Полный текст (555 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قراءة أبي «ليسوأن» لَامَ التَّأْكِيدِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «يَلْقَاهُ» مُشَدَّدًا، جَعَلَ الْفِعْلَ لِغَيْرِ الْإِنْسَانِ، أَيِ: الْمَلَائِكَةُ تَلْقَاهُ بِالْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ نُسْخَةُ عَمَلِهِ، وَشَاهِدُهُ: ﴿وَكُلُّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرُهُ﴾. فَيَلْزَمَ الطَّائِرَ وَيَلْقَى الْكِتَابَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَلْقَاهُ» جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْإِنْسَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَلْزَمَهُ طَائِرَهُ لَقِيَ هُوَ الْكِتَابَ وَصَحَائِفَ عَمَلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. وَلَمْ يَقُلْ: يُلَقَّ أَثَامًا، وَهَذَا وَاضِحٌ بَيِّنٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾.
اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ السَّبْعُ عَلَى «أَمَرْنَا» بِالتَّخْفِيفِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَقَصْرِ الْأَلِفِ، وَلَهُ مَعْنَيَانِ:
أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَةِ فَفَسَقُوا فِيهَا.
وَتَكُونُ مِنَ الْكَثْرَةِ، يُقَالُ: أَمَرَ بني فُلَانٍ إِذَا كَثُرُوا، وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ فَهُمْ مَأْمُورُونَ، وَأَمَرَهُمُ فَاللَّهُ مُؤَمِّرٌ، وَهُمْ مُؤَمَّرُونَ.
فَأَمَّا حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الْمَالِ: مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْمُهْرَةِ الْكَثِيرَةَ النِّتَاجِ، وَإِنْ قِيلَ الْمَأْمُورَةُ، مِنْ أَجْلِ الْمَأْبُورَةِ، وَالسِّكَّةُ: الطَّرِيقُ مِنَ النَّخْلِ، وَالْمَأْبُورَةُ: الْمُصْلَحَةُ الْمُلَقَّحَةُ، وَلَوِ انْفَرَدَتْ لِقِيلَ:
مُؤَمَّرَةٌ، كَمَا يُقَالُ: «جَاءَ بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا» وَغَدٌ: لَا يُجْمَعُ عَلَى غَدَايَا وَلَكِنْ لَمَّا قَارَنَ الْعَشَايَا أَجْرَى لَفْظَهُ عَلَى لَفْظِهِ لِيَزْدَوِجَ الْكَلَامُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُقَالُ: أَمَرَ الشَّيْءَ وَأَمَرَهُ غَيْرُهُ كَمَا يُقَالُ: نَزَحَتِ الْبِئْرُ وَنَزَحَتْهَا، وَفَغَرَ فُوهُ وَفَغَرَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْحَرْفَ، لِأَنَّ خَارِجَةَ رَوَى عَنْ نَافِعٍ، وَحَمَّادَ بْنَ سلمة، عن ابن كثير «أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا» مِثْلَ قِرَاءَةِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ جَعَلَهُ مِنَ الْإِمَارَةِ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ السِّمَّرِيِّ عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: «آمِرْنَا مُتْرَفِيهَا».
بِكَسْرِ الْمِيمِ وَمَدِّ الْأَلِفِ وَهَذِهِ رَدِيئَةٌ، لِأَنَّ فَعِلَ لَا يَتَعَدَّى عِنْدَ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ مِنْ أَمِرَ، لِأَنَّ أَمِرَ لَازِمٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ لُغَتَيْنِ فَيُعَدَّى أَمِرَ كَمَا يُعَدَّى أَمَرَ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَرْنَا، الْأَصْلُ آمَرْنَا فَتُحْذَفُ الْمَدَّةُ كَمَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ: «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ».
стр. 212
وحدثني أحمد بن علي، عن أبي عبيدة، قَالَ: الِاخْتِيَارُ «أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا». لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، يَكُونُ مِنَ الْأَمْرِ وَمِنَ الْإِمَارَةِ، وَمِنَ الْكَثْرَةِ أَنْشَدَنِي، فِي «أَمَرَ الرَّجُلِ»: إِذَا صَارَ أَمِيرًا:
كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا ... وَحَيْثُ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا
قَدْ أَمَرَ الْمُهَلَّبُ
أَيْ: صَارَ أَمِيرًا، وَمَعْنَى كَرْنِبُوا، أَيْ: لَقِّحُوا نَخْلَكُمْ وَدَوْلِبُوا: أَيْ عَلِّقُوا دوابكم.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا ﴿تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْكَسْرِ مَعَ التَّنْوِينِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «أُفِّ» بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ يكنى بها الْكَلَامُ الْقَبِيحُ وَمَا يُتَأَفَّفُ مِنْهُ، لِأَنَّ التُّفَّ: وَسَخُ الظُّفْرِ: وَالْأُفَّ: وَسَخُ الْأُذُنِ، وَقَدْ جَرَى مَجْرَى الْأَصْوَاتِ فَزَالَ الْإِعْرَابُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ صَهْ معناه: اسكت ومه مَعْنَاهُ: كُفَّ، وَ ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ مَعْنَاهُ: بَعِيدَ بَعِيدَ، فَإِذَا نَوَّنْتَ أَرَدْتَ النَّكِرَةَ سُكُوتًا وَكَفًّا وَقُبْحًا، وَإِذَا لَمْ تُنَوِّنْ أَرَدْتَ الْمَعْرِفَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ جَاءَ حَرَكَةُ الْفَاءِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ؟
فَقُلْ: لِأَنَّ حَرَكَتَهَا لَيْسَتْ حَرَكَةُ إِعْرَابٍ، وَإِنَّمَا هِيَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فَيُفْتَحُ لِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ وَيُضَمُّ، لِأَنَّهُ يُتْبِعُ الضَّمَّ الضَّمَّ، وَيُكْسَرُ لِأَنَّ حُكْمَ السَّاكِنَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا أَنْ يُكْسَرَ أَحَدُهُمَا، وَمِثْلُهُ مُدَّ وَمَدُّ وَمُدِّ وَيُنْشِدُ هَذَا الْبَيْتَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا
غُضَّ وَغُضُّ وَغُضِّ، وَفِي: «أُفٍّ» سَبْعُ لُغَاتٍ: أُفَّ وَأُفُّ وَأُفِّ، وَأُفًّا وَأُفٍّ، وَأُفَّى مُمَالُ وَزَادَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أُفْ مُخَفَّفَةً.
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَهْرُوَيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْغَازِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرَّضِيِّ عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى لَفْظَةً أَوْجَزَ فِي تَرْكِ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ «أُفٍّ» لَأَتَى بِهَا.
стр. 213
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾.
قَرَأَ وَالْكِسَائِيُّ «يَبْلُغَانِ عِنْدَكَ» عَلَى الِاثْنَيْنِ لِذِكْرِ الْوَالِدَيْنِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَبِمَ تَرْفَعُ «أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا»؟
فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ «يَبْلُغَانِ».
وَيَجُوزُ أَنْ تَرْفَعَهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَبْلُغَانِ عِنْدَكَ الْكِبَرَ يَبْلُغُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا.
وَيَكُونُ رَفْعًا عَلَى السُّؤَالِ وَالتَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَسَرُّوُا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَبْلُغَنَّ» لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا تَقَدَّمَ لَمْ يُثَنَّ وَلَمْ يُجْمَعْ وَلَا ضَمِيرَ فِيهِ فَيَرْتَفِعُ «أَحَدُهُمَا» بِفِعْلِهِ وَهُوَ «يَبْلُغَنَّ» وَيُنْسَقُ «أَوْ كِلَاهُمَا» عَلَى «أَحَدِهِمَا» هَذَا بَيِّنٌ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: فَقَالَ: هَلْ أَبَاحَ اللَّهُ أَنْ يُقَالَ لَهُمَا «أُفٍّ» قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَا الْكِبَرَ؟
فَالْجَوَابُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ عَلَى الْوَلَدِ لِجَمَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ الطَّاعَةَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَحَظَرَ عَلَيْهِ أَذَاهُمَا، وَإِنَّمَا خَصَّ الْكِبَرَ، لِأَنَّ وَقْتَ كِبَرِ الْوَالِدَيْنِ مِمَّا يَضْطَرُّ الْوَلَدُ إِلَى الْخِدْمَةِ إِذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ مَثَلًا لِلْبَارِّ بِأَبَوَيْهِ فَيَقُولُونَ: «فُلَانٌ أَبَرُّ مِنَ النَّسْرِ» وَذَلِكَ أَنَّ النَّسْرَ إِذَا كَبُرَ وَلَمْ يَنْهَضْ لِلطَّيَرَانِ جَاءَ الْفَرْخُ فَزَقَّهُ كَمَا كَانَ أَبَوَاهُ يَزُقَّانِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾.
إِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الأعجوبة في «وكهلا» في كلام عِيسَى ﷺ وَهُوَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أُعْجُوبَةٌ، وَخَبَّرَ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَكْتَهِلَ فَيَتَكَلَّمُ بَعْدَ الطُّفُولَةِ، وَنَحْوَهُ قَوْلُهُ: ﴿الأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمْرَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَلَّكَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا أَقْوَامًا جَعَلَهُمْ مُلُوكًا وَخُلَفَاءَ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ لَا مَلِكَ سِوَاهُ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثُمَّ أَجَابَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ.
- وقوله تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطأ كَبِيرًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «كَانَ خَطَأً كَبَيرًا» بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْهَمْزِ وَالطَّاءِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْمَدِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «خِطْأً» بِكَسْرِ الْخَاءِ وَجَزْمِ الطَّاءِ مَقْصُورًا، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ
стр. 214
تَقُولُ: خَطِئَ زَيْدٌ يَخْطَأُ خَطَأً فهو خَاطِئٌ مِثْلَ أَثِمَ يَأْثَمُ إِثْمًا فَهُوَ آثِمٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
عِبَادُكَ يُخْطِئُونَ وَأَنْتَ رَبٌّ ... بِكَفَّيْكَ الْمَنَايَا لَا تَمُوتُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «يَا خَاطِئَ بْنَ الْخَاطِئِ» وَقَالَ لِآخَرَ:
وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنَ تَكَنَّفَاهُ ... غَدَاةَ إِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَخَابَا
وَمَعْنَى «خِطْئَا كَبِيرًا» أَيْ: إِثْمًا كَبِيرًا.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ «أَنَّهُ كَانَ خَطَأً» فَهُوَ ضِدُّ الْعَمْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ بِمَعْنَى الْخَطَأِ كَمَا تَقُولُ: قِتْبٌ وَقَتَبٌ وَبَدْلٌ وَبَدَلٌ وَ «خِطَاءً» عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ فِعَالٌ مِنَ الْخَطَأِ أَيْضًا، مِثْلَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَالْخَطِيئَةُ مِنْ ذَلِكَ.
فَأَمَّا قِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ، فَجَعَلَهُ مَصْدَرًا، خَطِئَ خَطَأً مِثْلَ شَرِبَ شُرْبًا وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
وَالنَّاسُ يَلْحَوْنَ الْأَمِيرَ إِذَا هُمُ ... خَطِئُوُا الصَّوَابَ وَلَا يُلَامُ الْمُرْشِدُ
قَالَ: خطئوا بمعنى الخطأ هاهنا، وَأَخْبَرَنِي ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ: مَكَانٌ مَخْطُوءٌ فِيهِ مِنْ خَطِئْتُ، وَمَكَانٌ مُخْطَأٌ فِيهِ مِنْ أَخْطَأَ يُخْطِئُ، وَمَكَانٌ مَخْطُوٌّ فِيهِ بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنْ تَخَطَّى النَّاسَ يَتَخَطَّى تَخَطِّيًا، وَمَنْ هَمَزَ تَخَطَّأْتُ النَّاسَ فَقَدْ غَلِطَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «فَلَا تُسْرِفْ» بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ.
فَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ: قِرَاءَةُ أُبَيٍّ «فَلَا تُسْرِفُوا فِي الْقَتْلِ»: وَحُجَّةُ مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ قَالَ: لِأَنَّ ذِكْرَ الْوَلِيِّ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا مَعْنَاهُ، فَلَا يُسْرِفِ الْوَلِيُّ فِي الْقَتْلِ إِنَّ الْوَلِيَّ كَانَ مَنْصُورًا.
وَمَعْنَى الْإِسْرَافِ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَأَرَادَ الْوَلِيُّ قَتْلَ الْقَاتِلِ لَمْ يُمَثِّلْ بِهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِكَسْرِ الْقَافِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وَهُمَا لُغَتَانِ، غَيْرَ أَنَّ الضَّمَّ أَفْصَحُ، لِأَنَّهَا حِجَازِيَّةٌ وَمَعْنَاهُ:
الميزان العدل.
стр. 215
وَقَالَ آخَرُونَ: الْقِسْطَاسُ بِالرُّومِيَّةِ تَكَلَّمَتِ الْعَرَبُ بِهَا وَهُوَ الْقَرَسْطُونُ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الشَّاهِينُ.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ: رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: «وَزَنُوا بِالْقِصْطَاسِ» الْحَرْفُ الْأَوَّلُ بِالصَّادِ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَإِنَّمَا قُلِبَتِ السِّينُ صَادًا لمجيء الطَّاءِ بَعْدَهَا كَمَا قُرِئَ «الصِّرَاطُ» وَالْأَصْلُ: السِّرَاطُ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ عَامِرٍ «سَيِّئُهُ» مُضَافًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «سَيِّئَةً».
فَمَنْ أَضَافَ فَشَاهِدُهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ «كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَاتُهُ» بِالْجَمْعِ مُضَافًا.
وَمَنْ لَمْ يُضِفْ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ حَسَنٌ فَيَكُونُ سَيِّئُهُ مَكْرُوهًا. لَكِنْ كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ هُوَ سَيِّئَةً مَكْرُوهًا.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: «كُلُّ» جَمَاعَةٌ فَلِمَ وُحَّدْتَ كَانَ؟
فَقُلْ: إِنَّ «كل» وإن كان معناه الجمع فلفظه الْوَاحِدُ فَلَكَ أَنْ تُوَحِّدَ عَلَى اللَّفْظِ، وَتَجْمَعَ عَلَى الْمَعْنَى، قَالَ اللَّهُ ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ «لِيَذْكُرُوا» خَفِيفًا ذَكَرَ يَذْكُرُ مِثْلَ دَخَلَ يَدْخُلُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لِيَذَّكَّرُوا» مُشَدَّدًا، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، أَرَادُوا: لِيَتَذَكَّرُوا فَأَدْغَمُوُا التَّاءَ فِي الذال فالتشديد من أجل ذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «عَمَّا تَقُولُونَ»، ««كَمَا تَقُولُونَ» «تُسَبِّحُ» ثَلَاثَتُهُنَّ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَهُنَّ ابْنُ كَثِيرٍ بِالْيَاءِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، قَرِيبٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ:
فَعَلْتُ كَذَا، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ فَعَلَ كَذَا، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾.
أَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ: «كَمَا تَقُولُونَ» بِالتَّاءِ، وَ «تُسَبِّحُ» بِالتَّاءِ، وَالْأَخِيرُ بِالْيَاءِ، وَشَاهِدُهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ: «سَبَّحَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ» فَهُوَ يُؤَدِّي إِلَى التَّأْنِيثِ.
