Полный текст (555 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ «قَتَّلُوا» بِالتَّشْدِيدِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفًا، فَمَنْ شَدَّدَ أَرَادَ تَكْرِيرَ الْفِعْلِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ قَتَّالٌ: إِذَا قَتَلَ عَوْدًا بَعْدَ بَدْءٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ «حَصَادِهِ» بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ: الْحَصَادُ وَالْحِصَادُ وَالْجَذَاذُ وَالْجِذَاذُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ «مِنَ الْمَعَزِ» بِفَتْحِ الْعَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَالْأَصْلُ: الْإِسْكَانُ، وَإِنَّمَا جَازَ الْفَتْحُ، لِأَنَّ فِيهَا حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ وَهِيَ الْعَيْنُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالتَّاءِ وَالرَّفْعِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةُ بِالتَّاءِ وَالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ وَالنَّصْبِ، وَقَدْ فَسَّرْتُ وَجْهَ التَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ وَالنَّصْبِ قَبْلَ هَذَا، فَأَمَّا الرَّفْعُ هَاهُنَا فَرَدِيءٌ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّ بَعْدَهُ «دَمًا مَسْفُوحًا». بِالنَّصْبِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «تَذَّكَّرُونَ» بِالتَّشْدِيدِ، وَكَذَلِكَ «يَذَّكَّرُونَ» وَ «يَذَّكَّرُ» بِتَشْدِيدِ الذَّالِ وَالْكَافِ عَلَى مَعْنَى يَتَذَكَّرُونَ، فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الذَّالِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ كَذَلِكَ إِلَّا قَوْلَهُ فِي مَرْيَمَ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾.
فَإِنَّهُمْ خَفَّفُوهُ جَعَلُوهُ مِنْ ذَكَرَ يَذْكُرُ لَا مِنْ تَذَكَّرَ يَتَذَكَّرُ، وَذَكَرْتُ وَتَذَكَّرْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «يَذَّكَّرُونَ» مُشَدَّدًا وَ «تَذَكَّرُونَ» مُخَفَّفًا فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، أَرَادَ: تَتَذَكَّرُونَ فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «وَإِنَّ هَذَا» بِالْكَسْرِ على الاستئناف.
وقرأ الباقون «أن هَذَا» بِالْفَتْحِ عَلَى مَعْنَى ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، وَبِ «أَنَّ»، فَيَكُونُ عَلَى
стр. 107
هَذَا التَّأْوِيلِ نَصْبًا وَخَفْضًا.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «وَأَنَّ هَذَا» بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ النُّونِ «صِرَاطِي» بِفَتْحِ الْيَاءِ.
وَالْبَاقُونَ يُسْكِنُونَ الْيَاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهَا لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا هَمْزَةٌ، وَلِأَنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ طَالَتْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «فَارَقُوا» بِالْأَلِفِ، ذَهَبَا إِلَى قِرَاءَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: فَارَقُوهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «فَرَّقُوا» وَحُجَّتُهُمْ ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أَيْ: صَارُوا أَحْزَابًا وَفِرَقًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ «قَيِّمًا» مُشَدَّدًا، فَحُجَّتُهُمْ ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قِيَمًا» بِكَسْرِ الْقَافِ وَالتَّخْفِيفِ، جَمْعُ قيمة وقيم مثل حيلة وحيل.
- وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «وَمَحْيَايْ» سَاكِنًا جَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، وَإِنَّمَا صَلُحَ، لِأَنَّ الْأَلِفَ حَرْفُ لِينٍ، كَمَا قَرَأَ أَبُو عمرو «واللاي يَئِسْنَ» وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «وَمَحْيَايَ» مِثْلَ هُدَايَ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، فَفَتْحُ الْيَاءِ عَلَى أَصْلِهَا، لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ.
وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، وَالْأَمْرُ وَاحِدٌ، لِأَنَّكَ تُرِيدُ جَمَاعَةَ الْمَلَائِكَةِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
فِي هَذِهِ السُّورَةِ ثَمَانِي يَاءَاتٍ إِضَافَةٍ: «إِنِّي أَخَافُ» «إِنِّي أَرَاكَ» فَتَحَهُمَا نَافِعٌ، وَأَبُو عُمَرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَسْكَنَهُمَا الْبَاقُونَ. «إِنِّيَ أُمِرْتُ» «وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ» فَتَحَهُمَا نَافِعٌ، «صِرَاطِيَ مُسْتَقِيمًا» فَتَحَهَا ابْنُ عَامِرٍ.
«رَبِّيَ إِنِّي» فَتَحَهَا نَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَأَسْكَنَهَا الْبَاقُونَ «وَجْهِيَ لِلَّهِ» فَتَحَهَا نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ. وَالِاخْتِيَارُ الْإِسْكَانُ، إِذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا هَمْزَةٌ، غَيْرَ أَنَّ
стр. 108
مَنْ فَتَحَهَا كَرِهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَرْبَعِ كَسَرَاتٍ، كَسْرَةِ الْهَاءِ وَاللَّامِ، وَالْيَاءُ تُعَدُّ بِكَسْرَتَيْنِ (١). стр. 109
ومن السورة التي تذكر فيها
الأعراف
- وقوله تَعَالَى: ﴿مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِتَخْفِيفِ الذَّالِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِهَا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ قَرَأَ: «يَتَذَكَّرُونَ» بِيَاءٍ وَتَاءٍ وَقَدْ بَيَّنْتُ عِلَّةَ ذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ خَارِجَةَ «مَعَائِشَ» بِالْهَمْزَةِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ.
فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: إِنَّهَا هَمْزَةُ لَحْنٍ، لِأَنَّ الْمِيمَ زَائِدَةٌ وَالْيَاءَ أَصْلِيَّةٌ، وَاحِدُهَا مَعِيشَةٌ، وَالْأَصْلُ: مَعْيِشَةٌ، فَنَقَلُوا كَسْرَةَ الْيَاءِ إِلَى الْعَيْنِ، وَالْيَاءُ أَصْلِيَّةٌ مُتَحَمِّلَةٌ لِلْحَرَكَةِ، فَكَسَرُوا لِلْجَمْعِ، وَإِنَّمَا يُهْمَزُ مِنَ الْيَاءَاتِ مَا كَانَ زَائِدَةً نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
وَالْمِيمُ أَصْلِيَّةٌ، مِنْ مَدَّنْتُ الْمُدُنَ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْيَاءُ بَعْدَ أَلِفٍ فَاجْتَمَعَ سَاكِنَانِ لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنْ حَرَكَةِ أَحَدِهِمَا، فَقَلَبُوا مِنَ الْيَاءِ هَمْزَةً، لِأَنَّهَا أَجْلَدُ مِنَ الْيَاءِ وَأَحْمَلُ لِلْحَرَكَةِ، وَكُسِرَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ هَمْزُ نَظِيرِ «مَعَايِشَ» وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ إِلَّا حَرْفًا وَاحِدًا «مَصَائِبُ» وَأَصْلُهُ مَصَاوِبُ، وَإِنَّمَا هُمِزَ تَشْبِيهًا بِصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ، إِذْ كَانَ لَفْظُهُمَا يُشْبِهُ لَفْظَهُمَا، وَكَذَلِكَ ﴿مَعَايِشَ﴾ مَنْ هَمَزَهَا شَبَّهَهَا بِمَدَائِنَ، وَمَدَائِنُ أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى هَمْزِهَا، وَذَكَرَ الْجَرْمِيُّ، ﵀، فِي كِتَابِ الْأَبْنِيَةِ، أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَدَعُ هَمْزَهَا.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ، فَقَالَ: قَدْ هَمَزُوُا الْيَاءَ فِي بَائِعٍ وَسَائِرٍ وَهِيَ أَصْلِيَّةٌ؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنّ اسْمَ الْفَاعِلِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفِعْلِ فَلَمَّا أَعَلُّوُا الْمَاضِيَ وَالْمُضَارِعَ فِي بَاعَ يَبِيعُ، أَعَلُّوُا الدَّائِمَ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. فَلَا يَجُوزُ هَمْزُ الْيَاءِ، لِأَنَّ الْمَاضِي مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَلٍّ وَهَوُ بَايَعَ يُبَايِعُ، فَلَمَّا صَحَّ الْمَاضِي صَحَّ الْمُسْتَقْبَلُ، وَالْوَقْفُ عَلَى «مَعَايِشَ» ثُمَّ تَبْتَدِئُ ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. لِأَنَّ ﴿قَلِيلًا﴾ يَنْتَصِبُ بِ ﴿تَشْكُرُونَ﴾.
стр. 110
- وقوله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾.
وَفِي الرُّومِ: «وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ» وَفِي الزُّخْرُفِ، وَالْجَاثِيَةِ.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «تَخْرُجُونَ» كُلَّ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِي الْأَعْرَافِ بِالْفَتْحِ وَ «حم» الْبَاقِي.
وَالْبَاقُونَ يَضُمُّونَ كُلَّ ذَلِكَ، فَمَنْ فَتَحَ الْفَاءَ جَعَلَ الْفِعْلَ لَهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ إِذَا بَعَثَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحْيَاهُمْ، وَأَخْرَجَهُمْ خَرَجُوا هُمْ، كَمَا تَقُولُ: مَاتَ فُلَانٌ.
فَتَنْسِبُ الْفِعْلَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَمَاتَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ضَمَّ التَّاءَ لَمْ يُسَمِّ الْفَاعِلَ جَعَلَهُمْ مَفْعُولِينَ مُخْرَجِينَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرُّومِ: ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. وَفِي سَأَلَ سَائِلٌ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾. فَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى فَتْحِهَا، فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرَّحْمَنِ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ﴾.
فَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيُّ: بِالنَّصْبِ.
وَالْبَاقُونَ: بِالرَّفْعِ.
فَمَنْ نَصَبَ جَعَلَهُ مَفْعُولَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لباسا يواري سوآتكم﴾ وَنَسَقَ الثَّانِي عَلَيْهِ وَ ﴿وَلِبَاسَ التَّقْوَى﴾. قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: هُوَ الْحَيَاءُ.
وَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ ابْتَدَاءً «وَخَيْرٌ» خَبَرُهُ «وَذَلِكَ» نَعْتٌ.
وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: «وَلِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ» لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ.
وأَمَّا قَوْلُهُ: «وَرِيشًا» فَأَجْمَعُ الْقُرَّاءُ عَلَى تَرْكِ الْأَلِفِ إِلَّا مَا حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي خَلَّادٍ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، أَنَّهُ قَرَأَ «وَرِيَاشًا» بِالْأَلِفِ، وَرُوِيَتْ عَنِ الْحَسَنِ، الرِّيشُ وَالرِّيَاشُ، يَكُونَانِ اسْمَيْنِ وَمَصْدَرَيْنِ، مِثْلَ: قَالَ قِيلًا، وَيَكُونُ رِيَاشٌ: جَمْعَ رِيشٍ وَمَعْنَاهُ: الشَّارَةُ وَالْحُسْنُ كَذَلِكَ: لُبْسٌ وَلِبَاسٌ.
وَأَخْبَرَنِي ابْنُ دريد، ﵀، عن أبي حاتم، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَعْطَيْتُهُ سَرْجًا وَرَحْلًا بِرِيشِهِ، وَيُقَالُ: قَدْ تَرَيَّشَ فُلَانٌ: إِذَا حَسُنَتْ حَالُهُ، وَقَدْ نَبَتَ رِيشُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ رِيشِ الطَّائِرِ، لِأَنَّ غِنَاهُ وَحَيَاتَهُ بِالرِّيشِ، قَالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ:
стр. 111
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بِطُونَ رَاحِ
سَأَشْكُرُ إِنْ رَدَدْتَ إِلَيَّ رِيشِي ... وَأَنْبَتَّ الْقَوَادِمَ فِي جَنَاحِي
وَيُقَالَ: إِذَا افْتَقَرَ الرَّجُلُ: نُتِفَ رِيشُهُ، قَالَ رُؤْبَةُ:
إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ الْمَعِيشِ ... وَمُرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي
نَتْفَ الْحُبَارَى عَنْ قَرًى رَهِيشِ
وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ هَارُونَ، : «وَلِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ» قَالَ: لِبَاسُ التَّقْوَى أَفْضَلُ مِنَ الْأَثَاثِ.
- وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «خَالِصَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى هِيَ خَالِصَةٌ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ «خَالِصَةً» عَلَى الْقَطْعِ وَالْحَالِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ دُونَهُ، قُلْ:
هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْقِيَامَةِ خَالِصَةً.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبُوَابُ السَّمَاءِ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ: «لَا تُفْتَحُ» بِالتَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَالتَّخْفِيفِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وَالتَّشْدِيدِ.
فَمَنْ أَنَّثَ فَلِتَأْنِيثِ الْأَبْوَابِ، لِأَنَّ كُلَّ جَمْعٍ خَالَفَ الْآدَمِيِّينَ فَهُوَ بِالتَّأْنِيثِ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مُفَتَّحَةٌ لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. وَمَنْ ذَكَّرَ فَلِأَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلِأَنَّهُ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ الْمُؤَنَّثِ وَبَيْنَ فِعْلِهِ بِصِفَةٍ، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ، فَأَمَّا مَنْ شَدَّدَ فَإِنَّهُ مِنَ التَّفْتِيحِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مِثْلَ: قَتَّلَ وَذَبَّحَ، وَمَنْ خَفَّفَ دَلَّ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. أَيْ: لَا يُسْتَجَابُ دعاؤهم، ولا يصعد إلي عَمَلُهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
وَأَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَأَعْمَالُ الْكَافِرِينَ وَأَرْوَاحُهُمْ فِي صَخْرَةٍ تَحْتَ الْأَرَضِينَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ أَيْ: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، لِأَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ فِي السَّمَاءِ، وَالنَّارُ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ.
