[حِكمة القُرْعَة وحُكمها]
قال بكر: فجاء في هذه الآية ذكر المُساهمة، ومعرفة يونس به أنه المراد بوقوع القُرْعَة عليه، وذلك آية من آيات اللَّه.
وأما المساهمة على مريم ﵍ فيمن تَكفَّلها، فإنه يدل على أنهم لما استوت حالهم فيمن يكفُلُها اقترعوا على ذلك.
وأما إقراع النبي ﷺ بين نسائه إذا أراد سفرًا، فإن ظاهر ذلك واللَّه [أعلم] (١) يدل على أنه كان يَقْسِم بينهن في غير السفر، ويقيم عند كل واحدة في اليوم الذي هو لها، فلما أراد السفرَ، واحتاج إلى أن يُسافر معه ببعضهن، جعل الحَكمَ فيهن القرعةُ، ليُزيل عن قلوبهن الانحراف عن بعضهن إلى بعض، ويُطَيِّب بذلك أنفسَهن، فكذلك ينبغي لكل من أراد أن يسافر بامرأة، وله أربع أو دونهن، أقرع ليُزيل الغم عن قلوبهن، إذ لا واجب عليه لواحدة منهن، ولا لهن مقال عند سفره، وإنما القسْم شيء يلزمه في الحضر دون سفره، وكان له أن يُخرج أيتَهن شاء، ولكنه أراد أن يُطَيِّب أنفسَهن.
وأما قوله ﷺ للرجلين في الميراث: "تواخيا واستهما" (٢)، فإن هذه هي القسمة التي تكون بين الشركاء، فعليهم أن يَعدلوا ذلك بالقيمة ثم يَستَهِموا،
стр. 877
فيكون لكل واحد منهم ما وقع له بالقُرعة، ويجتمع لكل واحد منهم ما وقع له بالقُرعة، ويجتمعَ لكل واحد منهم ما كان له في المِلك مشاعًا فيصيرَ في موضع بعينه، إلا أن تكون الأملاك مُتباينة فيقسم لكل واحد منهم بقدْر حصَّته، حتى يكون لكل واحد منهم من الجَيِّد والرديء بقدر نصيبه.
وأما ما جاء عن النبي ﷺ في القُرعة بين الأَعبد السِّتّة الذين أعتقهم الرجل في مرضه (١)، فإن ذلك واللَّه أعلم من نحو القِسمة التي وصفناها، لأنه أعتق فتعدى فيما فعل، فلما مات رُدَّ فعلُه إلى الثلث الذي يجب له، وقُسم الرقيق بينه وبينَ ورثته، فما أصابه بالثلث بعدُ عتقه فيه (٢)، وما أصاب الورثة بالثلثين بطل العتق فيه، فاجتمع للميت بالقُرعة نصيبُه في بعض ذلك بعينِه، وكذلك الورثة.
فكل ما تجوز فيه القسمة فُعل فيه بعدَ التعديلِ على ما وصفنا. ولو أن رجلًا وَقَفَ أسهمًا له في دار أو أرض لقُسم ذلك، وأُقرع بين الموقِف والشركاء، فما أصاب الوَقْفَ صار بعينه وقفًا، وبطل ما سواه بالقرعة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 878
١٠٣ - قال اللَّه : ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾
يريد: استَسلما لما أُمرا به.
وقال اللَّه: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أي: صرعه، وللوجه جبينان والجبهة بينهما، قال الكُمَيْت:
فتَلَّه للجبين مُنعفرًا ... منه مناط الوتين مُنقضِبُ (١)
* * *
٢٠ - قال اللَّه : ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾
قال الحسن: الفهم في القضاء (١).
وقال مالك بن أنس: الخصوم والقضاة يقومون بالقسط (٢).
وقال مجاهد: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، قال: كان أشد أهل الدنيا سلطانًا، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: عدله، ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: ما قال من شيء أنفذ (٣)، وهو إصابةُ القضاء وفهمه.
وقال الشعبي: شاهدان أو يمين (٤).
وقال شُرَيح: الشهود والأيمان، البيِّنة على المُدعي واليمين على المنكِر (٥).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٦): فصل القضاء.
