وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه" (١)، فجعلهم بالتأمين مشاركين للإمام في قراءته ودعائه، ألا ترى اللَّه قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، وإنما دعا موسى وأمَّن هارون فصارا داعِيَيْن، فلما أُمرنا بالإنصات عُوِّضْنا التأمينَ رحمة من اللَّه لنا، ألا ترى أبا هريرة ﵁ يقول: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول اللَّه ﷺ " (٢).
فأما قول أبي هريرة ﵁: "اقرأ بها في نفسك يا فارسي" (٣)، فإنما أمره بها في الصلاة التي يُخافَت فيها.
والقراءة في النَّفْس عَرْضٌ على القلب، ليُشْغِل النَّفْسَ عن الوسوسة بعرضه القرآنَ عليها من غير أن ينطق به اللسان.
فإن احتج محتج أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من أم الكتاب لأنها مثْبَتة في المصحف، قيل له: فقل: إنها من كل سورة، ولم يَقُله أحد تَقَدَّم، فإن حَمَل نفسَه على قوله فقال: آية من كل سورة لأنه مُثْبَت في أوائل السور.
стр. 72
قيل له: القرآن ليس يؤخذ بالروايات، ولو أخذ بالروايات لأدخل أهلُ الزَّيغْ فيه شيئًا كثيرًا، وإنما يؤخذ بالإجماع وأخذِ الكافّة عن الكافّة، فما أجمعوا عليه مما بين الدَّفَّتَين أنه قرآن فهو قرآن، وما اختلفوا فيه فليس من القرآن، إذ تَضَمَّن اللَّه لنا حِفْظَ القرآن علينا، فقال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فهو ما حَفِظَ اللَّهُ بالكافَّة علينا دون ما اختُلف فيه، فقد نجد بين الدفتين ما ليس من القرآن من قولهم: سورة كذا كذا وكذا آية.
وإنما كان نزَّل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليفصل به بين السّوَر، فخرج هذا مع تسمية السُّوَر عن أن يكون قرآنًا، إذ لا إجماعَ عليه فيكون مما حفظه اللَّه علينا.
واحتجاجُهم بأنها في الصحف عليهم، لأن كُتّاب المصاحف كُلَّهم قد ذكروا العدد فأخرجوها من كل سورة، والقراء كُلُّهم عَدّوا في التلاوة فأخرجوها من العدد، والحجة في ذلك تطول وقصدُنا الاختصار.
والقرآن: اسم كتاب اللَّه، لا يسمى به غيره، وسمي أيضًا الفرقان، لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر، لأنه جمع السور، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنًا، وسمي سورة، فمنهم من يقول: منزلة شرف، ومنهم من يقول: قطعة من القرآن. قال النابغة الذبياني:
ألم تَرَ أن اللَّه أعطاك سورة ... تَرَى كل ملك دونها يتذبذب (١)
وقال الراعي:
стр. 73
هنّ الحرائر لا رَبّاتُ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ المَحاجِرِ لا يَقرأن بالسُّوَر (١)
وقال جرير:
لَمّا أتى خَبَرُ الزبير تواضعت ... سُوَر المدينة والجبال الخُشَّع (٢)
* * *
стр. 74
سورة البقرة
стр. 75
٦٧ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾
[السُّنة في الذَّكاة]
السُّنة في البقر الذبح بكتاب اللَّه تعالى، ويجوز فيها النحر لقرب المنحر من المذبح، وأنه لا تعذيب فيها، ولما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ نحر عن نسائه البقر (١).
والسُّنة في الإبل النحر لا يجوز سواه، وفي الغنم الذبح لا يجوز سواه، لأن العدول عن هذا لا يكون إلا قصدًا للتعذيب، لأن البعير إذا ذبح طول عليه الميتة، والشاة مع القدرة عليها تُسَيِّر الموتة إذا عدل عن الذبح إلى النحر، فذلك قصد اللعب ومخالفة السُّنة، ومن قصد لمخالفة السُّنة والتلعب لم تؤكل ذبيحته، واللَّه نسأل التوفيق برحمته.
* * *
стр. 76
١٠٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ إلى قوله ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾
[حدُّ الساحر]
قال أبو مصعب عن مالك بن أنس في الساحر: إذا سَحَر قُتل، وذلك السحر الذي ذكر اللَّه في كتابه فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] (١).
وهذا الذي يُقتل عندنا هو الذي يَسحَر بنفسه، لا من يُعطي الأجرةَ مَن يسحر له، لأنه إذا سحر بنفسه فقد كفر، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، والمسلم إذا كفر كفرًا هو مُسْتَسِرٌّ به قتل ولم يُستتب، وإذا كفر كفرًا أظهره استتيب، فإن تاب وإلا قُتل، والساحر مُسْتَسِرٌّ بكفره كالزنديق.
