Полный текст (555 стр.). Показаны 526–555 · переход к 531.
стр. 526
الثَّاني هُوَ الأول لأدخلتَ عَلَيْهِ الألف واللام فكنت قائلا: إن مَعَ العُسر يسرا إن مَعَ العسر يسرا. إن مَعَ العسر اليسر، فلما كرر بغير ألف ولام دل عَلَى أن الثَّاني غير الأول. وهذا دقيقٌ من علم القرآن. وإنما فتقها ترجمان القرآن ببركة دعاءِ رسولِ اللَّه ﷺ لَهُ وبأن بعلمه كتاب اللَّه.
وقال ابْنُ مجاهدٍ: ما قَرَأَ أحدٌ إلا «فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ» بفتح الزّاي. فأما العرب منهم من يَقُولُ فَرَغَ يَفْرُغْ مثل سَجَدَ يَسْجُدُ، وفَرَغَ يَفْرَغُ مثل دَبَغَ يَدْبَغُ، وفَرَغَ يَفْرَغُ مثل قَبِلَ يَقْبَلُ، وفَرَغَ يَفْرِغُ مثل ضَرَبَ يَضْرِبُ وفَرِغَ يَفْرَغُ مثل شَرِبَ يَشْرَبُ كلُّ ذَلِكَ صوابٌ بحمدِ اللَّه. والمعنى: فإذا فرغت من الصلاة فانْصب للدُّعاء وارغب إلى ربّك.
وكان شريح يذهب إلى أن العبدَ يجب عَلَيْهِ أن يرغب إلى ربه وينصب فِيْ كل حال إِذا كَانَ فراغًا من صلاة وغيرها.
حَدَّثَنِي ابنُ مجاهد، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَراء، قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن الربيع، عنْ أَبِي حصين، قَالَ: مَرَّ شريحُ برجلين يصطرعان فَقَالَ: ليس بهذا أمر فارغ، إنّما قَالَ تَعَالى: ﴿فإذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عبدان، عن علي، عن أبي عبيد: «أن النَّبِيّ ﷺ مرَّ بقومٍ يَرْبَعُوْنَ حجرًا، فَقَالَ: ما هَذَا؟ قَالُوا:
حجر الَأشِدَّاء، قَالَ: أولا أدلكم عَلَى أشدكم، من مَلَكَ نفسه عنْد الغضب قَالَ: أَبُو عَبْد اللَّه وصدق رَسُول اللَّه ﷺ . ومثله إنّ العرب تَقُولُ: الغَضَبُ غُوْلُ الحَلِيْم أي: هَلَاكُهُ، ومعنى يربعون حجرًا: الربع: الِإشالة ليعلم بذلك قوة الْإِنْسَان من ضَعفه، وَيُقَال للعصا الَّذِي تحمل بها الجَوَالِقُ: المربعة، وينشده:
أين الشاظان وأين المربعه ... وأين وَسْقَ النَّاقَةِ المُطَبَّعَهْ
ويروي: الجَلَنْفَعَه وتفسير هَذَا البيت فِيْ كتاب
стр. 527
ومن سورة التين
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: اختلف النَّاس فِيْ تفسير هَذِهِ السُّورة وأقسام الله تعالى بها فَقَالَ قائلون هُوَ تينكم هَذَا، وزيتونكم هَذَا.
وقال آخرون: التَّينُ: جَبَلٌ ينُبت التِّين، والزَّيتون: جَبَلٌ ينبت الزَّيتون.
وقال آخرون: هما جبلان بالشَّامِ.
وقال آخرون: مدينتان بالشَّامِ، دمشق وفلسطين.
وقيل فِيْ قولُه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قرار﴾، قَالَ: دمشق.
وحدَّثني أَحْمَد بْن الْعَبَّاس، عنْ مُحَمَّد بْن هارون بْن يَحيى بْن زياد فِيْ قولُه تَعَالى:
﴿والتَّيْنِ وَالْزَّيْتُوْنَ﴾ قال: هِيَ جبالُ ما بين حُلوان وهَمَذَان.
فأقسم اللَّه بهما، والاختيار أن يكون الِإقسام يقع عَلَى اسمه تَعَالى، والتقدير: ورب التّين والزَّيتون. ﴿وطور سينين﴾: وهو الجبل الَّذِي كلَّم اللَّه عَلَيْهِ مُوسَى ﵇ وسينين: وهو الْحَسَن، وكلُّ حسن عندهم سينين.
