قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: الصِّلةُ من المَوْصُوْلِ، كالشَّرطِ من الجَزاءِ، لا يَتِمُّ أحدهما إلَّا بصاحبه، فمَن أجازَ الوَقفَ عَلَى «وَليًّا»؛ لأنَّهما رأسُ آيةٍ، جعلها وقفًا حسنًا لا تامًا، لأنَّ الحَسَنُ ما حَسُنَ الوَقْفُ عَلَيْهِ وقُبح الابتداء بِهِ. وقال المُفسرون: التَّقديرُ هَبْ الّذي يَرِثُنيْ. ولو قَالَ قائلٌ: إنّما رفعتُ «يَرِثُني»، لأنَّ معناهُ: هب لي وليًا وارثًا. والفعلُ المضارع إذَا حلَّ محلَّ اسمِ الفاعلِ، لم يَكن إلَّا رفعًا، كقوله تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. أي: مُستكثرًا. وقرأ سعيدُ بن جُبيرٍ: «هَبْ لِيْ أُوَيْرِثًا»، أرادَ: وويرثا، فانقلبت الواوُ همزةً، مثل: ﴿وإذَا الرُسُّلُ أُقِّتَتْ﴾. والأصل: وُقّتت، «وو يرثا» تصغيرُ وارثٍ، كما تقولُ في صالح: صُويلح.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَر عِتِيًّا﴾.
قرأ حمزة والكسائيّ: «عِتِيًّا» و «صِلِيًّا» و «جِثِيًّا» و «بِكِيًّا» وكذلك حفصٌ، إلا «بُكيّا». فإنَّه ضَمٌّ. والباقون يَضُمُّون كلُّ ذَلِكَ، فمَن كَسَرَ أوائل هذه الحروف، فلمجاورة الياء، والأَصلُ الضَمُّ لأنَّها جمعُ فاعلٍ، مثل جالسٍ وجُلوسٍ، وكذلك صالٍ وصُلُىٌّ، والأصل صُلُوْىٌ، وبُكُوْىٌ عَلَى وزن فُعُوْلٍ، فانقلبت الواوُ ياءً، وأدغمت الياءُ في الياء. فالتشديد من أجل ذَلِكَ.
والأصلُ في «عُتِيًّا»: عُتُوٌ، لأنَّه من عَتَا يَعْتُو، والأولُ من بَكَى يَبْكِي، كما قَالَ تَعالى: ﴿وَعَتَوا عُتُوًّا كَبِيْرًا﴾.
فإن قيلَ لك: قِيلَ في هذه السُّورة: «عُتِيًّا» بالياء، ولم يقل: عُتُوًّا بالواو؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ عتيًّا جمع عاتٍ، وأصلُ عاتٍ: عاتِوٌ، فانقلبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها، فبنوا الجمعَ عَلَى الواحِد في قلبِ الوَاوِ ياءً، لأنَّ الجمعَ أثقلُ من الواحدِ، وقولُه: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾ مصدرٌ، والمَصْدَرُ يُجري مُجرى الواحدِ حُكمًا، وإنْ كَانَ في اللَّفظِ مُشاركًا للجمعِ، أَلَا تَرى أنَّك تقولُ: قَعَدَ قُعُوْدًا، وقومٌ قُعُوْدٌ.
فإن قيل: ف «عتيا» في مريم أيضًا مصدر، فَلِمَ قُلِبَ؟
فقُل: ليوافق رءوس الآى، فآعرفه.
فإن قيلَ: فلمَ لَمْ يُختلف في قولُه: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾. فيقرأ مِضِيًّا كما قُرئ «بِكِيًّا»؟
فالجوابُ في ذَلِكَ أنَّ الاعتلالُ، والخروجُ عَنْ الأصلِ إنَّما يكونُ في الجمعِ للعِلَّة الّتي
стр. 247
أنبأتُك بها، و ﴿مُضِيًّا﴾ مصدَرٌ، تَقُولُ: مضى يمضي مُضيًّا، ولو كَانَ جمعًا لماضٍ لقُلتَ: قومٌ مُضِيّ ومِضِيّ، كما تَقُولُ: بُكيٌّ وبِكيٌّ، إنّما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ أي: مضاء، وهذا واضحٌ بحمدِ الله. وفي حَرفِ عبدِ الله، «وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُسِيًّا» يقال للشيخ إذَا كَبر: عَسا يَعسو، وعَتا يعتو إذَا يَبِس.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾.
قرأ حَمْزَةُ والكِسَائِيُّ: «وَقَدْ خَلَقْنَاكَ».
وقرأ الباقون: «وَقَدْ خَلَقْتُكَ» بالتاءِ.
فمَن قرأ بالتَّاء فحجَّته: «هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ»، ولم يقل: عَلَيْنَا.
ومَن قرأ بلفظِ الجمعِ، فلأن الله تَعَالَى قَدْ قَالَ بَعد الآيَةِ: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي:
رَحْمَةً من عندِنا، والعَرَبُ تقولُ: حَنَانَيْكَ أي: رَحْمَةً بعدَ رحمةٍ كما قَالَ: لَبَيْكَ وسَعْدَيْكَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا ... حَنَانيْكَ بَعْضُ الشَرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
وسمعتُ أبا عُمر يَقُولُ: «وَحَنَانًا». قَالَ: هَيْبَةً من لَدُنَّا.
وذكر الله تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى يَحْيَى بْن زكريا حيثُ خلقه ولم يَكُ شيئًا موجودًا مرئِيًا عند المخلوقين. فأمَّا الله تَعَالَى فَعِلْمُهُ ما لم يَكْن كَعِلْمِهِ بِهِ بعدَ أن كوَّنه. وقد كَانَ يَحْيَى ﵇ في عِلم الله شيئًا. وإنّما سُمي يَحْيَى لأنه حَيِيَ من عَقيمين، كانت أمُّه أَتت عليها خمسُ وتسعون سنةً، وأبوه نيِّفٌ وتسعون، لا يُولد لهما فحيى من بين مَيِّتَيْنِ قد يَئِسَا من الوَلَد.
وقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
قِيلَ: لَم يُسمَّ أحدٌ يَحْيَى قبل يَحيى. وقال آخرون: السَّمِيُّ: الولدُ واحتجّوا بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
قَالَ أَبُو عبدِ الله: وسَمِعْتُ القاضي أبا عِمْرَان بْن الأَشْيَبَ يَقُولُ: يَحْيَى أفضلُ من عِيْسى عند أهلِ التَّأويلِ، لأنَّ الله تَعَالَى سلَّم عَلَى يَحْيَى فَقَالَ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ وعيسى يُسَلّمُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ والأمر عندي واحدٌ، لأنَّ عِيْسى لم يُسلم عَلَى نَفْسِهِ في حالِ البُلوغ والنُّطق، وإنَّما أنطقه الله في المَهدِ صَبِيًّا إمارةً لنُبُوَّتِهِ، وأنَّه من غير فحلٍ.
стр. 248
وقولُه تَعَالَى: ﴿لأَهَبَ لَكِ غُلَامًا﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحده: «إنّما أَنَا رَسُولُ ربِّك لَيَهَبَ لَكِ» بالياء أي: ليَهَبَ الله لَكِ؟
وقرأ الباقون: «لأهَبَ لَكِ». جبريلُ يُخبرُ عَنْ نَفْسِهِ ﷺ ؟
فإن قَالَ قائلٌ: الهبة الله تَعَالَى فلمَ أخبرَ جِبريل عَنْ نَفْسِهِ ﷺ ؟
ففي ذَلِكَ قولان:
أحدُهما: إنَّما أَنَا رَسُولُ ربَّكِ. يَقُولُ الله: ﴿لأهب لك﴾.
والقولُ الثَّاني: لأهَبَ أنَا لَكِ بأمرِ الله، إذْ كَانَ النافِخُ في جَيْبِهَا بأمرِ الله تَعَالَى.
ورأيتُ أبا عُبَيْدٍ قد ضَعّف قراءةَ أبي عَمْروٍ واختيارَه، لخلافِ المُصحف قَالَ: ولو جازَ لنا تَغْيِيرُ المُصْحَفِ لجازَ لنا في كلِّ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عبدِ الله: لَيْسَ هذا خِلافًا للمُصْحَفِ، لأنَّ حروفَ المدِّ واللِّيْن وذَوات الهَمزِ يُحوَّل بعضٌ إِلى بعضٍ وتُلين. ولا يُسمّى خلافًا، ألا ترى أنَّ نافعًا في رواية ورشٍ قرأ: «لَيَلَّا يَكُوْنَ لِلنَّاس» يريد: لَئَلَّا، فَجَعَلَ الهمزةَ ياءً، والقراءُ يقرءون إذَا وإيذا، وكذلك ورشٍ عَنْ نافعٍ مثل قراءةٍ أبي عَمْرو، «لِيَهَبَ»، وإنما الخلافُ نحو «كالصوف المنفوش» و ﴿كالعهن﴾ و «وسئل ﴿بني إسرائيل» و ﴿سل بني إسرائيل﴾ فأمّا التَّليين فلا يُسمى خلافًا.
وقولُهُ تَعَالَى: ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
قرأ حمزةُ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ: «نَسْيًا» بفتح النون، والباقون بالكسر. فمَن فَتَحَ أراد المَصْدَرَ نَسِيْتُ الشَّيءَ أَنْسَى نَسْيًا ونِسْيَانًا. ويُقال: هذا شَيْءٌ لَقًا - مَقْصُوْرٌ - ونسيٌ. قَالَ الشَّاعر:
كأنَّ لها في الأرْضِ نِسْيًا تَقْصُّهُ ... عَلَى أَمِّهَا وإن تُحَادِثْكَ تُبْلِتِ
معنى تَبْلِتِ أي: تعقب وتصدق. فأمَّا النَّسء - بالفَتْحِ والهَمْزِ - فالتأخير قرأ ابن كثير: «إنما النسء زيادة في الكفر» والنسء: اللَّبَنُ، قَالَ عُرْوَةُ بْن الوَرْدِ:
بآنِسَةِ الحَدِيْثِ رِضَابُ فِيْهَا ... بُعَيْدَ النَّوْمِ كالعِنَبِ العَصِيْرِ
أَطَعْتُ الآمِرِيْنَ بَصَرْم سَلْمَى ... فَطَارُوا في البِلَادِ اليَسْتَعُوْرِ
سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كَذِبٍ وَزُوْرِ
اليَسْتَعُوْرُ: البلادُ البَعِيْدَةُ. والخَيْتَعُوْرُ: الداهيه والخيتعور: الغدر، والمرأة الغدَّارةِ،
стр. 249
والخيتعور: الأسَدُ: قَالَ الشَّاعِرُ:
كلُّ أُنثى وإن بَدَا لَكَ مِنْها ... آيةُ الحُبِّ حُبُّها خَيْتَعُوْرُ
إنّ مَنْ غَرّهُ النِّساءُ بِشَيْءٍ ... بَعْدَ هِنْدٍ لَجَاهٍل مَغْرُوْرُ
ويُروى: «سَقَوْنِي النَّسْيءَ» يعني اللّبَنَ. وكان ابنُ الأَعرابيِّ يُنشد: سَقَوْنِي النِّسْيَ أي: شَيءٌ نسَّاني عَقلي.
وقولُه: تَعَالَى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾.
قرأ نافِعٌ وحمزةُ والكِسَائيُّ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ: «مِنْ تَحْتِهَا» بكسرٍ الميمِ.
وقَرأَ الباقون «من تحتها» بالفتح ف من اسم، ومن حرفٌ، فمَن فتح أرادَ:
عِيسى ﵇، ومَن كَسَرَ أراد: جِبريلَ ﵇.
وقولُه تَعَالَى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾.
قرأ حمزةُ وحده: «تَسَقِطْ» خَفِيْفًا؟
والباقون «تَسَّقَطْ عَلَيْكِ» مُشَدَّدًا، أَرادوا: تتَسَاقط فأدغموا التاء في السّين. وحمزةُ أسقطَ تاءً مثل تَذَّكرون وتَذكرون. وقد بَيَّنْتُ نحو ذَلِكَ فيما سَلَفَ. روى حفصٌ، عَنْ عاصمٍ: «تُسَاقِطْ عَلَيْكِ» جعله فاعل ساقط يُساقط مساقطةً فهو مساقِطٌ. وحدَّثني أَحْمَد، عَنْ عليٌّ، عَنْ أبي عُبَيْد أن البَراء بْن عازبٍ قَرَأَ: «يَسَّقَطْ عَلَيْكِ» بالياءَ والتَّشديدِ، أراد: يَتَسَاقَط فأدغم، فمَن ذكرَّ رده عَلَى الجِذْع. ومن أنَّث ردّه عَلَى النَّخلة. «وهُزِّي إِلَيْكَ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا» قِيلَ: بغُباره، وقيلَ:
برنيّا وقيلَ: كانت النَّخلةُ صَرَفَانَةً وهو رُطَبٌ يملُأ الضّرس، وهو أملأ للضّرس، وكان الجذعُ جذعًا يابِسًا أُتِيَ بِهِ ليُبني بِهِ بِناءٌ فاهتزّ خَضِرًا وأينعَ بالرُّطب بإذن الله تَعَالَى.
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتِكِ سَرِيًّا﴾ قَالَ الحَسَن: كَانَ والله عيسى سَرِيًّا فقيلَ لَهُ: إنَّ السَّرِيَّ: النَّهْرُ، فَقَالَ: استَغْفِرُ الله. وقرأ أَبُو حَيوة «يُسْقِطْ عَلَيْكِ». وروى عَنْهُ «يَسْقُط عَلَيْكَ» ففي هذا الحرف من القراءات: يَسَّاقَطُ وتُسَّاقط ويُساقط وتُساقط وتَسْقُط وتَسْقِطْ وتَساقط.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَأَوْصَاني بالصلاة والزَكَاةِ﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ وحْدَهُ: «وَأَوْصَنيْ» بالإِمالةِ من أجلِ الياء، لأنَّ الأصل فيه قبل الإضافة أوصى مثل أودى فلمَّا أضافه إِلى النَّفس تركه ممالا.