والزنديق عندنا من أظهر الإسلام وأبطن الكفر، أيَّ كفر كان من عبادة وثن، أو قول بالدَّهْر، أو يهودية، أو نصرانية، أو بأي شيء كان منه، فهو كفر اسْتَسَرَّ به، فهو والساحر لاسْتِسْرارِهما بكفرهما يقتلان ولا يستتابان (٢).
стр. 77
والمرتد هو المظهر لكفره، فهذا يستتاب، ألا ترى اللَّهَ لم ﵎ لم يجعل التوبة للسارق والزاني بمُسقط عنهما الحدَّ، وجعل التوبة للمحارب مسقطة للحد فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤].
فلما كان الزاني والسارق يَسْتَسِرّان بفعلهما لم يجز العفو عن حدِّهما، وجاز العفو عن من أظهر فعله، لأن المُسْتَسِرَّ بفعله تأسِره البيِّنة، فلو جعلت له التوبة لكان يقولها من غير نية، ولو أرادها لأتى قبل أن يُؤْسَر فقال: كنتُ على كذا وقد تُبْت، فيكون كأنه رجل كفر وأظهر كفره.
وإنما توبته بعد الأسر إرادةُ إزالة الحد عن نفسه، ألا ترى اللَّه إذ يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] فلو قُبِلت توبته كثرت الزنادقة، وأمنوا العقوبة بكلمة يقولها إذا رأى السيف، ثم يعود مُسْتَسرًّا بفعله، والمظهر لكفره لا يعود لإظهاره إذ لنا من الناس ما ظهر، ولذلك ما قال مالك ﵁ إن القاتل غِيلة لا سبيل إلى العفو عنه.
فإن قال قائل: ليس في الآية ما يوجب القتل على الساحر.
قيل له: قِلَّة تبحرك في العلم، وتركك لتدبر ما أنزل اللَّه أورثك هذا.
قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، وقال النبي
стр. 78
- ﷺ : "أرواح الشهداء تَسْرح في الجنة في حواصل طير خضر" (١) اشترى منهم أنفسهم بالجنة.
وقال ﵎ في الساحر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وإنما باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه، وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وإنما باعوه بثمن بخس.
فقد أخبرنا اللَّه أن السحر يوجب القتل وإن لم يقتل بسحره، لأن الذي يوجبُ له الاسمَ الفعلُ، ألا تراه قال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وكذلك قال في المحارب: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .﴾ [المائدة: ٣٣] إلى آخر الآية، وذلك فيمن فعل ذلك قبل أن يَقْتُلَ أو يأخذ المال، فإذا فعل ذلك فهو الذي لا يجوز عنه العفو بالتوبة قبل القدرة، إذ القصاص لا بدَّ منه.
قال القاضي ﵁: ونحن نتكلم في هذه الآية في موضعها بما يوفق اللَّه له.
١ - أخبرنا إسماعيل بن إسحاق، قال: أخبرنا إبراهيم بن حمزة، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁، أن جارية لحفصة سحرت حفصة، فوجدوا سحرها، واعترفت على
стр. 79
نفسها، فأمرت حفصةُ عبدَ الرحمن بن زيد بن الخطاب بقتلها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فأنكره، فأتاه ابن عمر فقال: إنها سحرَتها ووجدوا سحرَها، واعترفت على نفسها. فكأن عثمانَ ﵁ أنكر عليها ما فعلت دون السلطان (١).
ورواه حماد عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر، وفي الباب أحاديث يطول ذكرها.
وقد ذكر حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، أن النبي ﷺ جعل يرتجز وهو يقول: "جندب وما جندب والأقطع الخبر"، فلما أصبح قالوا: يا رسول اللَّه، وما جندب والأقطع؟ فقال: "أما جندب فرجل من أمتي يضرب ضربة يبعث بها أمة وحده يوم القيامة، وأما الأقطع فرجل تقطع يده فتدخل الجنة قبل جسده ببرهة من الدهر". فكانوا يرون الأقطعَ زيدَ بنَ صوحان، قُطِعت يدُه يومَ اليرموك، وقيل: يومَ الجمل، وأما جندب فهو الذي قتل الساحر (٢).
وجندب إنما رأى ساحرًا يُري الناس أنه دخل في بقرة ثم خرج منها، فقتله وما كان قتل، فجعله اللَّه أمة وحده بذلك.
وممن رأى قتل الساحر عثمانُ، وابن عمر، وحفصة، وقيس بن سعد، وخالد بن المهاجر، وعمر بن عبد العزيز، وسالم بن عبد اللَّه، في جمع كثير.