وقال آخرون: كلُّ جبلٍ مُثْمِرٍ يُقال لَهُ سينين.
واجتمع القُراء السَّبعة عَلَى كسر السِّين من «سِينين» وكان أَبُو عَمْرو يحتج بأن سينين وسيناء واحدٌ، وإنما زادوا النون لرءوس الآي.
وقرأ: «وَطُورِ سَيْنِيْن» عَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق، وعيسى الثَّقفي.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: «وطُوْرِ سينآ وهذا البَلَدِ الَأمِيْنِ» يؤثر ذَلِكَ عن عمر بن الخطاب ﵁ ﴿لقد خلقنا الإنسان﴾ جواب القسم، والإنسان - هاهنا - مُحَمَّد ﵇، وقيل: آدم ﵇، وقيل: كلُّ إنسانٍ لأنَّ اللَّه تَعَالى خَلَقَ الجماد والحيوان من طائر وبهيمة فأحسن ما خَلَقَ الْإِنْسَان فِيْ أحسن صورة ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سَافِلِيْنَ﴾ قيل: الكفار، وقيل: أَبُو جهل بْن هشام وقيل: كلُّ إنسانٍ إِذَا هرم وشاخ فقد رد إلى أرذل العُمر، وهو تفسير أسفل سافلين، وَيُقَال: كلُّ مسلمٍ وإن رد إلى أرذل العمر فنقص عمله من أعمال البر كُتب لَهُ ذَلِكَ مثل ما كَانَ يعمل فِيْ شبيبته؛ لأنَّه أسير اللَّه فِيْ أرضه، فلذلك استثنى، فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ﴾
стр. 528
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: لا يمن عليهم، والكافر إِذَا شاخ وختم لَهُ بالشرك ولج النار؛ لأنَّه يموت والله عَلَيْهِ غضبان ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ بأن يحكم بينك يا مُحَمَّد وبين كفّار أهل مكَّة حين آذَوْكَ حَتَّى أخرجوك من وطنك. فكان رَسُول اللَّه ﷺ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآية: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ» قَالَ: سبحانك اللَّهُمَّ بلى.
стр. 529
ومن سورة العلق
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: خمسُ آياتٍ من أول هَذِهِ السُّورة أول ما أُنزل من القرآن، وآخر ما نَزَلَ من القُرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ جزمٌ بالأمر، والسُّكونُ علامة الجزم وسكون الهمزةَ ﴿باسم ربك﴾ يا مُحَمَّد الواحد ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ يعني الْإِنْسَان، خلقه من عَلَقٍ، وهي النُّطفة تكون عشرين ليلة، ثُمَّ تكون علقة هَذَا قول.
وقال آخرون: النُّطفة تَصير فِيْ البدن أربعين ليلةً، ثُمَّ تصير علقة، وجمعها عَلَقَ، وهو الدّم، ثُمَّ أربعين مُضْغَةً. وَقَدْ ذكرتُ فِيْ أول قَدْ أَفْلَحَ.
فإن قيل لَكَ: لِمَ قيل فِيْ هَذِهِ السُّورة «من عَلَقٍ» وقيل هناك «العَلَقَةَ»؟
فقل: نزلت الهاء من آخر هذه لتوافق رءوس الآي «باسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ».
وقولُه تَعَالى: ﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾.
فِيهِ أربعُ قراءات:
قَرَأَ حمزة والكسائي وأبو بكر، عن عاصم وابن عامرٍ برواية ابْنُ ذكوان بالخلف «أنْ رِآهُ استَغْنَى» بكسر الراء.
وقرأ أَبُو عَمْرو برواية الدُّوري بفتح الراء وكسر الهمزة.
وقرأ الباقون: «أَنْ رَآهُ» بالفتح، والأصل: رأيه عَلَى وزن رعيه، فصارت الياء التي هِيَ لام الفعل ألفًا؛ لانفتاح ما قبلها، فصارت «أن رآهُ استَغْنى» عَلَى وزن رعاه.
والقراءةُ الرابعةُ: قراءةُ ابنِ كثيرٍ فِيْ روايةِ قُنبل: «أنْ رَّأه» عَلَى وزن رَعَهُ.
