← История

История · id 397

يوميات شامية

ابن كنان

Полный текст (143 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[يوميات شامية]ـ المؤلف: محمد بن عيسى بن محمود بن كنان (المتوفى: ١١٥٣هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

стр. 2

المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم سموت اللهم بوصف البقاء والقدم، وتعاليت عن لحوق الفناء والعدم، يتقاصر عن دركك عقول العقلاء، وتعجز عن بلوغ غايتك ألسن الفصحاء، والصلاة والسلام على نبيك محمد مبدأ الأنوار العلية، ومن علوم المقدم والتالي إليه كالقضية الجزئية، وعلى آله وأصحابه النجوم السائرة في فلك التوحيد أحسن سير، الواصلين به إلى الحد الذي لا يحد، من نعوت الفضل والخير، وسلم. وبعد: خطبة الكتاب فهذا تاريخ قد حررته، ومن الأخبار النفيسة قد جمعته، فهو نعم السفير في الحضر، والأنيس في السفر، جمع من الفوائد أحسنها، ومن فرائد المنثور والمنظوم أكملها وأجملها، يتعلق بالحوادث اليومية من تاريخ إحدى عشر وألف ومية. أهمية فن التاريخ واعلم أن فن التاريخ، فيه عرفت شعائر الأنبيا، وبه نقلت أخبار من سلف ومن مضى، وبه يقتدى بما كانوا عليه من مكارم الأخلاق، وبه يأبى الشخص عما صدر من الخلاف والشقاق، وكفاه شرفاً أنه علم منه القصص، وبراهين النبوة، وأعلام الرسالة، قال تعالى: " نحن نقصُّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك " وأداء القصص، أداء الخبر على وجهه، وبه بعث الله أنبياءه وصفوته من خلقه. قال تعالى: "وكَلاَّ نقصُّ عليك من أنباءِ الرسل وما نُثبِّتُ به فؤادك، وجاءك في هذه الحقّ وموعظةٌ للمتَّقين ". ودينه وهديه وصل إلينا بالإخبار ثم اعلم أن الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأنبياء، والملوك، والعلماء وذوو المراتب، وما كانوا عليه من محاسن الأخلاق. وهذا أيضاً نافع لمن همته عالية، وقريحته صافية، فإن في طباع من هو كذلك، الارتياح لذكر أهل مكارم الأخلاق عند سماع أخبار الكرام والعلماء الأعلام. وكيف وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: " فاسْألِ العادّين " أن المراد بهم المؤرخون، ومن قوله تعالى في النحل " بالبيّناتِ والزُّبر " أخبار الأمم. فيحب الاقتداء، ويعتبر بعبره، فيرتدع من العيب والردي، ويجنح لحسن الذكر والثناء. ولذلك صارت الأنفس الفاضلة إليه وامقة، وله محبة وعاشقة، فلا يزدري به إلا جاهل معاند، قد نصب لأهل الدين حبال المكايد، أو من عقله مدخول، وقلبه في غلول. وسميته الحوادث اليومية من تاريخ إحدى عشر وألف ومية. محرم الحرام سنة ١١١١ ٢٩ - ٦ - ١٦٩٩م الحكومة وسلطان الممالك الرومية والعربية وبعض العجمية السلطان مصطفى خان بن محمد خان بن عثمان، والوزير الأعظم مصطفى باشا الكبرلي، تلميذ الشمس بن بلبان الصالحي، المحدث المشهور، والباشا، حسن باشا السلحدار، هو كافل دمشق، ورد إليها بالمنزل، عشية يوم السبت، آخر ذي الحجة الحرام سنة عشرة، وأوايل سنة إحدى عشرة وماية وألف، وهو مأمور بالخروج مع الجردة، وقاضي الشام عطا الله أفندي شوي زاده، ومفتي الروم فيض الله أفندي، ومفتي دمشق مولانا الشيخ إسماعيل أفندي ابن الحايك، والمدرسون على حالهم، والأمير قبلان. قضية الشيخ أحمد السبحان المحرم، واستهلت السنة المذكورة بالاثنين على موافقة الوقفة والصوم. ثالثه، الأربعاء، ورد الشهابي الشيخ أحمد بن السبحان البعلي الحنبلي من بعلبك، لوقوع قضية جرت، وهو أن ولده الشاب الشيخ محمد، تشاجر مع رجل ميازري شريف من أهالي البلد، وتشاتما، ثم بعد ذلك دخل الناس بينهما وتصالحوا عند نائبها القاضي عبد الوهاب ابن العلامة الشيخ عبد الحي الصالحي الشهير بابن العكر، وكتب بذلك حجةً. فبعد كم يوم، خرج ذلك الميازري بالأعلام والمزاهر إلى ترابلس، مشتكياً على ابن الشيخ أحمد إلى أصلان باشا اللاذقي، نائب ترابلس، فأرسل أصلان باشا مباشراً، فطلب منهم خمسماية غرش، وقيل سبعماية، وختموا بيت الشيخ أحمد، وخرج الشيخ أحمد هارباً إلى جبة عسال، وجاء للشام. ثم إن ذلك المباشر، أغلظ على أهلية الشيخ أحمد من نساء ورجال، فحصلوها بعد رهن أسباب وبيع ما أمكن من أماكن، فلما وصل الشيخ أحمد لدمشق، حكى ما وقع للأعيان، من علماء ومفتية وآغاوات، ممن له التكلم. وقام معه الشيخ مراد اليزبكي وغيره من علماء الشام وكبارها، وأرسلوا مكاتيب من دمشق ليرجعوا له ما أخذوه، ولم يأت الجواب.

стр. 3

وقمت معه في ذلك، ثم ذهبنا نحن وإياه لنجمعه في المحب صادق آغا ابن الناشف، وكان إذ ذاك متولي الجوالي، وكان مراده التوجه إلى ترابلس لأجل أموال النصارى، حتى يرافقه، فجمعناه به وعرفناه به، فوعده بوقت الذهاب حتى يهيئ حاجته. مذاكرة في الإطناب ثم خرجنا من عنده إلى عند شيخنا المدقق العلامة ملا عبد الرحيم الكابلي، نزيل دمشق سنة ١١٠٩، أبقاه الله تعالى، وتذاكرنا في بحث الأطناب اللفظي والمعنوي، وهو في قوله تعالى: " فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " لاحتمال معاني كثيرة، منه كتابة الحق والباطل والعقود الفاسدة، مثاله قول الأبوصيري: كلٌّ أمر ناب النّبيّين فالش ... دّة محمودة فيه والرخاء لو يمسّ النضار هون من النّا ... ر، لما اختير للنضار الصّلاء كذا مثله لي فيه، الشيخ عبد الله المقدسي الحنبلي. دروس المؤلف ونقلت لملا عبارة ابن كمال باشا في المعنوي، وذكر أنه في قوله تعالى: " ولا تخطُّه بيمينك ". إلى غير ذلك. قرأت على المولى المزبور سابقاً مبادئ شرح إيساغوجي للفنري، ثم في شرح الشمسية مع حاشيتها للسيد الشريف، وحصة من أواسط المجتبى بقراءة أوايله، على العلامة الشمس بن الطويل الشافعي وحضرت دروس القاضي البيضاوي بقراءة بعض أصحابنا الأفاضل على الملا المذكور، مع الحواشي وغير ذلك، نفع الله به، آمين. الجردة وفيه شرع في التوجه مع الجردة والسفر لملاقات الحج حيث أمكن، وكان الباشا المذكور ورد لكفالة دمشق في يوم السبت عشيةً بالمنزل في آخر ذي الحجة، وهو قريب العهد بخروج لحيته، وهو مأمور بالخروج مع الجردة، مع باشة عجلون ابن القواس لملاقات الحج الشريف، مع أميره محمد أفندي، من أعيان الكتاب بالروم. والحاصل: المتعين للجردة باشتها ابن القواس، وإبراهيم آغا، ابن أخي أصلان باشا ابن أمير الحج سابقاً قبلان باشا، أخي أصلان المذكور، كل ذلك للإعانة على العرب الجلالية الذين أخذوا القطرانة، وقتلوا بعض ينكجرية بها في السنة السابقة، وعملوا متاريس في الحسا على الماء، ويسمى بالتركي: تابوت قرصي، أي تابوت الماء الأسود، لأن الوادي كهيئة التابوت، أحد طرفيه ضيق، والآخر واسع، والله يصلح الأحوال. نفير عام للجردة: وفيه في محرم السادس فيه، وهو يوم السبت، صار نفير عام على الزعماء والينكجرية، للسفر لملاقات الحج الشريف إلى حيث أمكن، خوفاً عليه من العرب، لأنه في سنة عشرة وماية وألف، أخذت العرب الجلالية الجردة كلها، وقتلوا باشتها محمد آغا بن صدي، من أهالي دمشق، وغنمت لشيء كثير. وفيه خرج أوائل الجردة وفي يوم الاثنين الثامن، شارع بدمشق أن بعلبك وجهت لشيخ الإسلام فيض الله أفندي، وأرسل لها وكيلاً، مفتي محروسة طوس، محمد أفندي الطوسي، ومعه جماعة من جماعة شيخ الإسلام المذكور. هرب المباشر بالمال: وفيه بلغنا من الشيخ أحمد بن السبحان، أن أهالي بعلبك اشتكوا على المباشر لوكيل شيخ الإسلام، فأمروه بإحضار المال، وكان بعد لم يسافر إلى ترابلس، فقال لهم: في غد، وقدره سبعماية غرش ثم أصبحوا لم يعلموا له خبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذه المنزلة، كرامة للشيخ أحمد السبحان، والبغي مصرع مبتغيه وخيم. وفي يوم الأربعاء العاشر في محرم سافر جميع الزعماء والينكجرية ولم يتخلف أحد. سفر الشيخ السبحان يوم الخميس الحادي عشر، سافر الشيخ أحمد المزبور إلى ترابلس، مع آغة الجوالي المتقدم ذكره، لطلب الدراهم التي أُخذت ظلماً، وأخذ الشيخ أحمد معه مكاتيب من أكابر دمشق، من الملا مراد، ومن سعيد أفندي البكري وقاضي الشام، وغيرهم من المشاهير. مذاكرة أدبية وفي يوم الأربعاء السابع عشر، اجتمعت بالفقيه الشيخ منصور الحبال، الفقيه الأديب الناظم، مقابل قناة يخرج منها الماء من أنبوبة من النحاس الأصفر، والماء كالفضة المسبوكة، فقلت له: انظم في ذلك شيئاً، فلم يحضره، فقلت من بحر الرجز: أُنبوبةٌ تحسبها ... من فوق ماءٍ مطلق سبيكةً من فضّةٍ ... لكنّها الحرّ تقي

стр. 4

فتذاكرنا في إعرابه من جهة النحو: فأنبوبة مبتدأ معلوم، وجملة تحسبها الخبر، والرابط ضمير الجملة، وأن سبيكةً مفعول ثان لتحسب، والحر: مفعول مقدم لتقي، ولكن بمعنى إن في أحد إطلاقاتها. وتذاكرنا من جهة بديع الأبيات من الجناس المصحف، وفيه التشبيه البليغ، لأن الأصل كسبيكة. ومن جهة العروض، وأنه من بحر الرجز، لكن دخله الخبن، وهو حذف الثاني الساكن، وفيه الطي، وهو حذف الرابع الساكن، والمجموع يسمى خبلاً، إلى أن انتهى مجلسنا. محمد الكفرسوسي وفيه توفي من كتاب محكمة الباب، القاضي محمد أفندي بن الكفرسوسي، وخلف مالاً وابنتين لا غير، وصلي عليه يوم الخميس بالجامع الكبير، ودفن بتربة الدحداح. تسعير اللحم وفيه نادى حسن باشا، باشة الشام، على اللحم بسبعة مصاري وثمانية مصاري، بنداء القاضي أيضاً. وفي تاريخه، كان رخاء في الفاكهة جداً، أُبيع الرطل التفاح من السكري بمصرية. الشمع لضريح النبي يحيى: وفي تاريخه، في محرم بعد الظهر، ورد الباشا للجامع، والقضاة والعلماء والقبجي، لأجل وضع الشمعات التي أوقفها السلطان مصطفى على ضريح النبي يحيى ﵇، وهم قنطار راجح، وعين خادماً بعلوفة، وعمل لهما شبكات، وضعوا واحدة عند رأسه والأخرى في المعزبة الأخرى عند رجليه، ودعا المفتي الحنبلي الشيخ أبو المواهب بحضور الباشا والقبجي والناس، ودعوا للسلطان حفظه الله. وفي تاسع عشر الشهر، تمت السفريات النحاس، وجاءت في غاية الجودة والحسن والنضارة، وحليت بالذهب واللازورد، وكتبت فيها أبيات عربية وتركية. وفي يوم السبت فيه، ورد قفل الباشا، مع محمد باشا، كيخية حسن باشا. حكاية الكمال المصري مع النصراني المسلم وفيه سلمنا على الكمال يونس المصري، مدرس قبة النسر بالجامع الأموي، في داره بالقنوات. وكان ببلاد الروم، وأخبرنا من جهة الأمر الذي حصل له حين ذهابه للروم على جهة ترابلس، قال: كنا خرجنا من عند باشة ترابلس أصلان باشا على ساحل البحر، فخرجوا علينا الفرنج مسكونا وأنزلونا المركب، وأما أنا فأجلسوني في القمرة، فاضطجعت ودخل علي صاحب المركب، وأنا مضطجع فلم أقم له ولا جلست، فقال لم لا تقم؟ فقلت له أنا من العلماء، فسكت ولم يرد علي بشيء، فبعد برهة أنزلني إلى سفل المركب، فنزلت، فما مكثت ساعة حتى نزل إلى عندي أمرد كأنه القمر، لم أر أحسن منه، فقبل يدي وقال: يا سيدي أنت من العلماء؟ فقلت له نعم، فقال: مرادي تعلمني النحو. وكان أخبرني أنه يحفظ كم بيت من شعر العرب العرباء، وأتى إلي بمأكول ومشروب مفتخر وقال: أريد الإسلام، وبلغني الشهادة بإذني سراً، وقال: أجتمع بك في بلاد الروم، وقال: أنا أُتقن الكيمياء وأُعلمك إياها وتعلمني علم النحو، فقلت له: على راسي، وطلب مني مصحفاً فأعطيته، ثم أخرجني إلى ظاهر المركب في أوضة حسنة، ويأتيني كل يوم بالمأكول والمشروب مدة ثلاثة أيام، ففكنا أصلان باشا فخرجنا من المركب وتوجهنا إلى الروم. وفي يوم الجمعة، ركب حسن باشا وجاء وصلى بالجامع عند رأس نبي الله يحيى ﵇، وقدامه الريش والإيباشية، وعليه قباء سفرجلي بسمور، وقيل إنه يحفظ القرآن عن ظهر قلبه. حكاية الأمير منصور وأرملة الباشا وفي يوم الاثنين ثالث صفر وأوله الجمعة، خرج حسن باشا لملاقات الحج الشريف وقيل: يمر على صفد لقتل الأمير منصور الدرزي، الضامن صفد من أصلان باشا، من جهة أخذه زوجة أحمد باشا بن صالح باشا الصفدي كافل دمشق وكان أخذها قهراً حين قتل الوزير زوجها أحمد باشا، باشة دمشق، ببلاد الروم من غير عقد ولا نكاح. وكان بلغ أهالي دمشق، وكان بها ناس من صفد للشكاية عليه في ذلك، فقام العلماء والموالي والدولة، وأرادوا الركوب عليه، ويعملوا نفيراً عاماً. واهتم بذلك الشيخ مراد، وقاضي الشام، فخافوا من هروبه على البحر، فتركوا الأمر حتى يأخذوه على حين غفلة. ولما بلغ منصوراً أن خبره اتصل إلى دمشق، أرسل وراء قاضي صفد وهدده ليكتب كتابه، فلم يرض لعدم صحة ذلك على مذهب الإمام الأعظم، فقيل عرض عليه القتل، وقيل قتله. ثم أخذ يتخضع وراسل أعيان دمشق، وهاداهم بكل ممكن حتى فتروا عنه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. احتراق سوق العطارين

стр. 5

وفي يوم الاثنين. رابع عشر شهر صفر، احترق السوق عند رأس البزورية. أعني سوق العطارين، غربي مادنة الشحم. إسقاط ضريبة وفي سابع عشر صفر، ورد قبجي من الروم بنحو عشرين سرجاً. وفيه بلغ أن شيخ الإسلام أسقط ربع العوارض عن دمشق وبعلبك والأراضي الشامية كلها. مصطفى بيك وفي يوم الجمعة، ثامن عشر صفر، ورد نجاب من الحج، ومعه مكاتيب تخبر بالحج، وبموت مصطفى بيك، سردار الحج. وفتحوا داره. المكتبة العمرية وفي يوم الاثنين، ثاني عشرين الشهر، فتح متولي العمرية بالصالحية السيد إبراهيم أفندي بن حمزة النقيب خزانتي الكتب الكائنتين بالمدرسة المذكورة، بنظارته عليها، لأجل نفض الكتب، وكان الشيخ مراد اليزبكي والشيخ إسماعيل أفندي بن الحايك، وغيرهما من العلماء والطلبة. وكتب علي من تلك الكتب على وجه العارية كتابين: الأول: لغة الأطباء لجامعة الحافظ ابن عبد الهادي المقدسي الصالحي الحنبلي، وكتاب آخر فيه مختصر التلخيص في المعاني والبيان، وجمع الجوامع، في الأُصول الشافعي، ومختصر الروضة في الأصول الحنبلي. الأول للسبكي الشافعي، والثاني للطوفي البغدادي الحنبلي، وهم عندي إلى الآن. وعمل ضيافةً وضعت في الرواق، ولم أحضر الضيافة ولا فتح الخزانة الثانية، وهما خلوتان لصق البلاط، مقابل الباب في الخط الشرقي. وفي عهدنا تشتمل كل واحدة على ألف مجلدة من ساير العلوم، كالقرآن والنحو والأصول والحديث، إلى غير ذلك من الفنون، وفيها كتب من خط الحافظ جمال الدين المقدسي الحنبلي، وكذا من خط الشمس ابن طولون الحنفي الصالحي. محمد النقيب وفي يوم الأربعاء عشرين صفر توفي السيد محمد بن السيد عبد الكريم ابن حمزة النقيب، وحضر الأعيان والفقهاء، ودفن بباب الفراديس عند جده السيد محمد النقيب في التربة الغربية. دخول المحمل ٢٦ صفر وفي يوم السبت السادس والعشرين من صفر، دخل الحج الشريف في أحسن حال من الرخاء والأمن، ولم يقع ضرر والحمد لله. يوم الأحد السابع والعشرين دخل المحمل، ومحمد باشا الشهير بالأفندي، ووصل ابن القواس للمعظم، والمعنيون إلى معان. جرائم عنيزة وفي يوم الاثنين ثامن عشرين صفر، سلمنا على أصحابنا الحجاج، وأخبرونا أن بني عنيزة أخافوا المدينة قبل وصول الحج، وقتلوا من أهل المدينة ثلاثين رجلاً، غير المماليك والعبيد، قالوا: وأهل عنيزة هم كثيرون، وأرضهم من دون العلا للمدينة. سلطان الهند ومدينته الجديدة وفيه أخبرني صاحبنا السيد مصطفى الخواجا، أنه في هذه السنة اجتمع في الحج بإمام سلطان الهند، واسمه الشيخ محمد الشامي، وحكى له عن سلطان الهند أنه شرع في مدينة عظيمة، دورتها ثلاث أيام، وأكملها، ونقل إليها واستوطنها وسماها باسمه، وعلى أن عرضها كان نحو أيام كثيرة. وأخبر أن السلطان أمر كل وزير بسكنى جهة، وخطوا أسواقها وبيوتها وخاناتها، ووضب لها اثني عشر ألف معمار، ما عدا التوابع. عودة ابن السبحان وفيه ورد الشيخ أحمد السبحان المتقدم ذكره، وحصل جميع الدراهم، ولم يأخذ له أصلان الدرهم الفرد، وأكرمه غاية الإكرام. ملاحقة تاركي الصلاة: وفي آخر الشهر، نادى حسن باشا على تراك الصلاة، وكبس القهوات، لأنه بلغه أنه يكون في القهوات أناس ولا يخرجوا لصلاة الجمعة، فكبسهم مرات، حتى كادت تبطل القهوات لعدم من يجيء إليها خوفاً من الباشا. شعر في الحكمة: وفيه أنشدني صاحبنا مصطفى بيك الترزي من لفظه قول بعضهم: قيمة المرء علمه عند ذي العق ... ل وما في يديه عند الرّعاع فإذا ما حويت علماً ومالاً ... كنت عين الزّمان بالإجماع وإذا منهما غدوت خليّاً ... رحت في الناس من أخسّ المتاع من شعر الشافعي: وأنشدني أيضاً من لفظه للشافعي، ﵁: قد يعسر المرء في رزقه ... ويرزق الفاجر والكافر ويسلم الأطمس من حفرةٍ ... يسقط فيها الناظر الباصر ويحفظ الجاهل من لفظةٍ ... يهلك فيها العالم الماهر لا يعجب الإنسان من أمره ... هذا الذي قدّره القادر إنارة الأسواق:

стр. 6

وفي يوم الخميس، مفتتح ربيع الأول، أمر الباشا أن تشعل أرباب الحوانيت على كل حانوت، قنديلاً لأجل الضوء. وفي يوم الأربعاء سابع الشهر، أنشدني بعض أصحاب لمولانا أحمد أفندي الحلبي، مفتي دمشق الشام في القرنفل لمناسبة جرت، توفي المزبور يوم الخميس في جمادى الآخرة سنة ١١٠٥، ودفن بتربة الشيخ رسلان، قدس سره، آمين. أمطار في الصيف: وفي اليوم، الاثنين، في الشهر الذي هو ربيع الأول، نزل بالصالحية مطر غزير، وصار رعد وبرق، وكانت مربعانية الصيف، والله على كل شيء قدير. صاعقة: وقيل وقع صاعقة غربي الشالق مما يلي المدرسة الكوجانية التي بالشرف الشمالي، أي شمالي التكية. وهذا الشرف كان محلة عظيمةً في عصر السبعماية، بأسواق وجوامع وخانات وبيوت وقصور على الميدان الأخضر، وخربت تلك المحلة في عصر الثمانماية. قال ابن طولون: أدركت أني صليت الجمعة في جامع هناك. التدخين ممنوع: وفي يوم الجمعة العاشر، نادى الباشا على التتن لا يشربوه في الأسواق. مدارس في بعلبك: وفيه بلغ أن مفتي طوس، وكيل شيخ الإسلام، مرادهم يعمروا ببعلبك أربع مدارس، والآن الحادية. وبنو متوال مخذولون، والآن تعمر قرى كثيرة كلها سكنتها أهل السنة، وأن ابن الحرفوش، الأمير شديد، طايح الآن في البادية لا يأوي، وله معلوم على فلاحين الشيعة هناك، ومعه نحو الخمسين خيالاً. حملة ثانية على المدخنين: وفي يوم الجمعة، فيه طلع الباشا متخفياً للصالحية وكسروا بعض أقصاب الدخان، وعند الصلاة حضر بالموكب للجامع الأموي. مذاكرة في الحديث الشريف: وفي يوم السبت الثامن عشر، كنا عند الشيخ مراد اليزبكي في داره شمالي الحاجبية، أعني جامع الورد، وأما الحاجبية بالصالحية فتسمى المحمدية، وكان عنده الشيخ أبو الصفا بن الوجيه أيوب، شيخ السلطنة العثمانية، وعنده جماعة من دولة الشام. ومع الشيخ أبي الصفا، كتاب الشيخ تقي الدين المكي في الحديث يتأمل فيه، فتذاكروا في حديث ملئ عمار إيماناً، وفي رواية: عمار ملئ إيماناً، فذكر الشيخ مراد أن الحكمة من تنويع الروايات تنويع الفائدة. وفي التوحيد: ثم جاءت مذاكرة في قول الجنيد: الاشتغال بالحديث ليس من دأب السالكين. فذكر الشيخ مراد كلاماً حسناً، وهو أن العلم، مقدمة على العلم بالله علماً، وذكراً وشهوداً ووجداناً، وعلم الحديث جزء من تلك المقدمة، والجزء لا يحتاج إليه عند الحصول على الكل. وفي المعميات: ثم وردت مذاكرة في المعمى، فقال إنه في اسم هود في قوله تعالى: " ما من دابَّةٍ إلاّ هو آخذ بناصيتها " أراد أخذ الدال من دابة، وهو لطيف. أقول: ومن ألطف ما وجدت في المعمى، تاريخ أعلم العلماء، مولانا حسين الخافقي في العمل الحسابي، قول بعضهم: انقلب محراب الزهد والديانة والدولة، وهي السعادة عند الفرس، وأراد بانقلابها أن تصير هكذا ٨٨٨ يعني تاريخ وفاته سنة ٨٨٨ هـ. عرس شامي: وفي يوم السبت، سابع عشرين ربيع الأول، عمل محمد آغا بن سليمان آغا الترجمان، فرح يحيى آغا بن طالو، الشاب الخالي العذار، صهره زوج ابنته، وتكلف كلفةً بالغةً، ودعوا باشة الشام حسن باشا، وقدموا له تقدمةً عظيمةً مكلفةً ما يساوي ثلثماية غرش، وأعطى الجاويشية عشرين غرشاً، والمدخل كل واحد ثلاث غروش، وكانوا سبعة أيضاً، وللمشعلية نحو العشرة غروش، والعشية نحو العشرين، والشعالين نحو خمسة، والموالدية نحو خمسة، وعشية للرجال، وعشية للنساء، ومكث الفرح سبعة أيام، والضيافة: واحدة الظهر، والثانية العصر. ترتيب المدعوين: وفي أول يوم الفرح، كان الباشا وقاضي الشام، وفي ثاني يوم الموالي وجماعاتهم وبقية القضاة والكتاب، ثالث يوم، الشيخ مراد وسادات الصوفية أصحاب الطرقات وجماعتهم وصلحاء العلماء، ثم وجاق الزعماء، ثم وجاق الينكجرية، ثم دولة القلعة كآغة القبول وآغة القلعة، وبقية الأيام تجار وبقية الناس، وتكلفوا كلفةً باذخةً. ترجمة صالح بن صدقة:

стр. 7

وهذا، يحيى آغا بن خليل آغا بن طالو، ابن الذي قتل سنة قتل الآغاوات بدمشق، سنة ١١٠٣هـ، والقصة مشهورة، وكان السبب، قتلهم لصالح آغا بن صدقة من متقاعدي دمشق، وكان أنشأ خيرات وعمر مسجداً بخطبة شرقي داره، وأوقف له أوقافاً، ورتب فيه أجزاء ومؤذنين، وعمر جسر ثورا وقنياً كثيرةً، وبلط مواضع ورتب خيرات، وكان يرسل مبرات إلى أربابها، وأدركته: كان أشقر أبيض الرأس واللحية، فيه بعض حول، وأمواله كانت لا تحصى، فقوي الحسد عليه مع ما فيه من الخيرات والمبرات. وكان له حسن تدبير ورأي حسن، وكلمته نافذة في سائر البلاد، وحتى إلى مصر والروم إلى غير ذلك، ثم خنقه قول دمشق ظلماً وحسداً ليظفر بالشهادة، وذلك في يوم سنة ١١٠٠، وصلي عليه بجامعه وغسل فيه لأنهم ختموا داره، حتى أخرجوا نساءه منها، ودفن غربي بلال بن حمامه، ﵁. نهب أمواله: ونهب ماله وذخائره، وأجروا في ذلك دعاوي عليه افتراءً لا أصل لها، رغبةً في المال، لدى أبي الصفا أفندي بن أيوب، وكان نائباً بمحكمة الباب، ولم يبق لورثته شيئاً سوى أملاكه وأوقافه، وبلغت أمواله من تركته ألف كيس توزعوها: هذا يدعي أن له عنده ألف، وهذا خمسماية وهذا ثلثماية وهذا ماية، كل على قدر قوته، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم بعد مدة ورد الكرجي محمد باشا كافلاً بدمشق، ومعه فرمانات بقتل زربا دمشق، وكان من قبله يرد معه ذلك، ويأخذ من الوجاق مالاً ويترك الفرمان. لكن هذا وصي على ذلك وأُكد عليه. أسماؤهم: وكان الزربا آغاوات الشام زاد غرورهم وقوتهم وشأنهم، ورئيسهم كور إبراهيم آغا ومن معه، وكان من رؤسائهم ومتقاعديهم هذا خليل آغا ابن طالو، كذلك مصطفى آغا بن كيوان، وإسماعيل آغا بن كيوان، وقاسم آغا بن كيوان، وسليمان آغا ترجمان، ومحمد آغا بن الترجمان، وجعفر آغا، ومحمد آغا، آغة النيكجرية، ونعمتي جعفر آغا، وعمر آغا الرومي، والكيخية ابن سالم خاير، إلى غير ذلك من أعيان الوجاق. الباشا يداهنهم: ثم إن الباشا أرسل يتلاقاهم بالمودة، وكان الواسطة في ذلك محمد آغا ابن عبدي، من أهالي دمشق، وشكر لهم حسن حاله، وأنه يعطيهم الخط الشريف، ويعرض لهم بالعفو، فدخل في ذهنهم كلامه، وأنهم يدخلوا السرايا، ولا بأس عليهم. فاجتمعوا، فذهب للسرايا منهم جماعة، كآغة الينكجرية محمد القشجي، ومصطفى آغا كيوان، وخليل آغا بن طالو، وبقيت البقية، ودخل مع هؤلاء غير المذكورين في الخط الشريف، وكان سبقهم ابن عبدي وقال: تعالوا هناك وأخرج أنا وأنتم، فلما رآهم دخلوا السرايا ورآهم الباشا من بعيد، قام ابن عبدي وذهب، وهم ما رأوا على أنفسهم الرجوع، فجلسوا فأسقاهم الشربات وأكرمهم، ثم أمر الديوان أفندي بقراءة الخط الشريف، وفيه أسماؤهم وبياض، فما تم الكلام إلا ومسكوا. مقتلهم وأول ما قتلوا موسى آغا ترجمان، وكان شاباً لطيفاً كاملاً، لم يكن مذكوراً في الخط الشريف، فذبح عند النحر، ثم قتلوا البقية وألقوهم خارج السرايا جثثاً بلا رؤوس، وذلك يوم الجمعة ٢٧ رمضان سنة ثلاث وماية وألف، وكانوا بعد جلوسهم سكروا السرايا، فلما أخرجوهم نادوا بالأمان والاطمئنان، وأُمر بقية الآغاوات بالخروج وأن لا أحد يتعرضهم. وهرب محمد آغا وإسماعيل آغا الكيواني إلى بلاد الدروز عند الأمير أحمد ابن معن، وأرسل الباشا للحوق بهم عسكراً، فلم يظفروا بهم. ثم بعد أيام، رفع للقلعة سليمان آغا بن الترجمان، وخنق بقلعة دمشق، وأُرسل رأسه هو والجماعة للروم، ثم نعمتي ثم جعفر آغا ثم عمر آغا الرومي ثم الكيخية، وكل ذلك أصله بسبب دم صالح آغا، وآخرهم قتلاً البلكي التركماني محمد باشا، وكان هو الباش جاويش في كل سنة في الحج الشريف. الشعراء يرثونهم وفيهم يقول الشاعر: نفذ القضاء فلا مردّ لحكمه ... في قتل أربعة بهم فرط الفرط فثلاثةٌ أسقط بلا بدلٍ وفي ... موسى إذا أرّحته: بدل الغلط وقال آخر: لمّا سقى ساقي الحمام شرابه ... أمراء جلّق بالكؤوس المترعة نزل القضاء بمصطفى ومحمّدٍ ... وخليل مع موسى القتيل مبمضيعه أسماؤهم تاريخهم لكنّه ... لم يظهر الا بعد قتل الأربعة وقال آخر:

стр. 8

لهفي على جلّق الهيفاء قد طرقت ... بغادرٍ صير الأحياء أمواتا " تلا إذا زُلزلتْ " في ربعها وتلا ... بشمل أجنادها أرّخت أشتاتا وفي يوم السبت أصبحت دمشق كقول الشاعر: فأصبح بطن مكّة مقشعّراً ... كأنّ الأرض ليس بها هشام وقول الآخر: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيسٌ ولم يسمر بمكّة سامر وعلى كل حال، كان لهم كلمة ومهابة كلية، كل رجل منهم قد وزير أعظم، والباشا الذي يرد كأنه من بعض جماعتهم، إلى أن انتهى أمرهم، فسبحان من لا تغيره المنون، ولا يصفه الواصفون. وكان لهم قوة بالغة في تجييش الجيوش الأُلوف، وكلمتهم مسموعة في البحر والبر وأطراف البلاد، وورقتهم إلى أي بلدة أو مدينة نافذة أمر من الخط الشريف، يعني من باب المبالغة، حتى من له قضية صعبة في بلد، يجيء للشام لهمتهم وقوتهم. ربيع الثاني، لم يقع فيه ما يؤرخ. الأمين المحبي جمادى الأولى في أوائله، يوم الخميس، توفي إلى رحمة الله أمين جلبي المحبي صاحب النفحة، والتاريخ المشهور، والمضاف والمنسوب، وصلي عليه بالجامع، ودفن بتربة باب الفراديس الشرقية. وكان عالماً أديباً متفنناً منشئاً، قرأ النحو والمنطق والأصول، وأتقن فنون الأدب والنظم، وشعره في غاية الرقة والجودة والحسن، وكان لطيف الهيئة جداً، نحيفاً، كامل الخلقة، أدركته أبيض الرأس واللحية، معظم الملبس والهيئة، حسن النضارة متواضعاً، حليماً ظريفاً في شكله وهيئته، لم ير مثله. وتأسف الناس عليه، ورثاه كثير من أفاضل دمشق بقصائد طنانة، وكان انتهى إليه فن الأدب والشعر والتاريخ، ألف كتباً حساناً، وأتقن بها كل الإتقان، أخذ عن الفتال والعلاء الحصكفي، والشيخ إسماعيل أفندي النابلسي، وأخذ الطريقة الخلوتية عن غوث زمانه السيد محمد العباسي الصالحي الحنبلي الخلوتي، وترجمه في تاريخه وأتقن، ﵀ وعفا عنه، آمين. جمادى الثانية لم يقع ما يؤرخ. رجب ورد للحج حجاج أروام. باشة الحج شعبان ورد حجاج كثيرون وعلماء وصوفية وتجار وآغوات، وكان أمير الحج المتعين محمد باشا الرومي الشهير بمحمد أفندي، أصله من الأفندية من العلماء، ومنع كبار دولة دمشق من المقارشة معه، كإسماعيل آغا بن كيوان، ومحمد آغا ترجمان، الفاضلين عن القتل، ونزل دار محمد آغا بن عبدي شمالي باب الفراديس. القاضي محمد الشويكي وفي ثاني عشر شعبان، يوم الأحد بعد العصر توفي القاضي محمد ابن القاضي أحمد الشويكي الصالحي بالصالحية، وهو من كتاب محكمة المدرسة الجوزية، عن غير ولد، وله مملوك، وعنده بعض ثروة، وصلي عليه بالسليمية الظهر يوم الاثنين، ودفن في صفة الدعاء بالسفح قرب القاضي علاء بن المرداوي الحنبلي الصالحي، صاحب كتاب التنقيح، تحت الروضة، ومقابل زاوية وتربة الشيخ الجليل الشيخ عبد الرحمن الداودي، شارح أوراد والده الشيخ أبي بكر الداودي صاحب كتاب أدب المريد والمراد. أبو بكر الطعام وفيه توفي الشيخ أبو بكر الطعام، بتشديد العين، نسبةً لبيع الطعم. أخذ في نهايته الطريق الخلوتي عن عيسى الخلوتي الصالحي، واشتغل بالتعبد والأوراد التي تلقنها عن أستاذه، وواظب قيام الليل والتهجد وورد الوسائل والصبح في نفسه، أو مع جماعة الأستاذ وقت الاجتماع، ثم انقطع بالحاجبية، وحج نحو ثلاث مرات. وغسل بالحاجبية، وصلي عليه بالجامع المظفري، ودفن بالسفح، شمالي الداودية، عفي عنه، آمين. رمضان: لم يقع ما يؤرخ. آخر شوال: طلع المحمل والباشا. ذو القعدة: لم يقع فيه ما يؤرخ. القاضي الجديد ذو الحجة: فيه عزل جوي زاده، ودخل قاضي الشام سيف الدين إبراهيم أفندي آخر الشهر، وأول السنة. محرم الحرام سنة ١١١٢ ١٨ - ٦ - ١٧٠٠م الحكومة وسلطان مملكة العرب والروم وبعض العجم السلطان مصطفى بن السلطان محمد بن عثمان، وكافل دمشق حسن باشا، وقاضي الشام، السيد سيف الدين إبراهيم أفندي، والمفتي إسماعيل أفندي، وأمير الحج محمد باشا الأفندي الرومي، بالحج الشريف. وفي يوم الخميس، ورد صاحبنا الأعز عمر آغا بن الناشف من الروم، من قبرس، في البحر. حكاية يوسف أفندي

стр. 9

وفي أوايله حضرنا مع نقيب الأشراف إبراهيم أفندي بن حمزة، ويوسف أفندي قاضي قبرص، بقصر سنان آغا بالصالحية، بحكر الأمير المقدم، وكان ليوسف أفندي أربعون سنةً مفارقاً دمشق، وأصله من طلبة العلم والتصوف، تعانى التجارة مدةً بدمشق، ثم أخذته المقادير إلى الروم، فتعرف بها بآغة البنات بزي جماعة سرايا فرقاه في المناصب والملازمات حتى صار من موالي الروم، وتولى قضاء بير الأغراض وبرصا وقبرس، وقيل أُعطيها سركنةً والله أعلم. فتوجه بعد فراغ منصبه لدمشق وأبقى ولده في بقية المدة، ونزل داراً حسنةً بدمشق في وقف بني الأسطواني، نواحي الخضراء. الطريقة الخلوتية أخذ في بدايته طريق الخلوتي عن السيد محمد العباسي الخلوتي، قطب زمانه، وصحب الوالد مدةً، ولما ورد سأل عني وأرسل إلي متودداً، لمحبته في الوالد، مع شيخنا الشيخ العالم العلامة عبد الرحمن السلمي النحوي، وكان أخاه في طريق السيد محمد العباسي. وحكى رحمه الله تعالى، أن شيخه دعا له في رؤيا رآها وبشره فيها. قال: لما توفي شيخنا السيد محمد العباسي، وقام بالأمر بعده شيخنا الشيخ عيسى الخلوتي سنة ١٠٧٤، وذلك يوم السبت في ربيع سنة ١٠٧٤، ودفناه في الدحداح، نمت تلك الليلة كئيباً حزيناً لا أدري كيف أتوجه، فرأيت أني داخل التربة، وإذا بالقبر مفتوح، والشيخ جالس على ركبه، واضع يديه على ركبتيه معتمداً عليهما، قال: وكان هذا دأبه. فقال: يوسف بحذف حرف النداء أخذت على عيسى؟ خذ على عيسى فإني خلفته، فاستيقظت، وكان وقت آخر الليل، فقمت وتوضأت وذهبت إلى عند شيخنا الشيخ عيسى للمدرسة السميساطية، فرأيت ضوءه مشعولاً، فطلعت إلى خلوته بها، فرأيته يصلي التهجد، فوقفت إلى أن فرغ وسلم، فقال لي: لولا أرسلك السيد محمد العباسي ما جئت، اجلس، فجلست فبايعته. ثم في الليلة الثانية رأيتني داخلاً إلى التربة، وإذا بقبر الشيخ مفتوح، والشيخ جالس على الهيئة التي سبق ذكرها، فقال: يوسف بحذف حرف النداء أخذت على عيسى؟ قلت نعم يا سيدي، فقال: أسعدك الله. حكايته في الروم فأخذتني الأقدار إلى الروم، ولما وصلت إلى الروم جلست في خلوة في بعض المدارس، غريباً فقيراً، لا أحد يلتفت إلي مدة أربعة أشهر. فبينما أنا في بعض الأيام، وإذا بعبد أسود مكلف يقول: أين يوسف أفندي؟ فلم أرد، ظننت أنه يطلب أحداً من الأروام، فلم أرد ولم أخرج إليه. فقال لهم: يوسف أفندي الشامي، الذي جاء من الشام منذ أيام، فأشاروا إلي، ففتحت له فقال: قم كلم الآغا. فقمت معه إلى أن وصلنا إلى داره، فلما دخلت عليه قام واعتنقني وسلم علي سلام مودة بالغة، ولم يكن سبق لي صحبة معه ولا اجتماع. فأمرني بأني أُجعل خجا لأولاد خزنته فامتثلت، وأمر بأسبابي التي بالمدرسة أن يأتوني بها إلى مكانه الذي أنا فيه، وفرش أوضةً حسنةً بداره وخادماً، إلى غير ذلك من البر والإحسان والعلوفة مما لا يحصى، إلى أن ترقيت إلى المدارس إلى القضاء، وكل ذلك ببركة سيدي السيد محمد العباسي ودعاءه الذي دعاه. وفيه كانت الخلوة البردبكية بدمشق وذلك في محرم سنة ١١١٢، وكانت الخلوة تحكم في ذي الحجة في سنة إحدى عشرة، في ذي الحجة قبل محرم، فلذا لم تذكر في سنة إحدى عشرة، والله أعلم. يوسف الحنفي وفي آخره توفي يوسف أفندي بالإسهال، وصلى عليه الشيخ عثمان القطان، ودفن في البقعة المقابلة لشباك الشيخ أرسلان، وذلك يوم الاثنين في المحرم من السنة المذكورة، عفي عنه آمين. كارثة الحج

стр. 10

صفر: أوله ورد نجاب من الحج، يخبر عن الحج، ومعه مكاتيب ينبغي أن لا تحكى، لما صار في الحج بمنزلة هدية من المهانة. والذي كان قدام لم يشعر بما صار في الآخر، وفقد خلق كثير من الحجاج والأزلام، وأخذوا المحمل والسنجق وحريم الناس، وأُخذ صوان الباشا وحريم، واستفك الحريم والصوان بمال مقدار أكياس، وغالب التجار جاءهم القواس، والذي سلم من القتل مشى، ومن عجز عن المشي تورمت رجلاه فهلك جوعاً وعطشاً. وأخذوا للسقا باشي ثلاثين حملاً تفاريق. وأما الجمال والأموال والأحمال فلا تحصى، إلى أن وصلوا إلى العلا، أراد العرب يكملوا عليهم في العلا، ويأخذوا الحج كله بأحماله وقتل رجاله، فإذا هم بمحمد باشا كيخية حسن باشا، وابن المطرجي وباشة الجردة بنحو عشرين بيرقاً، وهي التي كانت مع الجردة، وفاتوا عنها بيوم، فحموا بقية المشاة وسلم. وشلح من له في عسكر الجردة ثوبين، يلبس واحداً ويلبسوا العراة من نساء ورجال ثوباً واحداً، لأن حريم الباشا تعروا وفكهم بعدهم. الجردة تدرك الحجاج وفي يوم النهبة صار بدمشق ظلمة عظيمة حتى ظهر نجم في السما وقت الظهر. وقتل بالرصاص رجل يسمى الشيخ إبراهيم الحافظ: قاتل العرب مع المقاتلين فجاءه رصاص قتله. قيل إن العرب كانت أربعة ألف بارودة، وأن الشريف أربعماية فرخ، ما تحملوا العرب ساعة حتى راحوا على السيف. وبقي الشريف، وأصاب الرصاص فرسه قتلها. ولما رأت العرب الكواخي والبيارق وعلموا بها قبل العلا ترفعوا بعدما فعلوا ذلك، لم يعلم لهم خبر. وكان مرادهم يفنوا الحج كله، ويأخذوا ما معه. الشيخ يوسف الحنفي وفي يوم الاثنين عشرين في صفر، توفي يوسف أفندي، قاضي قبرص المذكور سابقاً، وصلي عليه بالجامع الظهر، وصلى شيخنا العلامة الشيخ عثمان القطان، ودفن بتربة الشيخ أرسلان في الصفة المقابلة للشباك. دخول المحمل وفيه في آخر صفر، دخل الحج والمحمل ومحمد باشا أفندي، بعدما قاسوا من المهالك ما لا يوصف. فمكث الناس ثلاثة أيام من غير الماء لحيلولة العرب بينهم وبينه، فهلك خلق كثير من العطش، ولا قوة إلا بالله. حبس أمير الحج ربيع الأول، في أوله حبس الباشا أمير الحج محمد باشا أفندي بقلعة دمشق، وذلك في يوم الاثنين. وقيل إن رأس هؤلاء العرب الذين طلعوا بهدية، رجل يقال له الدبيس من أرض العلا. وفيه كان سفر آخر الحج الرومي، كأمين الصر ونحوه. ربيع الثاني، وجمادى الأولى، لم يقع ما يؤرخ. حسن باشا أميراً للحج جمادى الثاني، ورد الأمر الشريف بأمرية الحج لباشة الشام حسن باشا، وأرسلوا له تقويةً بأكياس. وأخذ نحو الألفين من الجمال، وأربعة آلاف قربة، غير بيارق كثيرة. وجمع الزعماء والدولة. وأخذ ذخيرةً لا تحصى. وصهراً للسلطان وفي رجب عقد نكاحه على أُخت السلطان مصطفى، وأرسل شيئاً كثيراً إلى الروم من التحف والخيل ونحو ذلك. وفيه ورد صاحبنا إسماعيل آغا بن الخطاب بتولية السليمية. وعلي آغا بن دلاور آغا بالسليمانية وبالعوارض والخراج، ودخل تحت أكياس. مقتل الشيخ زين العرودكي وفي يوم الخميس الخامس من شعبان، دخل الشيخ عبد الرحيم العرودكي، خادم الشيخ أبي بكر العرودك بالصالحية، على أخيه الشيخ زين ذي المئزر، فرآه مسكراً عليه الباب، ففتحه فإذا أخوه مذبوح مغطى باللحاف، وكان عند زين هذا بعض نزوة، وكان عزباً في دار وحده يعاشر العتورة والفساق، وكان متهماً ببعض الأمور، سامحه الله، وغسل بعد المغرب، ودفن بالجبل، ولم يعلم قاتله بعد، ورمي على حارة الشيخ عرودك مال. الخواجا عمر السفرجلاني وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من شعبان، توفي الخواجا عمر السفرجلاني، عن أربع وعشرين ولداً، ذكوراً وإناثاً، وصلي عليه بالأموي، وحضر الباشا للجامع، والقاضي وأعيان البلد، ولم يتخلف أحد من أهل دمشق، وكانت جنازته حافلة، ودفن بالباب الصغير. وكان يحب الخيرات ويكثر منها وعمر كم مساجد، وعمر مسجداً كبيراً له مئذنة، وله أوقاف ومبرات لا تحصى، وطرقات وقني، وله تعابين في الشهري والسنوي واليومي ما لا يحصى، ولم يكن في زماننا مثله في الخير، كان متواضعاً حليماً وقوراً.