* * *
стр. 80
١٠٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
من قرأ: نُنْسِها وأسقط الألف جعلها من النسيان، ومن قرأ: نَنْسأها وأثبت الألفَ فإنه جعلها من التأخير، كأنه أراد: ونؤخِّرها، فأثبت الألف لأنها همزة أُسكنت الحركة منها لموضع الجزم، وبقيت الهمزة ساكنة فكتبت ألفًا، لأنه يقال: نَسَأْتُ الشيء أي: أخَّرْته، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، وإنما كانوا إذا أرادوا قتالًا في شهر حرام حرموا غيره وقاتلوا فيه.
قرأ القاسم بن ربيعة على سعد بن أبي وقاص: ما ننسخ من آية أو ننسأها، وذكر أن سعيد بن المسيب يقرأ ذلك، فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال اللَّه تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] (١).
стр. 81
[نسْخ القرآن]
قال القاضي ﵁: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾: نسخُ الآية بالآية وهي باقية في القراءة، وقد قال بعضهم: كان اللَّه ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء (١)، فمن قرأها من التابعين: ننسأها، يريد: نؤخرها، ومن قرأها: نُنْسِها، يريد يُنْسي نبيَّه قراءتها.
وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لكم، يريد: أيسر عليكم وأخف، أو مثلها في التكليف وزيادة في الثواب، لأن القرآن كلٌّ خير، ليس في كلام اللَّه ما ينقض بعضه عن بعض، وإنما معناه خير لكم، واللَّه أعلم.
وقال بعض المفسرين: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أو مثلها يريد: أو سواها، واستشهدوا بقول حسان ﵁:
يا وَيْحَ أنصارِ النبيِّ ونَسْلِهِ ... بَعْدَ المُغَيَّبِ في سواءِ المسجدِ (٢)
* * *
стр. 82
١١٥ - قوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
[سبب النزول]
قال ابن عمر، -رواه سعيد بن جبير عنه-، أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته، وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيث توجَّهت به، وفيه أنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١).
وقال قتادة: وزيد بن أسم: إن ذلك نزل في صلاة رسول اللَّه ﷺ إلى بيت المقدس، إلى أن حُوِّلت القبلة إلى الكعبة.
وقال علي بن سابط: ومجاهد: قبلة اللَّه (٢).
ويجوز أن تكون الآية نزلت في الجميع، ألا تراه يقول: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢].
* * *
стр. 83
١٤٤ - قوله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾
٢ - أخبرنا إسماعيل قال: أخبرنا يحيى بن عبد الحميد، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: صلى رسول اللَّه ﷺ إلى بيت المقدس بعد مَقدمه المدينة ستة عشر شهرًا، فأنزل اللَّه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى آخر الآية، قال البراء: فمرَّ علينا شاب، فقال: إن اللَّه قد صرف نبيه إلى القبلة، وقد صلينا ركعتين، فانصرفنا فصلينا ركعتين إلى القبلة (١).
قال القاضي ﵁: وكان النبي صلى اللَّه عليه يحب أن يصرفه اللَّه إلى الكعبة حتى صرفه اللَّه إليها، وقال له: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
وأما قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالشطر هاهنا: تلقاءه، قِبَلَه، قال ذلك: علي ﵁، والبراء، وأبو العاليه (٢). وقال مجاهد: نَحْوَه. وقتادة، وزيد بن أسلم: قَصْدَه.
стр. 84
وأنشدنا لابن أحمر:
تعْدو (١) بنا شطْر جَمْعٍ وهْي عاقدةٌ ... قد كادت العقدُ من إيفادها الحقبا (٢)
من إيفادها يعني: سرعتها. قال لقيط:
وقد أَظَلّكم من شطْرِ ثَغْرِكمُ ... هَوْلٌ له ظَلَمٌ يَغْشاكُمُ قِطَعًا (٣)
[الإيمان قول وعمل]
وقد سمى اللَّه تعالى الصلاة إيمانًا، وإن الإيمان قول وعمل.
قال القاضي بكر: ومما يقوِّي أن الإيمان قول وعمل قوله : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] إلى آخر الآية.
والإرادةُ: النيةُ، والسعيُ: العملُ، وهو مؤمنٌ: مقرٌ.
٣ - حدثنا إبراهيم بن حماد قال: حدثنا إسماعيل قال: أخبرنا يحيى بن عبد الحميد، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتكم إلى بيت المقدس (٤).
[سبب نزول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ . . .﴾]
٤ - قال إسماعيل: أخبرنا محمد بن أبي بكر، قال: أخبرنا مؤمل بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قالوا: يا رسول اللَّه، أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٥).
