٧٣ - قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾
معناها عندي: أنهم ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا﴾، أي: لم يخضعوا لها ويستحيوا، ومن ذلك قيل: خرّ ساجدًا.
وأما ﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، فإنهم صموا عنها، وعَمُوا عن رشدهم، فهم كالذين قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٧١]، فشُبِّهوا بالأنعام التي يَزْجُرها الراعي، فهم الذين قال اللَّه فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣].
وقد تكلم بعض المفسرين في هذه الآية بما لم أستصوبه فلم أذكره.
* * *
стр. 807
٧٤ - قال اللَّه : ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾
قال الحسن: سألوا أن يَهب لهم في أزواجهم وذرياتهم صَلاحًا يؤدي إلى طاعة اللَّه (١).
قال: وقال سلمة بن كُهَيْل نحو ذلك.
* * *
стр. 808
٧٤ - قال اللَّه : ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾
قال الحسن، ومجاهد: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: نأْتَمّ بمَن قبلَنا، ويَأْتَمّ بنا مَن بعدَنا (١).
وقال الأحوص بن حكيم، عن أبي الزاهرية، عن جُبَيْر بن نُفَيْر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من رُزق إيمانًا وحسن خلق، فذاك إمام المتقين".
* * *
стр. 809
سورة الخاضعة، وهي الشعراء
стр. 810
٨٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
قال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه (١).
وقال ابن سيرين: أن تعلم أن اللَّه حق، وأن الساعة قائمة، وأن اللَّه يبعث من في القبور (٢).
وروي عنه أيضًا في هذه الآية مثل قول ابن عباس (٣).
وقال عروة بن الزبير: لا تكونوا لعّانين، فإن إبراهيم صلى اللَّه عليه لم يلعن شيئًا قط.
والآية عندي تحتمل أحدَ شيئين: أن يأتي العبد سليمًا من كل أصناف الكفر، ويحتمل مع التوحيد سلامة المسلمين عليه، لقول النبي ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤).
* * *
стр. 811
٤ - قال اللَّه : ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾
الخضوع منهم لا من أعناقهم، والعرب تترك الخبر على الأَوَّل (١)، وتعمد إلى الآخِر، فتجعل الخبر (٢) له.
قال الشاعر:
طُول الليالي أسرعَتْ في نَقْضِي ... طَوَيْن طولي وطَوَيْن عَرضي (٣)
وقال جرير:
رَأَتْ مَرَّ السِّنينِ أَخَذْنَ مِنِّي ... كما أَخَذَ السِّرارُ من الهلالِ (٤)
وقال العُجَيْف العقيلي:
إذا رضِيَت عليَّ بنو قُشَيْر ... لعَمر أبيك أعجبني رِضاها
فلا تَنْبوا سيوف بني قُشَيْر ... ولا تمضي الأسِنَّةُ في صفاها (٥)
أي: إذا رضيت عني.
стр. 812
١٦ - وقوله: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
يريد: رسالةَ رب العالمين.
وقال كُثَيِّر:
لقد كذَب الواشون ما بُحْتُ عندهم ... بسِرٍّ ولا أرسلتُهم برَسول (١)
* * *
стр. 813
١٩٨ - قال اللَّه : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾
يقال: رجل أعجم، إذا كان في لسانه عُجْمَة، ويقال: رجل عَجَمي، وليس من اللسان، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسل -: "العجماء جُرحها جُبار" (١)، لأنها لا تَكَلَّم.
وقال ذو الرُّمة:
أحبُّ المكانَ القَفْرَ من أجل أنني ... به أتغنى باسمها غير مُعْجِم (٢)
* * *
стр. 814
ومن سورة النمل
стр. 815
٨٩ - قال اللَّه : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾
قال الحسن: الحسنة: لا إله إلا اللَّه، يريد: نورثه خيرًا دائمًا.
وقال عكرمة: الحسنة: لا إله إلا اللَّه، وكل سيئة في القرآن شرك (١).
وقال عطاء: من جاء بالتوحيد فهم ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾، ومن جاء بالسيئة ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠] وهو الشرك.
وكذلك قوله سبحانه في ﴿وَاللَّيْلِ﴾: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] يعني: وصدق بالتوحيد.
ولم يختلف من انتهى إلينا تفسيره في ذلك.
