← Адаб

Адаб · id 3944

البيزرة

بازيار العزيز الفاطمي

Полный текст (168 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بشتمازك ضأن ذبيحة وقته، وشرّحه وقطّعِه صغاراً، وألقه في اللبن، وأطعمه إياه، وإن كان لبن أتان فهو أنفع له، وقلما رأيناه من البزاة خلص من النفس إذا أصابه، وله علاج غير هذا سنذكره إن شاء الله. وكذلك إذا أنقطع البازي لا يجيء منه شيء، لأنه عرْق ينقطع في قلبه، وربما لحقه الانقطاع في القرنصة لشحمه إذا وثب، وربما أصابه ذلك من ردة سوء من بازياره، وعلاجه كثير وما بنا حاجة إلى أن نذكر ما لا فائدة فيه، بل نذكر ما عالجنا به وجربناه، وأخذناه من الثقات، وما سوى ذلك فقد حكيناه عن قائليه، وتبرأنا من الكذب فيه، واعتمدنا الحق فيما نقوله ونحكيه، وكذا سبيل من وضع كتاباً ألا يكذب فيه، وأن يتعمد الحق فيما يحكيه، فأنه متى اختُبر من كتابه شيء ولم يصح، كُذّب في الباقي أجمع، وما بإنسان حاجة إلى أن يهجّن نفسه، وكفى بالكذب خزياً واسقاطاً وضعة واحباطاً. ذكر علاج البَشَم إذا تبينت في البازي بشماً فأطل جوعه، وأجعله في بيت مظلم، لئلا يقتل نفسه بكثرة الاضطراب، وقتّر عليه الطعم، وليكن أول شيء تطعمه ثلاث قطع من لحم مشرّح واذرر عليه من الزنجبيل أقل من حبة، فأن ذلك يمريه ويشهّيه الطعم، ويعقد ذره حتى تراه قد صفا، وأن لقمته لقماً بنبيذ مطبوخ طيّب كان نافعاً، فإذا حَسُن استمراؤه للطعم، وتبيَّنت صلاح حاله، فأعمد إلى قطعة طين حارة محترقة مما يكون تحت القدر، وانحت ما عليها من الدخان واسحقها وألقها في الماء ودعها قليلاً،

стр. 72

ثم صَفّ ذلك الماء عنها، وقطّع اللحم الذي تريد تطعمه للبازي، واجعله فيه لحظة وأطعمه إياه وهو سخن. ولقد عالجنا به باشقاً عندنا أصابه بشَم فأفاق، وركبنا إلى الصيد فأخطأ عليه البازيار فزاده، ولم يكن يحتمل زيادة، فرجعنا من الصيد عند العشاء الآخرة، فحبس الطعم إلى أن مضى من الليل خمس ساعات، وردّه، وأصبح فلم يأكل الطعم، فمات عند الظهر، ولو لم يزده لكان سالكاً، وأن كان ما للحيّ قاتل، ولا للميت من يحييه. ذكر علاج البياض إذا أصاب عين البازي إذا أصاب عين البازي بياض فخذ ديكاً فأذبحه وقطّر في عينه من مرارته فأنه نافع إن شاء الله. ذكر ما يوِلّد القمل في البازي وصفة علاجه أعلم أن القمل يتولد في البازي لسبب نذكره، وذلك أن البازيار إذا أطعمه ربما يخلّي على منسره شيئاً من الطعم به البازي، ولا بد له من أن يطوي، فإذا جعل رأسه تحت جناحه أكسبه ذلك القمل الصغار والكبار، وإذا أصابه فما يهنيه أكل ولا نوم ولا صيد. وقد حُدثنا أن الكبار تأكل الصغار وهو مذيب للجارح، ويمصه حتى يتركه جلداً على عظم، وعلاجه أن تأخذ من الزرنيخ الأحمر سَجْل الماء مقدار ما تعلم أنه يكفيه، وتقبض البازي إذا طلعت الشمس.

стр. 73

وللقمل أمكنة معروفة يكون فيها، فمنه ما يكون في عنقه، وفي أصول الريش من تحت جناحيه، وفي عكوته وفي نَيْفَقه، ولم نرَ أبلغ من الزرنيخ في قعله. وقد وصف المتقدمون في كتبهم زبيب الجبل والمسك والذي ذكرناه أبلغ وأنفع. ووصف للقمل أيضاً أن يُلَفّ البازي بخرقة جديدة، ويدخل به الحمام ويصبر به ساعة، فأنه لا يبقى عليه شيء من القمل. ووصف له أيضاً أن يجعل في عنقه طوق صوف ويدخل به الحمَّام، فأن القمل يخرج في الصوف. والسالم الذي عملناه وجرّبناه هو الزرنيخ. ومن رَسْم الجارح إذا زرنخ أن يراح ثلاثة أيام ثم يشدّ، فأن ذلك نافع له. وقد وصفنا الجيد والرديء وذكرنا حاليهما ومبلغ فعلهما، والانتفاع بهما، فأعمل على أيهما شئت. ذكر علاج المسمار إذا أصاب كف الجارح إذا أصاب المسمار كفّ البازي فعلاجه بعِلك البُطم. وقال بعض البصراء ليس يقلعه شيء إلا الكّي، وهو مجرب وهو أنفع ما عولج به المسمار، ثم يعالج بعلك البطم والمرهم، وتُلبَّد كندرته بعد ذلك، ومن الناس من يلبّدها قبل ذلك، ويبللها بالماء والملح، وذلك مما يقلع المسامير من أصلها وقد جربنا ذلك وصح. وأكثر ما يصيبه المسمار الصقور والشواهين.

стр. 74

ذكر ما يُحدث الورمَ في الكفين وصفة علاجه أعلم أن الورم في الكفين يحدث من جهات، فمنها ما يكون من التخمة، ومنها ما يكون من مادة تنصب إلى الموضع حادة، والفرق بين ورم التخمة وورم المادة أن تجسّ الموضع، فأن وجدته بارداً فالورم من التخمة، وأن وجدته حاراً فالورم من المادة الحادة، وقد يحدث الورم أيضاً من فتلة أصابعه فترم لذلك كفه، فأن كان من التخمة فليس غير البطّ، والأدوية التي تجذب ما في كفه من الفضل، وأن كان الورم من دمٍ أخذت له القاقيا والمغاث والمرّ ودقيق الشعير وبياض البيض وطليته به، وأن جعلت معه شيئاً من ماء الهندبا وماء الكزبرة الرطبة كان أصلح، وهو يصلح للمادة والفتلة التي ذكرنا وينفع منها وقد يكون ورم أعلى الكف من الدود، وقد بيَّنَّا علاجه في باب الدود، وإذا أردت أن تبطّ كفه فالفف عليه خرقة كتان مبلولة وخلها ساعة طويلة ثم أقلعها وأقشر موضع الورم بسكين، حتى يتبين لك، وأشرطه طولاً لا عرضاً بمبضع، وأحذر أن يصيب عروقه وعصبه شيء، وأغسل عنه الدم، وأدهنه بدهن وردٍ، وضع عليه لوقته صفرة بيض نيء، وأشدده بخرقةٍ، فأنه يبرأ بأذن الله، ولم تصب هذه العلة عندنا غير شاهين واحد فعالجناه بما ذكرناه فبرئ.

стр. 75

ذكر علاج القُلاّع إذا أصاب البازي القلاّع فحِنّكه بالصبر والعسل، فأنهما نافعان، وأتن نزلا في جوفه خرطاه ونفعاه، وأن شئت أن تشق موضع القلاع بمبضع وتحشوه بحصاة كافور فأفعل، فأنه نافع إن شاء الله. ذكر ما يتبين به كون الدود في البازي وصفة علاجه إذا رأيت البازي ينتف ريشه فأعلم أن ذلك من دود يكون في جوفه، وربما نتف من نَيْفَقه، ودواؤه أن تأخذ من قشر الرمان الحامض فتدقه ناعماً، وتذرّه على البشتمازك من ماعزٍ، وتطعمه للبازي ثلاثة أيام، فأنه يبرأ بأذن الله، ومن صفاته أيضاً أن تأخذ رمانة حلوة فتعصر ماءها ثم تقطع البشتمازك صغاراً وتلقيه فيه، وتطعمه البازي فهو نافع له. ومن صفاته أيضاً أن تأخذ من الحمص الأبيض جزءاً فتقليه قلياً خفيفاً، ثم تقشره وتنعم دقَّه، وتأخذ ثلاث قطع لحم فتلطخها بيسير من عسل، ثم تذر عليها ذلك الحمص، وتطعمها للبازي، فأنه يرمي ما في جوفه من الدود بأذن الله. ومن صفاته أيضاً أن تأخذ لِفْتَةً فتقورّها ثم تملؤها ماء، وتسخنها على النار، وتطرح فيها من بشتمازك مقدار نصف طعمه فأنه نافع إن شاء الله. صفة علاج الحَرّ إذا أصاب البازي الحر فأجعل له في طعمه دهن ورد وماء ورد يومين فأنه نافع وقد جربناه، ولم نر عليه إلا خيراً.