стр. 112
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِالْيَاءِ أَخْبَرَ عَنْ غَيْبٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَالتَّقْدِيرُ: يَا مُحَمَّدُ: قُلْ لَهُمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِي وَحْدَهُ: «قَالُوا نَعِمْ» بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَذَهَبَ إِلَى حَدِيثٍ روي عن رسول الله ﷺ : «أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِمِنًى فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ: نَعَمْ، وَذَهَبَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَيْضًا: «أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلًا شَيْئًا فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: قُلْ:
نَعِمْ، إِنَّمَا النَّعَمُ الْإِبِلُ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «نَعَمْ» بِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ، وَهُمَا لُغَتَانِ: الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ «نَعَمْ» جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ، وَ «بَلَى» جَوَابُ الْجَحْدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. وَلَا يَجُوزُ نَعَمْ هَاهُنَا: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ بِرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ، وَابْنِ عَامِرٍ «أَنَّ» بِالتَّشْدِيدِ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِالْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ» بِالتَّخْفِيفِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، فَمَنْ خَفَّفَ فَلَهُ مَذْهَبَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخَفِّفَ، كما قال: ﴿ألا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾. أَرَادَ:
أَنَّهُمْ، وَكَقِرَاءَةِ عَاصِمٍ وَنَافِعٍ «وَأَنْ كُلًّا»، أَرَادَ: وَأَنَّ كُلًّا، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَصَدْرٍ مُشْرِقِ النَّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ
أَرَادَ: كَأَنَّ فَخَفَّفَ، فَهَذَا إِنْشَادُ الْبَصْرِيِّينَ ﵏ وَالْكُوفِيُّونَ إِذَا خَفَّفُوا رَفَعُوا:
فَقَالُوا: «كَأَنْ ثَدْيَاهُ» إِلَّا أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مَكْنِيًّا كَقَوْلِهِ:
فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... فراقك لَمْ أَبْخَلْ وَأَنْتِ صَدِيقُ
أَرَادَ: فَلَوْ أَنَّكِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: لَعْنَةُ اللَّهِ فَ «أَنْ» بِمَعْنَى «أَيْ» وَهَذَا حَكَاهُ الْخَلِيلُ ﵁، كَقَوْلِهِ: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ أَيِ:
امْشُوا.
стр. 113
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِرَحْمَةٍ﴾. وَقْفٌ تَامٌّ ثُمَّ يُبْتَدَأُ: ﴿ادْخُلُوُا الْجَنَّةَ﴾. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْحَرْفَ لِأَنَّ الْكِسَائِيَّ إِذَا وَقَفَ عَلَى اسْمٍ مُؤَنَّثٍ نَحْوَ الْآخِرَةِ وَالِقِيَامَةِ وَمِرْيَةٍ وَمَعْصِيَةٍ أَمَالَ مَا قَبْلَ الْأَلِفِ نَحْوَ رَمَى وَقَضَى وَحُبْلَى وَبُشْرَى.
وَالْبَاقُونَ يُفَخِّمُونَ عَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّ مَنْ شَبَّهَ الْهَاءَ بِالْأَلِفِ قَلِيلٌ شَاذٌّ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: هَلْ يَجُوزُ إِمَالَةُ جَمِيعِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْكِسَائِيَّ ذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَحْرُفٍ اللَّوَاتِي قَدَّمْتُ ذِكْرَهُنَّ وَكُلُّ مَا وَرَدَ عَلَيْكَ مِمَّا ضَارَعَهُ أَمَلْتُهُ، نَحْوَ دَابَّةٍ وَحَبَّةٍ، وَأَمَّا شَرَرَةُ، وَبَرَرَةُ فَإِنِّي لَا أُمِيلُ، لِأَنِّي وَجَدْتُ الْأَلِفَ أَصْلًا فِي الْإِمَالَةِ، فَإِذَا كَانَ قَبْلَهَا حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ: الْحَاءُ وَالطَّاءُ وَالظَّاءُ وَالصَّادُ وَالضَّادُ وَالْعَيْنُ وَالْغَيْنُ وَالْخَاءُ وَالْقَافُ امْتَنَعْتُ مِنَ الْإِمَالَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا رَاءٌ نَحْوَ فِرَاشٍ وَسِرَاجٍ، لِأَنَّ الرَّاءَ حَرْفٌ فِيهِ تَكْرِيرٌ فَفَتْحُهَا بِمَنْزِلَةِ فَتْحَتَيْنِ كَمَا كَانَتْ كَسْرَتُهَا بِمَنْزِلَةِ كَسْرَتَيْنِ فِي النَّارِ وَالْأَبْرَارِ وَالْقِنْطَارِ فَلَمَّا امْتُنِعَتِ الْأَلِفُ عَنِ النَّارِ وَالْأَبْرَارُ وَالْقِنْطَارُ لَمَّا تَقَدَّمَتْهَا رَاءٌ كَانَتِ الْهَاءُ الْمُشَبَّهَةُ بِالْأَلِفِ أَمْنَعَ مِنَ الْإِمَالَةِ، فَإِنْ قِيلَ:
هَلَّا تُمِيلُ الطَّامَّةَ كَمَا تُمِيلُ دَابَّةً؟
فَقُلْ: لَا يَجُوزُ لِلطَّاءِ الَّتِي فِيهَا.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَمَلْتَ الْمَعْصِيَةَ؟
فَقُلْ: لِأَنَّ الصَّادَ مَكْسُورَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِعْلَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَمَالَ الْآخِرَةَ وَقَبْلَ الْهَاءِ رَاءٌ؟
فَقُلْ: إِنَّمَا حَسُنَتِ الْإِمَالَةُ لِكَسْرَةِ الخاء، وهذا فصل ما أعلم أَحَدًا عَلَّلَهُ فَأَعْرِفُهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ» بِغَيْرِ وَاوٍ.
وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ.
وَالْبَاقُونَ بِوَاوٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي الْمَائِدَةِ، وَالْأَنْعَامِ مع سائر الحروف.
- وقوله تَعَالَى: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ بِالْإِدْغَامِ لِقُرْبِ الثَّاءِ مِنَ التَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّهُمَا مَهْمُوسَتَانِ إِذًا أَدْغَمْتُهُ أخفيته، وفيها
стр. 114
ضَعْفٌ فَكَانَ الْإِظْهَارُ أَحْسَنَ عِنْدَهُمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «يُغَشِّي» مُشَدَّدًا مِنْ غشى تَغْشِيَةً، وَمَعْنَاهُ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، وَشَاهِدُهُ: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غشى﴾.
وقرأ الباقون بالإظهار «يُغْشِي» خَفِيفًا مِنْ أَغْشَى يُغْشِي إِغْشَاءً وَشَاهِدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْأَنْفَالِ ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ فَقَرَأَهَا نَافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ يُغْشِى.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ عَامِرٍ: «يُغَشِّيكُمْ» مُشَدَّدًا «وَالنُّعَاسَ» مَنْصُوبٌ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَالْأَوَّلُ: الْكَافُ وَالْمِيمُ، وَالْفَاعِلُ: اللَّهُ ، وَغَشَّى وَأَغْشَى بِمَعْنًى مِثْلَ: نَزَّلَ وَأَنْزَلَ وكرم وأكرم، غير أن كرم أبلغ من الكرامة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «إِذْ يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ» فَجَعَلَا الْفِعْلَ لِلنُّعَاسِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَغْشَاهُمُ النُّعَاسَ غَشِيَهُمُ النُّعَاسُ، وَمَعْنَى قَوْلُهُ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾. يَعْنِي: جَعَلَهَا كَذَلِكَ، فَذَلِكَ نَصْبُ قَوْلِهِ: «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مسخرات» على معنى جعل الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عَطْفًا عَلَى مَعْنَى يُغْشِي إِلَّا ابْنَ عَامِرٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْوَاوَ وَاوَ الْحَالِ وَابْتَدَأَ كَمَا تَقُولُ: لَقِيتُ زَيْدًا وَأَبُوهُ خَارِجٌ، أَيْ: أَبُوهُ هَذِهِ حَالُهُ، فَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ» رَفَعَ كُلَّهُنَّ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿يغشي الليل النهار﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «نَشْرًا» بِفَتْحِ النُّونِ، أَيْ: إِحْيَاءً، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافع وأبو عمرو «نُشُرًا» بِضَمِّ النُّونِ وَالشِّينِ، جَعَلُوهُ جَمْعَ رِيحٍ نَشُورٍ، مِثْلَ: امْرَأَةٍ صَبُورٍ، وَالْجَمْعُ نَشْرٌ وَصَبْرٌ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «نُشْرًا» بِضَمِّ النُّونِ وَإِسْكَانِ الشين، أراد: نشرا فخفف مثل:
ورسل، وَالرِّيحُ النَّشُورُ هِيَ: الَّتِي تَهُبُّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَتَجْمَعُ السَّحَابَةَ الْمُمْطِرَةَ فَيُحْيِي اللَّهُ به الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ «بُشْرًا» بِالْبَاءِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ جَعَلَهَا جَمْعَ بَشُورٍ، أَيْ: تُبَشِّرُ بالمطر
стр. 115
مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ وَيَجُوزُ فِي النَّحْوِ وَجْهَانِ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِهِمَا أَحَدٌ بِشْرَى، وَبُشْرَى مِثْلُ حُبْلَى، وَبُشْرَى بِمَعْنَى الْبِشَارَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، وَالرَّحْمَةُ هَاهُنَا:
الْمَطَرُ، وَسُمِّيَ الْمَطَرُ رَحْمَةً، لِأَنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ بِهِ عِبَادَهُ، كَمَا سُمِّيَتِ الْجَنَّةُ رَحْمَةً، إِذْ كَانُوا يَدْخُلُونَهَا بِرَحْمَتِهِ وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ففي رحمت اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وَإِلَى ذَلِكَ وَجَّهَ الفراء قوله تعالى: ﴿إن رحمت اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ إِذْ كَانَتِ الرَّحْمَةُ يَعْنِي بِهَا الْمَطَرَ هَاهُنَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: «قَرِيبٌ» صِفَةٌ لِمَكَانٍ أَيْ: أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ مَكَانٌ قَرِيبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أَيْ زَمَانٌ قَرِيبٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَمَّا كَانَتِ الرَّحْمَةُ تَأْنِيثُهَا غَيْرُ جَائِزٍ جَازَ تَذْكِيرُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَحْوَ ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الْكِتَابِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا ذُكِّرَتِ الرَّحْمَةُ، لِأَنَّكَ إِنَّمَا عَنَيْتَ بِهَا الْغُفْرَانَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ ﵀، وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: إِنَّ قَرِيبًا مِنْكَ الْمَاءُ وَإِنَّ بَعِيدٌ مِنْكَ الْمَاءُ فَيَرْفَعُونَ مَعَ الْبَعِيدِ وَيَنْصِبُونَ مَعَ القريب.
وقال أبو عبيدة: قريب وبعيد لو كانت صِفَتَيْنِ دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا الْهَاءُ وَلَكِنَّهُمَا ظَرْفَانِ وَلَا يُجْمَعَانِ وَلَا يُؤَنَّثَانِ وَأَنْشَدَ:
تُؤَرِّقُنِي وَقَدْ أَمْسَتْ بَعِيدًا ... وَأَصْحَابِي بَعَيْهَمَ أَوْ تَبَالَةَ
عَيْهَمُ وَتَبَالَةُ مَوْضِعَانِ: وَعَيْهَمُ: - فِي غَيْرِ هَذَا - الْجَمَلُ الضَّخْمُ أَنْشَدَنِي ابْنُ عَرَفَةَ:
وَمَنْقُوشَةٍ نَقْشَ الدَّنَانِيرِ عُولِيَتْ ... عَلَى عَجَلٍ فَوْقَ الْعِتَاقِ الْعَيَاهِمِ
الْعَيَاهِمُ: الْمَنْقُوشَةِ الْمَحْمَلِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.
مَا اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ خَلَفًا رَوَى عَنِ الْكِسَائِي أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قوله «من تلقاء نَفْسِي» قَالَ: تِلْقَايْ فَأَمَالَ، وَ «مِنْ نَبَإِي الْمُرْسَلِينَ» «نَبَيْ»، وَإِنَّمَا أَمَالَ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ طَلَبًا لِلْيَاءِ، قَالَ قَوْمٌ: الْيَاءُ الَّتِي هِيَ فِي هِجَاءِ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّهُمَا كَذَلِكَ كُتِبَا، وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ الْإِمَالَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ لَا فِي الْخَطِّ لَكِنَّ الْهَمْزَةَ الْمَكْسُورَةَ إِذَا لُيِّنَتْ وَخُفِّفَتْ لِلْوَقْفِ صَارَتْ فِي اللَّفْظِ يَاءً فَأَمَالَ لِذَلِكَ.
وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، قال:
стр. 116
إِنَّمَا أَمَالَ حَمْزَةُ شَاءَ وَجَاءَ لِأَنَّهُمَا فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ مَكْتُوبَيْنِ بِالْيَاءِ شَايْ وَجَايْ.
وَجَمْعُ تِلْقَاءَ تَلَاقِي، وَقَدْ كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ «مِنْ وَرَايِ حِجَابٍ» بِالْيَاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنُ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «غَيْرِهِ» بِالْخَفْضِ جَعَلَهُ نَعْتًا لِمَا تَقَدَّمَ.
وَالْبَاقُونَ يَرْفَعُونَ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ غَيْرًا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى «إِلَّا» جُعِلَتْ عَلَى إِعْرَابِ مَا بَعْدَ «إِلَّا» وَأَنْتَ قَائِلٌ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ بِالرَّفْعِ وَ «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ» لَوْ جُعِلَتْ مَكَانَ «إِلَّا» «غَيْرُ» رَفَعْتُهُ فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ.
وَحُجَّةٌ أُخْرَى لِمَنْ رَفَعَ أَنْ يَجْعَلَهَا نَعْتَ «إِلَهٍ» قَبْلَ دُخُولِ «مِنْ» وَهِيَ زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ، مَا لَكُمْ إِلَهٌ غَيْرُهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ اخْتَارَ الَّذِينَ رَفَعُوا «غَيْرُ» هَاهُنَا الْخَفْضُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالَكُمْ﴾. فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْكَلَامَ هَاهُنَا نَسَقٌ يَصْلُحُ الْوُقُوفُ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَالْكَلَامُ هُنَاكَ غَيْرُ تَامٍّ، عَلَى أَنْ عِيسَى بْنَ عُمَرَ وَابْنَ أَبِي إسحاق قد رفعا.
وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَا جَاءَنِي غَيْرُكَ بِالنَّصْبِ وَأَنْشَدَ:
لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ فِي غُصُونٍ ذَاتِ أوقال
يقال: تقول فِي النَّخْلَةِ: إِذَا صَعَدَ فِيهَا.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: غَلِطَ الْفَرَّاءُ ﵀، لِأَنَّ «غَيْرَ» هَاهُنَا إِنَّمَا فُتِحَتْ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ مَعَ «أَنْ» فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ فَقَرَأَهَا حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْخَفْضِ، عَلَى النَّعْتِ لِ «خَالِقٍ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التفسير.