стр. 85
١٥٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
[سبب النزول]
٥ - قال إسماعيل: أخبرنا إبراهيم بن حمزة، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعيد، عن ابن شهاب، عن عروة قال: قلت لعائشة ﵂: قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية ما على أحد من جُناح ألا يطوف بهما، قال: قالت عائشة ﵂: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوَّلتَها لكانت: "فلا جناح عليه ألا يطَّوف بهما"، إنما كان هذا الحيّ من الأنصار قبل أن يُسلموا يُهِلُّون بمَناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المُشَلَّل (١)، وكان من أَهَلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، قالت: ثم سَنَّ رسول اللَّه ﷺ الطواف بهما، فليس ينبغي لأحد أن يدع الطواف بهما.
стр. 86
قال ابن شهاب: فذكرت حديث عُروة لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (١) بن هشام فقال: واللَّه إن هذا العِلمَ ما سمعتُ به، ولقد سمعت رجالًا يذكرون أن من كان يُهِلُّ بمَناة الطاغية كلُّهم كانوا يطوفون بالصفا والمروة، فلما أمر اللَّه بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة قالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نطوف في الجاهلية بالصفا والمروة، فتحرَّجنا في الإسلام أن نَّطَّوف بهما من أجل أن اللَّه أمر بالطواف بالبيت، ولم يأمر بالطواف بالصفا والمروة معه، حتى أنزل اللَّه : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فالآية قد أُنزلت في الفريقين جميعًا الذين كانوا يتحرَّجون في الجاهلية، والذين كانوا يتحرَّجون في الإسلام (٢). وقال مجاهد والشعبي وأنس مثل ذلك.
[السَّعي بين الصفا والمروة]
قال القاضي ﵁: فأَعْلَم اللَّه ﵎ عباده أنها من شعائر اللَّه، وأنه لا جُناح على من كان يتحرَّج، فثبت الطواف بهما لأنهما من الشعائر.
قال النبي ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (٣)، وإنما أخذ النبي ﷺ مناسك إبراهيم ﵇، وقد تطوَّف بهما، وتطوَّف المسلمون بهما، وثبت الطواف بهما، وصار واجبًا ليس لأحد تركه، وهو من فرائض الحج، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 87
١٧٣ - قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[لمن تحل الميتة ؟ ]
قال مجاهد: غير باغٍ على المسلمين ولا عادٍ عليهم، فمن خرج يقطع الطريق أو في معصية اللَّه فاضطر إلى الميتة لم تحلَّ له، وإنما تحلُّ لمن خرج في طاعة اللَّه (١).
وقال سعيد بن جبير مثل ذلك (٢). وقال ابن عباس: غير باغٍ في الميتة، ولا عادٍ في الأكل (٣). وقال الحسن مثل ذلك (٤).
قال القاضي بكر ﵀: وأرجو أن تكون الرخصة للجميع، لأن الذي خرج في معصية اللَّه قد مضى فعله، فقتلُه نفسَه معصيةٌ ثانية لا نأمره بها، وهو في سَعة من أن يحييَ نفسَه.
قال مسروق: ومن اضطر إلى الميتة فلم يأكل فمات، دخل النار (٥).
стр. 88
وقال مالك بن أنس: من اضطر إلى الميتة أكل شِبَعه (١)، وتابعه جماعة من التابعين.
وقال آخرون: يأكل ما يقيم الرَّمَق (٢)، وقالوا: ذلك له حلال.
قال القاضي ﵀: فأما ذكر الحلال فلا وجه له، لأن العين لا تنتقل من التحريم إلى التحليل، هي محرَّمةُ العَيْن مباحةُ الأكل لمن اضطر إليها، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فما عُفِي عنه وَغُفِر وأُزيل فيه المأثم، خارج عن المحللات إلى الإباحة بالشرط، فإذا وقعت الإباحة كان الشِّبَع حلالًا، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 89
١٧٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾
[سبب النزول]
قال القاضي ﵀: وهذه الآية نزلت في قبائل من العرب كانوا يتقاتلون، فإذا كان فيهم العدد والمنَعَة فقتل منهم امرأة، قالوا: لا نقتل (١) بها إلا رجلًا، وإذا قتلوا رجلًا قالوا: لا نعطي به إلا امرأة أو عبدًا، يستضعفون من دونهم.
٦ - قال إسماعيل: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي في قوله : ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ قال: نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتَتَلَتا فقالوا: نقتل بعبدنا فلان (٢)، ونقتل بأَمَتِنا فلانة بنت فلان، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٣).
стр. 90
وقال قتادة مثل ذلك، وأن أهل الجاهلية كانوا يفعلونه حتى نزلت الآية (١).