стр. 76

صفة علاج مخاليب الجارح إذا تقلَّعت إذ رأيت مخلب البازي قد أنقلع فأعمد إليه ودمه يسيل واردده وهو طري، والفف عليه طاقةً دقيقة من مشاقة وسَقّه بدهن البزر الحارّ فأنه نافع مجرب. ومن صفاته أيضاً أن تَلُف عليه المشاقة وتدهنه بدهن الأركاع. ومن صفاته أيضاً العنزروت ودم الأخوين. صفة علاج البرد إذا أصاب البازي البرد فعالجه بالأشياء المسخنة التي تدفعه، فمما تبتدئ به إذا كان في الصيد أن تتقدم بكنس بيته وتنظيفه، وإذا كان عند عشاء المغرب ملئ له كانون ناراً، وجُعل في بيته، فإذا رجع من الصيد نُحّيَت النار من بيته وأدخل فيه، وشُدّ على كندرته، فأن ذلك نافع له، فإذا أصبح فبكّر عليه بطعمه، وليكن من مخلف رطب قد مججته في الليل خمراً عتيقاً فأنه نافع له ولا سيما إن كان قد عرق في يوم الصيد وما مثله وقد جربناه. وإذا خرجت به إلى الصيد فليكن معك في الخريطة حمام قد مججته خمراً، فإذا كان عند عَرقة البازي، وأردت أن تشبعه فأذبح الحمام وأطعمه منه فأنه نافع إن شاء الله. صفة علاج اعوجاج ريش الجناح إذا رأيت ريش البازي قد تعوّج وكاد أن ينكسر فأغْلِ له ماء حاراً

стр. 77

مع شبت أو خطمى وصفّ الماء وأغمز ريشه فيه وقوّمه، فأنه يستوي إذا جفّ، وإنما يصيبه ذلك من اضطرابه مع طير كبير، أو من على يد أو من تقبيض، فأعمل ما وصفنا لك فأنه نافع بأذن الله. صفة علاج العَقْر إذا أصاب كف البازي أعلم أن سبب العقر في كف البازي أنه يجد الدم فيعبث بها حتى يدميها، وعلاجه أن تدق دم الأخوين ناعماً وبلّ موضع العقر، وتنثره عليه، وتلصق عليه جلداً مالحاً قد طليته بيسير من صبر مبلول فأنه لا يعاود العبث بها بمنسره إن شاء الله. ذكر ما يحدث السُّدّة في المنخرين وصفة علاجها أعلم أن السدة يحدثها الدخان والغبار، وعلاجها أن تقبض البازي، وتقطّر في منخريه دهن ورد أو بنفسج، وتنظفهما بأسفل ريشه، وإذا أطعمته فليكن معك جناح حمام عليه بعض اللحم، ودعه ينتفه فأنه لا بد أن يسيل من منخريه الماء فيعطس لذلك، ويخرج ما في رأسه من الداء في عطاسه فيزول ما في منخريه. وقد يحنَّك لذلك أيضاً بالصبر فينتفخ منه رأسه وتنفتح السدد، ويجعل قبل التحنيك فيه يسيرٌ من دهن ليسهل ذلك عليه. ومن صفاته أيضاً أن تأخذ رأس ثوم فيدقّ بخل كرم عتيق، وتقطّر في منخريه منه، وتمسكه على يدك ساعة، فأنه ينفض ما في رأسه ثم تشده في الشمس، وتضع عنده ماء يغتسل فيه فأنه يبرأ وأن تعذر عليه

стр. 78

أمر السدة فخذ له سلقاً فأسلقه، وكمّدْ به الموضع ثلاثة أيام أو أربعة فهو خير ما أستعمل له إن شاء الله. تم علاج البزاة والحمد لله رب العالمين ذكر من يصلح أن يستخدم من الكنادر إذا أردت أن تمتحن الكُندرة فقل له ادخل إلى البيت وأخرج البازي، فإذا دخل ومعه أصل جناح، وقدّم يده على سائر جسده، ولقي البازي وحَلَّه من على الكُندرة، وقدّم يده على سائر جسده، إذا أراد أن يخرج من الباب، وكذلك إذا أراد أن يركب عمل ببازيه مثل العمل الذي أخذه به من الكُندرة، وإذا أراد أن يدخل البيت قدّم يده على سائر بدنه فأعلم أنه فاره فلا تفرّط فيه، واستأجره بما أحب فلست تصيب مثله. وإن قلت للكُندرة أخرج البازي من بيته فدخل وما معه شيء فأعلم أنه ما يحسن شيئاً، ولا يصلح إلا للصقور، وليس يصلح للشواهين. وتسوى أجرة الأول دينارين في الشهر على اللعب وزيادة، والثاني تسوى أجرته ديناراً ونصفاً إلا أن يكون من البَرَلُّسيين الذين يباشرون صيد البلشون بأنفسهم فأنه يسوي كل الأجرة. وهذه أجرة ذكرناها للمكان الذي نحن بسبيله، فليجعله من شاء مثالاً له، والزيادة والنقصان بحسب اختلاف الأسعار في البلدان، وعلى قدر صلاحها وثِقل المؤونة فيها والأجرة تزيد وتنقص فإذا حصل النشيط فما مثله، وكسلهم به يضرب المثل، وما كل الكنادر يحسنون تخليص البازي من على طريدة، ومن شرطه إذا صاد الطريدة أو الطير أن يذبح في كفه، ويخرج له القلب، ويترك حتى يشبع من النتف، ثم يخرج له فخذ من الطريدة يدُعى به إلى اليد، فإذا رآه صعد على اليد ولمُ يتعِب إن شاء الله.

стр. 79

باب تفضيل الصقور على الشواهين لما فيها من الفراهة وهو السبب الموجب لتقديمها و ذكر ألوانها وأوزانها وصفة ضراءتها إنما وجب ذكر هذا الباب لأن سائر العلماء واللًّعَّاب قدّموا الشواهين وقدمنا نحن الصقور لما رأيناه فيها ولم يكن بدّ من ذكر السبب الموجب لذلك، ونحن نشرح حالها ونذكر صيدها، بعد أن تأتي على ذكر ألونها ومبلغ أوزانها، وصفة ضراءتها، ونحكِمّ من يقع كتابنا هذا في يده علينا وعلى من قدّم الشواهين على الصقور، ببصيرة العلم لا بغلبة الشهوة والتعصب، فهو أشبه بكل عالم وألزم لكل حاكم. ذكر ألوانها الأشهب الكثير البياض وهو الحصاوي وموطنه الجبال والبراري. والأحمر ومأواه الأرياف والسهول. والأسود البحري وهو الذي يشتُو في الجزائر على شاطئ البحر. والأصفر والأخضر وهو الذي يضرب ظهره إلى الخضرة وقلّ من يعرف هذا اللون. ذكر أوزانها فمنها ما يكون وزنه رطلين ونصفاً بالبغدادي، ومنها ما يكون وزنه على الصيد رطلين وثلثاً. ومنها ما يكون وزنه رطلين.