стр. 250
وأمّا مَنْ فَتَحَ، فَقَالَ: إذَا قلتُ: أَوصى ثُمَّ أضافه المُتكلم إلى نفسه صارت الألف ياء، مثل قَضى وَقضيت وأوصَى وأَوْصَيْتُ، فإذا قلتَ قَضَانِي وَرَمَانِي صارت الياءُ ألفًا فاتبعوا اللَّفظ الخطَّ، والكِسائيُّ جَرى عَلَى الأَصلِ، لأنَّ من خالفه في أَوصاني، فقد وافقه. «قَالَت إحداهما» في الإمالة.
وحجة الباقين أن «إحداهما» كُتِبَ في المُصحفِ بالياءِ «وَأَوْصَانِيْ» بالَألِف.
وقولُه تَعالى: ﴿ذَلِكَ عِيْسَى ابنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ﴾.
قرأ عاصمٌ وابنُ عامرٍ: «قولَ الحقِّ» بالنَّصبِ جَعَلَ لَهُ مصدرًا كما تَقُولُ: قلتُ قولًا وقلتُ حقًّا، وقولَ الحقِّ: قولُ الله تَعَالَى: والعَرَبُ تقولُ: قالَ زيدٌ قولًا وقالَ قيلًا وقالَ قالًا: فيجعلون الواو ألفًا. وكذلكَ الياءُ في العَيْب والعَابِ، وفي حرفِ أُبيٍّ «ذَلِكَ عِيْسَى ابن مَرْيَمَ قَالَ الحَقّ».
والباقون يَرْفَعُوْنَ عَلَى تقدير: ذَلِكَ عِيْسَى ابنُ مَريمَ ذَلِكَ قولُ الحَقِّ مبتدأً وخبرًا، فعيسى قولُ الله وكلمةُ الله، ورسولُ اللهِ، وعبدُ الله، وروحُ الله، لأنَّه بقوله: «كُنْ فَيَكُونُ» فهي الكلمةُ، والقولُ. وسمّي روحُ الله، لأنّه كَانَ رحمةً عَلَى مَنْ بُعث إِلَيْهِ إذَا آمنوا بِهِ.
قولُه تَعالى: ﴿وإنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾.
قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «إنَّ الله» بالكسر.
وقرأ الباقون: «وأن» بالفَتْحِ.
فمَن فَتَحَ أضمر فعلًا وقضى إن الله ربي وربكم. ومن كسر جعله ابتداء لأنَّ «إنَّ» إذَا كانت مكسورةً كانت ابتداء، واحتَجُّوا بأنَّ حرف أُبَىٍّ «إنَّ الله رَبِّي وربكم» بغير واو.
وقوله تعالى: ﴿أولا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ﴾.
قرأ نافعٌ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «أَوَ لَا يَذْكُرُ» بالياء خفيفًا.
والباقون يُشَدِّدُوْنَ. وقد ذكرتُ علَّته في غيرِ موضعٍ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿إنَّه كَانَ مُخْلصًا﴾.
قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكِسَائِيُّ: «مُخلَصًا» بفتحِ اللَّام.
أي أخلصهم الله واختارهم، أَعنى: الأنبياء مُوسى معهم فصار مخلَصًا.
стр. 251
والباقون «مُخْلِصًا» بكسر اللَّامِ مثل: ﴿مُخِلصِينَ لَه الدِّيْن﴾ أيْ: أخلصَ هُوَ لله التّوحيد، فصارَ مُخْلِصًا.
وقولُه تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
روى هارون عَنْ أبي عَمْرو «هَلْ تَّعلَمُ» مدغمًا. وكذلِك حمزةُ والكِسَائيُّ يدغمان لقربِ اللَّامِ من التاء.
والباقون يظهرون؛ لأنهما من كلمتين ففرقوا بين المتصل والمنفصل.
فالمتصل «التَّابوت» والمنفصل «هَلْ تَّعْلَمُ» ومعنى قولُه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا: ﴾
أَيسمى الوَلَدُ. وقيل: هل تَعلم في السُّهلِ والجَبَلِ والبَحرِ والمَشرِقِ والمَغْرِبِ أحدًا اسمه الله غير الله .
وقولُه تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذين اتَّقَوا﴾.
قرأ الكسائي وحده: «ثم نُنْجِي» خفيفا من أنجى يُنجي.
والباقون «نُنَجيِّ» والأمر بينهما قريبٌ، نجي وأنجي مثل، كرم وأكرم، و «ثُمَّ» حرفُ نَسَق، لأنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وإن مِنْكُمْ إلَّا وارِدُهَا﴾ فَما أحدٌ إلّا وهو يردُ النارَ تَحِلَّةَ القَسَمِ، الدَّليلُ عَلَى ذَلِكَ قولُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذِين اتَّقوَا وَنَذَرُ الظَّالمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. وقال آخرون: لَيسَ يردُ الموحّد النارَ. واحتّجُّوا بما حدَّثني ابنُ مُجاهد. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن أَحْمَد بْن حَنبل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي دَاود، عَنْ شُعْبَة، عَنْ عَبْد الله بْن السّائب، قَالَ: حَدَّثَني مَنْ سَمِعَ ابنَ عبَّاس يَقرأ: «وإنْ مِنْهُمْ إلّا وَارِدُهَا» يعني: مِنَ الكُفَّارِ. وكذلِكَ قرأها ابنُ كثيرٍ في روايةٍ، وعكرمة. وحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ أيضًا، قَالَ: حَدَّثَني إسْمَاعيل بْن عَبْد الله بْن إسْمَاعيل، عَنْ أبي زَيدٍ في قَوله:
﴿وإنْ مِنْكُم إلّا وَارِدُهَا﴾. قَالَ: ورود المُسلمين المرور عَلَى الجِسرِ، وورود الكافرين الدُّخولُ.
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ: وحدَّثني فَضلٌ الوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ عليّ بْن نصرٍ، عَنْ مطرفٍ النَّهديّ، عَنْ ابن كثير «وإنْ مِنْهُمْ إلَّا وَارِدُهَا» فإنّ سألَ سائلٌُ ما معنى قولُه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى﴾؟ فَقُل: احتجت هذه الطّائفة بقراءة ابن عبَّاس وعاصمٍ الحَجْدَرِيّ وابنِ أبي لَيلى ويَعقوب الحَضرمِي «ثَمَّ» بفتح الثاءِ أي: هُنالك، وليس في القرآن ما يكون حرفًا واسمًا إلا هذا، وقولُه: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ و «من بعثنا من
стр. 252
مرقدنا» و ﴿هذا صراط عَليّ مُسْتَقِيْمُ﴾ و «عَلَيٌّ مُسْتَقِيْمٌ» قرأ به ابن سيرين، و «كُلًّا سَيَكْفُرُوْنَ» قرأ بذلك أبو نهيك. و «من تَحْتِها» وقد ذَكَرتُهُ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾.
قرأ ابنُ كَثِيْرٍ: «خَيْرٌ مَّقَامًا».
والباقون يَفتحون، فالمُقامُ، الإِقامةُ. يقال: طال مُقامِي بالبلدِ، وأَقمتُ بالبلدِ مُقامًا، وإقامةً. والمَقَامُ - بالفتح - كقولِهِ تَعَالَى: ﴿مَقَاْمُ إبْرَاهِيمَ﴾.
فأمَّا قولُه في الأحزاب: ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا، ﴾ فقرأها عاصمٌ في روايةِ حفصٍ بالضَّمِّ. والباقون يَفْتَحُون.
وقولُه في الدُّخان: ﴿مَقَامٍ أَمِينٍ﴾. فضمها نافعٌ، وابنُ عامرٍ، والباقون يفتحون.
فإنْ قيلَ لك: بمَ انتصبَ ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾؟
فقيل: عَلَى التَّمييز، كما تَقُولُ: هُوَ أحسن منك وجهًا.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
النَّدىُّ والنَّادِي: المَجْلِسُ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتَأْتُوْنَ فِيْ نَادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قيلَ:
المُنْكَرُ: مضغُ العِلْكِ، وحل الإزار، والضَّحِكُ، والضُّرطُ، والخَذْفُ بالحَصَا، والاستبال عَلَى الطُّرق. والرَّجُلُ المُنادِيْ: المُجالِسُ يُقالُ: فلانٌ يُنَادِيْ المُلُوكَ أي:
يُجالِسُهُمْ، قَالَ زُهَيْرٌ:
وجارُ المَيْتِ والرَّجُلُ المُنَادِي ... أَمَامَ الحَيِّ عَهْدُهُمَا سَوَاءُ
والمُنادى: النَّبيُّ ﷺ من قولِهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ المُنادٍ﴾ وقيلَ: هُوَ إسرافيل.
وقولُه تَعَالَى: ﴿أَثَاثًا وَرِءْيَا﴾.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «وَرِيًّا» بغيرِ همزٍ، والباقون يَهْمِزُوْنَ.
وأمَّا قراءةُ نافعٍ برواية قَالون وابنُ عامرٍ برواية ابن ذاكوان فبالهمز أيضًا فمَنْ هَمَزَ فمعناه: المَنْظَرُ الحَسَنُ، فقيل من الرُّؤية، ومَن لم يَهْمِزْ فله حجتان:
إحداهما: أن يكونَ أرادَ الهمز فترك، كما قرءوا «خَيْرُ البَرِيَّة»، والأصلُ: بريئة.
والحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أن تأخذه من الرَّيِّ، وهو امتلاءُ الشَّبابِ، والنَّضارةُ أي: ترى الريّ في وُجُوْهِهِمْ. تَقُولُ العربُ: قد تجَبَّرَ في وجهه ماءُ الشَّباب.
стр. 253
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: قراءةُ سَعِيْدٍ بن جبير: «أَثَاثًا وَزِيًّا» جعله من الزِّيِّ. أنْشَدَني ابنُ دُرَيْدٍ:
أَهَاجَتْكَ الضَّغَائِنُ يَوْمَ بَانُوا ... بِذِي الزِّفِّ الجَمِيلِ مَنِ الأثاثِ
والأثاثُ: متاعُ البَيْت، وجمْعُهَا آثِثَةٌ. وقد يجوزُ آثاث، وأُثُثٌ.
وحدَّثَنِي ابنُ مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: يقال أثَّثْتُ الجارِيَةَ: إذَا زَيَّنْتُهَا. وأَبرقتِ الجاريةُ وأَرعدت: إذَا تَزَيَّنَتْ. والزِّيُّ لا يُثنّى ولا يُجمع؛ لأنَّه كالمَصدرِ، وزعنفها مثله. وتَرَمْنَعَتْ وتَزَتَّتَتْ، وأنشد:
إنَّ فَتَاةَ الحَيَّ بِالتَّزَتُتِ
وقولُه تَعَالَى: ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ بالضَمِّ في ستةِ مواضعٍ، أربعةٌ في مريم وفي الزّخرف وفي نوح.
وقرأ ابنُ كثيرٍ، وأَبُو عَمْروٍ بضم الّذي في نوح، وفتح الباقي. والباقون يفَتحون كلَّ ذَلِكَ.
واختلفَ النَّحويون في ذَلِكَ، فَقَالَ قومٌ: هما لُغَتَانَ الوُلْدُ والوَلَدُ مثل العُدْمُ والعَدَمُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ. قَالَ الشَّاعرُ:
فَلَيْتَ فُلَانًا كان في بطن أمه ... وليت فلانا كان وُلْدَ حِمَارِ
وقال آخرون: الوَلَدُ واحدٌ، والوُلْدُ جمعٌ.
قولُه تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاواتُ﴾.
قرأ نافِعٌ والكِسَائيُّ: «يكاد» بالياءِ.
والباقون بالتَّاءِ لتأنيثِ السَّماواتِ. ومَنْ ذّكَّر فشبَّهه بجمعِ المُؤَنَثِ مِمَّن يَعقِلُ كقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾.
وقولُه تَعَالَى: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافِعٌ والكِسَائيُّ بياءٍ وتاءٍ.
يتفطرن من تفطر تفَّطرًا فهو متفطِّرٌ.
وقرأ حمزةُ وابن عامرٍ في «كهيعص» مثلُ أبي عَمْروٍ، وفي ﴿عسق﴾ مثلُ ابنِ كثيرٍ.
وقرأ عاصمٌ في روايةِ أبي بكرٍ، وأَبُو عمروٍ «ينْفَطِرْنَ»، وهو الاختيار عندَ النَّحويين، لأنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ولم يَقُل تَفَطَّرت،
стр. 254
وقال: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾.
ومعنى انْفَطَرَ وتَفَطَّرَ واحدٌ، إلا أن الشَّاهدَ لَهُ في القرآن أكثر، وكأنه أولى بالاتباع.
«فأما ياءات هذه السورة»:
فقوله: «من ورائي وَكَانَتِ» وقد ذكرتُهُ، وقولُه: «إنَي أعوذُ بالرَّحْمَنِ»، «آتني الكِتَابَ».
«وإنَي أَخَافُ» فَفَتَحَهُنَّ ابنُ كَثيرٍ ونافعٌ وأَبُو عَمْروٍ.
وأسكَنهنَّ الباقون.
وأسكن ابنُ عامرٍ وعاصمٌ والكِسَائيُّ «إنّيَ أعوذُ» «وإنّيَ أَخَافُ» وقولُه:
«اجْعَلْ لِيْ آيَةً»، «ورَبِّيَ إنَّهُ» ففتحهما نافعٌ، وأبو عمرو، وأسكنهما الباقون.
وقوله: «آتاني الكتاب» أسكنها حمزة، وفتحها الباقون (١).
стр. 255
ومن سورة طه
قولُه تَعَالَى: ﴿طَهَ﴾.
فيه سبعُ قراءاتٍ.
قرأ ابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ وحفص، عن عاصم: «طه» بتفخيم الحرفين.