стр. 11

وفيه ورد من الروم ابن شيخ الإسلام، مفتي السلطنة، قاضياً بمكة. وخرج للقائه الأكابر والأعيان، وجاء ناحية الصالحية ومر على تحت القلعة والباشا على يساره، وهو شريف، وخدمه أسعد أفندي خدمةً عظيمةً. رمضان، ورد الحج، نحو أكراد وداغستان، لكن الحج أقل من العام الماضي. مرض الباشا شوال: في أوائله، تمرض الباشا بالحميرا ودموية. وفيه حبس الباشا الرزنامجي محمد أفندي، ورفعه للقلعة، لكونه سكر، وذهب كسر باب كاتب الديوان من أجل غلام كان يحبه، فأخذه منه، فحمل إلى الباشا سكراناً. فأرسل الباشا خلف نائب الباب، عبد الرحمن أفندي الحلبي المتولي جديداً في الشهر المذكور، فأقام عليه الحد، ثم أرسله للقلعة، وهذا الرزنامجي يحب الأولاد والشراب، ولا قوة إلا بالله. أحمد الخلوتي وفي الأربعاء، سابع الشوال، صلي حاضرةً على الشيخ الفقيه الشيخ أحمد بن الشيخ جمعة الشافعي الخلوتي، وصلي عليه بجامع التوبة ودفن بالدحداح. وفي الشهر المذكور، كان تمام مدة السيد سيف الدين أفندي، وسافر في هذا الشهر إلى الروم. خروج المحمل ١٥ شوال وفي أحد عشر فيه، أُفرج عن الرزنا مجي على مال وفي يوم الاثنين خامس عشر الشهر طلع المحمل والباشا وفي السبت ثالث عشرين شوال دخل الحلبي. عبد الله العجلوني وفيه دخل باشة أدرنة للقدس ومعه نحو الألف خيال. وفي ثالث عشرينه أيضاً توفي العلامة زين الدين عبد الله العجلوني، وصلي عليه بالأموي، ودفن بالباب الصغير قرب بلال. حمام الذهبية وفيه تمت عمارة حمام الذهبية، وهي كانت أطباق فوق أطباق للذهبية وطواقي النساء، ثم بطلت الطواقي زمان إسماعيل باشا بدمشق سنة ١١٠٧، بإشارة الشيخ أبي المواهب الحنبلي المفتي، وجعلوا موضع تلك الطباق والأماكن التي تخربت وانتركت من تلك الحرفة وهدوها حماماً مليحاً للجامع، وهو حمام كبير من الغايات، وهو بدرجين مطل على جيرون والنوفرة، وتكلف الحمام كثيراً، وعمل في مقابله حوانيت، وفتح في عيد رمضان. حماما السلسلة وانتهى تجديد حمام السلسلة الصغير ووسع، وكان صغيراً جداً، قبل انتهاء هذا بسنة، ووسع أُوضةً زايدةً في حمام السلسلة الكبير بتولية متولي المدرسة، الشيخ عبد الرحمن أفندي المنيني. والسلسلة الصغير لبني الغزي، والكبير نصفه للسميساطية، والباقي لأربابه، والذهبية كله للجامع. يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة، وردت المزيربتية وأُخبرت عن الحج أنه بخير داود الترجمان وفي يوم الجمعة، رابع عشر ذي القعدة، دخل داود، ترجمان القاضي الكبير بالشام، حمام الذهبية، فمات عندما خرج، فغسل فيه، وصلي عليه بالجامع، ودفن بالباب الصغير. دخول القاضي الجديد وفيه دخل قاضي الشام إبراهيم أفندي، خجاة السلطان محمد بن عثمان، وذلك يوم الخميس، آخر الشهر من ذي القعدة، وجاء يوم الجمعة وصلى بالجامع. وفيه خطب بالجامع صهر المفتي الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد أفندي الشامي، لتمرض المفتي الشيخ إسماعيل أفندي، ولتمرض نائبه مدة مرضه، وهو مصطفى جلبي الأُسطواني. الباشا يرفض دفع الصر وفي الجمعة، وردت أخبار العلا وأن الديبس تطلب الصرة من حسن باشا فلم يعطه وقال: ما عندي إلا السيف وكلمه في ذلك أكابر دولة الشام، كإسماعيل آغا الكيواني، وكان معه في الحج، وغيره من الأعيان ليعطي، خوفاً على الحج في الرجعة، وحذروه من العرب، فلم يمكن أن يرجع إلى كلامهم، فتركوا الأمر، ولا قوة إلا بالله. محرم الحرام سنة ١١١٣ ٧ - ٦ - ١٧٠١ أمير المؤمنين الحكومة وأول محرمها الثلاثاء، وسلطان مملكة العرب والروم وبعض العجم السلطان مصطفى بن محمد خان، بن عثمان، وباشة الشام حسن باشا بالحج الشريف، والمفتي أبو الفدا إسماعيل أفندي ابن الحايك، والمدرسون على حالهم، والقاضي الكبير إبراهيم أفندي، خجاة السلطان، وكان من العلماء الأجلاء، يحفظ القرآن والشاطبية والألفية وشواهد النحو، مما لا يحصى من الأشعار والفنون. إلزام المدرسين بالدوام وفي مدته حرج على المدرسين في مباشرة الدروس في مدارسهم، وصارت المباشرة ولله الحمد

стр. 12

فباشر المدرسة الجقمقية مولانا أسعد أفندي، والبلخية مولانا محمد أفندي القاري، والظاهرية، مولانا عبد الرحمن أفندي القاري في الدرر والغرر، والكمال الشيخ يونس المصري بالتقوية، وفي السليمانية مدرسها مولانا علي أفندي العمادي، والنورية مدرسها عبد الرحمن أفندي بن أحمد أفندي، مفتي الشام سابقاً، والمفتي الجديد إسماعيل أفندي بالشبلية بالصالحية، وكانت وردت له الفتوى سنة ١١٠٨ هـ، وغيرهم في بقية المدارس. كارثة الحج سنة ١١١٣ ه ـ صفر في الخامس عشر فيه، وردت الأخبار بنهبة الحج من الدبيس في الرجعة عند أبيار الغنم، قرب العلا بأربع ساعات، بعد أن طلع طليعة بخمسماية فارس، فطلبوا الصرة، فقال الباشا: لا أعطي، ما عندي إلا السيف. سقوط القافلة بيد الدبيس وكان الباشا لما طلع للحج جيش جيشاً عظيماً، حتى لما دخل مكة ظنوا أنه السلطان، فاغتر في ذلك، فلما أيسوا من أخذ الصرة توجهوا للقتال، فكر العرب على عسكر الباشا وأخذوهم وشلحوا الأزلام وقتلوهم عن آخرهم، ومسكوا الحج، فكان على الجمل الواحد نحو الخمسة من العرب، فصار الحج مأسوراً إلى جهة الدبيس نحو غرب العلا، لا نحو الشام، بالخيام والصواوين والقضاة والكبراء، وأخذوا الحريم الذي في الحج كله، ومن شذ من الحجاج شلحوه أيضاً، أو قتلوه، فهفي أكثر الناس في الأرمان، وماتوا جوعاً وعطشاً، وأُخذ المحمل والصنجق، ووصل للعلا شرذمة قليلة من الناس، وبعض نساء عجايز عراة، ليس عليهم ساترة، وبقي الحج والجمال وأكثر الناس كالعرضى للدبيس، والنساء مأسورات، وغيرهن من الرجال والأولاد، والطفل يرموه، والعجوز يشلحوها، ثم يطلقوها. وهرب الباشا وحده مشلحاً، جلس تحت شجرة في الأرمان خارج العلا، وألقى على الشجرة ثوباً لأجل الظل. وأما الدواب، فكانت ترمي نفسها في البير لشدة العطش، وكان الحج تلك السنة كثيراً، لكن حزر على العرب الذين أخذوا الحج وقاتلوه ونهبوه نحو الخمسين ألفاً. وجمع الدبيس أموال الحج حتى بقيت الأموال كالبيادر، وأحمال التفاريق والدواب والجمال، مما لا يحصيه إلا الله تعالى. وكان للباشا في العلا بعض ذخاير، فذهب الباشا ماشياً إلى عند الدبيس غربي العلا، لفك المحمل والصنجق وقاضي مكة، صهر شيخ الإسلام بالروم، وشفعوا في تخت له وجملين، ورتبوا صراً لهذا الفكاك. أحوال الحجاج ثم من كان مع الجمال من المشاة والركاب أرسلوهم بالزلوط، والنساء أخذوهن. فأخذوا يمشون في البادية لا يدركون كيف الطريق، حتى هلك غالبهم. حتى من مر من هناك يرى الأموات من الرجال والنساء أجواقاً أجواقاً موتى. ولما ذهب حسن باشا إلى عند الدبيس، قام إليه زيدان، ابن أخيه وضربه على وجهه جرحه، فزجره الدبيس، قاتله الله. الباشا يفتدي الصنجق والمحمل ولم يقع أشد من هذه السنة للحج ولا أبلغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فرجع المحمل والصنجق وقاضي مكة والكل عراة جلس في التخت عارياً على الدف. ففي ثاني يوم، وصل محمد باشا بن بيرم، فأركب المنقطعين، على كل جمل اثنتين وثلاثة، ووزع أسباب الحجاج والجرداوية على الحجاج، ثم رحلوا بعد هذه المقاساة، فما قطعوا منزلة العلا، إلا توفي قاضي مكة ودفن في الطريق، رحمه الله تعالى. وفاة قاضي مكة وكانوا أنزلوه من التخت وعروه، فأخذ يمشي مع كبر سنه إلى أن وصل للعلا، ولعله حصل له من دله على طريق العلا. دخول الحاج ٢٢ صفر وفي يوم الأربعاء ثاني عشرين شهر صفر، ورد الحج الشامي في حال غريبة، كلهم مشاة، حتى السقا باشي، وأمين الصرة، وجماعتهم وغيرهم، لأنه ما فضل عن الدبيس ولا دابة ولا جمل، كله راح، لأنهم أخذوا الحج على نحو خمس درج، فإن الحج كان متوجهاً للشام، صار كله نحو الدبيس بجميع ما فيه، والذي يهرب، يترك أحماله وعياله بعده، ولا يفلت منهم أصلاً، ولو ذهب من أي جهة. ولم يصل لا تخت ولا محارة ولا جمل ولا دابة إلا ما كان للجردة والباشا في العلا استعير له ماعون منها ليطبخ له شيء، وفيوا على رأسه بعباءة، ووصل فقيراً لا شيء له أصلاً. وأما التجار فلم يأت معهم الدرهم الفرد، والمقومين لم يبق لهم شيء، ولا ثوب ولا جمل ولا دابة، بل الكل بالزلوط، وما وصل إلا من كان عمره طويل، لأنهم يقتلوا ويشلحوا.

стр. 13

ولم يقدر الباشا يدخل مع المحمل، بل دخل كيخيته محمد باشا، وقاضي الشام، ولكن باشة القدس ابن بيرم، ظفر بجمال للعرب، نحو ثمانين، فأخذها، فاستعان بها على المنقطعين، وبلغه الخبر لما وصل لتبوك، فأسرع للعلا، وكانت النهبة في أبيار الغنم، موضع العام الماضي. باشة القدس ينجد الحجاج ولما وصل باشة القدس للعلا، رمى الناس تحت النخل عراةً لا خيام ولا شيء أصلاً، ولا شيئاً من المأكول والعليق، ولا جمال ولا دواب، والباشا تحت شجرة فوقها عباءة، وذخيرة العلا فرقها على الحجاج. وأردف ابن بيرم جماعته على خيل: اثنين اثنين، والجمال اثنين أو ثلاثة وبالدور، ولولا ابن بيرم وصل العلا، لهلكوا عن آخرهم لعدم الذخيرة ودراهم للشراء. وتعوق الحج عن عادته اثني عشر يوماً، والعادة أنه في خامس صفر، ولكن تعوقوا حتى خلصوا المحمل. سفر الباشا وبعد مدة سافر الباشا وحده، ومعه آغا المفردة، ولم يجعل موكباً ولا طبلاً ولا زمراً خوفاً من العامة، وفي الدخول دخل ليلاً ولم يشعر به أحد، ودخل مع المحمل الكيخية فقط. وحسب مال الحج الحلبي وحده سبعة عشر كيس، وإذا كان كذلك، فما بال الحجوج الباقية، والحلبي لا يجي الربع. وصار مع العرب من التحف والذخاير والتفاريق وثقل الباشا ونحاسه وخزنته وصوانه والفرش والدواب والفراء المكلفة من السمور ونحوه، مثل التفاريق السلطانية وأموال جميع من في الحج. والخواجا ابن بيرك الحلبي، كان معه أحمال من الذهب والفضة، نحو مايتي كيس فأكثر، أو خمسماية، لأجل الصرف، وفيه من هو مثله وأمثل، وهذا قدر الصر ألف مرة، وكله من حبس المال وترك الصدقة. حكاية الصر وهذا الصر من جملة أوقاف البر، معدود من الصدقة، فلما منعوه، انظر كيف صار، ولو دفعوه لدفع الله عن الحج هذا السوء الذي صار. وكيف حال، من له علوفة أو صدقة أو رزقة وتنقطع! أما يروم القتل عليها ويستسهل إهدار دم نفسه؟ وهؤلاء العرب تنتظر الصر من السنة للسنة، واعتادوا عليه، ولكن المقدور ما منه مهروب. خلق السبب والمسبب، فلم تقدر الصدقة، فلم يقدر الحفظ من أذى هؤلاء. أحاديث عن فضل الصدقة قال ﵇: اتقوا النار ولو بشق تمرة. وقال ﵇: الصدقة تدفع ميتة السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، رواه الترمذي وغيره. وعن أبي ذر الغفاري قال: الصلاة عماد الدين، والجهاد سنام العمل، والصدقة شيء عجيب قالها ثلاث مرات. وسئل عن الصوم فقال قربة فليس به هناك، قيل فأي الصدقة أفضل؟ قال أكثرها، ثم قرأ: " لن تنالوا البّر حتَّى تُنفقُوا ممَّا تحبُّون "، قيل فمن لم يكن عنده ذلك؟ قال: بعفو ما له، يعني يتصدق بفضل ماله. قيل فمن لم يكن عنده مال؟ قال بفضول طعامه. قيل فمن لم يكن عنده ذلك؟ قال يعين، بضم الياء وكسر العين وسكون الياء الثانية. قيل فمن لم يفعل؟ قال يتق النار ولو بشق تمرة. قيل فمن لم يفعل ذلك؟ قال يكف شره عن الناس ولا يظلم أحداً ذكره السمرقندي. قلت: والكلمة الطيبة صدقة، وسقي الماء صدقة. وعنه ﵇: ما من رجل يتصدق بصدقة يوماً وليلةً إلا حفظ من أن يموت من لدغة أو هدمة أو موت بغتة. وفي حديث أبي هريرة: ما نقص مال من صدقة وعن ابن مسعود: درهم ينفقه أحدكم في الصحة أفضل من مائة يوصي بها. فضائل الصدقة العشرة قال بعضهم: في الصدقة عشر خصال محمودة: خمسة في الدنيا، وخمسة في الآخرة أولها تطهير المال كما قال ﵇: إن بيعكم يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة. والثاني تطهير البدن، كما قال تعالى: " خُذْ من أموالهم صَدَقَةً تُطهِّرهم وتزكّيهم بها ". الثالث أن فيها دفع البلايا والأمراض، كما قال ﵇: داووا مرضاكم بالصدقة. الرابع، فيها إدخال السرور على المساكين، وأفضل الأعمال إدخال السرور على أخيك المسلم. الخامس أن فيها سعة المال وسعةً في الرزق، كما قال تعالى: " وما تنفقوا من شيءٍ فهو يخلفُهُ وهو خير الرَّازقين ". وأما التي في الآخرة: أولها أن تكون الصدقة ظلاً لصاحبها في الآخرة من شدة الحر. الثاني أن يكون بها تخفيف الحساب. الثالث أنها تثقل الميزان. الرابع أنها نور على الصراط. الخامس أنها زيادة في الدرجات في الجنة. دخول أصلان باشا

стр. 14

وفي آخر صفر توجه حسن باشا خفيةً بغير طبل ولا زمر، بغير موكب. وفي يوم الأربعاء، خامس ربيع الأول، دخل كافل دمشق أصلان باشا اللادقي، وكان كافلاً بترابلس، وأن مال ترابلس الذي عليه يصرفه على الحج، ودخل بموكب حافل من على السنانية. وفي الجمعة سابع الشهر، صلى الجمعة بالجامع الكبير، وقدامه الريش والإيباشية والجربحية والجاويشية والكواخي، وانكبت الناس عليه للفرجة. الباشا يسترضي العرب وفي جمادى الأولى، أرسل طيب خاطر كليب، وأعطاه صرته وسلفةً عن السنة القابلة كم كيس، على أن يتضمن أمر الحاج إلى المدينة، ويتكلم مع الدبيس، شيخ بلاد العلا، وفرق على العرب قماشاً وجوخاً وأكرمهم، وأرسل هدايا وطيب خاطر الكل. وأنه لا يقطع عليه من الصر شيئاً، وعرض له بأمر الصلح للسلطنة، والله يحسن الحال. الشيخ إسماعيل الحايك وفي جمادى الأولى، يوم الاثنين، الثالث عشر منه، توفي مولانا العالم العامل العلامة مفتي الإسلام الشيخ إسماعيل أفندي المفتي بدمشق، والخطيب بها، الشهير بابن الحايك. كان علامة وقته في العلوم، وانتهى فقه الإمام الأعظم إليه. وتوفي بمرض الاستسقاء، وصلي عليه الظهر بجامع المصلى، ودفن شرقي أُويس، ﵁، آمين، وتولى الخطبة مصطفى جلبي الأسطواني، والفتوى بعد لم تأت من الروم. منصور الدرزي في دمشق وفي جمادى الثاني، جاء الأمير منصور الدرزي مع باشة الشام، وهو الذي كان تزوج الامرأة بلا عقد نكاح، وتقدم ليواجه به الأكابر، ونزل دار مرتضى باشا قبلي الشالق، وشمالي جامع البغا. وعمله الكافل آيا باشياً وصنجقاً على وادي التيم، وصار يأتي إلى عنده الأكابر، وفتح بابه. غرامياته في صفد وكان منصور الدرزي يحب النساء، حتى نزل على بنت بصفد، في بيت أبيها، فكتفه وفتح البنت. وكان بلغ أهالي دمشق أموره، حتى أرادوا يجيشوا عليه عسكراً كثيفاً. ثم إنه في دمشق، أراد أن يتصرف فيها وتم على ما هو عليه من الفحش، خصوصاً وأن كلمته نافذة عند أصلان باشا، وصار الناس تروح وتجيء إلى عنده وبعض الأكابر الذين انتفعوا به. حكايته مع المرأة الدمشقية وصار يطلب نساءً، كلما سمع بامرأة يطلبها خفيةً، حتى إنه سمع بامرأة بالميدان حسناء، فراح إلى عندها، ومعه من جماعته اثنان. فبينما هو في دارها، وإذا برجل من تركمان الحقلة ينكجري، دخل عليه ومعه دبوس وقال: ما تعمل هنا؟، فارتبك منه وفزع فزعاً شديداً، ثم قوى نفسه وقام إليه منصور. فلما قام إلى الينكجري ضربه بالدبوس على رأسه أرماه إلى الأرض، وإذا بنحو من عشرين حقلجياً دخلوا إليه مسكوه وفعلوا معه الفاحشة، ثم عرضوا عليه القتل فاستغاث، فقالوا: الذي يتخطى حريم المسلمين له أكثر من ذلك، ثم إنهم أطلقوه وأخذوا ما معه وشلحوه. فخرج من بينهم حافياً بقنباز وقميص، وأخذوا الباقي. وصار هذا الخبر مع النساء والأولاد وعملوا فيه الغناني، والمغنون تقولها، وتم ذلك أكثر من شهر. ثم خرج إلى بلاد الدروز بلاده، وقيل إن المرأة لم يكن بها شيء، وخذل الله الملعون على يد التركمان الحقلجية، ولله الحمد. حكايات أخرى عنه وهذا بعد أن صيره أصلان جربجياً بريشة، ثم صار صنجق وادي التيم، وكان مراده أن يتهجم على نساء الأكابر وينزل على البيوت بجماعته، كما كان فسد في صفد، لأنه كان بها، كلما سمع ببنت حسناء أو امرأة كذلك، جاء إليها ليلاً ومعه كم بارودة مع جماعته ويكتف أهلها من نساء ورجال، وكل من زعق قتله، ويرسل كيخيته حتى لا يطلع عليه أحد، ويصيح ويقول: ما رحت ولا جيت، ولكن " كفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويَّاً عزيزاً " الشيخ محمد القطان ثالث جمادى الثانية. في السنة المذكورة، سنة ١١١٣ توفي الرجل الصالح الشيخ محمد القطان الفاضل الفقيه النحوي الشافعي الخلوتي بالصالحية، وصلي عليه بالخاتونية، ودفن بالسفح. قرأ في بدايته على الشمس بن بلبان، وحفظ القرآن، وأخذ عنه عيسى الخلوتي، وكان صالحاً ورعاً متعبداً ناسكاً لا يقطع قيام الليل، وكان يتحرف بالقطن، ويأكل من كسبه. رجب لم يقع فيه ما يؤرخ. الشيخ عمر التغلبي

стр. 15

وفي شعبان، أوله، توفي بالصالحية الشيخ عمر بن الشيخ رسلان التغلبي عن نحو سبعين سنة، ودفن عند العجمية بقاسيون، وهو من ذرية الأولياء وأرباب الأحوال، وأخرجوا معه الأعلام، بفتح الهمزة. تعيينات وفيه وردت الفتوى للشيخ أبي الصفا بن أيوب، وخطبة الجامع لمصطفى جلبي الأسطواني، مدرس الجوهرية، بعد إسماعيل أفندي المحاسني. وافتى في مدة شغور الفتوى، إلى حين الجواب من الروم، مولانا الشيخ عبد الغني أفندي النابلسي. شهر رمضان: ورد حجاج من الروم من كل فج. شوال: كان العيد الاثنين. القافلة وفي حادي عشره طلع الحج، والمتعين عليه الأمير كافل دمشق أصلان، باشة الشام. محمد باشا وفيه بلغنا أن محمد باشا، كيخية حسن باشا، قتله السلطان، لأنه كان ضمن أمر الحج لحسن باشا المنهوب، وأعطى حسن باشا المنهوب قلعةً بعيدةً في أطراف بلاد الروم. الثلوج تعيق الحجاج ذو القعدة: وردت في أوله المزيربتية، وأخبروا عن الثلج أنه كان كثيراً بحيث كاد الحج أن يهلك، حتى اجتمعوا ودعوا واستغاثوا إلى الله سبحانه من شدة الثلج وكثرته نحو عشرة أيام، وصار على الخيام قامات، وراح جمال وخيام في طريق المزيريب. الشيخ إسماعيل بن بيليك وتوفي بالدنق إمام الباشا الشيخ إسماعيل بن بيليك، ولم يكن في دمشق أحسن صوتاً منه، وذلك عند الصنمين، ودفن في الطريق والحج ماش ﵀. الشيخ عبد القادر الدسوقي ذو الحجة: أوله الأحد، يوم الخميس الخامس، فيه توفي الشيخ الصالح الولي السيد عبد القادر الدسوقي، وصلي عليه بالأموي الظهر، ودفن بالباب الصغير، وكانت جنازته حافلة لم يعهد مثلها من سنين. مقتل أمير نابلس وابنه وفي الشهر المذكور قتل الأمير ابن الشافعي النابلسي، من أمراء نابلس وأكابرها. وفي ثاني عشر، فيه قتل ولده، وأُرسلت رؤوسهما إلى الروم وبقيا كل منهما عند باب السرايا ثلاثة أيام. طرد ابن القواس من نابلس وفيه لم يتم لابن القواس أمر نابلس، وجيشوا عليه. وفيه ورد قبلان لدمشق، وسافر لنابلس، وعمل صلحاً بينهم وبين ابن القواس ليدخل إليها، لأنه أُعطي كفالتها، ولم يمكنوه منها لما صار منه في المرة الأولى، فإنه عاد وفسد وخرب دور بعض أكابرها، وقتل رجلاً شريفاً صالحاً، وفحش في تلك الديار ما لا مزيد عليه. وكان في زعمه أن ذلك أخذ ثأر للباشا الذي قتلوه في السنة التي قبل سنة. ثم أراد قبلان حين وصل، الصلح، فلم يمكن، فعاد ابن القواس ترك الأمر، وعاد إلى دمشق لداره، ثم بعد أيام ورد لها كافل من الروم ولم يتعرضوا له بشيء. الشيخ معتوق وفي ثامن عشر ذي الحجة، توفي الرجل الصالح الشيخ معتوق في الصالحية من مجاوري العمرية بالطاعون، وغسل بها وصلي عليه بجامع الحنابلة، ودفن بالروضة، فوق صفة الدعاء. محرم الحرام سنة ١١١٤ محرم الحرام سنة أربع عشرة وماية وألف ٢٨ - ٥ - ١٧٠٢ أمير المؤمنين الحكومة وسلطان ممالك الروم، وبعض ممالك العرب وبعض ممالك العجم مصطفى خان بن محمد خان بن عثمان. والوزير بدمشق أصلان باشا اللادقي. وقاضي الشام إبراهيم أفندي، خجاة السلطان محمد. والمفتي بدمشق مولانا أبو الصفا أفندي. والمدرسون على أحوالهم. في عاشره، عزل قاضي الشام، وتولى نيابة الباب عبد الرحمن أفندي الحلبي. نجم طويل وفيه طلع نجم طويل بذنب، كان أوله عند الربوة من نجمة صغيرة، إلى مادنة الجامع الكائن بالأبارين، ثم اختفى بعد أيام. وفي تاسع عشر محرم، دخل الحج وأصلان باشا والمحمل، ولم يعرض شر، وأما الدبيس فصالحه الباشا وأرضاه، وذلك يوم الجمعة. مقتل أزعر وفيه أن شخصاً كان يحب إنساناً، فوداه في تربة باب الصغير فقتله، فمسكوه وجيء به للحاكم. فأرسل إلى عمه الحاج حسين آغا، خادم نبي الله يحيى ﵇، فقالوا: هذا قاتل ابن أخيك، وقد أقر بالقتل، وهذه الشهود، فقال أنتم في حل من قتله، هذا مستاهل القتل من زمان، وذكر مساويه، فعاد الحاكم أخرج القاتل وأطلقه. صفر: لم يقع ما يؤرخ فيه. دخول القاضي الجديد ووفاته

стр. 16

وفي ربيع الأول، في أوله، ورد قاضي الشام الجديد مصطفى أفندي الرومي من الروم، ولم يصل الجمعة إلا مرةً واحدةً، وذلك جمعة دخوله، ثم تمرض بالإسهال والدم نحو عشرة أيام، ففي يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، توفي القاضي المزبور، ودفن عند بلال ﵁. وفي شهر ربيع الثاني، ورد يوم أوايله، ابن شيخ الإسلام من مصر، وهو الذي كان قاضي مكة، وتقدم ذكره في دخول دمشق. خليل الموصلي عاشر ربيع الثاني توفي مولانا العالم الماهر العلامة تقي الدين خليل بن الشيخ الأديب الأكمل، الماهر الأريب عبد الرحمن الموصلي، بالسكة غربي الصالحية، وصلي عليه بالسليمية ودفن عند ضريح تربة الشيخ الولي الشيخ محمد الزغبي، بالزاي المعجمة والغين المعجمة، جواره، غربي القبة. وكان من العلماء الأجلاء. اشتغل في فنون كثيرة من الفقه والأصول والنحو والصرف والفرايض والحساب والجبر والمقابلة وعلم الفلك والهيئة والهندسة والمساحة، حتى في وضع الأوفاق وعلم الشمس وغير ذلك. قرأت عليه حصةً وافرةً في شرح جمع الجوامع في الأصول ورسالة الأندلسية في العروض، ﵀ وعفا عنه. محيي الدين السلطي وفي يوم الاثنين، ثالث ربيع الثاني، توفي شيخ الأدب بدمشق، الشيخ محيي الدين السلطي الماهر الناظم، وهو قيم الأدب ومرجع أصحاب فن الموسيقى والطرب. له ديوانه المشهور، وله كتابه الجمانات بالأدب وهو من ذوي النكت والنوادر، وصنف في علم النحو ومن نظمه: شعره: قالت الحسناء يا من في شجن ... هل فني بالله حسني يافنن أو لحالي شبهٌ قلت فمن ... ربّ خالين مطبوعين من تعطني منك على صحنٍ ذهب ... فهو ممنوحٌ وإن صدّ وإن منائي رشف ريقٍ من فمٍ ... فإذا لام عذولي قلت: من حسن عذاريه بدا عذري ومن ... وجنته أصبح الورد مجن وله موال قوله: ربّ خالين مطبوعين مقرونين ... تعطي مسك على صحنين ذهب خدين من عذاره بدا عذري من الخدّين ... الورد أصبح عجب زاهي على الخدّين الخد الأول خد الدمع وطريقه في وجهه وهو أثر الحرمان، وهو سواد في الخد، والخد الثاني: الوجنة. وصلي عليه بالأموي ودفن بالباب الصغير. دخول المتسلم الجديد آخر ربيع الثاني، ورد متسلم الباشا الجديد وعزل أصلان من إمرية دمشق والحج. وفي ثامن عشره ورد له إقرار بالإمرية وباشوية ترابلس، والله يحسن الحال. وفي آخره سمع بقرب الباشا الجديد، فخرجت الملاقية فلم يروا له خبراً، ثم ورد أنه معزول فخفف المتسلم وهرب ليلاً، ولم يحاسب على المال الذي أخذه، ثم إنهم عاودوه وقالوا له: خروجك على هذه الكيفية لا يليق، حتى يجيء المتسلم الجديد، وتتحاسب أنت وإياه، وهو إلى الآن، ولم يعلم الغداة بعد لمن يتوجه. الشيخ أحمد البعلي يوم الخميس آخر جمادى الثاني، توفي الشيخ الصالح الفقيه العالم الكامل الفرضي النحوي الشيخ أحمد بن السبحان البعلي الحنبلي مفتي بعلبك في مذهب أحمد، وصلي عليه بجامعها، ودفن عند الشيخ العارف الولي، عبد الله اليوناني الحنبلي. أخذ الفقه الحنبلي عن الشمس بن بلبان بدمشق، وجاور بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر لأجل القراءة عليه، وقرأ في العربية والفرائض والحساب، وتقدم ذكره في الأول. ولاية محمد بيرم باشا رجب وفي يوم الأحد ثامن عشره، دخل باشة الشام محمد باشا بن بيرم الأركلي، منفصلاً عن القدس الشريف. وفي ذلك اليوم خرج باشة القدس إليها، ويقال له أشقر محمد باشا، وخرج لوداعه الأكابر، وكان أشقر مهاباً عليه السكينة والوقار، يكره الظلم، غاية في العلم والحلم والأدب. شعبان، لم يقع ما يؤرخ فيما أعلم. اغتيال الشيخ محمد الخطيب رمضان ثامن عشرينه، توفي الفقيه العالم العلامة مفتي الحنفية ببلدة بعلبك الشيخ محمد بن عبد الرحمن الخطيب الحنفي مقتولاً بالرصاص ببندقية من بعض الأعداء، في أوضته في داره خارج الحريم، وكان عنده ولده وبعض أصحاب، ومعه كتاب يطالع به بعد ما جاء من صلاة التراويح من جامعها الكبير، ففتح رجل الباب سراً أطلقها فجاءت في صدره، فقتل في الحال، ولم يعلم له خبر إلى الآن.