стр. 80

صفة ضراءَتها إذا صيد الصقر من الكوخ فيجب أن تخاط عيناه ولا يزال كذلك إلى أن يمضي له أسبوع ويهدأ على يد البازيار، وبيازرة المغرب لا يخيطونه وهو أقلّ لعمره والله أعلم بذلك وأحكم. فإذا هدأ فأفتحه وأجلس به بين الناس ليأنس. وله دليل يعرف به هدوّه، وذلك أنه يملأ زهركه طعماً ولا تكثر عليه من رش الماء، وهو وحشي فأن ذلك يورثه السورنك فإذا أخذ الحَمام في الطوالة وجاءك من البعد ووثقت باجابته فأجعله في السباق وحده، فإذا جاءك من كل مكان ولم يبق في دَعْوِه شيء فإذا أضريت منها عدة على ما رسمنا لك فأدعها اثنين أثنين على الحمام أعني الصقور، فما كان منها مشابكاً فأفرده، وما اتفق منها على الدعو فأعْزله، فإذا أردت أن تكسر على الكسيرة فمنها ما يصلح للوبر ومنها ما يصلح للريش. فالجافي من الصقور للوبر، واللطيف الخفيف للريش، وهو لميح على البلشون لأنه يحتاج إلى أن يرقى في السماء وهو أملح ما يكون، وما يعرف في العراق هو طلق حسن نحن نذكره في كتابنا هذا إن شاء الله. وهو أن تعمد إلى بلوشن فتخيط عينيه وتوصّي الكندرة إذا رأى بلشوناً وحشياً فليطلب مكانه ولتكن معه شبكة ينصبها في موضع ذلك البلشون بعد أن يطرده، ويجعل ذلك البلشون المخيط في موضع البلشون الوحشيّ، فأنه إذا رآه في موضعه جاء إليه ليحمي مكانه، فيقع في الشبكة

стр. 81

فخذه، وما أردت منها على هذه الصفة فأنت تأخذه. ولم أرَ أحكم من البَرَلُّسبين بذلك وهم يسمون البلشون البو (قردان) وإذا حصَّلته فأرجع إلى البيت، وأخرج من غد إلى الغيط، وليكن معك من يحمل البلشون وخط عينيه، وأشدد على صلبه قطعة لحم من الخريطة، فأن الصقر إذ رآه على تلك الحال نزل عليه، فإذا عملت به ذلك وأخذه الصقر فأنقص من الطعم الذي على صلبه في كل يوم، حتى يصير يخرج إليه بلا طعم، فإذ فعلت به ما رسمناه وصار يخرج إليه من كل ناحية فأخرج إلى الغيط وليكن معك بلشون مشرّق، وأستتر في خليج، وطيّره من يدك فأن كنت قد آخيت بين صقرين فأرسلهما عليه، فإذا أخذاه فأذبحه وأشبعهما عليه. ثم أغبّ الخروج إلى الصحراء غد ذلك اليوم، وأخرج بعد غده وليكن معك واحد مفتوح طري، وأستتر وطيّره، وأرسل عليه الصقور، فإذا صادته فأذبحه، وأشبعها عليه شبعاً جيداً، ثم أغِبَّها غد ذلك اليوم، وأخرج إلى الغيط وأطلب نقعة ماء عليها بلشون فطيّره وأرسل عليه، فأن صادت فأشبع عليه، وأن أحسنت فأشبعها فأنها تصيده وتكون فُرْهاً، ما بعدها شيء طول الشتاء، فإذا كان الصيف فأعمد إلى إوَزّة بيتية زرقاء فخط على عنقها لبداً أحمر، وخِطْ عينيها وأشدد على صلبها اللحم كما عملت في البلشون وأكتفها وثيقاً لئلا تضرب الصقر إذا جاءَها، فإذا خرج إليها من كل ناحية فأخرج إلى الغيط، وأوقفها في حلفاء وأجلس ناحية، وأكشف رأسك لئلا يعرفك الصقر، فأنه خبيث إذا عرف الخريطة لم يجيء منه شيء، وكل أسود العين كذلك فإذا فعلت ما رسمناه لك وخرج إلى الأوزّة على بعد، وصار كما يخرج يجلّي على يدك الغيط كله، فأقلع اللبد من عنق الاوزة

стр. 82

وأذبح في كف الصقر كل ثلاثة أيام، ولا تنس لأن تذبح في كفه أولاً، وأفعل ذلك ثلاث مرات فإذا انتهيت إلى ما رسمناه من ذلك فأطلب مكاناً فيه حُبرُج كبير وطيء، فبكر إليه قبل طلوع الشمس، فأن الصقر كما يدخل الحلفاءَ يجليه، فأمض معه حتى تحقّ أنه جبرج، ثم أرسله عليه، فأن صاده فأذبحه في كفه وأشبعه، وأن أحسن فأذبح في كفه حماماً وأشبعه وأغبّ الخروج غدَ ذلك اليوم، واخرج بعد غده وأطلب به حبرجاً وطيئاً، فأنه يصيده إن شاء الله فإذا صاده فأشبعه من لحمه فأنه حلو طيب، وأن أحسن فأشبعه أربعاً أو خمس مرات، ثم نقله من واحد إلى أثنين، لتفره صقورك عليه، والذكر من الحبرج يسمى الخرَبَ والانثى فداده، ولقد شبرنا جناحي الخرب فكان طولهما ثمانية عشر شبراً والأنثى دون ذلك، وله لحية ومذبحه تحتها، وما كل من صاد الحُبرج عرف أن يذبحه، وهذا مما تفرد به البرَلُّسيون دون غيرهم، وما يحسن بيازرة العراق من هذا شيئاً، وقد ذكرنا ما هو من صيدهم وصيد غيرهم ونحن نصف كيف يضرى الصقر على الغزال وبعد ذلك نذكر كيف يضرى على الكركي، وبه يفخر في العراق. وقد رأينا بيازرة من أهل العراق ممن يدعي صيد الكركي بالصقر ولم نرهم يصيدونه، ورأينا أهل مصر يصيدون به الكركي والحُبْرُج جميعاً، غير أنهم بصيد الحبرج أقعد. ولقد بلغنا عن رجل كان في أيام الأخشيد يعرف بابن سعد الهائم أنه صاد الكركي بالصقر، وكان ذلك أعجوبة عندهم. وبعد فراغنا من ذكر الصيد نصف ما تحتاج إليه من آلة القرنصة ونذكر ما هو نافع من عللها إن شاء الله.

стр. 83

صفة ضراءة الصقر على الغزال وذكر ما يحتاج إليه من الآلة وكيف يضريه المغاربة وهم أقدر على الغزال من أهل المشرق ونبين ما نأتي به من ذلك ونبدأ بذكر ضراءة المشارقة وأي وقت تكون من السنة أعلم أن أهل المشرق يبتدئون الضراءة على الغزال وقت الجدي، وذلك في الربيع، فأول ما يُعمل أن يُؤخذ جلد غزال صحيح فيحشى تبناً حتى يقوم ويجعل له في موضع القوائم عيدان ويخيَّط كل فتق منه ويشد بين قرنيه اللحم شداً وثيقاً، ويطعم عله الصقر إلى أن يخرج إليه، وكلما جاد خروجه نقص من اللحم، حتى يصير يخرج إليه بغير لحم، فإذا عمل ذلك بعدة من الصقور وصارت تخرج إليه، خرج الإنسان بها إلى الصحراء وأخذ معه من يعرقب لها الغزال ويجرّيه، وذلك أنه يأخذ حبل قنَّب يكون طويلاً، فيشده في رجل الغزال فوق العرقوب بأنشوطة وتجعل الصقور في موضع لا ترى منه الغزال، ويتوارى الإنسان الذي في يده حبل الغزال، وليكن مستقبلاً للريح، ثم تُخرج الصقور فإذا رأت الغزال فلترسل عليه، فإذا رآها الإنسان الذي حبل الغزال بيده خرج وصاح على الغزال، حتى يجري ويجري معه لتعمل عليه الصقور فإذا علقت به جرّه إلى الأرض وذبحه في أرجلها، وأشبعها عليه شبعاً جيداً، وروّحها يوماً في البيت وأعادها، وأخذ معه غزالاً، وعمل به مثل عمله بالغزال الذي قبله في غير ذلك المكان، وأجراه أكثر من

стр. 84

الجري الأول فإذا علقت به الصقور ذبحه وأشبعها عليه، وأراحها يوماً وجعل طعمها ذلك اليوم من قلب خروف أو من لحم حارّ وزن خمسة دراهم لكل واحد منها، ولا يطعمها عنقاً ولا رشأً فأنها تمسك إلى آخر النهار. ولقد كان عندي صقور قد تدهقنت فكان يصيبني معها ما ذكرته. وحدثني شيخ من لعَّاب الغزال أنه كان يأخذ من صوف فروٍ عليه فيجعله في الدم ويطعم منه الصقور يوم اللَّعِب وفيها الكريم والنذل. فإذا أرحتها وعزمت على الخروج فليكن معك غزال، وبكّر إلى الصحراء وأبعد بها إلى أن تيأس من العادة، وأعط الغزال لمن يخبأ في مخلاة وأقطع فرد عرقوبه، أو فشقّ بعض أظلافه بالسكين شقاً جيداً وخلّه في الصحراء، ولا يكن معه أحد، وأخرج الصقور، فإذا رأته واشتهته فأرسلها عليه، وصح على الغزال ليجري ولا يقف، وليكن مع غلام كلب مفرد، فأن عملت عليه وصادته، فأذبحه وأشبعها عليه شبعاً جيداً، وأن خشيتَ أن يسبق الغزال الصقور فأرسل عليه الكلب وأشبعها عليه، وأرحها كما رسمنا لك، فإذا عملت ذلك ثلاث مرات فأخرج إلى الصحراء وأطلب جدياً صغيراً فأرسلها عليه، فأنها تصيده ولا ترجع عنه إن شاء الله. ولا تزال تصيد به الجِداء وكلما صادت أشبعتها حتى تزيد فراهتها على الجدي فحينئذ فأطلب بها شاة على ما رسمنا لك. ثم تدخل القرنصة وقد بقيت على ثلاث ريشات من كل جناح، ثم تطرح في القرنصة، وليس تطرح عندنا بمصر إلى أن يجيء الصقر الجديد وهو الفرخ، وذلك يكون قبل النوروز أو بعده.