стр. 882
قال بكر: الظاهر في اللغة في هذه الآية، أن الخطاب والمخاطبة واحد، يقال: خاطبته خطابًا ومخاطبة، وخاصمته خصامًا ومخاصمة، وقاتلته قتالًا ومقاتلة، قال اللَّه : ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، قال: ما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها، إلا تكلمت بالحجة عليها.
فالصحيح في معنى هذه الآية واللَّه أعلم، أنه فصل المخاطبة بالحكم الذي آتاه اللَّه ﵎ إياه.
* * *
стр. 883
٢٦ - قال اللَّه : ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
قال حمّاد، عن حُمَيْد قال: لما استُقضيَ إياس بن معاوية أتاه الحسن فبكى إياس، فقال الحسن: ما يبكيك يا أبا واثِلة؟ قال: بلغني أن القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن: إن فيما نَصَّ (١) اللَّه ﵎ من نبأ داود وسليمان ما يرد قول هؤلاء الناس، يقول اللَّه ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، فأثنى اللَّه على سليمانَ ولم يَذُم داود.
ثم قال الحسن: إن اللَّه ﵎ أخذ على الحكام ثلاثًا: لا يشتروا به ثمنًا، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشَوا فيه أحدًا. وتلا هذه الآية: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٣ - ٤٤]، وقرأ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).
стр. 884
٤٤ - قال اللَّه : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾
٥٩ - قال إسماعيل، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس: أن إبليس اتخذ تابوتًا ووقف في الطريق يداوي الناس، فأتته امرأة أيوب فقالت له: يا عبد اللَّه، إن هاهنا إنسانًا مبتلى، من أمره كذا ومن أمره كذا، فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول لي كلمة واحدة: أنت شفيتني، لا أريد منه أجرًا غيرها، فأخبرت بذلك أيوب، فقال: ويحك ذلك الشيطان، للَّه علي إن شفاني أن أجلدك مئة جلدة، فلما شفاه اللَّه أمره أن يأخذ ضِغْثًا فيضرب به، فأخذ شماريخًا (١) مائة فضربها به ضربة واحدة (٢).
وقال مجاهد: الأَسَل (٣).
وقال ابن جبير: الضِّغْث: ما يقع من السُّنْبُل.
وقال قتادة: عودًا فيه تسعةٌ وتسعون عودًا والأصل تمام المائة، فضرب به امرأته، وذلك أن امرأته أرادها الشيطان على بعض الأمر، فقال لها: قولي
стр. 885
لزوجك يقول: كذا وكذا فقالت، فحلف حينئذ ليضربنها، فضربها تلك الضربة، فكانت تَحِلَّة ليمينه، وتخفيفًا لامرأته (١).
وقال عُبيد بن عُمير: حلف ليضربنها مئة سوط.
وقال مجاهد: هي لأيوب خاصة رخصة (٢).
والذي يدل عليه القرآن أنه كان خاصًا، لأن اللَّه جل وعلا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، فلما أسقط عنه الحِنْثَ، كان بمنزلة من جُعلت عليه كفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف، لأن الشرائع التي تَعبد اللَّه ﵎ بها خلقه في وقت ويُسقطها عنهم في وقت آخر، وكذلك الناسخ والمنسوخ، نَسخ عنا هذا قولُه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]، والذي يجلد الإنسان بضِغْث جلدة واحدة، فلم يجلد مئة جلدة، وإنما جلد جلدة واحدة، وكتاب اللَّه الناسخُ لسائر الكتب، والذي في أيدينا أولى أن يقتدى به.
* * *
стр. 886
ومن سورة الغُرَف وهي الزُّمَر
стр. 887
قوله : ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ (١)
قال عطاء: إذا عُمل في أرض بالمعاصي فاهربوا (٢).
وقال ابن جبير: مجانبة أهل المعاصي، ومن أُمر بمعصية فليهرب (٣).
وقال مجاهد: ﴿إِنَّ أَرْضِي [وَاسِعَةٌ] (٤)﴾ فهاجروا واعتزلوا الأوثان (٥).
وهذا واللَّه أعلم إذا عَجَز عن إنكار المنكر والأمر بالمعروف، وخاف على نفسه، وكانت المعاصي مُظهَرة معلَنًا بها، وجب على كل مؤمن الانتقال عن ذلك البلد.