стр. 216
وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَقَالَ: لِأَنَّ «السَّمَاوَاتُ» جَمْعٌ قَلِيلٌ، وَالْعَرَبُ تُذَكِّرُ فِعْلَ جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ إِذَا كَانَ قَلِيلًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾. وَلَمْ يَقُلِ: انْسَلَخَتْ، وَ ﴿قَالَ نِسْوَةٌ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: قَالَتْ: فَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيَّ لِمَ صَارَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ثَعْلَبًا فَقَالَ: لِأَنَّ جَمْعَ الْقَلِيلِ قَبْلَ الْكَثِيرِ، وَالْمُذَكَّرَ قَبْلَ الْمُؤَنَّثِ، فَجُعِلَ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَلَهُ حُجَّةٌ أُخْرَى، قَالَ: لَمَّا فَصَلَ بَيْنَ الِاسْمِ فَاصِلٌ وَهُوَ «لَهُ» جَازَ تَذْكِيرُهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ نَافِعٌ وَغَيْرُهُ، «كَمَا تَقُولُونَ» بِالتَّاءِ، «عَمَّا يَقُولُونَ» بِالْيَاءِ، وَ «يُسَبِّحُ» بِالْيَاءِ أَيْضًا، وَخَالَفَهُمْ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ فَقَرَأَ: «كَمَا يَقُولُونَ» وَ «عَمَّا يَقُولُونَ» بِالْيَاءِ فِيهِمَا جَمِيعًا و «تسبح» بالتاء.
- وقوله تعالى: ﴿أإذا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِمَا، الْأُولَى اسْتِفْهَامٌ وَالثَّانِيَةُ أَصْلِيَّةٌ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ فِيهِمَا، وَيَجْعَلُ بَيْنَهَا مَدَّةً.
وَابْنُ كَثِيرٍ يَقْرَأُ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُمِدُّ، كَأَنَّهُ يَهْمِزُهُ وَيَأْتِي بِيَاءٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ سَاكِنَةٍ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ الْأُولَى مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو، وَلَا يَسْتَفْهِمْ بِالثَّانِي، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ الْأُولَى مِثْلَ حَمْزَةَ، وَالثَّانِيَةُ مِثْلَ نَافِعٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّةَ ذَلِكَ فِي الْأَعْرَافِ وَفِي الرَّعْدِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿دَاوُدَ زَبُورًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «زَبُورًا» بِالضَّمِّ.
وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ، فِي النِّسَاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أخرتن﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَصْلًا وَحَذَفَهَا وَقْفًا، إِلَّا ابْنَ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ وَقَفَ بِيَاءٍ.
وَالْبَاقُونَ يَحْذِفُونَهَا وَصْلًا وَوَقْفًا وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهَا فِي الْبَقَرَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهَا هُنَا، لِأَنَّ «لَئِنْ» حَرْفُ شَرْطٍ وَلَا يَلِيهِ إِلَّا الْمَاضِي، وَالشَّرْطُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ.
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ اللَّامَ فِي «لَئِنْ» تَأْكِيدٌ يَرْتَفِعُ الْفِعْلُ بَعْدَهُ، وَ «إِنْ» حَرْفُ
стр. 217
شَرْطٍ يَنْجَزِمُ الْفِعْلُ بَعْدَهُ فَلَمَّا جَمَعُوا بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْزِمْ فِعْلَ وَاحِدٍ وَيَرْفَعَ فَغَيَّرُوُا الْمُسْتَقْبَلَ إِلَى الْمَاضِي، لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يَبِينُ فِيهِ إِعْرَابٌ فَهَذِهِ عِلَّةٌ لَطِيفَةٌ فَاعْرَفْهَا، لِأَنَّ كُلَّ مَا أَتَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ «لَئِنْ» فَلَا يَلِيهِ إِلَّا الْمَاضِي نَحْوَ قَوْلِهِ:
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ «وَرَجْلِكَ» بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّامَ كُسِرَتْ عَلَامَةً لِلْجَرِّ، وَكُسِرَتِ الْجِيمُ اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ اللَّامِ كَمَا تَقُولُ: هَذَا شَيْءٌ مِنْتِنٌ، وَالْأَصْلُ: مُنْتِنٌ فَكَسَرُوُا الْمِيمَ لِكَسْرَةِ التَّاءِ، وَكَمَا قَرَأَ الْحَسَنُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «وَرَجْلِكَ» سَاكِنُ الْجِيمِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّ رَجْلَكَ جَمْعُ رَاجِلٍ، فَرَاجِلٌ وَرَجْلٌ كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَشَارِبٍ وَشَرْبٍ وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ، وَقَاتِلٍ وَقَتْلٍ وَسَافِرٍ وسفر ويائس ويأس.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ﴾، ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو كُلُّ ذَلِكَ بِالنُّونِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَالنُّونُ إِخْبَارُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ، فَمَعْنَاهُ:
أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ.
وَفِي هَذِهِ الْأَيَةِ حَرْفَانِ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ عَبْدٍ «فَنُغْرِقُكُمْ» مُدْغَمًا.
وَالْبَاقُونَ يُظْهِرُونَ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِاخْتِلَافِ الْحَرْفِ وَلِسُكُونِ الْغَيْنِ وَفِيهَا أَيْضًا: «أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ» مُدْغَمًا رَوَاهُ أَبُو الْحَارِثِ عَنِ الْكِسَائِيِّ لِقُرْبِ الْفَاءِ من الباء.
وَالْبَاقُونَ يُظْهِرُونَ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْبَاءَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الشَّفَتَيْنِ، وَالْفَاءَ مِنْ بَاطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلَى وَالثَّنَايَا الْعُلْيَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْإِمَالَةِ فِيهِمَا إِلَّا حَفْصًا فَإِنَّهُ فَتَحَهُمَا، لِأَنَّ الْيَاءَ مُتَطَرِّفَةٌ وَهُوَ رُبَاعِيٌّ فَأَمَالُوا ذَلِكَ، وَالْعَرَبُ قَدْ تُمِيلُ ذَوَاتِ الْوَاوِ إِذَا كَانَ رُبَاعِيًّا نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ فَكَيْفَ بِذَوَاتِ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ بِالتَّفْخِيمِ فِيهِمَا، وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ الْيَاءَ فِيهِمَا قَدْ
стр. 218
صَارَتْ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَالْأَصْلُ: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى، مَنْ كَانَ فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا أَعْمَى فَهُوَ فِي نَعِيمِ الْآخِرَةِ أَعْمَى.
وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو أَحْذَقَهُمْ فَفَرَّقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ فَقَرَأَ: «وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى» بِالْإِمَالَةِ: «فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى»، بِالْفَتْحِ أَيْ: أَشَدُّ عَمًى، فَجَعَلَ الْأَوَّلَ صِفَةً بِمَنْزِلَةِ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ، وَالثَّانِي بِمَنْزِلَةِ أَفْعَلَ مِنْكَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُقَالُ: هُوَ أَشَدُّ عَمًى فَلِمَ قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ وَلَمْ يَقُلْ: أَشَدُّ عَمًى؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعَمَى عَلَى ضَرْبَيْنِ: عَمَى الْعَيْنِ وَعَمَى الْقَلْبِ فَيُقَالُ: مَا أَشَدَّ عَمَاهُ فِي الْعَيْنِ، وَفِي الْقَلْبِ، مَا أَعْمَاهُ، بِغَيْرِ أَشَدَّ، لِأَنَّ عَمَى الْقَلْبِ حُمْقٌ، وَرُبَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ ضَرُورَةً، مَا أَبْيَضَهُ وَمَا أَحْمَرَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَمَّا الْمُلُوكُ فَأَنْتَ الْيَوْمَ أَلْأَمُهُمْ ... لُؤْمًا وَأَبَيْضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ
وَيُقَالُ: مَا أَسْوَدَهُ مِنَ السُّؤْدَدِ لَا مِنْ سَوَادِ اللَّوْنِ، وَمَا أَحْمَرَهُ مِنَ الْبِلَادَةِ كَأَنَّهُ حِمَارٌ لَا مِنَ الْحُمْرَةِ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ: أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: امْرَأَةٌ مُسْوَدَّةٌ مُبْيَضَّةٌ أَيْ: تَلِدُ السُّودَانَ وَالْبِيضَانَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالِاخْتِيَارُ امْرَأَةٌ مُوضِحَةٌ إِذَا وَلَدَتِ الْبِيضَانَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا وَجْهَ لِمَا فَرَّقَ أَبُو عَمْرٍو بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الثَّانِيَ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ مِنْكَ فَلَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْإِمَالَةِ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ «بِالَّذِي هُوَ أَدْنَى».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّمَا أَرَادَ أَبُو عَمْرٍو أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا لَمَّا اخْتَلَفَ مَعْنَيَاهُمَا وَاجْتَمَعَا فِي آيَةٍ كَمَا قَرَأَ «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ» بَالْيَاءِ يَعْنِي الْكُفَّارَ «عَمَّا تَعْمَلُونَ» بِالتَّاءِ، أَيْ:
أَنْتُمْ وَهُمْ، وَلَوْ وَقَعَ مُفْرَدًا لَأَجَازَ الْإِمَالَةَ وَالتَّفْخِيمَ فِي كِلَيْهِمَا، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ فِيهِ قَوْلًا رَابِعًا: قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى» لَمْ يُرِدْ أَعْمَى مِنْ كَذَا إِنَّمَا يُخْبِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عن عاصم ﴿خلافك﴾.
والباقون «خلفك» قال: إنما اخْتَرْنَا ذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: بَعْدَكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أَيْ: لِمَا بَعْدَهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَلَيْسَ هذا
стр. 219
كَقَوْلِهِ: «بِمِقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ» لِأَنَّ الْخِلَافَ هُنَاكَ مُخَالَفَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: جِئْتُ بَعْدَكَ وَخَلْفَكَ وَخِلَافَكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
عَفَّتِ الرَّذَاذُ خِلَافَهَا فَكَأَنَّمَا ... بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا
يُرِيدُ: الْمَطَرَ الْخَفِيفَ، وَيَصِفُ رَوْضَةً وَأَرْضًا غِبَّ مَطَرٍ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ، «وَنَاءٍ بِجَانِبِهِ» جَعَلَهُ مِنْ نَاءَ يَنُوءُ: إِذَا طَاقَ الْحِمْلَ مِنْ قَوْلِهِ: «لِتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ» وَالْأَصْلُ: نَوَأَ، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا وَمَدَدْتَ الْأَلِفَ تَمْكِينًا لِلْهَمْزَةِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «وَنِئِي بِجَانِبِهِ» بِكَسْرِ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ أَيْ: بَعْدَ مَا أَمَالَ الْهَمْزَةَ لِمَجِيءِ الْيَاءِ، وَأَمَالَ النُّونَ لِمُجَاوَرَةِ الْهَمْزَةِ، لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ كَمَا يُقَالُ:
رَغِيفٌ وَبَعِيرٌ وَشَعِيرٌ.
أَخْبَرَنِي ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا يَسْأَلُ النَّاسَ وَيَقُولُ: تَعَطَّفُوا عَلَى شَيْخٍ ضَعِيفٍ بِكَسْرِ الضَّادِ، وَالْمَصْدَرُ مِنْ هَذَا نَأَى يَنْأَى نَأْيًا فَهُوَ نَاءٍ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ «وَنَإِيَ بِجَانِبِهِ» بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَكَذَلِكَ قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ هُنَا وَكَذَلِكَ مَرَّةً قَرَأَهَا أَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْبَاقُونَ يَفْتَحُونَ النُّونَ وَالْهَمْزَةَ وَنَأَى عَلَى وَزْنِ نَعَى وَهُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّ الْيَاءَ قَدِ انْقَلَبَتْ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ الْهَمْزَةِ، وَالْأَصْلُ نَأَيَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالتَّخْفِيفِ، وَمِنْ فَجَرَ يَفْجُرُ: إِذَا شَقَّ الْأَنْهَارَ.
وَالْبَاقُونَ «حَتَّى تُفَجِّرَ» بِالتَّشْدِيدِ وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهْرًا﴾ أَيْ:
مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَكَقَوْلِهِ: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ وَالتَّفْجِيرُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ
стр. 220
فَجَّرَ، كَمَا أَنَّ التَّكْلِيمَ مِنْ كَلَّمَ.
- وقوله تَعَالَى: ﴿كِسَفًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «كِسْفًا» بِالسُّكُونِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي الرُّومِ فَإِنَّهُمْ ثَقَّلُوا، وَزَادَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الثَّقِيلُ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُحَرِّكًا وَأَسْكَنَ الْبَاقِي وَرَوَى حَفْصٌ بِإِسْكَانِ الَّذِي فِي الطُّورِ وَتَثْقِيلِ مَا عَدَا ذَلِكَ، فَمَنْ قَالَ: كِسَفًا جَعَلَهُ جَمْعَ كِسْفَةٍ مِثْلَ قِطْعَةٍ وَقِطَعٍ، وَمَنْ قَالَ: كِسْفًا فَيَكُونُ جَمْعَ كِسْفَةٍ مِثْلَ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ بَسْرَةٍ وَبَسْرٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: يَكُونُ مَصْدَرًا إِذَا سَكَّنْتَ.
وحدثني ابن مجاهد، قال: حدثنا محمد بن هَارُونَ عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ يَسْأَلُ بَزَّازًا فَقَالَ: أَعْطِنِي كِسْفَةً أُرَقِّعُ بِهَا قَمِيصِي.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ «قَالَ سُبْحَانَ» عَلَى الْخَبَرِ، وَكَذَلِكَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالشَّامِ.
وَالْبَاقُونَ عَلَى الْأَمْرِ، قُلْ يَا مُحَمَّدُ، تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِمَّا ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ مِنْ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «لَقَدْ عَلِمْتَ» بِالْفَتْحِ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: لِمَ جَازَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهَا هَذَا الِاخْتِلَافُ؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، اخْتِلَافُ تَغَايُرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْكَلَامُ بِحَمْدِ اللَّهِ، مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا قَالَ مُوسَى ﵇ لِفَرْعَوْنَ لَمَّا كَذَّبَهُ وَنَسَبَهُ إِلَى أَنَّهُ سَاحِرٌ: لَقَدْ عَلِمْتَ يَا فِرْعَوْنَ أَنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ بِسِحْرٍ، أَوْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَا أَيْضًا أَنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ سِحْرًا.
وَبَلَغَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ عَلِيًّا قَرَأَ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» فَقَالَا: «لَقَدْ عَلِمْتَ» بِالْفَتْحِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: لِمَ جَازَ لَهُمَا أَنْ يُخَالِفَا عَلِيًّا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا وأعلم.
стр. 221
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمَا الْبَلَاغُ، وَلَوْ صَحَّ لَتَبِعَاهُ، فَأَمَّا الْفَرَّاءُ فَإِنَّهُ قَالَ: الِاخْتِيَارُ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» لِمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْحُجَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتُخَالِفُ الْكِسَائِيَّ؟ ! فَقَالَ: أُخَالِفُهُ أشد الخلاف.
- وقوله تعالى: قال ﴿ادْعُوُا اللَّهَ﴾.
قَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي الْبَقَرَةِ وإنما أعدته هاهنا، لِأَنَّ عَبَّاسًا رَوَى عَنْ أَبِي عَمْرٍو «قُلِ ادعوا اللَّهَ» بِكَسْرِ اللَّامِ فَلِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَمَنْ ضَمَّ فَإِنَّهُ أَتْبَعَ الضَّمَّ، الضَّمَّ.
- وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وقرآنا فَرَقْنَاهُ﴾.