وقرأ أهلُ الكوفةِ إلَّا حَفصًا «طِهِ» بإمالتهما، واحتَجُّوا بما حَدَّثَني ابنُ مجاهدٍ، عَنْ السِّمَّرِيّ، عَنْ الفَرَّاء، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ عاصمٍ، عَنْ زِرٍّ أنّ رَجُلًا قرأ عَلَى عبدِ الله: «طَهْ» فَقَالَ عَبْد الله: «طِهِ»، فَقَالَ: يا أبا عَبْد الرَّحْمَن أليس إنّما أُمرَ أنْ يَطَأَ الأرضَ بقدمِهِ؟ فَقَالَ عَبْد الله: «طِهِ». كذا سمعتُ رَسُول الله ﷺ يقرؤها. وقرأ نافعٌ: «طه» بين الإمالة، والتَّفخم. وهو إِلى الفتح أَقربُ.
وقرأ أبو عمرو: «طه» بفتح الطَّاءِ وكسرِ الهاءِ، قيلَ لأبي عَمْروٍ: ولِمَ كَسَرْتَ الهَاءَ؟ قَالَ: لئَلَّا يَلتَبِسَ بالهاءِ الّتي للتّنبيه.
وقرأ عيسى بْن عُمر ضِدَّ قراءَةِ أَبي عَمْروٍ «طِهَ» فكأنَّ كره أن يَجمعَ بين كَسرتين.
ففتحَ الهاءَ ليعتدل الكلامُ.
ورَوى الأَصْمَعِيُّ، عَنْ نافعٍ «ط هـ» الهاء مقطوعة من الطاءِ، لأنَّ حروفَ التَّهَجِّي كلُّ حرفٍ التَّهَجِّي كلُّ حرفٍ قائمٌ بحياله. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَقْبَلْتُ من عندِ زَيادٍ كالخَرِفْ ... تَخُطُّ رِجْلَايَ بخط مختلف
تكتبان في الطريق لام ألف
والقراءةُ السابعةُ «طَهْ مَا أَنْزَلْنا» بإسكان الهاء قرأ بها الحسنُ. وفسَّروه يا رَجُل.
وقولُه تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾.
فتح أَبُو عَمْرو وابن كثيرٍ الهمزةَ والياءَ، فموضعه نصبٌ عَلَى هذه القراءة نودي أنَّيَ أَنَا ربك وبأنِّيَ أَنَا ربُّك.
وقرأ الباقون «إنِّي» جَعَلُوه مُستأنفًا، ف إنّ عَلَى هذه القراءة حرفُ نَصبٍ لا موضع لَه.
стр. 256
وقولُه تَعَالَى: ﴿لَأهْلِهِ امكُثُوَا﴾.
قرأ حمزة وحدَه - هاهنا - وفي القَصص: «لِأهْلِهُ امْكُثُوا» بضمّ الهاء. فمَنْ ضمَّ الهاءَ فعلى أصلِ الكلمةِ. ومَن كَسَرَ فلمجاورةِ الكسرةِ، وقد أحكمنا ذَلِكَ في أول البقرة.
وقرأ الباقون بكسرِ ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿طُوًى﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ بالإِجراءِ: «طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ».
وقرأ الباقون «طُوَى» غير مجراةٍ. وكذلك في النَّازعات فمن أجرَى طُوًى جعله اسمَ وادٍ مذكَّرًا. ومَنْ لَمْ يُجْرِهِ اسمَ أرضٍ. كما أن حنينا اسمُ جبلٍ. وبعضُهم تَرَكَ صَرْفَهُ حيثُ جَعَلَهُ اسمَ أرضٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وشَدُّوا أَزْرَه ... بِحُنيْنَ يَوْمَ تَوَاكُلِ الأَبْطَالِ
وحِرَاءُ: اسمُ جبلٍٍ، مصروفٌ ممدودٌ. والشَّاعِرُ تركَ صرفَه حيثُ جعله اسمَ بُقْعَةٍ.
ويقالُ: البُقعة، وهو أجودُ وأَنْشَدَ:
أَلَسْنَا أَكْرَمَ الثَّقَلَيْن رَحْلًا ... وأَعْظَمَهُ ببطن حِرَاءَ نَارَا
وقال الأعْشَى:
وتُدْفَنُ مِنْهُ الصَّالِحَاتُ وإن يُسِيءْ ... يَكُنْ مَا أسَاءَ النارَ في رَأْسِ كَبْكَبَا
فلم يُصرف، كبكب: وهو اسمُ كجبلٍ.
وقال آخَرُوْنَ: طوى لا يَنصرفُ، لأنَّه معدولٌ عَنْ طاوٍ مثل عامرٍ وعُمر. وليس في كلامٍ العَرَبِ اسمٌ معدولٌ من فاعلٍ إِلى فُعَل من ذوات الياءِ إلَّا هذا. والاختيار عندَ أكثرِ النَّحويين ترك الصَّرف، لأنَّها رأسُ آيةٍ، وهي مَعَ آيات غير منوَّنة نحو موسى و ﴿فاستمع لِمَا يُوْحَى﴾ وكذلك «طُوَى».
وحدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ عَنْ السِّمَّرِيِّ، عَنْ الفَرَّاءِ أنَّ بعضَهم كَسَرَ الطاء، وأجرى ﵁ «طِوًى، وَأَنا اخْتَرْتُكَ».
قَالَ أَبُو عبدِ اللهِ: وقد رُوِيَ عَنْ عِيْسى بْن عُمر أنّه قَرَأ: «طاوِي وأَنا اخْتَرْتُكَ» فهذه تُؤيِّدُ مَنْ زَعَمَ أنَّه مَعدولٌَ، وهي قراءةٌ رابعةٌ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾.
قَرأ حمزةُ وحدَه: «وأنا اخْتَرْتُكَ» واحتجَّ بما حَدَّثَني أَحْمَدُ، عَنْ عليّ، عن أبي
стр. 257
عُبَيْدٍ، عَنْ الكِسَائِيّ، قَالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ: «وإنِّي اختَرْتُكَ» فمَن قرأ: «وأَنا» فموضعه رفعٌ بالابتداءِ، ومَن قرأ: «وأنَّا» فالأصل: أنّنا، فالنّون والألف نصب ب أن، وأن مَعَ ما بعدها في موضع نصبٍ «نُوْدِيَ﴾ .... أنَّا اختَرْناكَ» ولا أَنَا اخترناك.
وأمَّا قراءةُ أُبيٍّ فإنّ حرفُ نَصْبٍ ولا موضع لَهُ، والياء نَصْبٌ ب: إنّ فاعرف ذَلِكَ.
وقرأ الباقون: وأنا اخْتَرْتُكَ عَلَى لفظِ الواحدِ لقوله: ﴿إنّي أَنَا اللهُ﴾.
وقولُه تَعَالَى: ﴿هَارُوْنَ أَخِيُ أشْدُدْ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحدَه: «أشْدُدْ» بفتح الألف وقطعه.
«وأُشْرِكْهُ في أمري» بضمِّ الألفِ كأنَّ مُوسى ﵇ يُخبرُ عَنْ نَفسه. والفعلُ لَهُ كما تَقُولُ: زُرْني أنفعك، وأُكرمك. وغنما أنجزم الفعلان، لأنَّ جوابَ الأمرِ جوابُ شرطٍ وجزاءٌ مقدَّرٌ.
فإن قِيلَ: لِمَ فَتَحَ الألف في «أشْدُدْ بِهِ» وضمّ في «أُشركه»؟
فقل: إذَا كَانَ ثلاثيًا، كَانَ ألفُ المُخبِرِ عَنْ نَفسه مفتوحًا، وإذا كَانَ الفعلُ رباعيًا كَانَ الألفُ مضمومًا، ألا ترى أنَّك تَقُولُ: شدَّ يشدُّ وأشرك يشرك.
وقرأ الباقون «أخي اشدد» بوصل الألِف، وإذا ابتدأت بِهِ قلت: «أُشدد» بضمِّ الألفِ تجعله دُعَاءً أي: يا ربّ أشدد أنت بِهِ أزري أي: ظهري، وأشركه في أمري بفتح الأَلِف، كما تَقُولُ: أَكرمه، والفعلُ الرُّباعي ألفه مفتوحة في الأمر، والثّلاثي ألفه مضمومة ومكسورة، نحو ﴿اركَب مَّعَنَا﴾ ﴿اضْرِب بِعَصَاْكَ﴾ ﴿ادخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ وهذا قد أحكَمْتُهُ في كتاب الألفات.
وكان أَبُو عَمْرو وابنُ كَثيرٍ يفتحان الياءَ في أَخِيَ أشدد والباقون يسكنون.
وقولُه تَعَالَى: ﴿واشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.
قرأ ابن كثيرٍ، والمُسَيِّبيّ، عَنْ نافعٍ: «واشركهو» بواو بعد الهاء.
والباقون يختلِسون الضَّمة. وقد ذكرُ علّة ذلك فيما سلف فأغنى عن الإعادة.
وقولُه تَعَالَى: ﴿الأرْضَ مَهْدًا﴾.
قرأ أهلُ الكوفَة: «مَهْدًا» والأمرُ بينهما قريبٌ كما تَقُولُ: ﴿جعل لكم الأرضَ فراشًا. والسماءَ بناءً: ﴾ وأبين من ذَلِكَ أن القراء كلهم قرءوا في: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلونَ﴾
стр. 258
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهادًا﴾ ولم يَقرأ أحدٌ منهم: «مَهْدًا»
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وإنّما قرءوا في هذه السُّورة «مِهَادًا» لتوافِقَ رُءُوس الآي. وهذا مذهب حسم.
وقولُه تَعَالَى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾.
قرأ حمزةُ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «سُوًى» بالضَّمِّ.
وقرأ الباقون سِوًى بالكسر، مقصورين. وهما لُغَتَانِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وأنَّ أبانا كان حل ببلدة ... سوى بينَ قَيْسٍ قَيْس عِيْلان والفَزْرِ
قَيْسُ وفَزرُ قبيلتان هاهنا، والفَزرُ: القَطيع من الشَّاء، والقَيْسُ: القردُ، والقَيْسُ:
مصدرُ قاسَ خُطاه قيسًا. إذَا سوَّى بينهما، يقال: رأيت جاريّةَ تَمِيسُ مَيسًا، وتَقيُ قَيسًا. تَميس معناه: تَبَخْتَرُ.
وسأل أعرابيٌّ رجلًا، فَقَالَ: ما أسمك؟ قَالَ: مُحَمَّد، قَالَ: والكُنية؟ قَالَ: أَبو قَيس. قَالَ: قَبَّحك الله أتجمع بين اسم النَّبيّ ﷺ والقِرد؟ ! قَالَ:
والقَيْسُ الذَّكّرُ عَنْ ابنِ دُريدٍ فسألت أبا عُمَر، فَقَالَ: هُوَ الفَيْشُ.
وأمّا قولُهم: جاءَني القَومُ سِوى زَيْدٍ. فبالكسرِ مَقصورٌ، ومنهم من يَفتح، ويَمُدُّ فيقول: جاءَني القومُ سَواء زيدٍ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ: «فَيُسْحِتَكُمْ» بضمِّ الياءِ.
والباقون بالفتح. وهما لُغتان سَحَتَ: إذَا استأصل يُقال أسحَتَ الجازر قلعة المعدن؛ قَالَ الفرزدق:
وعَضُّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ ... مِنَ المَالِ إلا مُسْحِتًا أو مُجَلِفُ
وينشد مسحتٌ بالرَّفعِ فمَن رفعَ. قَالَ لَمْ يَدَعْ بمعنى لم يَبْقَ. ومَنْ نَصَبَ. قَالَ: أو مُجَلِّفٌ، كذلك، ويُروى: إلَّا مُسْحِتًا أو يُجَلِّفٌ.
وحدثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، عَنْ أبي جَعفر الرُّواسي، قَالَ:
اجتازَ الفَرزدقَ بعبدِ الله بْن أبي إِسْحَاق النَّحوِيّ، فَقَالَ له: يا أبا فراس علا رفعت إلا مسحتا أو مُجَلِّفُ؟ قَالَ: عليّ ما يَسُوْؤُكُ ويَنُوؤُكَ.
وفي غير هذا إنّه قَالَ يهجوه:
стр. 259
فَلَوْ كَانَ عَبْدُ اللهِ مولًى هَجَوتُهُ ... ولكنَّ عَبْدَ اللهِ مَوْلَي مَوَالِيَا
وقيل لَهُ: وَجَبَ أن يَقُول: مولى مَوَالٍ مثل جوارٍ وغواشٍ. فَقَالَ:
سَلُوا عَنْ علَّة ذَلِكَ الّذي يَجُرُّ خصيبيه، يعني: ابنَ أبي إِسْحَاق. وكان أَبُو حاضرٍ النَّحويُّ عنده، فَقَالَ لَهُ: لَحَنْتَ يا أبا فراسٍ. قَالَ: والله لأهجُوَنَّك ببيتٍ يُستشهد بِهِ إِلى يومِ القيامة:
أبا حاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِنَاؤُهُ ... ومَنْ يَشْرَبِ الخُرْطُوْمَ يُصبحْ مُسَكرًّا
فمَدَّ الزّنا، وهو مقصورٌ. والنَّحويون جعلوه شاهدًا لما ذكرنا.
وقولُه تَعَالَى: ﴿إنْ هَذَانِ لِساحِران﴾.
فيه ستُّ قراءاتٍ:
قرأ أَبُو عمروٍ وحده: «إنَّ هَذَينِ» بالياء، لأنَّ تثنيةَ المنصوبِ، والمجرورِ بالياءِ في لغةِ فُصحاء العربِ، أمَّا مَنْ جعلَ تثنيةَ المَجرورِ والمَنصوبِ بالألفِ فقالُوا: جَلَسْتُ بينَ يَدَاهُ، وأعطيتُ درهمان. فلغةٌ شاذَّةٌ، لا تَدخلُ في القرآن وهي لغةُ بلحرث بْن كَعبٍ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إِلى هَابِى التُّرابِ عَقِيْمُ
وقال آخر:
طاروا علاهن فطر علاها ... وأشدد بمثنى حَقَبٍ حَقْوَاْهَا
إِنَّ أَبَاهَا وأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا في المَجْدِ غَايَتَهَا
نَاجِيَةً وَناجِيًا أَبَاهَا
فلمَّا كانت الكتابةُ في المُصحف بالألِف إنَّ هذان حمله بعضهم عَلَى هذه اللغة.