* * *
١٩ - قوله : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
[غَضُّ البصر]
قال ابن عباس: الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة، فيريهم أنه يغض بصره عنها، فإذا رأى من القوم لحظة نظر إليها، فإذا خاف أن يفطنوا له غض بصره، وقد اطلع اللَّه من قلبه أنه يود لو نظر إلى عورتها (١).
وقال العلاء بن زياد: هذه هي النظرة الأولى، فما بال الآخِرة؟ !
وقال جرير بن عبد اللَّه: سالت رسول اللَّه ﷺ عن نظرة الفَجْأة، فأمرني أن أصرف بصري (٢).
وقال عتبة: قال لي أبو موسى الأشعري: ما لي أرى عينك نافرة؟ فقلت: إني التفت التفاتة فإذا بجارية منكشفة، فلحظتها لحظة، فصككتها صكة، فصارت إلى ما ترى، فقال أبو موسى: استغفر ربك، فإنك قد ظلمت عينك، لك أول نظرة وعليك ما بعدها (٣).
* * *
٣٠ - قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
قُرئت هذه الآية عند أبي بكر قال: هم الذين [لم] (١) يشركوا باللَّه شيئًا بعد إيمانهم (٢).
وقرأ عمر هذه الآية على المنبر وقال: ولم يَروغوا رَوَغان الثعلب (٣).
وقال مجاهد وجماعة مثل ذلك (٤).
وقال أبو العالية: أخلصوا له الدين والعمل.
وكان الحسن يقول: اللهم ارزقنا الاستقامة ويتلوا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، هذا حبيب اللَّه، هذا وليُّ اللَّه، هذا صفوة اللَّه، هذا خيرة اللَّه، هذا أحب الخلق إلى اللَّه.
وقال زيد بن أسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وحدوا
стр. 892
اللَّه، ثم استقاموا على طاعته، وندموا على تفريط إن كان، تأتيهم الملائكة عند الموت فتقول (١): لا تَخَف مما أنت قادم عليه، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها، ويُذهب اللَّه خوفَه، وحزنه، وتبشره الملائكة بالجنة.
وكذلك قال مجاهد: إنها عند الموت (٢)، وكذا هو، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 893
٣٤ - قال اللَّه : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
روي عن ابن عباس ﵁: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، قال: هما الرجلان يتقاولان فيقول أحدهما لصاحبه: يا صاحب كذا وكذا، قال: يدفع السيئة يقول: إن كنت صادقًا فيغفر اللَّه لي، وإن كنت كاذبًا فغفر اللَّه لك (١).
وقال عطاء: يقول: السلام عليكم (٢).
وقال قتادة: ﴿لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، قال: الجنة (٣).
وقال الحسن: كان رجل في حلقتنا فسمع الآية فقال: أعدها، ثم قام إلى رجل كان بينه وبينه شيء فكلمه، قال الحسن: كذلك المؤمن، إذا سمع شيئًا انتفع به.
ومعنى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]: قابِل من أساء بالإحسان يجتمعُ لك الثوابان، ويندمُ المسيء.
وأما الآية الأخرى ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾، فهذه توجب على المسلم العاقل معاشرة (٤) الصديق والعدو بالجميل، فأما الصديق فتتمكن مروءته، ويزيد إخلاصه، وأما العدو فلعله أن يندم، فإن لم يندم أمسَك وقل أذاه.
стр. 894
[سجدة فُصِّلَت]
وقد روي عن النبي ﷺ أن السجدة في هذه السورة بالآية الأولى (١). وكان مسروق، وأصحاب عبد اللَّه، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي، وإبراهيم، وأبو صالح يحيى بن وَثّاب، وطلحة، وزيد، يسجدون في الآية الأولى من حم السجدة (٢).
وقال نافع، [عن] (٣) ابن عمر، أنه كان يسجد بالأولى (٤).
وكان الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ومالك بن أنس، يرون السجود في هذه السورة عند قوله سبحانه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] (٥).
وكان ابن عباس ﵁ يسجد في الآيتين من حم السجدة، يسجد في الآخرة ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] (٦).
وأبو وائل، وبكر بن عبد اللَّه المزني، وقتادة، يسجدون عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٧).
