← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

٣٣ - قال اللَّه تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [حكم المكاتَبة] اختلف المفسرون في هذه الآية، فمنهم من قال: إذا ابتغى العبد الكِتابَةَ، وكان له مال، وجب على السَّيِّد أن يُكاتبه (١). ومنهم من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: مالًا (٢). ومنهم من قال: أداءً وأمانةً (٣)، وقال: إذا ابتغى منه الكتابة وعَلِم منه ذلك، لزمه أن يُكاتبه. ومنهم من قال: ليس يلزمُه أن يُكاتبه إلا أن يشاء، وإن علم أداءً وأمانةً (٤).

стр. 772

ومنهم من قال: ليس له أن يُكاتبه إلا أن يبتغي الكتابة. ومنهم من قال: له أن يكاتبه كَرهًا إذا علم أداءً وأمانةً وقدرةً على ما يُكاتِبُه عليه. وقال مالك: ليس على السيد أن يكاتبه كَرهًا، وله أن يكاتب عبده كرهًا (١). فأما قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مالًا، فالخير لعَمري المالُ، إلا أن مال العبد للسيد أن ينتزعه، ويبقى عنده بغير مال، فكيف يُكاتبه على شيء له أن يأخذه بغير كتابة؟ وأما قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، وإن كان بلفظ الأمر، فقد يأتي لفظ الأمر يُراد به الإطلاق من حظْرٍ والإذن والنهي (٢)، قال اللَّه : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقال سبحانه: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال ﵎: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥]، وهذا غاية الوعيد والنهي والزجر. وقد رُوي أن عمر حلف على أنس أن يكاتب سيرين (٣)، وهذا من عمر على وجه النظر لأنس، والرغبة له في الخير، ولو كان يراه واجبًا لألزمه وحكم به عليه، ولم يحلف عليه، وإنما يمينه فعل الوالد ونظره لولده، لا على وجه الإجبار، فعمر ﵀ للناس جميعًا كالأب الشفيق، ولو كان أنس يعلم أن ذلك واجب (٤) عليه لما امتنع منه، وإنما أُمر بذلك على وجه الندب، ورُدّ إلى

стр. 773

علم السادة، فقيل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، يعني أداء وأمانة، فلا مدخل للحاكم في ذلك، وما ليس للحكام فيه مدخل فيما يتنازع الناس فيه، فليس بواجب، وإذا لم يجب ارتفع التنازع. وقد حُكي عن الشافعي أنه قال في المملوك يسأل سيِّدَه المكاتبة: أن ذلك لا يجب على السَيِّد، وأنه إذا كاتبه وجب أن يُجبَر السيدُ على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئًا ما كان، قال: وهذا واللَّه أعلم عندي مثل قول اللَّه : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، قال: فإن مات قبل أن يضع جُبِر ورثتُه على ذلك، وإن كانوا صغارًا وَضع عنهم الحاكمُ أقلَّ (١) ما يقع عليه اسم الشيء من كتابته، فجعل الشافعي الفرع أوجب من الأصل، وليس يكاد شيء (٢) من (٣) كلام العرب يُعطف بعضُه على بعض، يكون أولُه غيرَ واجب وآخرُه واجب، هذا لا يكاد يُعرف. وقد يكون الكلام أولُه واجب وآخره غير واجب، قال اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فبدأ بالعدل وهو واجب، ثم ذكر الإحسانَ بعدَه، وقال : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ (٤) إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فبدأ بالواجب، ثم ذكر التفضل بعدَه. وهذه الآية التي تأوَّلها الشافعي قد رُويت فيها الأحاديث، فمنهم من قال: يضع عنه الرُّبع، وقال هذا القائل بعد ذلك: إنه لا يراه واجبًا (٥).

стр. 774

وروي عن بعضهم أنه كان يختار أن يضع عن المكاتَب آخر نجومه (١). ومنهم من رأى أن يعطيه من عنده من غير مال المكاتَبة (٢). ومنهم من قال: عنى بهذه الآية الناس جميعًا من مولاه وغيره (٣)، فكان ظاهر ما روي عنهم يدل على الاختيار من غير إيجاب. وأما المتعة فقد رُغِّب المُطَلِّق في ذلك، وقد مضى الكلام في موضعه. وأما المكاتَب إنما هو شيء في قول الشافعي يسقط من شيء يكون قد وجب للسيِّد، وليس يجوز أن يَسقط من شيء معلومٍ شيءٌ مجهول لا يُعرف مقداره، وكيف يجوز أن يكتب على العبد مثلًا أربعةً آلاف ويشهد عليه بها، وهي أقل من أربعة آلاف؟ قد عملوا على ذلك، وحكم الكتاب أن يكون عدلًا بين المتعاملين، فإن كان الذي كُتب عليه حقًا، فليس يجب على السَّيد شيء سواه، وإن كان باطلًا فإن الكتابة منفسخة. والشافعي يزعم أن المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم مما كوتب عليه (٤)، فإن كان يعني أنه عبد ما بقي عليه درهم سوى ما يجب أن يُسقط عنه، وجب أن يكون ما يُسقط عنه معلومًا في أصل الكتابة، حتى يعلم الحال التي يعتق فيها من الحال التي لا يعتق فيها، لأن هذا حكم بين رجلين، إذا أداه المكاتَب عُتق، فلا بد أن يكون معلومًا كما كانت الكتابة معلومة.