стр. 85

وقد رأينا في سنة من السنين صقراً صيدّ ببلبيس قبل النوروز بثمانية عشر يوماً، وما يحتاج الصقر إذا طرحته إلى علاج غير التقوية والطعم الحار والشيرج المقشَّر مع اللحم الحارّ في كل جمعة ثلاثة أيام، فإذا استراح وبردت عنه من البرود المقدم ذكره في كتابنا هذا، ومضى له عشرون يوماً سللت ذنبه فأنه يخرج بعد أربعين يوماً بمشيئة الله، وإن كنت عوّدته الماء فلا تقطعه عنه في كل جمعة وإن لم تكن عودته الماء فليس يشربه. وقد شرحنا ما عندنا في الضراءة على الغزال وهو فعل أهل الشرق. صفة ضراءة المغاربة أعلم أن ضراءة المغاربة كضراءة أهل الشرق وما بينهما غير اختلاف الأوقات، وأول ما يضرّون الصقور يصيدون بها التيوس من أول السنة إلى آخرها ما يعرفون غير التيس والشاة، وقد رأيت من فراهة طيورهم أمراً عجيباً لأنها كانت تجيء من الغرب وبَرْقَة ومن عند ابن بابان، وما من الصقور شيء أقول أنني أضريته على الغزال، بل كنت ألعب بها فرهاً من الغرب. ولقد وصل من عند ابن بابان عدة صقور ومعها شاهين وكان من الفراهة على حالٍ تجوز الوصف. وإن مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين ركب ليلة إلى الجبل فرأى قطعة غزلان فأرسل عليها الصقور فانفردت منها شاة، فأخذ ذلك الشاهين من يدي وأرسله عليها ومضينا على الصقور وقد صادت، ونسينا الشاهين فرجعت أطلبه فما رأيته مع الطيور. وجاء البيازرة فسلمت الطيور إليهم، وقلت قد تلف شاهيني وركبت فلقيت مولانا صلى الله عليه صاحب العصر

стр. 86

والزمان فقال: أين شاهينك؟ قلت: أحسبه تلف فقال: ما قصَّرت. وكان ذلك غاية ما عنده إذا حرد مضاهياً لأخلاق جدّه رسول الله صلى الله عليه إذ يقول الله تعالى فيه ﵇ لحسن خلقه: وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم. وأخْلِق بمن كان ابن محمد بمن كان ابن محمد وعلي وفاطمة أن يكون خُلقُه كخلقهم صلوات الله عليهم أجمعين. فرجعت وقد لحقني غمّ عظيم وكان تحتي فرس من جياد الخيل، ومعي جماعة من عبيدي. وتمادى صلوات الله عليه في الصيد، ولم أزل أطوف في الصحراء إلى قبل المغيب، فرأيت شيئاً عن بعد فقربت منه فنفر بي الفرس، فتماديت فإذا بالشاهين على الشاة قد قطع أذنيها وتلطخ بدمها، وهو وحده بغير كلب معه ولا معين، فركضت إليها فلما أحسَّت بي قامت فعدت طالعه في الجبل، وقلع الشاهين رجله عليها وتبعه فلحقها فأمسكها فَنفضَته وعَدَتْ فلحقها فصادها، ثم أحست بي فقامت فَعَدت إلى أن جاءت إلى سترة فرقدت فيها، وقلع الشاهين رجله عليها، ونزلت فكبَّرت وذبحتها وأشبعت الشاهين عليها. ورجعت لأعرّف مولانا صلى الله عليه فلقيني عمي ﵁ فقال: يا مولاي وجدتَ الطير؟ قلت: نعم فقال: قد شغلت قلب مولانا صلى الله عليه وجئنا جميعاً إلى مولانا صلى الله عليه فقبَّلنا الأرض فقال: وجدتَ الطير؟ قلت: نعم فقال: كيف كانت الصورة؟ فحكيتها له صلى الله عليه فقال: ما سمعت قط نظيراً لهذا، ولا سمع به سامع، ثم عاد إلى قصره المعظم المعمور بالعز الدائم وما رأيت قط مثله ولا احسبني أرى. وقد رأيت من الصقور ما لم يسمع بمثله كثرةً تصيد الغزلان، ولكن يرسل ثلاثة على التيس واثنان وهذا ما لا يعرفه أهل الشرق إذ كانوا بعد

стр. 87

سنتين أو ثلاث سنين يصيدون التيس والمغاربة يصيدونه من أول سنة، فلذلك كثر التعجب منهم. ولقد استأذنت مولانا صلى الله عليه سنة من السنين في الخروج إلى ترْنُوط، وانحدرتُ في البحر قبل العشاء، وكان ذلك في أشد ما يكون من الحر فبلغناها الصبح، ومعنا ثمانية أطيار ففرقتها فرقتين، فأخذت أنا أربعة ولم تكن من إصلاحي، وكان فيها واحد يسمى أبا غلبون، ونزلت إلى الابليز وطلعت الفرقة الأخرى فوق، فصادوا أربعة اطلاق، وصدنا نحن أيضاً أربعة اطلاق ثلاثة تيوس وشاة بفرد كلب، فصار الجميع ثمانية اطلاق، واشتد الحر، وأشبعت الطيور، وما رأيت قط من صاد ذلك بمصر، ولا تصاد أبداً بمثل العِدة التي كانت معنا. وقد رأينا من علل الطيور التي تأتي بها المغاربة ما لم نعرفه، فمن ذلك علةٌ تأخذ الطير في حنكة الأعلى مما يلي رأسه، وهم يسمونها الدكرارة، ومتى أصابت جارحاً قتله، ورأيت لهم في الحفا (كذا) شيئاً مليحاً، وذلك أنهم يعملون للجارح سفرة من أدم، ويجعلون فيها ثقباً يخرج مخاليبه منها، وهي تجمع بخيط مثل السفرة وتشد تحت السباق ولا تضره ويصاد به.

стр. 88

باب صفة الشواهين وذكر ألوانها وأوزانها وصفة ضراءتها فمن ألوانها الاسبهرج وهو الذي يغلب عليه البياض والأحمر والأسود وهو البحري الخالص. وأوزانها من رطلين ونصف بالبغدادي إلى ثلاثة أرطال وربما زاد ذلك ونقص. صفة ضراءتها إذا صدت الشاهين من الكوخ، فخيط عينيه ليهدأ على اليد أياماً، ثم افتحه وشرّقه فأنه مثل الباشق وهو أرق من الزجاجة التي تنكسر من أدنى شيء. والصقر أصبر منه على الكد، فإذا أنس فادعه في الطوالة على الحمام، فإذا جاء فأشبعه عليه ثم صبّيح به غد يومه فادعه، فإذا جاء وقرب من الحمام فاستره عنه، وصح في وجهه فإذا ولى والطوالة فيه فهو يلتفت، فإذا ردّ وجهه فارم له الحمام، فإذا أخذه فأشبعه عليه وصبح به أيضاً فاجعله في سبقه وخذه على يدك، وأراه الحمام وخله من يدك، فإذا دار عليك دورتين أو ثلاثاً فارم له الحمام وأشبعه منه، فإذا عملت به ذلك وسكن طبقة جيدة، فاجعل في الخريطة طيرة ماء وخذ الشاهين فارفعه فإذا سكن الجو فأخرج الطيرة من الخريطة وطيرّها له، فإذا أخذها فاذبحها وأشبعه عليها واردده إلى البيت واشدده، فإذا كان بعد ثلاثة أيام فاخرج به إلى الغَيْط، وخذ معك طيرة ماء، واطلب به ساقية فيها طير ماء، وارفعه حتى يأخذ طبقته في الدور، فأنه كلما علا كان

