← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 3

إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية

ابن خالويه

Полный текст (555 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا بَرَاءَةُ «التَّوْبَةُ» - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ عَامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ، الْأُولَى أَلِفُ الْجَمْعِ، وَالثَّانِيَةُ أَصْلِيَّةٌ، لِأَنَّهُ جَمْعُ إِمَامٍ مِثْلُ حِمَارٍ وَأَحْمِرَةٍ وَرِدَاءٍ، وَأَرْدِيَةٍ، وَوَزْنُهُ: أَفْعِلَةٌ، وَالْأَصْلُ: أَأِمْمَةٌ فَنَقَلُوا كَسْرَةَ الْمِيمِ إِلَى الْهَمْزَةِ وَأَدْغَمُوُا الْمِيمَ فِي الْمِيمِ. وَالْبَاقُونَ كَرِهُوُا الْجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ فَلَيَّنُوُا الثانية فصارت لفظة كياء ﴿أئمة الْكُفْرِ﴾. وَالْيَاءُ سَاكِنَةٌ، وَبَعْدَهَا الْمِيمُ الْمُدْغَمَةُ سَاكِنَةٌ، وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَرْفُ لِينٍ نَحْوَ قَوْلِكَ فِي تَصْغِيرِ أَصَمٍّ: أُصَيْمٌ فَاعْلَمْ، إِلَّا الْمُسَيَّبِيَّ، عَنْ نَافِعٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ «آئِمَّةَ الْكُفْرِ» مَمْدُودَةً، كَأَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ، أَلِفًا وَلَيَّنَ الثَّانِيَةَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «إِنَّهُمْ لَا إِيمَانَ لَهُمْ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَعَلَهُ مَصْدَرًا مِنْ آمَنَ إِيمَانًا، وَلَهُ حُجَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: لَا دِينَ لَهُمْ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: لَا أَمَانَ لَهُمْ. وقرأ الباقون: «إنهم لَا أَيْمَانَ لَهُمْ» بِالْفَتْحِ جَمْعُ يَمِينٍ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهُ فِي التَّفْسِيرِ: لَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا مِيثَاقَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِالتَّوْحِيدِ، أَرَادَا: بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ خَاصَّةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوُا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ وَ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مَسَاجِدَ» جَمْعًا، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْخَاصَّ يَدْخُلُ فِي الْعَامِّ وَالْعَامُّ لَا يَدْخُلُ فِي الْخَاصِّ فَأَمَّا الثَّانِي: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ فَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى جَمْعِهِ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا كُلَّ مَسْجِدٍ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، إِلَّا مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُ قَرَأَ بالتوحيد أيضا.

стр. 142

- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّنْوِينِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. فَمَنْ نَوَّنَ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ أَعْجَمِيًّا فَهُوَ خَفِيفٌ، وَتَمَامُ الِاسْمِ فِي الِابْنِ. وَحُجَّةٌ أُخْرَى: أَنْ تَجْعَلَهُ عَرَبِيًّا، لِأَنَّهُ فِي مِثَالِ الْمُصَغَّرَاتِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَهُ اشْتِقَاقٌ، «وَعُزَيْرٌ» رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ «وَابْنُ» خَبَرُهُ، وَإِنَّمَا يُحْذَفُ التَّنْوِينُ مِنَ الِاسْمِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ إِذَا كَانَ الِابْنُ نَعْتًا لِلِاسْمِ نَحْوَ جَاءَنِي زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ زَيْدُ بْنَ عبد الله فلا بد مِنَ التَّنْوِينِ، لِأَنَّهُ خَبَرُهُ، وَحُجَّةٌ أُخْرَى: أَنَّ عزيزا قَدْ أُضِيفَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَالْعَرَبُ إِذَا أَضَافَتِ الِاسْمَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ نَوَّنُوا لِقِلَّةِ الِاسْتِعْمَالِ. فَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ لَمْ يُنَوِّنْ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا أَعْجَمِيًّا، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ مُصَغَّرًا وَقَالَ: إِنْ كَانَ الْأَعْجَمِيُّ ثُلَاثِيًّا نَحْوَ عَادٍ وَنُوحٍ وَلُوطٍ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَدَعُ صَرْفَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ تَأَمَّلْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَوَجَدْتُ فِيهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ حَرْفًا مِمَّا يُنَوَّنُ وَلَا يُنَوَّنُ وَسَأَذْكُرُهَا جُمْلَةً لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ. فَأَوَّلُ ذَلِكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ قَرَأَ زُهَيْرٌ الْفُرْقُبِيُّ: «لَا رَيْبَ فِيهِ». وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: «لَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ». وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: «اهْبِطُوا مِصْرَ» قَالَ الْأَخْفَشُ: وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَى» مثل «ولله الأسماء الحسنى» الأعراف. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: «وَلَا تَقُولُوا رَاعِنَا». وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «فِدْيَةُ طَعَامِ». وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبو عمرو: «فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ». وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ المدني: «ولا جدال» بالرفع أيضا. وقرأ أبو عمرو وَابْنُ كَثِيرٍ: «لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلَّةَ وَلَا شَفَاعَةَ». وَ«لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خلال»، «لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ». وَقَرَأَ عَطَاءٌ: «فَنَاظِرُهُ إِلَى مَيْسُرِهِ». وَفِي آلِ عِمْرَانَ «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» نَوَنَّهَا أَبُو حَيْوَةَ. وَفِيهَا «وَكَأَيِّنْ» وَلَهَا نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ.

стр. 143

وَفِي النِّسَاءِ قَرَأَ الْحَسَنُ: «غَيْرَ مُضَارِّ وَصِيَّةٍ» مُضَافًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ. وَفِي الْمَائِدَةِ «وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ» قَرَأَ بِهَا الشَّعْبِيُّ. وَفِيهَا: «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ» لَمْ يُنَوِّنْهَا نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ. وَفِيهَا: «فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ» نَوَنَّهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يُنَوِّنْهَا الْبَاقُونَ. وَفِي الْأَنْعَامِ «خَالِصُهُ لِذُكُورِنَا» بِهَاءٍ مَكْنِيَّةٍ، قَرَأَ بِهَا بَعْضُهُمْ. وَفِيهَا: «نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ» وَكَذَلِكَ فِي يُوسُفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يُنَوِّنُونَهُ وَالْبَاقُونَ يُضِيفُونَهُ. وَفِي الْأَعْرَافِ قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «جَعَلَا لَهُ شِرْكًا» مُنَوَّنًا. وَفِيهَا: «جَعَلَهُ دَكًّا». وَفِي الْكَهْفِ، مِثْلُهُ، حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ لَا ينونانه. وفي الأنفال حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ» مُضَافًا. وَفِيهَا: «وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعَفَاءَ» جَمْعُ ضَعِيفٍ، قرأ بها أبو جعفر. وفي براءة: «عزيز ﴿ابْنُ اللَّهِ» نَوَّنَهَا عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ. وَفِي الْقُرْآنِ نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا مِنْ ذِكْرِ ثَمُودٍ نَوَّنَهَا الْأَعْمَشُ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يُنَوِّنْهَا حَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ فَيَخْتَلِفُونَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ سَيَجِيءُ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ هُودٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَفِي الْقُرْآنِ نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا فِي قوله: «فبأي آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» نَوَّنَهَا أَبُو دِينَارٍ الْأَعْرَابِيُّ. وَفِي إبراهيم «وآتاكم من كل ما سألتموه» نونها سلام أبو المنذر. وَفِي مَرْيَمَ قَرَأَ أَبُو نُهَيْكٍ: «كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ». وَفِي الْكَهْفِ، قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: «فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى». وَفِي بَنِي إِسْرَائِيلَ «كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ» قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وَفِيهَا «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ» نَوَّنَهَا نَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ فِي الْقُرْآنِ. وَفِي طَهَ «طَوَى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ» وَمِثْلُهُ فِي النَّازِعَاتِ نَوَّنَهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ.

стр. 144

وَفِي الْأَنْبِيَاءِ «وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ» قَرَأَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ. وَفِي قَدْ أَفْلَحَ «رُسُلُنَا تَتْرًا» نَوَّنَهَا أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ. وَفِي الزُّمُرِ حَرْفَانِ، «كَاشِفَاتٌ ضُرَّهُ» وَ «مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتَهُ» نَوَّنَهَا أَبُو عَمْرٍو وَمِثْلُهُ فِي الْمُؤْمِنِ «عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» وَفِي الْأَحْزَابِ قرأ ابن مسعود: «وكان عبد الله وجيها». ومثله: «ترهبون به عدو الله». وفي الصف: «كونوا أنصار الله». وَفِي النَّمْلِ: «مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ». وَفِيهَا أَيْضًا: «بِشِهَابٍ قَبَسٍ» نَوْنَّهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ. وَفِيهَا: «وَمَا أَنْتَ بِهَادٍ الْعُمْيَ» نَوَّنَهَا وَنَصَبَهَا ابْنُ عَامِرٍ، وَلَمْ يُنَوِّنْهَا عُمَارَةُ بْنُ عُقَيْلِ بْنِ بِلَالِ بْنِ جَرِيرٍ. وَفِي قَدْ أَفْلَحَ «هَيْهَاتٍ هَيْهَاتٍ» نَوَّنَهَا أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ، وَفِي النَّازِعَاتِ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: «إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ مَنْ يَخْشَاهَا» بِالتَّنْوِينِ. وَفِي الْأَنْعَامِ أَيْضًا قَرَأَ الْحَسَنُ «فله عشر أمثالها» وفي سبأ والنمل «لَقَدْ كَانَ لِسَبَأَ» غَيْرُ مَصْرُوفَيْنِ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو. وَفِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ حَرْفَانِ أَيْضًا، قَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: «مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ خُضْرٍ وَعَبَاقِرِيَّ حِسَانٍ» غَيْرَ مُنَوَّنَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ التَّنْوِينُ عَنْهُ. وَفِي سُورَةِ «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ» ثَلَاثُ أَحْرُفٍ «سَلَاسِلَ» لَمْ يُنَوِّنْهَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَ «قَوَارِيرَ قَوَارِيرَ» نَوَّنَهَا بَعْضُهُمْ وَتَرَكَ التَّنْوِينَ بَعْضُهُمْ، وَسَنُفَسِّرُهُ إِذَا مَرَرْنَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَفِي النُّورِ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: «سَحَابُ ظُلُمَاتٍ» غَيْرُ مُنَوَّنٍ. وَفِي إِبْرَاهِيمَ قَرَأَ عِكْرِمَةُ: «مِنْ قَطِرَانٍ» وَقَرَأَ أَيْضًا فِي النَّحْلِ «حِينًا تُرِيحُونَ وَحِينًا تَسْرَحُونَ» وَلَهُمَا ثَلَاثَةُ نَظَائِرَ، فِي الرُّومِ «حِينًا تُمْسُونَ وَحِينًا تُصْبِحُونَ وَعَشِيًّا وَحِينًا تُظْهِرُونَ». وَفِي الْمُدَّثِّرِ قَرَأَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ» وَفِي بَرَاءَةَ قَرَأَ نَافِعٌ: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ».

стр. 145

وَفِي الْحِجْرِ قَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ «هَذَا صِرَاطٌ عَلَيُّ مُسْتَقِيمٌ» وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ» وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ اللَّهُ وَفِي الْأَرْضِ اللَّهُ». وَفِيهَا قَرَأَ أُبَيٌّ: «أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ» بِغَيْرِ هَاءٍ وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وَفِي هُودٍ قَرَأَ الزُّهْرِيُّ: «وَإِنْ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ». وَفِي لُقْمَانَ: «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمه ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً». وَفِي الْكَهْفِ قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «ثَلَاثَمِائَةِ سِنِينَ» مُضَافًا. وَفِي الْعَنْكَبُوتِ قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وَابْنِ عَامِرٍ وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: «إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بَيْنَكُمْ» وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عَاصِمٍ «مَوَدَّةً» بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا. وَفِي الْفَجْرِ قَرَأَ الْحَسْنُ: «بِعَادِ إِرَمَ». وَفِي اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قَرَأَ زُهَيْرٌ الْفُرْقُبِيُّ: «إِلَّا ءَالَ لُوطَ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرَ» غَيْرَ مَصْرُوفٍ. وَفِي الْأَعْرَافِ قَرَأَ الْحَسَنُ «بِعَذَابِ بِئَيْسٍ» غَيْرَ مُنَوَّنٍ. وَفِي الصَّافَّاتِ قَرَأَ حَمْزَةُ «بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ» وَقَرَأَ عَاصِمٌ «بِزِينَةٍ» مُنَوَّنَةٍ أَيْضًا وَنَصَبَ يَحْيَى «الْكَوَاكِبَ» فَأَمَّا قِرَاءَةُ الْحَسَنِ فِي ق «أَلْقِيَنْ فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ» فَهِيَ نُونٌ خَفِيفَةٌ وَلَيْسَتْ تَنْوِينًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أن الفعل ينون، وكذلك ﴿من لدن﴾، ﴿وَكَأَيِّنْ﴾. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُمَا لِأُبَيِّنَ عِلَّتَهُمَا فِي كِتَابٍ قَدْ أَفْرَدْتُهُ. وَفِي ص قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ «بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ» مُضَافًا. وَفِي يُوسُفَ قَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ «إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلُ وَمِنْ دُبُرُ» مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الضَّمِّ. وَفِي الْأَنْبِيَاءِ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَيَحْرُمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا». وَفِي النِّسَاءِ قَرَأَ الْحَسَنُ: «إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أُنْثَى». وَفِي هُودٍ «مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ» حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَكَذَلِكَ فِي الْمُؤْمِنُونَ. فَذَلِكَ مِائَةُ حَرْفٍ وَخَمْسُونَ حَرْفًا، وَإِنَّمَا لَمْ أَذْكُرْ عِلَلَهَا لِأَنِّي قَدْ تَقَصَّيْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ أَفْرَدْتُهُ لِذَلِكَ، وَقَدْ وَجَدْتُ حَرْفًا فِي سُورَةِ الْجِنِّ، قَرَأَ عِكْرِمَةُ: «وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدًّا»