[المماثلة في الحرية والجنس]
قال أبو مصعب: قال مالك ﵁: أحسنُ ما سمعتُ في تأويل هذه الآية: الحر بالحر يريد: الجنس، الذكر والأنثى سواء، وكذا العبد بالعبد، الذكر والأنثى سواء (٢).
وإعادة ذكر الأنثى بالأنثى إنكارًا لما كان من أمر الجاهلية، ألا تراه سبحانه قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فالمساواة في ذلك: الحرية في جنسها، والعبودية في جنسها.
وزعم أهل العراق أنهم يقتلون الحر بالعبد، والمسلم بالكافر، وسوَّوا بينهم (٣).
وقد فرَّق اللَّه وجعل القصاص بالتساوي، وفرَّق بين الحرية والعبودية، وبين المسلم والكافر، فلم يوجب على من قذف كافرًا وعبدًا ما أوجبه على من قذف حرًّا مسلمًا، والحدود يُرَد بعضُها إلى بعض.
وقد ناقضوا أيضًا فزعموا أنهم يقتلون الحر المسلم بالعبد الكافر، ولا يَفْقَأون عينه بعينه، وكذلك سائر الجِراح وذلك في نسق الآية، فزعموا أن النفس تساوي النفس، واليد لا تساوي اليد (٤).
стр. 91
فإن كانوا أرادوا الجِسم فالمُساواة ظاهرة بيِّنة، وإن أرادوا الجنس فالجنسان مختلفان، وقد قال اللَّه : ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، والعبد لا يتصدَّقُ عندهم، لأن الحقَّ لسيده، والكافر لا تكفِّر عنه صدقته، فقد خالفوا ظاهر الآية وباطنها، ونسأل اللَّه التوفيق.
* * *
стр. 92
١٧٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾
قال ابن عباس ﵁ في معنى هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، قال: هذا العمد، يرضى أهلُه بالدية، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ من الطالب، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ من المطلوب، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كان على بني إسرائيل.
ورواه سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس (١).
[و] (٢) فيما رواه مجاهد: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، [فـ] (٣) ـقال اللَّه : ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولم يذكر ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ لمعرفة ابن عباس بالقصة فيها، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، فالعفو أن يقبل الدية في العمد، فيتبع الطالب بمعروف، ويؤدي المطلوب بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨] مما كتب على من كان قبلكم (٤).
стр. 93
وقال الشعبي وقتادة نحو ذلك (١).
قال القاضي ﵀: وهذه الآية نزلت في العمد، والعاقلة لا تحمل عمدًا ولا إقرارًا ولا عبدًا.
[من هو العافي ؟ ]
وقول من ذكرنا من ابن عباس وغيره إذا قبلت الدية، موافق لقولنا: إن العافي هو القاتل، وإن أولياء المقتول مُجبَرون في قبول ذلك أو القتل، ألا ترى أنه ﵎ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾، يعني: من وَلِيِّه المقتول شيء، والشيء نكرة، وليس هو دِيَة معلومة، وهو ما بذله له فَرَضِيَ الأولياء به، جازَ الديةَ أو كان دونها، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يتَّبع المعفوّ له طالبًا (٢) بإحسان، ويؤدي القاتل أيضًا بإحسان.
قال القاضي ﵀: وقد غلِط مخالفونا في علم هذه الآية، فجعلوا العافي وليّ المقتول، ولم يتدبروا الآية، فإذا كان وليُّ المقتول هو العافي فماذا يَتَّبعُ، وماذا يؤدي بإحسان؟
وإنما معنى الآية: من أُعطىَ من أخيه شيئًا (٣) من العقل يرضى به فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، فخفَّف به من أمر القصاص لمن قبله، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
* * *
стр. 94
١٧٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[القتل بعد أخذ الدية]
معنى هذه الآية أن من قبِل الدِّيَة واتبع بها فليس له أن يَقتُل بعد ذلك، فإن قتَل فهو الذي توعده اللَّه تعالى.
قال ذلك سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك بن مزاحم (١).
وروى جابر بن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا أُعفي من قتَل بعد أخذِه الدِّيَة" (٢).
* * *
стр. 95
١٧٩ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾
معنى هذه الآية واللَّه أعلم: بقاءٌ، لأن الذي يريد القتلَ إذا عَلِم أنه يُقتل أمسك فبَقِيا جميعًا، وإن قتَل إنسانٌ فقُتِل قصاصًا تَوَقَّى أهلُ الشر خوفًا من القِصاص.
قال ذلك مالك بن أنس، ووافقه على ذلك (١) أبو مالك، وأبو صالح، وقتادة (٢).