стр. 775

والشافعي يجعله مجهولًا، وقال: أقل ما يقع عليه اسم شيء من الكتابة، فقد يجوز أن يجعله دانِق فضة من عشرة آلاف درهم، فهل يجوز في عقل عاقل أن يأمر اللَّه ﵎ في مثل هذا بهذا؟ وقد يجوز أن يُلزَم في ذلك أن يَحُطَّ حَبَّة، وأحسبه لم يفكر فيما وضع في كتابه من ذلك. وتأمّلتُ الرواياتِ في ذلك من عمرَ وعليٍّ صلوات اللَّه عليهما ومَن دونَهما، فوجدتُها كلَّها على التكرُّم وعلى غير الإيجاب، وكذلك روي عن عثمان، وقد كاتب عثمان ﵁ عبدًا له على مائة ألف درهم فلم يحط منها شيئًا واستوفاها، وكاتب أنسٌ سيرينَ فاستوفى، ولم يَحُطَّ عنه شيئًا، ونظائر هذا كثير، وهو شيء أمر اللَّه به وندب إليه وأحبه من عباده الأصل والفرع، فلا ينبغي لذي علم أو دين أن يخرج من ذلك إلى المستقبَح، إلا أن يكون قد نظر لعبده حين كاتَبه نظرًا يؤديه إلى العتق، فيجوز له أن يدع ويجوز ألا يدع له شيئًا، كما فعل عثمان وأنس وغيرُهما. وقد ذكرنا في أول هذه المسألة قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ﴾ مالًا، وهو مذهب، وقد جعلوا للعبد مالًا، لأن تفسيرهم وقع على أن للعبد مالًا (١) قبل أن يُكاتب. والذين قالوا الخيرُ: الصلاحُ، فهو مذهب حسن، وقد قال اللَّه : ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، فدل أيضًا على أن العبد يملك المال، لأنه لا يوصف بالغنى والفقر إلا وهو ممن يملك المالَ. فإن قيل: إن الفقر المذكور في الآية قد يمكن أن يكون في الأيامى خاصة.

стр. 776

قيل: إنما يمكن أن يقع الخصوص في العبد دون الأيامى (١)، لأنهم الرجال وهم المحتاجون في النكاح إلى الغنى، لأن الرجال هم الذين يُصْدِقُون، والنساء يأخذن الصَّداق، والرجال يُنفِقون والنساء يُنفَقُ عليهِنّ. قال عمر: ابتغوا الغنى في النكاح، ما رأيت مثل من قعد بعد هذه الآية، إنما ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، والأيم في اللغة: كل من لا زوج له من الرجال والنساء، وقد ذكرنا هذا في موضعه. وأما قول مالك: إن للسيد أن يكاتِب عبده شاء أم أبى، فإن ذلك يكون عنده على وجه النظر من السيد للعبد، لأن للسيد أن يؤاجره للسنة والسنتين، ويأخذ الأجرة والعبد باقٍ على رقه، فلما كان له ذلك، كان من المعروف والإحسان منه إليه أن يكاتبه مدة معلومة، على مقدار يعلم أنه يطيق أداءَه (٢) في تلك المدة من أعماله واكتسابه، وليس للعبد أن يمتنع من ذلك، يؤديه (٣) إلى الحرية، ولا ضرر فيه عليه، وإنما يجيز مالكٌ للسيد هذه المكاتَبةَ إذا كانت بهذه الشريطة، فأما إن حَمَّله ما لا يطيق أو ما يطيق مُضيِّقًا عليه فلا يجوز عنده، وهذا من المعروف الذي أمر اللَّه به. ومن مذهبه أن يأمُر المكاتِب ويحُضَّه على ترك بعض النجوم مما يَقوى به المكاتَب على كتابته، يأمر بذلك ويراه وإن كان لا يوجبه (٤)، كما يُؤمر به في المتعة وما أشبهها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 777

٣٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [سبب النزول] روي عن جابر، وابن عباس، وجماعة، أنها نزلت في عبد اللَّه بن أُبَيّ [بن] (١) سلول كان له جاريتان إحداهما مُعاذة والأخرى مُسَيْكَة (٢)، كان يُكرههما (٣) على البِغاء يستنجب منهما العبيد، فكان يُكره ويضرب، فأخبر اللَّه بمغفرته للأمتين إذ كانتا مُكرهتين كارهتين، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] لهن (٤). والآية -على العموم- وإن كانت نزلت في عبد اللَّه بن أُبَيّ [بن] (٥) سلول، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقال: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾.