стр. 89

خيراً له على طير الماء، وطيًر له إذا كان فوق الريح وطير الماء تحت الريح فأن ذلك خير له، ولا تطيرّ له إذا كان تحت الريح، فأن ذرّق فأشبعه، وأن احسن فأشبعه فأنه يصيد، وأحفظه في الاجَّانة فأنه متى كان مستغنياً مرّ، ومتى كان ناقصاً لم يصعد، لأن الدوران من رقته (كذا) فمتى حصل في تيك الطبقة صعب عليه النزول إليك، ومن طبعه الهرب، ومتى بات ليلة لم ينتفع وكان متعوداً للهرب، ومتى اشتهى شيئاً لم يرجع عنه. ومن طبعه أنك تضريه على كسيرة فيصيدها يوماً واثنين ويرى ما لم تكسره له فيصيدها وأن لم تطعمه عليها وذلك من جوهره وهو سريع التوبة عنها، وذلك أنه يصيد اليوم طريدة وإذا رآها في غدٍ حوّل وجهه عنها، وذلك من رقته، ولو كان شجاعاً لما رجع عنها. وقد رأينا الصقر يرجع عن طريدة وإذا رآها بعد ذلك لم يرجع عنها، وكان عليها أفره منه في الأول، وذلك لأنه أفره من الشاهين من حيث كان، وهو يصيد ما يصيد الشاهين، لأن الشاهين يصيد طير الماء، والصقر يصيد طير الماء، ومن صيد الشاهين الاوز، ومن صيد الصقر الاوز، ومن صيد الشاهين البلشون، ومن صيد الصقر البلشون، والصقر افره من الشاهين، وأصبر منه على الكد، وأبقى على الفراهة، وهو مطبخ الصعلوك (؟) لأنه يصيد من الغزال إلى الكركي وهو أكبر ما في الريش والغزال أكبر ما في الوبر والشواهين والصقور تصيد ذلك ولا ترجع عنه. ولقد قرأت حديثاً في الشواهين أن إنساناً كان له شاهين، وأنه كان يصيد الكراكي فهو في بعض الأيام على يده إذ رأى كركياً على بعد فوثب، فأرسله عليه فصاده، وأنه حرك ليلحقه فعارضه في الطريق ما شغله عن الشاهين، وأنه التفت فرأى الشاهين مرخي الجناح، مفتوح الفم، فجاء ليأخذ فهرب منه، ولم يكن له عادة بذلك، وكلما جاء ليأخذه

стр. 90

هرب منه ولم يزل كذلك أن جاء إلى خراث (كذا) وأنه ذهب ليأخذه فإذا حذاءه كساً (؟) والكركي تحته فأخذه وأشبعه عليه. وما أقرب هذا من الكذب، ولكني حكيته كما وجدته، وعهدة الصدق والكذب على قائله دون حاكيه. وذكر لي عن إنسان، كان يلعب بالشاهين، أنه أرسل شاهينه يوماً على غداف فراقاه حتى غاب معه في السماء، فلما أيس منه وضجر من طلبته، عاود إلى المكان الذي عوّده أن يشبعه فيه، فرأى فيه غدفاناً فطارت، وأن الشاهين انقلب عليها فصاد منها واحداً، وأنه كان بين موضع تلف منه وبين موضع صاده أميال، وأنا أصدقه في هذه الحكاية لأنه كانت لي جَلَمة وكانت فارهة على القُبَّر تصيد من خمسة اطلاق إلى ستة مراقاة في السماء فلما كان آخر النهار تلفت، فعدنا وتركناها وخرجنا غد ذلك اليوم فدعوناها في موضع عوّدت فيه الدعو، فلم نشعر إلا بها على رؤوسنا فأخذناها، فمن ههنا صدّقنا الحكاية عن الشاهين، ولهذا سمي الشاهين غدّاراً. ولا بد لمن صنف كتاباً أن يذكر فيه ما يصدّقه ويصح في العقل وما لا يصح في العقل ولا يقبله، ليتصفح الناظر في كتابه عقول من يقبل الكذب ويصدّقه وعقول من نفاه واستقبحه. ومتى بات الشاهين عنك لم تنتفع به، واحتجت أن تتعب به تعباً مستأنفاً، ثم إذا أضجرته مرّ، ومتى اعتاد الهرب كان أبداً هارباً ولذلك سمي آبقاً. ولقد كان لنا شاهين مقرنص، بخلاف الشواهين في الهرب، لأنا مذ لعبنا به وإلى أن مات ما هرب منا، وكان يصيد من طير الماء ما كُبر

стр. 91

وصغر، ولم نر مقرنصاً قط أفره منه، وقرنص عندنا سنَئة ولم يتغيَّر عن فراهته. ومتى التاث عليك جارح ورأيته قد صلح على طعم فلا تنقله إلى غيره وألزمه إياه، وقد شرحنا ما عندنا في ذلك. والشواهين ينقسم على قسمين فمنها ما يقال لها البحرية وهي التي تفرخ في ناحية البحر لعظمها، وبياض ما اعتمَت به رؤوسها من ريشها، وكثرة ما بها، ورقة ألوانها، والكوستانيات فبضد ذلك من لطافتها وحُمرة ما اعتمت به رؤوسها من ريشها، وقلة ما بها وغلظ ألوانها، فهذه الأصناف التي ذكرناها المنتفع بها، فما صيد منها في أوكارها قيل لها الغطاريف الوكرية، وما صيد منها حين تطير قيل لها المنتقلة، وما صيد منها وقد استحكم وصاد قيل لها البدرية، وما صيد منها وقد أمطرت قيل لها الممطورة، وما صيد منها آخر السنة قيل لها (المسدرة؟) وما صيد منها وقت الهياج قيل لها الرواجع وأشد ما يكون هياجها من أول يوم في نيسان إلى أول يوم في آذار. وما لطف من الجوارح فهي ذكور، وما ضخم منها فهي إناث، وإذا أردت أن تعلم جسارة الجوارح من جُبنها فأدخل بيتاً مظلماً وضع يدك عليها فأن وثبت ثم رجعت قبضت على اليد فهو الدليل على جرأتها، وصيدها لكبار الطير وإن لم تفعل ذلك فليست جريئة.

стр. 92

باب السقاوات وذكر ألوانها وأوزانها وضراءتها وما تصيده من الوبر والريش وذكر ما يستدل به على جيّدها ورديئها فمن ألوانها الأحمر والأسود ومنها الأسقع الرأس النقي البياض وهو الجيد ومنها ما يكون بلون الحدأة وهو الرديء. وأوزانها من رطلين بالبغدادي إلى رطلين إلا أوقية وقد يكون أقل من ذلك وأكثر. ذكر ضراءتها أعلم أن السقاوات مثل الصقر يعمل بها وهي وحشية كما يعمل به سواء. ومن بيازرة المغرب تعلّم المشارقة الصيد بها على الأرنب والكروان والحُبارى والغراب. وذكروا أنهم يصيدون بها الحُبْرج والحجل. وبالمغرب تكون فرهاً عليها. وقد صدنا بها الأرنب سنين بغير كلب، ورأيناها فرهاً ما تبقى شيئاً إلا وتصيده إذا أضريت عليه، وهي صبورة على الحرّ، وقد رأينا منها ما يصيد الغزلان والتيوس وهذا ما لا تعرفه المشارقة بالصقور، فكيف بالسقاوات. وهذا عجيب من السقوى وإقدام. وقد قرنصنا منها عدة على ما وصفنا في كتابنا، ولم نعلم أحداً من اللعاب ذكرها في كتاب ولا خبَّر بفراهتها، وأكثر ما يُلعب في المغرب بها وبالشواهين، لفراهتها وصلابتها، ويصاد بها أول السنة قبل أن تخرج الصقور من القرنصة ومعها تجيء القطمان وهي ملاح على الهدهد. وقد شرحنا صيدها أول الكتاب مع الاجلام.

стр. 93

والكوبج الذي يصفه أهل المشرق فهو دون الصقر في القد وهو أحمر الرأس وإذا اجتمع اثنان على غراب أو على أرنب فما بعدهما شيء، وما تحتاج إلى كلب معها لأنه يفسدها بل تريد من يعينها على صيدها، وقد رأينا منها ما يصيد الاوز القرْطي، وما مثلها عليه حسناً وملاحة، وكنا إذا صدنا بها الإوز نعجب من إمساكها لها، لأنها لا تخليّها أو تجيء البيازرة، وهو مليح عجيب ما مثله. وقد ذكرنا في كتابنا ما لم يذكره غيرنا وذلك لكثرة التجارب ومخالطة أهل البصيرة.