وقال ربيعة في معنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: يقول: لعلكم تَتَّقون محارِمَكم، ونهيَ بعضكم عن بعض (٣).
* * *
стр. 96
١٨٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾
[مقدار المال الموصى فيه]
روي عن علي رضوان اللَّه عليه، وعن عائشة وابن عباس رحمهما اللَّه، وعن قتادة أنهم قالوا: الخير: المال الكثير، وقالوا في سبعمائة وما أشبهها: إنه قليل، ولم يُدخلوه في الخير المأمور بالوصية فيه (١).
وذُكر عن علي بن أبي طالب ﵁: أربعة آلاف فما دونها نفقة.
وقال مجاهد: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال: مالًا (٢).
قال القاضي ﵀: وإنه ليبعد عندي أن يصح عن علي وعائشة وابن عباس ما روي عنهم، اللهم إلا أن يكون على وجه النظر للورثة لقول النبي ﷺ
стр. 97
لسعد بن أبي وقاص: "إنك أن تَدَع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (١).
أشار عليه النبي (٢) ﷺ في عياله بما أشار به، وأخبره بجواز الحكم في الثلث، وعلى هذا عامة الفقهاء أن له أن يوصيَ بالثلث فما دون فيما قل أم كثر، ويؤمر مع ذلك بحسن النظر لورثته إذا كان الخير قليلًا.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] أي من أجل حب المال لَبَخيل، ولم يختلف المعنى في تفسير هذه الآية أن الخيرَ: المال.
وقد كان أبو بكر، وعلي ﵄ يختاران الوصية بدون الثلث، وإذا كان الشيء قليلًا بقي على الورثة، لأن المواريث فريضة، والوصية تطوع، وثواب الفريضة أعظم من ثواب التطوع، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 98
١٨٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
[لمن الوصية ؟ ]
اختلف الناس في تفسير هذه الآية:
فزعم مجاهدٌ أنها منسوخة (١).
وزعم طاوس أنه نُسخ منها الوالدان وبقي الأقربون (٢).
ورُوي عن ابن عمر مثل قول مجاهد.
وقال الحسن وقتادة مثل قول طاوس.
ووافق سعيدَ بن جبير وعكرمةَ مجاهدٌ.
стр. 99
وقال زيد بن أسلم: الأقربون هنا: ولده.
﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قال: أحدهما من الآخر، وهو التعمد أن يحيف بعضهم على بعض، فشدد اللَّه في ذلك وأمر بالإصلاح، فأمر الموصى إليه أن يصلح بين الوالدين والولد، وأمر الموصي أن يسدد بالمعروف، فعجز الموصي أن يوصي كما أمره اللَّه، وعجز الموصى إليه أن يصلح كما أمره اللَّه، فنزع ذلك منهم وفرض الفرائض وسماها لأهلها.
وقول زيد بيِّن واضح، والآية منسوخة بآية المواريث، وقال رسول اللَّه ﷺ : "لا وصية لوارث" (١)، فَفَرْضُ اللَّه لا يجوز أن يُزاد فيه ولا يُنقَص، فمن فعل فقد عصى، فإن أجازه الورثة لبعضهم فإنما ذلك هِبَة منهم، وقد ذكرنا الاختلاف في الأقربين.
والظاهر من كتاب اللَّه يدل على ما ذهب إليه جل أهل العلم وفقهاء الأمصار، أن وصية الرجل حيث جعلها، والدليل على صحة ذلك أن الوصية في الأصل ليست بواجبة، فإذا كان الأصل ليس بواجب فكيف يكون الأقربون؟ وقد ينبغي للموصي أن يبدأ بقرابته وذوي أرحامه تقربًا إلى اللَّه ، إذ كان أقرب له من الغرباء.
стр. 100
قال مسروق بن الأجدع وقد حَضَرَ رجلًا أوصى بما لا ينبغي، فقال مسروق: "إن اللَّه قسم بينكم فأحسن القسْم، وإنه من يرغب برأيه عن رأي اللَّه يضِل، أَوْصِ لقرابتك ممن لا يرث، ثم دع المال على ما قسمه اللَّه " (١)، وظاهر ذلك على الترغيب لا على الإيجاب، وعلى التأكيد لا على العزيمة، وما ينبغي لأحد أن يَرْغَبَ عما رَغَّبَه اللَّه فيه.
وقد أوصى عمر بن الخطاب ﵁ لأمهات أولاده، لكل امرأة منهن أربعة آلاف (٢).
وقال النبي ﷺ : "خيركم خيركم لأهله" (٣)، وقال ﷺ : "خيركم خيركم لأهلي من بعدي".
وأخبر محمد بن عمرو، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ذكر أن أباه أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف (٤).