стр. 895
٤٠ - قال اللَّه : ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
قال مجاهد، والضحاك: هذا وعيد (١)، بل هو مُجاوِز الوعيد.
وقال أبو عبيدة: هذا وعيدٌ وزَجر، وإن كان بلفظ الأمر (٢).
* * *
стр. 896
٤١ - ٤٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
قال قتادة: لا يستطيع الشيطان أن يُبطل منه حقًّا، ولا يُحِق منه باطلًا (١).
وقال الحسن: حفظه اللَّه عز وعلا من الشيطان، فلا يزيد فيه باطلًا ولا ينقص منه حقًّا، وتلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
* * *
١٣ - قوله عز وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾
أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتْفُوي قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءةً عليه بمنزله بمصر، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع قال:
قال قتادة: الحلال والحرام (١).
وقال الحكم: جاء نوح بشريعة تحريم الأمهات والأخوات والبنات (٢).
وقال أبو العالية: الإخلاص للَّه وعبادته لا شريك له، ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾: لا تتعادَوا عليه، وكونوا عليه إخوانًا (٣).
﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾: الإخلاص.
﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: نجتبيهم من الشرك إلى الإخلاص.
стр. 899
وقال مجاهد: ما وصى لم به نوحًا وصّاك به، وآتيناهم (١) كلهم دينًا واحدًا (٢).
﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال: يخلص لنفسه من يشاء (٣).
* * *
стр. 900
٣٩ - قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾
قال إبراهيم: كان يكره لهم أن يستذلوا (١)، قال (٢): كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق (٣).
وهذا عندي واللَّه أعلم، فيما كان للَّه ﵎ من أمر بحق، أو نهي عن باطل ومنكر، فمن فعل ذلك لا ينبغي له أن يصبر على المذلة، بل يعز نفسه، ففي ذلك إعزار للدين (٤).
فأما إذا كان البغي عليه في نفسه لا يتعدى إلى الشريعة، فصبر واحتسب فذلك حسن، وفاعله لَحِقه من اللَّه التوفيق، وما يُلَقّى مثل ذلك إلا الذين صبروا ومُنَّ عليهم بالحظِّ العظيم.
* * *
стр. 901
٤٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾
السيئة هاهنا قد تكون القتل، والجراح، والقذف، والسب، والتعدي (١) في المال، وغير ذلك من الأفعال (٢) القبيحة، فمن فُعل به شيء من ذلك فالعفو فيه أفضل، وإن أحب القصاص فله أن يفعل مثل الذي أُتيَ إليه وجُنيَ عليه، لا يتعداه بزيادة، ولا يَعْدِل بالعقوبة إلى غير فاعله.
وقد يؤخذ من الجراح المالُ، ومن تخريق الثوب قيمتُه، وما أشبه ذلك، فليس المعاقِب يسيءُ إذا لم يتعدَّ حقَّه، وإنما تسمى بالإساءة للمجاوزة، فقيل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، فسمي المُقْتَصّ باسم المبتدئ المسيء، كما قيل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، والأول ليس بمعاقِب، وإنما المعاقِب المجازي، ولكنه سمي باسم المُقْتَصّ للمجاورة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 902
٤١ - قال اللَّه : ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾
كل من فعل فعلًا ليس له أن يفعله فهو ظالم، ولمن فُعل به أن يَقْتَصّ، وهو انتصاره، ولا سبيل عليه، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس، فأما المظلوم فله السبيل إلى أخذ حقه، وما وجب له في بشرة أو مال، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 903
٤٢ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
روى سعيد بن زيد، عن عثمان الشحام قال: حدثني محمد بن واسع (١) قال: قدمت من مكة فإذا على الحلق قنطرة (٢)، فأخذوني فانطلقوا بي إلى مروان بن المهلب وهو أمير على البصرة، فرحب بي وقال: ما حاجتك يا أبا عبد اللَّه؟ [قلت: ] (٣) أن تكون كما قال أخو بني عدي العلاء بن زياد، استعمل صديقًا (٤) له على عمل، فكتب إليه: أما بعد، إن استطعت ألا تَبيت إلا وظهرُك خفيف، وبطنُكَ خَميص، وكفُّك نقيّة من دِماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك، لم يكن عليك سبيل، ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية، فقال مروان: صدق واللَّه ونصح، ثم قال: حاجتك يا أبا عبد اللَّه؟ قلت: حاجتي أن تُلْحِقَنِي بأهلي، قال: نعم (٥).
