← Адаб

Адаб · id 3944

البيزرة

بازيار العزيز الفاطمي

Полный текст (168 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فأعمد إلى حمام فأشدد رجله بطُوالة وأقمه على حائط قصير وكن تحت الحائط، وعلى يدك الباشق، وأمر غلامك بجر الخيط الذي في رجل الحمام ليتحرك فيراه الباشق، فإذا نظره الباشق فأرسله عليه، فإذا أخذه فأشبعه عليه، ثم نقّله من ذلك الحائط إلى ما هو أعلى منه قليلاً، ونقله من حائط إلى آخر، وكلما أخذ حماماً فأذبحه في كفه وأشبعه منه، فإنك إذا فعلت ذلك به ورأى حماماً على حائط واثبه، ولا ترسله على حمام واقع في الأرض، فأن ذلك يفسده ولا سيما إذا كان للتسليق مفرّداً وقرنصه وإن كان مقرنصاً واردت أن تنقله إلى الغربان السود فأطلب منها واحداً وأكسره له، وبادر بقصّ مخاليبه، وخزم منقاره، لئلا ينقر الباشق وأشبعه عليه وأطلب به الغربان، وليكن معك غراب في الخريطة، فأن صاد شيئاً فأشبعه عليه، وأن أحسن عليه فأذبح الغراب الذي معك في رجليه، واعمل على ما وصفناه، فأنه يصيد إن شاء الله. وزعم اللعاب أن الباشق ما يصيد الغراب بكسيرة وقد كسرنا له مراراً كثيرة، وصاد الغربان بالكسائر، ولم نصف إلا ما صدنا به على أيدينا مراراً كثيرة، وكان لمولانا صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الاكرمين. ولقد رأيت له وأنا معه صلى الله عليه في الموكب في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة ثلاثة عشر باشقاً تصيد كلها الغربان السود والبقع والبيضانيات والمكاحل، وهذا عظيم لم يسمع بمثله.

стр. 37

ذكر الضراءة على البيضاني والمكحَّل إذا أردت أن يصيد الباشق البيضاني والمحكل فأعمد إلى بيضاني أو مكحل وأشبعه عليه، فأن أعوزك البيضاني فأكسر له على حمام أبيض فإذا أخذه أخذاً جيداً، وأحكم ذلك مراراً، فأخرج به إلى الصحراء. وليكن معك في الخريطة بيضاني أو مكحل، فأن صاد شيئاً فأشبعه عليه، وأن أحسن فأرم له الذي معك وأشبعه عليه، فأنه يصيد بعد أن تطوّل روحك عليه قليلاً إن شاء الله. وقد رأيت من فراهة البواشق ما لم أرَ مثله قط، فمنها باشق أحمر كبير ما رأيت مثله قط، ولا مثل ما جمع من الطرائد، وذلك أنه صاد في سنته ما لم يكن من صيد البواشق، ولا صاده قبله باشق، وبعيد أن يصيده باشق بعده، لأنه صاد أول سنته أنثى الأخضر، وما كان خرج قبل ذلك إلى الصحراء، وثنّى بالأخضر الذكر، ووزناه بعد إخراج قلبه فوجدنا فيه ثلاثة أرطال ونصف، وهو أكبر أخضر رأيناه، وفيها ما يكون أقل من ذلك، ولم يبق من طير الماء شيء إلا صاده ثم صاد في سنته بعد ذلك الموكب بيضانياً وكان يتجاوز الصفة في حسنه،

стр. 38

وصاد الغربان السود وصاد بعد ذلك طلقاً لم ير مثله قط ولا سُمع به. وذلك أنا ركبنا إلى الجيزة فانتهينا إلى موضع يعرف بكُوَم الدب، وفيه بركة كبيرة، وفيها غُرٌّ كثير، فأرسلت عليها الشواهين، وتكنّى بعض من كان معنا، وكان على يده شاهين له، فزّعق علينا صاحب الشاهين فأمرت أن تُطير الغُرّ، فجازت بي واحدة عراضاً في السماء، فرميته عليها وزعقت حتى أبصره كل من حضر الموكب فصادها، وكان بين المكان الذي أرسل عليها، والمكان الذي ذبحت في كفه نحو أربعمائة ذراع، فأشبع وقُرنِصَ وعلا أمره على الغُرّ وغيرها من الطرائد المقدم ذكرها في كتابنا هذا. ومن فُرْه البواشق ثلاثة لم يسمع بمثلها قط ولا رؤي، قُرنصَت عند مولانا صلى الله عليه، فواحد له أربع سنين، واثنان لهما من المدة دون ذلك، فمنها واد يصيد الخضر والغربان السود والبُقع ما تغير عن فراهة على ما وصفنا من ذكره، واثنان يصيدان الغربان السود والبقع في الشتاء والصيف جميعاً، وهذا عظيم لأن الغراب إنما يصاد آخر السنة عند هياجه وهو وقت الراجع، والمصريون يسمون ذلك الشهر أمشير، وهذا ما لم يسمع بمثله في صيد البواشق، لا في كتاب ولا من إنسان. وكان لنا باشق وحشي فكسرنا له الغراب إلى أن أتجه عليه، وخرجنا به إلى الصحراء، فكان أول طلقه غراباً أبقع فوق حائط، وهذا عظيم من باشق يصيد ابتداءً غراباً فوق حائط، ولم ارَ مثله إلا باشقاً كان لمولانا صلوات الله عليه، فأنه أمرني في بعض الليالي أن أشبعه وشغل هو صلى الله عليه بطير الماء عنه، فأخذته ورجعت، لأطلب به

стр. 39

الغربان البقع، فأصبت واحداً بستان قائماً، فرميته عليه فصاده، بعد أن عمل عليه ما لا تعلمه الاجلام بالفقاق من المراوغة وحسن الطلق. وما رأيت قط افره منه على الغربان البقع، وكان ذلك عند مغيب الشمس وقد ذكرنا كيف يُضري من أول الوقت الذي يؤخذ فيه إلى أن يبلغ هذا المبلغ. وإنه كان لنا باشق يعرف بباشق ابن حوفيه، وكان يكون على يد أمير المؤمنين صلى الله عليه، وهو يتحدث في موكبه، فكان بعض البيازرة يصيح وقد طار طير الماء، اعني الفرافير، فيرمي بالباشق، وما هو مستو للإرسال، فيصعد معها أبداً في السماء حتى يحملها، وهذا ما لم ير مثله قط على الفرافير. ومن إطلاقه المعجزة أن مولانا صلى الله عليه رأى ليلةً فرافير في بركة فأراها للباشق ثم ستره عنها، وأنزله بعد ذلك فجاء الباشق فوقف على الأرض لما ضلت منه، فقال صلى الله عليه أريكم شيئاً مليحاً، وضربنا الطبول فقلع الباشق رجله من الأرض، وصاد منها واحدة، وهذا ما لم أرَ مثله من باشق كان لي يصيد البيضانيات، بعد أن حكم اللُعَّاب أنه لا يجيء منه شيء، فلما كان في بعض الأيام تعذّر عليّ البيضاني فأرسلته على طير الماء فلم يصيد منها شيئاً، ووقف على نخلة تحتها بركة فيها ماء، فتنحينا عن البركة وبقي بازياره يدعوه ليأخذه إلى يده، فجاز به طير ماء من السماء، ليقع في البركة مدلاّة الأرجل، فلما رآها الباشق تطلب الماء على هذه الحال طمع فيها، وقلع رجله فصاد أنثاه أبلق قبل أن تصل إلى الأرض. وهذا ما لم أرَ مثله ولا سمعت.

стр. 40

ونحن نذكر ما يكون من التياثها وعلاجاتها وكل ما يعرض من أسقامها ونشرحه مبيّناً حتى نأتي مثل الأول من أخبار صحتها وأيام سلامتها. وقد كان عندي باشق حوّام، أي وقت أخطأ حام فلّقِب بالحوّم، وكان على الحذف فارهاً وعلى البلق، ثم آل أمره إلى أن خرجت به يوماً إلى الصيد وكان في بركة شاهمرك لطيف، فأريته إياه وسترته عنه ورميت به عليه، وضربت له الطبل فقام إلى السماء فحمله، فذبحته في كفه ودمت على الصيد به، فصاد في ذلك اليوم إلى آخر النهار أربع بيضانيّات ومكحّلا وأبلق من طير الماء، فأنسيته ما كان قد ألفه من الحومان حتى أنه كان إذا أخطأ أستقر في الأرض. وذلك أنني بطلته سنة كاملة حتى أنسي ذلك، وكان إذا أخطأ وقعد في الأرض أشبعته. فألف ذلك ونسي عادته الأولى. ومن ههنا قدمت البواشق على البزاة. وكان عندي باشق يصيد العجّاج وهو من صيد الشاهين، فما كانت هذه منزلته في الصيد على لطافته، كيف يتقدم عليه شيء من الجوارح. ولقد رأيت باشقاً أحمر صاد جنطة (كذا) ولم ارَ غيره صادها ولا رأيته صاد غيرها، وهذه منزلة للباشق عظيمة. وكان عندي باشق أسمه مدلل، قرنصته عندي سنة فلم يخرج نقياً، وصاد في السنة صيداً ليس بالطائل، ودخل القرنصة. وكاد أن يكون في السنة الثانية مثل