وأوصت عائشة ﵂ لمواليها، وأوصى إبراهيم النخعي للحسن بن عمرو، وليس بذي قربى.
стр. 101
وقال ابن المسيب: الوصية لمن سَمَّى، ووافقه على ذلك: سالم، والزهري، وسليمان بن يسار، ومحمد بن سيرين، وعبيد اللَّه بن معمر، وقولهم موافق لقول اللَّه : ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١].
* * *
стр. 102
١٨٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾
[الحَيْف في الوصية]
الجَنَف: الحيف. والإثم العمد.
والميل الذي جعله اللَّه جنفًا هو: أن يخطئ فيضع الشيء في غير موضعه، أو أن يحيف في الوصية، فيوصي بأكثر من الثلث، أو يقر في ماله بإقرار يزيل به عن الورثة حقًا.
قال لبيد:
إني امرُؤٌ مَنَعَتْ أَرُوَمَةُ عامرٍ ... ضَيْمي وقد جَنَفَتْ عليَّ خصومُ (١)
فأمر الموصي بالعدل في الوصية، وأمر الموصى إليه بوعظه، وأن يأخذه بالإصلاح فيما يوصي إليه.
هذه الألفاظ معاني ما روي عن طاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومن فسر هذه الآية (٢).
وقد قال قوم: إن هذه الآية قبل نزول الفرائض، قال ذلك زيد بن أسلم، واحتج بقول اللَّه : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا
стр. 103
عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] يقول: صوابًا، يأمر هذا الموصي أن يُسَدد في ذلك، فلما عجزوا فرض اللَّه الفرائض وسمّاها لأهلها.
وقال قتادة في هذه الآية: إن الإمام يردُّها إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ ، فَرَدُّها واجب عليه.
فهذا مع قول زيد أحسنُ ما قيل في هذه الآية، واللَّه أعلم.
٧ - أخبرنا القاضي البَرْنَكاني (١)، قال: أخبرنا الحسن بن أبي ربيع الجرجاني، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أشعث، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ستين سنة، ثم يعدل في وصيته، فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ستين سنة، ثم يجور في وصيته، فيدخل النار"، واقرؤوا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤] (٢).
стр. 104
١٨٣ - ١٨٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
اختلف المفسرون في هذه الآية.
فقال عطاء: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: ثلاثة أيام من كل شهر (١).
وقال قتادة: قد كان ذلك كُتب، ثم كُتب رمضان (٢).
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان أحدهم إذا نام لم يطعم، ولم تحل له النساء، فزعم أن معنى ﴿كُتِبَ﴾ هذا، وهو صفة كيف كان صومُهم دون الأيام (٣).
وقال معاذ بن جبل: إنه كان يُصام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، ثم إن اللَّه فرض شهر رمضان، وكانوا إذا ناموا حَرُم عليهم الطعام والنساء، فأنزل اللَّه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى آخر الآية (٤).
стр. 105
١٨٧ - فأما ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ فإنه نزل في صِرْمَةَ بن أنس الأنصاري أكل بعد أن نام، وعمر بن الخطاب جامَع بعد أن نام، فخشيا أن ينزل فيهما، فنزلت الرخصة من أجلهما (١).
والصحيح من التفسير أنه شهر رمضان.
[هل كتب رمضان على من قبلنا ؟ ]
فإن قال قائل: فهل كتب شهر رمضان على من كان قبلنا؟
قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك قد كُتب على إبراهيم صلوات اللَّه [عليه] (٢)، ألا ترى إلى قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقد يجوز ألا يكون كُتِب على إبراهيم ولا على غيره شهرُ رمضان، ولكن كُتب عليهم صيامٌ، ثم قيل لنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]، كما فرض على الذين من قبلكم، أيامًا معدودات وليست بعينها.
ثم جعل اللَّه الأيام التي علينا شهر رمضان، ألا تراه ﷻ قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ولم يخلق عيسى من تراب، وكان التشبيه في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ دون خلقه من تراب.
ثم قال : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والأُخَر غير معلومة، وحكمُها أن تكون عن (٣) معلومة.
стр. 106
[فدية العجز عن الصيام]
١٨٤ - وأما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فإن ابن عباس كان يقرؤها: "وعلى الذين يُطَوَّقونه" ولا يطيقونه، ويقول: إنها في الشيخ والشيخة إذا عجزا عن الصيام (١).
وروي عنه ضد ذلك، رواه حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: ﴿فديةُ طعامِ مساكين﴾، قال: هي منسوخة (٢).
وقال عكرمة: نزلت في الحُبلى والمُرضِع، والشيخ والشيخة، وكانوا يرَون أن الشيخ والعجوز نُسِخا منها (٣).