وروي عن معاذ وأبي هريرة مثله.
* * *
стр. 816
سورة القصص
стр. 817
٥٥ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾
قال مجاهد: كان ناس من أهل الكتاب أسلموا، فكان المشركون يؤذونهم، فكانوا يصفحون عنهم ويقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (١).
وكان سيبويه يقول: إن هذه للمُتاركة (٢)، يقول الرجل للرجل: اذهب سلامًا سلام، أي: تاركني (٣) وأُتاركك. فوضع هذا الكلام -واللَّه أعلم- للمتاركة، ألا ترى أن إبراهيم ﵇ قال ذلك لأبيه حين قال: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٧]، فقد قلنا في ذلك ما فيه كفاية.
قال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] قال: موته بيَّن له أنه عدو للَّه، حين مات على كفره (٤).
وقال عطاء: ليس لأحد من المسلمين أسوة في قول إبراهيم: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤].
قال اللَّه ﵎ في قصة موسى ﵇، ومخاطبته لفرعون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، وكتب النبي ﷺ بمثل ذلك إلى قيصر وغيره من الكفار (٥).
стр. 818
[رد سلام الذميين]
فأما رد السلام على أهل الذمة فقد رخص في ذلك، قال اللَّه : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] فالأحسن للمسلمين، وردها على الكافرين بمثل ما قالوا، فقد جاء عن النبي ﷺ : "لا تبدؤوهم بالسلام" (١)، فالابتداء مكروه، والردُّ لا بأس به.
* * *
стр. 819
٧٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾
قال الحسن: قدِّم الفضْل، وأمسِك ما يبلغك (١).
وقال قتادة: ولا تنسَ الحلال، أي: ابتغيه (٢).
وقال مجاهد: أن تعمل فيها بطاعتي (٣).
وقال ابن عباس والمسعودي (٤): تعمل فيها لآخرتك (٥).
وكل هذا عندي حسن، إلا أن المعنى الجامع لهذه الآية: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، بعد ذلك ما قدر عليه من أعمال البر، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 820
ومن سورة العنكبوت
стр. 821
٥٦ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾
وفي "الزُّمَر" أيضًا: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠].
قال سعيد بن جبير: مجانبة أهل المعاصي، وإذا أُمرتم بالمعصية فاهربوا، فإن أرضي واسعة (١).
وقال مجاهد: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾: اعتزلوا الأوثان.
ومعنى الآيتين واللَّه أعلم، أنه ما كان يمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا خطاب في هجران البلد، وإذا عمل بالمنكر فتعذّر النهي، وجب الانتقال خوفًا من عموم العقوبة.
* * *
стр. 822
٤٦ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
قال سعيد بن جبير: قال: أهل الحرب ممن لا عهد له فجادله بالسيف (١).
وقال مجاهد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: من قاتلك ولم يعطك الجزية (٢).
وروي عن ابن عباس: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قريش.
وقال قتادة: نسختها ﴿فَاقْتُلُوا (٣) الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١٥]، فلا مجادَلة له أشدّ من السيف (٤).
والرواية عن ابن عباس ﵁ ضعيفة، وقول قتادة حسن، لأن هذه السورة مكية، وإنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وأُمِر بالجزية قبل وفاة النبي ﷺ بيسير، فكان ذلك هو الناسخَ لِما كان بمكة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 823
ومن سورة الروم
стр. 824
٣٩ - قال اللَّه : ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُو﴾ الآية
قال إبراهيم: كان ذلك في الجاهلية، يعطي الرجلُ ذا قرابته ليُرْبي ماله وليعرَيه (١).
وقال الشعبي: هو الرجل يَلْزَق بالرجل فيَخِفُّ له ويخدُمه، فيجعل له ربح بعض ماله ليَجْزِيَه، وإنما أعطاه التماس عَونه ولم يُرِد وجهَ اللَّه (٢).
وقال ابن جبير: هو الرجل يعطي شيئًا ليُثيبَه (٣).
وقال مجاهد: الهدايا (٤).
وقال الضحاك: هو الرجل يُهدي الهَدية يريد الفضل، فليس عليك فيه وِزْر، وليس لسك فيه أجر، قال: وحرم على النبي ﷺ خاصة، ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
وقرأها أبو مالك: ﴿وما آتيتم من ربا لتُربوها في أموال الناس﴾.