стр. 41

المقدم ذكرها حتى ليّنت عليه بدهن المعقود والشيرج الطرَي، فلما أطعم ما وصفنا من العلاج ولأن عليه بدنه نُتف منه بدنه وذنبه، وأطعم العصافير والمخاليف الطرية، ومن البشتمازك ومعه شيء من الدهن المذكور، فخرج نقياً حسناً، وكان افره من كل باشق قُرنص معه في بيته، وكان من الفراهة على طير الماء بما لم يكن غيره. وصاد الغربان السود وكان تضرب له الطبول كما يعمل به على طير الماء، فلا يرجع عنها، ولم أره قط رجع عن طريدة يرسل عليها وأقام على ما ذكرناه سنين مبقي الفراهة ونحن نذكر ما نعرفه من البواشق الفره وما جرى مجراها إن شاء الله. ولقد كان عندي باشق فاره على كل طريدة، وذلك أنه كان يصيد من البحريات أحمر، وتسمى السقرون، ثلاثة وما أصاب من قليل وكثير على مقدار ما يستوي له صاده، وكان موكباً من فراهته وأول ما صاد عندي الغراب الأسود بكسيرة، ثم بعد ذلك كنت أقف على كوم عين شمس وتُطيّر من بركة الكوم الغرّ، فأرسله عليها فلا يرجع عنها، وأقام على ذلك سنين لم يتغير من فراهته شيء، حتى دخل بعد أربع سنين القرنصة، فأصابته في السنة الخامسة في وسط القرنصة على لا يعرف لها علاج تسمى الذّبّاح، في حلقة تمنع ما يدخل فيه وما يخرج منه، ولا يقدر على إلقاء الرمج حتى يموت ولم يلبث الطير أكثر من بكرة إلى عشية أو من بكرة، ثم أنه مات في المدة التي ذكرناها فشققنا حلقه فوجدنا فيه غدّة مفترشة بقدر الترمسة أو أصغر منها بيسير

стр. 42

فإذا دخلت إلى جارحك في القرصنة، ورأيت وجهه محولا إلى الحائط وأدرته إليك، وخلّيته فرجع إلى الحائط، وعملت به ذلك مراراً، فلم يزدك على هروبه من وجهك إلى الحائط، فما فيه شيء من العلاج فلا تشغل نفسك به. ولقد أصاب عندي كثيراً من الجوارح هذه العلة، فما عرف لها علاج، ولقد أصابت هذه العلة عندنا باشقاً أحمر فرجونا أن يكون له في شق حلقه البر، فشققناه من خارجه برأس مِبْضع عند الاياس منه فلم ينفعه ذلك، ولم يلبث حتى مات، وما رأينا هذه العلة في غير القرنصة قط، ثم انقطعت منذ سنين، ولم نرها بعد ما قدمنا ذكره، ولا سمعنا من يقول أنه رأى مثلها قط، ولا سمع بها، ولا يدري أي شيء هي. وأصعب ما رأيناه من علل القرنصة قد شرحناه، ونحن نشرح ما يحتاج إليه الجارح من الرفق في القرنصة ونذكر علاجه السالم ١والقاتل.

стр. 43

صفة علاج القرنصة وذكر ما يحتاج إليه من آلتها إذا كان الباشق فرخاً وخرج عند طير الماء وأردت أن تصيد به السماني فأفعل، فإذا فرغ من السماني فأطلب به الأبرجة وصد به الحمام وأن كنت تقدر على الخروج إلى موضع الدُرّاج فأطلب به فراخ الدراج. والكسيرةُ التي تكسرها له حتى يصيد فراخ الدُرّاج أن تأخذ ثلاثة شفانين أو أربعة وتخيط أعينها وتطيرها له وتشبعه عليها، تفعل ذلك ثلاث مرار أو أربعاً. وأطلب به بعد ذلك فراخ الدراج، ولا يفارقك البَرود، وصفته أن تأخذ، وزن درهم طباشير، ودرهم بزر قثاء، ودرهم بزر خيار، ودرهم بزر قرع، ودرهم ورد يابس، ودرهم طين روي، ودانق كافور، وقشّير ما يصلح أن يقشر ودقه دقاً ناعماً، وأنخله في خرقة حرير، وأستخرج لعاب السفرجل، وأعجن به الجميع، وأصلحه فُتُلا صغاراً، وتكون معك في الصيف في سفرك، فإذا خشيت على جرحك الحرّ فخذ نصف فتيلة وأطعمه إياها، فإذا بقي باشقك على خمسة وخمسة فأجعله في بيت نظيف مكنوس مرشوش وأشدده بعد أن تبرّد عنه بعد رجوعك من المقام، ولا تنس ما ذكرناه لك فإذا مضت له جمعة فأطعمه العصفور والمخلف الصغير والبشتمازك جمعة. وأجعل الماء عنده في كل يومين مرة، وأرفق به، فإذا بقي على ثلاثة وثلاثة فأمسكه وأنتف بدنه وذنبه، ولا تمَس جناحيه، فإذا فرغت من نتفه فأنفخ عليه الماء من فيك حتى يبتل، وأشدده وأجعل طُعمه

стр. 44

ذلك اليوم نصف طعم من بشتمازك، بسبب التعب الذي لحقه مع شيء من دهن المعقود. بعد أن يكون في بيتك عُميل. فأنه يبرأ بعد أثني عشر يوماً ويكون سالماً في نفسه إن شاء الله. وهذا باب مجرّب سالم في خدمة القرنصة ونحن نصف غيره من أبواب السلامة مما لا يعرفه الناس ونَصفُ ما تعلمه المتسوّقة الذين يريدون به السوق. وهو من السمائم القاتلة للجوارح، وما فيها خير فتوصف ولكن لا بد من صفتها حتى يعلم إنا قد عرفناها ولم تخف علينا، ونُشكر بعد ذلك على تحذيرنا من استعمالها ونحن نذكرها، وينبغي إلا يكون نتف الباشق إلا للفرخ وحده والمقرنص ينتف ذنبه. وقد أطعم الناسُ لحم القنفذ للمقرنصات، على شريطة نحن نذكرها، وهو أن تعمد إلى القنفذ فتذبحه وتخلص شحمه من اللحم، فإذا خلص لك اللحم الأحمر، فأعمد إلى الباشق وأطعمه منه أقل من نصف طعمه، ولا تلزمه إياه دائماً، بل ليكن مرة في عشرة أيام. ومن طعم القرنصة أيضاً اليربوع في كل جمعة مرتين فأنه سالم مجرّب وهو مع الرفق مبارك سالم. والذي هو سم في القرنصة على الباشق إذا هو أكله دهن القرطم ودهن الجوز، والغدد التي تكون في رقبة الشاة إذا ذبحت فأنها تؤخذ وتجفف وتدق وتطعم للباشق، وهذا إذا أطعم الباشق منه شيئاً خرج في غاية الحسن، وعند التحريك يندم صاحبه. ودهن القرطم والجوز أصلح من الغدد، والكل رديء على من يريد أن يلعب بباشقه، وأما الصعلوك فهو جيد له وحده. ومتى رأيت الباشق نقياً ما عليه غريبة فأحذر منه. وقد ذكرنا ما فيه كفاية.

стр. 45

والزنبور الأحمر اليابس رديء على الباشق، وهو يدق ويطعم له على ما ذكرناه، وكذلك السمك الطويل الذي يسمى الانكليس، يقطع من ناحية الذنب أربع أصابع ومن ناحية رأسه مثل ذلك، ويجفف باقيه ويدق ناعماً وينخل في خرقة حرير، ثم يجعل في قارورة ويطعم منه الباشق في كل جمعة وزن خمس حبات فأن صاحبه يسبق حد الجوارح بخروجه من القرنصة، ومن ثم يسبق إلى الموت، فتلك فرحة لم تتم لصاحبها. وقد ذكرنا الجيد والرديء في كتابنا هذا ولم نُبَقّ شيئاً حتى ذكرناه وربما قرّح الباشق في القرنصة وذلك من دم رديء في جناح الباشق يحتاج أن يُخرج منه ولا يضرّ عصبه منه شيء ونحن نذكره إن شاء الله.

стр. 46

ذكر علاج القرح في جناح الباشق وكيف يخرج تُعدّ له سُكُرُّجة فيها خلّ جيد وملح جريش، وتخرج له دهن البيض، وأطلب من خشب الداذين ما يكون كثير الدهن، وحنّاءً مدقوقاً وأنحت له من الخشب أوتاداً دقاقاً صغاراً وأعمد إلى سكرجة فأجعل ذلك فيها، وأجلس أنت ومن يمسكه معك وأنظر مكان الاختناق في جناحه فأضربه بإبرة. في المكان بعينه، حتى يخرج منه الدم الرديء، وإن كان فوق الجناح أو تحته فما يضره شيء، فإذا خرج لك ذلك الدم فحكه بالملح والخل حتى يصير أبيض، وأغرز مكان كل ريشة وتداً من الخشب الذي في دهن البيض، وكبِسّ في مكان ضربته بالإبرة الحناء وتفقّده كل خمسة أيام، فإن كان قد وقع من الأوتاد شيء فأغمسه في دهن البيض، واردده في مكانه، وسقّ ما كان قديماً به، فأنه نافع مجرب، فإذا كان بعد أربعين يوماً بأذن الله. وإن كان قد عمي عليك في ذنبه شيء من ريشه، فأعمد إلى المنقاش وأقلع ما كان مكسوراً من ذنبه، وأعمل وتداً في المكان، فأنه يخرج ولا يبقى عليه شيء، ومتى بقيت عليه إلى أن يتم اثنا عشر يوماً ورمى بها ففتشه فأنك تجد الريشة قد خرجت واستغنى عن المعالجة. وهذا علاج البواشق للقرح ونحن نشرح في قرح البزاة غير هذا العلاج والجميع نافع لسائر الجوارح.