стр. 778

وقد كان هذا الفعل في الإماء في الجاهلية فكان مقرونًا بكفرهم، فلما جاء الإِسلام نسخ ذلك كلَّه، وقيل: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، فكل من دخل في الإيمان من حُر وعبد فقد حرَّم اللَّه عليه الزنا. [خطاب الكفار بفروع الشريعة] وقوله : ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، دليل على أنه لا تحريم على الكافرين، وأنه لا اعتراض لنا في زناهم (١) وفسوقهم وخمورهم إذا أقررناهم على أنهم لا ﴿يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، وإذا لم يحرم اللَّه عليهم الزنا لتضاف أعمالهم إلى كفرهم، فيكمل عذاب اللَّه عليهم، فلا خطاب عليهم في تحليل ولا تحريم حتى يدخلوا في الإِسلام، وإلى هذا دعا رسول اللَّه ﷺ ، وأنفذ رسله إلى الأمصار من معاذ وغيرِه، قال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن قبلوا ذلك منك فأعلمهم بأن عليهم صلاة وزكاة" (٢)، فلا شريعة ولا أمر ولا نهي إلا بعد الإيمان. وإن احتج محتج بقول اللَّه : ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. قيل له: معنى حل لهم إنما هو حل لكم أن تُطعموهم، فأما أن يظن ظان أن قولنا لهم: إنه حل لكم، وهم يدفعون الكتاب الذي فيه هذه الآية، كيف يكون منهم القبول، هذا ما لا يظنه ذو فهم ومعرفة. * * *

стр. 779

٥٨ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [من يَستاذن، ومتى، ولم ؟ ] الخادم والمملوك والحر الذي لم يبلغ الحُلم، من ولد وأخ وولد أخ وما أشبه ذلك من ذوي المحارم الذين يتخصصون بالمنزل، ويجرون مجرى أهله إذا كانوا فيه، هؤلاء كلهم يستأذنون في العورات الثلاث، ولا يَلِجون بغير إذن، فيفاجِئون الرجل مع زوجته في حال جماع وما أشبه ذلك، مما هو سر من الناس ومن كل أحد. ومن شأن الناس أيضًا أن يَطْرحوا ثيابهم في هذه الأوقات الثلاثة، فربما فوجئ الإنسان وهو كاشف بعض عورته، أو في حال طهارته وغسله وما أشبه ذلك، فأُدِّبوا بأحسن الأدب، وأمروا بالاستئذان في هذه الأوقات دون غيرها، وفي غيرها يجري التسليم، وفي الرَّد إذن، واللَّه أعلم. * * *

стр. 780

٥٩ - وقال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [وجوب الاستئذان] قال رجل لعمر ﵁: أستأذن على أمي؟ قال: نعم، استأذِن عليها (١). وقال عبد اللَّه مثله. وقال رجل لحذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت منها ما يسؤوك (٢). وقال ابن عباس ﵁ مثل ذلك. قال بكر: وهذا واجب في الأخت والابنة وسائر ذوات المحارم كوجوبه في الأم، ليس لبالغ أن يدخل على امرأة حتى يستأذن، وكذلك على الزوجة، إن خاف أن يكون عندها من النساء غيرُها. * * *

стр. 781

٦٠ - قال اللَّه : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ قال ابن مسعود ﵁: الجلباب، أو قال: الرداء (١). وقال ابن عباس: الجلباب (٢). وقال جماعة من المفسرين نحو ذلك (٣). قال بكر: وهذا إنما يكون في منزلهاا يراها ابنها وأبوها وأخوها، ولُبس الجلباب خيرٌ لها من خَلْعه، ألا تراه قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، وإن فعلت من حَرّ أو علة، فقد وُسِّع لها، ولا يراها غير ذوي أرحامها، واللَّه أعلم بما أراد. * * *

стр. 782

٦١ - قال اللَّه : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ إلى ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [سبب النزول] روى مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول في هذه الآية: لا جناح عليكم ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، أُنزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ ، وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك، فكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل اللَّه ﵎ هذه الآية. وقال غير سعيد: إن قومًا كانوا يتحرّجون من الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض خوفًا من أن يصيبوا (١) من الطعام فوق ما يصيب الأعمى، فنزلت الآية (٢). ٥٥ - حُدثنا عن إبراهيم بن بشار، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي قال: كان الرجل في الجاهلية لا يأكل وحده