وقال المُبَرِّدُ، وإسماعيل القاضِي: أحسنُ ما قِيلَ في هذا: أن يجعل إنّ بمعنى: نَعَمْ، والتَّقدير: نعم هذان لساحران. فيكون ابتداءً وخبرًا.
قَالَ الشَّاعِرُ:
بَكَرَ العَوَاْذلُ بالضُّحى ... يَلْحَيْنَنِي وأَلُوْمُهُنَّهْ
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَاك ... وَقَدْ كَبُرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ
وقرأ «إنْ هَذانِ» عاصمٌ في رواية أبي بكرٍ، ونافعٍ، وحمزةُ والكِسَائيُّ، وابنُ عامرٍ اتِّباعًا للمُصحف. واحتَجُّوا بما قَدَّمْتُ ذكره.
стр. 260
ولأبي عَمرو حجَّةٌ أخرى: وذلِكَ أنَّه سمعَ حديثَ عُثمان، وعائِشة إنَّا لنجدُ في مصاحِفِكُم لَحْنًا، وسَتُقِيْمُهُ العربُ بألْسِنَتِهَا.
فإن سأل سائلٌ: كيف لعُثمان، وهو إمامٌ أنْ يَرى لَحْنًا في المُصْحَفِ فلا يُغَيِّرْهُ.
فالجوابُ: في ذَلِكَ: أنَّ اللَّحن عَلَى ثلاثةِ أوجهٍ:
فأحدُ ذَلِكَ أن تنصب الفاعل، وترفع المفعول، ونحو المفعولَ، ونحو ذَلِكَ، فذلك لا يجوزُ في كلامٍ ولا قرآن، ولا غيره.
والوجهُ الثاني: أن يكون اللحن من لغة إلى لغة. فتقول عُثْمَان: نَجِد في مَصَاحِفِكُمْ لَحْنًا، لم يُرِدْ اللَّحن الّذي لا يجوزُ البَتَّةَ، ولكنَّه أراد الخُروج من لُغةٍ إِلى لُغةٍ، لأنَّ القرآن بلغةِ قُريشٍ، لا بلغةُ بلحرث بْن كعب. أَلَمْ تَسْمَعْ أنَّ عُمَرَ بْن الخَطَّاب ﵁ بلغه أنَّ ابنَ مَسعودٍ يُقرئ الناسَ بلغةِ هُذيل «عَتَّى حِيْن» بالعَين فكتب إِلَيْهِ: أمّا بعدُ، فإذا وَرَدَ عليكَ كِتابي فأقرئٍ النَّاسَ بلغةِ هذا الحّيِّ من قُريشٍ. وكلٌّ قد ذَهَبَ مَذْهَبًا، والحمدُ لله واجتَهَدوا.
والوجهُ الثالثُ: أنَّ اللَّحنَ الفِطْنَة، وقد فُسِّرَ في غير هذا الموضع.
والقراءةُ الثالثةُ: «إنْ هذان لساحران» بتخفيف إنْ، قرأ بذلك حفصٌ عَنْ عاصمٍ.
جعل «إن» بمعنى ما جَحْدًا، أي: ما هذان لساحران.
والقراءة الرابعةُ إنْ هَذَاْنِّ بتخفيف إنْ، وتشديد نون التَّثنية، وهي قراءةُ ابنِ كثيرٍ وحَفْص، وقد ذكرتُ علَّة تَشديد النّون في النّساء.
والقراءةُ الخامسةُ: أنَّ أُبَيًّا قرأ: «إن ذان إلا ساحران» وهذا يقوي قراءة حفصٍ وابنِ كثيرٍ.
والقراءةُ السَّادِسَةُ: أنَّ ابنَ مَسْعُودٍ قرأ: «إنَّ هَذَأنِ ساحِرانِ» بغير.
فإنْ سألَ سائلٌ، فَقَالَ: قد أجزتَ أن تجعلَ إن بمعنى نعم.
ولا يدخل اللّام بين المبتدأ وخبره. ولا يقال: زَيْدٌ لقائم. فَما وجهُ قولُه: ﴿إن هذان﴾.
فالجواب في ذَلِكَ: أنَّ من العَرَبِ من يُدخِلُ لامَ التَّأكيد في خبر المبتدأ. فيقولُ زيدٌ لأخوكَ. وهي لغةٌ مُسْتَقِيْمَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
خالي لأنت ومن جرير خاله ... ينل العلا ويكرم الأخوالا
стр. 261
وقال آخر:
أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
وفيه وجهٌ أحسنُ من هذا كلّه، وذلك: أنَّ جَعْفَر بْن مُحَمَّد سُئل عَنْ ﴿إنَّ هذان﴾ فَقَالَ: إنّ فرعون كان لحنة قبطيا: إنَّ هذان فحكى الله لَفْظَهُ. ويخطّئ هذا التوجيه أن فرعون لم يتكلم العربية .. وكيف يغيب هذا عَنْ شيخنا؟ ! .
وقولُه تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾.
قرأ أَبُو عمروٍ وحدَه: «فاجمعوا» بالوصل وفتح الميم موصلًا من جَمَعتُ عَلَى معنى عزمتُ، يقال: جمعت الأمرَ، وأَجمعت عَلَيْهِ. وأزمعت الأمر، ولا يُقال أزمعت عَلَيْهِ، وعَزمت عَلَى الأمر بمعنى واحد.
وقرأ الباقون، «فأجْمِعُوا» بقطعِ الألفِ عَلَى تقدير: أجمَعُوا السِّحْرَ والكَيْدَ. وقد ذكرت هذا الحرف بأبْيَنَ من هذَا في سورة يُونس.
وقولُه تَعَالَى: ﴿ثُمَّ ائْتُواْ صَفًّا﴾.
فيه ثلاثُ قراءاتٍ: اختيارُ السَّبعة، «ثُمَّ ايتوا» بهمزة ساكنة في الدرج والهمزة، فاء الفعل. فإذا وقعت ابتدأت: ائتوا بكسر الهمزةِ، والهمزةُ ساكنةٌ. تنقلب ياء لانكسار ما قبلها. والأصل إئتوا. فأجازَ الكسائي أن يبتدأ بهمزتين. والاختيار ائتوا بتليين الثانية.
والقراءة الثانية، أنَّ خَلَفًا روى عن عبيد، عن شبل، عن ابن كثير، «ثمِّ ايتوا» بكسر الميم.
قَالَ ابن مجاهدٍ: ولا وجهَ لَهُ.
وله عندي وجهٌ، وذلك أنَّ حركة الميم في ثُمَّ تكسر لالتقاءِ الساكنين. والعربُ تُجيزُ في مثلِ هذا نحو فُظَّ وثم ومُدَّ وغُضّ وزُرَّ عليك قَمِيْصَكَ ثلاثة أوجه:
مُدَّ، ومُدُّ، ومُدِّ. قَالَ الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
روى: غض، وغض، وغض، فكذلك لو قرئ ثم، وثم، لكان صوابا. كما قرئ أف وأف وأف.
وروى القطعي عَنْ شِبْلٍ، عَنْ ابنِ كَثِيْرٍ، «ثُمَّ يتْوا صفّا» يفتحِ الميم ويأتي بعدها
стр. 262
بياءٍ ساكنةٍ. وكان وجه ذَلِكَ أنَّ الهمزةِ قلبها ياءً كقولهم: قرأت، وقريت، وأرجأت الأمر، وأرجيت.
قَالَ الأخفش: العربُ تقلبُ الهمزةَ إذَا أرادوا تَخفيفها، وتحويلها ياءً.
إلا قولهم: رفأت الثَّوبَ فإنهم إذَا حَوَّلُوا، قَالُوا: رَفَوْتُ الثَّوب بالواو. ولم يذكر العلّة، والعلَّةُ في ذَلِكَ: أنَّ العربَ يَهْمِزُوْنَ ما لَيْسَ أصله الهمز تَشبيهًا بغيره، كقولهم:
حَلَّأت السَّويقَ. يَشبهونه: بِحَلّأت الإِبل، عَنْ الماءِ: إذَا منعتها، فكذلك إذَا تركوا الهمزَ في قرأت شبّهوه بقريت الضّيف، ولم يكن رفيت في كلام العرب فردوه إلى الواد، لأنَّ العربَ تقولُ، رَفوت الرَّجُلَ، إذَا سَكَّتُّهُ. قَالَ الشاعر:
رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدَ لَا تَدَعْ ... فَقَلْتُ وأَنْكَرْتُ الوَجُوْهَ هُمُ هُمُ
وهذا حَسَنٌ جدًّا، فاعرفه.
ورَوى أَبُو زَيْدٍ، رَفَوْتُ، ورَفَيْتُ، وهو ثِقَةٌ.
فإن سألَ سائِلٌ: هلَّا قلتَ في قرأتُ قروتُ، لأنَّ العربَ تَقُولُ، قروت الأرضَ إذَا تتبّعتها؟
فقلُ: لَمَّا اجتذبه أصلان، ياءٌ، وواوٌ، ردُّوه إِلى الأَخفّ، ألا ترى أنَّ العربَ تفِرُّ من الواوِ إِلى الياء، ولا تفرّ من الياءِ إِلى الواو. فيقولون: كفٍّ خَضَيْبٌ، ورَجُلٌ جَرِيْحٌ، وشَيْطَانٌ رَجِيْمٌ، والأصل: مخضوب ومَجروح ومَرجوم، ولا يقولون في ظَريفٍ وكَريمٍ: ظَروف وكَروم.
قولُه تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ﴾
قرأ ابنُ عامر - برواية ابن ذكوان وحده - بالتّاء. ردّه عَلَى «الحبالِ والعصىِّ»، لأنَّها جمعٌ، وجمعُ كلِّ ما لا يَعقل بالتأنيث.
وقرأ الباقون بالياءِ ردُّوه عَلَى السِّحرِ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِيِنكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾
فيه أربعُ قراءاتٍ، قرأ ابنُ كثيرٍ في روايةٍ البزّي: «تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا» بتشديد التاءِ، أراد تَتَلَقَّفُ. فأدغم وجزم الفاء، لأنَّه جوابُ الأمرِ، والأمرُ مَعَ جوابه كالشّرطِ، والجزاءِ.
ورَوى حفصٌ، عَنْ عاصم تَلْقَفْ خفيفًا، جعله من لقفه يلقف، والأول، من
стр. 263
تلَّقف يتلقَّف.
وقرأ ابن عامر، تلقَّفُ برفع الفاء، جعله فعلًا مستقبلًا فأضمرَ فاءً جوابًا للأمرِ.
كأنَّ التقدير: ألْقِ عَصَاكَ فإنَّها تَتَلقَّفُ. ويجوزُ أن يكونَ جعل تلقَّف حالًا أي: ألق عصاك متلقفة. كما قَالَ تَعَالَى: ﴿ولا تَمنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي مُسْتَكْثِرًا. وقرأ الباقون بإسكان الفاء، وتشديد القاف، وتخفيف التّاء، أرادوا: تتلقّف كقراءةِ ابن كثيرٍ، غيرَ أنَّهم أسقَطُوا تاءً، وابنُ كثيرٍ أدغم. ومعنى «ما يَأْفِكُوْنَ» أي: ما يختلقونه كذبًا، لأن سحرهم كان تمويهيا، واختلاقا. فلما ألقى موسى عصاه، صارت ثُعبانًا عظيمًا كالجان في تثنيها، وخفَّتها، فلقفت ما افتعلوا حتّى زَكَنُوا أنهم عَلَى ضلالٍ. وأن الّذي أتى بِهِ موسى حَقٌّ، فقالُوا: ﴿آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّمَا صَنَعْوا كيد ساحر﴾.
قرأَ أهلُ الكوفةِ:
«سِحْرٍ» بغير ألف.
وقرأ الباقون، وعاصمٌ: «سَاحِرٌ» فالسَّاحِرُ: الرَّجُلُ، اسمُ الفاعل، مثل: قاتِلٍ.
والسِّحْرُ، اسمُ الفِعْلِ. وإنما يكون حرفا، وحرفين فإذا جعلت مثل: قاتِلٍ. والسِّحْرُ، اسمُ الفِعْلِ. وإنما يكون حرفًا، وحرفين فإذا جعلتَ ما نصبًا بأن جعلتَ الكيدَ خبرَ إنّ. «وصَنَعُوا» صلة ما والتّقدير: إنّ الذي صنعوه كيدَ سحر وهو كيد ساحر. وإن جعلت ما صلةً، ونصبت كيدَ ب صنعوا، كان صوابًا كما قَالَ الله تَعَالى: ﴿إنَّمَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَوْثَانًا﴾ فلو رفعت الأوثان هناك، ونصبت الكيدَ هاهنا لكان صوابًا إلا أنَّ القراءة سُنَّةٌ، ولا تُحْمَلُ على ما تُحمل عليه العَرَبِيَّة.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.
قَالَ المُفَسِّرُون، يقتل حيث وُجد.
قَالَ أبو عبدِ الله: السِّحْرُ على ثلاثةِ أَضربٍ:
إذا كان السَّاحِرُ يمرض المسحور، ولا يَقتُلُ عُزّر. وإن كان يَقْتُلُ بسحره قُتِلَ. وإن
стр. 264
كان سِحْرُهُ بكلامٍ فيه كفرٌ استُتِيْبَ منه، فإن تاب منه وإِلَّا ضربت عنقه.
وكان النَّبيّ ﷺ لما سحره لَبِيْد بن الأعصم حتى مرض مرضًا شَدِيْدًا. فلمَّا برأ ﷺ عفا عنه. وكان يَلقاه فلا يَتَغَيَّرُ له كرمًا منه ﵇.
وأمّا السِّحرُ الحَلَالُ، هو أن يكونَ الرَّجُلُ ظريفَ اللّسان، حسن البيان. فسحرُ الإنسان كلامه. فذلِكَ سِحْرٌ حلالٌ. من ذلك حديث رسول الله ﷺ : «إنَّ مِنَ البَيَانْ لَسِحْرًا وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكَمًا».