стр. 47

وقد رأينا ما يكون في القرنصة سميناً يلقي ريشه، وهذا شيء مليح ما يقف عليه كل أحد، وقد رأينا باشقاً ناقصاً لا يلقي ريشه وفيه سبب مليح، ونحن نذكر ذلك أجمع في كتابنا هذا، فأما السمين فأنك إذا نقصته ألقي، وذلك أنه يكون شحاً منه على ريشه ومنها ما إذا كان سميناً ولم يلق فأحمله في السحر عشرة أيام وأطرحه فأنه يلقي إن شاء الله. وأما الناقص الذي ذكرناه في القرنصة لم يلق ريشه فأسمنه، فأنه يلقي ريشه ولا يبقي عليه غريبة. وقد رأيت ما يصيبه في القرنصة الحَر فلا يلقي ريشه، ودواؤه قريب مجرب، وهو أن تأخذ من البطيخ البُرُليّسي واحدة، فتقوّر رأسها ثم تقبضه وتملأ زهركه ثلاثة أيام ولا تبالي أن يرده وأمسك عليه طُعمه إلى إلا يبقى عليه شيء منه وأطعمه عند الظهر، وليكن نصف طعمه من بشتمازك خروف، ولا يكن من ماعز، فأنه يردّه والسبب في رده أنه زفِر. ومما نعالجه به في الحر أيضاً وهو باب لطيف أن تمنعه الماء ثلاثة أيام ثم تأخذ بطيخة فتعصر ماءَها وتصفيه بغربال شعر، وتأخذ من البَرود المقدم ذكره في هذا الكتاب خمس فتائل، فتدقها وتطرحها في ذلك الماء وتقدمه إليه، فأنه ساعة يرى الماء ينزل إليه ويشرب منه فأعمل به ذلك ثلاثة أيام فأنه كلما مر به يوم من شرب الماء نقص من شربه، فإذا مضى له عشرة أيام فأجعل له في سُكُرّجَة لبن ضأن، مع قليل من سكر مصري مدقوق، وأجعل عليه يسيراً من دهن البنفسج، وأطعمه البشتمازك سخناً يومين، فأنه نافع مبارك، فإذا صلح فأعمد إلى العصفور الطري فأطعمه منه عشرين يوماً، فأن صلح على العصفور فالزَمْه وإن لم ينجب عليه فأنقله إلى ما نقوله من الطعم وهو الشفنين عشرة أيام فأنه يصلُح عليه. وقد علمنا أن الشفنين ضار ولكنه لا يضره لما قد تقدم من البرود. وقد بلغنا عن طبيب أنه عالج من إسهال بما يسهل فقطع الإسهال. وقد وصفنا جميع ما أمكن. وهو مجرّب

стр. 48

صفة علاج الدود يؤخذ عود آس فيلفّ عليه قطن جديد ويقبض الباشق ويدخل في زهركه ويلف عليه قليلا ويرفق به، فأنه إذا كان من فوق خرج، ويؤخذ أيضاً ريشه فتلطخ عسلا وتدخل في زهركه فأنه نافع مبارك، وهذا العلاج ينفع إذا كان في أعلاه، فأن كان من أسفل فقد ذكرناه في علاج البزاة، وهما مختلفان، ذاك ينفع من أسفل، وهذا ينفع من فوق، وما نبقي شيئاً مما جربناه إلا ونذكره. ولسنا ممن يحشو كتابه ما ليس بصحيح ولا يحتاج إليه، ولا نريد الكثرة. ونحن ذاكرون باقي العلاجات التي لم نذكرها في هذا الباب في علاج البازي وقرنصته التي تأتي بعد هذا. وما نفع البازي من العلاج فاليسير منه علاج الباشق. وما بينهما خلفٌ غير القلة والكثرة، لأن البازي يحتمل الكثير لكبره، والباشق يكفيه القليل لصغره. وأما السبب الذي لأجله قدمنا الباشق على البازي فهو لأن البازي ثلاثة أرطال ونصف بالبغدادي وأقله ثلاثة أرطال، ووزن الباشق خمسة وتسعون درهماً وقليل من البواشق وهو أكبر ما رأيناه وزنه مائة وثلاثون درهماً وهو يصيد من الطرائد ما هو بقدر البازي وهو الأخضر ووزنه ثلاثة أرطال ونصف، ويصيد الغراب الأبقع، ووزنه رطل ونصف وله سلاح أعظم من سلاح الباشق وأطول، وهو أطول فخذين من الباشق وأشد بدناً ولولا أنه يشتغل بالهروب إذا أرسل عليه الباشق لما صاده باشق أبداً، وإنما بهربه يتمكن منه الباشق لأنه خبيث ملعون. وقد حكي عن الغراب أن أباه قال له: إذا رأيت إنساناً يتطامن إلى الأرض فأعلم أنه يريد أن يأخذ حجراً فيرميك به فَطِر، فقال له ابنه: فإن كان الحجر في كمه كيف نعمل؟ ولم يقل الغراب هذا، ولكنه مثلٌ يُضرب لخبث الغراب ولعنته. ووزن الغراب الأسود رطل وربع وربما زاد ونقص وهذه الأوزان من هذه الطرائد إنما هي بعد ذبحها وإخراج قلوبها.

стр. 49

باب في صفة البزاة وذكر شياتها وألوانها وأوزانها وضراءتها والحوادث التي تحدث لها وعلاجاتها وما تحتاج إليه من الخدمة في قرنصتها صفة شياتها الأسبهرج، والأصفر، والأحمر الديز (؟) ومنها ما يكون أخضر عريض القصب مثل شٍيات البواشق، ومنها الأبيض الشديد البياض، ولم نر ببلدنا منها غير أثنين أهداهما ملك الروم إلى مولان أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ذكر أوزانها ثلاثة أرطال ونصف وثلاثة أرطال بالبغدادي وفيها ما يزيد وينقص على ما ذكرناه لكبره وصغره.

стр. 50

صفة ضراءة البازي إذا وقع البازي إلى الصياد فسبيله أن يخيط عينيه، ويأخذه البازيار فيسبّقه ويغسل جناحه ويحمله على يده ستة أيام إلى أن يكلب على الطُّعم فإذا كلب على الطعم شرّقه، وقعد به في السوّق عند العشاء، وليُطل القعود ليسمع وقع الحافر إلى أن يمضي من الليل ثلاث ساعات أو نحوها ثم يرده إلى بيته ويعود به مع الأذان الأول إلى السوق، فيجلس به وهو مشرّق فإذا تكامل كلَبه، فأعمد إلى عينيه عند العِشاء فأفتحهما، ولا تُزله عن يدك إلى أن يمضي من الليل ست ساعات، فحينئذ تقوم به إلى البيت وتشدّه، فإذا كان الأذان الأول فأحمله على يدك إلى أن تصبح ولا تتراءى لك الوجوه، فأنه إذا رأى المارّ والجائي قبل أن يأنس أضطرب على يدك، وخذ شقة من حمام فأطعمه منها ما أكل، فإذا تم كلبه على الطعم فخذ له الحمام وأجعله في طوالة وأرمه له، فإذا أخذه فأذبحه في كفه، وأطعمه منه ما أكل، فإذا عملت به ما رسمناه وأخذ، فأركب الدابة، وليكن معك آخر راكباً، ومعه حمام وطِوالة، وأشدد البازي في الطوالة، وأمدده إلى قدام وأدعه إليك، فأن جاءك فأذبح في كفه وأشبعه مكانه، فإذا عملت به ذلك ثلاثة أيام وجاءك كما تريد، فلقفه في اليوم الرابع الحمام، فإذا أخذه فأذبحه في كفه، وشق منه شقة وأركب الدابة، وصح به إليك مرة ومرتين، فإذا جاءك فأشبعه، وأفعل ذلك به مراراً، فإذا صار يجيئك ولا يتأخر فجرده من سباقيه ولقفه، فإذا جاءك فأشبعه، ولا ترد منه غير ما عمله إلى غد، فاستجبه إلى الدابة فإذا جاءك من النخل وغير النخل (كذا)

стр. 51

ووثقت به فألزمه الركوب في السحر، والطعم في الغيط، وما شاكل ذلك وكن ماراً وراجعاً بين الناس فإذا هدأ وأردت ضراءته على طير الماء فأعمد إلى طيرة ماء من البلق فخذها معك في الخريطة، وأخرج إلى الصحراء، وأشددها في الطوالة وحركها، ليراها البازي ودعه ينتفها، ثم خذها وأسترها عنه، فإذا كلب على طلبها فأرمها له، فإذا أخذها وذبحها في كفه، وخلّه ينتفها، فإذا شبع من نتفها فأخرج له قلبها، ومن الحمام ما يكفيه، فإذا كان غد ذلك اليوم، فأخرج به ولتكن معك طبرة ماء وأره إياها، فإذا رآها في يدك فخذ جناحيها وأرمها إلى فوق، فإذا أخذها فأعمل به في غد ذلك اليوم مثل عملك به في أمسه، فإذا أخذها فكن من غد في سترةِ، وأعط إنساناً طيرة ماءٍ، ومُرْه أن يقف في خليجٍ فيه ماء، وليكن مستتراً عنك، وليكن الطبل معك، وأجعل العلامة بينك وبينه أن يُطير ما معه إذا كنت سعلت، فإذا فعل فأنقر في إثره الطبل، فإذا أخذها أخذاً جيداً، وكلما أخذ أشبعته فأخرج إلى الغيط به، وأطلب ساقية لطيفة وأرسله على طير الماء فأنه يصيد إن شاء الله. فإن صاد فأشبعه وأن أخطأ فأرم في كفه وأذبح في رجليه وأشبعه، فأنه يصيد غد يومه فإذا صاد وشبع خمساً أو ست شبعات فأنه يبدأ بالكبار من الأرانب والغربان والكروان والحُباري والأوز والنحام وبوقير والمطرّفات والملاعقي والعُبّال، وأن خرج إلى موضع فيه الدراج ووقع بهم لم يرجع عنهم لأن الدراج من صيده، فمتى كنت في بلد فيه الدراج والحجل فلا ترسل على غيرهما فأن طير الماء يفسد البازي إلا أن لا تصيب (؟) غير طير الماء فصده.