стр. 825
وقال قتادة: هو الهدية والهبة، يُهدي الشيءَ يريد أن يُثاب أفضل من ذلك، فذلك الذي لا يربوا عند اللَّه، ولا يؤجَر عليه صاحبُه، ولا إثم عليه، وما آتيتم من زكاة الصدقة ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (١).
قال مجاهد مثل ذلك (٢).
وقال القرظي وعكرمة نحوه.
والآية توجب واللَّه أعلم، أن ما كان من هدايا يُطلب بها الزيادة والثواب فليس لها أجر، لأنها تجري مجرى التّبايُع، وما كان للَّه لصلة الرحم فهو الذي يُراد به وجه اللَّه.
* * *
стр. 826
ومن سورة لقمان
стр. 827
٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية
[حكم الغناء]
وروي عن ابن مسعود أنه قال: الغِناء، وحلف عليه باللَّه الذي لا إله إلا هو (١).
وقال مجاهد: الغِناء (٢).
وقيل عن ابن عباس: الغناء، وما أشبهه (٣).
وقال القاسم بن محمد: الغناء من الباطل، وهو في النار.
وقال مكحول: من كانت له جارية مغنية فمات لم أُصَلِّ عليه، لقول اللَّه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
وقال عبد الكريم (٤): كان المشركون على الطريق للمسلمين ليفتنوهم (٥).
* * *
стр. 828
١٢ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾
وفي "البقرة": ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
قال مجاهد: أولي الفقه والعلم والإصابة في القول من غير نبوة (١).
وقال محمد بن كعب: الحكمة: القرآن (٢).
وقال زيد بن أسلم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ قال: العقل في دين اللَّه (٣).
فأما قول محمد بن كعب: الحكمة القرآن، يريد الآية التي في سورة البقرة.
* * *
стр. 829
١٨ - قال اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾
قال الحسن: ولا تعرض.
وقال مجاهد: الصدود والإعراض بالوجه عن الناس (١).
وقوله: ﴿مُخْتَالٍ﴾ يريد: المتكبر.
وقال إبراهيم: التَّشَدُّق (٢).
وقال الضحاك: لا تعرض عنهم إذا كتموك (٣).
وقال السُّدي: لا تشمخ بأنفك.
وقال يزيد بن الأصم: الرجل يكلم الرجل فيلوي وجهه عنه محتقرًا له (٤).
وقال قتادة: ﴿وَلَا تصاعر خَدَّكَ للِنَّاسِ﴾ قال: هو الإعراض والتكبر.
وقال الشاعر:
وكنا إذا الجبّار صَعَّر خدَّه ... أَقَمْنا له مِن مَيْلِهِ فتقوَّما (٥)
стр. 830
ومعنى هذه الآية واللَّه أعلم: التُّؤَدَة في المشي، والتأني في القول، والرفق بالمخاطب، وترك الاستطالة عليه، هكذا كتب في الأم (١).
* * *
стр. 831
١٩ - قال اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾
معنى هذه الآية واللَّه أعلم، التّؤَدَة في المشي، والتأني في القول، والرفق بالمخاطب، وترك الاستطالة عليه (١).
* * *
стр. 832
ومن سورة السجدة
стр. 833
١٦ - قال اللَّه : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾
روى نعيم بن وهب (١)، وأبو وائل عن معاذ بن جبل، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال (٢): " [أَلا] (٣) أُنْبِئُكَ بابواب من أبواب الخير؟ الصوم جُنّة والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل"، ثم تلا هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٤).
وروى أبو عبيدة، عن عبد اللَّه أنه قال: للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت، ولا أُذن سمِعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٥).
стр. 834
وقال مالك بن أنس في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قال: القيام في جوف الليل.
وقال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء (١).
وقال عطاء: كانوا لا ينامون عن العشاء الآخرة (٢).
وقال موسى بن يسار: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، وقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، قال: ما بين المغرب والعشاء، وفي قوله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال: يغدون لصلاة الصبح.
فأما قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ يعنى: ترتفع عنها.
٢٨ - وأما قوله: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ [السجدة: ٢٨]، فمعناه: متى هذا الحكم.
* * *
стр. 835
ومن سورة الأحزاب
стр. 836
٤ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
قال الزهري: بلغنا أن ذلك كان في شأن زيد بن حارثة، ضرب له مثلًا، يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك (١).