- وقوله تعالى: ﴿أبلغكم رسالات ربي﴾.
قرأ أبو عمرو وَحْدَهُ بِالتَّخْفِيفِ، مِنْ أَبْلَغَ يُبْلِغُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾. وَبِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَالِكًا ... أَنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وانتظاري
стр. 117
وَيَقُولُ الْآخَرُ:
أَبْلِغْ أَبَا مَالِكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ... وَفِي الْعِتَابِ حَيَاةٌ بَيْنَ أَقْوَامِ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «أُبَلِّغُكُمْ» مُشَدَّدَةً مِنْ بَلَّغْتُ أُبَلِّغُ مِثْلَ: كَلَّمْتُ أُكَلِّمُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً».
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلَّغْتَ وَأَبْلَغْتَ بِمَعْنًى، وَالِاخْتِيَارُ عِنْدِي: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. إِنَّمَا شَدَّدَ لِلتَّكْرِيرِ، أَيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أُخْرَى، فَإِذَا كَانَ الْإِبْلَاغُ رِسَالَةً وَاحِدَةً، قُلْتَ: أَبْلِغْ فُلَانًا عَنِّي، قَالَ الشَّاعِرُ:
بَلِّغْ بَنِي حُمُرَانَ أَنِّي ... عَنْ عَدَاوَتِكُمْ غَنِيٌّ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾.
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهَامَيْنِ، فَكَانَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ يُخْبِرَانِ بِالْأَوَّلِ عَنِ الثَّانِي فَلَا يَسْتِفْهِمَانِ بِهِمَا مَعًا.
وَحُجَّتُهُمَا قَوْلُهُ: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾. وَلَمْ يَقُلْ أَفَهُمُ؟ وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾. عَلَى أَنَّ الْكِسَائِيَّ خَالَفَ نَافِعًا فِي النَّمْلِ فَقَرَأَ «إِنَّنَا لَمُخْرَجُونَ» بِنُونَيْنِ فَاسْتَفْهَمَ فِي قِصَّةِ لُوطٍ بِهِمَا وَاسْتَفْهَمَ نَافِعٌ فِي الْعَنْكَبُوتِ بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ ابْنَ عَامِرٍ شَبَّهَ جَمْعَ الِاسْتَفْهَامَيْنِ بِالِاسْتِفْهَامِ وَجَوَابِهِ، كَقَوْلِكَ: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو، وَالْعَرَبُ تَخْزِلُ أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ وَتُبْقِي «أَمْ» كَثِيرًا، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ ... وَمَاذَا يَضُرُّكَ لَوْ تَنْتَظِرْ
وَقَالَ الْأَخْطَلُ:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ ... مَلَثَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ عَلَى الِاسْتَفْهَامَيْنِ على أصل الكلمة.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «وَقَالَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي مَصَاحِفِهِمْ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ وَاوٍ.
«وَالْمَلَأُ» بِالْهَمْزِ: الْأَشْرَافُ وَالرُّؤَسَاءُ، قَالَتِ امْرَأَةٌ يَوْمَ بَدْرٍ: إِنَّمَا قَتَلْتُمْ عَجَائِزَ صُلْعًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُولَئِكَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ لَوْ حَضَرْتِ فِعَالَهُمْ لَحَقَّرْتِ فِعَالَكِ مِعَ فِعَالِهِمْ»، وَجَمْعُ الْمَلَأِ: أَمْلَاءُ، وَالْمَلَا بِلَا هَمْزٍ الْمُتَّسِعُ مِنَ الْأَرْضِ وَالصَّحَرَاءِ مِنْ ذَلِكَ: «أن رسول الله ﷺ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا
стр. 118
رَسُولَ اللَّهِ: أَأَضْرِبُ الْمَلَا؟ فَقَالَ ﵇: آا «تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَرَبْتُ فِي الْأَرْضِ:
إِذَا سَافَرْتُ، وَضُرِبَتِ الْأَرْضُ: تُغُوِّطَ فِيهَا.
فَكَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : هَلْ أَبُولُ فِي الصَّحَرَاءِ إِذَا سَافَرْتُ؟ هَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ قَالَ: نَعَمْ كَنَى عَنْهُ أَنِ افْعَلْ، وَشَبِيهٌ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ، مِنَ الْحَذْفِ وَالِاجْتِزَاءِ بِبَعْضِ الْكَلِمَةِ أَنَّ أَخَوَيْنِ كَانَا لَا يَتَلَاقَيَانِ فِي كُلِّ حَوْلٍ إِلَّا مَرَّةً فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَلَا تا، فَيَقُولُ الْآخَرُ بَلَى: فا، يُرِيدُ الْأَوَّلُ: أَلَا تَرْحَلُ، فَيَقُولُ الْآخَرُ: بَلَى فَأَفْعَلُ قال الشاعر:
بالخير خيرات وإن شرا فا ... وَلَا أَخَافُ الشَّرَّ إِلَّا أَنْ تأا
وَإِنَّمَا هَمَزَ، لِأَنَّ الْقَوَافِيَ عَلَى الْعَيْنِ فَجَعَلَ الْهَمْزَةَ بِإِزَائِهَا، وَأَوَّلَهَا:
إِنْ شِئْتِ يَا أَسْمَاءُ أَشْرَفْنَا معا ... بالخير خيرات وإن شرا فأ
وَالْمَلَأُ: الْخَلْقُ أَيْضًا مَهْمُوزٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
تَنَادَوْا يَآلَ بُهْتَةَ يَوْمَ صِدْقٍ ... فَقُلْنَا أَحْسِنِي مَلَأً جُهَيْنَا
وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَتَخَاصَمُونَ فَقَالَ: «أَحْسِنُوا مَلَاءَكُمْ» وَمَلَاكُمْ: عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، أَيْ: أَخْلَاقَكُمْ وَكَتَبُوا فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ، (قَالَ الْمَلُو) بِوَاوٍ وَالْقِرَاءَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا بِالْهَمْزِ، وَإِنَّمَا أَرَى كَتَبُوهُ بِالْوَاوِ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ إِذَا كَانَتْ مَضْمُومَةً وَقَبْلَهَا فَتْحَةٌ تَصِيرُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَ الْإِخْفَاءِ وَتَلْيِينِهَا كَالْوَاوِ، وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كُتِبَ لَفْظُ الْمَلَأِ بِهِ مَوْصُولًا مَهْمُوزًا فَكُتِبَ هَذَا عَلَى الْوَقْفِ، وَذَلِكَ عَلَى الْوَصْلِ، كَمَا كَتَبُوا «شُفَعَاوُ» وَ «ضعفاو» و «يا بنوم» بالواو كل ذلك.
- وقوله تعالى: ﴿أوأمن أَهْلُ الْقُرَى﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ جَعَلُوهُ نَسَقًا: كَقَوْلِكَ: لَقِيتُ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «أَوَ أَمِنَ» بِفَتْحِ الْوَاوِ جَعَلَهَا وَاوًا وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: «أَفَأَمِنْتُمْ».
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ فِي الصَّافَّاتِ وَالْوَاقِعَةِ سَاكِنَةً أَيْضًا، وَفَارَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي هَذَيْنِ.
стр. 119
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «لَفَتَحْنَا» أَيْ: مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.
وَالْبَاقُونَ يُخَفِّفُونَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «حَقِيقٌ عَلَيَّ»» مُشَدَّدَّةَ الْيَاءِ، أَيْ: وَاجِبٌ عَلَيَّ، وَيَجِبُ عَلَيَّ، فَالْيَاءُ الْأَخِيرَةُ يَاءُ الْإِضَافَةِ، وَالْأُولَى مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ فَأُدْغِمَتِ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، وَفُتِحَتِ الثَّانِيَةُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى أَصْلِهَا، وَمِثْلُهُ «لَدَيَّ» وَ «إِلَيَّ» وَلَوْ قَرَأَ قَارِئٌ «عَلِيِّ» مِثْلَ «مُصْرِخِيِّ» جَازَ عِنْدَ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، وَبَعْضُهُمْ يَرَاهُ لَحْنًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا». وَحُجَّتُهُمْ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: «حَقِيقٌ بِأَنْ لَا».
فَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى «عَلَى» كَقَوْلِ الْعَرَبِ رَمَى عَنِ الْقَوْسِ وَبِالْقَوْسِ، وَفُلَانٌ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ وَبِحَالٍ حَسَنَةٍ، وَقَالَ غَيْرُ الْفَرَّاءِ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «حَقِيقٌ أَنْ لَا» بِغَيْرِ بَاءٍ، فَإِنَّ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَفِي قِرَاءَةِ الْبَاقِينَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَفِي مَوْضِعِ خَفْضٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾.
قرأ أبو عمرو وَابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ جَعَلَاهُ مِنْ أَرْجَأْتُ الأمر أي: أخرته، ومنهم «المرجئة»، لأنهم أرجئوا العمل فقالوا: الإيمان قول بلا عمل وأخطئوا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ قَوْمًا آمَنُوا بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ نُطْقٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ وَعَقْدٌ بِالْقَلْبِ، وَعَلَامَةُ الْجَزْمِ فِي أَرْجِئْهُ سُكُونُ الْهَمْزَةِ، كَمَا تَقُولُ: أَقْرِئْ زَيْدًا السَّلَامَ ثُمَّ تُكَنِّي فَتَقُولُ أَقْرِئْهُ.
وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَصِلُ الهاءين بِضَمَّةٍ مُخْتَلَسَةٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ يَلْفِظُهُ كَالْوَاوِ «أَرْجِهُو وَأَخَاهُو» وَقَدْ بَيَّنْتُ عِلَّةَ ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ بِالصِّلَةِ «أَرْجِهِي وَأَخَاهُ» وَيُسْقِطَانِ الْيَاءَ لِلْجَزْمِ وَيَصِلَانِ الْهَاءَ بِيَاءٍ، لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهُمَا، أَعْنِي أَرْجِهِي، وَهُمَا لُغَتَانِ أَرْجَأْتُ وَأَرْجَيْتُ وَكَذَلِكَ: «تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ» و «ترجي مَنْ تَشَاءُ» وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّهُمَا أَسْكَنَا الْهَاءَ «أَرْجِهْ» وَإِنَّمَا سُكِّنَتِ الْهَاءُ تَوَهُّمًا أَنَّ الْهَاءَ آخِرُ الْكَلِمَةِ، أَوْ تَخْفِيفًا، لَمَّا طَالَتِ الْكَلِمَةُ بِالْهَاءِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِِِرٍ فِِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ««أَرْجِئِهِي» بِالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْهَاءِ مَعَ الصِّلَةِ،
стр. 120
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «أَرْجِئْهِ» بِالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْهَاءِ بِغَيْرِ الصِّلَةِ.
فَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ هُوَ غَلَطٌ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ هُوَ غَلَطٌ، لِأَنَّ الْكَسْرَةَ لَا تَجُوزُ فِي الْهَاءِ إِذَا سُكِّنَ مَا قَبْلَهَا نَحْوَ مِنْهُمْ وَاضْرِبْهُمْ، وَلَهُ وَجْهٌ عِنْدِي، وَذَلِكَ: أَنَّ الْهَمْزَةَ لَمَّا سُكِّنَتْ لِلْجَزْمِ وَبَعْدَهَا الْهَاءُ سَاكِنَةٌ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُسْكِنُ كَسَرَ الْهَاءَ، لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِهِمْ: مِنْهُمْ وَاضْرِبْهُمْ، لِأَنَّ الْهَاءَ هُنَالِكَ لَا تَكُونُ إِلَّا مُتَحَرِّكَةً، فَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ خَطَّأَهُ أَنْ يَكُونَ خَطَأُ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ فِي هَذَا الْحَرْفِ.
وَقَدِ اجْتَرَأَ جَمَاعَةٌ فِي الطَّعْنِ عَلَى هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ فِي بَعْضِ حُرُوفِهِمْ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عِنْدِي لَاحِنًا بِحَمْدِ اللَّهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ لَحَّنَ يُونُسُ وَالْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ ﵃ حَمْزَةَ فِي قِرَاءَتِهِ «فَمَا اسْتَطَاعُوا».
فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ كَالْجَوَابِ فِيمَا سَلَفَ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانُوا أَئِمَّةً، فَرُبَّمَا لَمْ يَأْخُذُوا أَنْفُسَهُمْ بِالِاحْتِجَاجِ لِكُلِّ مَنْ يَرْوِي عَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ كَعِنَايَةِ غَيْرِهِمْ بِهِ، وَسَتَرَى الِاحْتِجَاجَ لحمزة مَا يُلَحَّنُ فِيهِ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَلِابْنِ كَثِيرٍ نَحْوَ ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ﴿ثُمَّ ائتوا صفا﴾ و ﴿بمصرخي﴾ و ﴿مكر السيئ، ﴾ وَ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ وَ ﴿آمَنْتُمْ﴾ فِي مَوَاضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «سَحَّارٍ» مُشَدَّدًا عَلَى فَعَّالٍ بِتَأْخِيرِ الْأَلِفِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «سَاحِرٍ» إِلَّا فِي الشُّعَرَاءِ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى «سَحَّارٍ عَلِيمٍ» إِذْ كَانَتْ كَذَلِكَ كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ، وَسَحَّارٍ أَبْلَغُ مِنْ سَاحِرٍ، لِأَنَّهُ لِمَنْ تَكَرَّرَ الْفِعْلُ مِنْهُ، فَفَاعِلٍ يَصْلُحُ لِزَمَانَيْنِ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، فَإِذَا شَدَّدْتَ دَلَّ عَلَى الْمُضِيِّ، تَقْدِيرُهُ: إِنَّهُ سَحَرَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَقَوْلِكَ: آتِيكَ بِرَجُلٍ خَارِجٍ إِلَى مَكَّةَ أَيْ: سَيَخْرُجُ، فَإِذَا قُلْتَ: آتَيْتُكَ بِرَجُلٍ خَرَّاجٍ إِلَى مَكَّةَ أَيْ: قَدْ خَرَجَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ كُنْتُ خَرَّاجًا وَلُوجًا صَيْرَفًا ... لَمْ تَلْتَحِصْنِي حَيْصَ بَيْصَ لِحَاصِ
أَيْ: فِي بِلَادٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «إِنَّ لَنَا» عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ «فَإِنَّ» حَرْفٌ أَدَاةٌ تُؤَكِّدُ الخبر، تنصب الاسم وترفع الخبر، وقرءوا في الشعراء «أإن» بالاستفهام، فلما
стр. 121
اجْتَمَعَتْ هَمْزَتَانِ لَيَّنُوُا الثَّانِيَةَ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو كِلَيْهِمَا بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «أَئِنَّ» بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾.
رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: ﴿تَلْقَفُ﴾ بِسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ مِنْ لَقِفَ يَلْقَفُ مِثْلُ: عَلِمَ يَعْلَمُ، وَمَعْنَاهُ: يَلْتَقِمُ الشَّيْءَ وَيَلْتَهِمُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا عَايَنَ السَّحَرَةَ وَكَيْدَهُمْ وَمَا قَدِ اخْتَلَقُوهُ أَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَبْتَلِعُ مَا صَنَعُوهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «تَلَقَّفُ» أَرَادُوا: تَتَلَقَّفُ فَخَزَلُوا إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِثْلُ: «يذكر» و «وَتَسَاقَطُ» فِيمَنْ خَفَّفَ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي بَزَّةَ «فَإِذَا هِيَ تَّلَقَّفُ» بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، أَرَادَ: تَتَلَقَّفُ فَأَدْغَمَ، وَمِثْلُهُ: «نَارًا تَلَظَّى» «وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾.
فِيهِ خَمْسُ قِرَاءَاتٍ:
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ «أأمنتم» بِثَلَاثِ أَلْفَاتٍ، الْهَمْزَةُ الْأُولَى تَوْبِيخٌ فِي لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَلِفُ الْقَطْعِ.
وَالثَّالِثَةُ سَنَخِيَّةٌ، وَالْأَصْلُ فيه دخول التوبيخ «أأمنتم» بِهَمْزَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ مُلَيَّنَةٌ، الْأَصْلُ: اآمَنْتُمْ فَخَفَّفَ مِثْلُ: آدَمَ وَآزَرَ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ بِتَلْيِينِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ «آامَنْتُمْ».
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ﴾ عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ بِغَيْرِ اسْتِفْهَامٍ، فَقَالَ الْفَرَّاءُ: آمَنْتُمْ: صَدَّقْتُمْ وَآامَنْتُمْ بِالِاسْتِفْهَامِ أَجَعَلْتُمْ لَهُ الَّذِي أَرَادَ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي بَزَّةَ عَنْ أَبِي الْإِخْرِيطِ: «قَالَ فِرْعَوْنُ وَآمَنْتُمْ» يَلْفُظُهُ كَالْوَاوِ وَلَا هَمْزَةَ بَعْدَهَا، فَيَكُونُ هَذَا عَلَى أَنْ أَشْبَعَ ضَمَّةَ نُونِ فِرْعَوْنَ حَتَّى صَارَتْ كَالْوَاوِ، كَمَا رَوَى وَرْشٌ، عَنْ نَافِعٍ: «نَعْبُدُو وَإِيَّاكَ نستعين» بِإِشْبَاعِ الضَّمَّةِ وَهُوَ لُغَةٌ لِلْعَرَبِ، قَالَ زَيْدُو، وَجَاءَنِي بَكْرُو، وَقَالَ الْأَعْشَى: وَيْلِي عَلَيْكَ وَوَيْلِي منك يا رجلو و ﴿آمنتم﴾ على الخبر.
стр. 122
وَرَوَى قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: «قَالَ فِرْعَوْنُ وَأْمَنْتُمْ بِهِ» بِوَاوٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ فَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ ﵀: خَطَأٌ.
وَلَهُ عِنْدِي وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَذَلِكَ: أَنَّهُ لَيَّنَ أَلِفَ الْقَطْعِ الَّتِي هِيَ هَمْزَةٌ فَصَارَتْ وَاوًا، لِانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا فَرَجَعَتِ الْهَمْزَةُ الَّتِي هِيَ فَاءٌ الْفِعْلُ قَبْلَ أَنْ تُلَيَّنَ كَمَا تَقُولُ:
أُؤْمِرَ، مِنْ أَمَرَ يَأْمُرُ جُعِلَتِ الْهَمْزَةُ الَّتِي هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ وَاوًا، لِانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا فَإِنْ ذَهَبَتْ أَلِفُ الْوَصْلِ رَجَعَتِ الْهَمْزَةُ فَقُلْتُ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ الْوَاوَ إِذَا كَانَتْ مُلَيَّنَةً مِنْ هَمْزَةٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ سَاكِنَةً؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَاوَ السَّاكِنَةَ إِذَا لَقِيَهَا سَاكِنٌ آخَرُ حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْيَاءُ نَحْوَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ وَ ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ﴾.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا حَرَّكْتَهَا بِكَسْرٍ أَوْ ضَمٍّ؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْكَسْرَةَ وَالضَّمَّةَ تُسْتَثْقَلَانِ عَلَى الْوَاوِ حَتَّى تَصِيرَ هَمْزَةً.
وَعِلَّةٌ أُخْرَى: أَنَّ قَبْلَ الْوَاوِ ضَمَّةٌ فَكَرِهُوُا الْخُرُوجَ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَطِيفٌ جِدًّا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سنقتل أبناءهم، ﴾ و ﴿يقتلون أَبْنَاءَكُمْ﴾.
قَرَأَهُمَا نَافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَرَأَهُمَا الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ جَعَلُوهُ مِنَ التَّقْتِيلِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يُخَفِّفُ «سَنَقْتُلُ» وَيُثَقِّلُ «وَيُقَتِّلُونَ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ فِي رِوَايَةِ هُبَيْرَةَ «يُوَرِّثُهَا» بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنْ وَرَّثَ يُوَرِّثُ كَأَنَّهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يُورِثُهَا» بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَفْعَلَ يَفْعَلُ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لأن شاهده قوله تعالى: ﴿كذلك وأورثناها، ﴾ و ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا﴾. كَأَنَّ حَفْصًا ذَهَبَ إِلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «مِنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ». هَكَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانُوا يعرشون﴾.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَابْنِ عَامِرٍ «يَعْرُشُونَ» بِالضَّمِّ، وَمَعْنَاهُ: يَبْنُونَ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ «يَعْرِشُونَ».
стр. 123
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَعْكُِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾.
فَإِنَّ حمزة والكسائي قرءاه بِكَسْرِ الْكَافِ.
وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وَهُمَا لُغَتَانِ، يَعْكِفُ وَيَعْكُفُ، وَيَعْرِشُ وَيَعْرُشُ، وَمَعْنَى يَعْكِفُونَ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهِ وَيُقِيمُونَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ لَزِمَ شَيْئًا فَقَدْ عَكَفَ عَلَيْهِ وَمِنْهُ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسَاجِدِ.
فَأَقَلُّ الِاعْتِكَافِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَاعَةً، وَعِنْدَ غَيْرِهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَا يُجِيزُونَ الِاعْتِكَافَ، أَعْنِي هَؤُلَاءِ إِلَّا مَعَ الصَّوْمِ.
وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ، ﵁، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ»، فَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا مَا جَازَ الِاعْتِكَافُ لَيْلًا، لِأَنَّ الصَّوْمَ بِاللَّيْلِ مُحَالٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ كَانَ مَاضِيهِ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ فَإِنَّ مُسْتَقْبَلَهُ يَجُوزُ كَسْرُهُ وَضَمُّهُ، أَمَّا مَا كَانَ مَاضِيهِ مَكْسُورًا فَالْمُضَارِعُ مِنْهُ مَفْتُوحٌ، وَمَا كَانَ مَاضِيهِ مَضْمُومًا فَالْمُسْتَقْبَلُ بِالضَّمِّ أَيْضًا، نَحْوَ يَظْرُفُ، فَهَذَا جُمْلَةُ هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ يَشِذُّ مِنْهُ الْأَحْرُفُ وَقَدْ بَيَّنْتُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «وَإِذْ نَجَّاكُمْ» وَكَذَلِكَ هِيَ فِي مَصَاحِفِهِمْ وَالْبَاقُونَ «أَنْجَيْنَاكُمْ».
وَإِذْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ، وَمَعْنَى أَنْجَيْنَاكُمْ: أَنْجَيْنَا أَبَاكُمْ وَأَحْيَيْنَاكُمْ فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِئَلَّا يُنْزِلَ بِهِمْ نِقْمَتَهُ إِذَا خَالَفُوا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «دَكَّاءَ» مَمْدُودًا، جَعَلَهُ صِفَةً، وَالتَّقْدِيرُ: فَجَعَلَ الْجَبَلَ أَرْضًا مَلْسَاءَ دَكَّاءَ كَقَوْلِ الْعَرِبِ، نَاقَةٌ دَكَّاءُ: لَا سَنَامَ لَهَا، فَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «دَكًّا» جَعَلُوهُ مَصْدَرًا كَقَوْلِهِ: ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا﴾. غَيْرَ أَنَّ هَذَا قَدْ ذَكَرَ الْفِعْلَ الَّذِي صَدَرَ عَنْ مَصْدَرِهِ لَفْظًا، وَقَوْلُهُ «فَجَعَلَهُ» لَيْسَ مِنْ لَفْظِ دَكًّا، غَيْرَ أَنَّهُ بِمَعْنَاهُ فَكَأَنَّ التَّقْدِيرَ، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ دَكَّهُ دكا.
стр. 124
إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ كَانَ يُمِدُّ الَّذِي فِي الْكَهْفِ وَيَقْصِرُ هَاهُنَا كَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ لِيُنْبِئَ أَنَّ هَذِهِ جَائِزَةٌ وَهَذِهِ جَائِزَةٌ، فَمَنْ مَدَّ جَمْعَهَا دَكَّاوَاتٍ، وَمَنْ قَصَرَ لَمْ يُثَنِّ وَلَمْ يَجْمَعْ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَحُكِيَ لِي، عَنْ بعَضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ «دُكًّا» بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا وَجَمْعًا، وَالِاخْتِيَارُ أَنَّ الدَّكَّ الْأَرْضُ الذَّلِيلَةُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: «الرَّشَدِ» بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَجَزْمِ الشِّينِ «سَبِيلَ الرُّشْدِ».
فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ: السُّقْمِ وَالسَّقَمِ وَالْحُزْنِ وَالْحَزَنِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو:
الرُّشَدُ: الصَّلَاحُ، وَالرَّشَدُ: فِي الدِّينِ فَلِذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ الَّتِي فِي الْكَهْفِ «رَشَدًا».
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الِاخْتِيَارُ: الرُّشْدُ، بِالضَّمِّ وَالْإِسْكَانِ، لِأَنَّ الْقُرَّاءَ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾. فَهَذَا مثله.
قال أبو عبد الله ﵁: وَكَذَلِكَ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. وَالْغَيُّ: هَاهُنَا الضَّلَالُ يُقَالُ غَوَي الرَّجُلُ يَغْوِى: إِذَا صَارَ مِنْ أَهْلِ الْغَيِّ، وَالْغَوَايَةُ: الضَّلَالَةُ، وَأَمَّا غَوِىَ بِكَسْرِ الْوَاوِ يَغْوَى غَوًى فَشَيْئَانِ: يُقَالُ فِي السَّخْلَةِ إِذَا بَشِمَتْ مِنْ كَثْرَةِ الشُّرْبِ لِلَّبَنِ، وَإِذَا هُزِلَتْ مِنْ قِلَّةِ الشُّرْبِ، وَيُنْشِدُ:
مُعَطَّفَةُ الْأَثْنَاءِ لَيْسَ فَصِيلُهَا ... بِرَازِئِهَا دَرًّا وَلَا مَيِّتٍ غَوِىِ
الدَّرُّ: اللَّبَنُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لِلَّهِ دَرُّكَ، أَيْ: لِلَّهِ صَالِحُ عَمَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَفْتَضُّ الْكِرْشَ لِشُرْبِ مِائَةٍ وَتَفْصِدُ الْعِرْقَ لِتَشْرَبَ الدَّمَ فَكَانَ أَفْضَلُ مَا يَشْرَبُونَ اللَّبْنَ وَهُوَ الدَّرَّةُ فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. فَإِنَّ أُبَيَّا قَرَأَ «لَا يَتَّخِذُوهَا» فَالْهَاءُ فِي كِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ تَعُودُ عَلَى السَّبِيلِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُذَكِّرُ السَّبِيلَ وَتُؤَنِّثُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ فَأَمَّا ابْنُ عَامِرٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ فِي الْكَهْفِ «رُشُدًا» بِضَمَّتَيْنِ أَتْبَعَ الضَّمَّ الضَّمَّ كَمَا قَرَأَ أَيْضًا «وَأَقْرَبَ رُحُمًا» وَكَمَا قَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ: «أَلَيْسَ الصبح بقريب».
- وقوله تعالى: ﴿برسالاتي وَبِكَلَامِي﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ بِالتَّوْحِيدِ، لِأَنَّ الرِّسَالَةَ الْوَاحِدَةَ قَدْ يَكُونُ مَعَهَا كَلِمَاتٌ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ لِيَكُونَ أَشْكَلَ بِالْكَلِمَاتِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ مِرَارًا.
стр. 125
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ حُلِّيِهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَاللَّامِ.
وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْحُلِيَّ جَمْعُ حُلْيٍ مِثْلَ: حُقْوٍ وَحُقِيٍّ وَوَزْنُ حُلِيٍّ: فُعُولٌ وَالْأَصْلُ: حُلُويٌ فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ وَاوٌ وَيَاءٌ وَالسَّابِقُ سَاكِنٌ قَلَبُوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً وَأَدْغَمُوا كَمَا تَقُولُ: شَوَيْتُ اللَّحْمَ شَيًّا، وَكَوَيْتُهُ كَيًّا، وَهَذِهِ عَشْرِيٌّ لَا عَشْرُوكَ، وَهَؤُلَاءِ زَيْدِيٌّ، فَذَهَبَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، وَقَلَبُوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً وَأَدْغَمُوا.
وَأَمَّا مَنْ كَسَرَ فَقَالَ: «حِلِيِّهِمْ» فَإِنَّهُ اسْتَثْقَلَ الضَّمَّةَ مَعَ الْيَاءِ كَمَا تُسْتَثْقَلُ مَعَ الْكَسْرَةِ فَكَسَرَ الْحَاءَ الْمُجَاوِرَةَ اللَّامَ، وَمِثْلُهُ «عِتِيًّا»، وَ «جِثِيًّا»، وَ «بِكِيًّا».