فَقَرَءُوا كُلُّهُمْ، أَعْنِي السَّبْعَةَ بِالتَّخْفِيفِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِأَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ حَدَّثَنِي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو «فَرَقْنَاهُ» بِالتَّشْدِيدِ، فَمَنْ خَفَّفَ فَمَعْنَاهُ: بَيَّنَّاهُ وَأَحْكَمْنَاهُ، وَمَنْ شَدَّدَ قَالَ: مَعْنَاهُ: نَزَلَ مُتَفَرِّقًا.
وَمِنَ الْيَاءَاتِ فِي هَذِهِ السَّورَةِ مَا حُذِفَ خَطَأً.
﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.
أَثْبَتَ الْيَاءَ أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ وَصْلًا، وَحَذَفَاهُ وَقْفًا.
وَالْبَاقُونَ يَحْذِفُونَ وَصْلًا وَوَقْفًا.
- وَقَوْلُهُ: ﴿أَخَّرْتَنِ﴾.
أَثْبَتَهَا ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ، وَأَثْبَتَهَا نَافِعٌ وَأَبُو عمرو وصلا، وحذفها وقفا (١) . الحواشي
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٢٩: «(وفيها من ياءات الإضافة واحدة) (ربي إذا) فتحها المدنيان وأبو عمرو.
(ومن الزوائد) ثنتان (لئن أخرتن) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو وأثبتها في الحالين ابن كثير ويعقوب (فهو المهتد) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو وأثبتها في الحالين يعقوب ورويس عن قنبل من طريق ابن شنبوذ».стр. 222
وَمِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرُ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «لَدُنْهِي» بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَإِشْمَامِ الضَّمِّ، وَكَسْرِ النُّونِ وَالْهَاءِ وَإِيصَالِهَا بِيَاءٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَدُنْهُ» بِضَمِّ الدَّالِ وَجَزْمِ النُّونِ وَضَمِّ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ وَاوٍ، إِلَّا ابْنَ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَصِلُ الْهَاءَ بِالْوَاوِ «مِنْ لَدُنْهُو» وَذَلِكَ أَنَّ «لَدُنْ» مَعْنَاهُ «عِنْدَ» وَهُوَ اسْمٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. فَالنُّونُ سَاكِنَةٌ فِي كُلٍّ، وَالْهَاءُ إِذَا أَتَتْ بَعْدَ حَرْفٍ سَاكِنٍ لَمْ يَجُزْ فِيهَا إِلَّا الضَّمُّ نَحْوَ مِنْهُ، وَالْأَصْلُ مِنْهُو وَلَدُنْهُو كَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ غَيْرَ أَنَّهُمْ حَذَفُوُا الْوَاوَ اخْتِصَارًا.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ عَاصِمٍ فَإِنَّهُ أَسْكَنَ الدَّالَ اسْتِثْقَالًا لِلضَّمَّةِ كَمَا يُقَالُ: فِي كَرُمَ زَيْدٌ كَرْمَ زَيْدٍ، فَلَمَّا أَسْكَنَ الدَّالَ الْتَقَى سَاكِنَانِ النُّونُ وَالدَّالُ، وَكَسَرُوُا النُّونَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَكَسَرُوُا الْهَاءَ لِمُجَاوَرَةِ حَرْفٍ مَكْسُورٍ، وَوَصَلَهَا بِيَاءٍ كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِهُو يَا فَتًى.
وَمَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا احْتَجَّ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَاعْرَفْهُ فَإِنَّهُ حَسَنٌ، وَلَوْ فَتَحَ النُّونَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لَجَازَ بَعْدَ أَنْ أَسْكَنَ الدَّالَ كَمَا قَالَ:
عَجِبْتُ لِمَوْلُودٍ وليس له أب ... ومن ولد لم يلده أَبَوَانِ
يَعْنِي: آدَمَ وَعِيسَى ﵉.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْحَرْفَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ عَاصِمًا كَسَرَ النُّونَ عَلَامَةً لِلْجَرِّ، لِأَنَّ «لَدُنْ» لَا يُعْرَبُ، وَ «مِنْ لَدُنْهِ» فِي صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ أَيْ: لِيُنْذِرَكُمْ بِالْبَأْسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أَيْ: يُخَوِّفُكُمْ بَأَوْلِيَائِهِ وَ ﴿شَدِيدًا﴾ نَعْتٌ لِلْبَأْسِ. ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ، وَ ﴿يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نُصِبَ بِلَامٍ «كَيْ» نَسَقٌ عَلَى «لِيُنْذِرَ».
- قوله تَعَالَى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «تَزْوَرُّ» مِثْلَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ، وَمَعْنَاهُ: تَعْدِلُ وَتَمِيلُ، قَالَ عَنْتَرَةُ:
فَازْوَرَّ مَنْ وَقْعِ الْقَنَا بِلِبَانِهِ ... وَشَكَا إِلَيَّ بَعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
стр. 223
وَقَدْ قَرَأَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْجَحْدَرِيُّ: «تَزْوَارُّ» مِثْلَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: «تَزَاوَرُ» مُخَفَّفَةَ الزَّايِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «تَزَّاوَرُ» أَرَادُوا: تَتَزَاوَرُ فَأَدْغَمُوُا التَّاءَ فِي الزَّايِ، وَمَنْ خَفَّفَ أَيْضًا أَرَادَ: تَتَزَاوَرُ فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: «تساقط» و «تظاهرون» وَقَالَ أَبُو الزَّحْفِ:
وَدُونَ لَيْلَى بَلَدٌ سَمَهْدَرُ ... جَدْبُ الْمُنَدَّى عَنْ هَوَاهَا أَزْوَرُ
يُقَالُ: هُوَ أَزْوَرُ عَنْ كَذَا، أَيْ: مَائِلٌ عَنْهُ، وَفِي فُلَانٍ زَوَرٌ أَيْ: عِوَجٌ وَأَمَّا الزَّوْرُ بِجَزْمِ الْوَاوِ فَالْصَّدْرُ، يُقَالُ لِلصَّدْرِ الزَّوْرُ وَالْجَوْشُ وَالْجُؤْشُوشُ وَالْجُؤْجُؤُ وَالْجَوْشَنُ وَالْكَلْكَلُ وَالْكَلْكَالُ كُلُّ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ الصَّدْرُ، وَالزَّوْرُ أَيْضًا: جَمْعُ زَائِرٍ، هَؤُلَاءِ زَوْرُ فُلَانٍ أَيْ: زُوَّارُهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ «وَلَمُلِّئْتَ» مُشَدَّدًا مَهْمُوزًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ خَفِيفًا: «وَلَمُلِئْتَ» يُقَالُ مُلِئَ فُلَانٌ رُعْبًا فَهُوَ مَمْلُوءٌ وَمَلِيءٌ فَهُوَ مُمَلَّأٌ، وَكَأَنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ وَمَلَأْتُ الْإِنَاءَ فَهُوَ مَلْآنُ، وَامْتَلَأَ الْحَوْضُ يَمْتَلِئُ امْتِلَاءً وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: تَمَلَّيْتَ طَوِيلًا وَعَانَقْتَ حَبِيبًا وَمُتَّ شَهِيدًا وَأَبْلَيْتَ جَدِيدًا فَغَيْرُ مَهْمُوزٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِوَرَقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وحمزة وأبو بكر وَهُوَ الْأَصْلُ، وَمَنْ أَسْكَنَ الرَّاءَ فَتَخْفِيفٌ، كَمَا قال يُقَالُ فِي فَخِذٍ فَخْذٌ، وَفِي كَبِدٍ كَبْدٌ، وَلَوْ قَرَأَ قَارِئٌ بِوَرْقِكُمْ لَكَانَ صَوَابًا، حَدَّثَنِي ابن مجاهد عن السمري عن الفراء قال: يُقَالُ: الْوَرِقُ وَالْوَرْقُ وَالْوِرْقُ، ثَلَاثُ لُغَاتٍ، وَمِثْلُهُ كَلِمَةٌ وَكَلْمَةٌ وَكِلْمَةٌ، وَالْوِرْقُ: الدَّرَاهِمُ، وَقَدْ يُقَالُ لَهَا: الْوَرَقُ، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتُجْمَعُ أَوْرَاقًا، وَيُقَالُ: رَجُلٌ وَرَّاقٌ أَيْ: كَثِيرُ الدَّرَاهِمِ، فَأَمَّا الْوَرَقُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ، وَالْوَرَقُ أَيْضًا: الْغِلْمَانُ الْمِلَاحُ.
وَرَوَى اللُّؤْلُؤِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو ﴿بِوَرِقّكُّمْ هَذِهِ﴾ مُدْغَمًا لِقُرْبِ الْقَافِ مِنَ الْكَافِ، كَمَا قَرَأَ «خَلَقْكُّمْ» وَ «رَزَقْكُّمْ» وَالِاخْتِيَارُ: الْإِظْهَارُ، لِسُكُونِ الرَّاءِ، لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ غَيْرُ مُتَجَانِسَيْنِ وَإِنْ كَانَا قَرِينَيْنِ.
стр. 224
- وقوله تعالى: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سِنِينَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِضَافَةِ غَيْرُ مُنَوَّنٍ.
وَالْبَاقُونَ يُنَوِّنُونَ، فَمَنْ نَوَّنَ نَصَبَ «سِنِينَ» بِ ﴿لَبِثُوا﴾ وَالتَّقْدِيرُ: وَلَبِثُوا سِنِينَ ثَلَاثَمِائَةٍ فَ ﴿سِنِينَ﴾ مَفْعُولُ «لَبِثُوا» وَ «ثَلَاثَ مِائَةٍ» بَدَلٌ كَمَا تَقُولُ: خَرَجْتُ أَيَّامًا خَمْسَةً، وَصُمْتُ سِنِينَ عَشْرًا، وَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَ ثَلَاثَةَ ﴿مِائَةٍ﴾ بِ ﴿لَبِثُوا﴾ وَجَعَلْتَ ﴿سِنِينَ﴾ بَدَلًا وَمُفَسَّرًا عَنْهَا، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْ فَلَيْسَتْ قِرَاءَتُهُ مُخْتَارَةٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَضَافَتْ هَذَا الْجِنْسَ أَفْرَدَتْ فَيَقُولُونَ: عِنْدَكَ ثَلَاثُ مائة دينار.
«وَسِنِينَ» فِيهَا لُغَتَانِ تُجْمَعُ فِيهَا جَمْعُ السَّلَامَةِ وَالتَّكْسِيرِ، فَالسَّلَامَةُ قَوْلُكَ: هَذِهِ سِنُونُ يَا فَتًى، وَرَأَيْتُ سِنِينَ يَا فَتًى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُهَا جَمْعَ التَّكْسِيرِ وَيُنَوِّنُ وَيَجْعَلُ الْإِعْرَابَ فِي النُّونِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ سِنِينٌ فَاعْلَمْ، وَصُمْتُ سِنِينًا وَعَجِبْتُ مِنْ سِنِينٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَصْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتَسَنَّهْ﴾.
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي عَمْرٍو ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ بِفَتْحِ التَّاءِ، وَهِيَ لغتان، فيه أَيْضًا ثَلَاثُ لُغَاتٍ، وَيُقَالُ: تِسْعٌ وَتَسْعٌ وَتُسْعٌ، وَرَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ بِفَتْحِ التَّاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «بِالْغُدْوَةِ وَالْعَشِيِّ».
والباقون: «بالغداة». لِأَنَّ غَدَاةَ نَكِرَةٌ وَتُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَ «غُدْوَةَ» مَعْرِفَةٌ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، فَلَا يَجُوزُ دُخُولُ تَعْرِيفٍ عَلَى تَعْرِيفٍ، كَمَا لَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِالزَّيْدِ قَالَ الشَّاعِرِ:
هَذَا مَقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ ... غُدْوَةَ حَتَّى دَلَكَتْ بَرَاحِ
فَلَمْ يُنَوِّنْ «غُدْوَةَ» لِأَنَّهَا مَعْرِفَةٌ مُؤَنَّثَةٌ، فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: لَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ، وَلَهَا عِنْدِي وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «غُدْوَةً» تَنْصِبُهَا الْعَرَبُ مِنْ «لَدُنْ» فَيَقُولُونَ: لَدُنْ غَدْوَةً تَشْبِيهًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَلَمَّا أَشْبَهَتِ الْمَنْكُورَ دَخَلَتْهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَجْمَعُ الْغُدْوَةَ غَدْوًا وَمِثْلُهُ تَمْرَةٌ وَتَمْرٌ: فَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «بِالْغُدْوَةِ وَالْعَشِيِّ»» وَفِيهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ، أَنَّ الْعَرَبَ تُدْخِلُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ إِذَا جَاوَرَ مَا فِيهِ الْأَلِفُ
стр. 225
وَاللَّامُ لِيَزْدَوِجَ الْكَلَامُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَجَدْنَا الْوَلِيدَ بْنَ الْيَزِيدِ مُبَارَكًا ... شَدِيدًا بِأَحْنَاءِ الْخِلَافَةِ كَاهِلُهُ
فَأَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْيَزِيدِ لَمَّا جَاوَرَ الْوَلِيدَ فَكَذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْغُدْوَةِ لَمَّا جَاوَرَ الْعَشِيَّ، وَالْعَرَبَ تَجْعَلُ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً وَغُدْوَةً وَسَحَرَ مَعَارِفَ، إِذَا أَرَادُوُا الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ وَلَا يَصْرِفُونَ فَيَقُولُونَ: أَزُورُكَ فِي غَدٍ سَحَرَ يَا فَتَى.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ وَ ﴿أَنْ تَرَنِ﴾ وَ ﴿أن يؤتين﴾ ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ وَ ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ كُلُّ ذلك أثبت الياء فيهن كثير وصلا وحذفهن وقفا عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو بِإِثْبَاتِهِنَّ وَصْلًا وَحَذْفِهِنَّ وَقْفًا اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ.
وَقَرَأَهُنَّ الْبَاقُونَ بِحَذْفِهِنَّ وَصْلًا وَوَقْفًا.
فَأَمَّا الْكِسَائِيُّ فَإِنَّهُ أثبت الياء «نَبْغِي». فَقَطْ وَصْلًا، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ فَإِنَّ نَافِعًا وَأَبَا عَمْرٍو أَثْبَتَا الْيَاءَ منه وصلا، وحذفاه وقفا.
والباقون يحذفونه وصلا وقفا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «وَلَا تُشْرِكْ» بِالتَّاءِ وَالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ، فَالْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُرَادُ لِغَيْرِهِ.
وَالْبَاقُونَ يَجْعَلُونَهُ خَبَرًا «وَلَا يُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ». أَيْ: فَلَيْسَ يُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، فَ «يُشْرِكْ» فِعْلُ مُضَارِعٍ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ضَمُّ آخِرِهِ، وَالْمَعْنَى: وَلَا يُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ «خَيْرًا مِنْهُمَا مُنْقَلَبًا». وَالْبَاقُونَ: «مِنْهَا».
- وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وأحيط بثمره﴾.
قرأ أبو عاصم بِضَمِّ الثَّاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ «بِثَمَرِهِ» بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ مُسْتَقْصَاةً فِي «الْأَنْعَامِ» فَأْغَنَى عَنِ الْإِعَادَةِ هَاهُنَا.