стр. 783

ولا يشرب وحده، وكانت العرب تعاير ذلك بينهم، ويسمى الرجل إذا أكل وحده المُرضع، فكان أحدهم إذا وضع طعامه ليأكلَ أو حَلَبَ لَقْحَتَه (١) ليشرب نادى من حوله، فإن أجابه أحد، وإلا نصب عودًا بين يديه بدل الرَّجُل فأكل وشرب، قال: فنزل رجل من العرب واديًا وحلب لِقَحَةً له فنادى: هل بالوادي من أحد فليأت، فسمعه رجل فلم يجبه، واختفى له في مكان، فلما علم أنه لم يجبه أحد أخذ عودًا أو خشبة فنصبها، ثم أخذ الإناء ليشرب، خرج إليه فقال: يا مُرضع أتشرب وحدك؟ ! فخشي الآخر إن أفلت منه أن يعير بشربه وحده، فيصير ذلك عليه عارًا، فعدا عليه بالسيف فقتله، فلما جاء الإِسلام نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. روى الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول اللَّه ﷺ فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضُمَنائهم، ويقولون: إن احتجتم فكلوا، فيقولون: إنما أحَلوه لنا عن غير طيب نفْس، فأنزل اللَّه سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ إلى آخر الآية. قال بكر: وفي هذه الآية فقه لم أرهم ذكروه، وهو أن اللَّه ﵎ قال: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾، ولم يذكر الأبناء، وذكر الاباء ومن بعدَه حتى ذكر الصديق، والابنُ أقرب من الأب ومن عداه، وأولى بالمال الذي يملكه ابنه منه، فسائر أملاك الناس ممن ذكر وممن لم يذكر، فعلمنا أن بيوت الأبناء هي بيوت الآباء، فلم يحتج إلى ذكرها ودخلت في معنى بيوتكم، ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ : "أنتَ ومالكَ لأبيك" (٢).

стр. 784

٦١ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قال الحسن: يسلم بعضكم على بعض، كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١). قال ابن عباس: هو المسجد إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين (٢). وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ إذا دخل بيته قال: بسم اللَّه، والحمد للَّه، السلام على رسول اللَّه، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، اللهم أدخلني مُدخَل صِدق، وأخرجني مُخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا. وقال جماعة من المفسرين: إذا دخلت بيتًا فيه إنسان فقل: السلام عليكم، وإذا لم يكن فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين (٣). * * *

стр. 785

٦٢ - قال اللَّه عز من قائل: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ الآية ذلك فيما يجمع فيه الإمامُ المسلمين له، من جهاد عدو، أو أمر من أمور المسلمين، يحتاج فيه إلى اجتماعهم ورأيهم. وقد قال بعض المفسرين في الجمعة: إذا رَعَف أو أحدث فأراد الخروج استأذن (١)، وما أعرف لذلك وجهًا، وإنما ذلك فيما قدّمت ذكره، قال اللَّه : ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢]، فعُلم أن الإمام ينظر في أمر من استأذنه، فإن رأى أن يأذن له أذن له، وإن رأى ألا يأذن له لم يأذن له، فكيف يكون هذا في الجمعة إذا رَعَف أو انتقضت الطهارة؟ ! ومنعه لا وجه له، وهذا غلط، واللَّه أعلم. * * *

стр. 786

ومن سورة الفرقان

стр. 787

٤٨ - قال اللَّه ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [أحكام المياه] قال إسماعيل: فوصف ﷻ الماء بأنه طهور، والطَّهور: الفَعول، وهو الذي يطَهِّر غيرَه مثل: رجل ضَروب، ورجل قَتول، أي: يَضرِب ويَقتِل، وكذلك الوضوء يسمى طَهُورًا، لأنه يطهِّر الإنسانَ للصلاة، قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يقبل اللَّه الصلاة بغير طَهور" (١)، وقال ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا" (٢)، فجعل التيمم يُطَهِّر في وقته ويقوم مقام الماء. فالذي يوجبه قولُه ﵎، أن كل شيء غلب الماءُ عليه فقد طهَّره، وما لم يغيِّر طعمه ولا لونه ولا ريحه فالماء على أصل حكمه، وقد طَهَّر ما خالطه إذ غلب عليه وأزال حكمه، فكل ما حل بنجاسة في أرض أو ثوب فأزال الجسمَ واللونَ والطَّعْمَ والريحَ فقد طهَّره، إذ كان وُصف بأنه طَهُور، فما دام هو الغالب فالصفة ثابتة معه والاسم قائم فيه، وإذا غلبه غيره زال ذلك الحكم، وكذلك لو غلب عليه شيء غير نجس من دقيق أو عسل أو غيره، زال عنه اسم الماء وحكمه في أنه يطهر غيرَه، فهذا الذي يجب في النظر أن يكون الأصل في الماء.

стр. 788

قال بكر: وهذا قول فقهاء المدينة السبعة وغيرهم، وقد تحدُثُ نَجاسةٌ في اليسيرِ من الماء فيُحتاط لذلك تنزُّهًا. وقال مالك ﵁ في الموطأ، في الرجل يوضع له الماء لوضوئه فيُدخل إصبعه في الإناء ليعرف حر الماء من برده، أنه إن لم يكن في إصبعه أذى فلا أرى الماء ينجس عليه (١). فأما ما يوجبه النظر فما ذكره القاضي إسماعيل. وقال ابن عباس: الماء يُطهِّر ولا يُطَهَّر (٢). وقال الحسن، وأبو العالية، وسالم، والقاسم، وابن شهاب، وربيعة، في ماء المطر في الأرض يُصيب الثوب منه لم يروا به بأسًا. ومنهم من قرأ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. وروى الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه، ريحه أو طعمه" (٣). وقال مالك ﵁: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه من نجِس وقع فيه، فلا يصلح شربه ولا الوضوء منه (٤)، وإذا تغير من طُحْلُب أو حَمْأَة، فإن لم يجد غيرَه توضأ به (٥).