стр. 17

وكان من الفضل والعلم على جانب عظيم. له اجتهاد كلي، وكان يعمل درس الحديث في الثلاثة أشهر بالجامع، وقرأ بدمشق على أفاضلها مدةً مديدةً، وله فهم ثاقب لا يفتر عن المطالعة ولا لحظة، وهو من ذوي المال والثروة، وربما إنه كان في سن الثلاثين، وتوفي المذكور بعد حسين آغا كتخدا شيخ الإسلام، وبعد المفتي الحنبلي الشيخ أحمد بن السبحان. وكل من هؤلاء، ممن اعتصب على الشيخ محمد بن مفتي الشافعية البهائي الشافعي، وكان له سنة في حبس دمشق، وتوفوا الثلاثة في السنة التي حبسوه فيها، فأُخرج بالضرورة، لأنهم توفوا في أواخرها. والبغي مصرع مبتغيه وخيم. فقد ورد في الحديث عنه ﵇ فيما رواه حميد عن ابن عباس ﵄ قال: أوصى ﵇ رجلاً بثلاث خصال، فقال له: أكثر من ذكر الموت ليشغلك عما سواه، وعليك بالشكر فإنه زيادة في العمر والرزق، وعليك بالدعاء فإنك لا تدري ما يستجاب لك. وأنهاك عن ثلاثة: لا تنقض عهداً، ولا تسعى على نقضه ولا تستمر على معصية، وإياك والبغي، فإنه من بغي عليه لينصرنه الله، وإياك والمكر فإنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله. ذكره الأردبيلي في تفسيره. ولا زال مضيقاً على المزبور إلى أن قيل: القول قول شيخ الإسلام وأولاده وأحفاده في سائر بلاد بني عثمان، وهذا راجع، وبه أُخرج كما ستأتي قصة قتله، فله نحو السنة وأشهر بالقلعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قافلة الحج ٣٠٠٠ جمل شوال في أوائله سافر للحج الشريف محمد باشا بن بيرم، وخرج المحمل والحج وكتب عسكراً من المغاربة والهنود والروم والأكراد، وجمع جمعاً كبيراً وطيب خاطر كليب وأعطى الصرر بتمامها إلى أربابها، ولم يعارضه معارض حتى رجع، وكان معه من الجمال ثلاثة آلاف جمل. ذو القعدة، وفيه كثر الوباء والطاعون ولا قوة إلا بالله. الشيخ محمد الأكرمي وفي يوم الأربعاء تاسع عشرين ذي الحجة، توفي الشيخ محمد بن الشيخ حسين الأكرمي الحنفي الصالحي، من خدام الشيخ محي الدين بن عربي، وذلك بالطاعون، وكان تزوج جديداً من نحو أربعة أشهر. وصلي عليه بالسليمية ودفن بالسفح قرب إلايجية. الشيخ عبد القادر الصمادي وفي يوم الخميس في اثني عشر من ذي الحجة، توفي الشيخ عبد القادر الصمادي صاحب الطريقة الصمادية القادرية، عن ولد صغير وأخ كبير يقال له السيد صالح. وكان المذكور عهد لولده، فعاد الأكابر وأقاموا مكانه أخاه السيد صالح، وسكن دار أخيه، واستولى على جميع ماله وصلي عليه بالأموي ودفن قرب سيدي بلال، ﵁. محرم الحرام سنة ١١١٥ ٢٧ - ٥ - ١٧٠٣م الحكومة وسلطان مملكة العرب والروم وبعض العجم مصطفى خان ابن محمد خان ابن عثمان، والباشا بالشام ابن بيرم بالحج الشريف، وقاضي الشام إبراهيم أفندي، والمفتي أبو الصفا أفندي، والمدرسون والدولة بحالهم، وأوله الخميس. عمر جلبي الجابي وفي رابعه، يوم الأحد، توفي عمر جلبي الحلبي بالطاعون، من كتاب المحكمة العسكرية، عن وظائف كتبها كلها على ولده عبد الرحمن أفندي الحلبي، ودفن بتربة باب الفراديس. محمد شاهين وفي يوم الجمعة تاسعه، توفي بالصالحية محمد جلبي ابن شاهين، ترجمان المحكمة العربية، وهو من ذرية الحاجب الأمير درويش محمد، صاحب الجامع بالصالحية، قبلي المدرسة العمرية، وصاحب الخانقاه الكاينة فيه، وصلي عليه بالسليمية، ودفن بالسفح أعلى العجمية، عند تربة الحاجب، وقام مقامه ولده إبراهيم جلبي، وكان عاقلاً كاملاً كثير النصت، وهو متولي الجامع المذكور. الشيخ إبراهيم الخلوتي وفي حادي عشر الشهر، الثلاثاء، توفي مولانا الشيخ إبراهيم بن الوجيه أيوب الخلوتي، صاحب الطريقة الخلوتية، وشيخ السلطنة العثمانية، وصلي عليه بالأموي، ودفن بتربة الفراديس الشرقية عند والده العارف أيوب، رحمه الله تعالى، وكان صاحب ثروة، وعليه تدريس المدرسة الحافظية قبلي الشبلية، ومدخولها حسن جداً. وكان حسن الصوت. أخذ طريق الخلوتي عن السيد محمد غازي الحلبي، خليفة إخلاص دده الخلوتي، وأذن لبني أيوب بالخلافة، فجلس الشيخ إبراهيم وبايع، ثم بعد مدد طويلة كبر سنه، وتعب من المداراة وأخذ الخواطر، فأجلس مكانه أخاه الشيخ أبو السعود الخلوتي المبايع لغازي، وبايع وأقام طريقته إلى أن توفي. عفي عنهم آمين.

стр. 18

قاسم آغا وفي يوم الاثنين، ثالث صفر الخير، توفي الشاب الكامل قاسم آغا ابن قاسم آغا متولي السنانية بالطاعون، وأُعلم له، وصلي عليه بالجامع الكبير عن ولد صغير، فأُقيم وكيل في التولية، يقال له السيد حسن، ولم يعلم لمن تتوجه، بل بني قاسم مشروطون في التولية بشرط الواقف. دخول المحمل ١٠ صفر وفي التاسع منه وهو الأحد، وصل الوفد عند العصر، ودخل يوم الاثنين المحمل والباشا بموكب عظيم، ونزل الباشا بالميدان الأخضر، وأخبروا أن الباشا سلب مقرر أكري بوز وحطه في القيد في قلعة تبوك وصب في قيده الرصاص، وكان كتخدا عنده في طريق الحج، قيل بلغه أنه يسبه وشتمه، وقيل إنه أراد أن يكتب لبعض عرب صبرا، وكانوا جعلوا له مالاً. زيدان يهاجم الجردة وفي قلعة معان خرج على الجردة زيدان أخو الدبيس، ونهب ما فيها وأراد الرجوع بعد ذلك على الحج، فبلغ كليب فركب هو وأميرها ابن القواس فكسروه. ولما دخل الباشا إلى معان كان عسكر الجردة راكباً على زيدان، فصبر الباشا حتى يجيء الخبر، وإذ بالبشاير وردت بالكسرة لزيدان، لأن الباشا بمجرد ما وصل أراد اللحوق بهم فصبروه إلى العشي، فعند العصر جاء الخبر بالنصرة على الجلالية، ورجعوا بالغنيمة، ولله الحمد. محمد الاسطواني ربيع الأول، وأوله الأحد، توفي مولانا القاضي محمد أفندي ابن الاسطواني، الباش كاتب بمحكمة الباب، ودفن بمقبرة الفراديس. سليمان القادري وفيه، ربيع الأول، الأربعاء رابع ربيع الأول، توفي بالمرض العام السيد سليمان خادم الشيخ رسلان بن سليمان القادري، ومدرس جامع السلطان سليم بالصالحية، وخطيب التكية السليمانية، عند الميدان الأخضر، وكان عليه وعظ بالسنانية نحو أربعين عثمانياً، وغير ذلك، بل قيل كان عليه ألف عثمانياً. درس بعد العصر في الثلاثة أشهر عند محراب الشافعي مدةً ثم ترك، ودرس مدةً بين العشاءين في الحديث والرقائق مدةً ثم ترك ذلك، فوجه التدريس لمولانا الشيخ عبد الغني، والوعظ للفاضل البارع الشيخ عثمان بن الشمعة الشافعي، والخطابة وبقية الوظائف على ولده مولانا السيد أحمد. الشاب محمد عويدات وفي يوم الأربعاء أواسط شهر ربيع الأول، توفي الشاب الطالب العلم الشيخ محمد بن الحاج عبد المحسن الشهير بابن عويدات الصالحي الحنفي بالمرض العام، بالصالحية، وكان تولى كتابة الصكوك بالعونية، خدم الطلب مدةً، فقرأ طرفاً في النحو على الشيخ خالد، وشرح القطر إلا كراس، والقواعد الهشامية، في المنطق لحسام كافي، وحاشية البردعي عليه، وملا جلال وشرحه للقاضي، وحصة من شرحه الكبير للكلائي، وحصة من شرح الفنري للتمري الهندي إلى بحث الجنس، ورسالة ملا حنفي في آداب البحث، وفي شرح المختصر إلى حد الفصل والوصل، وكان يعرف العربية والتركية والفارسية، وله نظم، ومن نظمه قوله: شعره: عليك بعلم المنطق البهج الذي ... به الإنسان إن قام أو دعا يقلّد نحر النّاس عقداً منظّماً ... ويلبس للأفكار تاجاً مرصّعاً وله: النّحو يرضع للأذهان من لبنٍ ... لو شابها نور ذاك البدر لانكسفا فكلّ من يرتوي من شربه أبداً ... من الأفاضل معدودٌ من الشّرفا وأنشد في بعضهم له مواليا قوله: ما حرّك العشق إلا قدّك الميّاس ... يا من ضيا ورد خدّه فاق على الماس من عانقك يا مهفهف بعد ردّ الكاس ... حظي على عزّ ما نالو بنو العباس وصلي عليه بعد العصر، ودفن بقاسيون في الروضة. عسكر التجريدة وفي ثاني عشرينه دخل جلبي يوسف باشا، باشة حلب، ونزل صدر الباز، وكان أميراً حليماً من خيار الناس، ومعه نحو الألف خيال وزعماء حلب، وذلك للركوب على جلالية العرب، وهو سردار على سبعة باشاوات، وبعده بثمانية أيام، ورد قرا بولاد العبد، ومعه نحو الخمسمائة. فتنة كبرى في العاصمة

стр. 19

ثم وردت الأخبار بحصول فتنة عظيمة بإسلام بول من العسكر والرعية، لكون أن شيخ الإسلام أشار على السلطان مصطفى، بقطع علايف القول ممن لا يصلح للسفر لصغره أو كبره، ومن أجل أن شيخ الإسلام جعل مالاً للنصارى ومكنهم من عمارة قلعة شمالي إسلام بول، ومن كونه شاع عنه الرفض، فقام القول والرعية على السلطان، وأن يسلمهم شيخ الإسلام، فهربا إلى محروسة أدرنه. قضية شيخ الإسلام وكان النصارى طلبوا المال، فضاق الحال، فعمل شيخ الإسلام الحيلة في قطع العلايف. كذلك ولعدم السفر، واستيلائه على مناصب المملكة: فالوزير صهره، وقاضي استنبول ابنه، والآخر قاضي مكة، وقاضي العسكر والنقيب وقائم مقام من أقاربه، ويعزل من شاء، ويركب من شاء. فقامت عليه الرعية والدولة، وهم ثمانون ألفاً ومعهم جميع أهل إسلام بول، فخيموا الخيام ليركبوا على أدرنة بعساكر وأجناد لا تحصى مع التوابع من الرعية، فقالوا للسلطان: لو علمنا أن علينا للنصارى جوالي ما تركنا القتال. فقال هم: ما المراد؟ فقالوا شيخ الإسلام وكانوا قتلوا من أولاده ومن جماعته بإسلام بول، حين المواجهة بأدرنة مع أهالي استنبول فقيل: ما المراد؟ قالوا العزل أو تسليم شيخ الإسلام. الفوضى في استانبول وحصل بسبب شيخ الإسلام اختلال وطمع بالغ فيما وضب لهم من المال والإذن لهم بعمارة قلعة وغير ذلك من الاستيلاء على أكثر المناصب، فإن القائم مقام، والوزير، وقاضي العسكرين، وقاضي إسلام بول، كلهم أصهاره وأقاربه. والحاصل في هذه الفتنة، نسوا أمر الحج الشريف ولم يرسلوا جواباً لمن تعين ووصل إلى دمشق من العسكر والباشات لتلك الشغلة. فعاد يوسف باشا سافر إلى حلب، ومعه الزعماء رجعوا أيضاً لأنهم أرسلوا كم عرض ولم يأت الجواب. فسافر يوم الجمعة شروق الشمس، وكان خرج قبله بيوم زعماء حلب، وأما محمد باشا فعلى حاله، وذلك في أواسط ربيع من السنة المذكورة. حكاية الباشا والدائن ومما وقع في تاريخه، أن امرأةً دخلت بعرض حال على محمد باشا ابن بيرم، محصله، أن زوجها محبوس على خمسماية غرش، فأمر بإخراجه وأرسل إلى غريمه وأوقفهما، فقال للرجل الداين: لم حبسته؟ قال إن لي عليه ديناً بموجب حجة، فأخذ الحجة منه فنظر فيها وأطال التأمل، ثم قال للمحبوس: أعطه دراهمه، فقال: أنا فقير ولا أقدر على الوفاء، وهذا الباقي علي من مال الفائدة لا من أصل الدراهم، فقال للغريم: ما تسمح له بشيء، فأبى، فقال أنا أعطيك مائتي غرشاً، وإنه لم يبق له عنده شيء، لأنه جعله صلحاً على تلك الخمسمائة فتناول الحجة وذهب واقتضى المديون، وذهبت المرأة وزوجها. فبعد ثلاثة أيام أرسل الباشا بخلف الغريم المداين وقال له: أنت تدين بالفائدة فأعطني كيساً، فأبى، فقال: أُعطيك رهناً فأبى، فأخرج له رهناً إبلاً نحو المائة وقال خذها إلى أن أُعطيك الدراهم فأبى، فأودعه الحبس بالقيد ثم أطلقه على كيس فأتى له بها حتى أطلقه، وله ماجريات كثيرة. حكايته مع أهل حرستا ومما حكي أن أهل حرستا، كان عليهم اثنى عشر كيساً لرجل يقال له حسن جاويش من أهالي قلعة دمشق، فشكوا إليه حالهم، وأنها وصلته ما عدا ستة أكياس، ولم يقدروا على وفائها، والحجج باقية معه لم يعط ما وصل منها، فأرسل وراءه وأودعه الحبس، وأخذ أرسل الحجج وأبطلها، وطلب منه المال الذي أخذه من الفلاحين، فخرج تحت كم كيس، وخلص أهل حرستا من دينه، وكانوا زمناً طويلاً عجزوا حتى صارت تكبر وتزيد عليهم، ثم خلص أهل القرية بحجة شرعية برضا حاطره وإبراءً من عند القاضي، ووزن صاحب المال للباشا مالاً كثيراً. حكاية ثالثة

стр. 20

ووقع لابن خطيب القلعة الشيخ عبد الرحمن أخذ فلاحة تساوي عشرين كيساً بدون ثمنها من رجل يقال له محمد آغا بن قرندل، كان له عنده دراهم، فطلب منه الفلاحة فأبى أن يعطيه إياها، فألح عليه فباعه إياها في ذمته، وكانت رهناً عنده بحجة، فلم يسلمه إياها، فاشتكى عليه للباشا ليتسلمها في حضرته، فأفسد الباشا مشتراه، وخرب تلك الحجة وسلمه الفلاحة التي لم يستغرقها في قيمة دينه، وأخذها منه بدون ثمنها، فرفعها لصاحبها، وخرج من عند الباشا على مال بعد أن وضع في القيد بالشمس، وكان يعذب في ذلك، وما خرج وتخلص إلا بخمسة أكياس مال. وكان رام قتله وضبط ماله، وكان ذا ثروة باذخة، ربما يتكلم على مائتي كيس، وألغى دينه الذي كان له على ابن قرندل بحضور نائب القاضي. حكاية رابعة وسمع بفرس نواحي قرية سكيك لشيخها صبرة الشيعي، فجاؤوا بها، فأرسل للفلاح وكتب من أجلها عرض حال، مضمونه أنها ليست له، أوله شريك، الأمير منصور الدرزي وتقدم ذكره من جهة القصة التي صارت في الميدان. زمن أصلان باشا فلما سمع بذكر الأمير منصور غضب غضباً شديداً وقال: تخوفني بالأمير منصور، لو كان عندي لقتلته وقطعته إرباً إرباً. ثم إنه قيد الفلاح ووضعه في الشمس، وكان يسمى بالميطاح، ولولا أستاذه صادق آغا لقتله، فما خرج وتخلص إلا بها وخمسمايةً غرش، استدانها وأتى بها إليه. عدل الباشا وهيبته وكان ربما يحمي الداعي والمدعي. وركب على الدروز، وإن غالب الدروز رفعت فلاحتها من البقاع ورحلوا إلى الجبل، وكان جماعته تهابه كثيراً، فلا يقدر أحد يجيء إلى المدينة، بل خارج المدينة، لا يأوي أحد منهم، وكل من رأوه قتلوه وضربوه ضرباً كثيراً حتى يتلفوه، وأهرب العرب الجلالية، ولم يحصل منه للفقراء شيء. محاصرة ابن القواس في معان وفيه حوصر الأمير ابن القواس نواحي جنين بقلعة هناك لأنه تحارش بالنوايلة، وطلب منهم مالاً كان عليهم أيام كفالته عليها، وقصده كان تحريك الفتنة لوجود الباشا، لأنه يستعين به في قتالهم، لكن عارض ابن القواس باشة القدس ونابلس حالاً وهو سفر محمد باشا، وأرسل مصطفى باشا يقول له: احذر أنك لا تشوش عليهم بوجه من الوجوه فلم يمكن، فعجز عنهم، وهرب إلى القلعة وهو إلى الآن محاصر فيها، وقيل ضربه باشة القدس برمح في صدره فحمل إلى القلعة، وهو وجماعته إلى الآن محاصرون حتى أرسل طلب عونةً من باشة الشام محمد باشا ابن بيرم، فأرسل له عشرين بيرقاً من الصارجية. وكان بيرم تولى نابلس والقدس ومسك من أهلها أُناساً دخل بهم إلى الشام مجنزرين حين تولاها وذلك سنة أربعة عشر بعد المائة وألف، ونسأله سبحانه اللطف. تولية السلطان أحمد وفي يوم الأحد خامس عشر جمادى الأُولى في السنة المذكورة، وردت الأخبار من الروم أنه جلس في الخلافة السلطان أحمد أخو السلطان مصطفى، وأن مصطفى خان خلع من الملك، لشدة اعتماده على شيخ الإسلام فيض الله أفندي، ولم يمكن أن يسلمه لهم لأنه أهمل أمر الخلافة، وأن شيخ الإسلام مستولي على عقله، ومن جهة المال الذي رتبه للنصارى على الأروام، ومن جهة الإذن بعمارة قلعة شمالي الروم، ومن جهة ما شاع عنه من الرفض، والله أعلم بحقيقة ذلك. وكان شيخ الإسلام كلمة السلطان مصطفى ولا يفعل شيئاً إلا برأيه، حتى كان ينفذ كلامه على السلطان بل أمضى من كلمة السلطان، حتى يقدموا كلامه عليه، فلا ينفذ إلا رأيه، واستولى على أمور السلطنة كلها، فلذا جلس السلطان أحمد، وكان الجلوس نصف ربيع الأول من السنة المذكورة.