ويقال: فلان ساحر العينين. وإنَّ هاروت ليطله من جفنه إذا خلب الناس لحسن عينيه. فالسِّحرُ هناك حلال، والسّرقة بالعين حلالٌ.
أنْشَدَنِيْ ابنُ مُجَاهِدٍ:
يَا حَسَن ما سرقت عيني وما انْتَهَبَتْ ... والعَيْنُ تَسرق أحيانًا وتَنْتَهِبُ
إذا يدٌ سَرَقَتْ فالقطعُ يَلْزَمْهَا ... والقَطْعُ في سرقٍ بالعينِ لا يَجبُ
وأمّا قوله: ﴿إنَّمَا أنتَ من المُسَحَّرِينَ، ﴾ قيل: من المخدوعين. وقيل:
قوله: (سَحرٌ) أي: رئةُ يأكل ويشرب. قَالَ الشاعر:
فإنْ تَسألِينا فيمَ نَحن فإنَّنا ... عَصَافِيرُ من هذا الأنام المسحر
وقوله: ﴿وما أكرهتنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾
فقيل: إن فرعون أخذهم بتعلمِ السّحرِ، وتعليمِ أولادِهم. وقيل: إنه حَشَرَهُم من البُلدان فذلك الكراهية، بمعنى الجلاء عن الوطن. والسَّاحرُ العالمُ. ومنه قوله تَعَالى حكاية عن بني إسرائيل إنّهم قالوا لموسى ﵇: «أيُّها السَّاحِرُ اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ» أيُّها العالِمُ الفَهِمُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾
قرأ حمزةُ وحده: «لا تَخَفْ» على النَّهْي، وسقطت الألف لسكونها وسكون الفاء.
стр. 265
فإن قيلَ: فعلامَ نَسَقَ «وَلَا تَخْشَى»؟
فالجواب في ذلك أنه جَعَلَ «ولا تَخْشَى» مُسْتأنَفًا، ولا بمعنى ليس. كما قَالَ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾
وفيه جواب آخر: أن يكون أراد النَّهي، لا تخف دركًا ولا تخشَ، ثم زاد الألف لرءوس الآي، وجعله مجزومًا من أصلٍ واجبٍ كما قَالَ الشَّاعِرُ:
ألَمْ يَأْتِيْكَ والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
وقرأ الباقون «لا تخاف دَرَكًا وَلَا تَخْشَى» بالرَّفعِ عن الخبر. واتَّفق القراء هاهنا على فتح الراء من ﴿دَرَكًا﴾ وهو شاهد لمن اختار في ﴿الدَّرَكِ الأسْفَلِ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿فأتبعهم﴾ بقطع الألف عليه سائر القراء. وروى بالوصل، والتَّشديد عن نافعٍ.
فمَنْ قطع أراد: ألحقهم ولحقهم. ومن وصل أراد: تبعهم، وسار في أثرهم، لقول العرب: تبعت زيدًا: سرتُ في أثره. واتبعته: لحقته.
وقولُه تَعَالى: ﴿قَدْ أْنْجَينَاكُمْ مِنْ عَدِوِّكُمْ وَواعَدناكُمْ، ﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ: «قَدْ أْنْجَيناَكُمْ مِنْ عَدِوِّكُمْ وَواعَدتُكُمْ»، بالتاء، الله تَعَالى يخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون «أنجيناكم» بالنون، والألف «وواعدناكم» بلفظ الجماعة. وإن كان الله تَعَالى هو المُخبر عن نفسه. إلا أنَّ الملك والرأس، والرَّئيس، والعالم يخبرون عن أنفسهم بلفظ الجماعة، والله تَعَالى ملك الأملاك. ألا ترى أنَّ العبدَ لما سأل ربّه فقال: ﴿رَبِّ ارجِعُوْن لَعَلِّيْ أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ وَلَمْ يَقُل ربِّ أرجِعْنِي، قَالَ الشَّاعِرُ:
يا ربِّ لا تَجْعَلْ لَهُ سَبِيْلًا ... على الَّذِي جَعَلْتَهُ مأهُوْلًا
قَدْ كان بانيه لكم خليلا
أما أبو عمرو فإنه قَرَأ: «وَوَعَدْتُكمْ» بغيرِ ألف. والباقون «وَوَاعَدْناكُمْ» بالألف.
وقد ذكرتُ علته في البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿آمَنْتُمْ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، ونافعٌ في رواية ورش، وحفص عن عاصم: «أأمنتم» على لفظ
стр. 266
الخبرِ من غيرِ استفهام. وقرأ الباقون بالاستفهام. وقد ذكرت علته في الأعراف.
وقوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكمُ غَضَبِي﴾.
قرأ الكسائي وحده: «فَيَحِلَّ عَلَيْكمُ» بالضمّ، «ومن يَحْلُلْ» بالضَمِّ أيضًا.
وقرأ الباقون بالكسر فيهما «فيحل» ومن «يحلل» بكسر الحاءِ، فذاك مثله.
والعربُ تفرق بين الضَمّ والكَسْر. حلَّ يحُلُّ: نزل ووقع، وحلَّ يحِلُّ: وَجَبَ عليه العَذَابُ، والأمر بينهما قريبٌ.
فإن سأل سائِل، لِمَ أدغمتِ القُراء اللَّامَ في «أنْ يَحِلَّ»، وأظهروه في «يحلل»؟ .
فالجواب في ذلك أنَّ «ومن يَحْلِلْ» جزمٌ بالشَّرط. وعلامة الجزم سكون اللّام الثَّانية، وإذا اجتمع حرفان والثاني ساكنٌ لم يجز الإدغام نحو: امدُد أحلل، مددت، حللت. وإذا اجتمع متحركان أسكنت وأدغمت. والأصل أن يحلل عليكم فنقلت ضمة اللام إلى الحاء، وأدغمت. فاعرف ذلك.
وقولُه تَعَالى: ﴿ما أخْلَفْنَا مَوعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾.
قرأ نافعٌ، وعاصمٌ بفتح الميم، وقرأ حمزةُ، والكسائِيُّ: «بمُلكنا» بضم الميم.
وقرأ الباقون «بِمِلْكِنَا» بكسر الميمِ، فمن فتح جعله مصدرًا لملكتُ، أملك، مَلكًا مثل ضَربتُ، أضربُ، ضرَبًا. ومن ضم أراد به السُّلطان، لأنَ الملُكَ السُّلطان، والمُلْكُ: اسم لكل مملوك يقال: هذه الدار مُلكي، والدار مَمْلُوكة، وهذا الغلام مملوكٌ، وأنا مالِكُها. وبعضُ العربِ تقول: هذا الغلامُ بمُلكي، يريد: مِلْكي. ويقال لوسط الطَّريق: مُلْكٌ، مشيت في مُلكِ الطَّريق. وسنُنه، وسنَنِه، وسُجُحه، ومعظمه، وسراته. وفي بحبوحته، وثكمه، وكثمه، ومن ذلك الحديث: «لا تَمْشِينَّ امرأة في سراة الطَّريق» أي في معظمه، ووسطه، ولكنّها تمشي عجره، أي ناحيته، فأمَّا قولُهُم:
ملكتُ العَجِيْنَ ملكًا، وأملكته إملاكًا، فمعناه: جوَّدتُ عَجْنَهُ. تقول العرب: «أملاكُ العَجين أَحَدُ الرَّيعين» أي الزيادتين، «واللَّبن أحدُ اللّحمين»، «وخِفَّةُ العيال أحدُ اليَسارين» فأما قولهم: كنا في إملاك فلان، فإنه يقال: أملكت الجارية، وملكتها، بمعنًى، قَالَ: وسمعت أعرابيًا، يقول: ارحموا من لا مُلَْكَ له يريد لا ملك له.
وقوله تعالى: ﴿ولكنا حُمَّلْنَا﴾.
قرأ ابن كثيرٍ وابنُ عامرٍ ونافعٌ عن عاصمٍ: «حُمِّلْنَا» بالضم.
стр. 267
وقرأ الباقون بالفتح، وهو الاختيار لقوله: «فقذفتها» فكذلك حُملنا، فقذفناه.
والأول على ما لم يُسمَّ فاعله. ووجهه أي: أمر بحملها وحُملت إلى السَّامري، فلما لم يُسَمِّ السَّامري رفعت المفعول وضممت أول الفعل.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِيْ﴾.
في هذه الياء أربعُ قراءاتٍ:
كان ابنُ كثيرٍ يَصلُ ويقف بالياءِ.
وكان أبو عمروٍ، ونافعٍ في كلِّ الرِّوايات يقفان بغير ياءٍ، ويَصِلان بياءٍ فَتبعا المُصحف في الوقف، وتَبعا الأصل في الدَّرج، إلا إسماعيل بن جعفر فإنه رَوى عن نافعٍ «ألَّا تَتَّبِعَنيَ أَفَعَصَيْتَ» بفتح الياء، فيجب على من فتح الياء أن يقف بالياء.
وقرأ الباقُون بغير ياءٍ في الوَصلِ، والوقِف، اجتزاءً بالكسرة، واتباعا للمصحف.
وقوله تعالى: ﴿يا بن أم﴾ ﴿تَأْخُذْ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ إلا حَفْصًا عن عاصم، وابن عامر: «يا بن أم» بكسر الميم.
وقرأ الباقون: «يا بن أم».
فمن كسر أراد: يا بن أمّي فحذف الياء.
ومن فَتَحَ فله ثلاثُ حجج:
إحداهنَّ: أن يكون أراد: يا ابن أمَّاهُ فرخَّم.
والثانية: أن يكون جعلَ الاسمين اسمًا واحدًا نحوه. بعل بك، ومعد يكرب، وجاري بيت بيت.
والثالثة: أن يكونَ أراد يا ابن أمَّا، لأنَّ العربَ تقول: يا أمّا بمعنى يا أمي، ويا ربّا بمعني يا ربي. قَالَ الشَّاعِر:
فَيَا أَبي ويا أَبَهْ ... حَسَّنْتَ إلَّا الرَّقَبَهْ
فَحَسِّنَنْهَا يَا أَبَهْ ... كَيْما تَجيءُ الخطبه
بإبل مجبجبه ... للفحل فيها فيقبه
стр. 268
فإن سأل سائلٌ فقال: إنَّ العَرَب إنّما تحذف الياء من المنادى، لا من المضاف إلى المنادى، فيقولون: يا ابن أم، وبابن أمي فيخزلون الياء من الأول، ويثبتونها في الثانية، كما قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا ابْنَ أُمِّي، وَيَا شَقِيقَ رُوْحِيْ ... أَنْتَ خَلَّيْتَني لدَهْرٍ كَنُوْدِ
فقُل: هذه اللُّغة الفُصحى، ومن العرب من يحذف الياء من هذا أيضًا، فيقولون:
يا ابن أمَّ، ويا ابن عمَّ. قَالَ الشَّاعِر:
رِجالٌ ونِسْوَانٌ يودُّوُنَ أَنّني ... وإيَّاك نَخْزَي يا ابنَ عمَّ ونفضح
وقوله تعالى: ﴿بما لم يبصروا بِهِ﴾.
قرأ حمزةُ والكسائِيُّ بالتاء جَعَلاهُ خِطابًا.
وقرأ الباقون بالياء إخبارًا عن غَيْبٍ.
وكان السّامريّ بصر بأثرِ حافرِ فرسِ جبريل ﵇، فتناول منه قبصَةً، وهي الأخذ بأطرافِ الأصابع، كذلك قرأها الحسن.
وقرأ الناس، «فَقَبَضْتُ قبضة»، وهي بالكفِّ، فوقع في نفسه أن ألقاه على جماد حيٍّ إلى حُلىّ، وفضةٍ، وذهب، وحديد، مما كان بقي من أصحاب فرعون الذين أغرقهم الله. فأذَابَهُ حتى خلص الذَّهب، فأتخذ عجلًا جَسَدًا له خوارٌ، وألقى القبضة فيه فخار العِجْلُ، ونَطَقَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لن تخلِفه﴾ بكسر اللَّامِ.
وقرأ الباقون «لَنْ تُخْلَفَهُ» على ما لم يُسم فاعله، فيكون المخلف غير المخاطب.
والهاء كناية عن الموعد، وهو المفعول والفاعل لم يذكر.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أَعْمى﴾.
قرأ أهل الكوفة إلا حفصًا عن عاصم بالإِمالة في الحرفين من أجل الياء.
وقرأ الباقون بالتفخيم على أصلِ الكلمةِ. ومعناه، ومن كان في هذه الدُّنيا أعمى عن الهدى والرَّشادَ فهو في الآخرة أعمى، ونَحشره يوم القيامة أعمى عن حجته.
وأما قوله تعالى: ﴿زرقا﴾ فقيل: عميا: عِطْاشًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّوْرِ﴾.
قرأ أبو عمروٍ وحده: «تَنْفَخُ» بالنُّون لله تَعَالى: يُخبر عن نَفْسِهِ.
стр. 269
وقرأ الباقون: «يَوْمَ يُنْفَخُ» على ما لم يسم فاعله، وحجتهم و ﴿نفخ فِيْ الصُّوْرِ﴾ وحجَّةُ أبي عمروٍ «وَنَحْشُرُ المُجْرِمِيْنَ» ولم يقل «وَيُحْشَرُ المُجْرِمُوْنَ».
فإنْ سألَ سائلٌ فقال: جاءَ في الحَدِيْثَ إنَّ النَّبيّ ﷺ ، قَالَ: «كيف أنعم، وصاحبُ الصُّور قد التقم القَرْنَ، وحَنَا ظَهْرَهُ يَنْتَظِرُ متى يُؤمرُ فينفخُ في الصُّور، فَلِمَ قرأ أبو عمرو «نَنْفَخُ»؟
فالجوابُ في ذلك: أنَّ النافِخُ وإنْ كانَ إسرافيلُ، إن الله تَعَالى هو المُقدّر لذلك، وهو الآمرُ والخالقُ فينسب الفعل إلى نفسه، كما قَالَ تَعَالى:
﴿الله يَتَوفَّى الأنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا﴾ والذي يَتوفى هو ملك الموت ﷺ .