قال بكر: وهذه الآية والذي قال فيها محمد بن واسع قول حسن، قَصَد به لأمر الآخرة، لأنها مقصده ومقصد أمثاله.
стр. 904
ويدخل فيها من الفقه أمر الدنيا أيضًا أن لكلِّ مظلوم مَقَالُ على الظّالم، وسبيلًا إلى مطالبته واستيفاء حقه، ألا ترى أنه قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
* * *
стр. 905
ومن سورة الزخرف
стр. 906
١٣ - قوله : ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾
[دعاء الركوب]
قال سليمان بن يسار: كان قوم في سفر، وكان معهم رجل على ناقة رازِم (١)، فكانوا إذا ركبوا قالوا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، فقال هو: فأما أنا فقد أصبحتُ لهذه مُقرنًا، فقَمَصَت (٢) به، فوقع فاندَقَّت عنقُه (٣).
وقال أبو جعفر محمد بن علي وركب على جمل صعب فقيل له: أما تخاف أن يصرعك؟ ! فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "على كل سَنام بَعير شيطان، فإذا ركبتموها فاذكروا اسم اللَّه كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحملُ اللَّه " (٤).
وركب علي رضوان اللَّه عليه دابة، فما وضع رجله في الرِّكاب قال: بسم اللَّه، فلما استوى على الدابة قال: الحمد للَّه، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ حتى: ﴿مُقْرِنِينَ﴾، ثم قال: الحمد للَّه ثلاثًا، واللَّه أكبر
стр. 907
ثلاثًا، اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك؟ قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ صنع كما صنعت، وقال كما قلتُ، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك يا رسول اللَّه؟ فقال: "إن العبد إذا قال: اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيره" (١).
وروي عن الحسين بن علي رضوان اللَّه عليه أنه علم رجلًا مثل ذلك.
وكان علقمة إذا ركب يقول ذلك.
وقال مجاهد: يُفعل ذلك في الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، إذا رُكبت (٢).
وقال قتادة: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ يقول: في القوة (٣).
* * *
стр. 908
٨٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
ليس يشفع عيسى ولا عُزَيْر (١) ولا الملائكة، إلا لمن وَحَّد اللَّهَ، وشهد بشهادة الإخلاص، وهو يعلم أن اللَّه ﵎ حق، وكل مَن دونه عبدٌ له من عيسى وعُزَيْر (٢) وغيرهم، فأما من لم يشهد بهذه الشهادة موقنًا من قلبه، عارفًا بأن كل من ادعى من عيسى وعُزَيْر (٣) وغيرهما من دون اللَّه باطلٌ، فلا يشفع له شافع، واللَّه أعلم.
لم يأتِ في الدخان والجاثية بتفسير.
* * *
стр. 909
ومن سورة الأحقاف
стр. 910
٢٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾
قال وهب بن كَيْسان وغيره: إن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: لقيني عمر بن الخطاب وقد اشتريت لحمًا بدرهم فقال: ما هذا؟ ! فقلت: لي نسوة وصبيان قَرِموا (١) إلى هذا اللحم واشتهَوه، فقال: إذا اشتهى أحدكم اللحم اشتراه (٢) وجاره وابن عمه طاوٍ إلى جنبه! قال: فأعاد ذلك عليَّ حتى ظننت ألا ينجو منه، ثم تلا هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية (٣).
وقال الحسن: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، ألا تُصيب من طَيِّب الطعام؟ فقال: إني سمعت اللَّه ذكر قومًا في كتابه فقال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾، فواللَّه لولا ذلك لشركتكم في طيب الطعام، قال: وكان عمر يخاصم بالقرآن.
وهذا من عمر وابن عمر لِما كانا عليه من التشديد على أنفسهما، وكلما ازداد إيمان العبد اشتد خوفه، وكلما قويت معرفته باللَّه كان أشد خوفًا، ولم يُحرِّم اللَّه ﵎ ما خلق من الطيبات إذا قُدِر عليها من الحلال، وإنما تركها من تركها خوفًا من الفتنة بها، وأن تكون ذريعة إلى المحرمات إشفاقًا، واللَّه أعلم.