стр. 226
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْمُسَيَّبِيُّ عَنْ نَافِعٍ «لَكِنَّا» بِالْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَكِنْ» بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَأَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى الْوَقْفِ بِالْأَلِفِ، لِأَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ، وَالْأَصْلُ: لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، وَقَدْ قَرَأَ بِذَلِكَ الْحَسَنُ وَأُبَيٌّ فَحَذَفُوُا الْهَمْزَةَ اخْتِصَارًا فَصَارَ: لَكِنَّنَا، ثُمَّ أَدْغَمُوُا النون في النون فالتشديد من أجل ذَلِكَ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَقِفُ فِي رِوَايَةٍ لَكِنَّهُ بِالْهَاءِ، وَأَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ وَجَمَاعَةٌ:
وَتَرْمِينَنِي بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لَا أَقْلِي
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِرْفَقًا﴾.
فَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «مَرْفِقًا» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «مِرْفَقًا» بِكَسْرِ الْمِيمِ.
فَاخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمَا لُغَتَانِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَرْفِقُ: مَا ارْتَفَقْتَ بِهِ، وَالْمِرْفَقُ مِرْفَقُ الْيَدِ، وَالِاخْتِيَارُ فِي الْيَدِ وَفِي كُلِّ مَا ارْتَفَقْتَ لَهُ «الْمِرْفَقُ» بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالْجَمْعُ الْمَرَافِقُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فَرَأْسُ الْمِرْفَقِ لَهُ إِبْرَةٌ وَعَنْ يَمِينِ الْإِبْرَةِ كَسْرٌ حَسَنٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَسْرٌ قَبِيحٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ.
فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَلِتَأْنِيثِ الْفِئَةِ، وَالْفِئَةُ: الْجَمَاعَةُ وَقَدْ يُسَمَّى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ فِئَةٌ، كَمَا أَنَّ الطَّائِفَةَ تَكُونُ جَمْعًا وَتَكُونُ وَاحِدًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ قَالَ: الطَّائِفَةُ: الرَّجُلُ الْوَاحِدُ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَلِقَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: تَنْصُرُونَهُ، وَأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: مِائَةٌ وَفِئَةٌ وَزْنُهُمَا وَاحِدٌ فَلِمَ زَادُوا فِي الْمِائَةِ أَلِفًا فَقُلْ: لِئَلَّا يَلْتَبِسْ مائة بمائة.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ فِئَةً تَلْتَبِسُ بِفِيَةٍ؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُمْ فَعَلُوُا الْفُرْقَانَ فِي مِائَةٍ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الْكُتَّابِ لَهُ، وَفِئَةٌ قَلِيلَةُ الِاسْتِعْمَالِ، وَالسَّاقِطُ مِنْ فِئَةٍ وَمِائَةٍ لَامُ الْفِعْلِ، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُجْعَلَ السَّاقِطُ مِنْ فِئَةٍ عَيْنُ الْفِعْلِ، وأما دية فالساقط فَاءُ الْفِعْلِ، لِأَنَّهُ مِنْ وَدِيَ يَدِي مِثْلَ وَعَدَ يَعِدُ، وَزْنُهُ مِنْ
стр. 227
وَزَنَ يَزِنُ وَالْأَصْلُ، وَعْدَةٌ وَوَزْنَةٌ فَاسْتَثْقَلُوُا الْكَسْرَةَ فِيمَا بَعْدَ الْوَاوِ وَحَذَفُوُا الْوَاوَ قَالَ سِيبَوَيْهِ ﵁: الْهَاءُ عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ.
- قوله تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «الْوِلَايَةُ» بِالْكَسْرِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُمَا لُغَتَانِ مثل الوكالة والوكالة، والدلالة والدلالة وقال آخرون: هُمَا مَصْدَرَانِ فَالْمَكْسُورُ مَصْدَرُ الْوَالِي يُقَالُ: هَذَا وَالٍ بَيْنَ الْوَلَايَةِ يَعْنِي: فِي الْإِمَارَةِ، وَالْمَفْتُوحُ مصدر الولي يقال: بَيْنَ الْوَلَايَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ الْحَقُّ﴾.
قَرَأَ أبو عاصم وَالْكِسَائِيُّ «الْحَقُّ» بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، فَمَنْ جَرَّ قَالَ: الْحَقُّ: هُوَ اللَّهُ فَخَفَضَ نَعْتًا لِلَّهِ تَعَالَى: وَاحْتَجَّ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ فِي قِرَاءَتِهِ: «هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ وَهُوَ الْحَقُّ» وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ «هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ الْحَقُّ لِلَّهِ». وَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ نَعْتًا بِمَعْنَى أَحَقَّ ذَلِكَ الْحَقَّ، وَأَحَقُّ الْحَقِّ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ يَقُولُ: الْحَقُّ: رَبُّ الْعِزَّةِ، وَالْحَقُّ الصِّدْقُ، وَمِنَ الْحَدِيثِ: الْحَقُّ الْمَلِكُ بِاسْتِحْقَاقٍ، وَالْحَقُّ: التَّبَيُّنُ بَعْدَ الشَّكِّ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَيْرٌ عُقُبًا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ «عُقْبًا».
وَالْبَاقُونَ «عُقُبًا» بِضَمَّتَيْنِ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى الْعَاقِبَةِ تَقُولُ الْعَرَبُ: لِلْكَافِرِ عُقْبَى الدَّارِ وَعُقُبُ وَعُقْبُ وَعَاقِبَةُ الدَّارِ، بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
فَإِنْ قِيلَ: بِمَا انْتَصَبَ «عُقْبًا»؟
فَقُلْ عَلَى التَّمْيِيزِ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْكَ أَبًا.
فقل: مَعْنَاهُ: هُنَالِكَ، أَيْ: فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ تُبَيَّنُ نُصْرَةُ اللَّهِ أَوْلِيَاءَهُ، وَقَالَ الْحَارِثِيُّ:
يُقَالُ: جِئْتُ فِي عُقْبِ رَمَضَانَ، أَيْ: بَعْدِ مَا مَضَى، وَجِئْتُ فِي عَقِبِهِ أَيْ: جِئْتُ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ: «تُسَيَّرُ» بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْجِبَالِ فَعَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلَهُمْ حُجَّتَانِ سِوَى مَا ذكرت:
стр. 228
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾.
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ أُبَيًّا قَرَأَ: «وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الْجِبَالُ» فَإِذَا كَانَ الْمَاضِي سُيِّرَتْ كَانَ الْمُضَارِعُ تُسَيَّرُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «نُسَيِّرُ» بِالنُّونِ فَاللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ. «الْجِبَالَ» نُصِبَتْ مَفْعُولٌ بِهَا، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
فَرَدُّ اللَّفْظَةَ عَلَى اللَّفْظَةِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا مِمَّا بَعُدَ مِنْهُ، وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَسَنَةٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ نَصَبْتَ «وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ».
فَقُلْ: بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً، أَيْ: ظَاهِرَةً لَا يَسِيرُ مِنْهَا شَيْءٌ، لِأَنَّ الْجِبَالَ إِذَا سُيِّرَتْ عَنْهَا وَصَارَتْ دَكَّاءَ مَلْسَاءَ ظَهَرَتْ وَبَرَزَتْ، وَقِيلَ: وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً أَيْ: تُبْرِزُ مَا فِيهَا مِنَ الْكُنُوزِ وَالْأَمْوَاتِ وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: وَتَرْمِي الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كبدها، وقال تَعَالَى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ ﴿خَيْرٌ﴾ ﴿ثَوَابًا﴾ فِي يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قِيلَ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَسَمِعْتُ الْقَاضِيَ أَبَا عِمْرَانَ يَقُولُ: عَزَّى رَجُلٌ بَعْضَ الْأَخِلَّاءِ بِوَلَدِهِ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكَ كَانَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَلَوْ بَقِيَ لَكَانَ سَيِّدًا مِثْلُكَ، وَإِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ فَجَعَلَهُ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَقَدْ صَارَ الْآنَ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ فَتَسَلَّ بِذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شركائي﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ بِالنُّونِ، اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: يَا مُحَمَّدُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُبُلًا﴾.
قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قِبَلًا» أَيْ: عِيَانًا بِالْكَسْرِ، وَمَنْ ضَمَّ فَهُوَ جَمْعُ قَبِيلٍ وَقُبُلٍ مِثْلَ قَمِيصٍ وَقُمُصٍ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ وَإِنَّمَا أَعَدْتُ ذِكْرَهُ لِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْقَبِيلَةَ بَنُو أَبٍ، وَالْقَبِيلُ بِغَيْرِ هَاءٍ: الْجَمَاعَةُ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِي الْأَنْسَابِ واحتجوا
стр. 229
بِقَوْلِ النَّابِغَةِ:
جَوَانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ قَبِيلَهُ ... إِذَا مَا الْتَقَى الْحَيَّانِ أَوَّلُ غَالِبِ
وَجَمْعُ الْقَبِيلَةِ قَبَائِلُ، وَالْقَبَائِلُ، أَيْضًا: قَبَائِلُ الرَّأْسِ، وَهِيَ عُرُوقٌ مَجْرَى الدَّمْعِ مِنَ الرَّأْسِ، وَيُقَالُ لَهَا: الشُّئُونُ، وَاحِدُهَا شَأْنٌ، وَيُنْشِدُ:
لَا تُحْزِنِينِي بِالْفِرَاقِ فَإِنَّنِي ... لَا تَسْتَهِلُّ مِنَ الْفِرَاقِ شُئُونِي
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾.
رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «أَنْسَانِيهُ» بِضَمِّ الْهَاءِ وَ «بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ» فَضَمَّ الْهَاءَ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ.
وَمَنْ كَسَرَ فَلِمُجَاوَرَةِ الْيَاءِ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ، لِأَنَّ الْكِسَائِيَّ أَمَالَ الْأَلِفَ فِي «أَنْسَانِيهُ» لِأَنَّ الْأَلِفَ فِيهَا مُبْدَلَةٌ مِنَ الْيَاءِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ كَسْرَةٌ، وَالْعَرَبُ تُمِيلُ كُلَّ أَلِفٍ بَعْدَهَا كَسْرَةٌ نَحْوَ عَابِدٍ وحاتم وإذا كانت بَعْدَ الْأَلِفِ فَتْحَةٌ أَوْ ضَمَّةٌ كَانَ تَرْكُ الْإِمَالَةِ أَحْسَنَ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُمِيلُ كُلَّ ذَلِكَ، حَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ بَعْضِهِمْ: مَاتَ زَيْدٌ وَصَارَ بِمَكَانِ كَذَا، وَقَالَ: إِنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُمِيلُ أَكْثَرَ مِمَّنْ لَا يُمِيلُ فَلَمَّا سَمِعَ الْكِسَائِيَّ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِالْقِرَاءَاتِ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الْإِمَالَةَ كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ ﵁ أَكْثَرَ مِنَ التَّفْخِيمِ اخْتَارَهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: «رُشُدًا» بِضَمَّتَيْنِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: «رَشَدًا» بِفَتْحَتَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «رُشْدًا» بِإِسْكَانِ الشَّينِ وَضَمِّ الرَّاءِ فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ الرُّشْدُ وَالرَّشَدُ مِثْلَ الْحُزْنِ وَالْحَزَنِ وَقَالَ آخَرُونَ: الرُّشْدُ الصَّلَاحُ كَقَوْلِهِ: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا» وَالرَّشَدُ فِي الدِّينِ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: الِاخْتِيَارُ «رشدا» هاهنا لِأَنَّهَا رَأْسُ آيَةٍ كَقَوْلِهِ فِي ﴿قُلْ أُوحِيَ إلي﴾: ﴿تحروا رَشَدًا﴾ لِيُوَافِقَ رُءُوسَ الْآيِ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
فَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ فَإِنَّهُ أَتْبَعَ الضَّمَّ الضَّمَّ مِثْلَ السُّحْتِ وَالسُّحُتِ وَالْبُخْلِ وَالْبُخُلِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: طَعَنْتُ فُلَانًا فَأَلْقَيْتُهُ عَلَى قُطْرِهِ وَقُطُرِهِ وَعَلَى قُتْرِهِ وَعَلَى قُتُرِهِ، وَعَلَى
стр. 230
شُزْنِهِ وَعَلَى شُزُنِهِ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى نَاحِيَتِهِ وَجَنْبِهِ، وَأَقْطَارُ الْأَرْضِ وَأَقْتَارُهَا وَأَشْزَانُهَا:
نَوَاحِيهَا وَالْقُطُرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْعُودُ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ، أَنْشَدَنِي ابْنُ عَرَفَةَ ﵁:
كَأَنَّ المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
تُعَلُّ بِهِ بُرْدُ أَنْفَاسِهَا ... إِذَا غَرَّدَ الطَّائِرُ الْمُسْتَحِرْ
وَإِنَّمَا خَصَّ وَقْتَ السَّحَرِ، لِأَنَّ الْأَفْوَاهَ تَتَغَيَّرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَسَرَقَ شَاعِرٌ هَذَا فَقَالَ:
كَأَنَّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ ... وَرِيحَ الْخُزَامَى وَذَوْبَ الْعَسَلْ
تُعَلُّ بِهِ بُرْدُ أَنْيَابِهَا ... إِذَا النَّجْمُ فَوْقَ السَّمَاءِ اعْتَدَلْ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «لِمَهْلَكَهُمْ» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِهَلَكَ يَهْلَكُ مَهْلَكًا مِثْلَ طَلَعَ يَطْلَعُ مَطْلَعًا.
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «لِمَهْلِكِهِمْ» بِكَسْرِ اللَّامِ جَعَلَهُ وَقْتَ هَلَاكِهِمْ وَمَوْضِعَ هَلَاكِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أَيِ: الْمَوْضِعَ الَّذِي تَغْرُبُ فِيهِ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ ﵁ عَنِ الْعَرَبِ: «أَتَتِ النَّاقَةُ عَلَى مَضْرِبِهَا»، وَ «مَنْتِجِهَا» أَيْ: عَلَى وَقْتِ ضِرَابِهَا وَنِتَاجِهَا وَ «إِنَّ فِي أَلْفِ دِرْهَمٍ لَمَضْرَبًا» بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: ضَرْبًا، جَعَلَهُ مَصْدَرًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «لِمُهْلَكِهِمْ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مِنْ أَفْعَلَ وَالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ يَجِيءُ عَلَى مُفْعَلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ فَكَذَلِكَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ مُهْلَكًا بِمَعْنَى الْإِهْلَاكِ، وَسَأُبَيِّنُ لَكَ فَصْلًا تَعْرِفُ بِهِ جَمِيعَ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ.
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ كَانَ عَلَى «فَعَلَ يَفْعِلُ» مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ فَالْمَصْدَرُ مَضْرَبٌ بِالْفَتْحِ، وَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ مَفْعِلٌ بِالْكَسْرِ.
وَكُلُّ فِعْلٍ كَانَ عَلَى «فَعَلَ يَفْعُلُ» مِثْلَ دَخَلَ يَدْخُلُ فَالْمَصْدَرُ وَالْمَكَانُ مِنْهُ بِالْفَتْحِ نَحْوَ الْمَدْخَلِ، وَكُلُّ فِعْلٍ كَانَ الْمُضَارِعُ مِنْهُ بِالْفَتْحِ نَحْوَ يَذْهَبُ وَيَشْرَبُ فَهُوَ مَفْتُوحٌ أَيْضًا نَحْوَ الْمَشْرَبِ وَالْمَذْهَبِ.