стр. 52

ولقد كان لي بازي وكان غطرافاً لا يساوي عند لاعب عشرة دراهم، مكسّر الريش، وكان آخر السنة فأوصلته، وكنت أصيد به الغربان البقع، ثم جاء قصال القرط فصاد العبابلة، ودخل القرنصة. وهو فرخ أحمر وخرج خيراً مما كان، وكان مولانا صلى الله عليه وعلى آبائه سماه صوفة البحر. ثم طيّرت له طير الماء فصادها. ولقد ركبنا إلى الصيد يوماً فنحن بشبرنمنت بعد العصر، إذ رأينا في الغيط مكاحل وبلشوناً، ورهطتين وكان البازي جائعاً، فدرت عليهم واستقبلت الريح وأرسلته، فدخل إلى الرهطي الواحد فحمله، وكان رأسه محلّى، فلما جاء به إلى الأرض نجله في عينه تحت السواد في الصفرة، فأطبق عينه ولم يفتحها ساعة طويلة، حتى ظننت أن عينه تلفت ثم فتحها بعد ذلك، وقد نفذ إلى الحبة وأشبع، وانصرفنا ونحن على غاية من الغم به، فبعد ثلاثة أيام ركب عينه بياض فبطّلناه إلى أن زال ما كان على عينه، وكان دواؤه العَذِرة اليابسة المسحوقة، تنفخ في عينه بأنبوبة، وأخرج بعد ذلك إلى الصحراء فصاد أخضر وبيضانيين، ثم عبرنا على خليج فرأينا فيه بلشوناً فدرت عليه ومن معي يقولون أما تخاف الله؟ فلم أجبهم، واستخرت الله جل وعز ثم رميته عليه فصاده، وأخذ رأسه، فعدوت إليه فذبحته، وأشبعته عليه وانصرفنا، وقد قام في نفوس البيازرة ما مثله يقوم.

стр. 53

ثم أنا بعد ذلك ركبنا إلى الصيد وكان معنا فصاد أخضر وديرجاً ودخل إلى الرمل فصاد كروانة وصاد الباشق كروانين ونزلنا إلى الابليز فرأينا قطعة كراكي فذكرت اسم الله تعالى ورميته عليها. فدخل إلى الأقرع منها فحمله، وجاء به إلى الأرض فغدوت إليه وأشبعته عليه، ولم أر في المدة التي لزمت فيها الصيد، ومبلغها عشرون سنة، إلى أن صنفت كتابي هذا في علم البيزرة، مثل هذا البازي على كثرة ما رأيت منها إلا خمسة بزاة كانت تصيد الكراكي وهذا سادسها. ولقد وصل إلينا في ليلة واحدة مائة باز من الشرق والغرب وكم تُراه أن يصل في كل سنة منها ومن غيرها محمولاً إلى مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. مما لم يحمل إلى ملك قبله كثرة وجَوْده وكل ذلك أتولى تدبيره وأمارس تضريته والاصطياد به، وإذا كان هذا الفعل مستكثراً من بازي في طول هذه المدة حتى صار مستطرفاً غريباً في جنسه عند من شاهد منها الكثير فحسبك. وقد ذكرنا أن البواشق تفعل مثل هذا دائماً (وهو) غير مستكثر منها ولا نادر فيها لأنها تصيد الغربان السود والبقع والمكاحل والبيضانيات والخضر والغُرّ، والبازي أشد من الباشق شوكة، وأقوى جسماً، وإذا كان الباشق يصيد ما يصيده البازي فقد وجبت له الفضيلة على البازي، ووضحت حجتنا في تقديم البواشق لما شاهدناه منها ولا شبهة على متأمل في صحة ما ذكرناه. ولقد كان لنا باشق مقرنص جُبِلَ له من الفراهة على طير الماء ما يجوز الوصف، وذلك أنه يكون على يد مولانا صلى الله عليه فيمر به إناث الخضر من طير الماء، مدلاّة الأرجل لتقع في الماء، فيرميه صلى الله عليه عليها عراضاً، ويضع له الطبول فيدخل إليها فيصيدها، وهذا

стр. 54

من أحسن ما يكون، فبهذا الفعل وأشباهه وجب أن نقدمه على البازي إذ كان في الصحراء لا يصيد إلا العصافير فإذا نقل إلى هذه الطرائد العظيمة أتى فيها بالبدع. وقد كان سبيل البازي وهو ملك الجارح أن يتزايد صيده أضعافاً، ليكون بالفضيلة أخص، لأن الفضيلة في هذا الحيوان لا تكون إلا بأفعاله وخواصه. وقد كان يجب إلا تخرج السنة أو يتقرنص من البزاة على التقليل خمسة على الكركي. وقد ذكرنا كيف تُضرى مذ تكون وحشية إلى أن تصيد وتبلغ النهاية، ونحن نذكر ما تحتاج إليه في القرنصة مبيناً إن شاء الله. ولقد كان عندي بازي طريف، ومن طرافته أنه كان بَطّال المطعمة، فأصلحت له مطعمة من ذهب يُشَد عليها بخيط إلى ساقه، فكان يصيد كل يوم ثلاث إوَزّات، وما أصاب من النحام، وكان من الفُرْه الذين سبيلهم أن يوصَفوا، وكان يسمى الأقطع، وكان أخضر يضرب إلى الشهبة، وما رأيت مثله بفرد كف أفره منه، ولسنا نبقي ما تتعلق به الفراهة إلا ونذكره، ولقد كان عندي بازي أصفر مدبج الظهر وكان فرخاً فارهاً على طير الماء، ولم ار افره منه على الغربان لأنه كان يصيدها طائرة وواقعة، وما علمت أن شيئاً من صيده أفلت منه. وكان عندي بازي حمل إلينا من دمشق، وقيل أنه من بعلبك، أصفر اللون وكان من الفراهة على حال مشكورة، لا سيما على طير الماء، وما علمت أني رأيت مثله، وصاد البلشون من على يدي، وخرجت به إلى الريف فصاد الدراج، حتى أنه لم تكن تسقط له دراجة إلى الأرض، وأقام سنين لا تتغير فراهته، ثم أنه بعد ذلك أصابه بَشَم ووقع في السلّ،

стр. 55

وهو من العلل التي لا دواء لها، وما رأيت بازياً قط خلص منها ولا سمع به، ولقد عالجناه منها فبريء ونحن نذكر الدواء. فمن نظر في كتابنا هذا وعالج به السل فنفعه علم أنه قد أتفق لنا دواء صحيح غريب. وكان على ثقة منه، وإن لم ينفع فغير منكر أن يكون البرء في ذلك البازي، أتفق لنا لا على أنه دواء له في الحقيقة، لأنا لم نجربه في غيره، ولم يجز لنا كتمانه، فذكرناه لا تفاق السلامة به، واعتذرنا لأنا لم نرجع منه إلى ثقة بطول التجربة. وأعلم أن أهل العراق لم يقدموا البازي حتى خبروه، فلذلك قدموه في كتبهم وهو أهل لذلك لحسنه، ولما يحدث من فراهته عندهم في العراق، وهي عندنا أقل فراهة منها عندهم. وقد ذكرنا ما رأيناه من الفره وصدفنا عنها. ولم يبق شيء من الجوارح كلها كبيرها وصغيرها حتى لعبنا به. ولم نضع هذا الكتاب إلا بعد الاختبار لسائرها والمشاهدة لها، فنحن نرجع منه إلى ثقة، وكذلك الناظر فيه يرجع إلى ثقة فيما يلتمسه من أول أحوال الجارح في توحشه، إلى حال أنسه وفراهته، ولم نقتصر على ما ذكره من تقدمنا حتى زدنا عليه أشياء لم ينته إليها علمه ولا تجربته. وقُصارى من جاء بعدنا أن يقف حيث وقفنا متى أتفق له من ممارسة الجوارح ما اتفق لنا بمولانا صلى الله عليه في مثل المدة الطويلة التي ذكرناها، وبعيد أن يتفق لمن يكون بعدنا ذلك، وحتى تخرجه الدربة والممارسة إلى ما أخرجتنا إليه حتى إنا نخير من طاعمنا (؟) ونعطيه من عدّة بزاة افرهها ونأخذ الأدون منها، فنلحقهم في صيدهم بالأدون، وأن سبقونا في خيارهم للأفضل الأفره. ولقد بلغنا في صيد البازي خبر عجيب لم نسمع بمثله، وذلك أن مسلماً دخل إلى بلد الروم، فسمع من الروم رجلاً يدعو البازي، وأنه وقف لينظر ما يصيده، فخرج إليه بازي كبير فأخذه وذبحه، ثم أنه دعا

стр. 56

فخرج إليه آخر أحسن من الأول فذبحه، قال المسلم: فصعب ذلك من فعله علّي، وجعلت على نفسي أن أقتله أن ظفرت به، بعد أن اسأله عما أوجب ذبح البازيين، قال: ثم أن الرومي دعا له بازي دقيق الشية دون الأولين في الكبر والحسن، فأخذه وسُرّ وغَنى ورقص، وأخرج إداوة مملوءة نبيذاً قال: فشرب حتى نام سكراً فأوثقت كتافه فأستيقظ وقال لي بلسانه، وكنت أعرف الرومية، بحق نبيك لا تقتلني، فقلت: أمش وإلا قتلتك، فمشى معي مكتوفاً وأخذت شباكه وآلة صيده. فلما وصلت به إلى منزلي قلت حدثني لم ذبحت البازيين؟ فقال: أحدثك بعد أن تحلف لي بنبيك إلا تقتلني، وأن تطلقني، فلما توثق مني باليمين، قال: حملني على ذبح البازيين أنهما لم يكونا خالصين، وكان قد ضرب فيهما الصرر (؟) وهذا البازي اللطيف خالص وهو يصيد الكركي. فقلت أرني كيف يصيده فقال: نعم، وعزم إلا يخيطه، فلم أفعل شفقة عليه، فبعد أن مضت له جمعة شَرقَه فهو على يده إذ رأى كراكي طائرة فواثبها، ثم أنه بعد ذلك فتحه وقال: سر لترى منه ما وعدتك من صيده، فخرجت معه فرأى الكراكي، فأرسله عليها، فدخل فصاد منها واحداً، ثم قال لي: هذا هو الخالص من البزاة فأعبقته. وهذا حسن إن كان صحيحاً لأنني لم أره بل حُدّثت به بمحضر من جماعة فاستحسنته وأثبته في كتابي هذا، ومن أسند فقد برئ من عهدة الحكاية.