قَالَ ابنُ مجاهدٍ: هُوَ غلطٌ؛ لأنَّه حذف لام الفعل التي كانت ألفًا مبدلةٌ من الياء، ويجوز أن الَّذِي سَمِعَ ابْنُ كَثِيْر يقرأ هَذَا الحرف لم يضبط عَنْهُ، ولا ترجم عَنْهُ باستواء، وكانت قراءته: «أَنْ رَاءَهُ استَغْنَى» بتقديم الَألِف عَلَى الهَمْزَةِ ثُمَّ يخفف الهمزة ويحذفها لالتقاء الساكنين. وهذه لغةٌ مشهورةٌ، تَقُولُ العرب: راءني وشاءني، وأنشد:
وَكُلُّ خَلِيْلٍ راءَني فهو قائِلٌ ... مِنَ أجلِكَ هَذَا هامةُ اليومِ أَو غَدِ
وقال آخر:
وسهو الفؤاد حتى كأن ... شاربٌ عُلَّ مِنْ رَحِيْقِ مُدَاْمِ
стр. 530
أو وليد معلل راء رؤيا ... فهوي هذي بَمَا يَرَى فِيْ المَنَامِ
فهذا أشبه بقراءة الأئمة من أن يُغَلَّط؛ لأنَّ القِراءة والأئمة يُختار لهم أَوْ يُحتَجُّ لهم لا عليهم.
وأجمع القُراء فِيْ هَذِهِ السُّورة عَلَى تخفيف النون فِيْ «لَنَسْفَعَنْ» والوقف «لَنَسْفَعًا» وإنَّما ذكرته لأنَّ ابنَ مُجاهدٍ، حَدَّثَنِي عنْ الجمَّال، عنْ الْحَسَن، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد، عنْ شبل، عنْ محبوب، عنْ أَبِي عَمْرو، وقال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان، عنْ أَبِي حاتم، عنْ محبوب «لَنَسْفَعَنَّ بِالْنَّاصِيَةِ» بتشديد النُّون، وهما لغتان تَقُولُ:
اضربْن زيدًا، أَوْ اضربَّن زيدًا، فمن شدَّد النون أَثبتها فِيْ الوقف، وفي التثنية والجمع، فتقول: اضربن واضربن. ومن خفَّف النُّون وقف بألف فَقَالَ: اضربًا وحذفها فِيْ التثنية. فأمَّا النُّون بالمشدَّدة فِيْ فعل جميع النَّساء فإنك تحجز بين النونات بألف، فتقول: اضربنانّ يا نِسْوَةُ، ومعنى «لَنَسْفَعًا بالنَّاصِيَةِ» أَوْ ليسوِّدن وجهه. وقيل:
لنأخذن بناصيته. وإنَّما كنّى عنْ جميعِ الوَجْهِ بالنَّاصية؛ لأنَّها فِيْ مقدم الوَجه كما قَالَ تَعَالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ أي، يُجعل وجهه بينَ رِجْلَيه ثُمَّ يُقذَفُ فِيْ النَّارِ، نعوذُ بالله منها.
стр. 531
ومن سورة القدر
قولُه تَعَالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾.
قَرَأَ الكِسَائيُّ وحده: «حَتَّى مَطْلِعِ الفَجْرِ» بكسر اللَّامِ، أراد بِهِ الموضع والاسم.
وقرأ الباقون: «مَطْلَعِ» بالفتح أرادوا المصدرَ حتَّى طُلُوعِ الفَجْرِ، تَقُوْلُ العَرَبُ:
طلعتِ الشَّمس مَطلعًا وطُلوعًا.
فإن قيل: بِمَ خَفضت حَتَّى مطلع الفَجر وَقَدْ رَأَيْت «حَتَّى» تنصب فِيْ نحو قولِهِ «حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ»؟
فالجوابُ فِيْ ذَلِكَ أن «حَتَّى» إِذَا كانت غايةً خَفَضَتْ الاسمَ بإضمارِ إلى ونصب الفعلَ بإضمارِ إلى كقولك: دخلت البلاد حَتَّى الكوفةَ أي: حَتَّى انتهيتُ إلى الكوفةِ، وإلى مطلع الفجر.
وأمَّا الفعلُ فقولك: أسيرُ حَتَّى أدخلَها أي: إلى أَنْ أدخلها وإلى أَن يَقُولَ الرَّسُولُ.