فَإِنْ قِيلَ لَكَ: قَدْ قَالُوا: الْمَسْجِدُ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ مِنْ سَجَدَ يَسْجُدُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاذِ عِنْدَهُمْ، قَالَ سِيبَوَيْهِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا جَاءَ الْمَصْدَرُ مِنْ فَعَلَ يَفْعِلُ بِالْكَسْرِ
стр. 231
كَقَوْلِهِ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُهُمْ أَيْ: رُجُوعُكُمْ، وَ ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ أَيِ:
الْحَيْضِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. فَهَذَا مَصْدَرٌ وَرُبَّمَا جَاءَ عَلَى الْمَعِيشِ مِثْلَ الْمَحِيضِ قَالَ رُؤْبَةُ:
إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ الْمَعِيشِ ... وَمُرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي
قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا كَانَ الْفِعْلُ لَامُهُ وَاوًا أَوْ ياء نحو يدعو جَاءَ الْمَصْدَرُ وَالْمَكَانُ بِالْفَتْحِ:
الْمَدْعَى وَالْمَقْضَى.
وَحَدَّثَنِي ابن مجاهد عن السمري عن الفراء، قال: جَاءَ حَرْفَانِ نَادِرَانِ مَأْقَى الْعَيْنِ وَالْمَأْوَى، يُرِيدُونَ: الْمَاوَى فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ مُوَقُ الْعَيْنِ وَمَاقُ الْعَيْنِ، وَمَأْقَى الْعَيْنِ، وَمَاقَى الْعَيْنِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ ﵁: إِنَّمَا قَالُوا: الْمَصِيفُ فَكَسَرُوا وَقَالُوا:
الْمَشْتَى فَفَتَحُوا، لِأَنَّ هَذَا مِنْ صَافَ يَصِيفُ، وَهَذَا مِنْ شَتَا يَشْتُو قَالَ الْفَرَّاءُ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ عَيْنُهُ يَاءٌ مِثْلَ كَالَ يَكِيلُ، وَمَالَ يَمِيلُ، وَبَاعَ يَبِيعُ قُلْتَ فِي الْمَصْدَرِ مِنْهُ: مَالَ مَمَالًا، وَكَالَ مَكَالًا، وَبَاعَ مَبَاعًا، وَفِي اسْمِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ: مَمِيلًا وَمَكِيلًا وَمَبِيعًا، فَهَذَا أَصْلٌ لِمَا يَرِدُ عَلَيْكَ فَتَأَمَّلْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
- وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فلا تسئلني﴾.
قرأ ابن عامر: «تسألني».
والباقون: «تسألن» وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي هُودٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَرَفْعِ الأهل، لأنهما جعلاهما الْفَاعِلَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «لِتُغْرِقَ» فَهَذَا خِطَابُ مُوسَى لِلْخِضْرِ ﵉، وَنَصَبُوُا الْأَهْلَ، لِأَنَّهُمْ مَفْعُولُونَ، وَالْأَهْلُ تُجْمَعُ عَلَى جَمْعِ السَّلَامَةِ أَهْلُونَ وَأَهْلِينَ «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ وَخَاصَّتُهُ» وقوله تعالى: ﴿قوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الْأَصْلُ: أَهْلِينَكُمْ فَسَقَطَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْمَعُ أَهْلًا أَهَلَاتٌ قَالَ الشَّاعِرُ:
فَهُمْ أَهَلَاتٌ حَوْلَ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ ... إِذَا دَلَجُوا بِاللَّيْلِ يَدْعُونَ كَوْثَرَا
وَالصَّوَابُ: أَنْ تُجْعَلَ «أَهَلَاتٌ» جَمْعُ أَهِلَّةٍ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: لِمَ قَالَ مُوسَى فِي هَذِهِ الآية: ﴿هل أتبعك على أن تعلمن﴾ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ مُوسَى نَبِيٌّ أَعْلَمَ مِنْ مُوسَى؟
стр. 232
فَقُلْ: فِي هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ أَعْلَمَ مِنْ نَبِيٍّ فِي وَقْتٍ، هَذَا فِيمَنْ جَعَلَ الْخِضْرَ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ خِضْرًا، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ اهْتَزَّتْ خَضْرَاءَ، يَعْنِي بِالْفَرْوَةِ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُوسَى أَعْلَمَ مِنَ الْخِضْرِ بِجَمِيعِ مَا يُؤَدِي عَنِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى عِبَادَةٍ وَفِيمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَحُجَّةٌ لَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَالِقِهِمْ إلا في هذا.
الوجه الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُوسَى اسْتَعْلَمَ مِنَ الْخِضْرِ عِلْمًا لَيْسَ عِنْدَ مُوسَى ذَلِكَ الْعِلْمُ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عُلُومٌ سِوَى مَا اسْتَعْلَمَهُ مِنَ الْخِضْرِ عِلْمًا مِمَّا لَيْسَ عِنْدَ مُوسَى ﵇.
فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ﴾ فَإِنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ هُوَ فَتَاهُ، كَمَا تَقُولُ الْعَامَّةُ: هُوَ غُلَامُهُ وَتِلْمِيذُهُ «وساجرده وتلام، وجربحه»، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ الْمَمْلُوكَ فَتًى وَإِنْ كَانَ شَيْخًا، وَالْأَمَةَ فَتَاةً وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا وَتُسَمِّي التِّلْمِيذَ فَتًى وَإِنْ كَانَ شَيْخًا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ وَالْفَتَى عِنْدَ الْعَرَبِ السَّخِيُّ مِنَ الطَّعَامِ وَعَلَى الْمَالِ وَالشُّجَاعُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ عَامِرٍ «زَكِيَّةً» بِغَيْرِ أَلِفٍ، أَيْ: تَقِيَّةً دَيِّنَةً.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «زَاكِيَةً» فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُمَا لُغَتَانِ زَكِيَّةٌ وَزَاكِيَةٌ مِثْلَ قَسِيَّةٍ وَقَاسِيَةٍ وَقَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: الزَّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، وَالزَّكِيَّةُ: الَّتِي أَذْنَبَتْ ثُمَّ تَابَتْ، وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَسَنَةٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَيْئًا نُكْرًا﴾.
ابْنُ كَثِيرٍ يُخَفِّفُ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ: «إِلَى شَيْءٍ نُكُرْ» وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِالتَّثْقِيلِ، وَهُمَا لُغَتَانِ: النُّكْرُ وَالنُّكُرْ مِثْلَ الرُّعْبِ وَالرُّعُبِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ وَالدَّاهِيَةُ.
وَمِثْلُهُ: «شَيْئًا إِدًّا» وَ «إِمْرًا» وَ «نُكْرًا» وَ «عَجَبًا» كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لَقَدْ جِئْتَ بِشَيْءٍ أَنْكَرَ مِنَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ «إِمْرًا» أَشَدُّ مِنْ «نُكْرًا» إِلَّا أَنَّ الْإِمْرَ مَعَهُ غَرَقُ الْأَهْلِ، وَهَذَا مَعَهُ
стр. 233
قَتْلُ النَّفْسِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ كُلِّ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلَهُ فِي «اقْتَرَبَتِ ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ رُءُوسَ الْآيِ فِي «اقْتَرَبَتِ» مُثَقَّلَةٌ نَحْوَ «عَذَابِي وَنُذُرْ».
وَقَالَ الشَّاعِرُ حُجَّةً لِمَنْ خَفَّفَ:
قَدْ لَقِيَ الْأَقْرَانُ مِنِّي نُكْرَا ... دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إِدًّا إِمْرَا
أَمَّا نَافِعٌ فَرَوَى عَنْهُ قَالُونٌ مُثَقَّلًا مِثْلَ ابْنِ عَامِرٍ، وَرَوَى عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو.
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ وَ «نُكْرًا» رَأْسُ الْجُزْءِ مِنْ أَجْزَاءِ الثَّلَاثِينَ وَهُوَ الْخَامِسُ، وَهُوَ نِصْفُ الْقُرْآنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ: «مِنْ لَدُنِي» بِتَخْفِيفِ النُّونِ، كَرِهَ اجْتِمَاعَ النُّونَيْنِ فَحَذَفَ وَاحِدَةً كَمَا قَرَأَ: «تُشَاقُّونِي» وَ «تَأْمُرُونِي أَعْبَدُ» قَالَ الشَّاعِرُ:
أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْهُمْ وَعَنِّي ... لَسْتُ مِنْ قَيْسٍ وَلَا قَيْسُ مِنِّي
أَرَادَ: عَنِّي وَمِنِّي فَخَفَّفَ.
وَالْبَاقُونَ: «مِنْ لَدُنِّي» مُشَدَّدًا، لِأَنَّ «لَدُنْ» آخِرُهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ، وَيَاءُ الْإِضَافَةِ يُكْسَرُ مَا قَبْلَهَا فَزَادُوا على النون نونا وأدغموا فالتشديد من أجل ذَلِكَ إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ رُوِيَتْ عَنْهُ «مِنْ لَدُنِي» بِفَتْحِ اللَّامِ وَجَزْمِ الدَّالِ وَتَشُمُّ الدَّالُ الضَّمَّ وَتُخَفَّفُ النُّونُ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ «مِنْ لُدْنِي» بِضَمِّ اللَّامِ وَ «مِنْ لَدَى» فَ «لَدُنْ» إِذَا لَمْ تُضَفْ فِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ: لَدُنْ وَلَدَى وَلَدُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
مِنْ لَدُ لَحْيَيْهِ إِلَى مَنْحُورِهِ
وَإِذَا أَضَفْتَ إِلَى نَفْسِكَ فَفِيهَا سِتُّ لُغَاتٍ، وَقَدْ فَسَّرْتُهُ، فَتَقُولَ: لَدِي وَلَدُنِ، وَلَدِ، وَلَدُنِي، وَلَدُنِّي، وَلَدُنَّنِي، وَلَدَيّ، وَلَدِي، تِسْعُ لُغَاتٍ، وَمَعْنَاهُنَّ كُلُهُنَّ:
عِنْدِي.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «لَتَخِذْتَ» بِتَخْفِيفِ التَّاءِ جَعَلَهُ فَعِلَ يَفْعَلُ مِثْلَ شَرِبَ يَشْرَبُ تَخِذَ يَتْخَذُ كَمَا قال:
стр. 234
وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلَى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ الْقَطَاةِ الْمُطَرِّقِ
الْمُطَرِّقُ: الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَبِيضَ وَقَدْ تَعَسَّرَ عَلَيْهَا، وَالْأُفْحُوصُ وَالْمَفْحَصُ عُشُّ الطَّائِرِ وَوَكْرُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
غَيْرَ أَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يُظْهِرُ الذَّالَ عِنْدَ التَّاءِ، وَأَبُو عَمْرٍو يُدْغِمُ وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي «الْبَقَرَةِ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَاتَّخَذْتَ» مِنِ افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ نَحْوَ اتَّقَى يَتَّقَى وَاتَّكَى يَتَّكَى وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: تَقَى يَتَقَى خَفِيفًا قَالَ الشَّاعِرُ:
جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأَخْلَصُوهَا ... خِفَافًا كُلُّهَا يَتَقَى بِإِثْرِ
وَأَصْلُهُ مِنْ أَخَذَ يَأْخُذُ فَكَأَنَّ الْأَصْلَ أَيْتَخَذَ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ تَصِيرُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا ثُمَّ تُقْلَبُ الْيَاءُ تَاءً وَتُدْغَمُ التَّاءُ فِي التَّاءِ فَالتَّشْدِيدُ من أجل ذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ بِتَخْفِيفِ كُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ بِتَشْدِيدِ كُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَهُمَا لُغَتَانِ: يُبْدِلُ وَيُبَدِّلُ مِثْلَ يَنْزِلُ وَيُنَزِّلُ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ التَّثْقِيلَ، لِأَنَّ شَاهِدَهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً﴾ وَلَمْ يَقُلْ: أَبْدَلْنَا، وَقَالَ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: لَا إِبْدَالَ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: بَدَّلَ يُبَدِّلُ تَبْدِيلًا وَبِدَالًا، فَهُوَ مُبَدِّلٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: أَبْدَلْتُ الشَّيْءَ: إِذَا أَزَلْتُ الْأَوَّلَ وَجَعَلْتُ الثَّانِيَ فِي مَكَانِهِ كَقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ:
عَزْلُ الْأَمِيرِ لِلْأَمِيرِ الْمُبْدَلِ
وَبَدَّلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ: إِذَا غَيَّرْتُ حَالَهُ وَعَيْنَهُ، وَالْأَصْلُ بَاقٍ كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ قَمِيصِيَ جُبَّةً وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فَالْجِلْدُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْأَوَّلِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَذَابُ إِذَا لَمْ يُبَاشِرِ الْمَعْصِيَةَ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ كُلِّ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلُهُ فِي النُّورِ «وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا أَتَوْا بِالْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدِي أَنَّهُمْ شَدَّدُوا هَذَا الْحَرْفَ خَاصَّةً إِرَادَةَ تَكْرِيرِ الْفِعْلِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَّلَهُمُ الْأَمْنَ مِنَ الْخَوْفِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ،
стр. 235
وَأَمْنًا عَلَى أَمْنٍ فَالتَّشْدِيدُ دِلَالَةً عَلَى تَكْرِيرِ الْفِعْلِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «رُحُمًا» بِضَمَّتَيْنِ، وَكَذَا عَبَّاسٌ وَنَصْرٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «رُحْمًا» خَفِيفًا، وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِي كَلَامِهِمْ مِثْلَ الْعُمْرِ وَالْعُمُرِ وَالرُّعْبِ وَالرُّعُبِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁: وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ: أَقْرَبَ رَحْمًا تَقُولُ: أَطَالَ اللَّهُ عُمْرَكَ وَعُمُرَكَ وَعَمْرَكَ وَمَعْنَاهُنَّ كُلُّهُنَّ: وَأَقْرَبَ رَحْمَةً وَعَطْفًا وَقُرْبَى وَقَرَابَةً، وَقَالَ الشَّاعِرُ شَاهِدًا لِمَنْ خَفَّفَ:
وَلَمْ يُعَوِّجْ رُحْمَ مَا يَعَوَّجَا
وَقَالَ آخَرُ:
يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ عَلَى إِدْرِيسَ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو مُشَدَّدًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفًا، وَهُمَا لُغَتَانِ: أَفْعَلَ يُفْعَلُ أَتْبَعَ يُتْبَعُ، وَافْتَعَلَ يَفْتَعِلُ اتَّبَعَ يَتَّبِعُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالُوا: اتَّبَعْتَهُ: سِرْتَ فِي أَثَرِهِ، وَأَتْبَعْتَهُ: لَحِقْتَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ وَرَوَى حُسَيْنٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو «وَأَتْبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ» وَتَفْسِيرُهُ كَتَفْسِيرِ مَا ذَكَرْتُ، وَالسَّبَبُ: الطَّرِيقُ هُنَا، وَالسَّبَبُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَبْلُ، وَالسَّبَبُ: الْقَرَابَةُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: «حَمِئَةٍ» عَلَى وَزْنُ فَعِلَةٍ مَهْمُوزًا، وَمَعْنَاهُ: تَغْرُبُ فِي طِينٍ سَوْدَاءَ، وَهِيَ الْحَمْأَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الْبِئْرِ، وَيُقَالُ لَهَا: الثَّأْطُ وَالْحَرْمَدُ وَالْحَالُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ: «أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا غَرَّقَهُ اللَّهُ أَخَذَ جِبْرِيلَ ﷺ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَحَشَاهُ فِي فِيهِ لِئَلَّا يَنْطِقَ بِكَلِمَةِ النَّجَاةِ إِذْ كَانَ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ» عَلَى وَزْنِ فَاعِلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أَيْ: حَارَّةً حَمِيَتْ تَحْمَى فَهِيَ حَامِيَةٌ مِثْلَ شَرِبَتْ فَهِيَ شَارِبَةٌ.