стр. 57

ذكر ما يحتاج إليه البازي في القرنصة إذا أردت قرنصة البازي فأتبعه قبل ذلك في الصيد أياماً كثيرة أتعاباً جيداً، إلى أن تراه قد ألقى ثلاث ريشات من كل جناح أو أربعاً فإذا عزمت على طرحه وقطعته عن الصيد، وأردت نتف ذنبه، فلا تضعن يدك عليه حتى تريحه، وتسمنه بعض السمن، فحينئذ فانتف ذنبه في زيادة الشهر يوم السبت، وإنما أردنا بيوم السبت لخبر يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله أنه قال: لو زال حجر عن حجر وجبل عن جبل في يوم سبت لكان حقيقاً على الله ﵎ أن يرده إلى موضعه، فتأولنا بذلك أن يعود عوضاً من كل ريشة تنتف في يوم سبت ريشه جديدة، ولا تتخلف بعون الله. وقد عملنا ذلك في عدة بزاة ولم نر فيها إلا خيراً، فإذا أردت نتف ذنبه فقنصه تقنيصاً رقيقاً، ثم ضع يدك في أصل ذنبه وأقلع الريشة قلعاً رفيقاً، لئلا تزعجه وتوجع ظهره، وانتف نيفقه وهو ما حول زمكاته من داخل، ليخرج بخروج الذنب، وإن لم تنتف ذنب بازيك وتركته يلقي كما يحب، كان أصلح له وأسلم، وإنما ينتف من يريد يسبق بخروج بازيه من القرنصة، ثم أعمد إلى خشبة ملساء مستوية مقدارها خمسة أشبار فابنها في الحائط مما يلي صدر البيت في زاوية، وأجعل طرفها في الحائط وتوثق منها، ولتكن من الأرض على أقل من ذراع، ولا تجعل الخشبة غليظة فتنبسط كفاه عليها ولا دقيقة فلا يمكنه

стр. 58

الثبات عليها بل متوسطة تجمع كفيه، وليكن البيت الذي تلقيه فيه واسعاً بارداً، فأنك تلقيه في استقبال الحر أو في شدته، ولا تُغفل الرش في البيت كل يوم، وأجعل له تحت الخشبة رملاً لئلا تقع كفه إذا أضطرب على الأرض، فتوجعه ويضرّ لك مخالبه، وأجعل عن يمينه إجَّانة من خزف واسعة لطيفة السّمْك فيها ماء، وغَيّره في كل يوم، ليدخلها ويشرب منها ويغتسل فيها، وأطرح له في ذلك الرمل كفا من شعير فأنه ينبت سريعاً ولا سيما في الموضع الندي، فأن البازي يفرح به وينام عليه ويستريح إلى برده، وينشط إذا رأى الخضرة، ومتى انكسر من الريش الذي خرج في سنته ريشة فأقلعها فأنها تنبت بعون الله. ولا تدع بيته مفتوحاً، وتوخّ أن يكون مفرداً، وإلا يكون عليه جواز، لأنه لا يؤمن عليه أن سمع جرياً أو حركة أو جرّ بساط أو حصير أو غير ذلك مما يذعره من أن يضرب بنفسه الحائط فيهلك، وإذا كثر الجواز عليه شُغّل عن القاء ريشه، وتأخر خروجه من القرنصة، ولم يَرْمِ من ريشه الكبار شيئاً، وإذا أمن من الجواز عليه خلا بنفسه وتفرّغ لإلقاء ريشه وأسرع، ولم يمتنع كل يوم من الأغتسال، ولم يتأخر خروجه من القرنصة، ويدلك على ذلك حسن قرنصة البازي الذي لا يصيبه أذى في حال قرنصته، وإذا ألقيته فلا تكثرنّ عليه من الطعم في ابتداء الأمر تريد بذلك إسمانه، فأنه بالمتوسط من الطعم يسمن ما لا يسمن بالكثير منه، ولا تحرص على إسمانه حتى ترى ريش ذنبه قد طلع، لأنه إذا سمن قبل طلوع ريشه لم يؤمن أن يسدّ الشحم مطالع الريش، فَيعمى موضع الريش ولا يخرج إلا بعلاج، وربما عمي فلم يخرج إلا بعلاج نذكره. وقد عالجنا به عدة بزاة وأنجح، وهو أن تأخذ من دهن البيض الطري، ومن خشب الداذين ما كان طرياً، وتصلحه أوتاداً على قدر أنابيب

стр. 59

الريش، وتجعله في الدهن وتقبض البازي وتقبيه حتى تأمن عليه من الاضطراب، وليكن مع منقاش، ثم فتش عن الريشة التي عميت ونبت عليها اللحم فأقلعها وأجعل موضعها وتداً فأنها تخرج. وأعلم أن البازي وجميع الجوارح حتى الفهد طبعها البلغم، وهو آفتها والغالب عليها، وبغلبته يقل لذلك دماؤها، والدليل على ذلك أنك لو ذبحت بازياً لما وجدت فيه من الدم ما تجده في فرخ حمام، ولو ذبحت باشقاً لوجدته أقل دماً من عصفور. وسبيل ما كان هذا طبعه أن يكون غذاؤه اللحم الحار والدم اللذين لم يزالا غذاءه في حدّ بشكاريته، فلا تؤثرن على ذلك شيئاً، واجعل طعمه في قرنصته مخاليف الحمام السمان النواهض التي قد طارت، ولا تطعمه الفراخ التي لم تطر فأنها تثقله إذا أكلها وتصلب في زهركه ولا يسيغها بسرعة، وتضره غاية الضرر، وأطعمه الحذف السمان والقنابر والعصافير الطرية البقلية وما أشبه ذلك. ولا تدم على شيء مما ذكرنا لك، بل غيّر عليه هذه اللحوم، فهو أصلح له من أن تدوم به على لحم واحد، ولا تطعمه لحماً بارداً، وأنت تقدر على حار، أعني ما وصفته لك (ولا) سيما في القرنصة، وأن أطعمته ذلك في القرنصة فليكن في الأيام من بشتمازك حَمَل سمين بدهن حار مثل دهن الجوز، أو الزنبق، والأجود أن يكون بشيرج على جهته، فأنه أقلها ضرراً، والبشتمازك هو الذي يكون في آخر الأضلاع من داخل الحمل، لا ما يكون على ظهره، ويسمى الكمازك، فتَعاهدْه في القرنصة بما ذكرناه، ودع ما ذكر في الكتب من إطعامه في القرنصة الغدد وجراء الكلاب ومخاليف الخطاطيف والفار والجرذان، وجلود الحيات اليابسة، والزنابير الحمر اليابسة، ولحوم العجاجيل وأشباه ذلك، فأنك تعلم أنه لم يتغذ في وحشيته

стр. 60

بشيء من ذلك وإنه لم يكن له غذاء إلا اللحم الحار والدم، وقد رأينا من غذّى بازيه، واستعمل في علاجه ما وجده في الكتب الموضوعة التي أكثرُ ما ضُمّنته على غير أصل وبغير تجربة، فلم يكن لبازيه بقاءٌ وكيف يكون لجارح يُطعم البنج والخربق بقاء، وهما سان قاتلان، ويخلطان مع غيرهما من العقاقير الحادة الحارة فتحرق أكباد الإبل فضلاً عن أكباد الجوارح، وذلك موجود في الكتب المحتفظ بها في خزائن الملوك، فلا تُطعم بازيك في قرنصته وغيرها سوى لحم ما وصفناه لك أو لحم ما يصيده مما يجوز أن تطعمه إياه، ونحن نذكر ما يجنَّبه من لحوم صيده إذا انتهينا إليه. وإذا رأيت بازيك قد ألقى بعض ريشه الصغار، وطلع شيء من ذنبه، فأحسن إليه بما ذكرنا لك، وتعاهده بالأدهان، واجعل في طعمه دهن الخروع في الاحايين، أو دهن الشهدانج فأنه مع دسومته شديد الحرارة، وإذا أكل منه ألقي ريشه سريعاً إن شاء الله، ولا تكثر عليه من الادهان فتبشمه وتؤذيه ويملها، وليكن ذلك بقدر، وشحومُ ما تطعمه لحمه من المخاليف النواهض، والعصافير البقلية أحفظ لجوفه، وأنفع له وأحمد عاقبة، فتعاهده بها، ولا تكثر عليه منها فتثقله، وكلما وجدت ريشاً من بدنه حواليه، فأرم به ولا تدعه عنده، ليِبَيِن لك ما يلقيه كل يوم فإذا تمّ ريشه وذنبه وجناحه وأردت حمله، فأنقصه قبل ذلك بأيام، ليمكنك حمله ويذوب بعض شحمه، وليكن حملك له في زيادة الشهر، وكن عليه أشد حذراً، وأكثر توقياً، منك في حال توحشه، لأن الوحشي تصيده، وهو كالفرس المصنوع، يطير كل يوم ويتعب نفسه ويصيد ما يأكله فلست تخشى من اضطرابه على يدك علة تحدث له، وهذا تحمله من كندرته