стр. 94

باب العقبان وألوانها وذكر أوزانها وصفة ضراءتها فمن ألوان العقبان الأشقر والأحمر والأسود والكامخي، وأوزانها أربعة عشر رطلاً بالبغدادي واثنا عشر رطلاً وعشرة أرطال وليس فيها ما يزيد على لوزن الأول شيئاً. صفة ضراءتها إذا كانت العقاب وحشية فيحتاج أن تفرس تفريساً جيداً ويرفق بها إلى أن تجرّد. وإنما قدمنا العقاب على الزمَّج لفراهتها ووثاقتها وصيدها للغزال وما شاكله من الوحش. ونحن نذكر عقبان كل مكان والفره منها، والغالب من حال اللُّعَّاب بها وما يصاد بها من الوحش. أعلم أن عقبان المغرب كعقبان المشرق في ألوانها وأوزانها، والصنعة في العمل بهما واحدة، غير أنها أصلب وجهاً، وأصدق نية في الصيد من عقبان المشرق. ولما اشتهى صيدها مونا أمير المؤمنين صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين أمر بطلبها، وجعل لمن جاءه بعقاب ألف درهم، فُحمل إليه ﵇ كثير، فأمرنا بحملها وتجريدها فانتهينا إلى أمره صلى الله عليه، واستأذناه في تجريدها، فتقدم إلينا أن نكسر لها الكراكي فكسرنا لها، إلى أن صارت تخرج إليها خروجاً جيداً، فذبحنا في أرجلها

стр. 95

الكراكي، وغيَّرنا عليها المواضع لئلا تألف واحداً، وأول ما أطعمناها على جيفته حتى عرفت الريشة، وصارت من أي جهة رأته أثبتته، فاستأذناه صلى الله عليه فأمرنا أن نقنصها للصيد ففعلنا، وركب صلى الله عليه للصيد، وخرجنا فجاز بكراكي، فأخذ العقاب على يده وتقدم بها إلى الكراكي، واستوفى الريح وذلك حق إرسالها، ثم أرسلها صلى الله عليه فصادت كركياً فأشبعناها عليه، وأمر بردها وتصيَّد ﵇ بسائر الجوارح ذلك اليوم وكان يخرج بهذه العقاب يوماً ويريحها يوماً إلى أن تبطرقت. ثم أمر صلى الله عليه في السنة الأخرى بطلبها شرقاً وغرباً، فحمل منها إليه ما لا يحصى كثرة، فأمرنا بإصلاحها وضراءتها على الكراكي فخرج منها عدة كثيرة فرهاً بطارقة. ولقد ركب صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين يوماً إلى ضيعة تعرف بخراب مقاتل، فصاد بواحدة من العقبان تسمى جليمة ثمانية كراكي، لم تخطِ مذ أرسلها إلى أن أشبعها طلقاً واحداً، وكانت من الفراهة على حالٍ تجوز الوصف، وكان معها عدّة مثلها في الفراهة، وصاد ذلك اليوم ﷺ صيداً لم يسمع بمثله ولا رؤي أحسن منه، وهو ﵇ الذي عرّفنا أن نصيد بالعقبان الكراكي، لأنا لم نسمع بذلك في الشرق ولا في الغرب، ثم صرنا نطلبها أكثر من طلبنا للزمامجة لفراهتها، وكان صيدنا بها لما فيها من الوثاقة والفراهة، وأنها إذا علقت بالكركي لم يفلت منها، واجتمع عندنا منها نحو المائة وما رأينا من حملها عندنا بدشاخ (؟) مع كثرة الركوب بها في المواكب، من أول النهار إلى آخره،

стр. 96

وكنا إذا صعدنا بها الجبل صادت الغزلان والأرانب والثعالب وما شاكل ذلك، وإذا نزلنا بها إلى الابليز صادت الكراكي والبلاّرجات وما شاكل ذلك من الطيور الكبار والحواصل، ولما أكملت هذه الصفات كلها وجب أن نقدمها على الزمج إذ ليس لها فراهتها ولا تجمع ما تجمعه العقاب. وهذا باب انفردنا بذكره لم يسبقنا أحد إليه فمتى ذكر أحد بعدنا شيئاً منه فقد حصل لنا حق السبق، وعساه أن يكون منا استفاده أو من كتابنا نقله. وكذلك ما ذكرناه من فراهة البواشق وعظم ما صيد بها مما لم يسبقنا إليه غيرنا. وقصارى من يكون بعدنا أن يلحقنا في ذلك، إذ قد فتحنا له طريق الصيد بها، ودللناه على الضراءة لها، فمتى وقع كتابنا إليه وعمل به رجونا له معرفة ذلك وتسهيله، وإلا كان بمنزلة من تقدّم في التقصير عنا. وقد شرحنا في كتابنا ما يُحتاج إليه من الكسائر وغيرها من الأسباب التي يقوى بها الإنسان على إصلاح الجوارح، ولم نكن نحن نعرف هذه الطرائد المعجزة، وإنما الفضيلة لمن أحبها وأمرنا أن نضري عليها، فبإقباله صلى الله عليه ظفرنا بما أفدناه من معرفتها، ولو ذهبنا إلى ذكر ما يبذله من الصلات ويتفضل به من الأرزاق والهبات لم يحط به وصفنا ولا بلغه كنهنا.

стр. 97

باب الزمامجة وذكر ألوانها وأوزانها وضراءتها فألوانها أربعة: الأحمر والحداوي والأسبهرج والأصفر، وفيها ما يضرب إلى السواد. وأجودها الأحمر الأسود العين وأوزانها ستة أرطال بالبغدادي وفيها ما وزنه خمسة أرطال ونصف وخمسة أرطال. وضراءتها كضراءة العقاب وهي أرق من العقاب، وسبيلها الرفق إلى أن تجرّد، وهي ملاح خفيفة الأرواح، ولها مع ذلك على الكركي لا غير، والمتوسط أفره ما رأيناه منها، ولم نر كبيراً منها فارهاً. وصيدها محكم كصيد البازي إذا أمكنتها الكراكي، وهي خفيفة المحمل وتستجيب كما يستجيب الباشق إلى يد الفارس، ومنذ لعبنا بها وإلى حيث انتهينا ما خلّينا عنها، وما يخلو موكبنا في كل سنة من خمسة أو ستةٍ فرهٍ، والناس كلهم يقدرون أن يصيدوا بها الكركي، غير أنه لم يتَّجه لهم في العقبان ما اتجه لنا. وهي تلتاث كسائر الجوارح، ويصيبها الجصّ والاسطارم، وربما أصابها الحرّ والبرد، ويلحقها في أجنحتها علة ترمي ريشها تسمى القرض، وربما أصابتها على أخرى في أجنحتها فرمت ريشها، وهي تسمى القرح، وربما عمي الريش في أجنحتها واستدّ مكانه، فلا يخرج حتى تقبض ويفتح المكان ويعالج. ولم نبق من سائر علاج الجوارح شيئاً إلا وقد شرحناه في باب البازي وغنينا بذكره هناك عن إعادته، لأن ما ينفع الصغير ينفع الكبير من الجوارح خاصة، غير أن كلاً يحتاج العلاج على قدر جسمه، فأن كان صغيراً فالقليل بكفيه، وأن كان كبيراً كان بحسبه وبالله التوفيق.

стр. 98

باب ما قيل في العقاب من الشعر المستحسن قال امرؤ القيس: كأنها حين فاض الماء واختلفت ... صقعاء لاح لها بالصراحة الذيبُ فأقبلت نحوه في الجو كاسرة ... يحتثُّها من هواء الجو تصويبُ صُبَّت عليه ولم تنصبّ من أمم ... أن الشقاء على الأشقين مصبوبُ كالدلو بُتَّت عراها وهي مثقلة ... إذ خانها وذم منها وتكريبُ وقال آخر: أمير يأكل الأسلاب منا ... ألا قبحاً لذلك من أمير وينهى أن نُغير فأن أغرانا ... على جيّ أغار على المغيرِ كلقوة مرقب ترعى صقوراً ... لتأخذ ما حوت أيدي الصقورِ وقال آخر: قليلاً ما تريث إذا استفادت ... غريضَ اللحم عن ضرمٍ جزوعِ

стр. 99

فما تنفك بين عُويرضاتٍ ... تجرّ برأس عكرشة زَموعِ تعوذ ثعالب الشرقين منها ... كما لاذ الغريم من التبيعِ وأول من سبق إلى هذا المعنى امرؤ القيس فبلغ منه غايةً كل أحد يرومها بعده يقصر عنها وذلك قوله: كأني بفتخاء الجناحين نِضوةٍ ... على عجل منها اطأطئ شملالِ وذكر حالها ثم قال: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العنَّاب والحشف البالي فجمع بين تشبيهين في بيت ثم أتعبه الناس. وقال الهُذَليّ: ولله فتخاء الجناحين لِقوةٌ ... توسّدُ فرخيها لحوم الأرانبِ كأن قلوب الطير في جوف وكرها ... نوى القسب يلقى عند بعض المآدبِ