стр. 146

رَبُّنَا» أَيْ: حَقًّا، مِنْ قَوْلِهِمْ: «إِنَّ عَذَابَكَ الجد ملحق». - وقوله تعالى: ﴿يضاهؤن قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ: «يُضَاهِئُونَ» بِالْهَمْزِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ، ضَاهَيْتُ وَضَاهَأْتُ. قَالَ الشَّاعِرُ: وَضَاهَانِي الثَّرِيدُ وَكُلُّ حُلْوٍ ... مِنَ الْفَالُوذِ وَالْعَيْشِ الرَّقِيقِ يُقَالُ: فَالُوذُ، وَفَالُوذَجُ، فَأَمَّا الْعَرَبُ فَتُسَمِّيهِ السِّرْطِرَاطَ وَاللَّمَصَ وَالرَّعْدَدَ الْأَصْفَرَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، النَّسِيءُ عَلَى فَعِيلٍ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَالْأَصْلُ: مَنْسُوءٌ مَفْعُولٌ، فَرُدَّ إِلَى فَعِيلٍ كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ جَرِيحٌ وَصَرِيعٌ، وَالْأَصْلُ مَجْرُوحٌ وَمَصْرُوعٌ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُعَظِّمُ أَشْهُرَ الْحُرُمِ فَتَدَعَ فِيهَا الْغَارَةَ وَالْقِتَالَ، فَإِذَا أَحَبُّوا ذَلِكَ أَخَّرُوُا الْمُحَرَّمَ إِلَى صَفَرٍ مِنْ قَوْلِكَ: نَسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِكَ، وَرَوَى عُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «إِنَّمَا النَّسِيُ» مُشَدَّدَةَ الْيَاءِ، وَمِثْلُهُ: خَطِيئَةٌ وَخَطِيَّةٌ وَهَنِيئًا وَهَنِيًّا، وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا: «إِنَّمَا النَّسْءُ» عَلَى وَزْنِ النَّسْعِ، جَعَلَهُ مَصْدَرًا مِثْلَ الضَّرْبِ، ضَرَبْتُ ضَرْبًا وَنَسَأْتُ نَسْأً، وَرُوِيَ عَنْهُ وَجْهٌ رَابِعٌ «إِنَّمَا النُّسَى» بِالْيَاءِ عَلَى وَزْنِ الدُّمَى. فَمَنْ قَرَأَ «النَّسَى» جعل الهمز ياء، والاختيار «النسء» ما عليه الناس، النسء: اللَّبَنُ الْمُتَغَيِّرُ، قَالَ جَرِيرٌ: بَلَغْتَ نَسِيءَ الْعَنْبَرِيَّ كأنما ... ترى بنسيء العنبري جنى النحل فأما النسء بِإِسْكَانِ السِّينِ فَقِيلَ: الْخَمْرُ فِيمَنْ هَمَزَ، وَقِيلَ هِيَ مَا يُنْسِي الْعَقْلَ لِمَنْ لَمْ يَهْمِزْ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «نُضِلُّ» وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ أَيْضًا بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ، وَاحْتَجُّوا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَرَأَ الْبَاقُونَ «يَضِلُّ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ جَعَلَ الْفِعْلَ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يضل

стр. 147

وَيَهْدِي، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَلَّهُمْ عُقُوبَةً لِمَا ضَلُّوا هُمْ، فَاسْتَوْجَبُوُا الْعُقُوبَةَ بِالْعَمَلِ، وَقِيلَ: أَضَلَّهُمْ سَمَّاهُمْ ضَالِّينَ، وَقِيلَ: أَضَلَّهُمْ صَادَفَهُمْ كَذَلِكَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: «أَنْ يُقْبَلَ» بِالْيَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، لِأَنَّ النَّفَقَاتِ تَأْنِيثُهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وَلِأَنَّهُ جَمْعٌ مُشَبَّهٌ بِجَمْعِ مَنْ يَعْقِلُ فَجَازَ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ، وَقَدْ مَرَّ لَهُ نَظَائِرُ فِيمَا سَلَفَ، فَمَوْضِعُ أَنَّ الْأُولَى نَصْبٌ وَالثَّانِيَةُ رَفْعٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا مَنَعَهُمْ مِنْ قُبُولِ نَفَقَاتِهِمْ إِلَّا كُفْرُهُمْ، وَكُلُّ نَفَقَةٍ كَانَتْ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. قَرَأَ النَّاسُ كُلُّهُمْ «يَلْمِزُكَ» بِكَسْرِ الْمِيمِ إِلَّا مَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «يُلَامِزُكَ». وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أَيْضًا وَالْحَسَنِ وَيَعْقُوبَ «يَلْمُزُكَ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُمَا لُغَتَانِ يَلْمِزُ وَيَلْمُزُ مِثْلَ: عَكَفَ يَعْكِفُ وَيَعْكُفُ. يُلَامِزُكَ كَقَوْلِكَ: يُقَاتِلُكَ وَيُشَاتِمُكَ، وَمَعْنَى اللَّمْزِ فِي اللُّغَةِ: الْعَيْبُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. فَالْهَامِزُ: الْمُغْتَابُ وَاللَّامِزُ: الْعَائِبُ، قَالَ زَيَّادٌ الْأَعْجَمُ: إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِى لِي مُكَاشَرَةً ... فَإِنْ أَغِيبَ فَأَنْتَ الْهَامِزُ اللُّمَزَهْ يُقَالُ: امْرَأَةٌ هُمَزَةٌ وَرَجُلٌ هُمَزَةٌ وَرَجُلٌ فَرُوقَةٌ وَامْرَأَةٌ فَرُوقَةٌ، وَرَجُلٌ هَلْبَاجَةٌ إِذَا كَانَ أَحْمَقَ أَكُولًا ضَخْمًا ثَقِيلَ الرَّوْحِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ: «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ» بِإِسْكَانِ الذَّالِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الذَّالِ، وَهُمَا لُغَتَانِ أُذُنٌ وَآذَانٌ مِثْلُ: أُطُمٍ وَآطَامٍ وَأُذُنٍ وَآذَانٍ مِثْلُ، قُفْلٍ وَأَقْفَالٍ. وَالْقُرَّاءُ كُلُّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَّا مَا رَوَى إِسْمَاعِيلُ، عَنْ نَافِعٍ أُذُنٌ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وحده «ورحمة».

стр. 148

وَيَعْقُوبُ عَنْ نَافِعٍ بِالْخَفْضِ عَلَى مَعْنَى أُذُنُ خَيْرٍ وَرَحْمَةٍ وَصَلَاحٍ، لَا أُذُنُ شَرٍّ، يُقَالُ: رَجُلٌ أُذُنٌ: إِذَا كَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ يَسْمَعُ مِنْ كُلٍّ وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّا نَذْكُرُ مُحَمَّدًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ فَإِذَا بَلَغَهُ اعْتَذَرْنَا فَإِنَّهُ يَقْبَلُ، لِأَنَّهُ رَجُلُ أُذُنٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ لَا أُذُنُ شَرٍّ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ «نَعْفُ» بِالنُّونِ نُعَذِّبْ مِثْلَهُ. اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ الْأُولَى بِالْيَاءِ، وَالثَّانِيَةُ بِالتَّاءِ، وَالطَّائِفَةُ فِي اللُّغَةِ: الْجَمَاعَةُ، وَقَدْ تَكُونُ الطَّائِفَةُ رَجُلًا وَاحِدًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أَيْ: رَجُلٌ وَاحِدٌ، أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطَّائِفَةُ هَاهُنَا، أَرْبَعَةٌ فَمَا فَوْقَهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الطَّائِفَةُ، هَاهُنَا: الرَّجُلُ الْوَاحِدُ. حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ وَمِنْدَلٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: الطَّائِفَةُ: رَجُلٌ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي السِّمَّرِيُّ، عَنِ الْفَرَّاءِ، عَنْ حيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنه قال الطَّائِفَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ الْوَاحِدُ فَمَا فَوْقَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿دَائِرَةُ السُّوءِ﴾. قَرَأَ ابن كثير وأبو عمرو «السَّوْءِ» بِضَمِّ السِّينِ، عَلَى مَعْنَى دَائِرَةِ الشَّرِّ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «السُّوءِ» بِفَتْحِ السِّينِ مِثْلَ: «ظَنِّ السوء» أي: السيئ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، يُقَالُ: سُؤْتُ زَيْدًا أَسُوؤهُ سُوءًا وَمَسَاءَةً وَمَسَايَةً. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، «مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ» فَزَادَ «مِنْ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ «مِنْ». - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالتَّوْحِيدِ، وَكَذَلِكَ فِي هُودٍ وَقَدْ أَفْلَحَ إِلَّا حَفْصًا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ، فَأَمَّا الَّتِي فِي ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فيها، لأنها

стр. 149

كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ، عَلَى التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اجتزأ بالواحد عن الجمع، لأن الصلاة، هاهنا، بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أَيِ: ادْعُ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ دُعَاءَكَ يُسْكِنُ قُلُوبَهُمْ قَالَ الشَّاعِرُ: وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ: الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَخْلُوقِينَ: الِاسْتِغْفَارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾. وَالصَّلَاةُ: بَيْتُ النَّصَارَى، قَالَ الشَّاعِرُ: اتَّقِ اللَّهَ والصلاة فدعها ... إن في الصوم والصلاة فسادا وَالصَّلَاةُ: مَغْرَزُ عُجْبِ الذَّنْبِ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلفْرَسِ إِذَا جَاءَ بَعْدَ السَّابِقِ: الْمُصَلِّي، لِأَنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ صَلَا السَّابِقِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁: «سَبَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَالصَّلَاةُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلُفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أَيْ: زَوَالِهَا، قَالَ الرَّاجِزُ: وَاضِحَةُ الْغُرَّةِ غَرَّاءُ الضَّحِكْ ... تَبَلُّجَ الزَّهْرَاءِ فِي قَرْنِ الدَّلَكِ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فَقِيلَ: الْعَصْرُ، وَقِيلَ: الظُّهْرُ، وَقِيلَ: الْغَدَاةُ، وَقِيلَ الْمَغْرِبُ، وَقِيلَ الصَّلَاةُ: كُلُّ الصَّلَوَاتِ، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ تَكُونَ الْعَصْرَ لِعَشْرِ حُجَجٍ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ: «قُرُبَةٌ لَهُمْ» بِضَمَّتَيْنِ مِثْلَ الرُّعُبِ وَالسُّحُبِ وَأَكْثَرُ مَا تَأْتِي الضَّمَّتَانِ فِيمَا لَا هَاءَ فِيهِ نَحْوَ قَوْلِ الْعَرَبِ وَاللَّهِ لِأُوجِعَنَّ قُرُبَتَكَ يَعْنِي: الْخَاصِرَتَيْنِ، وَيُقَالُ لَهَا: الْقُرْبُ وَالْأُطْلُ وَالْكَشْحُ وَالْخَاصِرَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْأَيْطَلُ وَالْخَوْشَانُ وَالنَّاطِفَةُ أَيْضًا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «قُرْبَةٌ» خَفِيفَةٌ «وَهُوَ الِاخْتِيَارُ مِثْلُ: غُرْفَةٍ وَجُرْعَةٍ تَقُولُ الْعَرَبُ: قَرُبْتُ مِنْكَ قُرْبًا وَمَا قَرُبْتُكَ قُرْبَانًا وَقَرُبْتُ الْمَاءَ قُرْبًا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ بِالْهَمْزِ. وَالْبَاقُونَ بِتَرْكِ الهمز.

стр. 150

- قوله تَعَالَى: ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «جُرْفٍ» بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّحْرِيكِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «هَارَ» بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ «هَارٍ» مِنْ أَجْلِ كَسْرَةِ الرَّاءِ، وَالْأَصْلُ فِي هَارٍ: هَايِرٍ، وَكَذَلِكَ فِي شَاكٍ: شايك، قال الشاعر: فتعرفوني إنني أنا ذاكم ... شَاكٍ سِلَاحِيَ فِي الْحَوَادِثِ مُعْلَمُ - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنُ عَامِرٍ «تَقَطَعَّ» فِعْلُ مُضَارِعٍ، وَالْقُلُوبُ رُفِعَ بِفِعْلِهَا، وَالْأَصْلُ: إِلَّا أَنْ تَتَقَطَّعَ، فَحَذَفُوا إِحْدَى التَّاءَيْنِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «تُقَطَّعَ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَمَعْنَى ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ إِلَّا أَنْ يَمُوتُوا، وَقَالَ آخَرُونَ: إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَتُقَطَّعُ قُلُوبُهُمْ نَدَامَةً عَلَى مَا فَرَّطُوا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ» على ما لم يسم فاعله، ﴿أفمن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ مِثْلَهُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «أَسَّسَ» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا، وَالْبُنْيَانُ: نُصِبَ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوًى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى الْكُفْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بَنُوا مَسْجِدًا لِيَنْفَضَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مُصَلَّاهُمْ وَيَصِيرُوا إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ. وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَقْوَى بِتَرْكِ التَّنْوِينِ إِلَّا عِيسَى بْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ نَوَّنَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «فَيُقْتَلُونَ وَيَقْتُلُونَ» يبدءان بالمفعول قبل الفاعلين. والباقون يبدءون بِالْفَاعِلَيْنِ قَبْلَ الْمَفْعُولَيْنِ. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فِي قِرَاءَةِ مَنْ بَدَأَ بِالْمَفْعُولَيْنِ فَقَالَ: إِذَا قُتِلُوا كَيْفَ يَقْتُلُونَ؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: قَتَلَ بَنُو تَمِيمٍ بَنِي أَسَدٍ، وَإِنَّمَا قُتِلَ بَعْضُهُمْ فَقَتَلَ الْبَاقُونَ الْقَاتِلِينَ.