وَقَرَأَ يَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيُّ: «مِنْ حَلْيِهِمْ عِجْلًا جَسَدًا». بِفَتْحِ الْحَاءِ وَجَزْمِ اللَّامِ، جَعَلَهُ وَاحِدًا، وَالْجَسَدُ: الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: ﴿أَلَّا يُرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾. وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا لِمُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ أَيْ: صَنَمًا نَعْبُدُهُ كَمَا أَنَّ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ أَصْنَامًا عَمَدَ السَّامِرِيُّ، فَكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، إِلَى حُلِيٍّ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمْ فَجَعَلَهُ عِجْلًا وَفَوَّهَهُ فَكَانَ يُصَوِّتُ إِذَا خَرَقَتْهُ الرِّيحُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَهُ خُوَارٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَنَاوَلَ مِنْ أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ ﷺ تُرَابًا فَلَمَّا اتَّخَذَ الْعِجْلَ أَلْقَاهُ فِي جَوْفِهِ فَكَانَ يَنْخُرُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا خَارَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ لَمْ يَعُدْ.
وَاسْمُ فَرَسِ جِبْرِيلَ ﵇: حَيْزُومُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «تَرْحَمْنَا» بِالتَّاءِ خِطَابٌ لِلَّهِ تَعَالَى «رَبَّنَا» بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ الْمُضَافِ، تَقْدِيرُهُ: يَا رَبَّنَا، وَاحْتَجَّا بِحَرْفِ أُبَيٍّ «رَبَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا» بِالْيَاءِ وَ «رَبُّنَا» بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَّا حَفْصًا، وَابْنُ عَامِرٍ «أُمِّ» بكسر الميم عَلَى الْإِضَافَةِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ.
وَالِاخْتِيَارُ كَسْرُ الْمِيمِ، وَإِنْ تَثْبُتُ الْيَاءُ لِأَنَّ الْيَاءَ إِنَّمَا تَسْقُطُ مِنَ الْمُنَادَى نَحْوَ يَا قَوْمِ وَيَا عباد ويا رب، مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَالصَّوَابُ يَا ابْنَ أَخِي وَيَا ابْنَ أُمِّي، قَالَ الشَّاعِرُ:
стр. 126
يَا ابْنَ أُمِّي وَيَا شَقِيقَ نَفْسِي ... أَنْتَ خليتني لدهر كنود
وقرأ الباقون: «قال ابْنُ أُمَّ» بِفَتْحِ الْمِيمِ فَلَهُمْ حُجَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُمْ جَعَلُوُا الِاسْمَيْنِ اسْمًا وَاحِدًا فَبُنِيَا عَلَى الْفَتْحِ كَمَا تَقُولُ: هُوَ جَارِي بَيْتَ بَيْتَ، وَلَقِيتُهُ كِفَّةً كِفَّةً، وَعِنْدِي خَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَكَذَلِكَ يَا ابْنَ عَمَّ وَلَا يَسْتَعْمِلُونَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمَا.
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ أَرَادُوُا النُّدْبَةَ يَا ابْنَ أُمَّاهُ ويا ابن عَمَّاهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: «آصَارَهُمْ» بِالْجَمْعِ، أَيْ: أَثْقَالَهُمْ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «إِصْرَهُمْ» بِالتَّوْحِيدِ، فَالْهَمْزَةُ فِي الْوَاحِدِ أَصْلِيَّةٌ، وَهِيَ فَاءُ الْفِعْلِ، وَإِصْرٌ مِثْلَ: جِذْعٍ.
وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ هَمْزَتَانِ، الْأُولَى أَلِفُ الْجَمْعِ، وَالثَّانِيَةُ أَصْلِيَّةٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ هَمْزَتَانِ لَيَّنُوُا الثَّانِيَةَ، وَالْأَصْلُ أَأْصَارٌ، فَلُيِّنَتِ الثَّانِيَةُ، وَوَزْنُهُ أَفْعَالٌ مِثْلَ: أَجْذَاعٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «تُغْفَرْ»» بِالتَّاءِ وَالضَّمِّ ««خَطِيئَاتُكُمْ» بِالْجَمْعِ وَبِضَمِّ التَّاءِ جَعَلَهَا اسْمَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالتَّاءِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ وَحَّدَ فَقَرَأَ: «خَطِيَّتُكُمْ».
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: «نَغْفِرْ» بِالنُّونِ «خَطَايَاكُمْ» بِالْجَمْعِ، جَمْعٍ لِلتَّكْسِيرِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ بِجَمْعِ السَّلَامَةِ كَمَا تَقُولُ: رَزِيَّةٌ وَرَزَايَا وَرَزَايَاتٌ وَقَدْ بَيَّنْتُ عِلَّةَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ البقرة فأغنى عن الإعادة هاهنا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو غَيْرَ أَنَّهُمْ قَرَءُوا «خَطِيئَاتِكُمْ» بِكَسْرِ التَّاءِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَإِنَّمَا كُسِرَتْ لِأَنَّهَا غَيْرُ أَصْلِيَّةٍ، كَمَا تَقُولُ: رَأَيْتُ سَمَاوَاتٍ وَدَخَلْتُ حَمَّامَاتٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «مَعْذِرَةً» بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ كَقَوْلِكَ: اعْتَذَرْتُ اعْتِذَارًا وَمَعْذِرَةً بِمَعْنَى، وُحُجَّتُهُ: أَنَّ الْكَلَامَ جَوَابٌ كَأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ؟ فَأَجَابُوا فَقَالُوا: نَعِظُهُمُ اعْتِذَارًا إِلَى رَبِّهِمْ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: لِمَ وَبَّخْتَ فُلَانًا؟
стр. 127
فَتَقُولُ: طَلَبًا لِتَقْوِيمِهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «مَعْذِرَةٌ» بِالرَّفْعِ، فَلَهُمْ حُجَّتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: مَا قَالَ سَيبِوَيْهِ، ﵀، إِنَّ مَعْنَاهُ: مَوْعِظَتُنَا إِيَّاهُمْ مَعْذِرَةٌ جَعَلَهَا خَبْرُ ابْتِدَاءٍ.
وَالثَّانِيَةُ أَنَّ تَقْدِيرُهَا عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ: هَذِهِ مَعْذِرَةٌ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. فَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَلَوْ أَسْبَلَ سُتُورَهُ: وَقالَ الْأَخْفَشُ: وَاحِدُ الْمَعَاذِيرِ مِعْذَارٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «بَئِيسٍ» عَلَى فَعِيلٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
حَنَقًا عَلَيَّ وَمَا تَرَى ... لِي فِيهِمْ أَثَرًا بَئِيسًا
وَقَرَأَ نَافِعٌ «بِعَذَابٍ بِيسٍ» بِكَسْرِ الْبَاءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَيُنْشَدُ:
لَمْ تَرْوَ حَتَّى بَلَّتِ الدَّبِيسَا ... وَلَقَى الَّذِي أَدَّاهُ أَمْرًا بِيسَا
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ مِثْلَ نَافِعٍ إِلَّا أَنَّهُ يَهْمِزُ «بِيسٍ» بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَرَوَى خَارِجَةُ عَنْ نَافِعٍ «بِعَذَابٍ بَيْسٍ» بِفَتْحِ الْبَاءِ مِثْلَ: بَيْتٍ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عن عبيد، عن شبل، عن ابن كثير: «بِعَذَابٍ بِئِيسٍ» كَسَرَ الْبَاءَ مِثْلُ: نَافِعٍ، إِلَّا أنه يمده.
وروى حفص عن عاصم: «عذاب بَئِيسٍ» عَلَى فَعِيلٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ «بَيْئَسٍ» عَلَى فَيْعَلٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ مِثْلَ صَيْرَفٍ وَصَيْقَلٍ، فهَذِهِ سَبْعُ قِرَاءَاتٍ عَنِ السَّبْعَةِ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ.
وَفِيهَا ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ عَنْ غَيْرِ السَّبْعَةِ:
قَرَأَ الْحَسَنُ: «بِعَذَابٍ بِئْسَ» كَمَا تَقُولُ: بِئْسَ مَا صَنَعْتَ.
وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: «بِعَذَابٍ بَئِسٍ» مِثْلَ: فَخِذٍ.
وَقَرَأَ نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ: «بِعَذَابٍ بَيَسٍ» بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْيَاءِ مِثْلَ حَمَلٍ فَتِلْكَ عَشْرُ قِرَاءَاتٍ فَعِيلٌ وَفَيْعَلٌ وَفَعْلٌ وفِعْلٌ مَهْمُوزٌ وَفِعْلٌ غَيْرُ مَهْمُوزٍ وَفَعَلٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَفِعِيلٌ مِثْلُ شِعِيرٍ وِبِعيرٍ، وَفِعْلٌ وَفَعِلٌ وَفَعَلٌ.
فَأَمَّا تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ ﵀ حَدَّثَنِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 128
يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الطَّائِفِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ، قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ بَصَرُهُ وَيَبْكِي فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ لِي: هَلْ تَعْرِفُ أَيْلَةَ؟ قُلْتُ وَمَا أَيْلَةُ؟ قَالَ: هِيَ قَرْيَةٌ كَانَ فِيهَا نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ فَكَانَتْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا سِمَانًا فَتَرْبَضُّ بِأَقْبِيَتِهِمْ وَأَبْنِيَتِهِمْ، فَإِذَا طَلَبُوهَا فِي غَيْرِ السَّبْتِ لَمْ يُدْرِكُوهَا إِلَّا بمئونة شَدِيدَةٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، أَوْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ: لَعَلَّنَا لَوْ أَخَذْنَاهَا فَأَكَلْنَاهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ السَّبْتِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْهُمْ فَاصْطَادُوا وَشَوَوْا، فَلَمَّا شَمَّ جِيرَانُهُمْ رَائِحَةَ الشِّوَاءِ، قَالُوا: أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ بَنِي فُلَانٍ لَمْ يُعَاقَبُوا؟ وَفَشَا فِيهِمْ ذَلِكَ الْفِعْلُ حَتَّى افْتَرَقُوا فِرَقًا ثَلَاثًا: فِرْقَةٌ أَكَلَتْ، وَفِرْقَةٌ نَهَتْ، وفرقة قالوا: ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
فَأَمَّا الْفِرْقَةُ الَّتِي نَهَتْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يَا قَوْمِ إِنَّا نُحَذِّرُكُمْ غَضَبَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ وَأَنْ يُصِيبَكُمْ بِمَسْخٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ خَسْفٍ، أَوْ بِبَعْضِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَذَابِ، وَاللَّهُ لَا نُبَايِتُكُمْ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْهُمْ، وَغَدَوْا عَلَيْهِمْ فَقَرَعُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ بَابَ الْقَرْيَةِ فَلَمْ يُكَلِّمُهُمْ أَحَدٌ، فَجَاءُوا بِسُلَّمٍ وَأَسْنَدُوهُ إِلَى السُّورِ، وَرَقَى مِنْهُمْ رَاقٍ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَشْرَفَ، قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ فَإِذَا هِيَ قِرَدَةٌ لَهَا أَذْنَابٌ تَعَاوَى يَقُولُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ نَزَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ، فَعَرَفَتِ الْقِرَدَةُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْإِنْسِ، ولم يعرف الإنس أنسابها من القردة، فكانت الْقِرَدَةُ تَأْتِي نَسِيبَهَا وَقَرِيبَهَا مِنَ الْإِنْسِ فَتُحَرِّكُ بِهِ وَتُشِيرُ إِلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنْتَ فُلَانٌ فَيُشِيرُ بِرَأْسِهِ، أَيْ: نَعَمْ وَيَبْكِي، وَكَانَتِ الْقِرَدَةُ تَأْتِي نسيبها وَقَرِيبَهَا مِنَ الْإِنْسِ فَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُمْ: أَمَّا إِنَّا فَقَدْ حَذَّرْنَاكُمْ غَضَبَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِمَسْخٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ خَسْفٍ، أَوْ بِبَعْضِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَذَابِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَتِ الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ، فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مُنْكَرًا فَلَمْ نُغَيِّرْهُ؟ ! قَالَ عِكْرِمَةُ:
فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ أَنْكَرُوا حِينَ قَالُوا: ﴿لِمَ تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شَدِيدًا﴾. قَالَ: فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمَرَ له ببردين غليظين كساه بهما.
стр. 129
قال أبو عبد الله ﵁ فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الِاخْتِيَارُ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾.
- وقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رواية أبي بكر بالتخفيف هاهنا وَفِي الْمُمْتَحَنَةِ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ فِي الْأَعْرَافِ بِالتَّشْدِيدِ، فَمَنْ خَفَّفَ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. وَبِقَوْلِهِ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. وَلَمْ يَقُلْ مَسِّكْ، وَمَنْ شَدَّدَ احْتَجَّ بِقِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «وَالَّذِينَ مَسَّكُوا بِالْكِتَابِ».
- وقوله تعالى: ﴿من ظهورهم ذريتهم﴾.
قرأ نافع وأبو عمرو وَابْنُ عَامِرٍ «ذُرَّيَاتِهِمْ» عَلَى الْجِمَاعِ وَكَسْرِ التَّاءِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّ التَّاءَ غَيْرُ أَصْلِيَّةٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «ذُرِّيَّتِهِمْ» وَاحِدَةٌ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ قَوْمٌ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَمَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ فَأَخْرَجَ الْخَلْقَ مِنْهُ كَأَمْثَالِ الذَّرِّ، فَأَخَذَ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ بِعَقْلٍ رَكَنَهُ فِيهِمْ فَقَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ فَهَاهُنَا الْوَقْفُ، فَكَانَ يَخْتَارُهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَيَبْتَدِى بِ «أَنْ» مَفْتُوحَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، فَكُلُّ إِنْسَانٍ إِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ عَلِمَ بِعَقْلِهِ أَنَّ اللَّهَ خَالِقَهُ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا بعث الله الرُّسُلَ وَأَوْضَحَ الْبَرَاهِينَ لِيُؤَكِّدَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا، ﴾ أَوْ ﴿تَقُولُوا﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِالْيَاءِ.
وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ.
فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَشَاهِدُهُ «مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ».
وَالتَّاءُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنَ الْمُخَاطَبَةِ فِي قَوْلِهِ : ﴿ألست بربكم﴾.