стр. 789

وروى أبو سعيد الخدري قيل: يا رسول اللَّه، إنا نتوضأ من بئر بُضاعة، وفيها المحائض ولحوم الكلاب، فقال رسول اللَّه ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء" (١). وقال المقدام بن شُريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء" (٢). وقال سهل بن سعد: لو سقيتكم من بئر بُضاعة لكرهتم ذلك، وقد واللَّه سقيت رسول اللَّه ﷺ منها (٣). وقال ابن عباس ﵁: إن النبي ﷺ قال: "الماء لا يجنُب" (٤). وحكى أيضًا عن ميمونة خالته قالت: أجنبْتُ أنا ورسول اللَّه، فاغتسلت من جَفْنة ففضُلت فَضْلة، فجاء رسول اللَّه ﷺ ليغتسل منها، فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال: "إن الماء ليس عليه نجاسة"، فاغتسل منه (٥).

стр. 790

وقال الأعمش، عن يحيى بن عبيد، سألت ابن عباس عن ماء الحمام، فقال: الماء لا ينجسه شيء (١). ونظائر هذا كثير. وقد جاءت هذه الأحاديث على ما وصفنا، وذكر في بعضها: ماء في جَفْنَة، وفي إناء يُتوضأ منه، وفي حوض حمام، فوقع الجواب في هذا المقدار اليسير من الماء أن الماء لا ينجَس. فإن قيل: إن المسألة في ذلك إنما كانت في يد فيه، ولم يُذكر أن اليد كانت فيها نجاسة. قلنا: المسألة كما وصفت، ولكن الجواب جاء عامًا على غير قدر المسألة، ولو كان الجواب على المسألة بعينها أن ذلك لا يُنَجِّس، وإنما جاء الجواب على إعلامهم حكم الماء، ولو كان ذلك على قدر المسألة لقيل ذلك في حديث القُلَّتَين، لأن فيه أن النبي ﷺ سُئل عن الماء يكون بفلاة من الأرض، وما يَرِد عليه من الدواب والسباع، فقال: "إذا بلغ الماء القُلَّتَين لم يحمل نجسًا"، وفي بعضها: "لم ينجسه شيء" (٢)، فكان يقال: إنه ﷺ إنما سئل عن شيء لا ينجس.

стр. 791

وقد روى الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن أعرابيًا دخل المسجد ورسول اللَّه ﷺ جالس، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد تَحَجَّرْتَ واسعًا"، فلم يلبث أن بال في المسجد، فَعَجِلَ الناسُ إليه فنهاهم عنه، وقال: "أهريقوا عليه سجلًا من ماء أو ذَنوبًا من ماء" (١). ورواه أنس بن مالك، وابن عباس، وزاد ابن عباس فيه: فقيل للأعرابي: ما حملك على أن بُلْتَ في مسجدنا قال: والذي بعثك بالحق ما ظننت إلا أنه صعيد من الصُّعُدات فبلتُ، فأمر النبي ﷺ بذَنوب من ماء فصب على بوله". فتبين بهذه الأحاديث وأسانيدها كالشمس الطالعة، أن مقدار الدَّلو من الماء قد طهَّر بول الرجل لأنه هو الغالب، وكذلك لو وقع بولٌ في إناء لطهَّرَه ما غَلَب عليه من الماء، وكذلك ما يصيب الثوبَ من النجاسات، ولو كان ما دون القُلَّتين إذا وقعت فيه نجاسة يسيرة نجسته، لما طَهَّر بول الأعرابي إلا مقدار قلتين، لأن النجاسة إذا وقعت في الماء فقد خالطته، وكذلك إذا وقعت النجاسة في إناء، أو في موضع من أرض، أو ثوب، ثم صُبَّ على ذلك ماءٌ فقد خالطه، فإن كان ما دون القُلَّتين ينجس بالقليل من النجاسة للمخالطة، فكذلك لا يطهر ذلك الموضع إلا بالقلتين من الماء. وقد قال النبي ﷺ لامرأة سألته: أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال: "إذا أصاب ثوبَ إحداكن الدم من الحيضة فلتَقْرِصْه (٢) ثم لتنضحه بالماء ثم تصلي" (٣).