стр. 100

فخاتت غزالاً جاثماً بصُرت به ... لدى سمُرات عند ادماءَ ساربِ فمرت على ريْدٍ فأعنتَ بعضَها ... فخرت على الرجلين أخيب خائِبِ وقال آخر وهو امرؤ القيس: فأدركته فنالته مخالبها ... فأنسل من تحتها والدف مثقوبُ لا مثلها في ذوات الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبُ يلوذ بالصخر منها بعد ما فترت ... منها ومنه على العقب الشآبيبُ ثم أستعان بدحلٍ وهي تحفره ... وباللسان وبالشدقين تتريبُ فظلَ منجحراً منها يراصدها ... ويرقب الليل إن العيش محبوبُ وقال آخر: يا ربما أغدو مع الأذانِ ... والنجم قد رنَّق كالوسنانِ

стр. 101

والصبح مثل الأشمط العريانِ ... والليل كالمنهزم الجبانِ بلقوةٍ موثقة الأركان ... غرثى وكم تُشبع من غرثانِ كأنما تضمر للرهانِ ... كريمة النجر من العقبانِ بمخلب يهتك دستبانيِ ... يفلّ حد السيف والسنانِ أشبه معطوف بصولجانِ ... ومنسر من الدماء قانِ كأنه في رؤية العيانِ ... سبَّابة من قيمةٍ هجانِ مخضوبة تُلوى على دستانِ ... ومقلة طحّارة الأجفانِ كأنما صيغت من العقيانِ ... تضمن صيد الجأب والأتانِ والطير في ربقتها عوانِ ... لم تأل أن صادت بلا زمانِ

стр. 102

باب صيد الفهد وصفة ضراءته من أحب أن يصيد الفهد فليعلم كيف يصاد ويُطلب، وكيف يشد إذا صيد، وإلا فلو وقع يوماً على عشرة ولم يحسن طردها وصيدها ومداراتها إلى أن يصل بها إلى منزله لم يلحق منها شيئاً، والفهد لا يًقدر عليه إلا في يبَس، ويحتاج من يطرده أن يحفظ أثره لأنه متى خفي عنه أثره لم يجده، فإذا صاده فليشدد زوائده بخرقة، بعد أن يطرح عليه كساء ويكمّمِه، ويجعله في غرارة، وليكن رأسه خارجاً من الغرارة لئلا يموت من الحر، وعندنا بنو قُرّة متعوّدة لصيده فإذ صار به إلى منزله فليعرض عليه الماء فأن شربه وإلا رشه على رأسه وأكتافه وخواصره وجوفه، ويعمل له قلادة فيها مِدْوَر لئلا يدور فتلتوي على عنقه ويكون فيها مجرّ جيد، ويضرب له سكة في مكلان بارد ويشدّه فيها إلى آخر النهار ثم يأخذ من لحم خروف ثلاثة أرطال، فيقطعه صغاراً ويرميه في قصعة الفهد، ويحلّ الكمامة عن فمه، ويكون في جنبه، ويقدّم له القصعة، فأنه يأكل ولا يزال يمسحه، فإذا كان وقت العشاء فليدخل به البيت برفق، ويجعل له قنديلاً في سقف البيت ليضيء عليه، ويسهر معه أكثر الليل بالتمسيح ليألفه، فإذا عمل به ذلك لياليَ، وأنس ووقف على قوائمه ودار حواليه فعند ذلك يحل مجره عند إطعامه ويستجيبه بالقصعة، فكلما لحقه رمى له في القصة قليلاً من طعمه إلى أن يفرغ الطعم، ويعمل به ذلك أياماً، حتى يتبعه مثل الكلب السلوقي، ثم يعمد بعد ذلك فيبني له مثالاً في البيت على قدر الدابة ويطرح عليه الطنفسة التي يطرحها على

стр. 103

الدابة، وإذا أراد أن يطعمه جعل طعمه على المثال واستجابة إليه، فإذا صعد رمى له في القصعة قليلاً من اللحم، فإذا أكله أنزل القصعة إلى الأرض فإذا نزل إليها رمى له فيها قليلاً من اللحم، فإذا أكله شال القصعة إلى ذلك المثال المبني أيضاً وصاح به، فإذا صعد إليه أشبعه ولا يزال يعمل به كذلك مراراً حتى يثق بإجابته، فحينئذ فليقدّم له الدابة، وليكن فرساً هادئاً لا نفوراً، ويستجبْه إليه، فإذا طلع على الفرس ولم ينفر، وصار محكماً، فيخرجه إلى الصحراء ويجعل طعمه فيها، ويحكم إجابته إلى الدابة، حتى أنه يجري الفرس جرياً شديداً، والفهد يجري يطلبه، فإذا رآه كذلك فقد أحكم إجابته، ثم يطعمه يوماً ويُغبّه يوماً، وليكن حول قصعته حَلْق لتكون له علامةً، إذا سمعها جاء إليها ولم يتأخر، فإذا أحكم ذلك فلم يبق عليه في تعليمه شيء فليخرج به إلى الصحراء ويأخذ معه غزالاً ويخلّه له، فإذا أخذه ذبحه وقدّم القصعة، وفيها طعمه من اللحم الطري وجعل فيها من دم الغزال، وإن كان اللحم بائتاً ردّه كما يرد البازي، فإذا أشبعه ركب الدابة وأخذه، فإذا عمل به ذلك مراراً فليطلب به غزالاً وطيّاً فأنه يصيده فإذا شبع وتمهَّد عليه طلب به عجول بقر الوحش، فأنه يصيدها إن شاء الله، وهذه صفة الضراءة وما عندنا فيها. ذكر الصيد بالفهد وما يستحسن منه أعلم أن الصيد بالفهد ثلاثة أصناف، فمنها أن يُنزل إلى الوحش ولا تعلم به، ومنها ما يكون مُجاودة، ومنها ما يُخلَّى وتطرد له الوحش، وهي ثلاثة أبواب ملاح، وأحسنها ما كان مجاودة. وزعم أرسطاطاليس أن الفهد تولَّد من سبعٍ ونمرٍ، ومن شأنه إذا وثب على طريدة لم يتنفس حتى يأخذها، فيحمي لذلك وتمتلئ رئته من الهواء الذي حبسته.

стр. 104

وسبيله أن يراح ريثما يخرج ذلك النفس، وتبرد تلك الغُلَّة، ويُشقّ له عن قلب الطريدة بعد تذكيتها، ويطعمه ويسقى ريه من الماء إن كان الزمان حاراً، ودون الري إن لم يكن الحر شديداً، ثم يُبتغى به طريدة أخرى، ولا يُكلَّف في يومه أكثر من خمسة اطلاق، وقد يصاد به في اليوم نحو عشرة اطلاق، وإن لم يُرَح لم يُفلح بعد ذلك. ومن طباعه الحياء وكثرة النوم والغضب. ولا يعلم أنه عاظل أنثى وهو في يد الأنس، وقد عني بمراعاة ذلك واجتُهد فيه فلم يُعرف منه، والأسد كثيراً يفعله. وذكر بعض الفهادين العلماء بصيدها وطباعها، أنه يمسح الفهد والفهدة ويمر يده على جميع أعضائها فتسكن لذلك حتى تصيب يده موضع بعرها، فتقلق لذلك وتنعطف عليه لتعض يده. ونومه يضرب به المثل. قال بعض الشعراء يصف نومه: فأما نومه في كل حين ... فعين الفهد لا تقضي كراها وقال المكتفي ووصف يوم صيد بكثرة وحشه وضراءة فهوده: فمضى يومنا بين فهود لا تشبع، وظباء لا تجزع. أخبر بذلك عنه أبو بكر محمد بن يحيى الصولي. وقال بعض الكتَّاب وعابة قوم بكثرة النوم ونُسِب إلى الإخلال بأعماله والتقصير في تنفيذ أموره: رقدت مقلتي وقلبيَ يقظا ... نُ يجسّ الأمور جسّاً شديداً يُحمَدُ النومُ في الجواد كما لا ... يمنع الفهد نومه أن يصيدا وفي طباع الفهد مشاكلة لطباع الكلب حتى في ادوائه ودوائه، والنوم الذي يعتريه شبيه بنعاس الكلب. ومن قول الأعشى في صفة بخيل مماطل: لاقى مطالا كنعاس الكلبِ ورجع بنا القول إلى استتمام شرح الصيد بالدسيس وسبيله في صيده