стр. 151

- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «الَّذِينَ» بِغَيْرِ وَاوٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْوَاوِ «وَالَّذِينَ» وَكَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ «وَضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا» يَنْتَصِبُ بِشَيْئَيْنِ: عَلَى الْمَصْدَرِ: لِأَنَّ اتِّخَاذَهُمْ مَسْجِدًا لِمَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ ضِرَارًا فَكَأَنَّهُ فِي التَّقْدِيرِ: ضَارُوا ضِرَارًا، وَكَفَرُوا كُفْرًا وَفَرَّقُوا تَفْرِيقًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَجْعَلَهَا مَفْعُولَاتٍ كَأَنَّهُ فِي التَّقْدِيرِ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا لِلضِّرَارِ وَالْكُفْرِ والتفريق، وكلا الوجهين حسن. - وقوله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فريق منهم﴾. فِيهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ: قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «يَزِيغُ» بِالْيَاءِ، وَالْقُلُوبُ جَمْعٌ عَلَى تَذْكِيرِ «كَادَ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى التَّقْدِيمِ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ تَزِيغُ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو «كَادَ تَزِيغُ» بِإِدْغَامِ الدَّالِ على التَّاءِ لِقُرْبِ الْمَخْرَجَيْنِ، يُقَالُ: زَاغَ قَلْبُهُ وَزَاغَ بَصَرُهُ وَزَاغَ الْقَوْمُ وَأَزَاغَهُمُ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. قَرَأَ عَمْرُو بْنُ فَايِدٍ «رَبَّنَا لَا تَزِغْ قُلُوبُنَا» جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْقُلُوبِ، وَهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ «أَزَاغَ الله قلوبهم». - وقوله تعالى: ﴿ليجدوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ الْمُفَضَّلِ، «غَلْظَةً» بِفَتْحِ الْغَيْنِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ. وَقَرَأَ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ، وَيُكْنَى أَبَا سَعْدٍ: «غُلْظَةً» بِالضَّمِّ وَهُنَّ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ: غِلْظَةٌ وَغَلْظَةٌ وَغُلْظَةٌ بِمِعْنَى وَاحِدٍ، مِثْلُ: رِكْوَةٍ وَرِبْوَةٍ. - وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿أولا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «أَوَ لَا تَرَوْنَ» بِالتَّاءِ، أَيْ: أَنْتُمْ فَقَطْ، جَعَلَ الرؤية لمحمد -

стр. 152

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَعِظَةً لَهُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كل عام مرة أو مرتين» يَمْرَضُونَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَعِيَ أَبَدًا﴾ وَ ﴿مَعِيَ عَدُوًّا﴾. فَتَحَ الْيَاءَ فِيهِمَا كِلَيْهِمَا حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ. وَأَسْكَنَهَا حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ عَامِرٍ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «مَعِيَ أَبَدًا» بِالْفَتْحِ «وَمَعِيَ عَدُوًّا» ساكنا (١).

стр. 153

ومن السورة التي يذكر فيها يونس ﵇ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آلر﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «آلر» بِكَسْرِ الرَّاءِ. وَكُلُّهُمْ يَقْصِرُ «آلر» فَمَنْ فَتَحَ فَعَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ كَسَرَ وَأَمَالَ فَتَخْفِيفًا، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ «يَا» وَ «تَا» وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ «يَاءٌ» وَ «تَاءٌ» وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ «طَا» وَ «حَا» وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ «طَاءٌ» وَ «حَاءٌ». وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ، أَعْنِي حُرُوفَ الْمُعْجَمِ يَجُوزُ تَذْكِيرُهَا وَتَأْنِيثُهَا وَفَتْحُهَا وَكَسْرُهَا وَمَدُّهَا وَقَصْرُهَا، كُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَسَاحِرٌ مبين﴾. فَمَنْ قَرَأَ بِأَلِفٍ أَرَادَ النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ قَرَأَ بِغَيْرِ أَلِفٍ أَرَادَ: الْقُرْآنَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: سَاحِرَانِ ﴿تَظَاهَرَا﴾. وَ «سِحْرَانِ» فَ «سَاحِرَانِ» أَرَادَ مُوسَى وَمُحَمَّدًا ﵉، وَ «سِحْرَانِ» أَرَادَ التَّوْرَاةَ وَالْفُرْقَانَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ فَاللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُ مَلِكُ الْأَمْلَاكِ. وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَالتَّقْدِيرُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: اللَّهُ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ وَيُفَصِّلُ الْآيَاتِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ» بِفَتْحِ الْقَافِ، أَيْ: لَقَضَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ، وَحُجَّتُهُ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ﴾. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَكِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَسَنَةٌ، وَمِثْلُهَا قَوْلُهُ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ﴾ وَ «قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتُ».

стр. 154

- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ فِي رواية قنبل «ضئاء» بِهَمْزَتَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: هُوَ غَلَطٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «ضِيَآءً» بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ وَهُوَ الصَّوَابُ. قال أبو عبد اللَّهِ: ضِيَاءٌ جَمْعُ ضَوْءٍ مِثْلُ بَحْرٍ وَبِحَارٍ فَالضَّادُ فَاءُ الْفِعْلِ وَالْوَاوُ عَيْنُ الْفِعْلِ، وَالْهَمْزَةُ لَامُ الْفِعْلِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ وَجَبَ أَنْ تَقُولَ: ضِوَاءٌ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا كَمَا تَقُولُ: مِيزَانٌ وَمِيقَاتٌ، وَالْأَصْلُ: مِوْزَانٍ وَمِوْقَاتٍ، وَكَمَا قَالُوا: سِيَاطٌ وَحِيَاضٌ، وَالْأَصْلُ: سِوَاطٍ وَحِوَاضٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الضِّيَاءُ مَصْدَرًا مِثْلَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَقَدْ حُكِيَ ضِوَاءٌ قَالُوا: عَلَى الْأَصْلِ لُغَةً، وَمِنْهُ صَامَ صِيَامًا وَقَامَ قِيَامًا وَالْأَصْلُ: صِوَامٌ وَقِوَامٌ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً فَاعْرَفْ ذَلِكَ. وَكَأَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ شَبَّهَ «ضِئَآءً» حَيْثُ قَرَأَ بهمزتين بقول «رِئَآءَ النَّاسِ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «ضِئَآءً» مَصْدَرًا لِقَوْلِهِمْ: ضَاءَ الْقَمَرُ يَضُوءُ ضَوْءًا وَضِئَاءً كَمَا تَقُولُ: قَامَ يَقُومُ قِيَامًا، وَالِاخْتِيَارُ أَضَاءَ الْقَمَرُ يضيء إِضَاءَةً، وَزَادَ اللَّحْيَانِيُّ ضِوَاءَ الْقَمَرِ لُغَةً ثَالِثَةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾. فإن سأل سائل فقال: لم قال الله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: قَدَّرَهُمَا؟ فَفِي ذَلِكَ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْهَاءَ تَعُودُ عَلَى الْقَمَرِ فَقَطْ، إِذَا كَانَ يُعْلَمُ بِهِ انْقِضَاءُ السَّنَةِ وَالشُّهُورِ وَالْحِسَابِ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ قَدَّرَهُمَا فَاجْتَزَى بِأَحَدِهِمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾. أَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيئًا مِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي وَلَمْ يَقُلْ: بَرِيئَيْنِ، وَيُرْوَى وَمِنْ جُولٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْجُولُ وَالْجَالُ: جَانِبُ الْبِئْرِ، وَمَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي شَتَمَنِي وَقَذَفَنِي يَرْجِعُ مَغَبَّةُ فِعْلِهِ عَلَيْهِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ عَامِرٍ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ «وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ» بِالْفَتْحِ، مَعْنَاهُ: وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ، مِنْ درى يدري. وقرأ الباقون بالإمالة «أدريكم» مِنْ أَجْلِ الرَّاءِ وَالْيَاءِ، فَمَنْ فَخَّمَ فَعَلَى أصل الكلمة،

стр. 155

وَكَانَ الْأَصْلُ: «أَدْرِيكُمْ» فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَهِيَ أَلِفٌ فِي اللَّفْظِ يَاءٌ فِي الْخَطِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾. وَالْأَصْلُ: يَتَوَفَيَهُنَّ. وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ: حَدَّثَنِي أحمد بن عبدان، عن علي، عن أبي عُبَيْدٍ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ قَرَأَ: «وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ» بِالْهَمْزِ وَالتَّاءِ. قَالَ النَّحْوِيُّونَ: هُوَ غَلَطٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَهْمِزُ بَعْضَ مَا لَا يُهْمَزُ تَشْبِيهًا بِمَا يُهْمَزُ فَيَقُولُونَ: حَلَّأْتُ السَّوْقَ وَالْأَصْلُ: حَلَّيْتُ تَشْبِيهًا بِحَلَأْتُ الْإِبِلَ عَنِ الْمَاءِ، يَقُولُونَ: رَثَأْتُ الْمَيِّتَ وَالْأَصْلُ: رَثَيْتُ تَشْبِيهًا بِالرَّثِيئَةِ، وَهِيَ اللَّبَنُ، وَيَقُولُونَ: لَبَأْتُ لِفُلَانٍ، وَالْأَصْلُ لَبَيْتُ تَشْبِيهًا بِاللَّبَاءِ، وَيَقُولُونَ: نَشِئْتُ رِيحًا وَأَصْلُهُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: «اهْتَزَّتْ وَرَبَأَتْ» تَشْبِيهًا بِالرَّبِيئَةِ، وَهُوَ مِنْ رَبَأْتُ الْقَوْمَ: إِذَا كُنْتُ لَهُمْ حَافِظًا وَعَيْنًا. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ قُنْبُلٍ: «وَلَأَدْرَاكُمْ» بِغَيْرِ مَدٍّ، لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى مَدَّ حَرْفٍ بِحَرْفٍ مِثْلَ: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وَالْبَاقُونَ يَمُدُّونَ، وَهُوَ الصَّوَابُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْيَاءِ هَاهُنَا وَحَرْفَيْنِ فِي النَّحْلِ وَفِي الرُّومِ وَقَرَأَ فِي النَّمْلِ بِالتَّاءِ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالْيَاءِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّاءِ كُلَّ ذَلِكَ. فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ جَعَلَ الإِخْبَارَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ غَيْبٌ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ أَيْ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا تُشْرِكُونَ يَا كَفَرَةُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «يَنْشُرُكُمْ» بِالشِّينِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يُسَيِّرُكُمْ» بِالسِّينِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ. فَالشُّينُ مِنَ النَّشْرِ، وَمِنْهُ نَشَرْتُ الثَّوْبَ وَمَعْنَاهُ: يَبْسُطُكُمْ عَنِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيُنْبِتُكُمْ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وَ ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ والسين من السير، وشاهده ﴿سيروا﴾ و «أولم يَسِيرُوا» وَاخْتَارَهَا بِغَيْرِ التَّاءِ لِقَوْلِهِ: «جَرَيْنَ» وَقَالَ:

стр. 156

لِأَنَّهُمَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ وَالْوَجْهَانِ مُخْتَارَانِ. وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي النَّشْرِ لِغَيْرِ هَذَا بِسَيْرٍ وَغَيْرِهِ. - وَقَوْلُهُ: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «مَتَاعَ» بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَنْ تَجْعَلَهُ خَبْرَ: «إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعُ». وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَتِمَّ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ثُمَّ تَبْتَدِئُ: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. عَلَى تَقْدِيرِ: هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ أَيْ: هِيَ النَّارُ، وَمَتَاعٌ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَمِثْلُهُ الْأَثَاثُ، وَالْمَتَاعُ فِي اللُّغَةِ: كُلُّ مَا الْتُذَّ بِهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَرَحَلْتَ مِنْ سَلْمَى بِغَيْرِ مَتَاعِ ... قَبْلَ الْفِرَاقِ وَرُعْتَهَا بِوَدَاعِ قَالَ: مَعْنَى «بِغَيْرِ مَتَاعٍ» هُنَا: قُبْلَةٌ كَانَتْ وَعَبْرَتُهُ، وَيُقَالُ: مَتَاعٌ وَأَمْتِعَهٌ وَأَثَاثٌ وَأَثَثَةٌ، وَقِيلَ: أَثَاثٌ وَأَثَثٌ، وَقِيلَ: أَثَاثَةٌ وَاحِدٌ، وَالْجَمْعُ: أُثَاثٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: أُثَاثٌ وَأُثُثٌ وَآثَاثٌ وَآثَّةٌ، وَمِتَاعٌ وَأَمْتِعَةٌ وامِّتَاعٌ وَمُتُعٌ وَحُجَّةُ حَفْصٍ فِي نَصْبِ «مَتَاعٍ» أَنَّهُ جَعَلَهُ حَالًا وَقَطْعًا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ «قِطَعًا» بِإِسْكَانِ الطَّاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ وَمَعْنَاهُ بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ تَقُولُ الْعَرَبُ: مَضَى هَزِيعٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَطَبِيقٌ من الليل، ووهل مِنَ اللَّيْلِ، وَقِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: قِطَعًا فَأَسْكَنَ كَمَا تَقُولُ: نِطْعٌ، وَالْأَصْلُ نِطَعٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «قِطَعًا» جَمْعُ قِطْعَةٍ مِثْلَ كِسْرَةٍ وَكِسَرٍ وَكِسْفَةٍ وَكِسَفٍ وَقَالَ الْفَرَّاءُ ﵁: «بِقُطُعٍ مِنَ اللَّيْلِ» جَمْعُهُ أْقَطَاعٌ، وَقَالَ الْخَلِيلُ ﵁: الْقِطْعُ طَائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ وَأَنْشَدَ: افْتَحِي الْبَابَ فَانْظُرِي فِي النُّجُومِ ... كَمْ عَلَيْنَا مِنْ قِطْعِ لَيْلٍ بهيم - وقوله تعالى: ﴿هنالك تبلوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بالتاء، «تتلو» من التلاوة.