стр. 911
٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
٦٠ - حدثنا محمد بن الحسين بن مكرم، وحدثني أبي، قالا: حدثنا محمد بن بَشّار (١) بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: "الخط" (٢).
وروى ابن عيينة، عن صفوان، عن عطاء، أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن الخط فقال: "علم علمه نبيٌ، فمن وافق علمه علم"، قال صفوان: فحدثت به أبا سلمة فقال لي أبو سلمة: فحدثت به ابن عباس فقال: هي ﴿أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٣).
ورواه أبو أحمد الزَّبيدي، عن سفيان، عن صفوان، عن أبي سلمة، عن ابن عباس.
٦١ - ورواه إسماعيل، عن نصر بن علي، عن أبي أحمد.
وقال الحسن: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾: شيء يستخرجه (٤).
وقال الكلبي: شيئًا تأثرونه عن غيركم.
стр. 912
وقد قرئ: (أثَرة) (١)، وقرئ: ﴿أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، على معنى: علم يأثرونه عن غيرهم.
قال الراعي:
وذاتِ أثارة أَكَلَتْ عليه ... نباتًا في أكِمَّتِه قَفارًا
أي: بقية من شحم أكلت عليه (٢).
ومن قرأ: (أثرة) فهو مصدر يأثره ويذكرة، واللغة تحتمل المعنيين جميعًا.
قال أبو عبيدة: ﴿أَثَارَةٍ﴾: بقية من علم (٣).
وهذا يرجع إلى قول من قال: إنه يأثر علمًا، فهو مثل قطعة من العلم، وبقية من العلم، يتقارب المعنى فيها، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 913
١٥ - قال اللَّه : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾
[مدة الحمل]
أعلم اللَّه ﵎ بهذه الآية أن أقل الحمل ستة أشهر، وبقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، فجميع الرضاع والحمل في الثلاثين، فدل بها على أقل الحمل، وذلك نادر في النساء، لأن أكثرهن يلدن لتسعة أشهر، ومنهن من يَلِدن لسبع فيعيش ولدها، فكذلك في السِّت، فأما من يولد لثمان فلا يعيش، لأن عيسى بن مريم صلى اللَّه عليه ولد لثمانية أشهر، فكان ذلك من الآيات فيه، كما خلق من غير ذكر.
فلما كانت الولادة لستة أشهر نادرة قليلة في الناس، كذلك جعل أكثر الحمل أربع سنين وهو نادر في الناس.
وروي عن مالك أنه لا يرى لخمس بعدًا.
وروي عن الليث، وابن عجلان: سبع سنين (١).
وروي عن عثمان البَتّي (٢): ثمان سنين.
стр. 914
وقال أبو حنيفة: سنتين، وذهب إلى حديث لم يقل به ولا عرف معناه، رواه مالك في موطئه، أن رجلًا غاب عن امرأته سنتين ثم جاء فوجدها حاملًا، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فحبسها حتى ولدت، فأتت به وله ثَنِيَّتان يشبه أباه، فقال: ولدي يا أمير المؤمنين، فألحقه به (١).
وكان عمر يرى أكثر الحمل أربع سنين، ولذلك ضربه أجلًا للمفقود (٢).
فالحديث يدل على أن الوطء كان قبل غيبة الزوج، وقد قيل: انتظَرَ بها حتى وضعت ما في بطنها، وكانت الغَيبة بين هاتين الحالتين سنتين، فقد علم أنه أكثر من سنتين، وأن عمر ألحقه بأكثر من سنتين، فلم يعرف أبو حنيفة ما في الخبر، فجعل الحمل سنتين مقدار الغيبة دون ما عداها مما كان قبل الغيبة وبعد القدوم.
стр. 915
القدوم.
ولا أعلم اختلافًا بين السلف أن الحمل يزيد وينقص، وأن أكثره يجاوز السنتين، إلا قول أبي حنيفة فإنه وقف على سنتين.
وقد بلغني أن قائلًا قال من المتأخرين (١): لا أجاوز بالحمل تسعة أشهر، وهذا قول من لا يلتفت إليه.
* * *