ولها وجوهٌ قَدْ بيَّنتُها فِيْ سورةِ البقرة فالوقف عَلَى قولُه: «من كلِّ أَمْرٍ» ثُمَّ تبتدئ «سَلَامٌ» أي: هِيَ سَلَامٌ حَتَّى مَطلع.
وقرأ ابنُ عَبَّاس: «من كل امرئ سَلَامٌ» بالياء، ويروي عنْ عكرمة مولاه أيضًا كذلك.
وقال أهلُ التَّفسيرِ: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الهاءُ كنايةٌ عنْ القرآن وإن لم يتقدم ذكره؛ لأنَّ المعنى مفهوم أنزله اللَّه من اللَّوْحِ إلى السَّماءِ إلى السَّفَرَةِ وهم الكَتَبَةُ من الملائكة. وكان ينزل جبريل ﵇ إلى النَّبي ﵇ فِيْ السنة كلها إلى مثلها من قابل حَتَّى نزل القرآن كلُّه فِيْ شهرِ رمضان ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ثُمَّ عظَّم تَعَالى شأنه هَذِهِ اللَّيلة، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا مُحَمَّد ﴿مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس فيها ليلة القدر.
وقال الضَّحَّاكُ عنْ ابنِ عبَّاسِ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ قَالَ الرُّوح عَلَى صورةِ الْإِنْسَان. وهو قولُه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾.
وقال آخرون: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ الرُّوحُ: جبريل ﵇، كما قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوْحُ الَأمِيْنُ﴾ لأنَّه وإن كَانَ مِنَ المَلائِكَةِ فإنَّه أُفرد بالذِّكر تَعْظِيْمًا
стр. 532
لَهُ.
وقال آخرون: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ يُقال: إنّ جبريلَ ﵇ تَنَزَّلَ ومعه المَلَائِكَةُ فِيْ ليلةِ القدرِ فَلا يلقَوْن مؤمنًا ولا مؤمنةً إلَّا سلَّمُوا عَلَيْهِ، فعلى هَذَا التَّفسير نُصحح قراءةَ ابنِ عبَّاس.
حَدَّثَنَا ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاءِ، عنْ حيَّان، عنْ أَبِي صالحٍ، عنْ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقرأ: «مِنْ كُلِّ امرئٍ» بالياء.
стр. 533
ومن سورة المنفكين
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: قولُه تَعَالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني اليهود والنَّصارى ﴿والمشركين﴾ يعني مشركي العَربِ ﴿مُنْفَكِّيْنَ﴾ أي: منتهين عنْ الكفر، والشِّرك. وذلك أَنَّهُ قَالَ: أهل الكتاب مَتَى يبعث الذي نجده في كتابا، وتقول العرب: «لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ».
وقولُه تَعَالى: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمْ البَيِّنَةُ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فِيْ أمر مُحَمَّد ﷺ ﴿إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ لأنَّه ﵇ كان معهم فِيْ كتبهم. فلما بعثه اللَّه من غير ولد إِسْحَاق حَسَدُوه، واختلفوا ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
إِجماعُ القُرَّاءِ عَلَى كسرِ اللَّام أي: أخلص اللَّه الدَّينَ فهم مخلصون، وإنما فتح اللَّامَ فِيْ مُخْلِصِينَ الحسنُ البَصري فِيْ روايةِ الَأشهر عَنْهُ، فيكون معناه: أخلصهم اللَّه فهم مخلَصون بالدِّين، وجعلهم اللَّه مخلصين بالدين. والقراءة هِيَ الأولى.
ومن الشَّواذِّ أيضا في هذه السورة «أولئك هم خيار البَرِيَّةِ» كذلك قرأها أَبُو الأسود الدُّؤَلِيُّ بالجَمع.
ومنها قولُه تَعَالى: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾، ﴿شرُّ البَرِيَّةِ﴾.
قَرَأَ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «البَرِيئَةِ» بالهَمْزِ من برأ الله الخلق يبرؤهم، والله البارئ المتعال، والخلق مبرءون.
وقرأ الباقون: «البَرِيَّةِ» بتشديد الياءِ، فيجوز أن يكونوا أرادوا الهَمز فتركوا.