стр. 21

وذلك أنه لما ركب أهالي استنبول على مصطفى خان لأجل شيخ الإسلام، أراد شيخ الإسلام أن يأخذ الأختام منه ويصير وزيراً أعظماً ويعارضهم ويحميه منهم، فهرب شيخ الإسلام إلى جهة البحر خوفاً عليه من القتل، فأرسلوا خلفه ومارضوا سركنته، وكان مصطفى خان مفوضاً له جميع الأمور، حتى إنه قوى النصارى وأخذ منهم مالاً وهدايا ترد إليه منهم، ومكنهم من بعض أمور حتى أراد تسليم بعض البلاد إليهم رغبةً في هداياهم وطمعاً في مالهم، وكان شاع عنه الرفض وكثر فيه الكلام. وعلى أن أصله من العجم ولكنه تربى بأرزوم على ما قيل، حتى قيل إنه يتعانى السحر والكيمياء، وأنه ليس له عقيدة حسنة، حتى قيل، والله أعلم، إنه وجد تحت سجادته مصحف، ورأوا في أنحائه أوراقاً مكتوبةً بالدماء على شكل الحمايل، ورأوا كيساً فيه صورة عيسى، وغيره من الصور وصلبان، على ما يزعم الناس والأعداء، وفحشوا في الكلام بما لا يعلمه إلا الله تعالى. أوقافه بدمشق ويرد كلامهم في التشيع، والباقي بالقياس، أنه أوقف وقفاً بدمشق على تدريس الحديث طول السنة بعد العصر، طيلة الأشهر الثلاثة، وعمل عشرين طاشمندياً بعلايف، ومعيد وقارئ عشر، وشرط هذا الدرس تحت قبة النسر، ويكون على أعلم علماء الحديث بالشام. درس في الأموي فجلس للدرس مولانا الحافظ المحدث الشيخ أبو المواهب الحنبلي المفتي، وكان يوماً مشهوداً، وحضر جميع علماء الشام، ولم يتخلف أحد، وحضر أيضاً الشيخ مراد اليزبكي النقشبندي، وشرع في أول صحيح البخاري، وبقي الدرس مدةً مديدةً. ثم لما دخلت الثلاثة أشهر، صاروا يعملوا الدرس بعد الظهر، لأجل الدرس بعد العصر في الثلاثة أشهر، وكان المدرس فيه الكمال يونس المصري الشافعي، إلى أن وقع لشيخ الإسلام ما وقع فبطل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. تعذيب شيخ الإسلام ولما عزل السلطان مصطفى، تسلموا شيخ الإسلام وبدعوا فيه كثيراً، وعذبوه بأنواع العذاب ما ينبغي ألا يحكى، حتى قيل: والعهدة على الناقل، خلعوا أصابعه واحدةً بعد واحدة، ووضعوا له الفلقة، وربطوا كفيه بإحدى أُنثييه. والحاصل برحوا فيه التباريح، ثم قطعوا رأسه وأعطوه اليهود والنصارى يجرجروه في الأزقة، ولم يعلم أين دفن. ولعل هذا من البلاء. ولم يكن شيوع الرفض إلا مجدداً عليه، أيام مشيخة شيخ الإسلام، قال الله تعالى: " قُل أعُوذُ بربِّ الفَلقَ " إلى قوله " ومن شر حاسدٍ إذا حسد ". وقيل في سبب قتله: أرسل للشريف سعد يوصيه بتقديم الترضي على علي ﵁، قبل أبي بكر ﵁، ولعل ذلك من الفتنة عليه، أو بعض الأعداء. المؤلف ينصف شيخ الإسلام وأما الذي علم من ظاهر حاله أنه أول ما تولى بعلبك، أخرج ابن الحرفوش الشيعي منها، وصار طرودياً. وكان دائماً يتولى حكمها، وكان الشيعي يتزوج بابنة السني، ربما لا يقدر يخالف، فيرفضوها بعد أيام. فرحلت جميع الروافض إلى جبال الإسماعيلية، وانتشأ أكثر من مائة قرية سنية، وبطلت شوكة الأرفاض بالكلية. وكان مرادهم يعمروا أربع مدارس لقراءة الحديث والسنة. وفي أول مشيخته أرسل أوقف درساً عظيماً بالجامع، وعين فيه أعلم علماء الحديث. ولعلها تنازيل وتخيلات تقوم في نفس العدو وترسخ في نفسه، وضدها العاشق يتوهم في محبوبه ما لا يقع، وكله إما من قوة مبغضة أو قوة محبة. حسن الأعور شيخاً للإسلام وقام في المشيخة بعده حسن أفندي الأعور في تلك الحالة، حتى تسكن الفتنة فيجلسوا للفتوى من يستحقها. وقد ورد: أكذب الكذب سوء الظن بالمسلم، فلعله كله من الأعداء ومن تخيلات نفس المبغض كما تقدم، وهذا أمر متعارف في الوجدان، لأن العدو لا يستحسن من أحوال عدوه شيئاً، ولا يحمله إلا على البغض، وتقرب تلك القوى للمخيلة أموراً وأحوالاً غير واقعة. وأما ما قيل من رؤية الأوراق والحمايلي، فربما وضعه بعض الخدام الجهال من غير قصد، وبعض الأخبار كذب محض، لأن قرائن الأحوال ترد ذلك، والباقي بالقياس، والله أعلم. الأفراح بجلوس السلطان

стр. 22

وفي يوم الجمعة في اثنين وعشرين جمادى الأُولى، ورد قبجي من الروم إلى دمشق يخبر بجلوس السلطان أحمد خان بن عثمان، أخي السلطان مصطفى، ودعا له الخطبا في يومه ذلك، ولم تعمل زينة لعدم الفرمان بذلك، بل ضربت المدافع بالقلعة، وكانت كل ليلة يعمل طلق ويضرب بالنوبة السلطانية، وكله بالقلعة، وفي المرجة عمل الباشا ابن بيرم شعلةً بالميدان الأخضر، وكان نازلاً فيها، وبقي ذلك ثلاثة أيام. مصادرة شيخ الإسلام وذويه ثم ضبط من تركة شيخ الإسلام ما لا يحصى من الأموال والأمتعة، ما لا يحصيه إلا الله، ومن الجواهر والنفايس ما لا يقاس بحد، وكلما وقع من الشهود من وهم القوة الباغضة، وتفرقت دولة شيخ الإسلام، وسلبوا نعمة أقاربه ومواليه وحريمه وأهليته ومن دونهم، وقتلوا منهم أعيانهم، حتى لم يبقوا لهم شيئاً أصلاً، حتى حكي عن ابنه الذي صار قاضي مكة، اتصل بالفقر إلى حالة لا تحكى، يتلظى بالأزقة بصاية زرقاء لا يعرفه أحد، فلا حول ولا قوة إلا بالله. عزل القاضي وفي يوم الجمعة أول جمادى الأولى، كان عزل قاضي الشام إبراهيم أفندي خجاة السلطان مصطفى بن محمد بن عثمان، وجلس نائباً بالباب عبد الرحمن أفندي، ابن القاري. فتنة في القدس جمادى الثاني، بلغ خبر لدمشق بأن مدينة القدس صار فيها فتنة عظيمة، والرأس، نقيب الأشراف فيها، وأنه جيش من النصارى ومن زعر الحارات أناساً كثيرةً حتى قتل من أولاد البلد أكثر من سبعين نفر، ما عدا النصارى والفلاحين. هزيمة منصور الدرزي وقبل تاريخه باثني عشر يوماً، ركب الأمير منصور الدرزي صنجق وادي التيم، بنحو ألفي خيال من الدروز، إلى بعض قرى نابلس يقال لها التوتات، وهي ناحية من نواحي نابلس، تشتمل على قرى تسمى كلها وتلك الأرض بهذا الاسم، ومراده أخذ أكراد كانوا نازلين بها، فخرج عليه من الجبل نحو سبعين خيالاً من جماعة بني القواس، لأن لهم تعلق في بعض تلك القرى وتلك الناحية، وكان معهم بيرقان فقط من جماعة الباشا ابن بيرم، فلما رأوا البيارق ظنوا الباشا ابن بيرم، فانكسروا وهربوا من الأرمان، وهلك أكثرهم من الرعب، لأنهم وجدوا تحت الأرمان خلقاً كثيراً منهم موتى بلا جراحة ولا قتل، فلحقوهم وعروهم، والموتى أخذوا سلبهم كله، والحمد لله على خذلان هذا الملعون، والآن أرسل ابن بيرم عرضاً في الركوب على الدروز، وأرسل ضبط مغلهم في بلاد البقاع في كل موضع لهم فيه شيء. إخراج الأراذل من دمشق وفي يوم الخميس، آخر جمادى الأولى، نادى على الحارات: من كان عنده رجلاً زغلياً أو فاجراً أو مخنثاً أو ديوثاً يخرج، وإلا ما يصير عليه خير. طرح الحرير على التجار وفي يوم الاثنين سادس عشر جمادى الثانية، أرسل ثلاث قناطير حرير من جهة بعلبك، لأنه توكل في ضبطها للسلطنة من أجل شيخ الإسلام المقتول، وطرحها على التجار، وأرسلوا جانباً للشيخ سليمان أخي المفتي أبي المواهب الحنبلي، قدر عشرين رطلاً. تطاول الباشا على أبي الواهب الحنبلي فقام جماعة من التجار إلى الشيخ أبي المواهب الحنبلي ليشفع في هذه الرمية التي على التجار، فأرسل ورقةً مع خادمه ابن القيسي، فتهدده فهرب من وجهه. فلما راح كان عنده محمد آغا ترجمان ابن سليمان آغا، وابن جاويش، وجماعة من آغاوات الشام، فأخبروه بمقام الشيخ وما هو عليه من النسك والعبادة والورع، وكان سبق أنه تطاول على صبيه، وحتى أراد يرمي على الشيخ أبي المواهب لما يعلم ما له من الثروة والمال، وربما أراد أن يأخذ منه مالاً، فنبهوه على مقامه ورتبته في العلم، فأرسل أنه لا يقارش الحكام. التفاف العامة حول العلماء ثم إن التجار وقفوا على أبي المواهب ثانياً، فأرسل ورقةً ثانيةً، وذكر له أن الرعية لا تحمل لهم، فإما أن ترفع هذه الظلامة، وإما أن نهاجر من هذه البلدة، والجمعة ما نقعد عندكم، وأيضاً الحرير للسلطان لا لك فأبعه على كيس السلطان. وكانوا قدموا له أن البلد تقوم كلها عليك من أجل المفتي المذكور، ولو كان معك ألوف يدافعون عنك، لأن قيام العوام صعب، وربما سكرت البلد وتركوا الجمعة فيبلغ السلطنة فيكون سبب غضبهم عليك، فعاد ترك الأمر ورفع الرمية ورجع بالحرير، ولله الحمد. عزل بيرم باشا

стр. 23

وفي يوم السبت ثالث عشرين جمادى الثاني من هذه السنة سنة ١١١٥، خرج الباشا من ناحية زقاق المرجة من دمشق، قبل الظهر، بعساكر كثيرة، وذلك بسبب أنه عزل. ولم يعط أرباب الأصناف، وأظهر المتسلم الجديد خطاً، بأنه مطلوب رأسه، ولم يكن له حقيقة، فقوى عليه الوهم، فخرج على حين غفلة وتعلى في الجبل، وأرسل ثقله من على برج الروس، وكانت البلد مسكرةً إلا ما قل، وقامت عليه الرعية والينكجرية والزعماء قومةً واحدةً ونهبوا منه بعض شيء ولحقه بعض الأصناف إلى حمص لأجل المال الذي عنده. دخول القاضي تفسيري زاده وفي يوم الخميس، ثامن عشرين جمادى الثانية، دخل مصطفى أفندي تفسيري زاده، قاضي الشام، وخرجت للقائه القضاة والكتاب ونواب النواحي وبعض المدرسين. وقيل وجه لابن بيرم الأُرفا. وفيه صح خبر مقتل شيخ الإسلام، من المتسلم الجديد، وأنهم أعطوه لليهود والنصارى والفساق، وبغوا فيه، وهذا لم يعهد من ملوك بني عثمان. عبد الرحيم بن العفصة وبلغ خبر عن الشيخ عبد الرحيم بن العفصة، بالعين المهملة والفاء والصاد المهملة، راح في هذه الفتنة، أي فتنة شيخ الإسلام، وكان شاباً لا بأس به، ويعظ في رمضان بالكرسي في جامع الأموي: " وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت ". السلطان مصطفى يخلع نفسه ثم أخبر المتسلم، أن السلطان مصطفى خلع نفسه، وأودع السلطان في الحبس القديم. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ونعوذ بك اللهم من الهم والحزن، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. الشيخ محمد المزين وفي يوم الأربعاء، في عشرين جمادى الثانية، توفي الشيخ الصالح الفقيه الشيخ محمد المزين الحنفي، الخطيب بجامع باب شرقي عند حارة الملاح، كان سيداً فاضلاً قادري الطريقة كثير العبادة، كثير الزيارة للصالحين الأحياء والأموات، وصلي عليه بالأموي، ودفن بتربة الشيخ أرسلان قدس الله سره. دخول الوالي مصطفى باشا وفي ليلة الأربعاء، دخل باشة الشام، مصطفى باشا العشي بالمنزل، بعد العشاء بساعتين، وهو متمرض بالتخت، ولم يقف لأحد إلا يسيراً، وذلك في رابع عشرين رجب من السنة ١١١٥، وقيل إنه كان آغة القبي قول بإسلام بول، ودخل إلى عنده الأمراء والآغاوات والأكابر للسلام عليه. قبجي وإشاعات وفي رجب المذكور، ورد قبجي من الروم من على الصالحية، ونزل دار صادق آغا بن أحمد آغا الناشفي، أبقاه الله تعالى، قيل إن القبجي معه خلعة لشريف مكة، واستقرار لباشة مصر المحروسة، وقيل مبعوث إلى أهل مصر في راسه، ولم يتحقق، وقيل هذا الذي تولى قتلة شيخ الإسلام، ولعل الكلام على عكس ذلك، أنه كان من جهة شيخ الإسلام ولكن أرسل، لكن على وجه السركنة، لأن الذي تولى قتلة شيخ الإسلام يكون أعز شيء عندهم، كيف يفارقوه؟ وكلام العوام كثير، كالبحر الزاخر، لا أول له ولا آخر. وكان لهذا الآغا خادم جميل من خدامه، هرب واختفة. ومكث ثلاثة أيام لا أكثر، متوجهاً إلى مصر، وقيل إنه من زربا الروم، له شدة بأس. قاضي مكة في دمشق وفي يوم الاثنين. ثالث عشرين شعبان، ورد مولانا أحمد أفندي العكري، من أعيان دمشق، وهو قاضي مكة المشرفة، ولاقا له الأكابر والأعيان، وأعيان دولة دمشق. ومر على السرايا على سوق الأروام، إلى داره، غربي البيمارستان النوري، بينهما الطريق. وله نحو العشر سنين، واتخذ داراً بإسلام بول وتسرى بجوار، وولد له، جاء بهم إلى الشام، وخرج لتلقيه قاضي الشام مصطفى أفندي. النابلسي مدرساً بالسليمية وفيه ورد تدريس السليمية بالصالحية لمولانا الشيخ عبد الغني، حفظه الله تعالى. ولاية أصلان باشا وفي تاريخه، عزل باشة الشام مصطفى باشا بأصلان باشا اللادقي، وأعطي جميع صنجقيات دمشق، مثل بعلبك وحمص وصفد وغيرها، وأبقوا ترابلس عليه، وهذه ثاني تولية وثالث إمرية. ابن سربوغ وفيه بلغ خبر وفاة الفاضل الشيخ يوسف بن محب الله الشهير بابن سربوغ الصالحي، اشتغل في الطلب مدةً، وقرأ في أنواع العلوم بدمشق على أفاضلها حتى برع، ثم توجه إلى الروم، وسلك هناك سلوكاً حسناً. ولكن لما قتل شيخ الإسلام راح أناس تحت الأرجل من الزحام، ومن قيام هذه الفتنة، كانوا الناس يقتلوا بعضهم بعضاً، ولا قوة إلا بالله، وربما كل من كان يتردد عليه.

стр. 24

وفيه بلغ خبر، بأن الباشا ابن بيرم الهارب من دمشق، اشتكى للدولة على أهل دمشق وأنهم نهبوه، وأنهم عصاة، ثم إنهم عرضوا في ابن بيرم يشكوا منه، ويحكوا أحواله وعتوه، وكان محل العرض يوم خروجه من دمشق. الإفراج عن ابن أكري بوز وفيه أفرج عن ابن أكري بوز أحمد آغا التذكرجي من قلعة تبوك، ووصل في أواخر شعبان. وهذا أحمد آغا له تقيد في الطلب، وخبرة بالنحو والشعر وقراءة التصوف، قرأ في الفتوحات المكية على الشيخ عبد الغني وخدمه كثيراً، وله شعر، ومن شعره مضمناً قوله: رماني سمهريّ القدّ بالفتك مولعٌ ... يصول ولا يخشى من اللّوم والعتب يهدّدني طوراً بسهم لحاظه ... ويقصد أحياناً فؤادي بالعضب فلم أدر أيّاً قاتلي غير أنّني ... سمعت بأذني رنّة السّهم في قلبي وقوله في قصيدة ... شرح الشاهدي شرحاً أجاد فيه، بالعربي، وأتقن فيه كل الإتقان، وفيه منقولات حسنة عن أهل اللغة، وترجمه المحبي في الذيل. دخول أصلان باشا ووفاته وفي يوم الاثنين، يوم الثلاثين من شعبان في سنة ١١١٥ المذكورة، دخل باشة الشام أصلان باشا، ومعه نحو الثمانين بيرقاً، من ناحية السنانية بالتخت، متمرضاً أيضاً. وفي يوم الجمعة ثمان عشرة في رمضان، وأوله الثلاثاء، توفي أصلان باشا، باشة الشام، وذلك عند العصر في اليوم المذكور، وصلي عليه بالسنانية، ودفن قرب بلال ﵁. فيكون مدة مكثه تسعة عشر يوماً، وخرجت الأخبار بموته للروم، ورثاه مولانا الشيخ عبد الغني مؤرخاً: النابلسي يرثيه: يا بني الدّنيا قفوا واعتبروا ... بوزيرٍ أمس في المنصب كان ملك الأموال والجاه وما ... ناله منها سوى هذا المكان فعليه ﵀ وقد ... حلّ في أعلا فراديس الجنان في أمان الله قل تاريخه: ... مات أصلان شهيداً في أمان أحمد الأسطواني وفي يوم الثلاثاء، سادس شوال سنة ١١١٥، توفي أحمد جلبي الأسطواني، الباش كاتب بمحكمة الباب، وتمرض ثلاثة أيام بالدم، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن بباب الفراديس. وكان ماهراً في التوريق، منشئاً بديع الخط والظرف، وكان له حسن هيئة ولين جانب وأخلاق حسنة. وفيه بلغ مجيء ابن بيرم إلى نواحي حمص، ويريد المجيء للشام، ومعه أولاد سيدي عبد القادر الكيلاني الكائنين بحماه. الشيخ عثمان القطان وفي يوم الأحد حادي عشر شوال توفي شيخنا الإمام العلامة المحقق المدقق الفهامة الشيخ عثمان الشهير بالقطان، كان علامة وقته في العلوم العقلية والفنون النقلية. قرأت عليه بالجامع بكرة النهار ملا جلال الدين الدواني، وحضرته في إقراء شرح جمع الجوامع للمحلي بقراءة بعض الأفاضل، ولازمته مدةً بالجامع عند محراب الحنابلة بالمعزبة التي فيها باب المأذنة الغربية، وعليه وظائف، وعليه إعادة تدريس التكية. ولما جاء أحمد باشا الكبرلي ابن الوزير الأعظم، وكان في العلم على جانب عظيم، لم يعجبه غيره. وحصل له محنة في آخر عمره من أجل العفو، حين جلوس السلطان مصطفى، واجتمع هو والسيد عبد الكريم النقيب في تنفيذه، ولا يعطي الباشا شيئاً من الذي كان يؤخذ، فهددهم وأرسل نفاهم وذلك بعد أن عرض فيهم إلى ترابلس إلى قبرص فتلقاهم أصلان باشا، باشة ترابلس، ومكثوا مدةً هناك إلى حين سفر الباشا الأسبق إلى بلاد النصارى. والقصة مشهورة، وذلك في سنة سبع وماية وألف في رمضان. وكان المفتي بدمشق علي أفندي العمادي، والخطيب شيخنا أبو الفداء إسماعيل ابن الحايك، والقاضي سليمان أفندي الرومي. ولما قام الباشا على النقيب لم يقم معه أحد، فطمع فيه، فأرسله من السرايا، وفي ثاني ليلة ذلك، أركب الشيخ عثمان فرساً من التكية إلى ترابلس أيضاً، ولا قوة إلا بالله. ثم إن أفاضل دمشق ارسلوا لموالينا القصائد الطنانة في مدحهم، والتأسف على فراقهم بما لا يخفى. ونظمت في ذلك قصيدةً لأُرسلها له، فورد، فلم أحتج لذلك والحمد لله، وإلى الآن لم أعلمه بها خوفاً من تذكر ذلك، ولكن ذهبت أنا وبعض أصحاب للسلام عليه، وكذلك على السيد عبد الكريم أفندي.

стр. 25

ثم صلوا عليه بالجامع، وكان المطر نازلاً، ودفن قرب أويس رضي الله تعالى عنه، في التربة المقابلة للصابونية. وفي يوم الخميس الثالث عشر، طلع المحمل، والباش مصطفى باشا المعزول بأصلان، والمتولي على الشام بعد موت أصلان. فسبحان من يغير ولا يتغير. مصطفى باشا والياً وكان عليه دين للسلطنة، فتخلص من ذلك، وأرسل له السلطان عفواً من جهة المال للسلطنة، وأن لا يحاسب ولا يرسم عليه، وسمح له صاحب المال، وأعطي الباشوية وإمرية الحج. وهو الفعال لما يشاء. وكان بعد أصلان لم يعلم لمن تتوجه إمرية الحج. خروج القافلة ٢٠ شوال وفي يوم الخميس العشرين منه، طلع الحج، وخرج معه أيضاً، قاضي مكة المشرفة، أحمد أفندي البكري، وولده أسعد أفندي وجماعاتهم وغلمانهم وخدامهم، وحج تلك السنة مولانا عبد الحميد أفندي القاري. ودخل شهر ذي القعدة ولم يقع فيه ما يؤرخ. في الحجة وردت كتب العلا، وأن الحج بخير ، ولله الحمد والمنة. محرم الحرام سنة ١١١٦ ٦ - ٥ - ١٧٠٤م الحكومة محرم سنة ١١١٦، أوله الثلاثاء، وسلطان مملكة العرب والروم السلطان أحمد خان بن عثمان، وباشة الشام مصطفى باشا الرومي، الكافل بعد أصلان، وقاضي الشام مصطفى أفندي تفسيري الرومي، والمفتي أبو الصفا أفندي ابن العارف الوجيه الشيخ أيوب الخلوتي، والعلماء والمدرسون والناس على حالهم. أول دروس النابلسي في السليمية وفي يوم الثلاثاء، أول محرم الحرام سنة ١١١٦ المذكورة، شرع في درس السليمية مولانا الشيخ عبد الغني وردت عليه من الروم، مع أحمد أفندي البكري بأول البيضاوي، وشرع في خطبة بديعة، وحضر الأكابر والأعيان والمفتية، وعن يمينه قاضي الشام مصطفى أفندي، ومخلصه تفسيري زاده. الجردة وفي عاشره خرجت الجردة، وأمير الجردة إسلام باشا ومعه الأمير ابن القواس والأمير كليب شيخ البلاد الحورانية، وبلغ أن في الحج غلاباً بغين المعجمة، ومرادهم يصلوا للعلا، وأنه بارك بالعلا، وكان الوقت فات عن حده، ويأتي ما وقع للحج في ذكر مجيء الحج. وفي عاشر صفر وصلت الجردة للعلا، وكان للحج نحو الثلاثين يوماً، وفرق كليب ميرةً كبيرةً من الغلال، حتى أبيع المد شعير بعشر قروش. مصرع هندي وفيه قتل رجل هندي، كان حكيماً، تحزب عليه رجل من الهنود أولاد المشايخ، النازلين بخلوة القيشاني بالجامع، وأنه سب أجداده وأثبت عليه الكفر، والله أعلم بما أثبتوه عليه، وكان مواظباً على الصلاة بجامع السنانية، وأثبتوا عليه التشيع، وكان يتدخل ويقول ما تكلمت بهذا، ولا قوة إلا بالله. دخول القافلة وفي ربيع الأول دخل المحمل ومصطفى باشا، ودخل الحج وأخبروا أنهم حبستهم العرب ثلاثين يوماً حتى وصلت الجردة وجاءت بميرة كثيرة فرقت على الحج. وفي ربيع الثاني، سافر البلطجية وأمراء الفروسية، وانعزل الحاج مصطفى باشا أمير الحج. قتل نصراني وفي ربيع الثاني قتل نصراني ثبت عليه أنه قتل امرأةً مسلمة. فلما قربوه للقتل أسلم، وكانت المرأة شريفة، ثم قتل. وفي الجمادين لم يقع ما يؤرخ. دخول الولي حسين باشا وفي السبت أول رجب ورد حسين باشا الأشقر. كافلاً بدمشق، متمرضاً بالبارد، وهو أبيض الرأس واللحية. وفيه سمع أن الإمرية على ابن بيرم محمد باشا، وأعطي بلاداً ما عدا دمشق. تبديل القضاة وفي آخره، عزل مصطفى أفندي تفسيري، وورد نايب الباب، لمستقيم أفندي، قاضي الشام الآتي، وبقي في الحكم إلى شوال. وفي شعبان ثم رمضان، لم يؤرخ. وفي شوال، دخل مستقيم أفندي، قاضي الشام من على الصالحية، ولاقا له الكتاب، وزار المحيوي ابن عربي، ومر قبله على برج الروس. وفيه كانت الخلوة البردبكية. خروج القافلة وفيه خرج الحج والمحمل، والأمير ابن بيرم محمد، ومعه من الميرة والعسكر ما لا يحصى، وكان نزل بدار ابن القواس. والبيارق نحو ماية وخمسين بيرقاً. الحج بخير وفي القعدة لم يؤرخ. وفي الحجة بعد العيد، وردت كتب الحجاج بعد يومين، وأن الحج بخير. محرم الحرام سنة ١١١٧ سنة سبع عشرة وماية وألف ٢٥ - ٤ - ١٧٠٥م الحكومة