وقولُه تَعَالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أنْ يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
اتفاق القُرَّاء على ما لم يُسم فاعله.
فإنْ قيلَ لك: ما علامةُ النَّصب في هذه القراءة؟
فقُل: الأصلُ أن يَقْضِيَ. فانقلبت الياء ألفًا لتَحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها. فقال قومٌ:
هذه الحجَّة في تأخير البيان، لأنَّ الله تَعَالى يُنزل القرآن على نَبِيّه ﵇. قَالَ:
فَيَجِبُ على رسول أن لا يَحكمَ به حتَّى يُبَيِّنَ الله تَعَالى ذلك.
وقال آخرون: - وهو الشّافعي وأصحابه - لا يتأخر البيان عن الوحي، والوحي عنه.
وهذه الآية إنّما نزلت في أنّ رسولَ الله ﷺ كان ربما أراد أن يحكم بحكمٍ لم ينزل فيه القرآن، فأمرَ الله أن يمكث حتى يُقضى إليه وَحْيُهُ.
فإن قيلَ: فما وجهُ قوله ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِيْ الأمْرِ﴾ فقل: وجه المَشُورة من النَّبيّ ﷺ لأمته تعليمًا لهم وتبركًا، لا أنَّ هناك من هو أفهم من النَّبيّ ﷺ ولا أعقل. ﴿فإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ وإنما يستشير أنه أتى ﷺ وأصحابه فيما لم يقض الله وحيُه، فإذا نزل القرآن بَطَلَتِ المَشُوْرَةُ.
وقوله تعالى: ﴿وأنك لا تظمؤا فيها﴾.
قرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر بكسر إن على الاستئناف.
стр. 270
وقرأ الباقون بالفتحِ عطفًا على قوله: «أنَّ لك ألا تجوع فيها﴾ ... ﴿وأنك لا تظمؤا فِيْهَا» والظَّمأُ: العَطَشُ. يقال رجلٌ ظَمْآنٌ وعَطْشَانٌ ونطشان وصديان، وصاد، وعيمان، وغيمان، وملتاح، ومعتلّ، ومهتاف، وهيمان، وناسٌّ بتشديد السين ونجر ونحر، ونفر، ولهبان. كلُّ ذلك بمعنى عَطْشَانٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولَا تَضْحَى﴾.
أي لا تَظْهَرُ للشَّمسِ. رأى ابنُ عُمَرَ رجُلًا يُلَبِّي وقد أخفى صَوْتَه، فقال: أضحِ لمن لَبَّيْت له، أي: إظْهَرْ. قَالَ عُمر بن أبي ربيعة:
رَأَتْ رَجُلًا أمَّا إذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ ... فَيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِ فيَخْصَرُ
أَخَا سَفَرٍ جوّابَ أرضِ تَقَاذَفَتْ ... بِهِ فَلَوَاتٌ فهو أشْعَثُ أغْبَرُ
وقولُه تَعَالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا، وَلَا هَضْمًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ: «فَلَا تَخَفْ ظُلْمًا» على النَّهي، جزمًا، وعلامةُ الجزمِ سكونُ الفاء.
وسقطت الألفُ لسكونِها، وسكونِ الفاءِ.
وقرأ الباقون «فَلا يَخَافُ» على الخبرِ رفعًا. والظلمُ في اللُّغة: وضع الشيء في غير موضعه.
والهضم: النُّقصان يقال: بَخَسَنى حقّي، وهَضَمَني، وضارّني، بمعنى: نقصني.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
قرأ الكسائِيُّ، وعاصمٌ - في روايةِ أبي بكر - «تُرْضَى» بضم التاء على ما لم يُسم فاعله، أي: غيرك يرضيك.
وقرأ الباقون «تَرضى» بفتح التاء. والأمر بينهما قريبٌ، لأنَّ كلّ من أرضى فقد رضي قَالَ الله تَعَالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى ربِّك راضية مرضية﴾
وقوله تعالى: ﴿أولم تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الأُوْلَى﴾.
قرأ أبو عمرو ونافعٌ وحفصٌ، عن عاصمٍ: بالتاء لتأنيث البينة.
وقرأ الباقون: بالياء، لأنّ تأنيثَ البينة غيرُ حقيقيّ، ولأنَّك قد حجزت بين البينة والفعل بحاجز. والاختيار التاء، لأنَّ بعض القرآن يشهد لبعضِ. وكان جماعة من الصحابة والتابعين يحتجُّون لبعض القرآن على بعضِ قَالَ الله تعالى: ﴿جاءتهم البينة﴾ فهذا شاهد ﴿أولم تأتهم﴾.
стр. 271
واختلف القراء في اثنتي عشرة ياءً:
«إني آنست نارًا لعلّي آتِيكُمْ» «إنَّنِي أَنَا الله» «إنَي أَنا ربُّك» «لِذِكْرِي» «وَلِيَ فيها» «ويسر لي أمري» «أخَي أشدد» «على عيني» «لِنَفْسِي اذهَبْ» «في ذِكْرِىَ اذْهَبَا «بِرَأْسِيَ» «حَشَرْتَنِيَ»
فتحهن نافع إلا اثنتين، قوله: «أخي أشدد»، «وليَ فيها».
وفتحهن أبو عمرو أيضا إلا واحدة «لِمَ حَشَرْتَنِيَ».
وأسكن ابن كثيرٍ خمسًا «وليَ فيها»، «ويسّر لي أمريَ» «لذكرى إنّ السّاعة» «على عيني» «ولا برأسيَ إنّي».
وفتح عاصمٌ في رواية حفص «وَلِيَ فِيْهَا» والباقون يسكنون كلَّ ذلك.
قَالَ ابنُ مُجاهد، حُذِفَ من هذه السُّورة ياءان «ألا تَتَّبِعَنِ» وقد ذكرته و «بالواد المُقَدَّسِ» الوصلُ والوقف و «الواد» بغير ياء؛ وذلك أن الياء لما سقطت لفظًا لسكونها وسكون اللام سقطت خطأ. فالمقدس، المُطَهّر. قيل في قوله: «الأرض المقدسة»:
فلسطين والأردن وقيل: دمشق (١).
стр. 272
ومن سورة الأنبياء ﵈
قولُه تَعَالى: قَلَ ﴿ربِّي يَعْلَمُ القَولَ في السَّمَاءِ والأَرْضِ﴾
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحفصٌ، عن عاصمٍ «قلَ رَبِّي» على الخَبر جعلوه فعلًا ماضِيًا.
وقرأ الباقون: «قُلْ رَبِّي» على الأَمِر. أي: قُلْ يا محمد ذلك.
وقولُه تَعَالى: ﴿رِجَالًا نُوْحِيَ إليهم﴾.
روى حفص عن عاصم «نوحي» بالنون، الله تَعَالى يُخبر عن نَفسه، وحجَّته «وَمَا أَرْسَلْنَا» لأنَّ النُّونَ والألفَ اسمُ الله تَعَالى.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يُوحَى» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فاعله بالياءِ. وهذه الآية إنَّمَا نَزلت جوابًا لقومٍ كَفَرُوا بمحمَّدٍ ﷺ وقالوا إنَّمَا هو بَشَرٌ مثلنا، فهَلَّا كان مَلَكًا، قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمَّدُ ﴿من رَسُولٍ﴾ ﴿إلَّا رجالًا﴾ مثلك ﴿نوحي إليهم فسئلوا﴾ يا معشرَ الشُّكَّاك ﴿أهل الذِّكرِ﴾ أي: أهل التوراة والإنجيل ﴿إنْ كُنْتُم لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده «وَلَا تُسْمعُ» بالتاء والصُّمَّ نَصبًا أي: ولا تُسمِعُ أنت يا محمَّدُ الصُّمَّ. كما قَالَ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمْسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُوْرِ، ﴾ لأنَّ الله تَعَالى لمَّا خاطبهم فلم يلتفتوا إلى ما دَعاهم إليه رسوله.
ومَجَّت آذانهم القرُآن صاروا بمنزلة الميت الذي لا يَسمع، والأصَمِّ الذي لا يسمع ولا يَعْقِلُ.
وقرأ الباقون «لا يَسمَعُ الصُّمُّ» جعلوا الفعل لهم، والصُّمُّ: وزنه فُعُل، جمع أصمَّ، وأصمُّ «أفعل، والأصل: أصمم فأَدْغَمُوا الميم في الميم، وتصغير أصمّ أصيم. والصَّمَمُ:
ثقلٌ في الأَذُن. فإذا كان لا يَسمع شيئًا قيل: أصمُّ أصلخُ بالخاءِ. قَالَ ابنُ دُرَيْدٍ: أصمُّ أصلجِ بالجيم. والوقر: الثقل في الأذن.
وقوله تعالى: ﴿أولم يَرَ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ﴾.
قرأ ابنُ كَثيرٍ وحده «ألَمْ يَرَ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ» بغير واوٍ، وكذلك في مصاحف أهلِ
стр. 273
مكَّة.
وقرأ الباقون «أَوَ لَمَ يَرَ» بواوٍ والألف التي قبل الواو ألف تَوْبِيْخٍ، وتقريرٍ، ومعنى إن السماوات والأرض كانتا رتقًا، أي: مُتلاصقة، فجَعلها الله سبع سماوات، وشقَّ الأرض سبعًا، غِلَظُ كلِّ سماءٍ مسيرةُ خمسمائة عامٍ. وقيل: كانتا رَتْقًا ففتقناهما أي: فتقنا السَّماءَ بالمَطَرِ، والأرضَ بالنباتِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإنْ كانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ﴾.
قرأ نافعٌ وحدَه «مِثْقَالُ حَبَّةٍ» بالرَّفع جعل كان بمعنى حَدَثَ ووقع ولا خبر لها، كما قَالَ: «إلَّا أن تكُونَ تِجَارَةٌ»، أي: لا أن تقع تجارةٌ.
وقرأ الباقون بالنَّصب خبر كان، والاسمُ مضمرٌ، والتقدير، فلا تُظلم نفسٌ شيئا إن كان السيئ مثقالَ حبةٍ أتينا بها: جئنا بها.
فإن قيل لك: فإن المِثقال مذكرٌ فلم قَالَ: «بها»، ولم يقل به؟ فقال: لأن مثال الحبَّة هي الحبة، ووزنها، كما قرأ الحسن: «تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ» لأنَّ بعضَ السَّيارة من السَّيارة.
وقرأ مجاهد - فيما حدّثني ابن مجاهد، عن السُمَّريَّ، عن الفراء - أن مجاهدًا قرأ - «آتينا بها» ممدودًا أي: جازينا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَضِيَاءً وذِكْرًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ - في رواية قنبل - «ضِئاءً» بهمزتين. وقد ذكرتُ علته في سورة «يونس»، فسألت ابنُ مجاهد ما وزن قنبل، قَالَ: فنعل، ولم يدر اشتقاقه، وسألت أبا عُمر، قَالَ: يقال قَنْبَلَ الرَّجُلُ: إذا أوقدَ القُنْبُلَ، وهو شَجَرٌ، وقَنْبَلَ الرَّجُلُ إذا صارت له قُنْبُلَةٌ أي: أصحاب بعد أن كان واحدًا.
فأمَّا الواو في قوله: «وضيآءً» فقال الفراء: الواو زائدةً، والتقدير: ولقد آتينا موسى وهارون الفُرقان ضِيَاءً، فيكون نصبًا على الحال.
وقال البَصريُّون: الواوُ نسقٌ وليس زائدًا، فمعناه: أعطيناهما التوراة التي فرقت بين الحق والباطل، وأعطيناه ضياءً وذكرًا، وشاهدٌ بهذا القول قوله: «فيها هُدًى ونُورٌ» والنُّور هو الهُدَى.
стр. 274
وقولُه تَعَالى: ﴿وَإِليْنًا تُرْجعُوْنَ﴾.
فيه ثلاثُ قراءاتٍ:
قرأ ابنُ عامرٍ «تَرْجِعُوْنَ» بفتح التاء أي: تصيرون.
وقرأ الباقون: «تُرْجَعُوْنَ» أي: تُرَدُّونَ. كما قَالَ: ﴿وَرُدُّوا إلى اللهِ مَولَاهُمُ الحَقُّ﴾.
وروى عيَّاشٌ، عن أبي عَمْروٍ «وإلينا يَرْجِعُوْنَ» بالياء إخبارا عن غيب. والأول للمخاطبين.
وقوله وحدَه «جِذذًا» بالكسرِ جعله جمع جَذيذٍ، وجِذاذ مثل خَفِيْفٍ، وخفِافٍ.
والجَذِيْذُ بمعنى مَجْذُوْذٍ وهو المَقطوع، كما قَالَ تَعَالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوْذٍٍ﴾. وتقول العربُ: جددتُ الشّيءَ، وجزرتُه، وصرمته، وخرمته، وخزمته، وخزلته، وخرذلته، وخرذلته، كلُّه بمعنى قطعته.
وقرأ الباقون «جُذذًا» بمعنى الحُطَامِ والرُّفاتِ، ولا يُثَنِّى ولا يَجمع مَنْ قرأ بهذه القراءة. قَالَ الشَّاعِرُ:
فَظَلَّ مُسْتَعْبِرًا لديها ... تسيخ أجْفَانُهُ رَذَاذَا
يقولُ يا هِمَّتِي وسُؤْلِي ... قَطَّعَ قَلْبِي الهَوَى جُذَاذَا
وقولُه تَعَالى: ﴿أُفٍٍّ لَكُمْ﴾.
قرأ ابن كثير، وابن عامر نَصبًا.
وقرأ نافع، وحفصٌ «اُفٍّ لكم» بالكسرِ والتَّنوين.
والباقون يكسرون، ولا ينوّنون وقد ذكرتُ علّته ذلك في سُبحان.
وقُوله تَعَالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأسِكُمْ﴾.
قرأ ابن عامر، وحفص، عن عاصمٍ بالتاء، يريد: الدّرع.
وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر «لنُحْصِنَكُمْ» بالنُّون، الله تعالى يخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون بالياء، ردا على اللبوس «صنعة لبوس لكم لتحصنكم» اللَّبوس.