стр. 157

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْبَاءِ وَحُجَّتُهُمْ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. - وقوله تعالى: ﴿كذلك حقت كلمة رَبِّكَ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «كَلِمَاتُ» بِالْجَمْعِ، وإنما أختار ذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ مَكْتُوبَةٌ بِالتَّاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَ «أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنْ «كَلِمَةُ». - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «أَمَّنْ لَا يَهْدِي» بِإِسْكَانِ الْهَاءِ، خَفِيفَةَ الدَّالِ، مِنْ هَدَى يَهْدِي هِدَايَةً. وَقَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «أَمَّنْ لَا يَهَدِّي» بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَرَادُوا يَهْتَدِي فَنَقَلُوا فَتْحَةَ التَّاءِ إِلَى الْهَاءِ فَأَدْغَمُوُا التَّاءَ فِي الدَّالِ، وَاحْتَجُّوا بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَمَّنْ لَا يَهْتَدِي إِلَّا أَنْ يُهْدَى» وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ اللَّهَ وَبَّخَهُمْ لِعِبَادَةِ مَنْ لَا يُحْسِنُ التَّنَقُّلَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ حَتَّى يُنْقَلَ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَّا حَتَّى أَنْ يُهْدَى. وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ «أَمَّنْ لَا يَهِدِّي» بِكَسْرِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ، أَرَادَ: يَهْتَدِي أَيْضًا فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الدَّالِ، فَالْتَقَى سَاكِنَانِ فَكَسَرَ الْهَاءَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَكَسَرَ الْيَاءَ لِمُجَاوَرَةِ الْهَاءِ، كَمَا قِيلَ فِي رَمِيٍّ رِمِيٌّ وَفِي مُنْتِنٍ مِنْتِنٌ. وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «يَهِدِّي» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَتَفْسِيرُهُ كَتَفْسِيرِ الْأَوَّلِ. وَرَوَى قَالُونٌ عَنْ نَافِعٍ: «أَمَّنْ لَا يَهْدِّي» بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَهُوَ رَدِيءٌ، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا حَرْفَ لِينٍ. قَالَ الْأَخْفَشُ: الْعَرَبُ تَقُولُ: فُلَانٌ يَحْتَجِمُ وَيُحَجَّمُ وَيَحْجِمُ وَيَحْجُمُ وَيَحِجِّمُ فَأَمَّا مَا رَوَى الْيَزِيدِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يُسْكِنُ الْهَاءَ وَيُشِمُّهَا الْفَتْحَةَ فَتَرْجَمَةٌ غَلَطٌ، لِأَنَّ السُّكُونَ ضِدَّ الْحَرَكَةِ وَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فَكَأَنَّ أَبَا عَمْرٍو أَخْفَى الْفَتْحَةَ فَتَوَهَّمَ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ أَسْكَنَ وَلَمْ يُسْكِنْ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «فليفرحوا» بالياء، عَلَى أَصْلِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ للغائب والحاضر فلا بد مِنْ لَامٍ تَجْزِمُ الْفِعْلَ، كَقَوْلِكَ: لِيَقُمْ زَيْدٌ، ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ﴾

стр. 158

﴿سَعَتِهِ﴾ وَكَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ قُمْ وَاذْهَبْ وَالْأَصْلُ: لتقم ولتذهب بإجماع النحويين، غير أن المواجه كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَحُذِفَتِ اللَّامُ اخْتِصَارًا وَاسْتَغْنَوْا بِ «افْرَحُوا» عَنْ «لِتَفْرَحُوا» وَبِ «قُمْ» عَنْ «لِتَقُمْ» وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ «فَبِذَلِكَ فَافْرَحُوا» فَأَمَّا اللَّامُ مِنَ الْغَائِبِ فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ كَمَا قَالَ: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرٍ تبالا وكذلك قرأ الْبَاقُونَ: «فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» بِالْيَاءِ عَلَى أَمْرِ الْغَائِبِ وَشَاهِدُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَمَعْنَاهُ: فَبِذَلِكَ يَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَلْتَفْرَحُوا أَيْ: بِالْقُرْآنِ وَهُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُ الْكَافِرُونَ، لِأَنَّ قَبْلَ الْآيَةِ: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «وَمَا يَعْزِبُ» بِكَسْرِ الزَّايِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وَهُمَا لُغَتَانِ «يَعْزُبُ» وَ «يَعْزِبُ» مِثْلَ عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ، وَمَعْنَى لَا يَعْزُبُ عَنْهُ: لَا يَبْعُدُ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ دَقَّ أَوْ جَلَّ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾. قَرَأَهُمَا حَمْزَةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ فِيهِمَا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾. لِأَنَّ مَوْضِعَ «مِثْقَالِ» رَفْعٌ قَبْلَ دُخُولِ «مِنْ» لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ وَالتَّقْدِيرُ، لَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا أَصْغَرُ وَلَا أَكْبَرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِهِ﴾. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُمَا مَوْضِعُ خَفْضٍ إِلَّا أَنَّهُمَا لَا يَنْصَرِفَانِ لِأَنَّ أَفْعَلَ إِذَا كَانَ صِفَةً أَوْ ... لَمْ يَنْصَرِفْ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ وَلَا مِنْ أَصْغَرَ وَلَا مِنْ أَكْبَرَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾. رَوَى خَارِجَةُ، عَنْ نَافِعٍ «فَاجْمَعُوا» بِوَصْلِ الْأَلِفِ مِنْ جَمَعْتُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «فَأَجْمِعُوا» مِنْ أَجْمَعْتُ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: أَجْمَعْتُ عَلَى الْأَمْرِ إِذَا أَحْكَمْتُهُ وَعَزَمْتُ عَلَيْهِ، أَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ ﵁: يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مجمع

стр. 159

فَهَذَا مِنْ أَجْمَعْتُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ جَمَعْتُ لَكَانَ مَجْمُوعًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾. فَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَشُرُكَاءَكُمْ» فَقَرَأَ الْقُرَّاءُ بِالنَّصْبِ قَالَ الْفَرَّاءُ: نَصَبَهُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ وَالتَّقْدِيرُ: فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَادْعُوا شُرُكَاءَكُمْ. وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هُوَ مَفْعُولٌ مَعَهُ، لِأَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى «مَعَ» والتقدير: فاجمعوا أمركم مع شركائكم. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَحْدَهُ «وَشُرُكَاؤُكُمْ» بِالرَّفْعِ فَعَطَفَ ظَاهِرًا عَلَى مَكْنِيٍّ مَرْفُوعٍ، وَإِنَّمَا صَلُحَ ذَلِكَ حَيْثُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا الْمَفْعُولُ فَنَابَ عَنِ التَّأْكِيدِ، وَالتَّأْكِيدُ أَنْ تَقُولَ: فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرُكَاؤُكُمْ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ شَاهِدًا لِأَجْمَعُوا بِقَطْعِ الْأَلِفِ. أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «آلسِّحْرُ» بِالْمَدِّ جَعَلَ «مَا» بِمَعْنَى أَيْ وَالتَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ هُوَ؟ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ وَهَذِهِ الْأَلِفُ تَوْبِيخٌ فِي لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ فَهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ سِحْرٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ» أَيِ: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، وَ «مَا» ابْتِدَاءٌ وَ «جِئْتُمْ بِهِ» صِلَتُهُ، وَ «السِّحْرُ» خَبَرُ الِابْتِدَاءِ كَمَا تَقُولُ: الَّذِي مَرَرْتُ بِهِ زَيْدٌ، وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَفِي قِرَاءَتِنَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَكُلُّ نَكِرَةٍ إِذَا أُعِيدَتْ صَارَتْ مَعْرِفَةً، وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ: «مَا أَتَيْتُمْ بِهِ السِّحْرُ». وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٌ، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: يَجُوزُ فِي النَّحْوِ «مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرَ» بِالنَّصْبِ، عَلَى أَنْ يَجْعَلَ «مَا» شَرْطًا، وَجَوَابُهُ الْفَاءُ مُضْمَرَةٌ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عمل المفسدين» وتلخيصه: إن اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «تَتَّبِعَانِ» بِتَخْفِيفِ النُّونِ. وَالْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِهَا، وَهِيَ النُّونُ الَّتِي تَدْخُلُ لِلتَّوْكِيدِ وَالنَّهْيِ تَكُونُ مُخَفَّفَةً وَمُشَدَّدَةَ التَّاءِ مِنْ تَبِعَ يَتْبَعُ.

стр. 160

- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الذي آمنت به بنوا إِسْرَائِيلَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، «إِنَّهُ» بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ فَيَكُونُ الْوَقْفُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى «آمَنْتُ» تَامًّا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «آمَنْتُ أَنَّهُ» عَلَى تَقْدِيرِ: آمَنْتُ بِأَنَّهُ فَلَمَّا سَقَطَ الْخَافِضُ عَمِلَ الْفِعْلُ فَنَصَبَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ «آلَانَ» بِفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْقَاطِ الْهَمْزَةِ نَقَلَ فَتْحَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى اللَّامِ وَحَرَّكَ الْهَمْزَةَ تَخْفِيفًا كَمَا قَرَأَ: «قَدْ أَفْلَحَ» يُرِيدُ: قَدْ أَفْلَحَ، وَغَيْرُهُ لَا يَنْقِلُ وَلَكِنْ يَهْمِزُ بَعْدَ اللَّامِ. وَاخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي «الْآنَ» فَقَالَ الْفَرَّاءُ ﵀ أَصْلُهُ: أَوَان فَقَلَبُوُا الْوَاوَ أَلِفًا، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: آنَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا أَيْ: حَانَ لَكَ، فَيَكُونُ فِعْلًا مَاضِيًا فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَيْهِ تَرَكُوهُ عَلَى فَتْحِهِ كَمَا قَالُوا: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَمَنْعٍ وَهَاتٍ» وَأَنْشَدَ: تَفَقَّأَ فَوْقَهُ الْقِلَعُ السَّوَارِي ... وَجُنَّ الْخَازِبَازِ بِهِ جُنُونًا فَ «خَازِبَازِ» مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وُحُكْمُ مَا كَانَ مَبْنِيًّا إِذَا أُضِيفَ أَوْ دَخَلَهُ أَلِفٌ وَلَامٌ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ الْبِنَاءُ وَيُعْرَبُ، فَهَذَا الشَّاعِرُ، أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَبَقِيَ الِاسْمُ مَبْنِيًّا. وَالْخَازِبَازِ: الذُّبَابُ، وَالْخَازِبَازُ: صَوْتُ الذُّبَابِ، وَالْخَازِبَازِ: دَاءٌ يَأْخُذُ فِي الْوَجْهِ فَيُقَبِّحُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ: يَا خَازِبَازِ أَرْسِلِ اللَّهَازِمَا بَنَاهُ عَلَى الْكَسْرِ وَفِيهِمَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ كَمَا قَالَ الْآخَرُ: وَإِنِّي حُبِسْتُ الْيَوْمَ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ ... بِبَابِكَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ تَرَكَ أَمْسِ مَبْنِيًّا عَلَى الْكَسْرِ مَعَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ.

стр. 161

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ خَالَوَيْهِ ﵁: وَفِيهِ لُغَاتٌ: الْخَازِبَازِ، وَالْخَازِبَازَ، وَالْخَازِبَازُ، وَالْخُزْبَاءِ، وَالْخِزْبَازَ، وَالْخَازِبَاءَ، سِتُّ لُغَاتٍ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ ﵀: الْآنَ: إِشَارَةٌ إِلَى وَقْتٍ أَنْتَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ هَذَا، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ تَدْخُلُ لِعَهْدٍ تَقَدَّمَ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى الْآنَ لِغَيْرِ عَهْدٍ تُرِكَ مَبْنِيًّا. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ويوم نحشرهم﴾ على خمس وأربعين: قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عن الله تعالى وقرأ الباقون بالنون يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ «نُنْجِ» خَفِيفَةً مِنْ أَنْجَى يُنْجِي وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «نُنَجِّي» مُشَدَّدًا مِنْ نَجَّى يُنَجِّي وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ كَرَّمَ وَأَكْرَمَ، غَيْرَ أَنَّ التَّشْدِيدَ الِاخْتِيَارُ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى التشديد الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ الثَّانِي مِثْلَهُ، وَقَدْ كُتِبَتَا بِنُونَيْنِ. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنُّونِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. وَالرِّجْسُ وَالرِّجْزُ جَمِيعًا: الْعَذَابُ كَمَا يُقَالُ: الْأَزَدُ وَالْأَسَدُ، وَفُلَانٌ يُزْدِي وَيُسْدِي إِلَى فُلَانٍ خَيْرًا، وَقَالَ آخَرُونَ: الرِّجْزُ: الْعَذَابُ، وَالرِّجْسُ: الْنَتْنُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبُوءَا لِقَوْمِكُمَا﴾. اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى هَمْزَه فِي الدَّرَجِ، لِأَنَّهُ مِنْ بَوَّأَ يُبَوِّئُ إِذَا أَنْزَلَ نزل ﴿لنبوئنهم من الجنة غرفا﴾، ﴿والذين تبوؤا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْفِ فَكَانَ حَمْزَةُ يَقِفُ «تَبَوَّا» بِغَيْرِ هَمْزٍ، يُشِيرُ بِصَدْرِهِ، وَوَقَفَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ: «أَنْ تَبَوَّيَا» بِيَاءٍ. وَالْبَاقُونَ يَقِفُونَ كَمَا يَصِلُونَ عَلَى لَفْظِ الِاثْنَيْنِ بالهمز.