стр. 61

وقد ألقيته عليها مائة يوم أو نحوها لا يتحرك منها إلا إلى يدك وقت طعمه فهو سمين لا يؤمن عليه إذا أضطرب بفزعٍ أن ينقطع، وليكن حملك له أولاً بالليل، ليلتين أو ثلاثاً في السراج فأنه أسلم له، فإذا أنس فأحمله على الدابة، وسِرْ به في برد السحر، وطف به الصحراء أن رأيته يشتهي ذلك، فأنه مما يجيعه، وإلا فأردده إلى البيت، وأحمله حتى يذوب شحمه، ثم جوّعه وأخرجه، وليكن ما ترسله عليه أولاً الدُرّاج أو طير الماء أو ما شاكلهما، وجُرّه على ذلك وأرفقه فيه، وأن أردت به طائراً كبيراً لم يكن صاده في فروخيته، فأقصد به الجبل في أول النهار، وأرسله على الكروان ليطير عليه، ويكدّ نفسه ويصيد طلقين أو ثلاثة، ولا تذقه من كل طلق إلا القليل، فأن ذلك يزيد في جوعه، وأطلب به بعد ذلك الأرنب، فأنه يصيده، وأقطعه عنها وألقه على الماء، فأن شربه فهو يزيد في جوعه أيضاً، وأدخل به الصحراء بعد ذلك، وأرسله على ما تريد من كبار الطير، فأنه لا يرجع عنه وأجعل له شبعة في كل يومين أو ثلاثة على الإجابة، بعد أن يصيد لك ما تريد، فأنك إن لم تفعل ذلك فسدت أجابته وتعذّبتَ وكدّر عليك صيده. وتفقد سباقيه عند إرسالك له فأنه إذا كان قصيراً من جانب وطويلا من جانب واضطرب على يدك، ضَرّه ذلك وأوجع إحدى فخذيه، ولم يخرج من يدك، إذا أرسلته على الصيد كما تحبّ، وربما عرج من ذلك، فليكن السباق قصيراً فأنه أسلم له من العقاب وغيرها والأسباب كثيرة، وتفقد دستبانك لئلا يكون وجه الأديم خارجاً، وإن كان من غير الأديم وكان وجهه خارجاً تزلّق تحت البازي، ولم يتمكن من الثبات على يدك فأقلبه، وأجعل المبشور خارجاً ليتمكن البازي من قعوده على يدك، ولا تحمله وأنت سكران فأنه ينكرك ويخافك، ولا تمسه ولا تطعمه وأنت جنب، فأنه لا يحتمل ذلك.

стр. 62

وقد خبرني من جرب ذلك وزعم أنه لم يمْسَسْ جارحاً وهو جنب إلا تبين فيه التغير من يومه، ولا تحمله وقد أكلت بصلاً ولا ثوماً، ولا ما يتغير له الفم فأنك تؤذيه بذلك، ويحوّل وجهه عنك، ولا تنهره ولا تصح في وجهه، فأنه يعرف، وتباعده من نفسك بل تحبب إليه بمداراتك له ورفقك به، عند حمله، ولقمه اللقمة الصغيرة في غير أوقات طعمه وصيده، وفي الليل إذا علمت أن ليس عليه طعم ولا ريمجة وليكن تلقيمك له من فيك، ليألف ذلك منك، ومتى صحت به طلب صياحك للعادة، وإنما جعل مضغ اللحْم للبازي لهذا السبب. وكثير من البيازرة لا يعرف ذلك، وإنما يطعم للعرف والعادة، وإذا أردت أن يحبك بازيك ويألفك، ويسرع الإجابة إليك، فخذ من شحم سرة الدابة وأجعله في أناء، فإذا كان الليل فأحمل البازي في السراج، وخذ من ذلك الشحم مثل الحمصة، فأجعله بين سبابتك وإبهامك، فإذا ذاب فأمسح منه منسره، فأنه يجد طعمه ورائحته وتبين لك الزيادة في أنسه، ثم لا يصبر عنك. وهذا مما أحدثته الترك على ما بلغنا. وجنبه لحم العقعق والزاغ والغُداف ودم الريحاني أعني الحذف، وما علمته سَهَكاً من سائر طير الماء، والحمامة العتيقة فأنها علقم. ولقد خبرني بعض الناس أنه ذبح حمامة عتيقة ضخمة، وأنه أطعم منها ستة بواشق، وكانت فراخاً فلم تبت ليلتها حتى قذفت كلها دوداً، وماتت عن آخرها، وجنبه ريش الطيهوج والغرّ وإلهام وما كان ريشه ليناً،

стр. 63

فأنه يصعب عليه أن يرمي به ونعم الشيء الريمجة للجارح، لأنه لا بّد له منها في حل وحشيته، فقد اعتادها وألفها، ثم مع ذلك تنشف الرطوبة، وتتعلق بها الفضول فتخرج معها، ولا تمتنع من إطعامك البازي العظم الذي فيه المخ مثل عظم الفخذ الأعلى ودعه يبتلعه صحيحاً، والعنَق فأنه يدسم جوفه ويلينه، ويوسع مذرقه والذي لا مخّ فيه يخرج أمعاءه. ذكر سياسية الزُّرَّق أعلم أن سياسة الزرّق كسياسة البازي وطبعه كطبعه، وصيده كصيده، وتضريته كتضريته، وداءه كدائه، وعلاجه كعلاجه، لا فرق بينهما إلا أن البازي أضخم، ويصيد ما يعجز عنه الزرّق، وقد قرأنا في بعض الكتب أنه كان لإنسان زرّق غطراف يصيد الكراكي فما دونها، وقد أبطل في هذا القول ولم يصدق فيه. ذكر الأدوية والعلاجات وما يستدل به من الذرق على كل علة أعلم أن الذرق للجارح بمنزلة البول للإنسان ويستدل البصير على علة الجارح بذرقه، كما يستدل الطبيب الحاذق على علة الإنسان بالقارورة، بل الذرق أصدق وأصح لأن الجارح لا يتعدّى طعمه، وهو اللحم الذي هو غذاؤه، فأن وافقه وجد ذلك في ذره وإن لم يوافقه لم يخف في ذرقه.

стр. 64

والإنسان ربما أشتكى علة من حرارة شديدة أو من دم فتوجب العلة أن تكون قارورته حمراء، فيشرب في الليل شربة ماء، أو يأكل رماناً فيغير ذلك المقدار ماءه، ويحيله حتى يدل على غير علته، ويشكل على الطبيب أمره. ويحتاج من كان عارفاً بالجوارح، كثير الملازمة لها، والتجربة لعللها، إلا يخفى عليه كل جارح، وأن يعرف ذلك ظاهراً وباطناً، بذرق الجارح، ويجعل ذلك شاهداً على العلة. كما يجعل الطبيب الماء شاهداً على العلة، ويحتاج مع ذلك إلا يخالف فعل الطبيب العالم، ولا يحكم على الذرق ويدع ما سواه من الشواهد، لأن الطبيب العالم لا يحكم على الماء دون المجسّة، وما يبين له من حالات العليل، وأن حكم بغير معرفة فقد ضل الطريق، وكذا ينبغي لمن عرف الذرق إلا يحكم عليه ون غيره من الشاهد كالبازي الذي يتزنجر ذرقه وذلك يدل على الاسطارم وهي علة لا دواء لها، وتراه صافي العين، ممتلئ الصدر، حسن الحال، ولا يكون اسطارمي صافي العين أبداً، ولا سميناً لأن هذه العلة في الجارح بمنزلة وجع السل من الإنسان، فمتى يوجدَ من به السل من الناس سميناً أو حسن الحال؟ فيحتاج إذا وقف على الذرق ورأى به منه شيئاً، أن يتفقد حال البازي وينظر إلى عينيه ولحمه، وحسن استمرائه للطعم، وإلى ما أطعمه بالأمس، فأنه ربما أطعمه ما يتغير منه ذرقه، وليس ذلك بضائر له، فإذا وقف على ذرقه عالجه بما يعالج به العليل من ذلك الداء الذي دلّ عليه ذلك الذرق، كالبازي يصيد طائراً فيجب أن تطعمه من دمه، لأن الدم في الاحايين مما ينتفع به إذا غذاءه، ويسهله وينظف جوفه ويجيعه، فإذا أكله تغير ذرقه، لأن الدم يغير ذرق الجارح، وليس عليه من ذلك التغير خوف، فيقدّر من رأى ذلك الذرق أنه من تعبٍ لحق

стр. 65

البازي، أو من بَشَمٍ فيقتله لذلك جوعاً، ويعالجه بما يعالج به البشَم وإنما ذكرنا هذا ليتبين الناظر من ذرق البازي، ومن حالاته وطعمه بالأمس، ما يكون عوناً له فيعمل بحسبه، وربما سحق الريمجة فأخرجها في ذرقه، ولم يرمها من فوق وليس ذلك بمحمود، وهي مما تغيّر ذرقه، إذا خرجت من أسفله، ذلك يذهب على أكثر اللُّعَّاب، والعلة فيه أن الريش الذي يبتلعه البازي يكون قليلاً، فلا يمكنه أن يجمعه ويرمي به، وربما ضعف عن جمعه فيذيب الريمجة لذلك، وإذا ألقي البازي الريمجة يابسة مجتمعة فذلك من علامات الصحة وأن ألقاها خضلة مبتلة فعلى قدر بللها ورطوبتها يكون فضول جوفه، ومن علامات الذرق الدالة على العلل أن تراه مخالفاً لما ذكرناه من ذرق الصحة، فإذا رأيت الذرقة بيضاء شديدة البياض قليلة السواد، خشنة شعثة مقطعة، عسرة في خروجها فأنها تدل على الجص، وعلى حسب ما يظهر لك من الزيادة في بياضها وعسر خروجها يكون الجص، وإذا رأيت الذرقة قد اختلط سوادها ببياضها والسواد يغلب على البياض فأن يدل على تعبٍ لحقه بالأمس وأن رأيتها مختلطة فيها صفرة وهي كَدِرة مقطعة فأن ذلك يدل على بشَم حديث، وأن رأيتها مدورة على هذه الصفة ولم يمددها، فأنها تدل على تخمة عنيفة، وهو قريب من البشم، وأن رأيتها مزنجرة مدورة، وفيها بعض البياض وشبيه بالبزاق، فأن ذلك يحمل من لا يعلم، على أن يشهد بأنه ذرق جارح به الاسطارم، وليس ذلك مما يخشى عليه منه، وإنما تغيَّر ذرقه من أكله لحم طائر قد رعى ما يخالف طبعه، ولم يوافقه فيتغير لذلك ذرقه يومَه ذلك، ثم يرجع الذرق إلى ما كان عليه، وربما تغير ذرقه إذا بات خالياً من الطعم، فتكون تلك الذرقة من فضول جوفه، إذا كان غير خالٍ من الطبائع الأربع وهي دليلة على المِرّة لا غير.