- قوله تَعَالَى: ﴿وَذَرُوُا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةَ وَحْدَهُ «يَلْحَدُونَ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ فِي النَّحْلِ وَالسَّجْدَةِ كُلُّهُنَّ بِالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ إِلَّا الْكِسَائِيَّ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ فَتَحَ الَّتِي فِي النَّحْلِ فَقَالَ قَوْمٌ: لَحَدَ فِي الْقَبْرِ وَأَلْحَدَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقَبْرِ أَلْحَدَ قال الشاعر:
стр. 130
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَنَسْلِهِ ... بَعْدَ الْمَغِيبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ
فَ «مُلْحَدِ» لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَلْحَدَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ لَحَدَ لَكَانَ مَلْحُودًا كَمَا قَالَتْ زَيْنَبُ ﵂: يَا قِصَّةً عَلَى مَلْحُودٍ، أَيْ: يَا جُصًّا عَلَى قَبْرٍ فَلَا هَدَأَتِ الدِّيَةُ وَلَا رَفَأَتِ الْعَبْرَةُ، فَيُقَالُ لِلْقَبْرِ: الْمَلْحُودُ وَاللَّحْدُ وَالدِّيَمُ وَالضَّرِيحُ وَالْجَدَثُ وَالْجَدَفُ، وَالْبَيْتُ وَالْمَحْنَا، وَالْمَحْنَا فِي غير هذا: الترس والمطمطمة: الْقَبْرُ أَيْضًا، وَالرِّمْسُ وَالْمُنْهَالُ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَذَرُهُمْ في طغيانهم﴾.
قرأ عاصم وأبو عمرو بِالْيَاءِ وَالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، إِذْ لَمْ يَتَقَدَّمُهُ فِعْلٌ يُنَسَّقُ عَلَيْهِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَالْجَزْمِ نَسَقًا عَلَى مَوْضِعِ فَاءِ الْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ وَالرَّفْعِ، أَيْ: وَنَحْنُ نَذَرُهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْبَقَرَةِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «شِرْكًا».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ على «فعلاء» جمع شريك.
فالمعنى ذَلِكَ: أَنَّ حَوَّاءَ لَمَّا حَمَلَتْ أَتَاهَا إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَقَالَ لَهَا: مَا الَّذِي فِي بَطْنِكِ أَبَهِيمَةٌ أَمْ حَيَّةٌ؟ فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي.
فَقَالَ: إِنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا أَتُسَمِّينَهُ بِاسْمِي، قَالَتْ: نَعَمْ ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾. فِي التَّسْمِيَةِ فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ وَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثُ، لَا فِي الطَّاعَةِ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَلِيَّيَ اللَّهُ﴾.
قَرَأَ الْقُرَّاءُ بِثَلَاثِ يَاءَاتٍ الْأَوَّلُ: يَاءُ فَعِيلٍ، وَالثَّانِيَةُ: أَصْلِيَّةٌ، وَالثَّالِثَةُ يَاءُ الْإِضَافَةِ إِلَى النَّفْسِ، فَأُدْغِمَتِ الْيَاءُ الزَّائِدَةُ فِي الْيَاءِ الْأَصْلِيَّةِ، فَالتَّشْدِيدُ مِنْ أجل ذَلِكَ، وَالْوُسْطَى مَكْسُورَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِاتِّصَالِهَا بِيَاءِ الْإِضَافَةِ، لِأَنَّ يَاءَ الْإِضَافَةِ يُكْسَرُ مَا قَبْلَهَا، فَيَاءُ الْإِضَافَةِ مَفْتُوحَةٌ كَمَا تَقُولُ: إِنَّ غُلَامِيَ الْكَرِيمُ، وَرَوَى ابْنُ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو «إِنَّ وَلِيَّ اللَّهُ» بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، كَأَنَّهُ حَذَفَ الْيَاءَ الْوُسْطَى وَأَدْغَمَ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ كَمَا تَقُولُ: عَلَيَّ ولدي.
стр. 131
وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ، «إِنَّ وَلِيِّ اللَّهُ» بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ، فَكَأَنَّهُ حَذَفَ الْيَاءَ الْوُسْطَى وَأَسْكَنَ يَاءَ الْإِضَافَةِ وَكَسَرَهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ، ﵀، الصَّوَابُ فِي قِرَاءَةِ الْجَحْدَرِيِّ أَنْ تَقُولَ: أَسْقَطَ يَاءَ الْإِضَافَةِ، لِأَنَّهُ أَسْكَنَهَا، وَلَقِيَ الْيَاءُ سَاكِنًا آخَرَ، وَالْكَسْرَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشيطان﴾.
قرأ أبو عمرو وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ «طَيْفٌ» بِغَيْرِ أَلِفٍ وَالْأَصْلُ: طَيِّفٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ فَحَذَفُوا إِحْدَى الْيَاءَيْنِ اخْتِصَارًا كَمَا تَقُولُ: هَيْنٌ لَيْنٌ وَمَيْتٌ.
وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحْوِيُّ، وَابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَصْرٍ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، «إذا مسهم طيف» وأنشد:
ما هاج حَسَّانَ رُسُومُ الْمَقَامْ ... وَمَظْعَنُ الْحَيِّ وَمَبْنَى الْخِيَامِ
جِنِّيَّةٌ أَرَّقَنِي طَيْفُهَا ... تَذْهَبُ صُبْحًا وَتُرَى فِي الْمَنَامْ
وَيُقَالَ: طَافَ الْخَيَالُ يَطِيفُ طَيْفًا وَمَطَافًا، وَطَافَ فَهُوَ طَائِفٌ وَقَالَ جَرِيرٌ:
طَافَ الْخَيَالُ وَأَيْنَ مِنْكَ لِمَامَا ... فَارْجِعْ لِزَوْرِكَ فِي السَّلَامِ سلاما
فلقد آن لَكَ أَنْ تُوَدِّعَ خُلَّةً ... رَثَّتْ وَكَانَ حِبَالُهَا أَرْمَامَا
فَمَعْنَى طَائِفِ الشَّيْطَانِ: وِسْوَاسُهُ وَلَمَمُهُ وَخَبَلُهُ، وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
وَتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وَكَأَنَّمَا ... أَلَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الْجِنِّ أَوْلَقُ
فَهَذَا شَاهِدُ الْبَاقِينَ الَّذِينَ قَرَءُوا: ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾.
وَقَالَ آخَرُ:
أَنَّى أَلَمَّ بِكَ الْخَيَالُ يَطِيفُ ... وَمَطَافُهُ لَكَ ذِكْرُة وَشُعُوفُ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَتِّبِعُوكُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «لَا يَتْبَعُوكُمْ» خَفِيفًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُشَدَّدًا فَقَالَ: تَبَّعَ وَأَتْبَعَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: اتَّبَعَهُ: سَارَ فِي أَثَرِهِ، وَأَتْبَعَهُ: أَلْحَقَهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾.
وَقَرَأَ نَافِعٌ «يُمِدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ» بِضَمِّ الْيَاءِ.
وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا.
стр. 132
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونَ﴾.
قَرَأَ أبو عمرو، وَنَافِعٌ فِي رِوَايَةِ خَارِجَةَ «كِيدُونِي» بِيَاءٍ فِي الْوَصْلِ وَبِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ أَبُو عَمْرٍو الْيَاءَ هَاهُنَا وَلَمْ يُثْبِتْهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ لِأَنَّهَا رَأْسُ آيَةٍ فَاصِلَةٍ.
وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ، اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ، وَأَمَّا ابْنُ عَامِرٍ فإِنَّهُ قَرَأَ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ: ««ثُمَّ كِيدُونِي» وَأَثْبَتَهَا فِي الْحَالَيْنِ، وَابْنُ ذَكْوَانَ حَذَفَهَا فِي الْحَالَيْنِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي سَبْعِ يَاءَاتٍ إِضَافَةٍ:
«رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ»
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ غَيْرَ مَفْتُوحَةٍ وَالْبَاقُونَ يَفْتَحُونَ.
وَ«مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ».
فتحها حفص عن عاصم وحده.
«وإني اصطفيتك».
فتحها أبو عمرو وَابْنُ كَثِيرٍ.
وَ«حَقِيقٌ عَلَى»
فَتَحَهَا نَافِعٌ وَحْدَهُ، وَجَعَلَهَا يَاءَ إِضَافَةٍ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ قَبْلُ.
وَ«عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ»
فَتَحَهَا نَافِعٌ وَحْدَهُ.
وَ«ءَايَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ»
أَسْكَنَهَا حَمْزَةُ وَابْنُ عامر (١). стр. 133
وَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا
الْأَنْفَالُ
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُرْدِفِينَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «مُرْدَفِينَ» بِفَتْحِ الدَّالِ جَعَلَهُمْ مَفْعُولِينَ، مِنْ أَرْدَفَهَا اللَّهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مُرْدِفِينَ» بِكَسْرِ الدَّالِ، الْفِعْلُ لِلْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ: أَرْدَفْتُ الرَّجُلَ: إِذَا جِئْتُ بَعْدَهُ، وَيُقَالُ تَقَدَّمَ قُدَّامَهُ، وَيُقَالُ: رِدْفُهُ أَيْضًا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. وَلَمْ يَقُلِ الْمُرْدِفَةُ، وَيُقَالُ: رَدَفْتُ الرَّجُلَ: رَكِبْتُ خَلْفَهُ، وَأَرْدَفْتُهُ: أَرْكَبْتُهُ خَلْفِي، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: مَعْنَاهُ:
رَدِفَكُمْ واللَّامُ زَائِدَةٌ، كَمَا يُقَالُ: نَقَدْتُكَ مِائَةً وَنَقَدْتُ لَكَ مِائَةً، وَإِنَّمَا دَخَلَتِ اللَّامُ فِي «رَدِفَ لَكُمْ»، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى دَنَا لَكُمْ، وَقَالَ:
فَقُلْتُ لَهَا الْحَاجَاتُ تُطْرَحْنَ بالفتى ... وهم تعناني معنى رَكَائِبُهْ
وَرَوَى الْخَلِيلُ ﵁ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «مُرُدِّفِينَ» قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَرَادَ مُرْتَدِفِينَ فَأَدْغَمَ، فَيَجُوزُ بَعْدَ الْإِدْغَامِ ضَمُّ الرَّاءِ وَفَتْحُهَا، وَإِسْكَانُهَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾.
قَرَأَ نافع مُخَفَّفًا، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ «يَغْشَاكُمُ».
وَالْبَاقُونَ «يُغَشِّيكُمُ» مُشَدَّدًا، وَقَدْ ذُكِرَتْ عِلَّتُهُ فِي الْأَعْرَافِ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يوم بدر جنبوا عَلَى غَيْرِ مَاءٍ وَالْعَدُوُّ عَلَى مَاءٍ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَطَرًا فَاغْتَسَلُوا وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَنَةً﴾ مَصْدَرُ أَمِنَ يَأْمَنُ أَمْنَةً وأَمَانًا وَأَمْنَةً، وَقَدْ حُكِيَ أَمْنًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ «مُوَهِّنُ» بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ مِنْ وَهَّنَ يُوَهِّنُ مِثْلُ قَتَّلَ يُقَتِّلُ، وَكَلَّمَ يُكَلِّمُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ:
لَا يَرْفَعُ الرَّحْمَنُ مَصْرُوعَكُمْ ... وَلَا يُوَهِّنُ قُوَّةَ الصَّارِعِ
إِذْ تَتْرُكُوهُ وَهُوَ يَدْعُوكُمُ ... بِالنَّسَبِ الْأَدْنَى وَبِالْجَامِعِ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مُوهِنٌ كَيْدَ الْكَافِرِينَ» بِإِسْكَانِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ مِنْ أَوْهَنَ يُوهِنُ
стр. 134
فَهُوَ مُوهِنُ مِثْلُ أَيْقَنَ يُوقِنُ فَهُوَ مُوقِنٌ، وَهُمَا لُغَتَانِ وَهَّنَ وَأَوْهَنَ غَيْرَ أَنَّ وَهَّنَ أَبْلَغُ مِثْلُ كَرَّمَ وَأَكَرْمَ، وَكُلُّهُمْ يُنَوِّنُ، وَيَنْصِبُونَ الْكَيْدَ إِلَّا حَفْصًا عَنْ عَاصِمٍ، فَإِنَّهُ أَضَافَ وَلَمْ يُنَوِّنْ فَقَرَأَ: «مُوهِنُ كَيْدِ» وَمِثْلُهُ فِي التَّنْزِيلِ: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ وَ «بَالِغٌ أَمْرَهُ» وَسَأَذْكُرُ جَمِيعَ مَا يُنَوَّنُ وَمَا لَا يُنَوَّنُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي التَّوْبَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَزِيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَوَّنَ أَرَادَ الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ كَقَوْلِكَ: الْأَمِيرُ خَارِجٌ الْآنَ وَغَدًا، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْ جَازَ أَنْ يُرِيدَ الْمَاضِيَ وَالِاسْتِقْبَالَ كِلَيْهِمَا وَمَنْ أَرَادَ الْمَاضِيَ كَانَ الِاسْمُ الْفَاعِلُ مَعْرِفَةً، وَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِقْبَالَ كَانَ اسْمُ الْفَاعِلِ نَكِرَةً وَإِنْ كَانَ مُضَافًا إِلَى مَعْرِفَةٍ لِأَنَّكَ تُرِيدُ بِالْمُتَّصِلِ الْمُنْفَصِلَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وَ ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ «وَأَنَّ اللَّهَ» بِالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «وَإِنَّ اللَّهَ» بِالْكَسْرِ، فَحُجَّةُ مَنْ كسر قراءة عبد الله: و ﴿الله مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَ «إِنَّ» إِذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً كَانَتْ مَكْسُورَةً، وَمَنْ فَتَحَ أَرَادَ: وَلَوْ كَثُرَتْ وَلِأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا حُذِفَتِ اللَّامُ جُعِلَتْ «أَنَّ» فِي مَحَلِّ النَّصْبِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «بِالْعِدْوَةِ الدُّنْيَا» بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْعَدْوَةُ وَالْعُدْوَةُ وَالْعِدْوَاءُ كَمِلْطَاطٍ: حَافَّةُ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ، كُلُّهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَالْعُدْوَةُ الدُّنْيَا: الْقَرِيبَةُ، وَالْعُدْوَةُ الْقُصْوَى: الْبَعِيدَةُ، وَكَذَلِكَ: «مَكَانًا قَصِيًّا» بَعِيدًا.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: قَصَا يَقْصُو، وَدَنَا يَدْنُو، هُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْيَا كَمَا قِيلَ الدُّنْيَا؟
فَفِي ذَلِكَ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدُّنْيَا اسْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفِعْلِ فَقُلُبِتِ الْوَاوُ يَاءً كَمَا انْقَلَبَتْ فِي دَنَا وَأَدْنَى وَيُدْنِي، وَالْقُصْوَى: اسْمٌ مُخْتَلَقٌ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الْفِعْلِ هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْبَصْرَةِ فَيَقُولُونَ: إِنَّ الِاسْمَ إِذَا وَرَدَ عَلَى فَعْلَى صَحَّتِ الْوَاوُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ انْقَلَبَتِ الْيَاءُ فِيهِ وَاوًا مِثْلُ الْفُتْوَى وَالتَّقْوَى، وَإِنْ كَانَتْ صِفَةً انْقَلَبَتِ الْوَاوُ
стр. 135
يَاءً نَحْوَ الصَّدْيَاءِ، وَالصِّفَةُ: مَا كَانَ عَلَى فُعْلَى بِالضَّمِّ فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً اسْتِثْقَالًا نَحْوَ الدُّنْيَا وَالْعُلْيَا، وَخَرَجَتِ الْقُصْوَى عَلَى أَصْلِهَا، عَلَى أَنَّ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ، حَكَى الْقُصْيَا بِالْيَاءِ أَيْضًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيْحَيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ كَثِيرٍ بِرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ «مَنْ حَيِيَ عَنْ بَيِّنَةٍ» بِيَاءَيْنِ غَيْرَ مُدْغِمٍ، يَبْنِي الْمَاضِيَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَلٍّ عَلَى الْمُضَارَعِ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ نَحْوَ الْمُحْيِي.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «مَنْ حَيَّى عَنْ بَيِّنَةٍ» بِالْإِدْغَامِ، وَهُوَ الْأَجْوَدُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
عَيَّوْا بِأَمْرِهِمْ كَمَا ... عَيَّتْ بِبَيْضَتِهَا الْحَمَامَهْ
جَعَلَتْ لَهَا عُودَيْنِ مِنْ ... نَشَمٍ وَآخَرَ مِنْ ثُمَامَهْ
النَّشَمُ: شَجَرٌ يُتَّخَذُ مِنْهُ الْقِسِيُّ، فَأَدْغَمَ وَلَمْ يَقُلْ: عَيِيُوا، وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ لِلْمُتَلَمِّسِ:
فَهَذَا أَوَانُ الْعَرْضِ حَتَّى ذُبَابُهُ ... زَنَابِيرُهُ وَالْأَزْرَقُ الْمُتَلَمِّسُ
الْعِرْضُ: وَادِي الْيَمَامَةِ، وَالزَّنَابِيرُ: النَّحْلُ، وَالْأَزْرَقُ: ذُبَابٌ يَلْسَعُ الْحَمِيرَ، وَسُمِّيَ بِهَذَا الْبَيْتِ الْمُتَلَمِّسُ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَبْنِي الْفِعْلَ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي فَيُدْغِمُ فَيَقُولُ: «أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحِيَّ الْمَوْتَى» بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَ الشَّاعِرُ.