стр. 105

غير سبيل المصحر وهو ابله جداً، لما يظهر منه في تعمُّله لستر شخصه وخفاء سره، ويرسل على بعد من الطريدة بعد أن يتشوّفها، ويتلطف لإرساله من غير قلق، فتراه يمر مثل عَناق الأرض رافعاً يداً وواضعاً أخرى، على وزن وقدرٍ متناسب، ما دامت الظباء ناكسة رؤوسها ترتعي، فإذا شالتها وخاف منها التنبه عليه أمسك على الصورة التي تنتهي به الحال إليها، لا يقدم ولا يؤخَّر، ولا يرفع الموضوعة ولا يضع المرفوعة فإذا طأطأت رؤوسها سلك سبيله الأولى، حتى تقول إنه في تلك الحال كحال القانص الذي وصفه رؤبة فقال: فبات لو يمضغ شرياً ما بصقْ وهذه المشية يقال لها الدألان والدأل والدألى يقال دأل له يدأل إذا مشى مشية الختل وأدى له يأدو له ودأيت أدأى وفي المثل والذئب يأدو الغزال ليأكله. وفي اللفظ الأول يقول الراجز: اهدموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنه لا أخا لكا وأنا أمشي الدألى حوالكا وقال آخر: أدَوتُ له لآكله ... وهيهات الفتى حَذِرُ وقد قال المحدثون في طرد الفهد شيئاً كثيراً نحن نذكر ما استحسناه إلا صيد الدسيس، فما وصفه واصف على حق صفة سوى بعض الكتَّاب فقال: قد أسبق الأخوان بالتغليسِ ... قبل غناء القَسّ والناقوسِ والروض مثل حلة الطاوسِ ... والريح مثل نكهة الكؤوسِ أو مثل ما أنثوه عن جليسي ... بطالعٍ مصحَّحٍ مَقيسِ

стр. 106

مبرّأٍ من نظر النحوسِ ... أسعد بالنثليث والتسديسِ بذي دهاء مضحك عبوسِ ... جهم كُسي من صنعة القدوسِ ديباجةً من أحسن اللَّبوسِ ... كأنما يُبتزّ من عروسِ إبليسَ أو أمكر من إبليسِ ... ختَّالٍ أظبٍ مخبِتِ الحسيسِ طبّ بصيد عفرِها والعيسِ ... لا مصحرٍ للوحش بل دسيسِ لًطا لطوّ الحاملِ الحسيسِ ... والسطو سطو القادر الارّيسِ له دبيبٌ ليسَ بالمحسوسِ ... مثل دبيب الماء في الغُروسِ فعلٌ كمتن الجحفل الخميسِ ... وحشٌ يضاهي حيلة الأنيسِ حتى إذا أفضى من التأنيسِ ... إلى سكون النافر الشَّموسِ وحمّتِ الآجالُ للنفوسِ ... أبدلها من نعمةٍ ببوسِ أسرع من عين إلى نفيسٍ ... لاهٍ عن الخشفان بالتيوسِ مبتدئاً منهن بالرؤوسِ ... وجِدّة العيش إلى دروسِ وما من الأيام من محروسِ وقال آخر في صفة الفهد والطريدة: بذلك أبغي الصيد طوراً وتارةً ... بمُخطفَة الاكفال رُحبِ الترائبِ

стр. 107

مرقّقةِ الأذناب نمرٍ ظهورها ... مخططة الآذان غُلب الغواربِ مدرّبةٍ زرقٍ كأن عيونها ... حواجل تستذري متون المراكبِ الحوجلة القارورة، وتستذري يصف مكانها خلف الراكب، وأن ظهره يذريها أي يسترها والذرى الستر ومنه: إذ قلَّبتها في العجاج حسبتها ... سنا ضرَمٍ في ظلمة الليل ثاقبِ مولعة فُطْس الجباه عوابس ... تخال على أشداقها خط كاتبِ نواصب آذان لطاف كأنها ... مَداهِنُ للأجراس من كل جانبِ ذوات أشافٍ رُكَّبت في أكفها ... نوافذَ في صم الصخور نواشبِ فوارس ما لم تلق حرباً ورَجْلة ... إذا آنست بالبيد شهب الكتائبِ تضاءلُ حتى ما تكاد تُبينها ... عيونٌ لدى الصيران غيرُ كواذبِ

стр. 108

حراص يفوت البرق أمكث جريها ... ضراء مِبَلاّت بطول التجاربِ توسّد أجياد الفرائس أذرعاً ... مرمَّلةً تحكي عناق الحبائبِ وهذه تشتمل على معانٍ كثيرة وقد سرقها عبد الصمد بن المعذّل فقال يصف الفهد: قد أغتدي والشمس في أوراقها ... لم تأذن السَّدفة في اشراقها وصحبتي الأمجاد في أعراقها ... على عتاق الخيل من عناقها نُمر بنات القفر من أرزاقها ... تغدو منايا الوحش في أطواقها قد واثقتنا وهي في ميثاقها ... وفيَّة ما الغدر من أخلاقها مذمجةٌ هيِفٌ على أحناقها ... باعدها التنهيم من أشباقها ترى بأيديها لدى اتساقها ... وصيدها بالقاع واتفاقها مثل أشافي القين في انزلاقها ... تقدّ ما تحبط باعتلاقها قد التجار العصب من شقاقها ... كأنها والخزر من حداقها والخطط السود على أشداقها ... تركٌ جرى الأثمد من آماقها باتت إلى الصيد من اشتياقها ... وجذبها الأعناق من ارباقها كأسر العجم في أوهاقها ... تضرم في العزاء من تنزاقها تلهُّب النيران في احتراقها ... حتى إذا آلت إلى متاقها بالسهلة الوعساء من براقها ... في مأمن الصيران من طرّاقها ورعيها الناضر من طبَّاقها ... وآنست بالطرف واستنشاقها

стр. 109

وجعلت تأشير من إقلاقها ... حُلَّت وسمَّينا على إطلاقها وقد حدرنا الوحش من آفاقها ... يسوقها الحَينُ إلى مساقها إدناءك الحور إلى عشاقها ... وهي على الغبراء في التزاقها حدافة تخفى على رمَّاقها ... من ختلها للوحش من اسفاقها كأنها الحيَّات في اطراقها ... أما رأيت الريح في انخراقها ولمعة البارق في ائتلاقها ... وغيبة الشؤبوب في انبعاقها وطيرة الأقداح في انمراقها ... تهوي هويّ الدلو في أرشاقها ما أدرك الطرف سوى لحاقها ... وهصرها الآرام واعتناقها وخصفها الأيدي إلى أعناقها ... شرك الضباع النعل في طراقها شاصية تنشج في آماقها ... تفحص في التامور من مهراقها بطح الغواة الوفذ من زقاقها ... لا نصطفي منها سوى حُذاقها بورك للأمير في رفاقها وقال عبد الله بن المعتز يصف فهدة: ولا صيد إلا بوثَّابةٍ ... تطير على أربع كالعذَبْ فإن أطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطلبْ فزوبعة من بنات الرياح ... تريك على الأرض شيئاً عجبْ

стр. 110

تضم الطريد إلى نحرها ... كضم المحبة من لا يحب قوله من لا يحب مبالغة في وصف تشبثها لأن ضم المحب من يعلم أنه لا يساعده على المحبة أشد توثقاً ولزاماً. وأخذ هذا من قول العرجي: فتلازما عند الوداع صبابة ... أخْذَ الغريمِ ببعض ثوب المعسِرِ والمعسر كاره لتعلق الغريم به، وكان الصواب أن يوقع تشبيهاً يدل على أن كل واحد منهما مضاهٍ لصاحبه بالملازمة، كما قال القائل وهو الجيد: ثم اعتنقنا عناقاً ليس يبلغه ... تلاصق الطلع في طي الكوافير وتشبيه ابن المعتز في هذا حسن لأن الفهد مجتهد في التشبث بالظبي (والظبي مجتهد في التشبث بالظبي) والظبي مجتهد في مغالبته وكذلك ضمّ المحب من لا يحبه: إذا ما رأى عدوها خلفه ... تناجت ضمائره بالعطبْ ألا رب يومٍ لها لا يُذَمّ ... أراقت دماً وأغاثت سَغِبْ لها مجلس في مكان الرديف ... كتركية قد سبتها العربْ ومقلتها سائلٌ كحلُها ... وقد حُلّيت سُبَجاً في ذهبْ غدت وهي واثقة أنها ... تفوز بزاد الخميس الجِبْ فظلت لحوم ظباء الفلاة ... على الجمر معجلة تُنتهبْ كأن سكاكينهم نَشَّرتْ ... معصفرةً فوق جزل الحطبْ
следующие страницы →