стр. 26

وسلطان الممالك الرومية وبعض العربية والعجمية السلطان أحمد بن عثمان، والكافل بدمشق حسين باشا الأشقر، وقاضي الشام مستقيم أفندي، والمفتي أبو الصفا بن الشيخ أيوب، وأمير الحج محمد باشا ابن بيرم، والعلماء والدولة والمدرسون على حالهم. الجردة وفي عاشر محرم الحرام، توجه حسين باشا لملاقات الحج الشريف مع الجردة، ومرادهم يصلوا إلى أبيار الغنم قبلي العلا، وفي العود يكون الركوب من هناك على كليب. الباشا وابن بيروم فقيل، لما وصلوا إلى المنزل المذكور، ونزل الباشا في الوطاق، ورد الأمير ابن بيرم، وسلم على الباشا الكافل حالاً، فلم يكرمه فحصل لابن بيرم غيظ شديد. وكان الباشا المذكور حليماً فاضلاً خطاطاً ثقيل الرأس ورعاً، يدل حاله على فضله وعلمه. فحصل منه قلة إكرام وقصر في واجبه كثيراً. وكان عليه أن يرحب به، إكراماً له ﵇، لأنه وارد من تلك الأماكن المشرفة، ومعفر بتلك الأتربة المفضلة المنوفة، وثانياً، إنه معزول عن دمشق، لأنه تولى كفالتها قبله. الاستعداد لمواجهة كليب فلما وصلوا إلى المزيريب، نزل حسين باشا بوطاقه، والينكجرية والزعماء والفلاحين والدروز ومن سائر البلاد لقتال كليب، وكان ابن بيرم عرض سابقاً في بعض أمور بغرضه، وذكر الهيئة السابقة وأسندها لكليب، وكان دبيس العلاوي يجيء ويروح إلى عند ابن بيرم، وحسين باشا معه طاهر بن رسلان بن رباح. وأما كليب فمعه من العرب ما لا يعلمه إلا الله، حتى قيل تبلغ نحو العشرين ألفاً، وقيل كان عرضه وخيامه وعربه التي نزلت عليه ثلاثة أيام، ومن أرباب الدروع والمقنعين نحو سبعماية فارس. دخول أمير الحج وكان أمير الحج دخل يوم الأربعاء ثاني عشر صفر، والمحمل يوم الخميس، وأرسل يطلب بقية الزعماء والينكجرية، وأرسل إلى أمير الجردة في هذه السنة أي سنة سبع عشرة وماية وألف، حسن باشا بن القواس، وكان بقرية شقحب ومعه نحو العشرين بيرقاً معيناً على كليب، وكان بينه وبين كليب مؤاخاة، فلم يحضر لقتاله، وبقي مكانه، وكان حلف لكليب بالطلاق أنه لا يركب مع العسكر لقتاله. ثم إن كليب صار كل يوم يقرب إلى جهة العسكر ويرسل عرضاً يناشدهم ويقول: احقنوا دماء المسلمين، والباشا يقول: حطوه في قفص الحديد، وكله من جهله بحال العرب، ولم يتحرك من خيامه، والدولة في دمشق طلبوا منه الصلح لكليب ويعطيه مال وجمال، فلم يرض، وكان العسكر مع الباشا نحو عشرة آلاف. حماقة الباشا ثم إن كليب أرسل عرضاً للقاضي بالشام، والأكابر، بإصلاح تلك القضية، فلم يردوا له جواباً ولم يسمعوه من جهتهم خطاباً، وفي مضمونه: أن قتالي إن كان على وجه شرعي نسلم، وإلا، فالوجه العدواني، أقاتلهم وأنهبهم، بينوا لي، أنتم علماء ومفتية، أو ترجعوه، وتحقنوا الدماء وتصلحوها ولكم ما تريدوا، وللسلطنة هيأنا خيلاً ملاحاً لنرسلها للسلطنة، ونرضي خاطر الكل والباشا وغيره، وعرض ذلك للباشا من طرف علماء الشام والقاضي، فلم يرض الباشا بحال وتحير، فتارةً يطلب رأسه، وتارةً مالاً، وفي المثل: خيره تحيره. استمرار الباشا في عناده

стр. 27

ومال القاضي من جهته للصلح، وأرسل خلف المدرسين، وأرسل للصلح حتى يرسلوا له عرضاً مكتوباً في صلح كليب. فلما ورد إلى عند القاضي قالوا له: مرادنا نعمل صلح ونحقن دماء الإسلام، فنفض طوقه وقال: لا أقارش، أفندي كيف أراد يفعل. فسكت الكل وتركوا الأمر، والأمير كليب ينتظر الجواب، والباشا ماكث لا يتحرك من مكانه، وكليب في كل يوم يرحل إلى قرب العسكر، فلما لم يأت الجواب بعد مكث الباشا شهرين ينتظر مسكة كليب، فلما لم يقم أحد ولم يأت جواب، ولم ينفعهم كلام ولا مال توعد الباشا في الصباح، وكان ابن سلامة شار على الباشا أن يغدروا بكليب على حين غفلة قبل أن يهجم على العسكر، فلم يرض، فرحل تلك الليلة ورجع يسوق إلى البرية لعلمه بسبق كليب وهجومه على العسكر، ولا طاقة لهم به، فعند الصباح رأى الباشا والعسكر والعرضي نحو عشرين، ثلاثين خيالاً يخايلوا، وأخذوا أحمالاً للباشا، فقام العسكر جميعه والينكجرية والزعماء وآلاي بيك السباهية وأولاد الينكجرية، وقام الباشا خلفهم، فلما وصلوا إلى قرب الجبل، طلع عليهم من خلف الجبل ما هو مثل الجراد فأخذوهم على درجة واحدة وتركوا الوطاق ومنه هرب، وشلحوه في الطريق وأخذوا جميع الوطاق، وكان الباشا في آخر العسكر فضربه عبد لكليب بالرمح قتله وألقاه على الأرض، ووضع برجل جمل، فلم يتركوا مع العسكر لا قليل ولا كثير، ووردوا الشام حفاةً عراة مشلحين بالزلوط، حتى إن قاضي العرضي الشيخ أبو بكر أفندي كذلك. مصرع الباشا وكان تفادى في طلعته، وانجفل انجفالاً زايداً. وأخذ من الشربات والسكاكر والكلبا سكر والتمور والأولاد والخدام والخيول والمعمول والأثقال ما لا مزيد عليه، وورد كاتب الينكجرية المقابلجي ببشت وعلى رأسه مئزر استقرضه الفلاحون له من القرى. وهذه الكسرة مثل كسرة الفرنج، فإن المسلمين يرجعوا بحوائج بدنهم، وأما في هذه الوقعة فلم يرجعوا بشيء أصلاً، حتى الخيام والخيول والدواب والحمر والبغال والأحمال لم يبق منها. ثم الأثواب البدنية، ولم يرجع ولا فرس واحدة. وهذه الوقعة كانت في الجابية، وبقيت جثة الباشا ثلاثة أيام. باشة القدس يلجأ للخربة وأما باشة القدس فطلع إلى مكان يسمى الخربة، أصلها قرية لها عمارة، دايرها حصين، وفيها بير ماء، طلع إليها هو وجماعته وأخذوا يضربون العرب بالرصاص حتى قتلوا منهم عرباً كثيرةً، ولم يجرؤ أحد أن يهجم عليها لأنهم حصنوها مثل المتاريس بقوة آغوات دمشق كما تقدم، ثم إنهم أرسلوا عرضاً بكليب، بعد أن أخذ جماعة كليب جميع ما في الخيام من الأموال والحوايج والسلاح والخيول ما لا يحصى. ضبط أسباب حسين باشا وأما كليب، فكتب جميع أسباب حسين باشا المقتول وجعلها في دفتر خوفاً من أن تطلبها السلطنة، كتبها له قاضي العرضي الشيخ أبو بكر أفندي، هو وبعض آغات مرسم عليهم عنده. ثم لما طال الحال بالمحصورين بالخربة والمرسم عليهم عنده من دولة دمشق، عرضوا لدمشق: إنا محصورون في الخربة، والعرب حولنا من كل الجهات، فإما تكتبوا لكليب بالمعونة، وإما مال حتى نعطيه ونخرج من الخربة. فلما وصلت الأخبار بقتل الباشا وأن باشة القدس محصور بالخربة، أخرجوا الصنجق فوضعوه على باب السرايا ونادوا بالنفير العام في الأسواق والأزقة بالركوب على كليب، وأرسلوا إلى ابن بيرم يستنخوه بعد أن رحل من دمشق إلى حرستا. وكان الباشا المقتول عرض عليه السفر معه فلم يرض وقال: لست مأموراً إلا بالحج. فلما كان ما كان تغلظ خاطر قاضي الشام عليه فلم يرض أحد، وأهملوه لكونه لم يسافر مع الباشا ولم يسمع لكلامه، لأنه كان ابن بيرم حامل غيظ من الباشا المقتول عند الملاقاة في أبيار الغنم، وعمل عليه شمم كلي، تم في خاطره من ذلك. تحرك الحملة الشعبية

стр. 28

فلما قتل وصار نفير عام طيبوا خاطر ابن بيرم وأرسلوا تدخلوا عليه أن يركب مع الناس على كليب وألحوا عليه، ونادوا على العام والخاص في السفر وأن لا يتخلف أحد، وبرزوا إلى قبة الحاج بالخيام، فخرج القاضي والشيخ مراد والموالي والعلماء والمدرسون وأعيان البلد وأصحاب السجادات وأرباب الزوايا، كل واحد ومعه من جماعته أناس، ثم خرجوا بقية العوام، مما لا يحصى، ولكن من غير تدبير، فلما جاء المساء لم يروا أحداً، ورجع الناس إلى أماكنهم ما عدا أرباب الخيام، حتى إنه من طرف كل عشرين خيالاً لم يبق منهم أحد، فألحوا على ابن بيرم ونادوا مراراً فلم يخرج، فمر عليهم ابن بيرم عند الظهر وقال: لا أحد يتحرك من مكانه، فأقسموا لا يرجعوا بل يقيموا حتى يجيء. تدخل ابن بيرم فبات تلك الليلة بالقنيطرة، فجاء من أخبره عن كليب أنه معين عليك سبعماية فارس، كلهم بالدروع يأخذوك الليلة فما أصبح الصبح إلا ورجع من توه من شدة خوفه من كليب. وكان الباشا السابق معه من العسكر أكثر منه مراراً، لكن اغتاظ عليه أرباب الخيام من الأفندية وأعيان مشايخ الشام، حتى طلع الكمال يونس المصري، والشيخ تقي الدين الحصني، والشيخ إبراهيم السعدي، وكل معه جماعات، والشيخ مراد ومعه ستون خيالاً من قراه، أرسل إليها، والبقية كذلك، ثم أمروا ابن بيرم: لا تنزل دمشق ولا حرستا بل ترحل بالكلية عنهم. وكان لما توجه ابن بيرم إلى الركوب من حرستا على كليب ألزم متقاعدي دمشق وأرباب الوظايف، وجعلوا له مالاً، فلم يرض ورجع في الحال، وكفى الله المؤمنين القتال ثم رجع الكل عن آخرهم. ثم إن أهل الخربة تعوق عليهم الجواب لانشغالهم بما استعدوا من السفر والنفير العام، واشتغلوا عنهم، عادوا وأعرضوا لكليب في أن يطلق حالهم، ففي أثناء إرسال العرض، قام المتسلم مسرعاً من الخربة، ثم لحقه الباشا، باشة القدس قبل الجواب، ففي يوم رجوع ابن بيرم، وصل من أهل الخربة أناس مجرحون، ولا قوة إلا بالله. سكون العاصفة ثم هدت الفتنة، وكل منهم لزم حاله، وذلك في وسط ربيع الأول في السنة المذكورة. والحج دخل في خمسة عشر صفر كما سبق، وركوب الباشا الأشقر في آخر محرم الحرام لملاقات الحج والركوب على كليب. الشيخ أحمد البكري الصديقي ربيع الأول، وفيه جاء خبر بوفاة مولانا الشيخ أحمد أفندي البكري يوم دخوله مصر، وكان متمرضاً ورجع مع الحج المصري، وكان فرغ من قضاء مكة ونزل لما عزل، على مصر، وأن ولده أسعد أفندي توجه في البحر إلى الروم. وكان تولى سابقاً بدمشق قضاء العسكر كما تولى نيابة الباب مراراً، وذهب إلى الروم مراراً، وكان له بها دار عظيمة، وتسرى هناك وولد له أولاد، ثم تولى قضاء دمشق سنة خمس بعد الماية وألف، وتولى محروسة برصا، ثم مكة المشرفة. وكان مراده مصر فحال الأ ... لا غيره المتكل..... فتنة في مكة المكرمة ومن جهة مكة، أُخبرنا أن شريف مكة عبد الكريم، جلس للسلطنة الحجازية بسيفه، ورضي أشرافها، وعزل ابن الأشرم، وكان بنو عثمان قد أرسلوا لابن الأشرم تقريراً. وأخذ عبد الكريم السلطنة بالسيف، وقتل من رجال ابن الأشرم ما لا يحصى، وهرب ابن الأشرم، قيل، فيه جروح كثيرة، وأن الغلاء خف عما كان. وفي آخره سافر بقية الحجاج من دمشق. طاووس في دمشق وفيه ورد طاووس وهرعت الناس للفرجة عليه، وهو طير غريب كثير الألوان، وذنبه إذا فرشه يكون كدارة الرحى المتوسطة، ورأسه صغير جداً، وحجمه قد الأوزة، وفي صوته بشاعة، وقيل إنه يعجب بنفسه ويتخايل، وإذا نظر إلى رجليه صاح استقباحاً. صندوق الدنيا في دمشق وفيه جاء من بلاد حلب صندوق فيه صور البلدان، مثل أدرنة وإسلام بول ودمشق وحلب وغير ذلك، وفي وجه الصندوق، مرآة تنظر فيها تلك الأشكال فترى مثل الحقيقة، وإنما هي نقوش، والمرآة تقوي البصر في المرئي، وفيه صور بلاد النصارى والكنايس والأنهار والبحور والجبال. ابن بيرم في دمشق

стр. 29

ربيع الثاني، في عشرينه، يوم الجمعة، دخل محمد باشا بن بيرم كافلاً بدمشق، ونزل الميدان الأخضر بعساكره وجماعته، وقيل بنية الركوب على العرب الجلالية، وأنه متعين عشرون باشا، والسردار محمد باشا المذكور، وأرسل خلف ظاهر السلامة يستنخيه على بلاد حوران وبصرى وتلك الديرة، وهو في غاية من الحلم والعبادة، خير من المرة الأولى. زفاف الباشا وفي يوم الخميس، أوايل ربيع الثاني، ليلة الجمعة، دخل محمد باشا على بنت حسن باشا الكردي، الباش جاويش، أخت مصطفى بيك الكردي الباش جاويش بعده، المتوفى سنة إحدى عشر في مكة المشرفة، وتقدم ذكره. وفيه أرسل نهب قرية شقحب المنسوبة لابن القواس، لكون ابن القواس كان مؤاخياً لكليب، ولم يحضر مع العسكر على كليب، وفتكوا في النساء والبنات، ولا قوة إلا بالله. إبراهيم السفرجلاني جمادى الأولى، في ثالث عشره، توفي الشيخ إبراهيم السفرجلاني الأمجد الأفضل الأديب الشيخ، ابن محمد السفرجلاني. كان فاضلاً أديباً شاعراً ماهراً، وله ديوان لطيف، وصلي عليه بالأموي، ودفن بالباب الصغير. ومن شعره قوله: صدح الحمام فهاج صدحه ... شجن الفؤاد وسال جرحه وسقاه حبّكم سلاف الشّ ... هد حتى زاد شطحه وعصى العذول لأنّه ... يدعو إلى السّلوان نصحه يا نازلين على العقيق ... عقيق دمعٍ طال سحّه أين الأناة فإنّ لي ... كبداً بكم أعياه قرحه جودوا بإرسال النّسيم ... عسى يدواي القلب نفحه يا جاد روض ربوعكم ... غيثٌ به يخضلّ طلحه وسقى بأكناف الحمى ... غيثاً كطعم الشّهد ملحه وله غير ذلك، عفي عنه، آمين. تجمع العساكر جمادى الثانية، في أوله ورد عسكر من حلب مع كيخية باشة حلب، وعسكر من أدنة أيضاً، وأن حسن باشا سافر للروم ليصلح شأنه من أجل العرض فيه من ابن بيرم. الشيخ بركات الرفاعي وفي أواسطه توفي الشيخ الصالح بركات الرفاعي الصالحي، وأصله من مضايا، قرية بوادي بردى، وكان حصل له جذب في بدايته وتقيد في خدمة الولي الشيخ عثمان أبو الخواتم الصالحي من أرباب الجذب والأحوال، والصحو والكمال، وكل أصابعه خواتم غاصة إلى العظم. وقيل إنها تزيد على ثلاثين، لا يخلع شيئاً منها ولا يقدر، وقيل غير ذلك، وقيل كانت جملة بلدان من البلدان، لأنه كان في عضده سوار غاص فاجتمع جماعة ومسكوه قهراً وردوه وهو يصيح ويقول لا تردوه فالحوا وفكوه عن عضده، فأخذ يتأسف ويتحول ويلطم على يديه، فما مضى شهر من الزمان، إلا وأخذت النصارى بلدةً عظيمة من المسلمين في بلاد الروم. وفيه صلي الظهر على الشيخ بركات يومه ذلك بالخاتونية ودفن بقاسيون، وذلك يوم السبت آخر جمادى الأولى، آخر يوم فيه، وقيل أواسط جمادى الثاني، والله أعلم. سفر الباشا للجردة وفي الشهر المذكور دخل عساكر من أدنة للركوب على كليب. وفي تاسعه يوم الاثنين سافر ابن كرد بيرم من السرايا بعد الظهر، ونزل بقبة الحاج، قيل للركوب على كليب، وقيل لخرب قلعة جبريل لأنه بلغه أن فيها ذخائر العرب، وقيل ينتظر جواباً، لأن كليب أرسل للسلطنة أكياساً وأخذها له حسن باشا رفيقه الذي توجه للروم لإصلاح القضيتين. الشيخ حسن السكري وفيه بحلب، توفي العلامة الشيخ حسن السكري الحلبي مدرس البرهمية. وكان فقيراً في بدايته، ورد على دمشق وحج، ثم إنه ذهب للروم وأثرى جداً، وصار عليه قرى ومالكانات في آخر أمره، وما مات إلا ذو ثروة وذلك ببركة العلم. الشيخ محمد الميقاتي وفي آخره، يوم السابع والعشرين، يوم السبت توفي الشيخ الفاضل الحيسوب الفرضي الماهر، الشيخ محمد الميقاتي. كان ماهراً في فن الفرائض والحساب والفلك، قاطن عند مسجد القرماني بالجسر الأبيض، داخل المحلة، عند دار بني سنان أفندي، كان يؤذن بمسجد القرماني، ودفن بتربة الزغبي، بالزاي والغين المعجمة، الشيخ محمد الولي، وذلك بسفح قاسيون، وصلي عليه الظهر بالخاتونية. رجب، وأوله الخميس، وقيل الأربعاء، ورد محمد باشا ابن بيرم. زلزال دمشق

стр. 30

وفيه في شعبان سابعه في السنة المذكورة، ليلة الأربعاء. صارت بدمشق زلزلة عظيمة، ولم يهلك أحد إلا رجل واحد في خان عند الأبارين، وأما في البر كثير. الزينة للسلطان وفي سابع عشرينه، جاءت الزينة، وهدأت الزلزلة، وبقيت الزينة عشرة أيام. وقيل في إسلام بول بقيت الزينة عشرين يوماً لأن السلطان جاءه ولدان ذكوراً. رمضان فيه ورد حج من الروم. خروج القافلة ٢٠ شوال شوال فيه طلع الحج في العشرين فيه، ودورة المحمل في الثامن من شوال، وبقي ابن بيرم لم يسافر، وأرسل مكانه ابن أخته عبد الرحمن باشة وكيلاً عنه في إمرية الحج. ولم يتعرض كليب للحج في شيء مع ركوبهم عليه، لكن في العلا أخذ العنزيون الصر، وأخذوا صر كليب له، وأُخذ من الراكب والماشي حتى لم يتركوا أحداً. عزل القاضي في آخره عزل مستقيم أفندي بزيادة ثلاثة أشهر. سقوط قلعة جبريل القعدة، وصل خبر بأن ابن بيرم أخذ قلعة جبريل ولم يجد فيها غير القمح والزيت، فحرقها وحرق، من فيها من الفلاحين، وكان يظن أن فيها أموالاً للعرب. دخول القاضي عارف أفندي في أوله أيضاً، يوم الاثنين، دخل قاضي الشام عارف أفندي ابن إسرائيل، من جهة الصالحية، وزار قبر المحيوي ابن عربي قدس سره، ونزل بعد العشاء وقدامه المشاعل. وفيه جلس باش كاتب موضع محمد جلبي ابن الاستنبولية محمد أمين أفندي، بن صالح أفندي الشامي الأصل الدمشقي الوطن حالاً. الشيخ علي العمادي ذو الحجة يوم الخميس الرابع والعشرون، فيه توفي مولانا العالم العلامة علي أفندي العمادي المفتي لسنة سبع وماية وألف، وصلي عليه بالجامع الأموي ودفن بالباب الصغير. الشيخ محمد الشامي وفي تاسع عشرينه، توفي الشيخ الفاضل الشيخ محمد الشامي الحنفي، ودفن بالباب الصغير. وفيه سافر في أواخره قاضي الشام مستقيم أفندي مع الخزنة. وفيه جاء إقرار لابن بيرم، وضرب كم مدفع. ولد للمؤلف وفيه ولد محمد سعيد يوم الخميس في أوله. الثلج العظيم الثلج العظيم وفي سبته كان الثلج العظيم بدمشق، لم يعهد مثله من زمان، والله أعلم. محرم الحرام سنة ١١١٨ محرم الحرام سنة ثمان عشرة وماية وألف ١٤ - ٥ - ١٧٠٦م الحكومة وسلطان الممالك الرومية وبعض العجمية وبعض الممالك العربية هو مولانا السلطان أحمد بن محمد خان، وباشة الشام محمد باشا بن بيرم، وقاضي الشام عارف أفندي الذي جاء بعد مستقيم أفندي، والمفتي أبو الصفا بن العارف الشيخ أيوب، وأمير الحج عبد الرحمن باشا، ابن أخت ابن بيرم وهو في الحج الشريف، ونائب الباب إبراهيم أفندي النقيب. الجردة أولها الأربعاء. رابعه الأحد، خرجت الجردة وأميرها محمد باشا ابن بيرم. في خامس عشر محرم، نهبت العرب الجردة ورجع الباشا ومن معه للجابية ولم يسلم معه سوى خزنة المال هرب بها علي الجابية، وأبقى الخيام والصيوان والجمال والأحمال، فأخذ الكل العرب، ولا قوة إلا بالله. عبد الرحمن الموصلي وفي يوم الاثنين عشرين محرم الحرام، توفي إلى رحمة الله الأديب الكامل مولانا الشيخ عبد الرحمن الموصلي الشافعي شيخ الطريقة الكواكبية بدمشق، وصاحب الشعر الرايق والديوان المشهور. مولده سنة ثلاث وثلاثين وألف، وتوفي في هذه السنة، أي سنة ثمانية عشر، فيكون بلغ الثمانين عن أولاد كبار: الشيخ أحمد وهو الذي جلس مكانه، والشيخ حسن، والشيخ إبراهيم، وأما ابنه العلامة الشيخ خليل فقد توفي قبله، وتقدم ذكر وفاته، فلا يعاد. وصلي عليه بجامع المصلى ودفن بتربة مسجد النارنج، ومن شعره ﵀، ما أنشدني لنفسه قوله: ولم أطلب التبخير عند فراقنا ... بعود القماريّ كي أزيد به ودّا ولكنني بالعود أبغي تفاؤلاً ... بعودٍ، وما الورد أبغي به الوردا وله قوله: لو مسّ غصنٌ قد روي ببنانه ... لا خضل من لمس البنان وأينعا أو أُسمع الحجر الأصمّ حديثه ... لاهتزّ من لطف الخطاب وشعشعا وله مقصورة حسنة مشهورة مذكورة في ديوانه. صفر، في عشرينه، توفي ولد لعبد الرحمن أفندي القادري، ابن عشر سنوات، وصلي عليه بكرة النهار، ودفن بالباب الصغير. الجارية الهاربة

стр. 31

وفيه لقى قاضي الشام عارف أفندي القصير جاريته البيضاء التي كانت هربت من سيدتها على البساتين، من كثرة ما كانت تقتلها، وكان القاضي إذ ذاك بالصالحية، نادى عليها مراراً فلم يظهر لها على خبر، وأمر البساتنية بالتفتيش عليها حتى وجدوها في داخل وردة كبيرة تشرينية مخبأة، فجاؤوا بها إليه بعد أن أرسل إليها من جماعته حتى مسكوها. فيضان النيل وفيه سمعنا أن نيل مصر ساح، وأن أهل مصر استسقوا بالفيض، في جبل المقطم، وعند الجيوشي، وفي القرافة، وعقيب الصلوات، وفي الموادن، وقيل خمسةً وعشرين ذراعاً أو ثلاثة وعشرين. تأخر الحاج وفيه أُخبرنا أن الحج بارك في المدينة المنورة من العرب، وكان المعتاد يجيء في خمسة عشر يوماً في صفر. وفيه يوم الجمعة، جاء قبجي بتقرير لابن بيرم. نزول الأسعار وفيه نزل السعر عما كان، وكانت وصلت الغرارة إلى ثمانية عشر غرشاً، مع محافظة الحكام على الحواصل وضبطها، فنزل بنفسه، ولله الحمد. (من صفحة ١٠٦ في الكتاب يوجد خطأ في الترقيم؟ إلى صفحة ١٢٣ في الكتاب) غير المفتي أبي الصفا، والقاضي إسحق أفندي بن إسرائيل، والخطيب الأسطواني، ومحمد أفندي العمادي، وزاد في الطلوع معهم الكمال يونس المصري، مدرس قبة النسر بدمشق، والباش كاتب محمد جلبي الأسطواني. ظاهر السلامة يحارب كليباً وفي يومه، بلغ أن ظاهر السلامة جمع جموعاً كثيرةً على قتال كليب، ما ينوف على أحد عشر ألفاً، بالفرمان السابق بيده، وكان سليمان باشا أعرض لكليب وأخبر أن ظاهر سلامة، مختفي، ولا يقدر على تدرك الحج، فكان قرا محمد باشا ينتظر جواب العرض الثاني، ولكن كان معه فرمان بقتل كليب، فتوقف لأجل العرض الثاني، وورد العفو، وأظنه رجع على صيدا. قوات في القلعة وفي يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر دخل من الروم ثمان أُوض وسكنوا القلعة. القبض على ثائر القدس وفي يوم الأحد حادي عشرين ذي الحجة أخبرني بعض أكابر الشام، أن نقيب القدس الذي كان عصى فيها، وجمع جموعاً من المسلمين والنصارى ونكل البلاد وصار يحكم بالقدس كما شاء، مسك بحماة متذهباً إلى الروم، وكان في حقه فرمان. اعتقال شيخ الإسلام وفيه بلغنا أن السلطان أحمد عزل صادق أفندي عن مشيخة الإسلام، وسببه فيما سمع، أن صهره يحيى أفندي خلف مالاً نحو الألف كيس، أخفاها عنده إلا ما قل، ثم أخذ السلطان موجوده ليظفر بالمال، فأخذ الثلثين، والثلث للورثة، وأخذ هذا المال ليستعين به على قتال الكفار، لأن المال في دار يحيى أفندي جاء خمسين كيساً، وأخبروا السلطان أحمد أنه ألف كيس عند شيخ الإسلام، فسركن في الحال وضبط موجوده كما سبق. علماء دمشق في صيدا وفي تاسع عشرين الشهر، جاء ناس من جماعة أحمد أفندي البكري الدمشقي، أخبروا عن البكري والقاري والمحاسني أنهم في قلعة صيدا، قال، وهي في البحر. وفي يوم الخميس السابع والعشرين، كان آخر الخلوة البردبكية بدمشق، واجتمع خلق كثير من الأكابر والأعيان. وفي يوم الجمعة ثامن عشرين ذي الحجة، وصل مكاتيب من الخزنة السكرية، ومن أولاد الشام الذي سافروا معها، وأنهم بخير. وفي يوم الثلاثاء، ورد من القاضي الجديد الآتي، ورقة في نيابة الباب لعبد الرحمن أفندي القاري، وكان مسركناً بصيدا، فجلس بعض النواب الذين سبقوا، والله يحسن الحال. محرم الحرام سنة ١١١٩ ٣ - ٤ - ١٧٠٧م الحكومة وسلطان الممالك الرومية وبعض العربية والأعجمية السلطان أحمد بن محمد خان بن عثمان، وكافل دمشق سليمان باشا، غايب في الحج الشريف، والمفتي أبو الصفا أفندي، والحاكم نائب القاضي الجديد الآتي، رجل من الأروام، وتاريخه في الجلوس أول يوم في المحرم. عزل القاضي وفيه عزل قاضي الشام عارف أفندي إسرائيل زاده الكجك، ويوم الأحد، أول الشهر على اليقين، وصل نائب القاضي الجديد، والقاضي بعده بالروم. وفيه سافر مولانا الشيخ مراد اليزبكي إلى بلاد الروم، وخرج أولاً على جهة السواحل. الجردة وفي يوم حادي عشر محرم، رجعت مزيربتية الجردة ومعهم قرا محمد باشا، وذهب نحو القنيطرة محافظاً، وأرسل معهم عسكراً إلى الشام.