وروى الحارثُ عن عليٍّ، وعكرمةُ عن ابن عباسٍ، أنها في الشيخ والشيخة يُفطِران ويُطعِمان (٤).
وقال ابن عمر في الحُبلى: إنها تُفطِر وتُطعِم (٥).
وقال نافع: وكان ابن عمر إذا أمر بالإطعام لم يأمر بالقضاء.
ولعل ابن عمر لم يأمر بالقضاء لأن المأمورَ عالمٌ بأن القضاء واجب عليه. والأحاديث في هذا الباب، والاضطراب فيها كثير.
وقد كان أنس بن مالك ضعف عن الصيام قبل موته عامًا أو عامين، فكان يجمع نحوًا من ثلاثمائة مسكين فيُطعِمهم (٦).
стр. 107
وقال إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ نسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١).
وكان عبد اللَّه بن صفوان لما كبر شَقَّ عليه الصيام، فكان يقول: ودِدت أن عليَّ في كل يوم رقبة.
وقال قتادة: كان ذلك ترخيصًا (٢) للشيخ والعجوز، فنُسِخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣).
وثبت عن عبد اللَّه بن سَوادة القشيري، عن أبيه، عن أنس بن مالك، رجل منهم (٤)، أنه أتى النبي ﷺ وهو يتغذى فقال له: "هلم إلى الغذاء"، فقال: يا نبي اللَّه، إني صائم، فقال له النبي ﷺ : "إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وعن المريض والحُبلى والمُرضِع" (٥).
وقال القاضي: ولهذا الحديث طرق (٦).
стр. 108
فمعنى الآية واللَّه أعلم: أن اللَّه أوجب الصيام لشهر رمضان على كل قادر، فمن عجز من شيخ وشيخة، لا يرجو (١) ثَوْبَ (٢) القوةِ التي يقدر بها على القضاء، فلا صيام له ولا كفارة، إذ يقول عز مِن قائل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فمن سقط عنه فلا بدل عليه.
ومن رأى الإطعام بالآية المنسوخة فإنما رآه بقول اللَّه في إثرها: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وما فعله أنس بن مالك وغيره فإنما قالوه وفعلوه على وجه طلب الفضل، والآية تدل لما جعل اللَّه على المريض والمسافر القضاء، أن يكون على الحُبلى والمرضع إذا أُجرِيَتا مجرى المسافر، وذلك ظاهر الآية التي أجمع الناس فيها أنها ثابتة غير منسوخة.
* * *
стр. 109
١٨٥ - قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾
[رخصة إفطار رمضان]
وليس من اليُسر تكليفُ من لم يُطِق ولا تُرْجَى له حال الإطاقة، فأوجب ﵎ على كل من شهِد الشهر أن يصومه، وأوجب على من كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر القضاءَ، والحَبَلُ مرض من الأمراض، وإفطار الحبلى من أجل مرضها وعجزها، فعليها القضاء، ولا إطعام عليها، والمرضع فإفطارها من أجل غيرها، وإن كان فيها الضعف يعتريها فعليها القضاء والإطعام.
والمرض: كلُّ ضَعفٍ حَلَّ في البدن وفُتور حتى يَمنعَ من الصوم، قال اللَّه : ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور: ٥٠]، يريد ضَعفًا وشكًّا ونِفاقًا، قال جرير:
إن العيونَ التي في طَرْفِها مرضٌ (١)
стр. 110
أي: فيها ضعف وفتور، فإذا كانت المُرضِع قويةً على الصيام، وإنما تخاف إن صامت أن ينقطع دَرُّها ويَضُرَّ ذلك بولدها، تُفطِر وتُطعِم، وتقضي إذا كانت تقوى على الصوم، وإنما أفطرت من أجل ولدها.
والحامل لا إطعام عليها، لأنه مرض من الأمراض، إلا أن تكون قوية على الصوم، وإنما تخاف على ولدها، وإفطارها من أجل غيرها، فهذه تقضي وتُطعم.
وأحسب مالكًا ذهب إلى الإطعام في هذا الموضع إلى قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وذهب في القضاء إلى ﴿فَعِدَّةٌ (١) مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢)، ولم يختلف في أن هذه الآية غير منسوخة.
وقد اختلف في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، فقال بعضهم: منسوخة (٣). وقال بعضهم: غير منسوخة (٤).
وقد كان مالك ﵁ يستحِبُّ ما رُوي عن أنس: "لمن قوي عليه"، من غير أن يوجبه، وقال: من أطعم فإنما يطعم عن كل يوم مُدًّا، بمد النبي ﷺ (٥)،