стр. 236
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ «حَامِيَةٍ».
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمِونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي حَاضِرٍ وَابْنِ حَاضِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَرَأَ: «تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ» فَقُلْتُ: مَا نَقْرَؤُهَا إِلَّا «حَمِئَةٍ» فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَيْفَ تَقْرَؤُهَا؟ قَالَ: كَمَا قَرَأْتَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ: فِي بَيْتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ! فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى كَعْبٍ: أَيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهَا، وَأَمَّا أَنَا فَأَجِدُ الشَّمْسَ فِي التَّوْرَاةِ تَغْرُبُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مجاهد عن السمري عن الفراء، قال: حدثنا حيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: «فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ» وَقَالَ: فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَمَأْتُ الْبِئْرَ: أَخْرَجْتُ مِنْهَا الْحَمْأَةَ، وَأَحْمَأْتُهَا: أَلْقَيْتُ فِيهَا الْحَمْأَةَ، وَحَمِيَتْ هِيَ: صَارَ فِيهَا الْحَمْأَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: هَذَا حَمُو فُلَانٍ فَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: حَمْؤٌ وَحَمُو وَحَمًا وَحَمٌ قَالَ الشَّاعِرُ:
هِيَ مَا كَنَّتِي وَتَزْ ... عُمُ أَنِّي لَهَا حَمُو
وَقَالَ آخَرُ:
قُلْتُ لِبَوَّابٍ لَدَيْهِ دَارُهَا ... تِئْذَنْ فَإِنِّي حَمْؤُهَا وَجَارُهَا
وَقَالَ آخَرُ:
وَبِجَارَةٍ شَوْهَاءَ ترق بني ... وَحَمًا يَخِرُّ كَمَنْبَذِ الْحِلْسِ
وَفِيهِ لُغَةٌ خَامِسَةٌ وَسَادِسَةٌ «الْحَمْوُ» مِثْلُ الْعَفْوِ وَ «الْحَمَأُ» مِثْلُ الْخَطَأِ ذَكَرَهُ اللَّحْيَانِيُّ، وَكُلُّ قَرَابَةٍ مِنْ قِبَلِ الزوج فهم الأحماء، وكل قرابة من أصل النِّسَاءِ فَهُمُ الْأُخْتَانُ، وَالصِّهْرُ يَجْمَعُهَا، فَأُمُّ امْرَأَةِ الرَّجُلِ خِتْنَتُهُ، وَأَبُوهَا خِتْنُهُ، وَأُمُّ الزَّوْجِ حَمَاةُ الْمَرْأَةِ، وَأَبُوهُ حَمُوهَا، وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ شَاهِدًا لِأَبِي عَمْرٍو فِي «عَيْنٍ حَمِئَةٍ»:
تَجِئْكَ بِمِلْئِهَا طَوْرًا وَطَوْرًا ... تَجِئْكَ بِحَمْأَةٍ وَقَلِيلِ مَاءِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَسُقِيتُ بِالْمَاءِ النَّمِيرِ وَلَمْ ... أُتْرَكْ أُلَاطِمُ حمأة الجفر
стр. 237
وَقَالَ تُبَّعٌ:
قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا ... مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُ
بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي ... أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ؟ !
فَرَأَى مَغَارَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا ... فِي عَيْنِ ذِي رَتَقٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدٍِ
قَالَ: الثَّأْطُ: الْمَاءُ وَالطِّينُ، وَالْحَرْمَدُ: الْحَمْأَةُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «فَلَهُ جَزَاءً» بِالنَّصْبِ مُنَوَّنًا فَنَصَبَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
عَلَى الْمَصْدَرِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: فَلَهُمُ الْجَنَّةُ مَجْزِيُّونَ بِهَا جَزَاءً.
وَقَالَ آخَرُونَ: نَصَبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَهَذَا فِيهِ ضَعْفٌ، لِأَنَّ التَّمْيِيزَ يُقَبَّحُ تَقْدِيمُهُ كَقَوْلِهِ: تَفَقَّأَ زَيْدٌ شَحْمًا، وَتَصَبَّبَ عَرَقًا، وَمَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ رَاحَةٍ سَحَابًا، وَلَهُ دَنٌّ خَلًّا، وَيُقَبَّحُ لَهُ خَلًّا دَنٌّ، فَأَمَّا عَرَقًا تَصَبَّبَ فَمَا أَجَازَهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إِلَّا الْمَازِنِيُّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى» بِالرَّفْعِ وَالْإِضَافَةِ وَشَاهِدُهُ قَوْلُهُ: فَلَهُمْ ﴿جَزَاءُ الضعف بما عملوا﴾ والحسنى هاهنا: الحسنات.
- وقوله تعالى: ﴿بين السدين﴾.
فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: السَّدُّ فِي الْعَيْنِ، وَالسَّدُّ: الْحَاجِزُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّيْءِ وَقَالَ حَجَّاجٌ عَنْ هَارُونَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ فَهُوَ السَّدُّ، وَمَا كَانَ مِنْ صُنْعِ بَنِي آدَمَ فَهُوَ سَدٌّ، وَكَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمِدَ إِلَى الْحَدِيدِ فَجَعَلَهُ أَطْبَاقًا وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا الْفَحْمَ وَالْحَطَبَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمِحْلَاجَ، يَعْنِي: الْمِفْتَاحَ: حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ﴿آتُونِي﴾ أَيْ: أَعْطُونِي ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ وَالْقِطْرُ: النُّحَاسُ فَصَارَ جَبَلَ حَدِيدٍ مُرْتَفِعًا ﴿فما اسطاعوا أَنْ يُظْهِرُوهُ﴾ أَيْ: يَعْلُوهُ، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقَبًا﴾.
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «بَيْنَ السُّدَّيْنِ» وَفَتَحَا الْبَاقِي.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِرَفْعِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «يُفْقِهُونَ» بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَفْقَهَ يَفْقَهُ.
стр. 238
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَفْقَهُونَ». وَمَعْنَاهُ: لَا يَفْهَمُونَ، وَمَنْ ضَمَّ فَمَعْنَاهُ لَا يُبَيِّنُونَ لِغَيْرِهِمْ يُقَالُ: فَقَهَ يَفْقَهُ وَفَقُهَ يَفْقُهُ وَفَقِهَ يَفْقَهُ مِثْلَ فَهِمَ يَفْهَمُ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الطَّاهِرِيَّ يَقُولُ:
الْمُنَافِقُ إِنْ فَقِهَ لَمْ يُفْقِهْ وَإِنْ نَقِهَ لَمْ يُنْقِهْ.
سمعت ابْنَ مُجَاهِدٍ يَقُولُ: الِاخْتِيَارُ الْفَتْحُ، لِأَنَّكَ إِذَا ضَمَمْتَ الْيَاءَ فَقَدْ حَذَفْتَ مَفْعُولًا وَالتَّقْدِيرُ: لَا يُفْقِهُونَ أَحَدًا قَوْلًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ «يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» بِالْهَمْزِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: هُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْأَعْجَمِيَّةَ سِوَى هَذَا الْحَرْفِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ نَحْوَ طَالُوتَ وَجَالُوتَ وَهَارُوتَ وَمَارُوتَ وَحُجَّةُ مَنْ هَمَزَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ أَجِيجِ النَّارِ، وَمِنَ الْمِلْحِ الْأُجَاجِ فَيَكُونُ يَفْعُولًا مِنْهُ، هَذَا فِيمَنْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا وَتَرَكَ صَرْفَهُ لِلتَّعْرِيفِ، لِأَنَّهَا قَبِيلَةٌ.
وَالِاخْتِيَارُ أَنْ تَقُولَ: لَوْ كَانَ عَرَبِيًّا لَكَانَ هَذَا اشْتِقَاقَهُ وَلَكِنَّ الْأَعْجَمِيَّ لَا يُشْتَقُّ قَالَ رُؤْبَةُ:
لَوْ كَانَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ مَعًا ... وَعَادَ عَادُ وَاسْتَجَاشُوا تُبَّعَا
فَتَرَكَ الصَّرْفَ فِي الشِّعْرِ كَمَا هُوَ فِي التَّنْزِيلِ، وَجَمَعُ يَأْجُوجَ يَآجِيجُ مِثْلَ يَعْقُوبَ وَيَعَاقِيبُ، وَالْيَعْقُوبُ: ذَكَرُ الْفَتْخِ، وَالْأُنْثَى: الْحَجَلَةُ، وَوَلَدُ الْفَتْخِ: السُّلَكُ، وَالْأُنْثَى:
السُّلَكَةُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: سُلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ ﵁: الذَّعْفُوفَةُ:
وَلَدُ الْفَتْخِ وَالْقُهْبِيُّ أَبُوهُ. ذَكَرُهُ فِي كِتَابِ «الْعَيْنِ» وَمَنْ جَعَلَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَاعُولًا جَمَعَهُ يَوَاجِيجَ بِالْوَاوِ، مِثْلَ هَارُونَ وَهَوَارِينٍ وَطَاغُوتَ وَطَوَاغِيتٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَرْجًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «خَرْجًا» وَكَذَلِكَ فِي «قَدْ أَفَلْحَ» فَخَرْجُ رَبِّكَ وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «خَارِجًا»، «فَخَرَاجُ رَبِّكَ» وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، لِأَنَّ الْخَرْجَ: الْجُعْلُ، وَالْخَرَاجُ: الْإِتَاوَةُ وَالضَّرِيبَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا السُّلْطَانُ مِنَ النَّاسِ كُلَّ سَنَةٍ.
وَمَنْ قَرَأَ «خَرْجُ رَبِّكَ» فَحُجَّتُهُ، أَيْضًا: مَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ الَّذِي يُقَالُ: إنه «الإمام»، ﴿أم تسألهم خَرْجًا﴾ مَكْتُوبٌ بِغَيْرِ أَلِفٍ.
стр. 239
وقرأ الباقون: «أم تسألهم خَرْجًا» بِغَيْرِ أَلِفٍ ««فَخَرَاجُ» بِأَلِفٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ «مَا مَكَّنَنِي» بِنُونَيْنِ، لَامُ الْأُولَى لَامُ الْفِعْلِ أَصْلِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ مَعَ الْيَاءِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ فَأَظْهَرَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ عَلَى الْأَصْلِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مَا مَكَّنِّي» مُشَدَّدًا فَأَدْغَمُوا إِرَادَةً لِلِاخْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ، وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي وَصِلَتُهُ «مَكَّنِّي» «وَخَيْرٌ»، خَبَرُ الِابْتِدَاءِ، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ وَلَيْسَتْ جَحْدًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ «بِالرَّفْعِ، والرافضة تقف به «ما تركنا صدقة» فأخطئوا الْإِعْرَابَ وَالدِّينَ جَمِيعًا، وَنَاظَرَنِي بَعْضُ الرَّافِضَةُ فِي قول النبي ﷺ : «ما نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ ﵁» فَقَالَ: مَا الثَّانِيَةُ جَحْدٌ مِثْلُ الْأُولَى، أَيْ: لَمْ يَنْفَعْنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ؟ ! فَقُلْتُ لَهْ: إِنَّ قِلَّةَ مَعْرِفَتِكَ بِالْعَرَبِيَّةِ قَدْ أَدَّتْكَ إِلَى الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا «مَا» الثَّانِيَةُ بِمَعْنَى «الَّذِي» وَتَلْخِيصُهُ لَمْ يَنْفَعْنِي مَالٌ كَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «الصُّدْفَيْنِ» بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَضَمِّ الصَّادِ وَمَعْنَاهُ: بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ أَخَذْتَ مَا بَيْنَ عَرْضِ الصُّدْفَيْنِ ... نَاحِيَتَيْهَا وَأَعَالِي الرُّكْنَيَيْنِ
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: «الصُّدُفَيْنِ» بِضَمَّتَيْنِ جَعَلَهُمَا لُغَتَيْنِ مِثْلَ السُّحْتِ وَالسُّحُتِ وَالرُّعْبِ وَالرُّعُبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ» بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ، وَأَحَدُهُمَا صَدَفٌ، فَمَنْ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَحُجَّتُهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا مَرَّ بِصَدَفٍ مَائِلٍ أَسْرَعَ الْمَشْيَ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «كَانَ إِذَا مَرَّ بِطِرْبَالٍ مَائِلٍ أَسْرَعَ الْمَشْيَ» أَيْ:
حَائِطٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آتُونِي أفرغ عليه﴾.
قرأ عاصم وحمزة: «قال ائتوني» قَصْرًا مِنْ غَيْرِ مَدٍّ جَعَلَاهُ مِنْ بَابِ جِيئُونِي، يُقَالُ: أَتَيْتُهُ: جِئْتُهُ، وَآتَيْتُهُ: أَعْطَيْتُهُ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ: آتُونِي أَعْطُونِي، وَالْأَصْلُ
стр. 240
أَيْتُيُونِي فَاسْتَثْقَلُوُا الضَّمَّةَ عَلَى الْيَاءِ فَحَذَفُوهَا فَالْتَقَى سَاكِنَانِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ فَحَذَفُوُا الْيَاءَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «فَمَا اسْطَّاعُوا» بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ، أَرَادَ: فَمَا اسْتَطَاعُوا فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الطَّاءِ، لِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ، وَجَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ السِّينِ وَالطَّاءِ الْمُدْغَمَةِ فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ جَمِيعًا: إِنَّهُ أَخْطَأَ لِجَمْعِهِ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁: وَلَهُ عِنْدِي وَجْهَانِ: لِأَنَّ الْقُرَّاءَ قَدْ قَرَءُوا «لَا تَعْدُّوا فِي السَّبْتِ»، «أَمَّنْ لَا يهدي»، «و ﴿نعما يَعِظُكُمْ».
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي السَّاكِنِ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْتَ الْحَرَكَةُ وَسُكُونُهَا عَارِضٌ وَقَدْ يَجُوزُ حَرَكَتُهَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُشَبِّهُ الْمُسَكَّنَ بِالسَّاكِنِ، لِاتِّفَاقِهِمَا فِي اللَّفْظِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ وَالنَّهْيَ مَجْزُومٌ، وَقَدْ جَعَلْتُ حُكْمَهُمَا سُيَّيْنِ، فَالسِّينُ فِي قَوْلِهِ «فَمَا اسْطَاعُوا» سَاكِنَةٌ لَا يَجُوزُ حَرَكَتُهَا كَاللَّامِ الَّتِي لِلتَّعْرِيفِ نَحْوَ الْأَحْمَرِ وَالْأَيْكَةِ، فَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُحَرِّكْ هَذِهِ اللَّامَ فَيَقُولُ: لَيْكَةُ وَلَحْمَرُ فَجَازَ تَشْبِيهُ السِّينِ بِاللَّامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ تَتَوَهَّمُ بِالسَّاكِنِ الْحَرَكَةَ وَالْحَرَكَةِ السُّكُونَ.
وَحَدَّثَنِي ابن مجاهد عن السمري عن الفراء، قال: عَبْدُ الْقَيْسِ يَقُولُونَ اسَلْ زَيْدًا، فَيُدْخِلُونَ أَلِفَ الْوَصْلِ عَلَى سِينٍ مُتَحَرِّكَةٍ، لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا «إسْأَلْ» السُّكُونَ فِي السِّينِ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَيَّدَتْ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ مَا قَرَأَ الْبَاقُونَ «فَمَا اسْطَاعُوا» بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ، أَرَادَ: اسْتَطَاعُوا أَيْضًا فَحَذَفُوُا التَّاءَ اخْتِصَارًا كَرَاهِيَةَ الْإِدْغَامِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيْنِ مُتَقَارِبِي الْمَخْرَجِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: طَاعَ يَطُوعُ وَطَوَّعَ يُطَّوِعُ مِنْ قَوْلِهِ: «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ» أَيْ: تَابَعَتْهُ وَسَوَّلَتْ لَهُ.
وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ وَسِيبَوَيْهِ اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيعُ بِمَعْنَى: أَطَاعَ يُطِيعُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «أَنْ يَظْهَرُوهُ» أَيْ: يَعْلُوهُ، يُقَالُ، ظَهَرْتُ عَلَى ظْهَرِ الْبَيْتِ، أَيْ: عَلَوْتُهُ «وما استطاعوا لَهُ نَقْبًا» أَيْ: لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَنْقُبُوُا الحديد.
стр. 241
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مَمْدُودًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «دَكًّا» بِمَعْنَى مَدْكُوكَةٍ، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَفَاعِلٍ فَيَقُولُونَ: هَذَا دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ: مَضْرُوبُ الْأَمِيرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أَيْ غَائِرًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ: «أَنْ يَنْفَدَ» بِالْيَاءِ لِأَنَّ الْكَلِمَاتِ تأنيثها غير حقيقي، لأن جَمْعَ الْمُؤَنَّثِ مِمَّا لَا يَعْقِلُ يُشَبَّهُ بِمَا يَعْقِلُ نَحْوَ هِنْدَاتٍ، فَلَمَّا كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: قَالَ نِسْوَةٌ، قِيلَ: يُنْفِدُ الْكَلِمَاتِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «أَنْ تَنْفَدَ» بِالتَّاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّهُ جُمِعَ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ وَالِاخْتِيَارُ فِيهِ التَّأْنِيثُ، لِإِجْمَاعِ النَّحْوِيِّينَ.
وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْيَاءَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ تِسْعُ يَاءَاتٍ:
قَوْلُهُ: «رَبِّي أَعْلَمُ» وَ «بِرَبِّي أَحَدًا»، «فَعَسَى رَبِّي أَنْ» فَتَحَهُنَّ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ.
وَأَسْكَنَهُنَّ الْبَاقُونَ.
وَ﴿مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ فَتَحَهَا نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ فَتَحَهَا نَافِعٌ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَعِيَ صَبْرًا﴾ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ، فَتَحَهَا حَفْصٌ عَنْ عاصم وأسكنها الباقون (١) . الحواشي
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٣١: «(وفيها من آيات الإضافة تسع) (ربي أعلم، بربي أحدا، بربي أحدا) في الموضعين (ربي أن يؤتين) فتح الأربعة المدنيان وابن كثير وأبو عمرو، (وستجدني إن) فتحها المدنيان (معي صبرا) في الثلاثة فتحها حفص (من دوني أولياء) فتحها المدنيان وأبو عمرو.
(ومن الزوائد ست)، (المهتد) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو وأثبتها في الحالين يعقوب ووردت عن ابن شنبوذ عن قنبل (أن يهدين وأن يؤتين وأن تعلمن) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو وأثبتها في الحالين ابن كثير ويعقوب (إن ترن) أثبتها وصلا أبو جعفر وأبو عمرو وقالون والأصبهاني عن ورش وأثبتها في الحالين ابن كثير ويعقوب (ما كنا نبغ) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو والكسائي وفي الحالين ابن كثير ويعقوب.стр. 242
نَجَزَ النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَتْلُوهُ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ ﵍.
وَفَرَغَ مِنْ تَحْرِيرِ هَذَا الْكِتَابِ الْعَبْدُ الْمُذْنِبُ الْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ فَرَّاجِ بْنِ سَرْوِ بْنِ الْأَبْهَرِيِّ بِتَارِيخِ مُنْتَصَفِ شَوَّالٍ سَنَةَ سِتِّمِائَةٍ حَامِدًا اللَّهَ تَعَالَى مُصَلِّيًا عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أجمعين.
الحواشي
(١) = وأما ﴿فلا تسألني﴾ فليست من الزوائد وتقدم الكلام على حذفها في موضعها والله الموفق.стр. 243
ومن سورة مريم ﵍
قولُه تَعَالَى: ﴿كَهيعَصَ﴾.
فيها خمسُ قراءاتٍ:
قرأ ابن كثيرٍ، ونافعٌ، وحفصٌ عَنْ عاصمٍ، بتفخيمِ الحُروف كلِّها، وكان نافعٌ قراءته بينَ بين؛ وذلك أنَّ هذه الحروفَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وتُمدُّ وتُقصَرُ، وتُمال وتفخَّمُ، فيقال: ياءٌ وطاءٌ، ويا وطا.
ومن العربِ من ينحو بِهِ نحو الواوِ، فيقولُ: طُو ويُو وهُو. وقد قرأ بذلك الحَسَنُ «كُهُيُعص».
وقرأ عاصمٌ في راويةِ أبي بكرٍ والكِسَائِيّ بإمالةِ هذه الحروف.
وقرأ ابن عامر، وحمزة بفتح الهاء وإمالة الياءِ «كَهَيعَصَ»، وكأنَّهما كرها تواتى الفَتَحَات والكَسْرات، فأمالا بَعضًا، وفَتحا بَعضًا.
وقرأ أَبُو عَمْروٍ ضدَّ ذَلِكَ، فكسرَ الهاءَ، وفتحَ الياءَ لهذه العلّة الّتي تقدمت.
وحدَّثني مُحَمَّد بْن الحَسَن الأَنْبَارِيُّ، عَنْ ابن فَرَحٍ، عَنْ أبي عُمَر، عَنْ اليَزِيِديَّ، عَنْ أبي عَمْروٍ، أَنَّهُ قرأ: «كَهِيِعَصَ» بكسر الهاءِ والياء. قال: قلتُ لأبي عَمْروٍ: لِمَ كَسرتَ الهاءَ؟ ، قَالَ: لئلا تلتبس بالهاء الّتي للتنبيه، قلت: فلمَ كسرتَ الياءَ؟ . قَالَ:
لئَلَّا تلتبس بالياءِ الّتي للنِّداء إذَا قلتَ: يا رَجُلُ، ويا زَيْدُ. وهذا حَسَنٌ جدًّا.
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ: واللَّفظ بهذه الحُروف أن تَنظَر، فَما كَانَ منها عَلَى حرفين كَانَ أقصرَ مدًّا، نحو ها، ويا، وما كَانَ عَلَى ثلاثةِ أحرفٍ كَانَ أطولَ مدا، نحو كاف، وصاد.
فإن قيلَ لَكَ: فإنَّ أبا عَمْروٍ وغيرَه مِمَّن أَدغَم الدَّالَ في الذَّالِ من (ص ذكر) جَعلوه أطولَ من كاف؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ الألفَ إذَا وقعَ بعدها حرفٌ مشدّدٌ، نحو دابَّة، وشابَّة، وتابَّة، وهي العجوزُ، فلا بد من مدِّه، تمكينًا للحرفِ المُدغمِ، وليكون حاجزًا بين السَّاكنين.
واختلفَ أهلُ التأويلِ في ﴿كهيعص﴾.
стр. 244
قَالَ قومٌ: أقسمَ الله تَعالى بحروفِ المُعجم، ثُمَّ اجتزأ ببعضٍ عَنْ بعضٍ.
وقال آخرون: بل وهو شِعَارٌ للسُّورة.
وقال عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبي بَكْر: لِله تَعَالَى مَعَ كلِّ نبيٍّ سرُّ، وسرٌّ الله تَعَالَى مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ في القرآن الحُروفُ المقطعةُ.
فإن سألَ سائِلٌ: ما معنى قولِ عليٍّ ﵁: يا كاف ها، يا ع ص اغفر لي؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ عليًّا ﵁ كَانَ يتأوّل كلَّ حرفٍ من الحروف المُقطَّعة اسمًا من أسماء الله ، فالكاف من ﴿كهيعص: ﴾ الكافي، والهاءُ: الهادِي، والصَّادُ: من صادقٍ، والعَينُ: من عَليمٍ. كأنَّه قَالَ: يا كافِي، يا هَادي، يا عَلِيم، يا صادق، ثُمَّ اجتزأ ببعضِ الحروف عَنْ كلٍّ، كما تَقُولُ العرب، ألا تا، تريد: أَلا تَرحل؟ فيقول: بلى فَا، أي: بَلَى فَأَفعل. قَالَ الشَّاعِرُ:
ناداهُمُ أَنْ ألْجِمُوا ألا تا ... قول امرئ للجلبات عبّا
ثُمَّ تَنادوا بعد تِلْكَ الضَّوضا ... منهم بهاب وهل وبابا
ومن ذلك حديث رسول الله ﷺ : «كفى بالسَّيف شا». أراد أن يَقُولُ ﵇: «شاهدًا»، ثُمَّ قَالَ ﷺ : «لولا أنْ يتتابع فيه الغيران والسكران».
وقوله تعالى: ﴿كهيعص ذكر رحمت رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾.
أدغَمَ الدَّال في الذّال أَبُو عَمْرو، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ تَخْفِيفًا لقربِ مَخرج الدَّالِ من الذَّالِ.
والباقون يظهرون إذَا لم يتجانسا، وليسا أختين.
وكان أَبُو عَمْروٍ يسكّن الرَّاءَ من «ذَكِرْ»، ويدغمها في الراء من «رحمة»، فيقول: «ذكر رحمت ربِّكَ».
والباقون يظهرون إذَا كَانَا من كلمتين، ولأنَّ الرَّاءَ الأولى متحركةٌ، وقد مَضَى مثل ذَلِكَ فيما سَلَفَ من الكتاب، والتَّقديرُ في الآية: ذِكْرُ ربِّك عبدَه بالرَّحْمَةِ.
قولُه تَعَالَى: ﴿إني خفت الموالي من ورائي﴾.
قرأ ابن كثير، فيما قرأت على ابن مجاهدٍ، عَنْ قنبل - «ورآءىَ» بفتح الياء، والمدّ، والباقون يُسَكِّنون الياءَ تخفيفًا، لطولِ الحَرْفِ مَعَ الهمزة.
стр. 245
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: روى عُبَيْدٌ، عنْ شبلٍ، عَنْ ابنِ كَثيرٍ «مِنْ وَرَاىَ وَكَاْنَتِ» مثل:
هُداىَ.
وقد ذَكرتُ علّة ذَلِكَ في سورة إبراهيم ﵇، والوَرَاءُ: وَلَدُ الوَلَدِ ممدودٌ، الوَرَاءُ: الخَلْفُ، والوَرَاْءُ: القُدَّامُ. ومعنى هذه الآية: ﴿خِفْتُ المَوَالِىَ من ورائي﴾ أَي:
أَمامِي وقُدَّامِى، قَالَ الشَّاعرُ:
أَيَرْجُو بنو مَرْوَان سَمْعِي وَطَاعَتِي ... وَقَوْمِي تمِيمٌ وَالفَلَاةُ وَرَائِيَا
والوَرَىُ مقصورٌ: داءٌ في الجوفِ، والوَرَى أيضًا: الخلْقُ، يقالُ: ما أدري أي الورى هو؟ وأي الطمش هو؟ وأيّ تُرخمٍ، وأيَّ الطَّبل هُوَ؟ وأيَّ برنساء هُوَ؟ كلُّ ذَلِكَ معناه: لا أَدْرِي أيّ النّاسِ هُوَ؟
وذكر الحَجَّاجُ، عَنْ هارون، عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، عَنْ أَبِيهِ وهبٍ، عَنْ كَعب مولى سَعيد بْن العاص، عَنْ سَعيد بْن العاص، قَالَ: أَملى عليَّ عُثْمَان بْن عفان ﵁، «وَإِنِّي خَفَّتِ الْمَوَالِيَ من ورآئي».
أي: ذهبَتْ وقلَّتْ، والموالى: بنو الأَعمامِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
مَهْلًا بني عَمَّنَا، مَهْلًا مَوَاْلِيْنا ... لَا تَنْبُشُوا بَيْنَنَا مَا كانَ مَدْفُوْنًا
فالمَوْلَى: ابنُ العَمِّ، والمَوْلَى: المُعْتِقُ، والمَوْلَى: المُعْتَقُ، والمَوْلَى: النَّاصِرُ، والمَوْلَى: الأَوْلَى، والمَوْلَى: الوَلِيُّ، والمَوْلَى: الإِمَامُ.
وقَوله تَعَالَى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ، والكِسَائيُّ، جَزْمًا جوابًا للأمرِ، وإنما صارَ جوابُ الأمرِ مجزومًا؛ لأنَّ الأمرَ مَعَ جوابِهِ بمنزلةِ الشَّرطِ، والجَزَاءِ، أي: هَبْ لِي وليًّا، فإنَّك إن وَهَبْتَهُ لي ورثني.
قرأَ الباقون: «يَرثُنِي» بالرَّفِع عَلَى تقديرِ: فإنه يَرِثُني، ومَن اختارَ الرَّفعَ قَالَ:
«وليًا» نكرةٌ، فجعلت «يرثني» صلةً، كما تَقُولُ: أَعِرْني دابةً أَرْكَبُهَا، ولو كَانَ الاسمُ معرفةً لكان الاختيارُ الجزَم، كما قَالَ تَعالى: ﴿فَذَرُوْهَا تَأكُلْ فِيْ أَرْضِ اللهِ، ﴾ والنكرةُ نحو قولُه: ﴿خُذْ مِنْ أَموالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾.
ولمَنْ رَفَعَ حُجَّةٌ أُخرى: أنَّ الآيةَ قد تمَّت عندَ قولِهِ «وَلِيًّا». وقالَ ابنُ مُجاهدٍ: مَنْ جَزَمَ جاز لَه أن يقفَ عَلَى «وَلِيًا»، ومَنْ رَفَعَ لم يَجُزْ، لأنه صلة.
стр. 246
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: الصِّلةُ من المَوْصُوْلِ، كالشَّرطِ من الجَزاءِ، لا يَتِمُّ أحدهما إلَّا بصاحبه، فمَن أجازَ الوَقفَ عَلَى «وَليًّا»؛ لأنَّهما رأسُ آيةٍ، جعلها وقفًا حسنًا لا تامًا، لأنَّ الحَسَنُ ما حَسُنَ الوَقْفُ عَلَيْهِ وقُبح الابتداء بِهِ. وقال المُفسرون: التَّقديرُ هَبْ الّذي يَرِثُنيْ. ولو قَالَ قائلٌ: إنّما رفعتُ «يَرِثُني»، لأنَّ معناهُ: هب لي وليًا وارثًا. والفعلُ المضارع إذَا حلَّ محلَّ اسمِ الفاعلِ، لم يَكن إلَّا رفعًا، كقوله تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. أي: مُستكثرًا. وقرأ سعيدُ بن جُبيرٍ: «هَبْ لِيْ أُوَيْرِثًا»، أرادَ: وويرثا، فانقلبت الواوُ همزةً، مثل: ﴿وإذَا الرُسُّلُ أُقِّتَتْ﴾. والأصل: وُقّتت، «وو يرثا» تصغيرُ وارثٍ، كما تقولُ في صالح: صُويلح.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَر عِتِيًّا﴾.