стр. 66

وإذا رأيت الذرقة مزنجرة قد خالطها يسير من السواد والبياض، وأعادها البازي في غده حين تحمله، فأن ذلك يدل على الاسطارم. وإذا أرابك من البازي أمر وتوهمت به علة فأصرف همتك إلى الرفق به والإحسان إليه، وأسمنه فأن السمن ربما ذهب بالداء من غير علاج، وإن لم تستغن على العلاج فلأن تعالجه وهو سمين يقوى على التقبيض واساغة ما تطعمه خير من أن تعالجه مهزولاً فيضعف. ولقد مرت بي حكاية عن رجل كان لاعباً بالجوارح أنه قال: سألت رجلاً يلعب بالجوارح عن بازي كنت أعرفه له فذكر أنه بمنزلة الميت، وأن الاسطارم مع كثرة العلل أنهكه وأذاب لحمه حتى أنه ليس فيه من القوة نما يقعد على اليد، وأعلمني أنه أمر برميه فبعث من جاء به، فرأيته على ما حكاه من الهزل والضعف حتى لقد كان يحرك رجله فتسمع صوتَ عظامه من جوفه تتقعقع، فسقيته ماء لأني رأيت عينيه عيني عطشان. وشددته في موضع بارد كثير الهواء، فكان مطروحاً على الكندرة لا أشك أنه ميت فتركته ساعة ثم لقَّمته صدر عصفور مُخْلِف، وعيناه منطبقتان، فلما حصل ذلك المقدار في زهركه فتحهما بعد ساعة، وانتظرت به إساغة ما أطعمته، ثم أني أطعمته شقة أخرى، فعبَّرها وتبينت الزيادة فيه، وفي نظره ولم أزل يومي ذلك كلما عبَّر أطعمه أخرى إلى العَتَمة، فبات وعليه شقة، فلما أصبح نظرت إليه وقد فتح عينه وصفت بعض الصفاء، ورأيت ذرقه حسناً جيداً، فأطعمته شقتين من عصفور فعبَّرهما بعد ساعة، وتركته حتى نقي وصفا ذرقه وصح، وطلب الطعم فأطعمته عصفوراً سميناً، منظفاً من ريشه وعظامه، فلما عبَّره قوي وصلب صياحه

стр. 67

فألقيت إليه فأرة فأكلها، ووضعت عنده الماء فشرب وأكثر، لملوحة لحم الفأرة، فجوّعه ذلك وحرّضه على الطعم، فكنت أخفف طعمه وأغيّر عليه اللحوم، فما وافقه ألزمته إياه، وما ثقل في زهركه وأبطأ تعبيره جَنَّبْتُه إياه، ولم يزل ذلك فعلي به مع الرفق، وكنت على سفر فلم ينجع رفقي به، بل كان يمسك رمقه حتى استقررت وأحممت البازي، وكان وقت قرنصنته فألقيته في القرنصة، وجعلت أداريه ولا أستعمل معه ما أستعمله مع غيره من البزاة لعلمي بما في جوفه من الداء إلى أن خرج من القرنصة ينشق شحماً، وخرج ريشه أجمع فحملته فصدت به حتى الكراكي، وكان لا يقصر في صيده، ويسيغ طعمه، ولا ينكر منه شيئاً، ولقد أرسلته يوماً على التم وكانت في ماء فلم تنقلع له بسرعة، فأخذ منها واحدة، فأجتمع عليه الباقي فضربوه وغطُّوه في الماء، وهو لا يُخلي التي صادها، وكان ذلك في يوم بارد فأدركته وحملته، وهو لما به من ألم الضرب وشدة البرد، فرددته وشددته في موضع كنين فلما زال عنه ذلك حملته وأطعمته وخفَّفت عنه، فلما كان في غد ذلك اليوم رأيته وقد صار على النصف مما كان عليه، ولم تمض له إلا عشرة أيام حتى عاد إلى ما كان إلى كان عليه أولاً من الهزال وسوء الحال، فدفعته إلى من يقوم بعلاجه ومداراته، فلم يزل يتعذب به إلى وقت القرنصة فلما ألقاه وأحمَّه رجع في السمن إلى ما عهدته وألقى ريشه وخرج حسناً، وصدنا به كل طير، ولم تزل تلك حاله إلى أن توالى عليه التعب فأرسلناه في بعض خرجاتنا إلى الصيد ثلاثة أيام، فعاد إلى الهزال والضعف،

стр. 68

فلم تزل حاله معنا يُلقي في القرنصة وهو لا يُرجى، ويسمن عند احمامنا إياه، ويحمل وهو سمين فيصيد كل طير، إلى أن مضت له سبع سنين ما من سنة إلا ويرجع فيها إلى حاله الأولى، ثم أنه ذهب منا فلم نعرف له خبراً، وإنما ذكرنا قصة هذا البازي ووصفناه علته وما عملنا به لأنه لا داء للبزاة أقتل من الأسطارم، وكان الشحم يقوّي البازي، ونحن لا نشعر بعلته وهو على تلك الحال، ولو لم نسمِنه ونرفق به لمات في أول مرة، ولا تؤٍثرن على إسمان بازك شيئاً متى رأيت منه ما يَريبك. وحدثنا من نثق به أنه رأى البازي وقد صاد التم بالمغرب. ذكر ما يحدث الجص وصفة علاجه أعلم أن الجص يحدثه الحمام واللحم البارد إذا أكثرت على البازي منه، وربما حدث من غبار وتدٍ اوُتِد في بيت مجصص، ويحدث أيضاً من شم رائحة الجص النديّ وربما حدث من ترك ذرق البازي في موضعه فيشمّ رائحته، وعلاجُه إذا بدا به أن تلقمه الزبد أولاً حتى يحصل في زهركه، ثم تلقمه السكر، فأن الزبد يليّن جوفه، والسكر يسهله، فأن نفعه ذلك وإلا فأحقنه بزبد، أو بمخّ من ساق شاة، تجمده في الماء البارد وتجعله مثل النواة للبازي، وكذلك تجعل للزرّق والباشق إذا أصابهما الجص بقدر ما يحتملانه، ولبن الأتن ينفع أيضاً فأن أمكن وإلا فأطعمه لبن الضأن بسكَّر ثلاثة أيام، مع بشتمازك الماعز، وتفقَّد ذرقه فأنه يرمي بالجص مثل الحمصة، وإن كان البازي صيوداً فليس له دواء أنفع من الطرَد، وأكل اللحم الحار، أعني القبج والطيهوج والدراج

стр. 69

ولا سيما أن كانت سماناً، فأن طيرانه وأكله هذه اللحوم مما يذيب الجص ويذهب به، وإن لم يمكن ذلك فأطعمه لحم مخاليف الحمام السمان ودماءها وشحومها فأنها صالحة له ولا بأس بلحم الأرنب حاراً، ولحمُ الخنزير وشحمهُ أبلغُ ما عولج به الجص، فأطعمه منه طعماً أو طعمين وإذا ابيضت عبنا البازي من شدة الجص فأعلم أنه قد صعد إلى رأسه، فمن الناس من يكون وسط رأسه، ومنهم من يكوي حنكه الأعلى بعود آس أو بمسلة، وأصل هذا العلاج التُرك، وأظنهم يفعلون ذلك بالبازي وليس به جص ليأمنوا عليه، وقلّ من رأيناه كوى بازياً في حال علته فنفعه ذلك، والأصلح ما ذكرناه ولا تَقْرَبه النار، ومن الناس من يعالج الجص بأشياء كثيرة وأدوية حارة حادة، يقتل اليسير منها الرجل فضلاً عن الجارح، فتركنا ذكرها، إذ كان العقل لا يوجب قبولها، ولأنني ما امتحنتها فأحمدها، ولا رأيت من امتحنها يحمدها. وقد حدثني من أثق بقوله أنه عالج بازياً له من الجص بمرارة عنزٍ مع يسيرٍ من فانيذ فأنتفع به، وذلك أنه أخذ مرارة عنز فصبّ نصفها وجعل في النصف الآخر من الفانيذ السكري المدقوق مقدار ما تحمله وشد رأسها بخيط وأدخلها في حلق البازي، وجرّ الخيط منها فأنتفع بذلك، وذرَقَ الداء، فمتى عالجت بهذا الدواء فأكثر عرض الماء على البازي فأنه يشرب ويرمي بما في جوفه من الجص، ولم نجرب ذلك غير أن من حدثنا به بصير ثقة، وقد شرحنا ما علمناه من علاج الناس. وقد كان عندنا بازي لمولانا صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، به ورم في رأسه، وجص في جوفه، وكنا نعالجه بمذبح التيس، وذلك