стр. 162

وفي هذه السورة من الياءات المختلف فيها. «لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي»، «إِنِّي أَخَافُ». «أَيْ وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ»، «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ» فَتَحَهُنَّ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو. وَفَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ «لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ» وَ «إِنِّي أَخَافُ» وَفَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَاحِدَةً «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا» وَأَسْكَنَهُنَّ الْبَاقُونَ (١).

стр. 163

وَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا هُودٌ ﷺ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ «أَنِّي» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ بِأَنِّي لَكُمْ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِالْهَمْزِ عَلَى تَقْدِيرٍ فِي ابْتِدَاءِ الرَّأْيِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «بَادِيَ» بِغَيْرِ هَمْزٍ جَعَلُوا فَاعِلًا مِنْ بَدَا يَبْدُو: إذا ظهر، كقوله تعالى: ﴿وبدا لهم﴾ ﴿مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ كَيْفَ تَقِفُ عَلَى «بَادِي» بِقِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو؟ فَقُلْ بِغَيْرِ هَمْزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا وَقَفْتَ سَكَّنْتَ الْهَمْزَةَ وَقَبْلَهَا كَسْرَةٌ صَارَتْ يَاءً، لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا مِثْلَ إِيتِ فُلَانًا، إِيبَقْ يَا غُلَامُ، وَالْأَصْلُ: إِإْتِ وَإِإْبَقْ فَجُعِلَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً، فَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ أَنْ تَقِفَ بَادِئَ بِالْهَمْزِ، وَكَذَلِكَ «مِنْ شَاطِئِ﴾ الْوَادِي» أَجَازَ مِنْ «شَاطئِ» بِالْهَمْزِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «الرَّاي» بِتَرْكِ الْهَمْزِ تَخْفِيفًا مِثْلَ «الْكَاسِ» وَ «الْبَاسِ» وَ «الرَّاسِ». وَالْبَاقُونَ يَهْمِزُونَ عَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ لِ «رَأَيْتُ» فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ رَأْيًا وَرَأَيْتُ فِي عَيْنِي رُؤْيَةً، وَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا حَسَنَةً، وَالْأَمْرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ «رِ» يَا هَذَا، بِرَاءٍ وَاحِدَةٍ، غَيْرَ أَنَّكَ تَقِفُ، رِهْ بِالْهَاءِ، وَلُغَةُ تَمِيمٍ: إِرْأَ يَا هَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ كنتم للرءيا تَعْبُرُونَ﴾. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: «فَعُمِّيَتْ» مُشَدَّدًا. وَقَرَأَ الباقون «فعميت» ومعناها وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْفَرَّاءَ، قَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُ: عُمِّيَ عَلَيَّ الْأَمْرُ، وَعَمِيَ عَلَيَّ بِمَعْنًى. وَحُجَّةُ مَنْ شدد: أن أبيا وابن مسعود قرءا: «فعماها عليكم».

стр. 164

وَحُجَّةُ مَنْ خَفَّفَ: اجْتِمَاعُ الْقُرَّاءِ عَلَى تَخْفِيفِ الَّتِي فِي الْقَصَصِ: «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ» قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَرَأَهَا بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَدْ شَدَّدَهَا عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَعُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ». وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «أَنِلْزِمُكُمُوهَا» بِاخْتِلَاسِ الْحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وَاسْتِثْقَالًا لِاجْتِمَاعِ الضَّمَّاتِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «أَنُلْزِمُكُمُوهَا» بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ﴾. رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ» مُنَوَّنًا وَكَذَلِكَ فِي «الْمُؤْمِنُونَ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُضَافًا. وَتَقْدِيرُ قِرَاءَةِ حَفْصٍ أَنِ احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ وَكُلِّ نَوْعٍ زَوْجَيْنِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، لِأَنَّ الْأُنْثَى زَوْجُ الذَّكَرِ وَالذَّكَرُ زَوْجُ الْأُنْثَى، يُقَالُ: عِنْدِي زَوْجٌ حَمَامٌ ذَكَرٌ وَأُنْثَى تَأْكِيدٌ لَهُمَا، كَمَا تَقُولُ: عِنْدِي رَجُلَانِ اثْنَانِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُلْتَبِسٍ كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. وَالِاخْتِيَارُ: الْإِضَافَةُ، لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهَا. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراهَا﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «مَجْرِيهَا» بِالْإِمَالَةِ وَبِفَتْحِ الْمِيمِ. وَالْبَاقُونَ «مُجْرَاهَا» بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُمَا مَصْدَرَانِ، فَمَنْ فَتَحَ الْمِيمَ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لَجَرِى مَجْرًى، وَمَنْ ضَمَّ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِأَجْرَيْتُهُ، وَالْمَصْدَرُ مِنْ أَفْعَلَ مَفْعَلٌ وَإِفْعَالٌ لَا يَنْكَسِرُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. وَقَالَ الشَّاعِرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مُمْسَانَا وَمُصْبَحُنَا ... بِالْخَيْرِ صَبَّحَنَا رَبِّي وَمَسَّانَا لِأَنَّكَ تَقُولُ: أَمْسَى وَأَصْبَحَ، وَهَذَا الْبَيْتُ يُنْشَدُ مَفْتُوحًا وَمَضْمُومًا، وَقَالَ آخَرُ: وَعُمِرْتُ حَرْسًا قَبْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ ... لَوْ كَانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ يُنْشِدُ: قَبْلَ مجرى وبمجرى، وَعُمِرْتُ، أَيْ: بَقِيتُ وَطَالَ عُمُرِي، وَالْحَرْسُ: الدَّهْرُ. وَأَبُو عَمْرٍو يُمِيلُ: «مُجْرَيهَا» ونَافِعٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَكَذَلِكَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ كثير يفتح.

стр. 165

فَأَمَّا «مُرْسَاهَا». فَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى ضَمِّ الْمِيمِ، وحمزة والكسائي يميلان وأبو عمرو، ونافع بين بَيْنَ، وَعَاصِمٌ وَابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّفْخِيمِ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ «بسم الله مجراها وَمُرْسِيهَا» جَعَلَهُمَا نَعْتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى. أَيِ: اللَّهُ أجراها فهو مجر، وأرساها فهو مُرْسٍ، وَمَوْضِعُهَا جَرٌّ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَلَا عَلَامَةَ لِلْجَرِّ، لِأَنَّ الْيَاءَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ مِثْلَ قَاضِيكَ وَرَامِيكَ. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، قَالَ: حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ: «بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِاهَا وَمَرْسِاهَا» مِثْلَ قِرَاءَةِ مُجَاهِدٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا حُمَيْدٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ: «يَا بُنَيَّ» بِنَصْبِ الْيَاءِ، أَرَادَ: يَا بُنَيَّاهُ فَرَخَّمَ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَا بُنَيَّ» بِكَسْرِ الْيَاءِ، أَرَادُوا: يَا بُنَيِيَّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى النَّفْسِ فَسَقَطَتِ الْيَاءُ اجْتِزَاءً بِالْكَسْرَةِ، كَمَا تَقُولُ: يَا رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَيَا غُلَامُ تَعَالَ، وَفِيهَا ثَلَاثُ يَاءَاتٍ، يَاءُ التَّصْغِيرِ وَهِيَ الْأُولَى، وَيَاءٌ أَصْلِيَّةٌ، وَهِيَ الْوُسْطَى، وَيَاءُ الْإِضَافَةِ إِلَى النَّفْسِ وَهِيَ مَحْذُوفَةٌ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ: «ارْكَبْ مَعَنَا» مُظْهِرًا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «ارْكَبْ مَعَنَا» مُدْغَمًا، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْمِيمَ أُخْتُ الْبَاءِ يَخْرُجَانِ مِنَ الشَّفَتَيْنِ وَالْأَوَّلُ سَاكِنٌ، فَكَمَا يُفْتَحُ إِظْهَارٌ: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ وَ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ لِلْأُخْتِيَّةِ بين الطاء والذال والتاء، كذلك يفتح بين الْبَاءِ مَعَ الْمِيمِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ» تَقْدِيرُهُ: إِنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صَالِحٍ، وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُ كَانَ ابْنَهُ وَلَكِنْ خَالَفَهُ فِي النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: أَحَدُهُمَا: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَالَ الْآخَرُ: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ».

стр. 166

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ» بِالرَّفْعِ أَيْ: إِنَّ سُؤَالَكَ إِيَّايَ أَنْ أُنَجِّيَ رَجُلًا كَافِرًا عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ. قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: وَالِاخْتِيَارُ الرَّفْعُ عَلَى قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ حُفِظَ عَنْهُ «عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ» لَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَحْفَظَ لَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّهَا مُهَاجَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . - وقوله تعالى: ﴿فلا تسئلن مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قَرَأَ ابْنُ كثير «تسألن» بِفَتْحِ النُّونِ جَعَلَ «تَسْأَلَ» جَزْمًا عَلَى النَّهْيِ، وَالنُّونُ لِلتَّأْكِيدِ فَفُتِحَتِ اللَّامُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا تَقُولُ: لَا تَضْرِبَنَّ وَلَا تَشْتِمَنَّ أَحَدًا. وَقَرَأَ نافع في رواية قالون وابن عامر: «تسألن» بكسر النون مع التشديد أراد: تسألني، فَحَذَفَ الْيَاءَ اخْتِصَارًا. وَرَوَى وَرْشٌ، عَنْ نَافِعٍ: تسألني بِالْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَأَنْشَدَ شَاهِدًا لَوَرْشٍ: فَلَا تَجْعَلَنِّي كَامْرِئٍ لَيْسَ بَيْنَهُ ... وَبَيْنَكَ مِنْ قُرْبَى وَلَا مُتَنَسَّبُ فَصِلْ وَاشِجَاتٍ بَيْنَنَا مِنْ قَرَابَةٍ ... أَلَا صِلَةُ الْأَرْحَامِ أَبْقَى وَأَقْرَبُ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «تسألن» خَفِيفًا بِنُونٍ مُسَكَّنِ اللَّامِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو يُثْبِتُ الْيَاءَ وَصْلًا وَيَحْذِفُهَا وَقْفًا، فَمَنْ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَاللَّامُ سَاكِنَةٌ لِلْجَزْمِ وَالنُّونُ مَعَ الْيَاءِ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ كَمَا تَقُولُ: لَا تَضْرِبُنِي وَلَا تَشْتِمُنِي. وَفِيهَا قِرَاءَةٌ سَادِسَةٌ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ الْخُرَسَانِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقْرَأُ: «فَلَا تَسَلَنَّ» بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ وَالنُّونِ أَرَادَ الْهَمْزَةَ فَنَقَلَ فَتْحَهَا إِلَى السِّينِ وَخَزَلَ الْهَمْزَةَ تَخْفِيفًا فِي النَّهْيِ كَمَا يُحْذَفُ فِي الْأَمْرِ «سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ» فَاعْرَفْ ذَلِكَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ﴾. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر مُضَافًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ وَكَسَرُوُا الْمِيمَ، وَكَذَلِكَ: «مِنْ فَزَعٍ يَوْمِئِذٍ» وَ «مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ» فَعَلَامَةُ الْخَفْضِ فِي كُلِّ هَذَا كَسْرَةُ الْمِيمِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ «مِنْ فَزَعٍ» مُنَوَّنًا وَنَصَبَ «يَوْمِئِذٍ» فَمَنْ نَوَّنَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا النَّصْبُ، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْ جَازَ الْخَفْضُ وَالنَّصْبُ، فَمَنْ نَصَبَ مَعَ تَرْكِ التَّنْوِينِ فَلَهُ حُجَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا:

стр. 167

أَنَّهُ جَعَلَ «يَوْمَ» مَعَ: «إِذٍ» بِمَنْزِلَةِ اسْمَيْنِ جُعِلَا اسْمًا وَاحِدًا كَقَوْلِكَ: خَمْسَةَ عَشَرَ فَفَتَحَهُ لِذَلِكَ. وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْإِضَافَةَ لَا تَصِحُّ إِلَى الْحُرُوفِ وَلَا إِلَى الْأَفْعَالِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِضَافَةُ «يَوْمَ» إِلَى «إِذٍ» غَيْرَ مَحْضَةٍ فَتَحَ. وذلك أنه فِي أَسْمَاءِ الزَّمَانِ مُطَّرِدٌ شَائِعٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ كَذَلِكَ قَرَأَهَا نَافِعٌ نَصْبًا، لِأَنَّ إِضَافَةَ «يَوْمَ» إِلَى «يَنْفَعُ» غير محضة قَالَ الشَّاعِرُ: عَلَى حِينَ عَايَنْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... وَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ الْحَرْفَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ مَنْصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ: «مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ» وَ «مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ» إِلَّا أَنَّ مَنْ نَوَّنَ «مِنْ فَزَعٍ» نَصَبَ يَوْمَئِذٍ. وَرَوَى قَالُونٌ، عَنْ نَافِعٍ ثَلَاثَهُمَا مَنْصُوبَةً غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ. وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْهُ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو. وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ إِذَا لَفَظَ بِقَوْلِهِ: «وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ» أَنْ يُشْبِعَ كسرة الياء الأولى بعد سكون الزاي لمجيء الْيَاءِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ فِي إِخْرَاجِهَا كُلْفَةً. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: أَلَمْ تَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وَنَظِيرُهُ مِنَ الْقُرْآنِ. فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الظُّرُوفَ مَنْصُوبَةٌ كُلُّهَا، لِأَنَّهَا مَفْعُولَاتٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُكْسَرُ بَعْضُهَا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ جَرٍّ، كَقَوْلِكَ: رَكِبْتُ الْيَوْمَ عِنْدَكَ، ثُمَّ تَقُولُ: رَكِبْتُ فِي الْيَوْمِ مِنْ عِنْدِكَ، فَكَذَلِكَ «مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ» وَإِنَّمَا جَازَ فَتْحُهَا لِمَا ذَكَرْتُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ مَنْصُوبٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ فَاعْرَفْ ذَلِكَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، جَعَلَاهُ اسْمًا لِقَبِيلَةٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ عِلَّتَانِ: التَّعْرِيفُ وَالتَّأْنِيثُ امْتُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «أَلَا إِنَّ ثَمُودًا» مُنَوَّنًا «وَعَادًا وَثَمُودًا وَأَصْحَابَ الرَّسِّ» وَكَذَلِكَ فِي الْعَنْكَبُوتِ: «وثَمُودًا وَقَدْ تَبَيَّنَ» مُنَوَّنَاتٍ، وَاخْتَلَفَ فِي آخِرِ