قرأ حمزة والكسائيّ: «عِتِيًّا» و «صِلِيًّا» و «جِثِيًّا» و «بِكِيًّا» وكذلك حفصٌ، إلا «بُكيّا». فإنَّه ضَمٌّ. والباقون يَضُمُّون كلُّ ذَلِكَ، فمَن كَسَرَ أوائل هذه الحروف، فلمجاورة الياء، والأَصلُ الضَمُّ لأنَّها جمعُ فاعلٍ، مثل جالسٍ وجُلوسٍ، وكذلك صالٍ وصُلُىٌّ، والأصل صُلُوْىٌ، وبُكُوْىٌ عَلَى وزن فُعُوْلٍ، فانقلبت الواوُ ياءً، وأدغمت الياءُ في الياء. فالتشديد من أجل ذَلِكَ.
والأصلُ في «عُتِيًّا»: عُتُوٌ، لأنَّه من عَتَا يَعْتُو، والأولُ من بَكَى يَبْكِي، كما قَالَ تَعالى: ﴿وَعَتَوا عُتُوًّا كَبِيْرًا﴾.
فإن قيلَ لك: قِيلَ في هذه السُّورة: «عُتِيًّا» بالياء، ولم يقل: عُتُوًّا بالواو؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ عتيًّا جمع عاتٍ، وأصلُ عاتٍ: عاتِوٌ، فانقلبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها، فبنوا الجمعَ عَلَى الواحِد في قلبِ الوَاوِ ياءً، لأنَّ الجمعَ أثقلُ من الواحدِ، وقولُه: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾ مصدرٌ، والمَصْدَرُ يُجري مُجرى الواحدِ حُكمًا، وإنْ كَانَ في اللَّفظِ مُشاركًا للجمعِ، أَلَا تَرى أنَّك تقولُ: قَعَدَ قُعُوْدًا، وقومٌ قُعُوْدٌ.
فإن قيل: ف «عتيا» في مريم أيضًا مصدر، فَلِمَ قُلِبَ؟
فقُل: ليوافق رءوس الآى، فآعرفه.
فإن قيلَ: فلمَ لَمْ يُختلف في قولُه: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾. فيقرأ مِضِيًّا كما قُرئ «بِكِيًّا»؟
فالجوابُ في ذَلِكَ أنَّ الاعتلالُ، والخروجُ عَنْ الأصلِ إنَّما يكونُ في الجمعِ للعِلَّة الّتي
стр. 247
أنبأتُك بها، و ﴿مُضِيًّا﴾ مصدَرٌ، تَقُولُ: مضى يمضي مُضيًّا، ولو كَانَ جمعًا لماضٍ لقُلتَ: قومٌ مُضِيّ ومِضِيّ، كما تَقُولُ: بُكيٌّ وبِكيٌّ، إنّما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ أي: مضاء، وهذا واضحٌ بحمدِ الله. وفي حَرفِ عبدِ الله، «وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُسِيًّا» يقال للشيخ إذَا كَبر: عَسا يَعسو، وعَتا يعتو إذَا يَبِس.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾.
قرأ حَمْزَةُ والكِسَائِيُّ: «وَقَدْ خَلَقْنَاكَ».
وقرأ الباقون: «وَقَدْ خَلَقْتُكَ» بالتاءِ.
فمَن قرأ بالتَّاء فحجَّته: «هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ»، ولم يقل: عَلَيْنَا.
ومَن قرأ بلفظِ الجمعِ، فلأن الله تَعَالَى قَدْ قَالَ بَعد الآيَةِ: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي:
رَحْمَةً من عندِنا، والعَرَبُ تقولُ: حَنَانَيْكَ أي: رَحْمَةً بعدَ رحمةٍ كما قَالَ: لَبَيْكَ وسَعْدَيْكَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا ... حَنَانيْكَ بَعْضُ الشَرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
وسمعتُ أبا عُمر يَقُولُ: «وَحَنَانًا». قَالَ: هَيْبَةً من لَدُنَّا.
وذكر الله تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى يَحْيَى بْن زكريا حيثُ خلقه ولم يَكُ شيئًا موجودًا مرئِيًا عند المخلوقين. فأمَّا الله تَعَالَى فَعِلْمُهُ ما لم يَكْن كَعِلْمِهِ بِهِ بعدَ أن كوَّنه. وقد كَانَ يَحْيَى ﵇ في عِلم الله شيئًا. وإنّما سُمي يَحْيَى لأنه حَيِيَ من عَقيمين، كانت أمُّه أَتت عليها خمسُ وتسعون سنةً، وأبوه نيِّفٌ وتسعون، لا يُولد لهما فحيى من بين مَيِّتَيْنِ قد يَئِسَا من الوَلَد.
وقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
قِيلَ: لَم يُسمَّ أحدٌ يَحْيَى قبل يَحيى. وقال آخرون: السَّمِيُّ: الولدُ واحتجّوا بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
قَالَ أَبُو عبدِ الله: وسَمِعْتُ القاضي أبا عِمْرَان بْن الأَشْيَبَ يَقُولُ: يَحْيَى أفضلُ من عِيْسى عند أهلِ التَّأويلِ، لأنَّ الله تَعَالَى سلَّم عَلَى يَحْيَى فَقَالَ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ وعيسى يُسَلّمُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ والأمر عندي واحدٌ، لأنَّ عِيْسى لم يُسلم عَلَى نَفْسِهِ في حالِ البُلوغ والنُّطق، وإنَّما أنطقه الله في المَهدِ صَبِيًّا إمارةً لنُبُوَّتِهِ، وأنَّه من غير فحلٍ.
стр. 248
وقولُه تَعَالَى: ﴿لأَهَبَ لَكِ غُلَامًا﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحده: «إنّما أَنَا رَسُولُ ربِّك لَيَهَبَ لَكِ» بالياء أي: ليَهَبَ الله لَكِ؟
وقرأ الباقون: «لأهَبَ لَكِ». جبريلُ يُخبرُ عَنْ نَفْسِهِ ﷺ ؟
فإن قَالَ قائلٌ: الهبة الله تَعَالَى فلمَ أخبرَ جِبريل عَنْ نَفْسِهِ ﷺ ؟
ففي ذَلِكَ قولان:
أحدُهما: إنَّما أَنَا رَسُولُ ربَّكِ. يَقُولُ الله: ﴿لأهب لك﴾.
والقولُ الثَّاني: لأهَبَ أنَا لَكِ بأمرِ الله، إذْ كَانَ النافِخُ في جَيْبِهَا بأمرِ الله تَعَالَى.
ورأيتُ أبا عُبَيْدٍ قد ضَعّف قراءةَ أبي عَمْروٍ واختيارَه، لخلافِ المُصحف قَالَ: ولو جازَ لنا تَغْيِيرُ المُصْحَفِ لجازَ لنا في كلِّ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عبدِ الله: لَيْسَ هذا خِلافًا للمُصْحَفِ، لأنَّ حروفَ المدِّ واللِّيْن وذَوات الهَمزِ يُحوَّل بعضٌ إِلى بعضٍ وتُلين. ولا يُسمّى خلافًا، ألا ترى أنَّ نافعًا في رواية ورشٍ قرأ: «لَيَلَّا يَكُوْنَ لِلنَّاس» يريد: لَئَلَّا، فَجَعَلَ الهمزةَ ياءً، والقراءُ يقرءون إذَا وإيذا، وكذلك ورشٍ عَنْ نافعٍ مثل قراءةٍ أبي عَمْرو، «لِيَهَبَ»، وإنما الخلافُ نحو «كالصوف المنفوش» و ﴿كالعهن﴾ و «وسئل ﴿بني إسرائيل» و ﴿سل بني إسرائيل﴾ فأمّا التَّليين فلا يُسمى خلافًا.
وقولُهُ تَعَالَى: ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
قرأ حمزةُ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ: «نَسْيًا» بفتح النون، والباقون بالكسر. فمَن فَتَحَ أراد المَصْدَرَ نَسِيْتُ الشَّيءَ أَنْسَى نَسْيًا ونِسْيَانًا. ويُقال: هذا شَيْءٌ لَقًا - مَقْصُوْرٌ - ونسيٌ. قَالَ الشَّاعر:
كأنَّ لها في الأرْضِ نِسْيًا تَقْصُّهُ ... عَلَى أَمِّهَا وإن تُحَادِثْكَ تُبْلِتِ
معنى تَبْلِتِ أي: تعقب وتصدق. فأمَّا النَّسء - بالفَتْحِ والهَمْزِ - فالتأخير قرأ ابن كثير: «إنما النسء زيادة في الكفر» والنسء: اللَّبَنُ، قَالَ عُرْوَةُ بْن الوَرْدِ:
بآنِسَةِ الحَدِيْثِ رِضَابُ فِيْهَا ... بُعَيْدَ النَّوْمِ كالعِنَبِ العَصِيْرِ
أَطَعْتُ الآمِرِيْنَ بَصَرْم سَلْمَى ... فَطَارُوا في البِلَادِ اليَسْتَعُوْرِ
سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كَذِبٍ وَزُوْرِ
اليَسْتَعُوْرُ: البلادُ البَعِيْدَةُ. والخَيْتَعُوْرُ: الداهيه والخيتعور: الغدر، والمرأة الغدَّارةِ،
стр. 249
والخيتعور: الأسَدُ: قَالَ الشَّاعِرُ:
كلُّ أُنثى وإن بَدَا لَكَ مِنْها ... آيةُ الحُبِّ حُبُّها خَيْتَعُوْرُ
إنّ مَنْ غَرّهُ النِّساءُ بِشَيْءٍ ... بَعْدَ هِنْدٍ لَجَاهٍل مَغْرُوْرُ
ويُروى: «سَقَوْنِي النَّسْيءَ» يعني اللّبَنَ. وكان ابنُ الأَعرابيِّ يُنشد: سَقَوْنِي النِّسْيَ أي: شَيءٌ نسَّاني عَقلي.
وقولُه: تَعَالَى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾.
قرأ نافِعٌ وحمزةُ والكِسَائيُّ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ: «مِنْ تَحْتِهَا» بكسرٍ الميمِ.
وقَرأَ الباقون «من تحتها» بالفتح ف من اسم، ومن حرفٌ، فمَن فتح أرادَ:
عِيسى ﵇، ومَن كَسَرَ أراد: جِبريلَ ﵇.
وقولُه تَعَالَى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾.
قرأ حمزةُ وحده: «تَسَقِطْ» خَفِيْفًا؟
والباقون «تَسَّقَطْ عَلَيْكِ» مُشَدَّدًا، أَرادوا: تتَسَاقط فأدغموا التاء في السّين. وحمزةُ أسقطَ تاءً مثل تَذَّكرون وتَذكرون. وقد بَيَّنْتُ نحو ذَلِكَ فيما سَلَفَ. روى حفصٌ، عَنْ عاصمٍ: «تُسَاقِطْ عَلَيْكِ» جعله فاعل ساقط يُساقط مساقطةً فهو مساقِطٌ. وحدَّثني أَحْمَد، عَنْ عليٌّ، عَنْ أبي عُبَيْد أن البَراء بْن عازبٍ قَرَأَ: «يَسَّقَطْ عَلَيْكِ» بالياءَ والتَّشديدِ، أراد: يَتَسَاقَط فأدغم، فمَن ذكرَّ رده عَلَى الجِذْع. ومن أنَّث ردّه عَلَى النَّخلة. «وهُزِّي إِلَيْكَ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا» قِيلَ: بغُباره، وقيلَ:
برنيّا وقيلَ: كانت النَّخلةُ صَرَفَانَةً وهو رُطَبٌ يملُأ الضّرس، وهو أملأ للضّرس، وكان الجذعُ جذعًا يابِسًا أُتِيَ بِهِ ليُبني بِهِ بِناءٌ فاهتزّ خَضِرًا وأينعَ بالرُّطب بإذن الله تَعَالَى.
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتِكِ سَرِيًّا﴾ قَالَ الحَسَن: كَانَ والله عيسى سَرِيًّا فقيلَ لَهُ: إنَّ السَّرِيَّ: النَّهْرُ، فَقَالَ: استَغْفِرُ الله. وقرأ أَبُو حَيوة «يُسْقِطْ عَلَيْكِ». وروى عَنْهُ «يَسْقُط عَلَيْكَ» ففي هذا الحرف من القراءات: يَسَّاقَطُ وتُسَّاقط ويُساقط وتُساقط وتَسْقُط وتَسْقِطْ وتَساقط.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَأَوْصَاني بالصلاة والزَكَاةِ﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ وحْدَهُ: «وَأَوْصَنيْ» بالإِمالةِ من أجلِ الياء، لأنَّ الأصل فيه قبل الإضافة أوصى مثل أودى فلمَّا أضافه إِلى النَّفس تركه ممالا.
стр. 250
وأمّا مَنْ فَتَحَ، فَقَالَ: إذَا قلتُ: أَوصى ثُمَّ أضافه المُتكلم إلى نفسه صارت الألف ياء، مثل قَضى وَقضيت وأوصَى وأَوْصَيْتُ، فإذا قلتَ قَضَانِي وَرَمَانِي صارت الياءُ ألفًا فاتبعوا اللَّفظ الخطَّ، والكِسائيُّ جَرى عَلَى الأَصلِ، لأنَّ من خالفه في أَوصاني، فقد وافقه. «قَالَت إحداهما» في الإمالة.
وحجة الباقين أن «إحداهما» كُتِبَ في المُصحفِ بالياءِ «وَأَوْصَانِيْ» بالَألِف.
وقولُه تَعالى: ﴿ذَلِكَ عِيْسَى ابنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ﴾.
قرأ عاصمٌ وابنُ عامرٍ: «قولَ الحقِّ» بالنَّصبِ جَعَلَ لَهُ مصدرًا كما تَقُولُ: قلتُ قولًا وقلتُ حقًّا، وقولَ الحقِّ: قولُ الله تَعَالَى: والعَرَبُ تقولُ: قالَ زيدٌ قولًا وقالَ قيلًا وقالَ قالًا: فيجعلون الواو ألفًا. وكذلكَ الياءُ في العَيْب والعَابِ، وفي حرفِ أُبيٍّ «ذَلِكَ عِيْسَى ابن مَرْيَمَ قَالَ الحَقّ».
والباقون يَرْفَعُوْنَ عَلَى تقدير: ذَلِكَ عِيْسَى ابنُ مَريمَ ذَلِكَ قولُ الحَقِّ مبتدأً وخبرًا، فعيسى قولُ الله وكلمةُ الله، ورسولُ اللهِ، وعبدُ الله، وروحُ الله، لأنَّه بقوله: «كُنْ فَيَكُونُ» فهي الكلمةُ، والقولُ. وسمّي روحُ الله، لأنّه كَانَ رحمةً عَلَى مَنْ بُعث إِلَيْهِ إذَا آمنوا بِهِ.
قولُه تَعالى: ﴿وإنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾.
قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «إنَّ الله» بالكسر.
وقرأ الباقون: «وأن» بالفَتْحِ.
فمَن فَتَحَ أضمر فعلًا وقضى إن الله ربي وربكم. ومن كسر جعله ابتداء لأنَّ «إنَّ» إذَا كانت مكسورةً كانت ابتداء، واحتَجُّوا بأنَّ حرف أُبَىٍّ «إنَّ الله رَبِّي وربكم» بغير واو.
وقوله تعالى: ﴿أولا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ﴾.
قرأ نافعٌ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «أَوَ لَا يَذْكُرُ» بالياء خفيفًا.
والباقون يُشَدِّدُوْنَ. وقد ذكرتُ علَّته في غيرِ موضعٍ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿إنَّه كَانَ مُخْلصًا﴾.
قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكِسَائِيُّ: «مُخلَصًا» بفتحِ اللَّام.
أي أخلصهم الله واختارهم، أَعنى: الأنبياء مُوسى معهم فصار مخلَصًا.
следующие страницы →