ويجوز أن يأخذه من البري وهو التُّراب، كما قَالَ:
بِفِيكَ مِنْ سَارٍ إلى القَومِ البَرَى
تقولُ العَرَبُ: «بفيه الحَجَرُ» و «بفيه التُّراب» و «بفيه التَّورب»، و «التَّيرب»، و «البَري»، و «الكَثكَثُ» و «الكَلْحَمْ»، و «الأثلب»، أي:
التُّراب.
والاختيار لمن قَرَأَ هَذِهِ السُّورة أن يقف عند رأسِ كلِّ آيةٍ نحو «البَيِّنَة»،
стр. 534
و «مُطَهَّرة» و «القَيِّمة» و «البَرِيَّة» ونحوها إلَّا حرفًا. فإني رَأَيْت الحُذَّاقَ من القُراء يقفون عَلَيْهِ بسكتة خفيفة، ثُمَّ يصلونه، «ويُقِيْمُوا الصلاة» وإنَّما فعلوا ذَلِكَ لأنَّ الوقف عَلَيْهِ حَسَنٌ لا تام.
стр. 535
ومن سورة الزَّلْزَلَةِ
قولُه تَعَالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾.
زِلْزَالَهَا: يوم القِيَامة من شدَّة صوت إسرافيل فيضطربون حَتَّى ينكسر كلُّ شيء من شدَّة الزَّلزلة. فقرأ «زِلْزَالَهَا» لأنَّه مصدر فعلل وكلُّ فعلٍ رُباعي نحو هملج، وقرطس، وسرهف ووسوس، ودحرج مصدره على وجهين فَعْلَلَةٌ، وفِعْلَاْلٌ لا ينكسر. وتقول:
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الَأرْضِ زَلْزَالْهَاْ﴾.
وقرأ بذلك عاصمٌ الجَحْدَرِي بفتح الزَّاي جعله اسمًا لا مصدرًا، وليس فِيْ كلام العرب فِعلال إِلَّا مُضَاعف نحو الزّلزالُ، وهي البلاءُ والبِلبالُ والكِلْكَالُ، وهو المصدر إلّا قولهم: ناقة بها خِزْعَالٌ أي: ضَلْعٌ وغَمْزٌ في رجلها.
وقوله تعالى: ﴿خيرا يره﴾ و ﴿شرا يره﴾.
بفتح الياء إجماع، والأصل: يراه يَعمل مثقال ذرَّة من شرٍّ من الكفار يَرَهُ يوم القيامة. فأمَّا الموحِّدُ فإن الشر إِذَا عمله مثقال ذرة فالصغار من الذنوب يكفر عنه لاجتنابه الكبائر كما قَالَ تَعَالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: الصغائر من الذُّنوب.
واختلف النَّاس فِيْ الكبائر: فقيل: الشِّرك بالله، وقتل النَّفس التي حرم اللَّه، وشربَ الخَمر، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف. وقيل: ما نهى الله عَنْهُ فِيْ كتابه فهو كبيرة، وما سكت عَنْهُ فهو صغيرة.
وقال آخرون: ما أشبه من الذُّنوب الكبائر فهو كبيرة، وما أشبه الصغائر فهو صغيرة، فأكبر الكبائر الشِّركُ بالله، وأصغر الصغائر النظرة، والضمحة.
ويجب عَلَى هَذَا القياس أن يكون بإزاء الكبائر، والصَّغائر أعلى البر فأعلى ذَلِكَ شهادةُ أن لا إله إلا اللَّه - وأَصغرُهُ - إماطةُ الأذى عنْ الطَّريق.
وسَمِعْتُ القاضي أبا عِمْران يقولُ: أكبرُ من الشرك بالله ادِّعاء فرعون الرُّبوبية حيث قَالَ: ﴿أَنا رَبُّكُمُ الَأعْلَىُ﴾.
أما قولُه: ﴿لِيُرَواْ أَعْمالَهُمْ﴾.