стр. 32

وفي ثالث عشر محرم، توجه الشيخ إبراهيم السعدي إلى صيدا لزيارة ابن أخته أسعد، وبقية الجماعة الكاينين بقلعة صيدا، وأخذ لهم من طرف الشام، والله يعجل خلاصهم. وفي أواسطه بلغ خبر بأن عرب بني عطية تعرضوا للجردة، والله يلطف بالمسلمين. الشيخ إبراهيم الدالي صفر، سابعه، يوم الثلاثاء، توفي إبراهيم أفندي بن الدالي أحمد، وصعد به للصالحية، وصلي عليه بالسليمية، ودفن بتربة الشيخ أبي السعود ابن الشبل البغدادي، قبلي تربة الشيخ محمد الشياح وشرقي روضة تربة الموفق ﵀. وكان من تلاميذ الشيخ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي، وحضره، وهو صلى عليه، وكان حين دخول النعش، كان في فاتحة آخر الدرس، فأوقفوه حتى فرغ الشيخ، ثم شرعوا في الصلاة عليه. وفيه في تاسعه، دخل قاضي الشام الجديد عثمان أفندي رحيقي زاده، وفي يوم العاشر يوم الجمعة صلى في المقصورة. السيل يعترض الحجاج وفيه وصل خبر عن الحج أنه بخير، وأنه عارضهم في منزلة هدية سيل عظيم، وأخذ السيل شاباً من الزعماء بفرسه، من أولاد عبد القادر آغا الرحيم الشهير بأبي الشامات، وكان فرغ لولده هذا عن الزعامة، فصارت محلولاً للباشا، فيحتاج في ردها لكلفة. وفي يوم الاثنين ثالث عشر صفر، جاء الكتاب، وأرسل الباشا للنصارى واليهود يحملوا شمعاً قدام الباشا في يوم دخوله، وأمر بالزينة. وفي يوم الخميس السادس عشر من الشهر دخل الباشا والمحمل وكان موكباً حافلاً، وحرجوا على الزينة، ولم يعهد هذا. وقيل إنه وقع فتنة بين سليمان باشا وأيوب بيك المصري، وكان الظفر للشوام. ومات بمكة السردار ابن قزلباش من نواحي جامع الورد. المناوشات مع الدبيس وبني عطية قيل والسيل الذي بهدية عوقهم أيام، ولم ينج إلا الذين ترفعوا إلى الجبال، وذلك في الرجعة. وقيل عارضهم شيخ البلاد العلاوية وأخوه زيدان، وقاتلهم سليمان باشا وكسرهم وفر الدبيس، وخرج على كليب، وكان مع الجردة، عرب يقال لهم بنو عطية فقاتلهم وكسرهم وقتل منهم شرذمة، وبنو عطية من هوى ظاهر بن سلامة. ولم يذهب للحج ولا للجردة شيء، ولله الحمد والمنة. وفي يوم السبت ثامن عشر الشهر، فكت الزينة، فبقيت الخميس والجمعة والسبت. ربيع الأول، في ثانيه، يوم الخميس توفي ابن الباشا ابن ثمانية أشهر، ومشى الباشا من السرايا إلى التربة، ولقيه قاضي الشام، والمباخر العود مشعولة قدامه. وأظنه كان مؤخراً عن الجنازة كما هو السنة، وقيل حمل فيه إلى السرايا وهو شديد البكاء، ومشى قدامه العلماء والقضاة وأكابر الدولة وقدامهم المباخر بالعنبر، وعلى السحلية مخمل مزركش. ودفن بالباب الصغير في حضرة بلال ﵁. وفي الرجعة عاد للسرايا راكباً. وفي يوم السبت رابع ربيع الأول سافر شاه بندر إلى عند الأفندية على ستة أكياس. القاضي محمد المعاريكي يوم السبت عشرينه، وصلوا الأفندية ليلاً وواجهوا سليمان باشا. وفي ليلة الاثنين ثاني عشرين ربيع الأول توفي إلى رحمة الله مولانا القاضي محمد بن القاضي حسن المعاريكي الصالحي الحتفي، باش كاتب محكمة العربية، المتولي غالب الأوقاف بنيابة المحكمة الصالحية، ولم يكن أحسن توريقاً ولا خطاً من خطه، وتخرج عليه جماعة من كتاب الصالحية. وكان كاملاً عاقلاً ديناً، طويل القامة نير الشيبة باذخ المنظر. وأُعلم له بالصالحية، وصلي عليه بجامع السلطان سليم، ودفن بالسفح شرقي المولى الشيخ عبد الهادي. رصف طريق الصالحية وفي خامس عشرين ربيع الأول، ألزم الباشا البساتنية بعمل الطريق طريق الصالحية، وكان المعمارية خمس أجواق على طول الطريق. في يوم الجمعة أول ربيع الثاني، صعد للصالحية سليمان باشا وصلى بالسليمية، وزار المحيوي بن عربي وفرق دراهم. وكان له كم يوم بقاعة حسين أفندي بن قرنق بالصالحية. الكشف على مئذنة الأموي الشرقية وفي يوم الجمعة ثامن ربيع الثاني صلى الجمعة بالأموي، ثم صعد هو وقاضي الشام للكشف على المادنه الشرقية لخراب راسها من أيام الزلزلة الكائنة في سنة سبع عشرة وماية وألف. سفر الباشا

стр. 33

وفي يوم تاسع عشر ربيع الثاني برز للمرجة لأنه مراده الركوب على نابلس وغيرها، ثم من المرجة رحل للوان، ثم للمزة، ثم ذهب نحو الديماس على جهة البقاع، وفي آخر الشهر كان بمرج عيون، وكان سافر ليلاً لتجري التركمان بدمشق عليه، وشوكتهم الآن قوية. جمادى الأول، لم يقع ما يؤرخ. حسن باشا أميراً للحج جمادى الثاني، الثلاثاء في العاشر فيه، وردت إمرية الحج لحسن باشا ابن القواس. وفيه دخل متسلم الباشا الجديد ليوسف باشا القبطان، وانفصلت الإمرية عن دمشق. وفي يوم الجمعة ثالث عشر الشهر، نودي على السكمان بالخروج من دمشق. يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر دخل إبراهيم أفندي بن حمزة نقيب الأشراف الظهر من على الصالحية. عزل الباشا رابع عشرينه، ورد سليمان باشا من سفرة مرج عيون، ناحية البقاع، وهو معزول، ثم سافر بعد أيام من دمشق، وكان أنهم أرسلوا له تقريراً بسنة أخرى، ثم أرسلوا عزلوه. عبد المحسن الخلوتي يوم الأربعاء ثالث عشره، توفي السيد عبد المحسن أفندي الخلوتي، أخذ عن زين القضاة عيسى الخلوتي، وكان مواظباً على قيام الليل وله أوراد وأذكار تلقفها من أستاذه المزبور وصلي عليه بالأموي ودفن بالدحداح. عبد الجليل الحنبلي وفي خامس عشر جمادى الثاني، توفي الشاب العلامة المحقق المدقق الشيخ عبد الجليل بن المفتي الشيخ أبي المواهب الحنبلي، وصلي عليه بالأموي ودفن بالدحداح، بالتربة الشرقية. وكان فاضلاً بارعاً فهيماً مواظباً على المطالعة والإقراء، ودرس بالجامع مدةً. نظم الشافية في الصرف وشطر ألفية النحو لابن مالك، أخذ الفرائض والحساب عن والده، وقرأ في المعاني والبيان على الفتال، والأُصول على مولانا الشيخ إسماعيل أفندي ابن الحايك، والنحو على القطان، وقرأ في العقليات على شيخنا الملا عبد الرحيم الكابلي وغيرهم كثير، وكان مرضه الدق، عفي عنه آمين. في آخر جمادى الثاني عمرت القناة المقابلة لجامع السليمية. دخول الوالي يوسف باشا وفي يوم الاثنين، آخر جمادى الثانية، دخل يوسف باشا القبطان ضحوة النهار، وهو رجل تام نير الشيبة مليح الطلعة، وفي يوم الجمعة جاء وصلى بالجامع الكبير، وسأل عن مدرسين الجامع وأمر بالتقيد. وهو كثير الزيارة للأولياء والصالحين. العوام يرجمون القاضي وفي يوم السبت ثاني رجب، رجم العوام القاضي. والسبب أن التركبدية حاشروا الناس على صرفهم وأخذوا حوانيتهم. محمد الروزنامجي وفي اثنين وعشرين شعبان، توفي محمد أفندي الروزنامجي، وكان دفتاراً، وهو مسرف على نفسه سامحه الله، ودفن بالباب الصغير، وخلف ديوناً وعليه وظائف، وغالب سقبا. وفي آخره، ورد حج من الروم، ركباً بعد ركب. الشيخ محب الدين التغلبي يوم الجمعة آخر شعبان، توفي بالصالحية الشيخ محب الدين التغلبي الشيباني، وصلي عليه بالخاتونية، أعني الجديد وحضر للصلاة عليه عثمان أفندي قاضي الشام، ثم بعد الصلاة، رجع إلى عند صالح جلبي المحاسني نايبه بالصالحية ودفن بتربتهم بزاوية عماد، التي في أيديهم الآن قرب دارهم. عتو التركبدية رمضان، أوله السبت على رؤية الهلال. سابعه، سكرت البلد لسبب أن التركبدية قتلوا رجلاً ووقفوا على رأسه، فهرع السكمان بالسيوف المسلولة من الخانات، فهربوا التركبدية والقبوقول للقلعة، فأرسل يوسف باشا فقال للآغا: سلم الغريم، فلم يرض، وتمت البلد مسكرة أيضاً، وكذلك الأحد، ولم يتم أمر. درس في الأموي وفي أثنائه، ابتدأ الشاب الشيخ أحمد بن الشيخ عبد الكريم الغزي، مقتي الشافعية بدمشق، بالبخاري، مقابل محراب الشافعية، وكان درساً حافلاً، ودعا إليه العلماء والموالي. فحضر السيد إبراهيم أفندي النقيب، وكذلك أبو المواهب الحنبلي المفتي، والشمس محمد الكامدي الشافعي، وأسعد أفندي، وعبد الرحمن أفندي، ومرة أخرى كان الشمس الكاملي، والكمال يونس المصري مدرس قبة النسر. وفي خامس عشر شعبان المبارك، ورد ولدنا الشيخ أحمد من الروم، وكان له نحو سنة كاملة. الشيخ إبراهيم البيطار

стр. 34

شوال، في ثاني عشره، يوم الجمعة، توفي الشيخ الصالح العابد الشيخ إبراهيم البيطار، وصلي عليه بالأموي، وكان ترك الأسباب، وانقطع إلى الله في مسجد النارنج، ثم بعد الصلاة، توجهوا به للصالحية، ودفن بتربة الشيخ محمد الزغبي، بالزاي والغين المعجمة، بسفح قاسيون. يوم الخميس ثامن عشر شوال طلع المحمل إلى قبة الحاج، والأمير حسن باشا ابن القواس ومعه من العسكر والأزلام مائة وعشرون بيرقاً، كل بيرق نحو الخمسين. مصرع امرأة وفيه أصيبت إمرأة بالرصاص، من نواحي جامع المرادية، وصلي عليها بالقرب من جامع الحيواطية. وفي يوم الاثنين رابع عشر شوال، طلع الحج الشريف وهو في غاية من النضارة، والدورة كانت في يوم الثامن من شوال. وفي يوم ثمانية عشر، دخلت الخزنة المالية من مصر. وفيه كان طلوع الحج الشريف يوم الخميس. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشر دخل العجمي. وفي ثاني عشرين شوال، الجمعة خرج العجمي، والقاشوش يوم السبت ثالث عشرينه. خطيب القلعة وفيه صلي على الشيخ عبد الرحمن خطيب قلعة دمشق، والساكن فيها، وأعلم له، وكان حصل له لوقة في مرضه، وسوى له إياها الأخ الشيخ محمد بن المجذوب القطناني الخلوتي، ودفن بالدحداح، وعليه وظائف كثيرة، وله ثروة زائدة، وخلف أولاداً ذكوراً، وكلها وجهت لهم. وفي يوم السبت سابع ذي القعدة رحلت الخزنة. وورد أول المزيربتية. فتن في بعلبك وفيه أن رجلاً هندياً ببعلبك في الجبل عند اليوناني، اتهم بمال، فخرج بعض القطاع فقتلوه ظناً أن عنده مال، فلم يجدوا شيئاً. فقام الحاكم رمى عليهم مالاً قدر خمسين غرشاً، ثم نزل إلى الثلاثين، فحاربوه وسكروا البلد فحاصروه في سراياه، فقتل منهم أنفار. فنزلوا لدمشق للشكاية عليه، فطلبوا منهم بينةً، فلم يجئ أحد، فخرجوا من عند الباشا على ثمانية أكياس بعد الحبس والإهانة، فانظر ما صار من تحت ثلاثين غرشاً، فقتل ثلاثة أنفار وخسروا أكياساً. عزل شيخ الإسلام وفي آخر ذي القعدة، وصل خبر من الروم بأن شيخ الإسلام صادق أفندي عزل عن مشيخة الإسلام وقيل، أقيم السيد علي أفندي نقيب الأشراف سابقاً. ذو الحجة، أوله الخميس، في أوله ورد عمر آغا من الروم، ابن أحمد آغا الناشفي. يوم الأحد، حادي عشر ذي الحجة، أخبرني الأخ عمر آغا أن سببه، أن السلطان مات له عمة أو بنت أخ، فخرج الناس للصلاة، وتقدم للصلاة شيخ الإسلام فكبر ثلاثاً ثم سلم. فاغتاظ السلطان وطلب غيره، فجيء ببالي زاده، فوقف مكانه. وكان كبير السن، فلذا ذهل عن الأربع تكبيرات. مكاتيب العلا يوم الاثنين عشرين ذي الحجة، جاء مكاتيب من العلا، وتأخرت عن عادتها، وفيها أن الحج بخير، وأنه طلع عليهم الدبيس، ووقع بينهم وبينه، وعادت إلى الصلح. وفي يوم الثلاثاء حادي عشرين ذي الحجة، عزل محمد أفندي الأسطواني، الباش كاتب، وبقي في مدة عثمان أفندي قاضي الشام أيام لأن مدته إلى محرم. الاثنين، سادس عشرين، ختام الخلوة البردبكية بدمشق. محرم الحرام سنة ١١٢٠ محرم الحرام سنة عشرين وماية وألف ٢٤ - ٣ - ١٧٠٨م الحكومة وسلطان الممالك الرومية وبعض العربية وبعض العجمية، السلطان أحمد ابن السلطان محمد خان بن عثمان. والباشا يوسف باشا القبطان، وقاضي الشام رحيقي. والمفتي أبو الصفا أفندي، والعلماء والمدرسون بحالهم. أوله السبت، ثالثه كان أول الخلوة البردبكية بدمشق، وحضر علماء وأعيان، ومولانا العارف العلامة الشيخ عبد الغني وغيره من الأعيان. اكتمال بناء المأذنة الشرقية وفي الاثنين عاشر الشهر، كملت المادنة الشرقية، وكان وقع رأسها من سنة سبع عشرة وماية وألف، سنة الزلزلة. الملا حمزة الكردي يوم الخميس، يوم العشرين من الشهر، توفي العلامة ملا حمزة الكردي مدرس الفارسية والمستوطن بها، عن ولد صغير فرغ له عن وظائفه. وكان في ابتدائه ذهب للروم ويركب بالخدام والتوابع، ثم ترك ذلك، وكان له معرفة بكلام الشيخ محيي الدين. وغيره من العلوم، وصلي عليه بالجامع الكبير، ودفن قرب بلال ﵁. كليب ينقذ الجردة من الدبيس

стр. 35

وفي يوم السبت آخر محرم الحرام، جاء نجاب من الدبيس، وأخبر أنه تعرض للجردة وعوقها ثلاثة أيام، حتى وصل كليب فأخذها ونهب الدبيس وكسره وانجرح الدبيس أيضاً، وهو متمرض، وأخذ منهم جمالاً وأسر منهم جماعة. ثالث عشر صفر، جاء الكتاب وأخبر أن الحج يصل بعد سبعة أيام. شعر للكمالي الصالحي وفي ليلة الثلاثاء سادس عشر صفر، في جامع السليمية، أنشدني إمامها الشيخ إبراهيم الأكرمي، وكان فيه بعض طاعون، بيتين لجده لأمه القاضي الكمالي الصالحي: بطشت يا فصل في دمشق ... بأبنائها أيّ بطش فكم بناتٍ بها بدورٍ ... فأنت صيرّتها بنات نعش وفي يوم الأربعاء، دعينا إلى قصر حسين أفندي حسبي باشا بالميدان الأخضر. إبراهيم حمزة عشرينه في صفر، جاء الكتاب وأخبر أن السيد إبراهيم بن حمزة نقيب الأشراف توفي بذات حج، ودفن مقابل القلعة. وفي الواحد والعشرين ورد سبق الحج. ماء السمرمر وفي الثالث والعشرين، يوم الاثنين، ورد ماء السمرمر ودخلوا فيه من على الأسطحة، وضعوا واحدةً في مادنة العروس، والسليمية واحدة، والتكية واحدة، وجامع المصلى واحدة، واجتمع يوم دخوله ما لا يحصى من الخلق، وخرج المشايخ بالأعلام والمزاهر. دخول الحجاج ٢٤ صفر وفي يوم الرابع والعشرين من صفر، ورد الوفد الشامي في ساعة شروق الشمس، وهم في غاية من الصحة، وحصل ضيق في الميرة وموت جمال، ولكن أدركتهم الجردة، وأن حسن باشا الأمير تهاون في أمر الصر في الطلعة، فعارضوه عند الدار الحمرا، وكان يعدهم كل يوم ويقول إلى غد، إلى أن خرجوا عليه في الدار المزبورة، فنزل وأرضاهم وأعطاهم من الصر ولا قوة إلا بالله، ومات له في الرجعة جمال كثيرة للحج، وتعرض الدبيس لهم، لكن داركهم كليب وبيارق الجردة فكسروهم وانجرح الدبيس، وقيل إنه لا يعيش منه، والحمد لله. يوم الخميس، الخامس والعشرين، دخل المحمل الشريف ونزل حسن باشا بعد أن دخل المحمل عند التركمان في الحقلة لأن عليه دين كثير، وذهبت جماله، فيما سمع. الشيخ يونس المصري ربيع الأول، توفي الشيخ الإمام العالم العلامة الكمال يونس المصري الشافعي مدرس التقوية، ومدرس القبة بجامع بني أمية. وأعلم له، وصلي عليه بالمصلى ودفن بالباب الصغير. نزهة وفي ذلك اليوم، دعانا بعض الأصحاب إلى بستان يقال له بستان ابن القرندس، وكان أيام الزهر، وكان معنا الشيخ إبراهيم الأكرمي، إمام جامع السلطان سليم خان، عليه الرحمة والرضوان. تدريس القبة قيل إن تدريس القبة عرض فيه الباشا للشمس الكامدي، وألزم قاضي الشام بالعرض، وأنه يعطي ما صرفه الشيخ أحمد الغزي الشافعي المفتي على تدريس القبة لحضرة القاضي، قيل أعطاه ماية غرش، وعمل ضيافةً مكلفة للعلماء والموالي. وفي آخر ربيع الأول. رحل السقاباشي وبقية الحجاج ونائب الباب مع نساء عثمان أفندي رحيقي زاده. بيع كتب المدرسة العمرية في سادس عشر ربيع الأول، أنزلوا كتب السيد إبراهيم أفندي ابن حمزة إلى الجامع الأموي لأجل البيع، وبقيت تباع كل يوم إلى مقدار شهر. وخلص الشيخ صادق أفندي بن الخراط الحنفي نحو ثلاثمائة مجلدةً، كلها من وقف العمرية. وكان السيد إبراهيم ناظراً على الكتب الموقوفة بالعمرية، مهما أراد يأخذ منها. وهذه كتب الوقف عند كثير من الناس، لأن الناظر قد يعير منها للطلبة ويكتب اسمه في دفتر حتى لا تتعطل، لشغور المدرسة العمرية عن المجاورين، فإنها خالية ما عدا بعض الفقراء من المتسببة، ولا قوة إلا بالله. الشيخ قاسم المغربي وفيه في ربيع الثاني، الأحد حادي عشرينه توفي الشيخ العالم العارف الصالح المتعبد الناسك الشيخ قاسم الحبشي المغربي، نزيل المدرسة السميساطية وذلك بالطاعون وصلي عليه بالجامع ودفن بالدحداح. وكان أكثر مطالعته في الفتوحات المكية وكتب الشيخ محي الدين الأكبر، ويحل لعبارته. الشيخ عثمان بن حمودة وفي سادس عشرين ربيع الثاني توفي الشيخ العالم الفقيه الشيخ عثمان ابن حمودة الشافعي، كان من أئمة الجامع، وعليه نصف خطابة جامع الآغا، غربي الأبارين، ودفن بالباب الصغير.