стр. 70

أن تشدّ يداه ورجلاه ويذبح، فيجعل البازي على مذبحه يأكل منه شبعه فيدفع ما في رأسه، وحلل الجص الذي في جوفه، وكنا نعالجه بلك يومين في الجمعة وهو الذي جربناه ولم نرَ إنساناً قبل مولانا صلى الله عليه عمل ذلك. ولو شرحنا ما عندنا في علاجه لأطلنا ولم نضمّن كتابنا إلا ما جرّبناه. ولحم الغزال محِلّل للبلغم الكائن في أجوافها، وينفع من الرياح التي تعرض لها من الجص. ذكر علاج النَّفَس وهو نفَسان، فمنه ما يكون بالطول ومنه ما يكون بالعرض، فأما الذي بالطول فيرجئ له البرءُ، وأما الذي بالعرض فقلما يسلم منه البازي، فإذا أصاب البازي النفس بالعرض، وكان سميناً تاراً في بدنه، فأجعله في بيت كنين مظلم، وخِط عينيه، فإن كان النفس أصابه من صدمةٍ أو ضغطة فأذب له المومياء الخالص بدهن السوسن، وأطعمه إياه مع بشتمازك الضأن، فأنه ينفع الوهن ويجبر الكسر، وإذا رأيت البازي قد استدّ نفسه ويبس لسانه في فيه، فهو من الحر، فخذ له مقدار عدستين من الكافور، وأذبهما في الماء وأسقه إياه، وانتظر بطعمه خمس ساعات لم تخش ضعفه، ثم أطعمه بشتمازك ضأن، فإذا كان من الغد فخذ له

стр. 71

بشتمازك ضأن ذبيحة وقته، وشرّحه وقطّعِه صغاراً، وألقه في اللبن، وأطعمه إياه، وإن كان لبن أتان فهو أنفع له، وقلما رأيناه من البزاة خلص من النفس إذا أصابه، وله علاج غير هذا سنذكره إن شاء الله. وكذلك إذا أنقطع البازي لا يجيء منه شيء، لأنه عرْق ينقطع في قلبه، وربما لحقه الانقطاع في القرنصة لشحمه إذا وثب، وربما أصابه ذلك من ردة سوء من بازياره، وعلاجه كثير وما بنا حاجة إلى أن نذكر ما لا فائدة فيه، بل نذكر ما عالجنا به وجربناه، وأخذناه من الثقات، وما سوى ذلك فقد حكيناه عن قائليه، وتبرأنا من الكذب فيه، واعتمدنا الحق فيما نقوله ونحكيه، وكذا سبيل من وضع كتاباً ألا يكذب فيه، وأن يتعمد الحق فيما يحكيه، فأنه متى اختُبر من كتابه شيء ولم يصح، كُذّب في الباقي أجمع، وما بإنسان حاجة إلى أن يهجّن نفسه، وكفى بالكذب خزياً واسقاطاً وضعة واحباطاً. ذكر علاج البَشَم إذا تبينت في البازي بشماً فأطل جوعه، وأجعله في بيت مظلم، لئلا يقتل نفسه بكثرة الاضطراب، وقتّر عليه الطعم، وليكن أول شيء تطعمه ثلاث قطع من لحم مشرّح واذرر عليه من الزنجبيل أقل من حبة، فأن ذلك يمريه ويشهّيه الطعم، ويعقد ذره حتى تراه قد صفا، وأن لقمته لقماً بنبيذ مطبوخ طيّب كان نافعاً، فإذا حَسُن استمراؤه للطعم، وتبيَّنت صلاح حاله، فأعمد إلى قطعة طين حارة محترقة مما يكون تحت القدر، وانحت ما عليها من الدخان واسحقها وألقها في الماء ودعها قليلاً،

стр. 72

ثم صَفّ ذلك الماء عنها، وقطّع اللحم الذي تريد تطعمه للبازي، واجعله فيه لحظة وأطعمه إياه وهو سخن. ولقد عالجنا به باشقاً عندنا أصابه بشَم فأفاق، وركبنا إلى الصيد فأخطأ عليه البازيار فزاده، ولم يكن يحتمل زيادة، فرجعنا من الصيد عند العشاء الآخرة، فحبس الطعم إلى أن مضى من الليل خمس ساعات، وردّه، وأصبح فلم يأكل الطعم، فمات عند الظهر، ولو لم يزده لكان سالكاً، وأن كان ما للحيّ قاتل، ولا للميت من يحييه. ذكر علاج البياض إذا أصاب عين البازي إذا أصاب عين البازي بياض فخذ ديكاً فأذبحه وقطّر في عينه من مرارته فأنه نافع إن شاء الله. ذكر ما يوِلّد القمل في البازي وصفة علاجه أعلم أن القمل يتولد في البازي لسبب نذكره، وذلك أن البازيار إذا أطعمه ربما يخلّي على منسره شيئاً من الطعم به البازي، ولا بد له من أن يطوي، فإذا جعل رأسه تحت جناحه أكسبه ذلك القمل الصغار والكبار، وإذا أصابه فما يهنيه أكل ولا نوم ولا صيد. وقد حُدثنا أن الكبار تأكل الصغار وهو مذيب للجارح، ويمصه حتى يتركه جلداً على عظم، وعلاجه أن تأخذ من الزرنيخ الأحمر سَجْل الماء مقدار ما تعلم أنه يكفيه، وتقبض البازي إذا طلعت الشمس.

стр. 73

وللقمل أمكنة معروفة يكون فيها، فمنه ما يكون في عنقه، وفي أصول الريش من تحت جناحيه، وفي عكوته وفي نَيْفَقه، ولم نرَ أبلغ من الزرنيخ في قعله. وقد وصف المتقدمون في كتبهم زبيب الجبل والمسك والذي ذكرناه أبلغ وأنفع. ووصف للقمل أيضاً أن يُلَفّ البازي بخرقة جديدة، ويدخل به الحمام ويصبر به ساعة، فأنه لا يبقى عليه شيء من القمل. ووصف له أيضاً أن يجعل في عنقه طوق صوف ويدخل به الحمَّام، فأن القمل يخرج في الصوف. والسالم الذي عملناه وجرّبناه هو الزرنيخ. ومن رَسْم الجارح إذا زرنخ أن يراح ثلاثة أيام ثم يشدّ، فأن ذلك نافع له. وقد وصفنا الجيد والرديء وذكرنا حاليهما ومبلغ فعلهما، والانتفاع بهما، فأعمل على أيهما شئت. ذكر علاج المسمار إذا أصاب كف الجارح إذا أصاب المسمار كفّ البازي فعلاجه بعِلك البُطم. وقال بعض البصراء ليس يقلعه شيء إلا الكّي، وهو مجرب وهو أنفع ما عولج به المسمار، ثم يعالج بعلك البطم والمرهم، وتُلبَّد كندرته بعد ذلك، ومن الناس من يلبّدها قبل ذلك، ويبللها بالماء والملح، وذلك مما يقلع المسامير من أصلها وقد جربنا ذلك وصح. وأكثر ما يصيبه المسمار الصقور والشواهين.

стр. 74

ذكر ما يُحدث الورمَ في الكفين وصفة علاجه أعلم أن الورم في الكفين يحدث من جهات، فمنها ما يكون من التخمة، ومنها ما يكون من مادة تنصب إلى الموضع حادة، والفرق بين ورم التخمة وورم المادة أن تجسّ الموضع، فأن وجدته بارداً فالورم من التخمة، وأن وجدته حاراً فالورم من المادة الحادة، وقد يحدث الورم أيضاً من فتلة أصابعه فترم لذلك كفه، فأن كان من التخمة فليس غير البطّ، والأدوية التي تجذب ما في كفه من الفضل، وأن كان الورم من دمٍ أخذت له القاقيا والمغاث والمرّ ودقيق الشعير وبياض البيض وطليته به، وأن جعلت معه شيئاً من ماء الهندبا وماء الكزبرة الرطبة كان أصلح، وهو يصلح للمادة والفتلة التي ذكرنا وينفع منها وقد يكون ورم أعلى الكف من الدود، وقد بيَّنَّا علاجه في باب الدود، وإذا أردت أن تبطّ كفه فالفف عليه خرقة كتان مبلولة وخلها ساعة طويلة ثم أقلعها وأقشر موضع الورم بسكين، حتى يتبين لك، وأشرطه طولاً لا عرضاً بمبضع، وأحذر أن يصيب عروقه وعصبه شيء، وأغسل عنه الدم، وأدهنه بدهن وردٍ، وضع عليه لوقته صفرة بيض نيء، وأشدده بخرقةٍ، فأنه يبرأ بأذن الله، ولم تصب هذه العلة عندنا غير شاهين واحد فعالجناه بما ذكرناه فبرئ.

стр. 75

ذكر علاج القُلاّع إذا أصاب البازي القلاّع فحِنّكه بالصبر والعسل، فأنهما نافعان، وأتن نزلا في جوفه خرطاه ونفعاه، وأن شئت أن تشق موضع القلاع بمبضع وتحشوه بحصاة كافور فأفعل، فأنه نافع إن شاء الله. ذكر ما يتبين به كون الدود في البازي وصفة علاجه إذا رأيت البازي ينتف ريشه فأعلم أن ذلك من دود يكون في جوفه، وربما نتف من نَيْفَقه، ودواؤه أن تأخذ من قشر الرمان الحامض فتدقه ناعماً، وتذرّه على البشتمازك من ماعزٍ، وتطعمه للبازي ثلاثة أيام، فأنه يبرأ بأذن الله، ومن صفاته أيضاً أن تأخذ رمانة حلوة فتعصر ماءها ثم تقطع البشتمازك صغاراً وتلقيه فيه، وتطعمه البازي فهو نافع له. ومن صفاته أيضاً أن تأخذ من الحمص الأبيض جزءاً فتقليه قلياً خفيفاً، ثم تقشره وتنعم دقَّه، وتأخذ ثلاث قطع لحم فتلطخها بيسير من عسل، ثم تذر عليها ذلك الحمص، وتطعمها للبازي، فأنه يرمي ما في جوفه من الدود بأذن الله. ومن صفاته أيضاً أن تأخذ لِفْتَةً فتقورّها ثم تملؤها ماء، وتسخنها على النار، وتطرح فيها من بشتمازك مقدار نصف طعمه فأنه نافع إن شاء الله. صفة علاج الحَرّ إذا أصاب البازي الحر فأجعل له في طعمه دهن ورد وماء ورد يومين فأنه نافع وقد جربناه، ولم نر عليه إلا خيراً.
следующие страницы →