стр. 792

٥٦ - حدثناه أحمد بن موسى، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء ابنة أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي ﷺ (١). ورواه حماد بن زيد بهذا الإسناد. فتبين بحديث أسماء، أن القَرْصَ لا يكون إلا بالقليل من الماء، وأجزأ ذلك لقلة الدم المغسول، فلما غلبه الماء طهَّره، فكذلك ينبغي أن يكون حكم الماء في كل شيء، وأنه ما دام هو الغالب فهو المطهر، ألا ترى أن الماء إذا غُسلت به النجاسة في الثوب اختلط بعضه ببعض، ثم كان كل شيء يخرج من ذلك الثوب فمختلط، وما بقي في الثوب من الرُّطوبة فمختلط أيضًا؟ وقد رُوي عن ابن عمر أن النبي ﷺ سُئل عن الماء يكون بفَلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إذا بلغ الماء قُلَّتَين لم ينجسه شيء"، رواه ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه (٢). وروى حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، قال: كنا ببستان لنا ولعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر فحضرت الصلاة، فقام عبيد اللَّه إلى فقرى (٣) البستان فيه جلد بعير، فدخل يتوضأ فيه، فقلت له: أتتوضأ في هذا وفيه هذا الجلد؟ ! فقال: حدثني أبي، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إذا كان الماء أكثر من قلتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك، فإنه لا ينجس" (٤)، رواه هُدبة بن خالد وغيره

стр. 793

على هذا اللفظ، فاختلف الرجلان في متن الحديث ومعناه، وهذان شيخان لا يحتملان التفرد بهذا الأمر الجليل، ولا يكونان حجة فيه، فقد وَهَى الحديث في القُلَّتين. ولم نر أحدًا يقف على مقدار القُلَّتين. فأما ما رواه الشافعي فإنه ذكره عن مسلم بن خالد، عن ابن جُريج، بإسناد لم يحضره ذكره، ولا حضره أحد من المسلمين بعدَه، ذكره أن النبي ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا"، فقال فيه بِقِلال هَجَر (١)، فبعيد في القلب أن يكون رسول اللَّه ﷺ يُبيِّن للناس بالمدينة على مقدار بِهَجَر لم يَرَوْه، ويحملهم على ما يجوز الاختلاف في مقداره، وهو يَقْدِر على أن يُقَدِّر لهم كما قَدَّر الصّاع والوَسْق وغير ذلك، فعرفه الناس وعملوا عليه، فلو سَنَّ في الماء مقدارًا لقال: وَسْق ووَسْقين وما أشبه ذلك، فكانت المخاطبة لهم بشيء يعرفونه. والوَسْق: ستون صاعًا، والمدّ والصاع والوَسْق مقادير يعرفها المخاطبون منذ زمان رسول اللَّه ﷺ إلى هذه الغاية، لا يختلف عليهم. فأما ما يرويه أهل الكوفة في الصاع الحَجّاجي فشيء لا يثبت ولا يُعرَف، والصاع والمد مكيال المدينة لا يعرفون سواه، ولا يحتاجون فيه إلى إسناد.

стр. 794

قال إسماعيل: أُتيت بالمدينة بمد النبي ﷺ وخُرِطَ لي على مقداره، فأتيت به البصرة فقدرته، فكان نصف كِيلَجة بكِيلَجة البصرة، يَرْجَح شيئًا يسيرًا. ولم يُختلف في الوسق، وهو ستون صاعًا، وكذلك الأوقية أربعون درهمًا، فهكذا سبيل كل شيء، يُحَدّ مبلغه مما يحتاج الناس إليهم في دينهم. وأمر الوضوء والصلاة أن يشار إلى ما يُعرف ويُوقف عليه، ونحن والناسُ جميعًا نعلم أن القِلال والجرار وما أشبه ذلك، ليس تُتخذ مكيالًا ولا معيارًا، وإنما تُتخذ آنية لما يجعل فيها، فتقع فيها الزيادةُ والنقصانُ، فكيف تجعل هذه مقدارًا لغيرها؟ ولقد تَعَفَّرَ الشافعي في ذلك حتى أتى بما حكايتُه تُغْني عن الاحتجاج عليه، فمنه أنه قال: وقال ابن جريج: وقد رأيت قِلال هَجَر، والقُلَّة تَسَعُ قِرْبَتين وشيئًا، ثم قال: وقد رأيت أن أجعل الشيء نصفًا، فإذا كان الماء خمس قرب لم يحمل نجسًا، والقِربة مائة رِطْل، فيكون جميعُه خمسُمائة رَطْل (١). وهو يقول هذا ويُقَدِّر، ويجعل ذلك سُنَّة، وهو في مذاهبه لا يُسوِّغ أبا بكر وعمرَ وعثمانَ وعليًّا أئمةَ المسلمين وفقهاءَ الدِّين أن يضعوا مثل هذه الشريعة، ثم يزعم أن كل قِربة تسَعُ مائة رَطْل، فليت شِعري هذه الغنم التي تساوت جلودُها، حتى لا تكون كل قربة تزيد على مائة رطْل ولا تنقص عنه، ومن أين له ومن أعطاه هذه المقادير؟ ثم يزعم أن خمسمائة رَطْل إلا رَطْلًا واحدًا (٢) بال فيه بائل أنه نجس، فإن صُبّ عليه رِطْل واحد ماءً صار طاهرًا، فهل يَسُوغ هذا في عقل أو يعقله ذو لب أن رِطْلا يطهِّر خمسمائة رطل؟ ! ثم يزعم أنه لو وُجد مائة إناء قد وقع في كل إناء منها فأرة، أن الآنية كلَّها نجسة، فإن جُمع جميعه في إناء واحد صار طاهرًا، فجعل النجاسات إذا اجتمعت طهرت.

