه وأشبعه منه، فإنك إذا فعلت ذلك به ورأى حماماً على حائط واثبه، ولا ترسله على حمام واقع في الأرض، فأن ذلك يفسده ولا سيما إذا كان للتسليق مفرّداً وقرنصه وإن كان مقرنصاً واردت أن تنقله إلى الغربان السود فأطلب منها واحداً وأكسره له، وبادر بقصّ مخاليبه، وخزم منقاره، لئلا ينقر الباشق وأشبعه عليه وأطلب به الغربان، وليكن معك غراب في الخريطة، فأن صاد شيئاً فأشبعه عليه، وأن أحسن عليه فأذبح الغراب الذي معك في رجليه، واعمل على ما وصفناه، فأنه يصيد إن شاء الله.
وزعم اللعاب أن الباشق ما يصيد الغراب بكسيرة وقد كسرنا له مراراً كثيرة، وصاد الغربان بالكسائر، ولم نصف إلا ما صدنا به على أيدينا مراراً كثيرة، وكان لمولانا صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الاكرمين.
ولقد رأيت له وأنا معه صلى الله عليه في الموكب في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة ثلاثة عشر باشقاً تصيد كلها الغربان السود والبقع والبيضانيات والمكاحل، وهذا عظيم لم يسمع بمثله.
стр. 37
ذكر الضراءة على البيضاني والمكحَّل
إذا أردت أن يصيد الباشق البيضاني والمحكل فأعمد إلى بيضاني أو مكحل وأشبعه عليه، فأن أعوزك البيضاني فأكسر له على حمام أبيض فإذا أخذه أخذاً جيداً، وأحكم ذلك مراراً، فأخرج به إلى الصحراء. وليكن معك في الخريطة بيضاني أو مكحل، فأن صاد شيئاً فأشبعه عليه، وأن أحسن فأرم له الذي معك وأشبعه عليه، فأنه يصيد بعد أن تطوّل روحك عليه قليلاً إن شاء الله.
وقد رأيت من فراهة البواشق ما لم أرَ مثله قط، فمنها باشق أحمر كبير ما رأيت مثله قط، ولا مثل ما جمع من الطرائد، وذلك أنه صاد في سنته ما لم يكن من صيد البواشق، ولا صاده قبله باشق، وبعيد أن يصيده باشق بعده، لأنه صاد أول سنته أنثى الأخضر، وما كان خرج قبل ذلك إلى الصحراء، وثنّى بالأخضر الذكر، ووزناه بعد إخراج قلبه فوجدنا فيه ثلاثة أرطال ونصف، وهو أكبر أخضر رأيناه، وفيها ما يكون أقل من ذلك، ولم يبق من طير الماء شيء إلا صاده ثم صاد في سنته بعد ذلك الموكب بيضانياً وكان يتجاوز الصفة في حسنه،
стр. 38
وصاد الغربان السود وصاد بعد ذلك طلقاً لم ير مثله قط ولا سُمع به.
وذلك أنا ركبنا إلى الجيزة فانتهينا إلى موضع يعرف بكُوَم الدب، وفيه بركة كبيرة، وفيها غُرٌّ كثير، فأرسلت عليها الشواهين، وتكنّى بعض من كان معنا، وكان على يده شاهين له، فزّعق علينا صاحب الشاهين فأمرت أن تُطير الغُرّ، فجازت بي واحدة عراضاً في السماء، فرميته عليها وزعقت حتى أبصره كل من حضر الموكب فصادها، وكان بين المكان الذي أرسل عليها، والمكان الذي ذبحت في كفه نحو أربعمائة ذراع، فأشبع وقُرنِصَ وعلا أمره على الغُرّ وغيرها من الطرائد المقدم ذكرها في كتابنا هذا.
ومن فُرْه البواشق ثلاثة لم يسمع بمثلها قط ولا رؤي، قُرنصَت عند مولانا صلى الله عليه، فواحد له أربع سنين، واثنان لهما من المدة دون ذلك، فمنها واد يصيد الخضر والغربان السود والبُقع ما تغير عن فراهة على ما وصفنا من ذكره، واثنان يصيدان الغربان السود والبقع في الشتاء والصيف جميعاً، وهذا عظيم لأن الغراب إنما يصاد آخر السنة عند هياجه وهو وقت الراجع، والمصريون يسمون ذلك الشهر أمشير، وهذا ما لم يسمع بمثله في صيد البواشق، لا في كتاب ولا من إنسان.