وقال قتادة: كان رجل لا يسمع شيئًا إلا وعاه، فسمي ذا القلبين، فقال اللَّه : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٢).
وقال الحسن: كان رجل (٣) يقول: إن نفْسًا تأمرني بكذا، ونفسًا تأمرني بكذا، فأنزلت الآية (٤).
وقال مجاهد: كان رجل من بني فهر قال: إن في جوفي قلبين، أعمل بكل واحدٍ (٥) منهما أفضل من عمل محمد، وكذَب (٦).
وقال ابن عباس ﵁: قام نبيُّ اللَّه ﷺ يومًا يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين قلب معكم وقلب معهم، فأنزلت الآية (٧).
стр. 837
٤ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾
هذه الآية تكتب إن شاء اللَّه مع الآيات التي في سورة المجادلة.
* * *
стр. 838
٤ - ٥ - قال اللَّه : ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾
[حكم التَّبَنّي]
قال الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان سالم مولى امرأة من الأنصار، وهي زوجة أبي حذيفة بن عتبة، وكان أبو حذيفة قد تبناه كما تبنى رسول اللَّه ﷺ زيدَ بن حارثة، وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه، ووَرِث من ميراثه، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، فمن لم يُعلم له أب كان مولاه وأخاه في الدين، وأنكحه أبو حذيفة فاطمةَ بنت الوليد بنت أخيه (١).
وروى موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه: ما كُنّا ندعو زيد بن حارثة إلا زيدَ بنَ محمد، حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢).
وقال مجاهد: نزلت الآية في زيد بن حارثة (٣).
стр. 839
٦ - قال اللَّه جل وعز: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾
روى عطاء، عن ابن عباس ﵁ أنه قرأ: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أَبٌ لهم﴾ (١).
وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]: إنما عَنى أزواجَهم، وكل نبي هو أبو أمَّته (٢).
وقال النبي ﷺ : "أنا أَولى بكلِّ مؤمن من نفسه، فأيُّما رجلٍ مات وترك دينًا فإليَّ -يعني فعَلَيَّ- وإن ترك مالًا فهو لورثته" (٣).
وكان أُبيّ يقرأ: ﴿وهو أبٌ لهم﴾.
وقد كان النبي ﷺ قبل أن تُفتح عليه الفتوح، إذا مات إنسان وعليه دَين لم يُصَلِّ عليه، فلما أصاب الغنائم قال هذا القول: "من ترك دَينًا وضَياعًا
стр. 840
فعليّ"، وكان يقضي عنهم ويصلي عليهم، وكان أبو بكر وعمر ومن قام مقامهما يفعلون لم ذلك.
وقرأ مجاهد: ﴿وهو أبٌ لهم﴾ (١).
* * *
стр. 841
٦ - قال اللَّه جل وعز: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية
[سبب النزول]
كان النبي ﷺ آخى بين المهاجرين، فكانوا يتوارثون في الهجرة، حتى أنزلت ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وكان النبي ﷺ آخى بين الزبير بن العوام وبين كعب بن مالك، فارْتُثّ (١) كعب يوم أُحُد فجاء به الزبير يقود بزمام راحلته، فلو مات يومئذ كعب عن الضِّحِّ والرّيح (٢) لورثه الزبير، فأنزل اللَّه : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥].
وقال محمد بن علي، ابن الحنفية: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] قال: هذه في جواز وصية المسلم للكافر (٣).
وكان قتادة يقول: كانوا يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة، فنسخ ذلك الآية في آخر سورة النساء.
стр. 842
وكان الحسن لا يرى بأسًا أن يوصي لقرابته اليهوديّ والنصرانيّ، ويقرأ هذه الآية: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.
وقال قتادة: هي في الوصية لأهل الشرك من قرابته ولا ميراث لهم (١).
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ قال: مكتوبًا، لا يرث كافر مُسلِمًا.
وقال مجاهد: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال: حُلَفاؤكم الذين والى بينهم النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار (٢).
والصحيح في هذه الآية، أن الأولياء في هذا الموضع هم الذين آخى النبي ﷺ بينهم من المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزل في آخر سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]، ونزل في هذه السورة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، فنَسخت آية الأنفال هذه الآية، وصارت المُوارَثة بالإيمان، وذلك بعد فتح مكة حين انقطعت الهجرة، وأُمروا أن يفعلوا معروفًا فيما بينهم من المؤاخاة.