وَكَأَنَّهَا بَيْنَ النِّسَاءِ سَبِيكَةٌ ... تَمْشِي بِسُدَّةِ بَيْتِهَا فَتَعِي
قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الصَّحِيحَ إِذَا سَكَّنَ الْحَرْفَ لَمْ يَجُزِ الْإِدْغَامُ فَكَيْفَ الْمُعْتَلُّ.
قَالَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ ﵁: هُوَ عِنْدِي جَائِزٌ، لِأَنَّ الْمُعْتَلَّ فَرْعٌ لِلصَّحِيحِ فَإِذَا جَازَ فِي الصَّحِيحِ تَحَرَّكَ الْحَرْفُ الثَّانِي فَيُدْغَمُ نَحْوَ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ﴾ جَازَ أَنْ يُدْغَمَ الْمُعْتَلُّ وَيُحَرَّكَ الْحَرْفُ الثَّانِي، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الْيَاءَ إِذَا أُدْغِمَ سُكِّنَ فَصَارَ غَيْرَ عَلِيلٍ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا.
стр. 136
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حُسَيْنٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ «وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ» بِالنَّصْبِ، «إِلَّا مُكَاءٌ وَتَصْدِيَةٌ» بِالرَّفْعِ، وَهَذَا خُلْفٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، لِأَنَّ «كَانَ» إِذَا أَتَى بَعْدَهَا مَعْرِفَةٌ وَنَكِرَةٌ كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ الِاسْمَ وَالنَّكِرَةُ الْخَبَرَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ النَّكِرَةُ اسْمًا لِكَانَ لِضَرُورَةِ شَاعِرٍ كَمَا قَالَ:
كَأَنَّ سَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
وَكَقَوْلِ الْآخَرِ:
فَإِنَّكَ لَا تُبَالِي بَعْدَ حَوْلٍ ... أَظَبْيٌ كَانَ أَمَّكَ أَمْ حِمَارُ
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِلشَّاعِرِ إِذَا كَانَ الْخَبَرُ هُوَ الِاسْمُ أَوْ مِنْ سَبَبِهِ، وَالْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ.
وَرَوَى عَبَّاسٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: «مُكًا» مَقْصُورٌ.
قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: وَلَا وَجْهَ لِلْقَصْرِ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَصْوَاتِ كُلَّهَا جَاءَتْ بِالْمَدِّ نَحْوَ الدُّعَاءِ، وَالرُّغَاءِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ جَاءَ الْبُكَاءُ مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا قَالَ الشَّاعِرُ:
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا ... وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
فَإِنْ صَحَّ فِي اللُّغَةِ قَصْرُهَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو جَازَ كَمَا قُصِرَ الْبُكَاءُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فِي اللُّغَةِ كَمَا شَذَّ فِي الْقِرَاءَةِ رُفِضَ فَاعْرَفْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَطِيفٌ.
وَالْمُكَاءُ مَمْدُودٌ خَفِيفُ الْكَافِ، الصَّفِيرُ، لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، وَالْمُكَاءُ مُشَدَّدُ الْكَافِ، طَائِرٌ، وَجَمْعُهُ مُكَاكِيٌّ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا أَيُّهَا الْمُكَاءُ ما لك هَاهُنَا ... أَلَا وَلَا أَرْطًى فَأَيْنَ تَبِيضُ
فَأَصْعِدْ إِلَى أَرْضِ الْمَكَاكِيِّ وَاجْتَنِبْ ... قُرَى الشَّامِ لَا تَتْوَى وَأَنْتَ حَرِيضُ
فَأَمَّا مَكَاكِيكُ: فَجَمْعُ مَكُّوكٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «لِيُمَيِّزَ اللَّهُ»» مُشَدَّدًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَمَعْنَى ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾
стр. 137
﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أَيْ: يَمِيزَ مَا يُنْفِقُ الْكَافِرُ وَمَا يُنْفِقُ الْمُؤْمِنُ فَيَرْكُمُهُ جَمِيعًا، أَيْ: يَجْعَلُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ يَحْمِلُ عَلَى الْكَافِرِ فِي النَّارِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ عَذَابًا وَثِقَلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وَكَسْرِ السِّينِ، إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ فَتَحَ السِّينَ أَيْضًا، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، جَعَلَ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَيْ: فَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ أَفْلَتُوا مِنْ هَذِهِ الْحَرْبِ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ اللَّهَ، أَيْ: يَفُوتُونَهُ فَ «الَّذِينَ» الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِ «تَحْسَبَنَّ» وَ «كَفَرُوا» صِلَةُ «الَّذِينَ» وَ «سَبَقُوا» الْمَفْعُولُ الثَّانِي، وَ «إِنَّهُمْ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مُسْتَأْنَفٌ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ» بِالْفَتْحِ عَلَى مَعْنَى بِأَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ، وَيَجْعَلُ «أَنَّهُمْ» بَدَلًا مِنْ «سَبَقُوا» وَيَكُونُ مَعْنَى «سَبَقُوا» مَصْدَرًا بِإِضْمَارِ «أَنْ» خَفِيفًا وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ سَبَقُوا، كَمَا تَقُولُ: حَسِبْتُ زَيْدًا أَنْ قَامَ، ثُمَّ تَحْذِفُ «أَنْ» فَتَقُولُ: حَسِبْتُ زَيْدًا قَامَ.
وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ سَبَقُوا».
وَقَوْلُهُ: «إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ» اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى فَتْحِ النُّونِ، لِأَنَّهَا نُونُ جَمَاعَةٍ كَمَا تَقُولُ: يَضْرِبُونَ وَيَأْكُلُونَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لأن أحمد بن عبدان، حدثني عن علي، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: «لَا يُعْجِزُونِي» بِكَسْرِ النُّونِ، أَرَادَ: يُعْجِزُونَنِي فَحَذَفَ إِحْدَى النُّونَيْنِ اخْتِصَارًا، وَحَذَفَ الْيَاءَ اجْتِزَاءً بِالْكَسْرَةِ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِكَسْرِ السِّينِ.
وَالْبَاقُونَ يَفْتَحُونَ، وَذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي الْبَقَرَةِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَالَ: السَّلْمُ: الصُّلْحُ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ السِّلْمُ وَالسَّلْمُ وَالسَّلَمُ وَأَنْشَدَ:
أَنَائِلُ إِنَّنِي سَلْمٌ ... لِأَهْلَكِ فَاقْبَلِي سَلَمِي
وَالسَّلْمُ أَيْضًا: أَيْضًا: السَّلَفُ، وَالسَّلْمُ، أَيْضًا: شَجَرٌ وَاحِدَتُهَا سَلَمَةٌ، وَبِهِ سُمِّيَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، فَأَمَّا الدَّلْوُ فَالسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ اللَّامِ.
стр. 138
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ السِّلْمَ الصُّلْحُ مُذَكَّرٌ، وَالسِّلْمُ الدَّلْوُ مُؤَنَّثٌ، فَلِمَ قَالَ: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وَلَمْ يَقُلْ فَاجْنَحْ لَهُ.
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهَاءَ تَعُودُ عَلَى الْجَنْحَةِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى مَصْدَرِهِ كَمَا قَالَ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ الِاسْتِعَانَةَ لَكَبِيرَةٌ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ، مَنْ كَذَبَ كَانَ شَرًّا لَهُ، مَعْنَاهُ: كَانَ الْكَذِبُ شَرًّا لَهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ الْهَاءَ تَعُودُ عَلَى الصَّلَاةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوُا الْمَلَائِكَةُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «إِذْ تَتَوَفَّى» بِتَاءَيْنِ.
وَالْبَاقُونَ بِيَاءٍ وَتَاءٍ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّكَ تُرِيدُ جَمَاعَةَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا تَقُولُ: قَالَ الرِّجَالُ وَقَالَتِ الرِّجَالُ، وَ ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وَ «فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ» كُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فَإِنَّهُ أَرَادَ: تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ» بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، أَرَادَ: تَتَوَفَّاهُمُ فَأَدْغَمَ فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى هَذَا شَاهِدٌ لِابْنِ عَامِرٍ، غَيْرَ أَنَّ الْبَاقِينَ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ هَذَا قَدْ حَجَزَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ بِحَاجِزٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يكن منكم مائة يغلبوا ألفا﴾.
«فإن يكن مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ».
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ كِلَيْهِمَا بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الثَّانِيَةَ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كِلَيْهِمَا بِالْيَاءِ، فَمَنْ أَنَّثَ فَلِتَأْنِيثِ الْمِائَةِ، وَمَنْ ذَكَّرَ فَلِأَنَّ الْمِائَةَ وَقَعَتْ عَلَى عَدَدِ الْمُذَكَّرِ، وَلِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وَقَدْ مَرَّ شِبْهُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ.
فَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَإِنَّهُ أَتَى بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ جَائِزَةٌ وَهَذِهِ جَائِزَةٌ.
стр. 139
وَحُجَّةٌ أُخْرَى لِأَبِي عَمْرٍو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: أَكَّدَ تَأْنِيثَ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ بِصِفَةِ مُؤَنَّثٍ، فَقَالَ: ﴿فإن يكن مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ «ضَعْفًا» بِفَتْحِ الضَّادِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «ضُعْفًا» بِضَمِّ الضَّادِ وَهُمَا لُغَتَانِ الضَّعْفُ وَالضُّعْفُ، مِثْلُ الْكَرْهِ وَالْكُرْهِ وَالْقَرْحِ وَالْقُرْحِ، وَقَالَ آخَرُونَ: الضُّعْفُ: الِاسْمُ، وَالضُّعْفُ: الْمَصْدَرُ.
وَحُجَّةُ مَنْ ضَمَّ الضَّادَ وَاخْتَارَهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ» وَهِيَ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ قَرَأَ: «عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعَفَاءَ» جَمْعُ ضَعِيفٍ مِثْلَ شَرِيكٍ وَشُرَكَاءَ وَلَمْ يُصَرِّفْ، لِأَنَّ فِي آخِرِهِ هَمْزَةُ التَّأْنِيثِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ أَسِيرٍ مِثْلَ جَرِيحٍ، وَجَرْحَى، وَصَرِيعٍ وَصَرْعَى، فَمَنْ أَنَّثَ رَدَّهُ إِلَى لَفْظِهِ، وَمَنْ ذَكَّرَ فَلِأَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «مِنَ الْأُسَارَى».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مِنَ الْأَسْرَى»، وَالْأُسَارَى جَمْعُ الْجَمْعِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ فِي الْجَيْشِ فَهُمُ الْأَسْرَى، وَمَا جَاءَ مُسْتَأْسِرًا فَهُمُ الْأُسَارَى.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَ ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقُّ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الْوَاوِ فِيهِمَا جميعا.
وقرأ الكسائي بِفَتْحِ الْوَاوِ فِي الْأَنْفَالِ وَكَسْرِ الْوَاوِ فِي الْكَهْفِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهِمَا كِلَيْهِمَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ الْوِلَايَةُ وَالْوَلَايَةُ مِثْلُ الْوِكَالَةِ وَالْوَكَالَةِ والدلالة والدلالة.
стр. 140
وَقَالَ آخَرُونَ: الْوِلَايَةُ: الْإِمَارَةُ، وَالْوَلَايَةُ فِي الدِّينِ يُقَالُ: وَلِيٌّ بَيِّنُ الْوَلَايَةِ وَلَا يُقَالُ: وَالٍ حَسَنُ الْوِلَايَةِ.