стр. 795

وزعم الشافعي أن حجته على من ذهب إلى ما روي عن النبي ﷺ : "أن الماء لا ينَجِّسُه شيء" (١)، ما رُوي عنه ﷺ أن الكلب إذا وَلَغَ في إناء غُسل سبع مرات (٢)، وهو يزعم في كتاب الربيع أنه قال في الكلب بالسُّنة، وقال بغير علة، ثم نسي بعد ورقة فقال: إن لم يكن الخنزير أنجس من الكلب فليس بِدونِه (٣)، فقاس على ما زعم أنه لغير علة. وقال في النجاسات سواه بحديث أسماء ابنة أبي بكر، وقال الشافعي: وأَمَرَ رسول اللَّه ﷺ بغسل دم الحيضة، ولم يؤقِّت فيه شيئًا، فكان اسم الغَسْلة يقع على غَسْلة وأكثر، فكانت الأنجاس كلها سوى الكلب قياسًا على دم المحيض لموافقته في المعقول، ولم يَقِسه بالكلب، وزعم أن السِّباع وغيرَها مما لا يُؤكل لحمه لا تُنَجِّس الماء إذا شرِبت منه، وأنه قاس ذلك على ما عُقِل، وزعم أن الفرق بين الكلب وبين غيره، أن الكلب مَنْهِيّ عن اتخاذه إلا لمعنى، وجعل ينقص من اتخذه لغير معنى كل يوم قيراطين (٤)، وأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب. فدل قول الشافعي على أن أمر الكلب لا يقبله، وأن الذي فهم من الفرق بين الكلب وغيره ما وصف، فلم يكن ينبغي له أن يحتج بأمر الكلب في الحديث الذي روي عن النبي ﷺ أن الماء لا ينجسه شيء، لأنه زعم أن الذي

стр. 796

فهمه من أمر الكلب ليس من طريق النجاسات، فلم يكن لاحتجاجه به في النجاسات معنى، فليس يجوز لإنسان أن يحتج بشيء لا يفهم المعنى منه، وقد شرحنا من أمر الكلب في غير هذا الموضع ما لا يحتاج إلى إعادته، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 797

٦٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ قال مجاهد: يخلف هذا هذا (١)، ويخلف هذا هذا. وقال الحسن البصري: جعل اللَّه ﵎ الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكورًا، من فاته عمل الليل عمِله بالنهار، ومن فاته حِزْبه بالنهار عمِله بالليل (٢). * * *

стр. 798

٦٣ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ قال الحسن: حُلماء لا يجهلون، وإن جُهِل عليهم حَلُموا ولم يَجْهلوا، هذا نهارهم ينتشرون به في الناس، ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، إذا دخل ليلُهم يروحون بين أطرافهم بينهم وبين ربهم (١). وقال في رواية أخرى: حُلماء، علماء، صُبراء، أتقياء، إن ظُلموا فلا يَظلِموا، وإن بُغِي عليهم لم يَبغوا، قد بَراهم الخوف كأنهم القِدَاح. وقال مجاهد: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾: بالوقار والسكينة (٢)، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾: يعني سَدادًا. وقال زيد بن أسلم: هم الذين لا يتجبّرون ولا يتكبّرون (٣). * * *

стр. 799

٦٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ قال عبد اللَّه بن مسعود: هو إنفاق المال في غير حقّه، ومَنعه من حقِّه. وقال ابن سيرين مثل ذلك (١). * * *

стр. 800

٦٨ - قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال عبد اللَّه: أَتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فسأله عن الكبائر، قال: "أن تدعو للَّه نِدًّا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك، أو تزني بحليلة جارك"، ثم قرأ الآية (١)، قال: وسأله: أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل اللَّه" (٢). وسُئل زيد بن ثابت عن هذه الآية، وعن قول اللَّه ﵎ في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣]، فنجد في إحداهما توبة، والأخرى مُسْجَلة (٣)، فأيتهما أنزلت قبل؟ فقال زيد: أنزلت هذه الغليظة بعد هذه اللَّيِّنَة بستة أشهر، فنسخت الغليظةُ اللَّيِّنَة (٤).

стр. 801

وسُئل ابن عباس ﵁: هل للقاتل من توبة؟ فقال كالمتعجب من مسألته: ماذا تقول؟ فأعاد عليه المسألة، فقال: ماذا تقول؟ مرتين أو ثلاثًا، ثم قال ابن عباس: ويحَك أنّى له بالتوبة؟ وذكر الحديث (١). وروي عن ابن عباس -أيضًا- أن آية الفرقان نزلت في مُشركي قُريش، فقيل فيها: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] يعني: من الشرك، وأن الآية التي في النساء نزلت في المؤمن يَقتل متعمِّدًا فلا توبةَ له (٢). وكان ابنُ شهاب إذا سأله مَن لم يقتل يقول: لا توبة له، كي لا يجترئ على القتل، واذا سأله من قتل لم يُؤَيِّسْه خوفًا من أن يَيْأَسَ فيَقتل. وهذا قول حسن، واللَّه أعلم. * * *