стр. 36

وفي عشية يوم الثلاثاء، يوم الثلاثين من ربيع الثاني، دخل نائب القاضي مراد أفندي، القاضي الجديد، وسافر عثمان أفندي رحيقي زاده إلى جهة ترابلس. تدريس القبة للعجلوني وفيه بلغ الخبر بأن تدريس قبة النسر وجهت للشيخ العالم الشيخ إسماعيل العجلوني الشافعي وكان بالروم، فأخذها عن محلول الشيخ يونس المصري المذكور. جمادى الأولى قدوم القاضي مراد أفندي يوم الخميس، ليلة الجمعة في الثالث والعشرين من الشهر، ورد قرا مراد أفندي قاضي الشام من حرستا إلى الصالحية، وزار الشيخ محيي الدين بن عربي، ثم نزل على ضوء المشاعل. القاضي محمد الجقمقي جمادى الثاني، أوله السبت، يوم الاثنين سابع عشر، فيه توفي القاضي محمد الجقمقي الحنفي. نصوح باشا والياً وفي يوم الاثنين رابع عشرين جمادى الثاني، دخل متسلم نصوح باشا. وجاء إلى عند القاضي مراد أفندي، وسجل براءته، وعزل يوسف باشا القبطان وخرج من على برج الروس، وكان في الحلم والكمال وقلة الظلم، على جانب، بل لم يقع منه ظلم أحد، وقد دخل على حرستا. نزهة في بستان الوقف وفي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين، فيه كنا ببستان الوقف، وكنا نحن وجماعة من الأفاضل: الشيخ إبراهيم أفندي البهنسي، والشيخ إبراهيم، إمام جامع السليمية، والأخ الشيخ محمد الكاتب بن عبد الهادي، وغيرهم. تدريس قبة النسر وفي آخر الشهر، يوم الأحد، ورد الشيخ إسماعيل العجلوني الشافعي بتدريس قبة النسر عن محلول الكمال، الشيخ يونس المصري الشافعي كما سبق. يوم الثلاثين، الاثنين من جمادى الثاني، سافر يوسف باشا القبطان على جهة برج الروس، وخرج لوداعه القضاة والأعيان ودولة الشام، ولم يتخلف أحد، ونزل بالقابون عند المصطبة، وكان حليماً لا يأخذ من أحد شيئاً، ولا يظلم ولا يسفه ولا يقتل، حسن الحال نير الشيبة، معتدل القامة، مهاب المنظر، ولم يحدث منه شر لأحد مدة إقامته بدمشق. ضيافة قبة النسر وفيه دعا مدرس قبة النسر إلى ضيافة الدرس، العلماء والأعيان، وجلس أول شهر رجب الاثنين، وقيل أوله الأحد، للتدريس تحت القبة وحضر بعض أكابر وأعيان. وفي ثاني عشرين رجب، ورد محمد آغا الفلاقنسي من الروم وأخذ الدفتردارية بالشام. وسمع أن محمد جلبي، ابن الاستنبولية، وصل للروم ونزل عند باش قلعة، وحصل له إكرام زائد. حفلة ختان وفي سابع عشرين رجب دعينا إلى ختان عبد الغني بن الشيخ عبد الباقي الجلدة، وكان أكابر وتجار، ولم يأخذ من أحد شيئاً. وفي الخميس عاشر شعبان، أُطلق حسن الآغا القبجي من سركنة قبرص، وكان سركن إليها في ثمانية عشر وماية وألف. نصوح باشا قادم وفي يومه، ورد في البحر في المراكب إلى صيدا نحو ثلاثة آلاف غرارة من الحنطة، من بلاد ناصيف أو ناصوح باشا، وهو باشة الشام والحج، ولكن بعد لم يدخل بل قيل إنه جاية، في حلب. وقيل إن معه من العسكر ما لا يحصى، وأن قاسم آغا بن الدرزي التركماني، جيش جيشاً عظيماً لملاقاته خوفاً من الغدر به لشيوخ الزرباوية وهم في وجل منه، والآن شوكة دولة الشام قوية. نزهة وفي ثالث عشر شعبان، كنا في الصالحية بحاكورة الرومي مع صاحبنا صادق آغا، وكان أرسل إلينا إلى عنده للسير، أبقاه الله. مصطفى الغزاوي وفي يوم الثلاثاء الخامس عشر من شعبان، توفي الشيخ الفاضل مصطفى الغزاوي الخلوتي الشافعي. أخذ الطريقة الخلوتية عن الشيخ أحمد السالمي الحنبلي الصالحي الخلوتي، تلميذ الشيخ أيوب الخلوتي، ثم كان خليفته بعد موت الشيخ أحمد من بعده، وصلي عليه بالجامع، ودفن بتربة باب الفراديس الشرقية. الحج الرومي وفي الثامن عشرينه، فيه دخل أول الحج الرومي، ونزل بنواحي جامع الورد، وقيل باشة الشام كم يوم يدخل دمشق وأنه عند حمص. ختم دروس النابلسي وفيه كان ختم دروس الشيخ عبد الغني، درس التفسير بالسليمية بالصالحية. وكان حضر مولانا محمد أفندي العمادي، وعبد الرحمن أفندي القاري، والنقيب العجلاني، والغزي المفتي الشافعي، والشيخ خليل أفندي الحمصاني، وغيرهم من الأعيان. دخول ناصيف باشا بهيئة غريبة

стр. 37

وفي يوم الأربعاء صبيحة يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان، دخل ناصيف باشا بالدرع من على برج الروس وعليه السلاح، مغرق بآلة الحرب، ومعه نحو ألفي خيال، وأربعون حملاً من المال، ما عدا الجمال والبغال والخيول، ولاقى له الأعيان، ومشى قاضي الشام مراد أفندي قدامه رمية حجر لأنه مغرق ولابس الدرع، وعلى رأسه الطاسة، فلم يمش القاضي جنبه، واعتذر للقاضي بذلك. وبلده بودين، ولاقى له ابن الدرزي ومن معه ما يقارب ثلاثين ألفاً. وحضر موكب الباشا من العلماء: قاضي الشام مراد أفندي، تقدم مع جملة الموالي، وأسعد أفندي، والشيخ أبو الصفا أفندي المفتي، ومولانا محمد أفندي العمادي، وعبد الرحمن أفندي القاري، ومحمد أفندي القاري، والنقيب السيد حسن أفندي، ومصطفى أفندي الأسطواني خطيب دمشق، والشيخ عبد الرحمن أفندي المنيني، والشيخ أبو بكر أفندي البعلي، والباش كاتب السيد أحمد أفندي الأسطواني، وضربت له المدافع كما هي العادة. الباشكاتب وفي يوم الثلاثاء، فيه شاع أن الباش كاتب الذي بالروم، توفي بعد أن أتم مصالحه كلها وكان يريد المكث في داره ولا يقارش، وتمم أمر الرقعة في طريق الموالي، ولكن اخترمته المنية. اعتقال شيخ التركمان رمضان، يوم الشك الأربعاء، والخميس أوله اتفاقاً. وفي الخميس ثامن رمضان حبس الباشا عمر شيخ التركماني، من دولة التركمان الزربا، وذلك بقلعة دمشق، جاء ليسلم عليه فحبسه. وفيه ثبت أن أول الشهر كان الأربعاء، برؤية الحجاج، وذلك يوم السابع عشر. عزل آغة الينكجرية وفيه عزل الباشا آغة النيكجرية، وعين عبد الله آغا الرومي، وأودع المعزول بالقلعة. يوم الاثنين السابع والعشرين من رمضان، دخل أول الخزنة. وفيه جاء نيابة العسكرية لقاضي الشام مراد أفندي، عينه قاضي العسكر الذي بالروم عوضاً عن عبد الرحمن أفندي القاري. ختم درس الحديث بالأموي وفي السابع والعشرين، ختم مولانا الشيخ أحمد الغزي درس الحديث مقابل محراب الشافعية، وكانوا في قوله ﵇ من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وأنا القاسم، والله الرزاق، ولا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق حتى يأتي وعد الله، وفي رواية أمر الله، وهذا لمعاوية ﵁، عنه ﵇، وكان ختماً حافلاً. ثم أنشد الرئيس محمد بن جعفر قصيدةً، ثم أنشد رجل آخر أخرى، قيل إن واحدةً لمصطفى بيك بن الرزي والثانية للشيخ العالم الفاضل الشيخ محمد المحمودي الحنفي. العيد وفي يوم الجمعة أول شوال بالثبوت الشرعي، وردت حجة من حمص بأن العيد الجمعة. عبد الحق الصالحي وفي ثالثه، الأحد، توفي الشيخ عبد الحق الصالحي الشهير بابن السكاكيني الدباغ كان كاتباً قارئاً، كتب كتباً كثيرة بخطه الواضح، وكان كثير النصت وذلك بالريح البارد، وصلي عليه بالجامع الجديد، ودفن بالتربة الخوارزمية بالسفح، وفي سابع عشر طلع المحمل. وفي رابع عشرينه طلع الحج الشامي في السبت الأخير، وهذه السنة بطلت دورة المحمل، ويأتي ذكرها في محلها. إمام التوبة وفي سابع عشر شوال المبارك، توفي الشيخ ناصر الدين، إمام جامع التوبة، كان حافظاً للقرآن العظيم صالحاً. قرأ في الفقه الشافعي علي السيد حسن المنير، وفي النحو على التقي حمزة الرومي الحنبلي. وصلي عليه بجامع التوبة ودفن بالدحداح، وكان المطر نازلاً. سابع عشرين شوال، الثلاثاء، طلع الحج الحلبي. وفي تاسع عشرين شوال المبارك، ليلة السبت، أنشدنا بعض الأصحاب لبعض الشعراء. الشيخ علي السليلاتي وفيه في ذي القعدة ثانيه، الأربعاء، توفي من الصالحين الشيخ علي السليلاتي، وصلي علبه بالخاتونية ودفن بالسفح، كان يحفظ القرآن العظيم، وقرأ في الفقه على ابن بلبان والعدوي وغيرهم ن عفي عنه. أسمهان التذكرجي وفي يوم الأحد، تاسع عشر ذي الحجة، توفيت أسمهان بنت محمد باشا الناشفي التذكرجي، وأُعلم لها، وصلي عليها بالأموي، ودفنت بالباب الصغير. أبو الصفا الخلوتي وفي ليلة الأربعاء، آخر شهر ذي القعدة، توفي مولانا العلامة أبو الصفا أفندي المفتي بن الشيخ أيوب، وصلي عليه بالأموي، وصلى عليه إماماً مولانا الشيخ أبو المواهب الحنبلي المفتي، وكان المترجم قد تولى الفتوى سنة ثلاث عشر وماية وألف.

стр. 38

ذو الحجة، وردت مكاتيب العلا وأن الحج بخير. الكسوف وفي آخره، يوم الاثنين، ثامن عشرينه، كسفت الشمس بعد العصر، وصلى الناس صلاة الكسوف، وغابت هي كاسفة. محرم الحرام سنة ١١٢١ محرم الحرام سنة واحد وعشرين وماية وألف ١٤ - ٣ - ١٧٠٩م الحكومة وسلطان المملكة الرومية وبعض العربية والعجمية السلطان أحمد بن السلطان محمد خان، والقاضي بدمشق قرا مراد أفندي، والمفتي غير معلوم، وأمير الحج باشة الشام نصوح باشا بالحج، والعلماء والمدرسون على حالهم. الخلوة المحرم وأوله الخميس، في سادس عشره، يوم الخميس، كان آخر الخلوة البردبكية بدمشق، وحضر مولانا الشيخ عبد الغني وحضر أكابر وأعيان. كتب العمرية وفي ثامن عشر منه أُخرجت كتب خزانة المدرسة العمرية بعدما نفضت ثم أُعيدت إلى أماكنها بنظارة السيد حسن بن السيد إبراهيم أفندي النقيب. نزهة وفيه كنا في سير لبعض أصحابنا بقصر حسين باشا قبلي الميدان الأخضر المطل على بانياس، وكان معنا من الأصحاب عبد الرحيم جلبي الجوخي، ومحمد جلبي بن علي باشا الأطرقلي، وعلي آغا الرومي، والشيخ مصطفى البعلي المنشد، والشيخ مصطفى الأوليا الصالحي المنشد أيضاً. وفي يوم الثلاثين من محرم ورد الكتاب يوم الخميس. صفر، يوم السبت ثانيه، ورد الحج والمحمل، وكنا بميدان الحصى. وفيه بلغنا أن الباشا قتل كليب غيلةً لما جاء للسلام عليه. ودخل الباشا بكرة الاثنين شروق الشمس ومعه نحو السبعين مربوطاً، وأما الرؤوس فوضعت في صناديق عند قبة الحاج ليرسلها إلى الروم، ووضع معها رأس كليب، ولم يظهره للفرجة عليه. موكب دخول الحجاج وصورة موكب دخول الباشا ومعه الموالي: فأول ما ورد الشيخ عبد الرحمن أفندي المنيني، وإلى جنبه مصطفى أفندي الخطيب، ثم السيد أحمد الأسطواني الباش، واسعد بن جلبي البكري، والسيد حسن بن حمزة النقيب، ووهبة جلبي الرومي، ومحمد أفندي القاري، وابن عمه عبد الرحمن أفندي القاري، ثم أسعد أفندي، ثم محمد أفندي العمادي، ثم جاء مع الباشا قرا مراد أفندي قاضي الشام. يوم الرابع عشر من صفر، راسلني الأخ الأعز الأمجد، حسين آغا تركمان حسن، بقصيدة ممتدحاً، ونقلتها في هذا التاريخ من خطه وكان نظمها في ثالث صفر، لكن إرسالها في تاريخه يمتدح الخلوة البردبكية والطريقة الخلوتية. تخريب دور الزربا وفيه أرسل الباشا إلى بيوت الزربا ونهبها، وأمر ألا تسكن بل تترك، وخرب قصر البهنسي الذي رفعه وعلاه في هذه المدة، وأخذت أحجاره وأخشابه المدهونة. وفي يوم السبت الثالث والعشرين، تحرك أهل الميدان ليرحلوا، خوفاً من الباشا وجماعته. ثم إن الباشا حبس جماعةً كثيرةً من أعيان تلك الناحية لكونهم من هوى زربا التركمان. وظائف الفتوى والتدريس وفي يوم السبت آخر صفر، وردت الفتوى لمولانا محمد أفندي العمادي، ووردت المدرسة العذراوية لمولانا وشيخنا العلامة الشيخ عبد الرحيم الكابلي الحنفي، نزيل دمشق، القاطن بناحية تنكزخان، وعرض له بها قاضي الشام قرا مراد أفندي بانحلالها عن أبي الصفا أفندي، المفتي المتقدم ذكره، ومدرسة التكية السليمانية بيد محمد أفندي العمادي، بقيت عليه بعد أخيه علي أفندي، المفتي سابقاً، قبل تاريخ الكتاب. مصرع كبير زعران المزابل وفي يوم السبت أول ربيع الأول، قتل الباشا السيد علي قنبر الساكن بحارة المزابل. كان شجاعاً مقداماً لايهاب الرجال، له عصبة من زعر الحارات، وعملوا الزربا عليه ختماً في وجاق الينكجرية لعياقته. سوق القناطر وفيه أفرج عن الشاه بندر، صاحب سوق القناطر تحت القلعة، لأنه كان اتهم بمال ابن القواس، وخرج على أكياس. وهذا كان وهو في عمارة السوق المذكور، ولم تبطل العمارة في مد حبسه، والسوق هو الذي في خط حايط البغا، ولم يكن هناك إلا حائط الجنينة المطلة على بردى. السيد حسن النقيب وفي أواخر صفر، توفي السيد حسن جلبي بن السيد إبراهيم النقيب بالصالحية، ثم أنزل إلى داره غربي باب السلام، وذلك ليلة الأحد ثالث عشرينه، وأعلم له، وصلي عليه الظهر ودفن بالدحداح. الشيخ محمد البصراوي

стр. 39

وفي ليلة الجمعة توفي بالصالحية بالطاعون الشيخ محمد البصراوي مؤدب الأطفال والإمام بالخاتونية، وذلك في يوم التاسع والعشرين من ربيع الأول، وأعلم له بالصالحية، وصلي عليه الظهر، ودفن بسفح قاسيون. وكان طويل القامة بهي المنظر له علم وحسن أخلاق وحسن مودة مع الناس، وأدب واحترام، عفي عنه. التفتيش على المدارس ربيع الثاني، وأوله الاثنين، ورد لقاضي الشام قرا مراد أفندي زيادة على ثلاثة أشهر، وخط شريف بالتفتيش على المدارس والمدرسين. يوم الاثنين الثامن، ورد قبجي بتقرير للباشا ناصيف بالوزارة والإمرية في دمشق، وضرب كم مدفع. أحمد بن مصلح وفي يوم الأحد التاسع من ربيع توفي أحمد آغا ابن مصلح، الساكن شمالي ساروجا ودفن بالدحداح، وكان رجلاً كاملاً ساكناً لا يقارش أمور الناس. الدرس الأول في المرشدية وفي يوم السبت، أرسل إلي قاضي الشام في عمل الدرس بالمدرسة، مدرستي المرشدية الحنفية فامتثلنا، وأمهلنا ليوم الخميس وشرعنا ولله الحمد في يوم الخميس الثالث عشر من ربيع الثاني، في أول كتاب الكشف للإمام النسفي، وذلك بالمدرسة الحنبلية السلطانية الخاتونية المرشدية بالصالحية. وحضر من الأفاضل مولانا الشيخ عبد الرحمن بن عبد الرزاق، من مدرسي الجامع، ثم مولانا البرهان إبراهيم الأكرمي الصالحي الحنفيان، وكذلك مولانا الشيخ شعبان الفقيه الشافعي، وكذلك فخر الكتاب الشيخ مصطفى جلبي الحنفي الباش كاتب بالمحكمة الصالحية، وهو المعيد، والكمال يونس المارديني، والشيخ إبراهيم النحوي نزيل السلطانية، وكذلك سعدي جلبي الأيوبي الحنفي، وكذلك السيد محمد الطيبي الحنفي، وكذلك محمد حلبي الفستقي الحنفي وغيرهم، وذلك بمباشرة شروحه كالعيني وابن الشحنة والزيلعي وملا مسكين. الشيخ إسماعيل باقي وفي يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى منه، توفي الشيخ إسماعيل بن باقي بيك اليازجي الواعظ، من مدرسي الجامع. أخذ عن العلاء الحصكفي وكذلك مولانا الشيخ إسماعيل بن الحايك وعن البرهان الفتال. وصلي عليه بالجامع ودفن بتربة والده باقي بيك، المقتول هو وعبد السلام في رمضان زمن قدري باشا. النصرة على عرب كليب وفي يوم الثلاثاء، نصف جمادى الأولى، انتصر الباشا على عرب كليب. وفي عشرينه أخذ قلعة الصلت واصطلح مع النوايلة، وذهب يزور القدس. جمادى الثاني، في آخره، يوم الخميس، سافر قرا مراد أفندي إلى بلاده. غارات الباشا رجب، وأوله الجمعة على رؤية القمر ابن ليلة، يوم الجمعة ثامنه، جاء خبر أن الباشا وصل إلى مرج عيون ومراده التوجه للبقاع، وأخذ من القدس والخليل أكياساً، ومن نابلس أيضاً، وخرب عرابة وسبى أهلها وذراريها، وعاد ومعه منها نساء كلها مرابيط، وهرب الرجال، إلى أن وصل إلى محل هناك، خاف أن يعيب عليه الناس مرابيط النساء، فعاد طلب عشرة آلاف غرش، ضمنها له ابن سلامة، فرجعهن، والشابة الحسناء أخذها السكمان وهربوا بها ولا حول ولا قوة إلا بالله. مصادراته لقرى المعراض قيل إنه مر بالمعراض بالعين المهملة والضاد المعجمة، ناحية نهر الغور، تشتمل على ضياع نحو العشرين ضيعة، فأخذ منهم ثمانين كيساً بعد ما أخذ الذخيرة بأحمالها وبغالها، ثم طلب ماية وخمسين كيساً، وحبس معرفها عنده. وكان المال المذكور مكسوراً عليه للسلطنة. فقالوا له: معنا حيلة نتخلص بها، وهولك. ترسل لكل قرية في ضبط نحاسها وحلي أهلها، وتعين على كل قرية بكباشي وكاتب. فاستحسن ذلك، فأرسل كما قالوا وضبط ما فيها من الفضة والنحاس والأمتعة، وقيل إن ضياع المعراض أربعون ضيعةً، وكل ضيعة تعين عليها باش كاتب. والمعرف لكل قرية معرفها. فجمعوا حلي النساء وعرايفهم وخلاخيلهم وجميع نحاسهم من الحلال والطباخة والصحون، وقوم ذلك له فبلغ نحو الثمانين كيساً، فحملها وانصرف عنهم ولله الحمد. وفي يوم الاثنين رابع رجب، دخل نائب القاضي الجديد وهو رجل نحيف طوال، وقيل إن معه خط شريف بإخراج التراجمين من المحكمة لأنهم يقطعوا قطعيات على الناس لا يعلم بها القاضي، والله يصلح الأحوال. مشروع نهب البقاع

стр. 40

وفي يوم الثلاثاء حادي عشر رجب، انثنى عزم الباشا عن المجيء إلى ناحية البقاع، ونزل من على القنيطرة وداريا، بعد أن كانوا أرسلوا أوراقاً لضياع البقاع من أجل الذخيرة، من كل ضيعة عشرة رؤوس من الغنم، وثلاثين غرارة من الشعير، وعشرين قنطاراً من الرز، وعشرة من السمن، وعشرة من العسل، وثلاثين رطلاً من الخبز، فبطل الكل والحمد لله وكان مؤرخ هذا الكتاب في تلك الناحية في مصالحه. وصول القاضي الجديد وفي يوم السادس عشر ونحن هناك، وصل قاضي الشام من ناحية البقاع، ونزل عند نهر اللاطاني شمالي قرية بر الياس، وقدموا له بعض تقادم، ونائبها صاحبنا الأعز خليل جلبي البهنسي، فحادثته، ومع القاضي محمد آغا البكري، وكان بالروم معه آلاي بيك الشام، ورحل آخر الليل، وربما يبات في الديماس، والثلاثاء يبات بدمر، أو لا يبات، وينزل بعد العشاء على ضوء المشاعل، كما فعل قرا مراد أفندي، وعارف أفندي بن إسرائيل، واسمه هذا مصطفى أفندي حجي زاده. الشيخ عبد الوهاب القباني شعبان وفي أوله، توفي الخواجا الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ العلامة أبو السعود ابن تاج الدين القباني. أخذ الطريقة الخلوتية في ابتدائه عن الوالد عيسى الخلوتي، ولازمه، وكان تردد على الشيخ عبد الغني، وتمرض مدة ثمانية أشهر، وتوفي في أول شعبان، وصلي عليه بالجامع، ودفن بالدحداح عند والده، عن غير ولد، وخلف نحو الأربعين كيساً. وفيه ورد حج من الأروام وفيه سمع أن العرب طموا أبيار الحج وسدوا البغاظات، والله أعلم بحقيقة الحال. تبكير موعد الحج الحلبي وفيه أرسل الباشا يحث الحج الجلبي على المجيء في رمضان، ومعتاده أن يدخل الشام في اثنين وعشرين من شوال، فيكون الباشا غير حساب الحلبي، لأنه قيل يطلع يوم ثامن شوال. وصف رائع لدورة المحمل وفيه وصى بإبطال دورة المحمل التي كانت تحصل في ثامن يوم من شوال إعلاماً بالحج، وتحريكاً للاشتياق وإرهاباً للعدا، لأنها كانت بصورة رتبها القدماء، أن يوم الدورة يلبس المحمل واللواء، الذي هو الصنجق، في دار العدل غلبا، ثم توردوا الينكجرية والزعماء ودولة القلعة والأعيان والكتاب وأرباب الأقلام وجميع عسكر الباشا، الخيالة والأزلام، فيركب الأمير أو نائبه، قدام المحمل، وكلهم مغرقون بالسلاح، والجربجية والإيباشية بالريش، ويمشوا على حسب المراتب بموكب حافل، وأول الدورة ومبدأ الموكب من باب السرايا إلى السنانية إلى مرقص السودان، على الشاغور، ويمروا على باب شرقي على الشيخ رسلان على برج الروس على السادات، ثم على محلة العمارة ثم على سوق الأبارين ثم على السروجية ثم على الحدر ثم سيدي خليل إلى الاسطبل بعد السرايا، وتجتمع الأمم كلها في أرض السرايا. المشاركون فيه فأول من كان يخرج في أول الموكب من السرايا عكامة الحج أجواقاً أجواقاً معهم العصي بالعمليات، وقدامهم المقدمون في كل جوقة، وهم آغوات كثيرة، وخلفهم الجمال ملبسةً بالجوخ والمخمل والطرز وعليهم زين الحرير، مصفوفة عليهم الأواعي المذهبة والصيني، في شيء مفضض على ظهر الجمل والمحارم الكبيرة، وبقية الجمال هكذا، ويخرجون التخوت وفيهم الأولاد الصغار يتفرجون منها. ترتيب المشاركين ثم بعد انتهاء هؤلاء، تبدو بيارق الطرق، بيارق كثيرة، ثم عسكر الباشا الخيالة والأزلام، ثم دولة الشام، فأولهم الزعماء وآلاي بيك، ثم آغة الينكجرية وجماعته مقنعين بالزرود والدروع والأطبار، ثم جربجية النقر بالريش العظيم، يكون ملبوساً تلبسه أعيان الإيباشية الثمانية وأدركت ثمانية عشر ريشة، وغيري أدرك أربعين، وقبله أدرك ستين ثم الكتاب ثم آغة القلعة بعمامة كبيرة، ثم الدفتدار أيضاً بعمامة كبيرة، ثم كاتب الينكجرية بعمامة، ثم قاضي المحمل وهو قاضي الحج، يتولونها من الروم، ولا تعلق بها لقاضي مكة والمدينة بالقضاء بالحج، ثم أمير الحج ثم المحمل، واللواء والجاويشية حوله، والقبيقول والأزلام، وآغة القول قدام المحمل، وهذا الريش لا يلبسه إلا الجربجي صاحب النقر، ومن فعل من غير نقر أو لبس، أدبوه ومنعوه في وجاقهم، والحاصل يكون يوماً مشهوداً. الضيافة ثم تعمل الضيافة العظيمة في إيوان السرايا حالاً، يشتمل على ألف صحن توضع جملةً، وأظنه من عمل نور الدين الشهيد.
следующие страницы →