فَأَمَّا الْكِسَائِيُّ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ أَتَى بِاللُّغَتَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي يَاءَيْنِ:
﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وَ ﴿أَنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. فَفَتَحَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وأبو عمرو أسكنها الباقون (١). стр. 141
وَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا بَرَاءَةُ
«التَّوْبَةُ»
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ عَامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ، الْأُولَى أَلِفُ الْجَمْعِ، وَالثَّانِيَةُ أَصْلِيَّةٌ، لِأَنَّهُ جَمْعُ إِمَامٍ مِثْلُ حِمَارٍ وَأَحْمِرَةٍ وَرِدَاءٍ، وَأَرْدِيَةٍ، وَوَزْنُهُ: أَفْعِلَةٌ، وَالْأَصْلُ: أَأِمْمَةٌ فَنَقَلُوا كَسْرَةَ الْمِيمِ إِلَى الْهَمْزَةِ وَأَدْغَمُوُا الْمِيمَ فِي الْمِيمِ.
وَالْبَاقُونَ كَرِهُوُا الْجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ فَلَيَّنُوُا الثانية فصارت لفظة كياء ﴿أئمة الْكُفْرِ﴾.
وَالْيَاءُ سَاكِنَةٌ، وَبَعْدَهَا الْمِيمُ الْمُدْغَمَةُ سَاكِنَةٌ، وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَرْفُ لِينٍ نَحْوَ قَوْلِكَ فِي تَصْغِيرِ أَصَمٍّ: أُصَيْمٌ فَاعْلَمْ، إِلَّا الْمُسَيَّبِيَّ، عَنْ نَافِعٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ «آئِمَّةَ الْكُفْرِ» مَمْدُودَةً، كَأَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ، أَلِفًا وَلَيَّنَ الثَّانِيَةَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «إِنَّهُمْ لَا إِيمَانَ لَهُمْ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَعَلَهُ مَصْدَرًا مِنْ آمَنَ إِيمَانًا، وَلَهُ حُجَّتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: لَا دِينَ لَهُمْ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: لَا أَمَانَ لَهُمْ.
وقرأ الباقون: «إنهم لَا أَيْمَانَ لَهُمْ» بِالْفَتْحِ جَمْعُ يَمِينٍ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهُ فِي التَّفْسِيرِ: لَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا مِيثَاقَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِالتَّوْحِيدِ، أَرَادَا: بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ خَاصَّةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوُا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ وَ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مَسَاجِدَ» جَمْعًا، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْخَاصَّ يَدْخُلُ فِي الْعَامِّ وَالْعَامُّ لَا يَدْخُلُ فِي الْخَاصِّ فَأَمَّا الثَّانِي: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ فَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى جَمْعِهِ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا كُلَّ مَسْجِدٍ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، إِلَّا مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُ قَرَأَ بالتوحيد أيضا.
стр. 142
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
فَمَنْ نَوَّنَ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ أَعْجَمِيًّا فَهُوَ خَفِيفٌ، وَتَمَامُ الِاسْمِ فِي الِابْنِ.
وَحُجَّةٌ أُخْرَى: أَنْ تَجْعَلَهُ عَرَبِيًّا، لِأَنَّهُ فِي مِثَالِ الْمُصَغَّرَاتِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَهُ اشْتِقَاقٌ، «وَعُزَيْرٌ» رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ «وَابْنُ» خَبَرُهُ، وَإِنَّمَا يُحْذَفُ التَّنْوِينُ مِنَ الِاسْمِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ إِذَا كَانَ الِابْنُ نَعْتًا لِلِاسْمِ نَحْوَ جَاءَنِي زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ زَيْدُ بْنَ عبد الله فلا بد مِنَ التَّنْوِينِ، لِأَنَّهُ خَبَرُهُ، وَحُجَّةٌ أُخْرَى: أَنَّ عزيزا قَدْ أُضِيفَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَالْعَرَبُ إِذَا أَضَافَتِ الِاسْمَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ نَوَّنُوا لِقِلَّةِ الِاسْتِعْمَالِ.
فَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ لَمْ يُنَوِّنْ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا أَعْجَمِيًّا، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ مُصَغَّرًا وَقَالَ: إِنْ كَانَ الْأَعْجَمِيُّ ثُلَاثِيًّا نَحْوَ عَادٍ وَنُوحٍ وَلُوطٍ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَدَعُ صَرْفَهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ تَأَمَّلْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَوَجَدْتُ فِيهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ حَرْفًا مِمَّا يُنَوَّنُ وَلَا يُنَوَّنُ وَسَأَذْكُرُهَا جُمْلَةً لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ.
فَأَوَّلُ ذَلِكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ قَرَأَ زُهَيْرٌ الْفُرْقُبِيُّ: «لَا رَيْبَ فِيهِ».
وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: «لَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ».
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: «اهْبِطُوا مِصْرَ» قَالَ الْأَخْفَشُ: وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَى» مثل «ولله الأسماء الحسنى» الأعراف.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: «وَلَا تَقُولُوا رَاعِنَا».
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «فِدْيَةُ طَعَامِ».
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبو عمرو: «فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ».
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ المدني: «ولا جدال» بالرفع أيضا.
وقرأ أبو عمرو وَابْنُ كَثِيرٍ: «لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلَّةَ وَلَا شَفَاعَةَ».
وَ«لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خلال»، «لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ».
وَقَرَأَ عَطَاءٌ: «فَنَاظِرُهُ إِلَى مَيْسُرِهِ».
وَفِي آلِ عِمْرَانَ «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» نَوَنَّهَا أَبُو حَيْوَةَ.
وَفِيهَا «وَكَأَيِّنْ» وَلَهَا نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ.
стр. 143
وَفِي النِّسَاءِ قَرَأَ الْحَسَنُ: «غَيْرَ مُضَارِّ وَصِيَّةٍ» مُضَافًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ.
وَفِي الْمَائِدَةِ «وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ» قَرَأَ بِهَا الشَّعْبِيُّ.
وَفِيهَا: «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ» لَمْ يُنَوِّنْهَا نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ.
وَفِيهَا: «فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ» نَوَنَّهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يُنَوِّنْهَا الْبَاقُونَ.
وَفِي الْأَنْعَامِ «خَالِصُهُ لِذُكُورِنَا» بِهَاءٍ مَكْنِيَّةٍ، قَرَأَ بِهَا بَعْضُهُمْ.
وَفِيهَا: «نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ» وَكَذَلِكَ فِي يُوسُفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يُنَوِّنُونَهُ وَالْبَاقُونَ يُضِيفُونَهُ.
وَفِي الْأَعْرَافِ قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «جَعَلَا لَهُ شِرْكًا» مُنَوَّنًا.
وَفِيهَا: «جَعَلَهُ دَكًّا».
وَفِي الْكَهْفِ، مِثْلُهُ، حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ لَا ينونانه.
وفي الأنفال حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ» مُضَافًا.
وَفِيهَا: «وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعَفَاءَ» جَمْعُ ضَعِيفٍ، قرأ بها أبو جعفر.
وفي براءة: «عزيز ﴿ابْنُ اللَّهِ» نَوَّنَهَا عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ.
وَفِي الْقُرْآنِ نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا مِنْ ذِكْرِ ثَمُودٍ نَوَّنَهَا الْأَعْمَشُ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يُنَوِّنْهَا حَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ فَيَخْتَلِفُونَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ سَيَجِيءُ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ هُودٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِي الْقُرْآنِ نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا فِي قوله: «فبأي آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» نَوَّنَهَا أَبُو دِينَارٍ الْأَعْرَابِيُّ.
وَفِي إبراهيم «وآتاكم من كل ما سألتموه» نونها سلام أبو المنذر.
وَفِي مَرْيَمَ قَرَأَ أَبُو نُهَيْكٍ: «كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ».
وَفِي الْكَهْفِ، قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: «فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى».
وَفِي بَنِي إِسْرَائِيلَ «كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ» قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
وَفِيهَا «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ» نَوَّنَهَا نَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ فِي الْقُرْآنِ.
وَفِي طَهَ «طَوَى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ» وَمِثْلُهُ فِي النَّازِعَاتِ نَوَّنَهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ.
стр. 144
وَفِي الْأَنْبِيَاءِ «وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ» قَرَأَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ.
وَفِي قَدْ أَفْلَحَ «رُسُلُنَا تَتْرًا» نَوَّنَهَا أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ.
وَفِي الزُّمُرِ حَرْفَانِ، «كَاشِفَاتٌ ضُرَّهُ» وَ «مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتَهُ» نَوَّنَهَا أَبُو عَمْرٍو وَمِثْلُهُ فِي الْمُؤْمِنِ «عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» وَفِي الْأَحْزَابِ قرأ ابن مسعود: «وكان عبد الله وجيها».
ومثله: «ترهبون به عدو الله».
وفي الصف: «كونوا أنصار الله».
وَفِي النَّمْلِ: «مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ».
وَفِيهَا أَيْضًا: «بِشِهَابٍ قَبَسٍ» نَوْنَّهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ.
وَفِيهَا: «وَمَا أَنْتَ بِهَادٍ الْعُمْيَ» نَوَّنَهَا وَنَصَبَهَا ابْنُ عَامِرٍ، وَلَمْ يُنَوِّنْهَا عُمَارَةُ بْنُ عُقَيْلِ بْنِ بِلَالِ بْنِ جَرِيرٍ.
وَفِي قَدْ أَفْلَحَ «هَيْهَاتٍ هَيْهَاتٍ» نَوَّنَهَا أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ، وَفِي النَّازِعَاتِ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: «إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ مَنْ يَخْشَاهَا» بِالتَّنْوِينِ.
وَفِي الْأَنْعَامِ أَيْضًا قَرَأَ الْحَسَنُ «فله عشر أمثالها» وفي سبأ والنمل «لَقَدْ كَانَ لِسَبَأَ» غَيْرُ مَصْرُوفَيْنِ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو.
وَفِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ حَرْفَانِ أَيْضًا، قَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: «مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ خُضْرٍ وَعَبَاقِرِيَّ حِسَانٍ» غَيْرَ مُنَوَّنَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ التَّنْوِينُ عَنْهُ.
وَفِي سُورَةِ «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ» ثَلَاثُ أَحْرُفٍ «سَلَاسِلَ» لَمْ يُنَوِّنْهَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَ «قَوَارِيرَ قَوَارِيرَ» نَوَّنَهَا بَعْضُهُمْ وَتَرَكَ التَّنْوِينَ بَعْضُهُمْ، وَسَنُفَسِّرُهُ إِذَا مَرَرْنَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِي النُّورِ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: «سَحَابُ ظُلُمَاتٍ» غَيْرُ مُنَوَّنٍ.
وَفِي إِبْرَاهِيمَ قَرَأَ عِكْرِمَةُ: «مِنْ قَطِرَانٍ» وَقَرَأَ أَيْضًا فِي النَّحْلِ «حِينًا تُرِيحُونَ وَحِينًا تَسْرَحُونَ» وَلَهُمَا ثَلَاثَةُ نَظَائِرَ، فِي الرُّومِ «حِينًا تُمْسُونَ وَحِينًا تُصْبِحُونَ وَعَشِيًّا وَحِينًا تُظْهِرُونَ».
وَفِي الْمُدَّثِّرِ قَرَأَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ» وَفِي بَرَاءَةَ قَرَأَ نَافِعٌ: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ».
стр. 145
وَفِي الْحِجْرِ قَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ «هَذَا صِرَاطٌ عَلَيُّ مُسْتَقِيمٌ» وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ» وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ اللَّهُ وَفِي الْأَرْضِ اللَّهُ».
وَفِيهَا قَرَأَ أُبَيٌّ: «أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ» بِغَيْرِ هَاءٍ وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
وَفِي هُودٍ قَرَأَ الزُّهْرِيُّ: «وَإِنْ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ».
وَفِي لُقْمَانَ: «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمه ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً».
وَفِي الْكَهْفِ قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «ثَلَاثَمِائَةِ سِنِينَ» مُضَافًا.
وَفِي الْعَنْكَبُوتِ قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وَابْنِ عَامِرٍ وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: «إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بَيْنَكُمْ» وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عَاصِمٍ «مَوَدَّةً» بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا.
وَفِي الْفَجْرِ قَرَأَ الْحَسْنُ: «بِعَادِ إِرَمَ».
وَفِي اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قَرَأَ زُهَيْرٌ الْفُرْقُبِيُّ: «إِلَّا ءَالَ لُوطَ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرَ» غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
وَفِي الْأَعْرَافِ قَرَأَ الْحَسَنُ «بِعَذَابِ بِئَيْسٍ» غَيْرَ مُنَوَّنٍ.
وَفِي الصَّافَّاتِ قَرَأَ حَمْزَةُ «بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ» وَقَرَأَ عَاصِمٌ «بِزِينَةٍ» مُنَوَّنَةٍ أَيْضًا وَنَصَبَ يَحْيَى «الْكَوَاكِبَ» فَأَمَّا قِرَاءَةُ الْحَسَنِ فِي ق «أَلْقِيَنْ فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ» فَهِيَ نُونٌ خَفِيفَةٌ وَلَيْسَتْ تَنْوِينًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أن الفعل ينون، وكذلك ﴿من لدن﴾، ﴿وَكَأَيِّنْ﴾. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُمَا لِأُبَيِّنَ عِلَّتَهُمَا فِي كِتَابٍ قَدْ أَفْرَدْتُهُ.
وَفِي ص قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ «بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ» مُضَافًا.
وَفِي يُوسُفَ قَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ «إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلُ وَمِنْ دُبُرُ» مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الضَّمِّ.
وَفِي الْأَنْبِيَاءِ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَيَحْرُمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا».
وَفِي النِّسَاءِ قَرَأَ الْحَسَنُ: «إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أُنْثَى».
وَفِي هُودٍ «مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ» حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَكَذَلِكَ فِي الْمُؤْمِنُونَ.
فَذَلِكَ مِائَةُ حَرْفٍ وَخَمْسُونَ حَرْفًا، وَإِنَّمَا لَمْ أَذْكُرْ عِلَلَهَا لِأَنِّي قَدْ تَقَصَّيْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ أَفْرَدْتُهُ لِذَلِكَ، وَقَدْ وَجَدْتُ حَرْفًا فِي سُورَةِ الْجِنِّ، قَرَأَ عِكْرِمَةُ: «وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدًّا»
следующие страницы →