стр. 168

وَالنَّجْمِ، وَقَرَأَ يَحْيَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ غَيْرَ مُنَوَّنٍ، «وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى» وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَنْهُ مُنَوَّنًا، فَمَنْ نَوَّنَ هَؤُلَاءِ الْأَحْرُفِ ذَهَبَ إِلَى اتِّبَاعِ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّهُنَّ فِي الْمُصْحَفِ مَكْتُوبَاتٍ بِالْأَلِفِ، وَتَرَكُوا سَائِرَ الْقُرْآنِ غَيْرَ مُجْرًى، فَمَنْ صَرَفَهُ جَعَلَهُ اسْمًا مُذَكَّرًا لِحَيٍّ أَوْ رَئِيسٍ، وَيَجُوزُ لِمَنْ صَرَفَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ اسْمًا عَرَبِيًّا، فَيَكُونُ ثَمُودُ فَعُولًا مِنَ الثَمَدِ وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ، وَجَمْعُهُ أَثْمَادٌ، قَالَ النَّابِغَةُ». وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ ... إِلَى حَمَامٍ شِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ وَيُقَالُ: رَجُلٌ مَثْمُودٌ أَيْضًا مَشْفُوهٌ: إِذَا كَثَّرَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَعْرُوفِ وَيُقَالُ: رَجُلٌ مَثْمُودٌ: إِذَا نَزَفَتِ النِّسَاءُ مَاءَهُ فِي الْجِمَاعِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ أَرْبَعَتُهُنَّ مُنَوَّنَاتٍ اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ أَيْضًا. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾. فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ فَهَلَّا نُوِّنَ كَمَا نُوِّنَ سَائِرُ الْمَنْصُوبَاتِ؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَإِنَّمَا أَرَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الِاسْمَ مُنَوَّنًا فَإِذَا اسْتَقْبَلَهُ أَلِفٌ وَلَامٌ جَازَ تَرْكُ التَّنْوِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ: إِذَا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا أَرَادَ: «غُطَيْفٌ»، فَكَأَنَّ ثَمُودَ أَكْثَرُ الْعَرَبِ تُتْبِعُ تَنْوِينَهُ إِذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْهُ أَلِفٌ وَلَامٌ، فَكَانَ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ أَلِفٌ وَلَامٌ حُذِفَ التَّنْوِينُ وَاجِبًا. وَزَادَ الْكِسَائِيُّ عَنْ أَبِي عمرو وأصحابه حرفا خامسا «إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ» فَقَالَ: إِنَّمَا أَجْرَيْتُ الثَّانِي لِقُرْبِهِ مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ اسْتَوْحَشَ أَنْ يُنَوِّنَ اسْمًا وَاحِدًا وَيَدَعَ التَّنْوِينَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁، وَقَدْ جَوَّدَ، لِأَنَّ أَبَا عَمْرٍو سُئِلَ لِمَ شَدَّدْتَ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾. وَأَنْتَ تُخَفِّفُ يُنَزِّلَ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لِقُرْبِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «قَالَ سِلْمٌ» بِكَسْرِ السِّينِ وَجَزْمِ اللَّامِ.

стр. 169

وَكَذَلِكَ فِي الذَّارِيَاتِ جَعَلَاهُ مِنَ السِّلْمِ وَهُوَ الصُّلْحُ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسِّلْمِ﴾ مِثْلَهُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ» بِالْأَلِفِ جَمِيعًا جَعَلُوهُ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ، وَمَعْنَاهُ: قَالُوا: تَسَلَّمْنَا مِنْكُمْ تَسَلُّمًا كَمَا تَقُولُ: لَا يَكُنْ مِنْ فُلَانٍ إِلَّا سَلَامًا بِسَلَامٍ أَيْ: مُبَايِنًا لَهُ مُتَارِكًا، فَالْأَوَّلُ: نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَالثَّانِي: رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالتَّقْدِيرُ: قَالُوا إِنَّا سَلَامٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «يَعْقُوبَ» بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، فَمَنْ نَصَبَ جَعَلَهُ عَطْفًا عَلَى ﴿وَبَشَّرْنَاهُ﴾ كَأَنَّهُ جَعَلَ الْكَلَامَ بِمَعْنَى الْهِبَةِ، أَيْ: وَهَبْنَا لَهُ يَعْقُوبَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيُّونَ: مَنْ قَرَأَ: ﴿مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. فَمَوْضِعُهُ خَفْضٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ، وَهَذَا غَلَطٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، لِأَنَّكَ لَا تَعْطِفُ عَلَى عَامِلَيْنِ، مُحَالٌ أَنْ تَقُولَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ فِي الدَّارِ وَالْحُجْرَةِ عَمْرٍو، وَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ ابْتِدَاءً. وَالْوَرَاءُ هَاهُنَا، وَلَدُ الْوَلَدِ، قَالَ: أَقْبَلَ الشَّعْبِيُّ وَمَعَهُ ابْنُ ابْنٍ لَهُ فَقِيلَ: أَهَذَا ابْنُكَ؟ فَقَالَ: هُوَ ابْنِي مِنَ الْوَرَاءِ، أَيْ: مِنْ وَلَدِ وَلَدِي، فَالْوَرَاءُ يَكُونُ قُدَّامًا وَخَلْفًا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أَيْ: أَمَامَهُمْ، أَمَّا الْوَرَى، مَقْصُورٌ فَالْخَلْقُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: لَا أَدْرِي أَيَّ الْوَرَى هُوَ؟ وَأَيَّ الطَّمْشِ هُوَ؟ وَأَيَّ الطَّبْلِ؟ وَأَيَّ تُرْحُمٍ هُوَ؟ أَيْ: أَيُّ الْخَلْقِ؟ وَالْوَرَى مَقْصُورٌ أَيْضًا دَاءٌ فِي الْجَوْفِ عِنْدَ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْوَرَى، سَاكِنٌ مِثْلَ الدَّمْيِ، وَيُنْشِدُ: قَالَتْ لَهُ وَرْيًا إِذَا تَنَحْنَحْ ... يَا لَيْتَهُ يُسْقَى عَلَى الذُّرَحْرَحْ فَخَطَّأَهُ سَائِرُ النَّحْوِيِّينَ، وَقَدْ وَجَدْتُ لِلفْرَّاءِ حُجَّةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِي مَثَلٍ لَهَا: «بِفِيهِ الْبَرَى وَرَمَاهُ اللَّهُ بِالْوَرَى» بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» وَقَالَ عَبْدُ بَنِي الْحَسْحَاسِ: وَرَاهُنَّ رَبِّي مِثْلَ مَا قَدْ وَرَيْنَنِي ... وَأَحْمَى عَلَى أَكْبَادِهِنَّ الْمَكَاوِيَا فَلَوْ كُنْتُ وَرْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْنَنِي ... وَلَكِنَّ رَبِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا

стр. 170

تَقُولُ الْعَرَبُ لِلشَّيْخِ إِذَا سَعَلَ: وَرْيًا وَقُحَابًا، وَلِلصَّبِيِّ إِذَا عَطَسَ: عُمْرًا وَشَبَابًا، يَدْعُونَ لَهُ بِالْبَقَاءِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ «فَاسْرِ بِأَهْلِكَ» بِوَصْلِ الْأَلِفِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ مِنْ سَرَى يَسْرِي. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ» بِقَطْعِ الْأَلِفِ مِنْ أَسْرَى يُسْرِي وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ نَزَلَ بِهِمَا الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. وَهَذِهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَطَعَ، وَقَالَ: «وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ» هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ وَصَلَ وَهَذَا الْبَيْتُ يُنْشَدُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشَّمَالَ عَلَيْهَا جَامِدَ الْبَرَدِ وَيُرْوَى: «سَرَتْ إِلَيْهِ» وَالسُّرَى: سَيْرُ اللَّيْلِ خَاصَّةً، وَلَا يَكُونُ بِالنَّهَارِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، يُقَالُ: هَذِهِ سُرًى. وَأَخْبَرَنِي بِذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَالَ آخَرُ: سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ ... وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ وَقَالَ آخَرُ: سَرَى لَيْلًا خَيَالًا مِنْ سُلَيْمَى ... فَأَرَّقَنِي وَأَصْحَابِي هُجُودُ وَقَدْ فَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ سَرَى وَأَسْرَى مِنْهُمْ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، فَقَالَ: سَرَى مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَسْرَى مِنْ آخِرِهِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ «إِلَّا امْرَأَتُكَ» عَلَى مَعْنَى: وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ فَإِنَّهَا سَتَلْتَفِتُ، فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ لُوطٍ، وَإِنَّمَا أَمْطَرَ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ لِأَنَّهَا خَالَفَتْ فَالْتَفَتَتْ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «إِلَّا امْرَأَتَكَ» جَعَلُوهَا اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمَرْأَةُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ لُوطٍ وَ (قِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ تَقُولُ العرب: جاءنا زيد بعد ما هَدَأَتِ الرِّجْلُ، وَبَعْدَ هَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَعْدَ سَعْوَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَعْدَ مِينَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَعْدَ قِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَعْدَ طَبِيقٍ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ الشَّاعِرُ: عُمَيْرَةُ مَا يُدْرِيكِ أَنْ رُبَّ مُهْجَعٍ ... تَرَكْتُ وَمِنْ لَيْلِ التِّمَامِ طَبِيقُ وَقَدْ غَارَ لَحْمٌ بَعْدَ لَحْمٍ وَقَدْ دَنَتْ ... أَوَاخِرُ أُخْرَى فَاسْتَقَلَّ فَرِيقُ

стр. 171

- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ «سُعِدُوا» بِضَمِّ السِّينِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، جَعَلَاهُ مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ كَقَوْلِكَ: نَزَحَتِ الْبِئْرُ وَنَزَحْتُهَا، وَجَبَرَ اللَّهُ فُلَانًا فَجَبَرَ هُوَ وَيُنْشِدُ قَوْلَ الْعَجَّاجِ: قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجَبَرْ ... وَعَوَّرَ الرَّحْمَنُ مَنْ وَلَّى الْعَوَرْ فَكَذَلِكَ: سُعِدَ زَيْدٌ، وَسُعِدَهُ اللَّهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: رَجُلٌ مَسْعُودٌ مِنْ سُعِدَ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «سَعِدُوا» بِفَتْحِ السِّينِ، وَحُجَّتُهُمْ: أَمَّا ﴿الَّذِينَ شَقُوا﴾، وَلَمْ يَقُلِ اشْقُوا، وَالِاخْتِيَارُ إِذَا رَدَدْتَ سَعِدَ إِلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَنْ تَقُولَ أَسْعَدَ فُلَانٌ، لِأَنَّكَ تَقُولُ: سَعِدَ زَيْدٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، كَمَا تَقُولُ: قَامَ زَيْدٌ وَأَقَامَهُ اللَّهُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الْكِسَائِيُّ «وَإِنَّ» مُشَدَّدًا «لَمَا» خَفِيفًا. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا» شَدَّدُوا «إِنَّ» وَ «لَمَّا» كِلَيْهِمَا. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «وَإِنْ» خَفِيفًا وَ «لَمَا» خَفِيفًا إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ شَدَّدَ «لَمَّا» فَمَنْ خَفَّفَ، «إِنَّ» جَعَلَهُ مُخَفَّفًا مِنْ مُشَدَّدٍ فَلِذَلِكَ نَصَبَ «كُلًّا» بِهِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ، إِنْ زَيْدًا قَائِمٌ، يُرِيدُونَ: إِنَّ زَيْدًا، قَالَ الشَّاعِرُ: وَصَدْرٍ مُشْرِقِ اللَّوْنِ ... كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ أَرَادَ: كَأَنَّ «فَخَفَّفَ، هَذَا مَذَهْبُ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْكُوفِيُّونَ إِذَا خَفَّفُوا «إِنَّ» لَمْ يُعْمِلُوا فَعْلَى هَذَا نَصَبَ «كُلًّا» بِ «لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» وَقَالَ آخَرُ: فَلَوْ أَنْكِ فِي يَوْمِ الرَّخَاءِ سألتني ... فراقك لم أبخل وأنت صديق أراد: أَنَّكَ فَخَفَّفَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا نَصَبْتَهُ بِ «أَنَّ» تَشْبِيهًا بِالْفِعْلِ فَإِذَا خَفَّفْتَ زَالَ شَبَهُ الْفِعْلِ فَلِمَ نَصَبْتَ بِهَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا يُحْذَفُ مِنْهُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ التَّامِّ كَقَوْلِكَ: خُذِ الْمَالَ، وَقُلِ الْحَقَّ، وَمُرْ زَيْدًا، وَسَلْ عَمْرًا وَعِ كَلَامِي، وَشِ ثَوْبَكَ، وَقِ زَيْدًا فَكَذَلِكَ «إِنْ» جَازَ حَذْفُهَا وَإِعْمَالُهَا.