فقرأه النَّاس جميعًا بضمِّ الياء عَلَى ما لم يُسَمّ فاعله، واسم ما لم يسم فاعله الواو،
стр. 536
وأعمالهم خَبَرُ ما لم يُسمَّ فاعِلُهُ، كما تَقُولُ: ليُعطوا درهمًا، وليُكسوا ثوبًا، وإنما ذكرته لأنَّ ابنَ مُجاهدٍ، قَالَ: قَرأَ قَتَادَة، وحمّاد بْن سَلَمة، «لِيَرَواْ أَعْمالَهُمْ» بفتح الياء فجعل الفعل لهم، ووزنه من الفعل ليفعلوا والأصل: ليرأيوا فحذفوا الهمزة تخفيفًا بعد أن نقلوا فتحتها إلى الراء، واستثقلوا الضمة عَلَى الياء فحذفت فالتقى ساكنان الواو، والياء فذهبت الياء لالتقاء الساكنين، والأصل فِيْ «لِيُرَواْ» يرأيوا فعمل بِهِ ما عمل بالأول.
وقولُه تَعَالى: ﴿شرًّا يَرَهُ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيّ ونافع وأبو عَمْرو وابن عامر «يَرَهُو» مشبعًا.
وكذلك حفص، عن عاصم.
وروى هشام عن ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ فِيْ رواية الكِسَائِيّ، عنْ أَبِي بَكْر «شرًّا يَره» ساكنًا، و «خَيرًا يَره» مثله جزما وَقَدْ ذكرت علة ذَلِكَ فِيْ آل عِمْرَانَ.
وحدثني محمد بْن عَبْد الواحد، عنْ ابْنُ الطُّوسي، عنْ أَبِيهِ، عنْ اللحياني، عن الكسائي، قَالَ: سَمعتُ أعرابيًا يقرأ «إنَّ الْإِنْسَان لِرَبِّهْ لَكَنُودٌ» بجزم الهاء.
وسمعتُ آخر يَقرأ «لِرَبِّهِ لْكَنَودٌ» باختلاس الحركة.
قَالَ الكِسَائِيُّ: والِإشباعُ والاختلاسُ والسُّكونُ فِيْ الهاءِ لغاتٌ ثلاثٌ كلُّهن صَوَابٌ والاختيار: الإشباع.
стр. 537
ومن سورة العاديات
قرا أَبُو عَمْرو وحده: «والعادِّياتْ ضَّبحًا فالمُغِيْراتْ صُّبْحًا» بإدغام التَّاءِ عند الضَّادِ، والصَّادِ.
والباقُون يُظهرون ذَلِكَ. فمن أدغم مال إلى التَّخفيف؛ لقُرب التَّاء من هَذِهِ الحروف، وسكون التاء، ومن أظهر فعلى الَأصلِ والعاديات: الخيلُ.
وسُئِلَ ابن عباس، عن العاديات، فقال: الخيل، قال لَهُ عليٌّ ﵁: إنّها الِإبل، فأيُّ خَيلٍ كَانَ مَعَنَا يومَ بدرٍ؟ إنّما كَانَ فرسٌ كَانَ عليها المِقدادُ.
قَالَ ابنُ عبَّاسٍ: فنزعتُ عنْ قولي، ورجعت إلى قول عليّ و «ضَبْحًا» تنصب عَلَى المصدَرِ أيٍّ: تضبَحُ ضَبْحًا، ومن جَعَلَ العاديات الِإبل قَالَ: والعاديات ضبعا أي: قد ضبحها فِيْ السَّيْرِ فأُبدلت من العين حاءً.
كما قَرَأَ ابنُ مسعودٍ: «أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُحْثِرَ مَا فِي الْقُبُوْرِ» وفي قراءتنا «بُعْثِرَ» قَالَ الطَّائِيُّ:
عَدَتْنِيَ عَنْكُمْ غُرْبَةُ النَّأى والنَّوى ... لَهَا طَرْبَةٌ فِيْ أَنْ تُمِرَّ وَلَا تُحْلِى
إِذَا لَحَظَتْ حَبْلًا مِنَ الحيّ مُحْصدًا ... رَمَتْهُ فلم يَسْلَم بقَتْلٍ عَلَى قَتْلِ
أَتَتْ بَعْدَ هَجْرٍ من حَبِيْبٍ تَبَعْثَرَتْ ... صَبَابَة ما أَبقى الصُّدُودَ مِنَ الوَصْل
وكما قَرَأَ: «فَتَرَبَّصوُا بِهِ عَتَّى حين» بالعين وقراءتنا «حتى»، و «فالموريات قَدْحًا» وهي التي تُورى بسنابِكها نارَ الحُباحب، فقيل: إنّ الحباحب كَانَ رجلًا بخيلًا لا يُوقد ناره لبُخله إلا بالحطب الشَّخت الدَّقيق لئلا يأتيه الضيِّفان ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ وهي الخَيْلُ التي تُغير وقتَ السَّحر لأنها تَسير ليلتها جمعاء، ثُمَّ يُصبح الحي فإذا غنمت، وأتوا أهلهم نحروا وأطعموا النَّاس عشاءً.