* * *
стр. 843
٢٨ - ٢٩ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَ﴾ إلى آخر الآيتين
قالت عائشة ﵂: لمّا نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا عائشة، إنه قد حدث أمر، فلا تفتاتي بشيء حتى تستأمري أبوَيك"، ثم قرأ عليها القرآن، فقالت: بل أختار اللَّه ورسوله والدار الآخرة (١).
وزاد فيه أبو سلمة: وقالت: لا تخبر بذلك أزواجك، فكان يطوف على أزواجه، ويخبرهن بما قالت عائشة.
وزاد فيه أبو سلمة بن عبد الرحمن أيضًا: قد علمت أن أبويّ لم يكونا يامراني بفراقه، قالت: فقلت: فلا، ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة، ففرح رسول اللَّه ﷺ بذلك، وقالت: قد علم واللَّه أن أبويّ ما كانا يأمراني بفراقه.
وهذا الحديث له طرق كثيرة إلى الزهري، واختُلف فيه على الزهري، فقال بعضهم عن أبي سلمة، وقال بعضهم: عن عروة.
стр. 844
قال علي بن المديني: لا يُنكَر مثلُ هذا على الزهري، لسعة علمه وحديثه، أن يحدث مرة عن هذا، ومرة عن هذا، وقد سمع ذلك من جماعة.
[هل يُعَدّ التخيير طلاقًا ؟ ]
وقال مسروق بن الأجدع: ما أبالي إذا خَيَّرْتُ امرأتي واحدةً أو مائةً أو ألفًا بعد أن تختارني، فلقد أتيت عائشة فسألتها عن ذلك فقالت: قد خيَّرَنا رسول اللَّه ﷺ فاخترناه، أفكان ذلك طلاقًا (١)؟
والآية تدل على أنه ﵇ خيَّرهن بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الدنيا طَلّقهن، وإن اخترن الآخرة كُنّ على ما كن عليه ولم يلزمه مفارقتهن، ألا تراه سبحانه قال: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية، فلما اخترنه لم يَلزمه ﵇ التسريحُ الذي أوجبه على نفسه.
وقد يجوز أن يقول قائل: إنهن لو اخترن الدنيا أن يقع الطلاق باختيارهن.
وهذا يحتاج إلى حجة من كتاب اللَّه أو سُنَّة، إذ الآية لا توجب وقوع الطلاق، وما روي عن عائشة: "اخترناه فهل كان ذلك طلاقًا؟ " إنما ذُكر ليُدفع به شيء ضعيف رُوي من طريق ضعيفة عن علي، وعليٌّ ﵀ يرتفع عن قوله: زعموا أن الرجل إذا خيَّر امرأتَه فاختارته كانت طلقة، وإذا اختارت نفسها كانت ثلاثًا، وهذا ما لا يجوز في عقل، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 845
٣٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
أما قوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ فإن ابن عباس ﵁ قال: لا أُولى (١) إلا ولها آخِرة (٢).
والأُولى (٣) واللَّه أعلم: ما بين عيسى ومحمد صلى اللَّه عليهما، والآخرة: جهْل قريش في مُحارَبتهم لرسول اللَّه ﷺ وتكذيبه وإخراجه عن مكة.
وأما التبرج، فإن النساء كن يخرجن يتبخترن بين الرجال في مِشْيَتِهِن وحركاتهن، فنُهيَ نساءُ المؤمنين عن ذلك، وبُدِئ بأزواج رسول اللَّه ﷺ قبل نزول الحجاب، لأن التبختر من المرأة يحرك قلوب الرجال، ثم صانهن اللَّه بعد ذلك فأنزل الحجاب، وجعلهن أمهات المؤمنين، تعظيمًا لهُنَّ، وإيجابًا لحقهن على المؤمنين، كإيجاب حقوق الأمهات، وحُرِّمهن على المؤمنين كتحريم الأمهات، فحقُّ رسول اللَّه ﷺ كحقِّ الآباء، وحقّهن كحق الأمهات، وزاد اللَّه ﵎ نبيه ﷺ الرأفةَ بهم والرحمة، فزاد في حقه وواجباته، لقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].