стр. 172

وَأَمَّا مَنْ شَدَّدَ «لَمَّا» فَفِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: «لَمَّا» بِمَعْنَى «إِلَّا»، وَمِثْلُهُ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أَيْ: إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ. وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّغَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ هَارُونَ قَالَ فِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ «وَإِنْ كُلٌّ» بِالرَّفْعِ «إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ: وَإِنْ كُلًّا لَمِنْ مَا، فَقَلَبُوا مِنَ النُّونِ مِيمًا فَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ فَحَذَفُوا إِحْدَاهُنَّ اخْتِصَارًا. وَمَنْ خَفَّفَ فِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا. قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: «مَا» صِلَةٌ وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنْ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَإِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْهَا حَافِظٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: «مَا» صِفَةٌ مِنْ ذَاتِ الْآدَمِيِّينَ كَمَا تَقُولُ: عِنْدِي لَمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ. وَقَرَأَ الْأَزْهَرِيُّ: «وَإِنْ كُلًّا لَمَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ»، «لَمَّا» مُنَوَّنًا بِمَعْنَى جَمِيعًا وَكُلُّهُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ «يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ بِمَعْنَى: يُرَدُّ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيْهِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ««يَرْجِعُ» أَيْ: يَصِيرُ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ لَمْ يَقُلْ: تُصَارُ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِذَا رُدَّ إِلَى اللَّهِ رَجَعَ هُوَ، كَمَا تَقُولُ أَجْلَسْتُ زَيْدًا فَجَلَسَ هُوَ، وَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَدَخَلَ هُوَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. قَرَأَهَا نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ غَيْبٍ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَاءَ إِضَافَةٍ اخْتَلَفُوا فِي ثَمَانِيَةَ عَشْرَ مِنْهَا: «إِنِّي أَخَافُ» وَ «عَنِّي أَنَّهُ» وَ «إِنِّي أخاف» و «لكني أَرَاكُمْ» وَ «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا» وَ «إِنِّي إذا» و «نُصْحِي إِنْ أَرَدْتَ» وَ «إِنِّي أَعِظُكَ» وَ «إني أعوذ» و «أجري» و «إلا الذي فطرني» و «فإني ﴿أشهد الله»، «في ضيفي أليس» و «إني أراكم» و «إني أخاف» و «شقاقي» و «أرهطي» و «توفيقي».

стр. 173

فَتَحَهُنَّ كُلَّهُنَّ نَافِعٌ، وَكَذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو إِلَّا حَرْفَيْنِ فَإِنَّهُ أَسْكَنَهُمَا «فَطَرَنِي» وَ «إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ». وَفَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ مِنْهَا تِسْعًا «إِنِّيَ أَخَافُ» وَ «إِنِّيَ أَخَافُ» وَ «لَكِنِّيَ أَرَاكُمْ» وَ «إِنِّيَ أَرَاكُمْ» وَ «إِنِّيَ أَعُوذُ» وَ «فَطَرَنِيَ أَفَلَا» وَ «شِقَاقِيَ» وَ «أَرَهْطِيَ» وَ «إِنِّيَ أَخَافُ». أَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ فَفَتَحَ «إِنِّيَ أراكم» «ولكني أراكم» و «فطرني أفلا». وَفَتَحَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ «أَجْرِيَ إِلَّا» وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ «يَا بُنَيَّ ارْكَبْ». وَأَسْكَنَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ سَائِرَ ذَلِكَ. وَابْنُ عَامِرٍ فَتَحَ «تَوْفِيقِيَ» وَ «أَجْرِيَ» وَ «أَرَهْطِيَ» برواية ابن ذكوان. وقوله تعالى: ﴿ولا تخزون فِي ضَيْفِي﴾. قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ وَابْنِ جَمَّازٍ «تَخْزُونِي» بِيَاءٍ فِي الْوَصْلِ، وَوَقْفٍ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَكَذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو وَحَذَفَ الْبَاقُونَ الياء وصلوا ووقفوا (١).

стр. 174

ومن السورة التي يذكر فيها يوسف ﵇ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «يَا أَبَتِ» بِفَتْحِ التَّاءِ، أَرَادَ، يَا أَبَتَاهُ فَرَخَّمَ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يَا أَبَتِ» بِكَسْرِ التَّاءِ، أَرَادُوا: يَا أَبَتِي فَحَذَفُوُا الْيَاءَ لِلنِّدَاءِ، كَمَا تَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي. وَوَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، «يَا أَبَهْ» وَالْبَاقُونَ يَقِفُونَ بِالتَّاءِ. وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: يَا أَبَهْ وَيَا أَبِي سَوَاءٌ، وَيَا عَمَّهْ وَيَا عَمِّي، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ، يَا أَبَهْ ثُمَّ رَخَّمَ الْهَاءَ ثُمَّ رَدَّهَا وَتَرَكَهَا عَلَى فَتْحِهَا، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: يَا طَلْحَةُ أَقْبِلْ، يُرِيدُونَ يَا طَلْحُ، فَلَمَّا رَخَّمُوُا الْهَاءَ رَدُّوهَا بَعْدَ أَنْ حَذَفُوهَا وَتَرَكُوهَا مَفْتُوحَةً لِفَتْحَةِ الْهَاءِ، قَالَ النَّابِغَةُ: كِلِينِي لِهَمٍّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الْكَوَاكِبِ أَرَادَ: يَا أُمَيْمَ، ثُمَّ رَدَّ الْهَاءَ وَتَرَكَ الْهَاءَ مَفْتُوحَةً، فَهَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: أَرَادَ: يَا أُمَيْمَتَاهُ، قَالَ الرَّاجِزُ: فَيَا أبي ويا أبه حسنت إلا الرقبه ... فحسننها يا أبه كيما تجيء الخطبه بإبل مجبجبه لِلْفَحْلِ فِيهَا قَبْقَبَهْ - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «آيَةٌ». وَالْبَاقُونَ «ءَايَاتٌ» جَمْعًا، لِأَنَّ أَمْرَ يُوسُفَ ﷺ وَشَأْنَهُ وَحَدِيثَهُ كَانَ فِيهِ عِبَرٌ وَآيَاتٌ، وَمَنْ وَحَّدَ جَعَلَ كُلَّ أُمُورِهِ عِبْرَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ الْوِاحِدَةُ تَنُوبُ عَنِ الْجَمِيعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾. فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ احْتَجَّ أَنَّهُ كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ بِالتَّاءِ، فَهَذِهِ التَّاءُ عَلَامَةُ الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ، وَالتَّاءُ الَّتِي فِي قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ تَاءُ التَّأْنِيثِ فَقَطْ، وَقِيلَ: الْيَاءُ أَلِفَانِ لَفْظًا وَإِنْ كَانَ الْخَطُّ بألف واحد، فَأَجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّ الْأَلِفَ الْأُولَى فَاءُ الْفِعْلِ أَصْلِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ فِي آيَةٍ: أَيَيَةٌ،

стр. 175

فَقَلَبُوُا الْيَاءَ أَلِفًا كَرَاهَةَ التَّشْدِيدِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: وَزْنُهَا فَاعِلَةٌ عَلَى وَزْنِ دَابَّةٍ، وَالْأَصْلُ آيِيَةٌ، وَدَابِبَةٌ فَالْأَلِفُ الثَّانِيَةُ مَحْمُولَةٌ كَالْأَلِفِ فِي ضَارِبَه، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْأَصْلُ أَيَيَةٌ فَقَلَبُوُا الْيَاءَ الْأُولَى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. - وقوله تعالى: ﴿مُبِينٍ اقْتُلُوا﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ بِضَمِّ التَّنْوِينِ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوُا الْخُرُوجَ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ، فَأَتْبَعُوُا الضَّمَّ الضَّمَّ. وَالْبَاقُونَ: «مُبِينٍ اقْتُلُوا» بِكَسْرِ التَّنْوِينِ، لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ مِثْلَ: ﴿أَحَدٌ الله الصمد﴾. - وقوله تعالى: ﴿إن كنتم للرءيا تَعْبُرُونَ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ «لِلرُّؤْيَا» بِالْإِمَالَةِ بِالْيَاءِ، وَأَلِفِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ «رُؤْيَا» فَعَلَى بِمَنْزِلَةِ حُبْلَى وَبُشْرَى. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَفْخِيمِ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ. وَرَوَى أَبُو الْحَارِثِ عَنِ الْكِسَائِيِّ، «لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ» بِالْفَتْحِ وَ «لِلرُّؤْيَا» بِالْكَسْرِ فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ أَنَّ النَّصْبَ وَالْجَرَّ، يُبَيَّنَانِ فِيهَا فَيَفْتَحُ «لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ» لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَأَمَالَ «الرُّؤْيَا» لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، وَذَلِكَ خَطَأٌ، لِأَنَّ الرُّؤْيَا رَفْعُهُ وَنَصْبُهُ وَجَرُّهُ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ مَقْصُورٌ لَا يُتَبَيَّنُ فِيهِ الْإِعْرَابُ، وَإِنْ كَانَ أَمَالَ أَحَدَهُمَا وَفَخَّمَ الْآخَرَ عَلَى أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللُّغَتَيْنِ جَائِزَتَانِ فَقَدْ أَصَابَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿في غيابت الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. فَقَرَأَهَا نَافِعٌ «غَيَابَاتِ» بِالْجَمْعِ، كَأَنَّهُ أَرَادَ ظُلَمَ الْبِئْرِ وَنَوَاحِيَهَا، لِأَنَّ الْبِئْرَ لَهَا غَيَابَاتٌ. وَقَرَأَ الباقي: «فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ» عَلَى التَّوْحِيدِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهُمْ أَلْقُوهُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، لَا فِي أَمْكِنَةٍ، وَجِسْمٌ وَاحِدٌ لَا يَشْغَلُ مَكَانَيْنِ. وَشَاهِدُهُمْ أَيْضًا مَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ علي، عن أبي عبيد قال: في حرف أُبَيٍّ: «وَأَلْقُوهُ فِي غَيْبَةِ الْجُبِّ» فَهَذَا شَاهِدٌ لِمَنْ وَحَّدَ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: «يَلْتَقِطْهُ» فَقَرَأَ الْقُرَّاءُ السَّبْعُ بِالْيَاءِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ، لِأَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، قَرَأَ: «تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ» بِالتَّاءِ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ بَعْضًا وَهُوَ مُذَكَّرٌ، لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى

стр. 176

السَّيَّارَةِ، وَبَعْضُ السَّيَّارَةِ مِنَ السَّيَّارَةِ، كَمَا تَقُولُ: ذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ، لِأَنَّكَ لَوْ قُلْتَ ذَهَبَتْ أَصَابِعُهُ أَوْ تَلْتَقِطْهُ السَّيَّارَةُ فَأَحْلَلْتَ الْأَوَّلَ مَحَلَّ الثَّانِي كَانَ صَوَابًا قَالَ جَرِيرٌ: أَرَى مُرَّ السِّنِينِ أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلَالِ وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا بَعْضُ السِّنِينِ تَعَرَّقَتْنَا ... كَفَى الْأَيْتَامَ فَقْدُ أَبِى الْيَتِيمِ وَلَوْ قُلْتَ تُعْجِبُنِي ضَحِكُ الْجَارِيَةِ كَانَ خَطَأً، لِأَنَّ الضَّحِكَ قَدْ يُعْجِبُكَ وَلَا تُعْجِبُكَ الْجَارِيَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْتَ غُلَامُ الْمَرْأَةِ كَانَ خَطَأً، لِأَنَّ الْغُلَامَ لَيْسَ هُوَ الْمَرْأَةُ، فَقِسْ عَلَى هَذَا مَا يَرِدُ عَلَيْكَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾. قَرَأَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَتُشِمُّهَا الضَّمَّ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ قَرَأَ «تَأْمَنُنَا» بِالْإِظْهَارِ، أَتَى بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَصْلِهَا. وَالْبَاقُونَ أَدْغَمُوا كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ حَرَفَيْنِ مُتَجَانِسَيْنِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ أَيْضًا: «تَأْمَنَّا» مُدْغَمًا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُشِمَّ النُّونَ الضَّمَّةَ، لِأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مُدْغَمٍ يُسْكَنُ ثُمَّ يُدْغَمُ. وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: «تِيمَنَّا» بِكَسْرِ التَّاءِ، هِيَ لُغَةٌ، يَقُولُونَ فِي كُلِّ فِعْلٍ كَانَ الْمَاضِي مِنْهُ عَلَى فَعِلَ بِكَسْرِ أَوَّلِ الْمُضَارِعِ نَحْوَ عَلِمْتَ تِعْلَمُ وَأَمِنْتَ تِيمَنُ. حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَقُولُ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ»، وَأَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ: لَوْ قُلْتَ مَا فِي قَوْمِهَا لَمْ تِيثَمِ ... يَفْضُلُهَا فِي حَسَبٍ وَمِيسَمِ وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ ﵁ أَنَّ مَنْ كَسَرَ التَّاءَ وَالنُّونَ وَالْهَمْزَةَ فِي «تِعْلَمُ وَنِعْلَمُ وَأَنَا أَعْلَمُ»، لَمْ يَقُلْ: زَيْدٌ يِعْلَمُ اسْتِثْقَالًا لِلْكَسْرَةِ عَلَى الْيَاءِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ بِالنُّونِ جَمِيعًا وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالْعَيْنِ، فَمَعْنَى «نَرْتَعْ»، أَيْ: نَتَّسِعُ فِي الْخِصْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّتْعَةِ، وَنَلْعَبْ: نُسَرُّ، فَقِيلَ لِأَبِي عَمْرٍو: وَكَيْفَ يَلْعَبُونَ وَهُمْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُونُوا بِأَنْبِيَاءَ بَعْدُ، يُقَالُ: رَتَعَ يَرْتَعُ وَرُتُوعًا فَهُوَ رَاتِعٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