وكان لنا باشق وحشي فكسرنا له الغراب إلى أن أتجه عليه، وخرجنا به إلى الصحراء، فكان أول طلقه غراباً أبقع فوق حائط، وهذا عظيم من باشق يصيد ابتداءً غراباً فوق حائط، ولم ارَ مثله إلا باشقاً كان لمولانا صلوات الله عليه، فأنه أمرني في بعض الليالي أن أشبعه وشغل هو صلى الله عليه بطير الماء عنه، فأخذته ورجعت، لأطلب به
стр. 39
الغربان البقع، فأصبت واحداً بستان قائماً، فرميته عليه فصاده، بعد أن عمل عليه ما لا تعلمه الاجلام بالفقاق من المراوغة وحسن الطلق. وما رأيت قط افره منه على الغربان البقع، وكان ذلك عند مغيب الشمس وقد ذكرنا كيف يُضري من أول الوقت الذي يؤخذ فيه إلى أن يبلغ هذا المبلغ.
وإنه كان لنا باشق يعرف بباشق ابن حوفيه، وكان يكون على يد أمير المؤمنين صلى الله عليه، وهو يتحدث في موكبه، فكان بعض البيازرة يصيح وقد طار طير الماء، اعني الفرافير، فيرمي بالباشق، وما هو مستو للإرسال، فيصعد معها أبداً في السماء حتى يحملها، وهذا ما لم ير مثله قط على الفرافير.
ومن إطلاقه المعجزة أن مولانا صلى الله عليه رأى ليلةً فرافير في بركة فأراها للباشق ثم ستره عنها، وأنزله بعد ذلك فجاء الباشق فوقف على الأرض لما ضلت منه، فقال صلى الله عليه أريكم شيئاً مليحاً، وضربنا الطبول فقلع الباشق رجله من الأرض، وصاد منها واحدة، وهذا ما لم أرَ مثله من باشق كان لي يصيد البيضانيات، بعد أن حكم اللُعَّاب أنه لا يجيء منه شيء، فلما كان في بعض الأيام تعذّر عليّ البيضاني فأرسلته على طير الماء فلم يصيد منها شيئاً، ووقف على نخلة تحتها بركة فيها ماء، فتنحينا عن البركة وبقي بازياره يدعوه ليأخذه إلى يده، فجاز به طير ماء من السماء، ليقع في البركة مدلاّة الأرجل، فلما رآها الباشق تطلب الماء على هذه الحال طمع فيها، وقلع رجله فصاد أنثاه أبلق قبل أن تصل إلى الأرض. وهذا ما لم أرَ مثله ولا سمعت.
стр. 40
ونحن نذكر ما يكون من التياثها وعلاجاتها وكل ما يعرض من أسقامها ونشرحه مبيّناً حتى نأتي مثل الأول من أخبار صحتها وأيام سلامتها.
وقد كان عندي باشق حوّام، أي وقت أخطأ حام فلّقِب بالحوّم، وكان على الحذف فارهاً وعلى البلق، ثم آل أمره إلى أن خرجت به يوماً إلى الصيد وكان في بركة شاهمرك لطيف، فأريته إياه وسترته عنه ورميت به عليه، وضربت له الطبل فقام إلى السماء فحمله، فذبحته في كفه ودمت على الصيد به، فصاد في ذلك اليوم إلى آخر النهار أربع بيضانيّات ومكحّلا وأبلق من طير الماء، فأنسيته ما كان قد ألفه من الحومان حتى أنه كان إذا أخطأ أستقر في الأرض. وذلك أنني بطلته سنة كاملة حتى أنسي ذلك، وكان إذا أخطأ وقعد في الأرض أشبعته. فألف ذلك ونسي عادته الأولى. ومن ههنا قدمت البواشق على البزاة.
وكان عندي باشق يصيد العجّاج وهو من صيد الشاهين، فما كانت هذه منزلته في الصيد على لطافته، كيف يتقدم عليه شيء من الجوارح.
ولقد رأيت باشقاً أحمر صاد جنطة (كذا) ولم ارَ غيره صادها ولا رأيته صاد غيرها، وهذه منزلة للباشق عظيمة. وكان عندي باشق أسمه مدلل، قرنصته عندي سنة فلم يخرج نقياً، وصاد في السنة صيداً ليس بالطائل، ودخل القرنصة. وكاد أن يكون في السنة الثانية مثل
следующие страницы →