وحدَّثني أَحْمَد، عَنْ عليّ، عَنْ أبي عُبَيْدٍ أنَّ أبا جَعْفَر المَدَنِيُّ قرأ «لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ» بالتَّاءِ ردًا على الصنَّعة. وكان الله تَعَالى قَدْ أَلَان الحَدِيْدَ لداود، فكان يُحِيْلُهُ في يَدِه كالشَّمعةِ، كما قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. يعني:
الدُّروع ﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ يعني الثُّقْبَ، والحلقَ. والبأسُ: الحربُ والشّدَّةُ. فجعل الله
стр. 275
تَعَالى الدُّروعَ والسِّلاحَ والخَيلَ حُصُونًا لبني آدم من عدوهم.
وقوله تعالى: ﴿وكذلك ننجي المُؤْمِنِيْنَ﴾.
قرا عاصمٌ وحده «وَكَذَلِكَ نُجِّى المُؤْمِنِيْنَ» بنون واحدةٍ.
قَالَ الفَرَّاءُ: لا وجهَ له عندي إلَّا اللَّحْنَ.
وقد احتجَّ له غيره. فقال: نجَّى فعلٌ ماضٍ على ما لم يسم فاعله. ثم أرسلَ الياءَ، كما قرأ الحسن: «وخُذُوا ما بَقِىَ من الرِّبَا» قام المَصدر مقامَ المفعولِ الذي لا يُذكر فاعله. وكذلِكَ: نُجَّي نَجَاءٌ المؤمنين، واحتجّوا بأنّ أبا جعفر قرأ في الجاثِيَة: «ليُجْزَى قومًا بما كانوا يَكْسِبُوْهَ» على تقديرِ ليُجْزَى الجزاءُ قومًا. وقال الشَّاعِرُ:
فَلَوْ وَلَدَتْ قَفَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بِذَلِكِ الجَرْوَ الكِلَابَا
فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يجوز أن يكون أراد: يُنجي، فأدغم النّون في الجيم وهذا غَلَطٌ، لأنّ النّون لا تندغمُ في الجيمُ، ولا الجُيم في النُّون. ولكن النُّون تخفي عند الجيم. فلما خفيت لفظًا خزلوها خطأً فكتب في المصحف بنونٍ واحدةٍ، فذلك الذي حمل عاصمًا على أن قرأها كذلك، والاختيار «وكذلك ننجي» - بنونين - فعل مضارع، النون الأولى للاستقبال والثاني أصلية، أنجى ينجي إنجاء، والمؤمنون مفعولون.
وقولُه تعالى: ﴿فتحت﴾ مُشدَّدًا، أي: مرةً بعد مرةٍ، والتّشديدُ للتَّكثير، والتَّكرير.
وقرأ الباقون «فُتِحَتْ» تَخْفِيْفًا.
فأمَّا قوله: «يَأجُوْجُ وَمَأجُوْجُ» فقرأ عاصمٌ وحدَه بالهمزِ «يأجوج» والباقون بغيرِ همزٍ. وقد ذكرتُ علّته في الكهف.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ، ﴾ قرأ ابنُ عبَّاس: «من كلّ جَدَثٍ» أي: من كلِّ قبرٍ، يقال: للقَبْرِ، الجَدَثُ، والجَدَفُ، والريم، والضّريح، والمُلْحَدُ، والبَيْتُ، والرِّجم، والرِّمسُ. قَالَ الشَّاعِر في البيت:
وعندَ الرِّدَاعِ بَيْتُ آخرَ كَوْثَرِ
أي: قبرٌ آخرُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَحَرامٌ عَلَى قَرْيَة﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وحِرْمٌ بكسر الحاء مثل عِلْمٍ إلَّا حفصًا.
стр. 276
وقرأ الباقون «وَحَرامٌ» وهما لُغتان حِلُّ وحَلالٌ، وحِرْمٌ، وحْرَامٌ. وقيل: وحِرْمٌ على قرية أي: واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون. وقال معناه: يرجعون، ولا صلةٌ كما قال:
ما كانَ يَرْضَى رَسُولُ الله فعلهن ... والطَّيِّبَانِ أَبُو بكرٍ ولا عُمَرُ
وقال آخر:
فَمَا ألومُ البيضَ ألَّا تَسْحَرَا ... لَمَّا رأينَ الشمط القفندر
معناه: أن تسحر ولا زائدةٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لِلكُتُبِ كَمَا بَدَأنَا﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحفصٌ عَنْ عاصمٍ للكُتُبِ جمعًا.
وقرأ الباقون «للكتابِ» واحدًا. وقد تقدمت علّته في البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَقَد كَتَبْنَا في الزَّبُوْرِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. «قرأ حمزةٌ «في الزُّبور» بالضَمِّ.
وقرأ الباقون بالفتح. وقد تَقَدَّمت علته في النّساء. وإنما أعدت ذكره. لأنَّ العلماء قالوا: إن بعد هاهنا بمعنى قبل، والذكر القرآن، والأرض أرض الجنة، فمعناه، ولقد كتبنا في زبور داودَ من قبل القرآن: أنَّ أرض الجنة يرثها عبادي الصالحون.
وقوله تعالى: قل ﴿رب احكم بالحق﴾.
فيه أربع قراءات:
فروى حفص عن عاصم «قل ربِّ» على الخبر.
وقرأ الباقون: «قلَ ربِّ» على الأمر.
فإن قَالَ قائلٌ: الله تَعَالى لا يحكم إلا بالحق. فلم يقول «رَبِّ احُكُمٍ بالحَقِّ»؟
فقل: التَقدير: احكم بحكمك يا ربّ. ثم سّمى الحكم حقًّا.
والقراءة الثالثة «ربِّ احكم» بضم الباء. قرأ بذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع.
وأنه جعله نداء مفردا مضافًا، كَمَا تَقُول: يا ربُّ، ويا ربِّ.
ويا قومُ اعبدوا الله، ويا قومِ.
ويجوز أن يكون اختلس كسرةَ الياء، لأنّ الخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ شديدٌ، فأشمَّها الضَمَّ. كَمَا قرأ أيضًا: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا» بضم الهاء.
стр. 277
والقراءةُ الرابعةُ: حدَّثني أَحْمَد، عَنْ عليّ، عَنْ أبي عُبَيْدٍ أنّ الضَّحاك قرأ «قَالَ رَبِّي احْكَمُ بالحَقِّ» وهذا وجهٌ حسنٌ، إلّا أَنَّهُ يُخالف المصُحف، لزيادة الياء، فعلى قراءةِ الضَّحاك: «رَبِّيَ» رفع بالابتداء، «وأحكُم» خبر الابتداء. كَمَا يَقُول: «الله أْحْسَنُ الخَالِقيْنَ» ومن قرأ «ربِّ» فموضعه نَصبٌ، لأنَّه مُضافٌ. ومعناه يا ربي: فسقطت الياء تخفيفًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
قرأ ابن عامر وحده بالياء إخبارًا عَنْ غيبٍ.
وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب.
واختلفوا في هذه السُّورة في أربِع ياءاتٍ:
﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.
و﴿عِبَادِيَ الّصالِحُونَ﴾.
أسكنهَا حمزةُ وفتحها الباقون. والاختيار الفتح؛ لأنَّك إذا أسكنتها سقطت الياءُ لالتقاء السّاكنينَ. وكلُّ حرفٍ من كتاب الله تَعَالى يُثاب قارئه عليه عشرَ حسناتٍ.
وقولُه: «إنِّيَ إلَهٌ مِنْ دُوْنِهِ» فتحها نافعٌ وأبو عَمْرو، وأسكنها الباقون.
والحرف الرابع «ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ» فتحَها عاصمٌ وحده في رواية حفصٍ، وأسكنها الباقون، وقد ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فيما سلف. فأغنى عن الإعادة هاهنا (١).
стр. 278
ومن سورة الحج
قولُه تَعَالى: ﴿وتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيّ «وَمَا هُمْ بِسَكْرَى» بغير ألفٍ على فَعْلَى.
وقرأ الباقون: «سُكَارَى» على فُعَالَى وهما جميعًا جمعان لسكران وسكرانة.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: هُما لُغتان: تَقُول العرب: مَرِيض، ومُراضى، ومَريض، ومَرْضَى.
فَحَجّة من اختار «سَكْرَى» قَالَ: لأنّ السكر آفَةٌ داخلة على الإنسان كالمَرض والهَلاك. فَقَالُوا سَكرى مثل هَلْكَى. ومن قرأ: سُكَارىَ بألفٍ فحجته ما حدَّثني ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرّماديّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَن بْن بِشْر، عَنْ الحكم، عَنْ قتادة، عَنْ الحَسَن، عَنْ عِمران بْن حُصين أن النَّبيّ ﷺ ، قرأ: «سُكارَى وما هُمْ بِسُكَارَى».
فإنْ سأَلَ سائِلٌ فَقَالَ: إخبارُ الله تَعَالى لا يقعُ فيه خلافٌ فلمَ قَالَ: «وَتَرَى النَّاسَ سكارى»، فأجاب ثم قَالَ: «وَمَا هُمْ بِسُكَارَى» فنفى؟ .
فالجواب في ذَلِكَ: أنَّ تأويله: وتَرى الناس سكارى خوفًا من العذاب وهولِ المطلع. وما هم بسكارى من الشَّرابِ.
وقرأ أَبُو هُرَيْرَةَ، وأبو زُرعة بْن عَمْروٍ بْن حزمٍ، وعليٌّ: «وتُرَى النَّاسَ» بِضَمِّ التَّاءِ.
وقرأ أَبُو نهيك: «وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى» بفتحِ السّين بالألفِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾.
قرأ نافعٌ وعاصمٌ بألف هاهنا، وفي المَلَائكَةِ تبعًا في ذَلِكَ المُصحف؛ لأنَّه كَذَلِكَ كُتب بألفٍ بعدَ الواوِ ونصبه على تقدير «يحلون فيها من أساورَ ويحلون لؤلؤًا»، غير أنَّ عاصمًا اختُلف عنه. فروى يحيى، عَنْ أبي بكر «ولولؤًا» لا يهمز الواو الأول، ويَهمز الثانية، كأنَّه كره أن يَجمع بينهما في كلمةٍ واحدةٍ.
وروى المُعلى، عَنْ عاصمٍ ضِدَّ رواية يَحيى، عَنْ أبي بكر «ولُؤْلوًا».
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ: وهو خطأ. فإن كان خطَّأه من أجلِ الرِّواية سَقَطَ الكلام. وإن
стр. 279
كان خطَّأه من أجل العَرَبِيَّة فإن العَربيَّة تحتمل همزتهما، وترك الهمز فيهما، وهمز إحداهما، كلُّ ذَلِكَ جائزٌ، والأصل الهمزُ، وتركه تخفيف بالواو. واللؤلؤ: الكبار من اللآلي واحدها لؤلؤة. والمرجان: الصغار من اللآلئ، واحدها مُرجانة.
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ برواية قُنبلٍ وَأَبُو عَمْرو: بكسرِ لامِ الأمرِ مع ثُمَّ فقط، لأنَّ ثُمَّ ينفصل من اللام، وأصلُ اللامِ الكسرُ، وإنّما يَجوزُ إسكانها تَخفيفًا إذا اتصلت بحرفٍ، وقد ذكرت علة ذلك في البقرة و «التفث»: نتفُ الإِبط، وحلق العانة، وقصُّ الشارب، وأخذ الظّفر إذا حَلّ الرَّجُلُ من إحرامه، وكذلك قرءا: «ثُمَّ لِيَقْطَعْ»، وورش عَنْ نافعٍ مثلهما.
وقرا ابن عامرٍ بكسر لام الأمر مع «ثُمَّ»، ومع الواو في هذه السورة فقرأ «ولِيُوفُوا» «ولِيَطَّوَّفُوا» كلُّ ذَلِكَ بالكسر. وأمَّا في قوله: «ليوفوا﴾ ... ﴿ليطوفوا» قرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان «لِيُوْفُوأ ... وَلِيَطَّوَّفوا» بالكسر فيهما.
وقرأ الباقون مسكنًا كلّ ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ﴾.
روى حفصٌ، عَنْ عاصمٌ «سَوَاءٌ» بالنَّصبِ، جعله مفعولًا ثانيًا، من قوله: «جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً» أي: مستويًا كما قال: «إنا جعلناه قرآنا عَرَبِيًّا» والعاكِفُ: يرتفعُ بفعله في هذه القراءة، أي: استوى العاكفُ فيه والبادِ.
وقرأ الباقون «سَوَاءٌ» بالرَّفع ابتداءٌ وخبرٌ كَمَا تَقُول: مررتُ برجلٍ سواءٌ عنده الخيرُ والشرُّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿هَذانِ خَصْمَانِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحده «هَذانِّ» بتشديدِ النُّون.
والباقون يخففون، وقد ذكرت علّته.
فإن سأَل سائلٌ، فَقَالَ: لِمَ قَالَ: «هذَانَ» ثُمَّ قَالَ: «اخْتَصَمُوا»؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ الخَصْمُ، وإن كان لفظُه واحدًا. فإنّ معناه الجمعُ. تَقُولُ العربُ: هَؤُلَاءِ خَصمى، كَمَا تَقُول: هَؤُلَاءِ ضَيْفِي، وكان الأصل في ذَلِكَ أنّ يهوديًا، قَالَ لِنَصْرَانيٍّ: دِيْنُنُا خيرٌ من دِيْنِكُمْ، لأنَّا سبقناكم بالإيمان، فَقَالَ مُسلمٌ: بل دِيْنْنَا خير
стр. 280
من دينيكما، لأنَّا آمنا بأنبيائِكُما وكفرتما بنبيِّنا؛ لأنَّا صدَّقنا نبينا ونبيكم وكذبتم بنبينا، وحرَّفتم ما قَالَ نَبيكم في نبينا فصرِتم بذلك كافرين بهما. فذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿واَلبَادِ وَمَنْ يُرِدْ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ «البادِيْ» بالياء، على أصلِ الكلمةِ، لأنَّك تَقُولُ: بدا يبدُو: إذا دَخَلَ البَادِيَةَ فهو بادٍ مثل الدَّاعِي والأصل البادِوُ، فصارت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، فكان يثبتها وصلًا، ووقفًا.