стр. 802

٧٠ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال أبو عثمان النَّهْدي، عن سلمان الفارسي قال: يُعطى المؤمن كتابه في سِتْر، فيقرأ في أوله سيئاته، ثم يقرأ حسناته، ثم يعود إلى أوله فيرى أوله قد بُدِّلت السيئاتُ حَسَنات (١). وقال الحسن: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: تلا الآية التي قبلها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال: يبدلهم اللَّه في الدنيا بعد القتل العفة، وبعد الزنا الإحصان، وبعد الكفر الإيمان (٢). وكان سعيد بن جبير يقول: يبدل اللَّه سيئاتِ المؤمن حسناتٍ حتى يتمنّى الرجل أنه ازداد سيئات (٣). وقال علي بن الحسين: يبدل اللَّه سيئاتهم حسناتٍ في الآخرة. وقال الحسن البصري: في الدنيا (٤). وروى الأعمش، عن المَعْرُورِ بن سويد، عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأعلم أولَ أهل الجنة دخولًا وآخرَ أهل النار خروجًا، يؤتى بالرجل

стр. 803

يوم القيامة فتعرض عليه صغار ذنوبه وهو مقرٌّ لا ينكِر، وهو مشفق من الكبائر، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: إن لي ذنوبًا ما أراها هاهنا"، فلقد رأيت رسول اللَّه ﷺ حين حدَّث بهذا الحديث ضحك حتى بدت نواجذه (١). وقال مجاهد: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: الإيمانُ بعد الكفر (٢). وقال عطاء بن أبي رَباح: إنما ذلك في الدنيا، الرجل يكون على الهيئة القبيحة، ثم يبدله اللَّه بها خيرًا منها. وقول الحسن ومجاهد وعطاء أصحُّ في المعنى، وهو أن اللَّه يتوب على الكافر فيسلم، وعلى القاتل بالنَّدَم والعمل الصالح، وعلى الزاني بالعفاف والاستغفار، واللَّه أعلم. * * *

стр. 804

٧٢ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قال ابن الحنفية: الزور: الغِناء (١). وقال محمد بن علي: شَهادة الزّور. وقال عكرمة: لَعِبٌ كان في الجاهلية (٢). قال بكر: والزور عندي: كلُّ ما كان يُلهي من (٣) ذكر اللَّه، ويقطع عن فرائض اللَّه، وهو في اللغة: الباطل من كل قول وعمل، واللَّه أعلم. * * *

стр. 805

٧٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ واللغو في اللغة: كل ما ألهى (١) عن الطاعة، ولم يدخل في معانيها، وهو المعاصي وما قرب منها أو ما كان الذريعةَ إليها. قال سَيّار: إذا مَرّوا بالرفث كَنَّوْا عنه (٢). وقال الزهري: اللغو: المعاصي. وقال مجاهد: إذا أوذوا ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾، أي: صفحوا (٣). * * *

стр. 806

٧٣ - قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ معناها عندي: أنهم ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا﴾، أي: لم يخضعوا لها ويستحيوا، ومن ذلك قيل: خرّ ساجدًا. وأما ﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، فإنهم صموا عنها، وعَمُوا عن رشدهم، فهم كالذين قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٧١]، فشُبِّهوا بالأنعام التي يَزْجُرها الراعي، فهم الذين قال اللَّه فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]. وقد تكلم بعض المفسرين في هذه الآية بما لم أستصوبه فلم أذكره. * * *

стр. 807

٧٤ - قال اللَّه : ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قال الحسن: سألوا أن يَهب لهم في أزواجهم وذرياتهم صَلاحًا يؤدي إلى طاعة اللَّه (١). قال: وقال سلمة بن كُهَيْل نحو ذلك. * * *

стр. 808

٧٤ - قال اللَّه : ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال الحسن، ومجاهد: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: نأْتَمّ بمَن قبلَنا، ويَأْتَمّ بنا مَن بعدَنا (١). وقال الأحوص بن حكيم، عن أبي الزاهرية، عن جُبَيْر بن نُفَيْر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من رُزق إيمانًا وحسن خلق، فذاك إمام المتقين". * * *

стр. 809

سورة الخاضعة، وهي الشعراء

стр. 810

٨٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه (١). وقال ابن سيرين: أن تعلم أن اللَّه حق، وأن الساعة قائمة، وأن اللَّه يبعث من في القبور (٢). وروي عنه أيضًا في هذه الآية مثل قول ابن عباس (٣). وقال عروة بن الزبير: لا تكونوا لعّانين، فإن إبراهيم صلى اللَّه عليه لم يلعن شيئًا قط. والآية عندي تحتمل أحدَ شيئين: أن يأتي العبد سليمًا من كل أصناف الكفر، ويحتمل مع التوحيد سلامة المسلمين عليه، لقول النبي ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤). * * *
следующие страницы →