стр. 177

تَرْتَعُ مَا رَتَعْتَ حَتَّى إِذَا ادَّكَرْتَ ... فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ «نُرْتِعُ» بِضَمِّ النُّونِ، جَعَلَهُ مِنْ «أَرْتَعَ يُرْتِعُ»، وَمَنْ كَسَرَ الْعَيْنَ جَعَلَهُ ارْتَعَيْتُ أَرْتَعِي ارْتِعَاءً، أَنْشَدَنِي ابْنُ دُرَيْدٍ ﵁: إِذَا أَحَسَّ نَبْأَةً رِيعَ وَإِنْ ... تَطَامَنَتْ عَنْهُ تَمَادَى وَلَهَا نُهَالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَرُوعُنَا ... وَنَرْتَعِي فِي غَفْلَةٍ إِذَا انْقَضَى نَحْنُ وَلَا كُفْرَانَ لِلَّهِ كَمَنْ ... قَدْ قيل في السارب أخلى فارتعى رَأَيْتُ غَزَالًا يَرْتَعِي وَسْطَ رَوْضَةٍ ... فَقُلْتُ أَرَى لَيْلَى تَلُسُّ بِهِ زَهْرَا مَعْنَى تَلُسُّ، أَيْ: تَتَنَاوَلُ النَّبَاتَ بِفِيهَا، وَإِنَّمَا كَسَرَ نَافِعٌ الْعَيْنَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ: نَرْتَعِي وَنَلْعَبُ فَسَقَطَتِ الْيَاءُ لِلْجَزْمِ، وَإِنَّمَا انْجَزَمَ، لِأَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ «أَرْسِلْهُ مَعَنَا نَرْتَعْ». وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو، وَقَرَأَ بِالْكَسْرِ مِثْلَ نَافِعٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ» بِالْيَاءِ جَمِيعًا وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَالْيَاءِ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مَهْمُوزًا، وَهُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَذَأَّبَتِ الرِّيحُ: إِذَا أَتَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ. وَجَمْعُ الذِّئْبِ: أَذْؤُبٌ وَذِئَابٌ وَذُؤْبَانٌ، وَذُؤْبَانُ الْعَرَبُ: لُصُوصُهُمْ مُشَبَّهَةٌ بِالذِّئْبِ، لِأَنَّ الذِّئْبَ لِصٌّ، وَيُقَالُ: لِلِّصِّ: الطِّمْلُ، وَيُقَالُ لِلذِّئْبِ: الطِّمْلُ، وَمَنْ تَرَكَ الْهَمْزَةَ فَتَخْفِيفًا كَمَا تُرِكَتِ الْهَمْزَةُ مِنَ الْبِئْرِ، وَهَمَزَهَا آخَرُونَ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: فَبَاتَ يُشْئِزُهُ ثَأْدٌ وَيُسْهِرُهُ ... تَذَاؤُبُ الرِّيحِ وَالْوَسْوَاسُ وَالْهَضَبُ يُشْئِزُهُ: يُقْلِقُهُ، وَالثَّأْدُ: النَّدَى، وَالْوَسْوَاسُ: الْحَرَكَةُ، وَالْهَضَبُ: الْأَمْطَارُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بُشْرَى﴾. قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ «بُشْرَى» جَعَلُوهُ اسْمَ رَجُلٍ. قَالَ أبو عبيدة الِاخْتِيَارُ: «يَا بُشْرَى» لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ رَجُلٍ. وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الْبِشَارَةِ، وَرَدَّهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، فَقَالَ: إِذَا جَعَلْتَهُ مِنَ الْبِشَارَةِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ تُضِيفَهُ إِلَى نَفْسِكَ كما تقول: «يا ويلتى أألد».

стр. 178

قال أبو عبد الله ﵁: أصاب أبو عبيدة، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: يَا عَجَبًا لِهَذَا الْأَمْرِ وَيَا عَجَبِي، وَيَا حَسْرَتَا وَيَا حَسْرَتِي، كُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ، غَيْرَ أَنَّ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيَّ يُمِيلَانِ «يَا بُشْرَى» الرَّاءَ وَالْيَاءَ، وَإِنَّمَا الْمُمَالُ فِي الْحَقِيقَةِ الْأَلِفُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا أَشَرْتُ إِلَى الرَّاءِ بِالْكَسْرَةِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مَا قَبْلَ الْأَلِفِ مُمَالٌ فَقَدْ غَلِطَ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَا بُشْرَايَ» فَأَضَافُوا إِلَى النَّفْسِ، وَفُتِحَتِ الْيَاءُ عَلَى أَصْلِهَا لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ «يَا بُشْرَايْ» وَ «مَثْوَايْ» وَ «مَحْيَايْ» سَوَاكِنُ، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، لِأَنَّ السَّاكِنَ الْأَوَّلَ أَلِفٌ، وَهُوَ حَرْفُ لِينٍ. وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ، قَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ فِيمَا حَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «يَا بُشْرَيَّ هَذَا غُلَامٌ» قَلَبَ الْأَلِفَ يَاءً وَأَدْغَمَ الْيَاءَ في الياء والتشديد من أجل ذَلِكَ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: تَرَكُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِسَبِيلِهِمْ ... فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ وَهَذِهِ اللُّغَةُ كثيرة في طيئ، وَهِيَ لُغَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَيَّ.» - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «هَيْتُ لَكَ» بِضَمِّ التَّاءِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ «هِيتَ لَكَ» بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَابْنُ عَامِرٍ مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ يَهْمِزُ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ، وَأَمَّا هِشَامٌ فَإِنَّهُ قَرَأَ بِضَمِّ التَّاءِ وَالْخِلَافُ مِثْلُهُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «هَيْتَ» وَهِيَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى. وَمَعْنَى «هَيْتَ لَكَ» هَلُمَّ لَكَ فَ «هَيْتَ» وَ «هَلُمَّ» وَ «ادْنُهْ» بِمَعْنًى، قَالَ أَعْرَابِيٌّ يُخَاطِبُ عَلِيَّ بْنَ أبي طالب ﵁: أبلغ أمير المؤمنين أخ ... االعراق إِذَا أَتَيْتَا أَنَّ الْحِجَازَ وَأَهْلَهُ عُنُقٌ ... إِلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا وَإِنَّمَا صَارَ الْفَتْحُ أَجْوَدَ، لِأَنَّ السَّاكِنَ الْأَوَّلَ يَاءٌ كَقَوْلِكَ «كَيْفَ» وَ «أَيْنَ» وَ «لَيْتَ»، وَلَا يُقَالُ: «كَيْفِ» وَ «أَيْنِ» وَ «لَيْتِ»، وَلَوْ قِيلَ لَجَازَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَكْسِرُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَتَفْتَحُ وَتَضُمُّ فَالْفَتْحُ نَحْوَ «أين»، «حَيْثَ» حَكَاهُمَا الْخَلِيلُ

стр. 179

رضي الله عنه، وَبِالضَّمِّ حَيْثُ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِهِ، وَتَقُولُ: جَيْرَ لِأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا كَمَا تَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا. وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عبدان، عن علي، عن أبي عبيد أن ابْنَ أَبِي إِسْحَاقَ قَرَأَ «وَقَالَتْ هَيِتَ لَكَ» بِكَسْرَةِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: «هِئْتُ» بِكَسْرِ الْهَاءِ وَالْهَمْزَةِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قَالَ: قَالَ أَبُو أَحْمَدَ، وَكَانَ لَأْلَاءً وَكَانَ مَعَ الْقُضَاةِ ثُمَّ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ، إِنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَمْرٍو، عَنْ «هِئْتُ لَكَ» قَالَ: نَبْسَى، أَيْ: بَاطِلٌ؟ ! ، أُنْظُرْ مِنَ الْخَنْدَقِ إِلَى أَقْصَى حَجَرٍ بِالشَّامِ هَلْ يَقُولُ أَحَدٌ «هِئْتُ»؟ ! وَلَكِنَّهُ فَعَّلْتُ مِنْ تَهَيَّأْتُ لَكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «هَا أَنَا لَكَ» فَ «هَا» تَنْبِيهٌ، وَرُوِيَ عَنْهُ: «هُيَّتْ لَكَ». فَلِذَلِكَ سَبْعُ قِرَاءَاتٍ «هَيْتَ» وَ «هَيْتُ» وَ «هِيْتَ» وَ «هَيِتَ» وَ «هِئْتُ» وَ «هَا أَنَا» و «هيت». قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، «الْمُخْلِصِينَ» بِكَسْرِ اللَّامِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِالْإِخْلَاصِ كَمَا قَالَ: «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» يُقَالُ: أَخْلَصَ يُخْلِصُ إِخْلَاصًا فَهُوَ مُخْلِصٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مُخْلَصِينَ» بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُمْ مَفْعُولُونَ، اللَّهُ أَخْلَصَهُمْ فَصَارُوا مُخْلَصِينَ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. وَقَدْ شَارَكُوا أَبَا عَمْرٍو وَأَصْحَابَهُ فِي مَرْيَمَ بِكَسْرِ اللَّامِ: «إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا» وَإِنَّمَا كَسَرُوا هَذَا الْحَرْفَ لِيُبَيِّنُوا أَنَّ اللُّغَتَيْنِ جَائِزَتَانِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «حَاشَا» بِأَلْفِ وَصْلٍ أَوْ وَقْفٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «حَاشَ لِلَّهِ» بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي الْوَصْلِ، وَيَجِبُ فِي قِرَاءَتِهِمْ أَنْ يَقِفُوا بغير ألف، لأن مُصْحَفَ عُثْمَانَ وَابْنَ مَسْعُودٍ ﵄: «حَاشَ لِلَّهِ» بِغَيْرِ أَلِفٍ فِيهِمَا، كَمَا قَالَ أبو عبيدة عَنْ أَبِي تَوْبَةَ، عَنِ الْكِسَائِيِّ، قَالَ: فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَلْفٍ، قَالَ: وَذَهَبَ أَبُو عَمْرٍو إِلَى مَحْضِ الْفِعْلِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: حاشى يحاشي

стр. 180

مُحَاشَاةً فَهُوَ مُحَاشٍ: إِذَا اسْتُثْنِىَ كَقَوْلِكَ: جَاءَنِي الْقَوْمُ حَاشَى زَيْدٍ، قَالَ النَّابِغَةُ: وَمَا أُحَاشِي مِنَ الْأَقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ وَقَالَ الْحُذَّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: جَاءَنِي الْقَوْمُ حَاشَ زَيْدًا، أَيْ: نَحَّيْتُ زيدا عنه، كما تقول: أنا في حشى فلان، وذرى فُلَانٍ، وَفِي ظِلِّ فُلَانٍ، أَيْ: فِي نَاحِيَتِهِ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: «وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ». مَعْنَاهُ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: حَاشَى زَيْدٍ، وَحَاشَ زَيْدٍ، وَحَاشَ لِزَيْدٍ، وَحَشَى لِزَيْدٍ، لُغَةٌ خَامِسَةٌ. - قوله تَعَالَى: ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾. رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «دَأَبًا» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «دَأْبًا» سَاكِنَةً، وَهُمَا لُغَتَانِ: الدَّأْبُ وَالدَّأَبُ مِثْلَ النَّهْرِ وَالنَّهَرِ وَالسَّمْعِ وَالسَّمَعِ «وَيَوْمَ ظَعْنِكُمْ» وَ «ظَعَنِكُمْ» وَكُلُّ اسْمٍ كَانَ ثَانِيهِ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ جَازَ حَرَكَتُهُ وَإِسْكَانُهُ، وَقَدْ شَرَحْتُ ذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْمَعِزِ اثْنَيْنِ﴾. وَالدَّأْبُ فِي الشَّيْءِ: الْمُلَازَمَةُ وَالْعَادَةُ يُقَالُ: مَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبُهُ وَدَيْدَنُهُ وَدَيْنُهُ وَعَادَتُهُ وَاهَجِيرَاهُ وَهِجِّيرَاهُ وَأَجْرَيَاهُ وَأَجْرِيَاؤُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالِاخْتِيَارُ: الِإسْكَانُ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى إِسْكَانِ الْهَمْزَةِ فِي قَوْلِهِ: «كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ» وَهَذَا مِثْلُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الدَّأْبُ: الِاسْمُ، وَالدَّأَبُ: الْمَصْدَرُ، قَالَ الْكُمَيْتُ: هَلْ تُبَلِّغُنِيكُمُ الْمُذَكِّرَةُ ال ... وَجْنَاءُ وَالسَّيْرُ مني الدأب وفيها قراءة ثالثة: كان أبو عمرو إِذَا أَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَهْمِزْ «سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا.» قَدْ ذَكَرْتُ عِلَّةَ ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الْكِتَابِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: «تَعْصِرُونَ» بِالتَّاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ قَرَأَ عِيسَى الْأَعْرَجُ: «وَفِيهِ يُعْصَرُونَ» أَيْ: يُمْطَرُونَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾. فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَمَعْنَاهُ: يَعْصِرُونَ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً الزَّيْتَ وَالْعِنَبَ. ومن قرأ بالتاء فمعناه: يلجئون إِلَى الْعَصْرِ وَهُوَ الْمَلْجَأُ وَالْمَوْئِلُ وَالْوَزَرُ، وَيَنْجُونَ مِنَ النَّجَاةِ، قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ.
следующие страницы →