وكان أبو عمرو ونافع يثبتان الياء وصلا، ويحذفانها وقفًا، ليكونا قد تبعًا الأصل تارةً، والمُصحف أخرى، وهو الاختيار.
وقرأ الباقون «البادِ» بغير ياءٍ ولهم ثلاثُ حِجَجٍ:
اتِّباع المُصحف.
والاجتزاء بالكسرةِ عَنْ الياءِ.
والحجَّةُ الثالثةُ: ما حدَّثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء أن العرب تقول:
مررت بباد، ومعتد، فيخزلون الياءَ لسكونها، وسكون التّنوين.
فإن أدخلوا الألفَ واللّام لم يردُّوا الياءَ، لأنَّهم بنوا المعرفةَ على النكرةِ، قَالَ سِيبويه: فإذا أضافوا فإن العرب كلّها ترد الياءَ. فيقولون مررت بقاضيك، ودَاعيك، فإذا اضطر الشَّاعِر حذف مع الإضافة، وأنشد:
كَنَواحِ رِيْشِ حَمَامَةٍ نَجْدِيَّةٍ ... ومَسَحْتَ باللَّثْتَيْنِ عَصْفَ الإِثْمِدِ
أي: «كنواحي ريش» فخزل.
وقولُه تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ مشددا.
وقرأ الباقون مخففا، وهم لغتان، فمن شدّد فحجّته ﴿وإبراهيم الَّذي وَفَّى﴾ ومن خفف فحجته «أوفوا بِعَهْدِ الله» وفيه لغة ثالثة: وَفَى، تَقُول العرب: وَفَى زيدٌ يَفِي، وأَوفى يُوفي، ووَفَّى يُوَفّى. قَالَ الشَّاعِر - فجمع بين اللُّغتين:
أمَّا ابنُ عَوفٍ فَقَدْ أَوفَى بِذِمَّتِهِ ... كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمَ حَادِيْهَا
والأمرُ من أَوفى: أوْفِ يا زيدُ: ومن وَفَّى: وَفِّ يا زيدُ، ومن وفى: فه لا بد من هاءٍ في الوَقْفِ وفي الكتابة، لأنَّ الكلمة لا تكون على حرف واحد.
стр. 281
وقوله تَعَالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ﴾.
قرأ نافعٌ «فتخطَّفُهُ الطَّيرُ».
أراد فاختطفه، لأنه نقل فتحة التاءِ إلى الخَاءِ. وأَدغمَ التَّاء في الطَّاءِ فالتَّشديد من خَللِ ذلك.
وقرأ الباقون «فتخطفه الطير» «مخففا، وهو الاختيار، لقوله تَعَالى: ﴿إلَّا مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾. ولم يَقْلْ اختَطَفَ.
وقد وافقَ نافعٌ الجميعَ على التَّخفيف في قوله: ﴿يكًادُ البَرْقُ يَخْطَفُ﴾. والقرآن يَشهد بعضُه لِبَعضِ، وإنْ كانت اللُّغتان فَصيحتين، تقولُ العَرَبُ: خَطَفَ يَخْطَفُ، واخْتَطَفَ يََخْتَطِفُ، واستَلَبَ يَسْتَلِبُ، وامتَلَعَ يَمْتَلِعُ بمعنًى.
وقولُه تَعَالى: ﴿جَعَلنَاْ مَنْسَكًا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بكسرِ السِّيْنِ.
والباقُون بالفتح.
وهما لُغتان، المَنْسَكُ والمَنسِكُ - وهما المكان المُعتاد المألوف يقصده النَّاس وقتًا بعدَ وقتٍ، وَقَالَ آخرون: النَّسيكة الذَّبيحة، يقال: نَسكتُ الشَّاة ذبحتها، فكأنَّ المَذْبَحَ الموضعُ الذي يُذبحُ فيه، وهو الاختيار في كلّ ما كان على فَعَلَ يَفْعَلُ مثل قَتَلَ يَقْتُلُ أن يجيءَ المصدَرُ واسمُ المَكان على مَفْعَل مثل المَقْتَل، ولا يقال إلَّا في أحرفٍ جئْنَ نَوَادِرَ وهي المَسْجِدُ والمَنْسِكُ والمَجْزِرُ. وقد ذكرتُ علة ذَلِكَ في سورة الكهف فأغنى عن الإعادة هاهنا.
قولُه تَعَالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٍ «لَهُدِّمَتْ» خَفِيْفًا.
وقرأ الباقون مشدّدًا، وهما لُغتان، وغير أن التَّشديد للتّكثير. هدّمتُ شيئًا بعد شيء مثل ذبحت، قال الحسن: تهديما: فهذا شاهدٌ لمن شدَّد.
فإن قيلَ لك: كيفَ تهدم الصلوات؟
ففي ذَلِكَ جوابان:
أحدهما: أن تهدم موضع الصلاة وهي المساجد، فإن هدموا موضعَ الصَّلوات فقد هَدَمُوا الصَّلاةَ وأبطلوها.
стр. 282
والجواب الآخر: أن الصلوات هاهنا بيوتُ النَّصارى يسمُّونها، صلواتًا.
حدَّثني ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إدريس، عَنْ خَلف، عَنْ مَحبوب، عَنْ داود، عَنْ أبي العالية في قوله: ﴿وَصَلَواتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ قَالَ: الصَّلَوَاتُ: بيوتُ الصَّابِئينِ يُسمونها صَلَوَاتًا. قَالَ الشَّاعِرُ:
إتَّقِ الله والصَّلاةَ فَدَعْهَا ... إنَّ في الصَّومِ والصَّلاةِ فَسَادَا
يَعنى بالصَّلاة في هذا البيت: بيتُ النَّصارى، وبالصَّوْمِ ذَوْقُ النَّعامِ.
قولُه تَعَالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله النَّاسَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، وَأَبُو عَمْرو، يَقُولُ: «دَفْعُ اللهِ» بغير ألفٍ. «وإن الله يدْفْع» كمثل.
وكان أبو عمرو يقول: «يدفع» لَحْنٌ.
وقرأ نافعٌ «يُدافِعُ»، «وَلَوْلَا دِفَاعُ اللهِ» بألفٍ فيهما.
وقرأ الباقون، «يُدافِعُ» بألفٍ «وَلولَا دَفْعُ الله» بغيرِ ألفٍ، وهما لُغتان غير أن الدِّفاعَ: فعلُ من اثنين دافعته مثل ناظَرته، والدَّفعُ: من واحدٍ. وقد يكونُ فاعلت من واحدٍ، كقولهم: طارقتُ النَّعلَ، وعافاك الله وقد أشبعتُ ذَلِكَ في سورة البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزة، والكِسَائِيُّ، أَذِنَ بفتح الألف، ويُقَاتِلُونَ بكسر التاء، والتقدير: أَذَنَ الله تَعَالى لِلَّذِيْنَ يُقَاتٍِلُوْنَ مَنْ ظَلَمَهُمْ، وكذلك التّقدير في قراءةِ الباقين.
وقرأ أَبُو عَمْروٍ، وَأَبُو بَكْر، عَنْ عاصمٍ، بكسرِ التَّاء، وضمِّ الألف.
وقرأ ابنُ عامرٍ: بفتح التاء، والألفِ جميعًا.
وقرأ عاصمٌ في رواية حفص ونافع: «أذن» بالضم «يقاتلون» بالفَتحِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أهْلَكْنَاهَا﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحده «أهلكتُها» «بالتاء كقوله» «فَكَيْفَ كانَ نَكِير» الله تعالى يخبر عن نفسه بلفظ الواحد.
وقرأ الباقون «أَهْلَكْنَاها» بالنّون على لفظ الجمع، وإن كان الله هو المخبر عَنْ نفسه. كَمَا قَالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيْشَتَهُمْ﴾ والقريةُ لا تهلك، إنَّمَا يهلك أهلها. فإذا هَلَكَ الأهلُ تعطَّلت القرية.
стр. 283
وقوله تعالى: ﴿وبئر معطلة﴾.
كان نافعٌ لا يهمز «البئر» في رواية ورش.
وَأَبُو عَمْرو يُخَيِّرُ فيها إذا قرأ بترك الهمز.
والباقون يهمزون وهو الأصل. تَقُول العرب: بَأرْتُ البِئْرَ أَبْْأرُ وجمعُ البئر: أبأرٌ.
ويقال لحفرة تحفر كالشَّور: البؤرة بالهمز تشبيهًا بذلك. ويقال: للبئرُ الجُبُّ، ويقال لناحيتها الجالُ.
ويقال لها الرَّكِيَّة، والطَوِيُّ. وبئر ذمّة قليلة الماء، والماتِحُ الذي يسقى الماء، والمائح الذي ينزل إلى أسفل البئر فيغرف الماءَ بيده إذا قل ماء الركية.
قال الشاعر:
يا أيها الماتِحُ دَلْوِيْ دُوْنكَا ... إنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُوْنَكَا
يثنون خيرا ويمجدونكا.
ويُقالُ البِئْرُ: الجِهِنَّام والرِّسُ والبئرُ مؤنَّثةٌ، تصغيرها بُئيرة.
سمعتُ ابنُ مُجاهدٍ يَقُولُ: قَالَ الأصْمَعِيُّ: سألتُ نافعًا عَنْ همز البئر، فَقَالَ: إن كانت العرب تهمزها فأهمزها. ويقال للبئر إذا كانت كثيرة الماء: بِئْر زغرب وَغَيَلَّم، وقليذم، وعرية. كل ذَلِكَ بمعنى قليذم.
وقولُه تَعَالى: ﴿كألفِ سنةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء «مما تَعدّون» فالتاء للخطاب، والياء للغيب. ولم يختلفوا في «السّجْدَة».
فإن قَالَ قائلٌ: لم قَالَ تَعَالى: ﴿وإنَّ يومًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾. وَقَالَ في موضع آخر: ﴿فِيْ يَومٍ كَان مِقْدَارُهُ خَمْسِين أَلْفَ سَنَة﴾؟ .
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ يوم القيامة طويلٌ له أول، ولا آخر له. فقيل «خَمْسين ألفَ سَنة» أي: في شدَّة العذاب، لأنَّ له منتهى.
وقولُه تَعَالى: ﴿في آياتِنَا مُعَاجِزينَ﴾ في كل القرآن. ومعناه مبطئين عن رسول الله ﷺ .
وقرأ الباقون «مُعَاجِزِيْنَ» بألفٍ على معنى: مُعاندين، وهو الاعتداد عند المشيخة،
стр. 284
لأنَّ العناد يدخل فيه الكفر، والمشاقة، والتَّثبيط، والتعجيز، إنَّمَا هو في نوعٍ من الخلاف فالعناد عامٌّ، والتثبيطُ خاصٌّ.
قَالَ أَبُو عبدِ الله: وأمَّا أنا فأراه سَوَاءً، لأنّ من بطَّأ عن رسول الله ﷺ فقد عانده. وأمّا قوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُوْنُوا مُعْجِزِينَ في الأَرْض﴾.
فأجمع القراء على ذَلِكَ، ولا يجوز معاجزين هاهنا، لأنَّها تصير إلى معنى أُولئك لم يكونوا معاندين، وذلك خطأ، لأنهم قد عاندوا الله ورسوله، ومعنى معجزين أي:
سابقين. يقال أعجزني الشيء سبقني وفاتني، وهذا بيِّنٌ واضحٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَو مَاتُوا﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده ثُمَّ «قُتَّلُوا» مشدَّدةً أي: مرةً بعدَ مرةٍ.
وقرأ الباقون مُخففًا.
وقولُه تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا﴾.
قرأ نافعٌ وحده «مَدْخَلًا» بفتح الميم جَعَلَهُ مصدرًا، أو اسمَ المكانِ من دَخَلَ يَدْخُلُ.
وقرأ الباقون «مُدْخَلًا» بالضَمَّ، وهو الاختيار لقوله: «لِيُدْخِلَنَّهُمْ» لأنَّه من أدخل يُدخل. كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. ولم يقل: مَدْخَلَ.
وقولُه تعالى: ﴿وأن ما يَدْعُونَ من دُونِهِ﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحفصٍ، عَنْ عاصم بالياءِ. وكذلك في المُؤمن ولُقمان والعَنكبوت.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ ضدّ ذَلِكَ.
وقرأ ابنُ كثيرٍ بالياء في كلِّ ذَلِكَ إلا في المُؤمن.
وقرأ حمزة، والكِسَائِيّ في العنكبوت بالتَّاء.
وقرأ عاصمٌ في روايةِ أبي بكرٍ في الحج، ولقمان بالتاء. فمن قرأ بالياء فهو إخبارٌ، عَنْ غيبٍ. ومن قرأ بالتاء فمعناه: قل يا مُحَمَّد لهَؤُلَاءِ الكفرة الَّذِيْنَ يعبدون الأصنام من دونِ الله إن الذي تَدعون من دونِ الله هو الباطلُ. إذ كان لا يُعقل خطابًا، ولا يَسمع صوتًا، ولا يَنفعُ، ولا يَضُرُّ. وإنما هو شيء يفتعلونه وينحتونه بأيديهم. فأيُّ جهلٍ أجهل من هذا؟ !
وفي هذه السورة ياء واحدة ﴿بيتي للطائفين﴾.
стр. 285
فتحها نافعٌ، وحفص، وأسكنها الباقون. قد أعللت ذَلِكَ فيما سَلَفَ.
ويحذف من هذه السورة ياءآن.
﴿البادِ﴾ وقد ذكرته.
والثانية فإنَّ ﴿الله لهاد الذين آمنوا﴾.
كتب في المصحف «لهاد» فالوقف عليه بغير ياء. والوصل كَذَلِكَ؛ لأنَّ الياء سقطت في الدّرج، لسكونها وسكون اللَاّم، فحذفت خَطًّا لما سقطت لفظًا (١).