قَالَتْ الخنساء:
يُذَكِّرُنِي طُلُوْعُ الشَّمْسِ صَخْرًا ... وأَذْكُرُهُ لِكُلِّ مَغِيْبِ شَمْسِ
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أي: أثرن بالوادِي غبارا.
﴿فوسطن به جمعا﴾ قرأن النَّاسُ بتخفيف السِّين إلا عَلَى بْن أَبِي طَالِب - كرّم اللَّه وَجْهَهُ - فإنه قَرَأَ: «فَوَسَّطْنَ بِهِ جَمْعًا» مشدّدًا.
стр. 538
﴿إنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّه لَكَنُوْدٌ﴾ أي: لكفور ينسى النّعم، ويذكر المُصيبة، قَالَ النَّمر:
كَنُوْدٌ لا تَمُنُّ ولا تُفَادَى ... إِذَا عَلِقَتْ حَبَائِلُها بَرَهْنِ
وقولُه تَعَالى: ﴿وحُصِّلَ مَا فِيْ الصُّدُورِ﴾.
قرأها النَّاسُ بالتَّشديد.
وقرأ يَحيى بْن يَعمر: «وَحَصَلَ مَا فِي الصُّدُوْرِ» مُخفَّفًا «إنَّ رَبَّهُمْ» بكسرِ الهَمزِة، لأنَّ فِيْ خبرها اللَّام أعنى فِيْ قولِه: «لَخَبِيْرٌ» ولولا اللَّام لقلت: «أنَّ ربَّهُمْ» وكان الحَجَّاجُ قَرَأَ عَلَى المِنْبَرِ «أنَّ رَبَّهُمْ» فلما علم أَنَّهُ لَحَنَ أسقط اللَّامَ فقرأ: «أنَّ ربَّهم بِهِمْ يَومَئِذٍ خَبِيْرٌ».
وكان سببُ نزول هَذِهِ السُّورة: أن النَّبِيّ ﷺ بعث سرية إلى خبير من كنانة، واستَعمل عليهم أحد النُّقباء المنذر بْن عَمْرٍو الْأَنْصَارِيّ فغابت عنْ النَّبِيّ ﷺ ، ولم يعلم بها بخبرٍ فأخبره اللَّه عَنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَالعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾.
стр. 539
ومن سورة القارعة
روى أَبُو حاتم، عنْ أَبِي عَمْرو أَنَّهُ أمال «القَارِعَةُ»، وهذا ليس بالجيِّد عند النحويين؛ لأنَّ القاف من الحروف الموانع.
قَالَ المُبَرِّدُ: ويجوز الِإمالة من أجل الرَّاءِ، والِإمالة فِيْ قاسم خطأ، وفي قادر، والقارعة صوابٌ من أجل الراءِ، وأَنْشَدَ:
عَسَى اللهُ يُغْنِي عنْ بِلَادِ ابنِ قَادِرٍ
والقارعة: القيامة؛ لأنَّها تقرع القلوب، ثُمَّ فسرها اللَّه تَعَالى وتعجَّبَ من عظم ذَلِكَ اليوم، فَقَالَ: ﴿وما أدراكَ مَا القَارِعَةُ يوم يكونُ النَّاسُ كالفَرَاشِ المَبْثُوْثِ﴾، أي: المتفرقة، وهي جمع الفراشة التي تسقط فِيْ السِّراج. ومن ذَلِكَ حديث رسول الله ﷺ : «ما يحملكم أن تتتابعوا عَلَى الكذب كما يتتابع الفَراشُ فِيْ النَّار»، والتتابع لا يكون إلا فِيْ الشّرِّ.
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾، أي: كالصُّوف. وفي قراءة عبدِ اللَّه «كالصُّوفِ المَنْقُوْشِ».
وقولُه تَعَالى: «وَمَا أَدْراك ما هِيَهْ».
قَرَأَ حمزةُ وحده: «ما هِيَ» بحذف الهاء إِذَا أدرج وبإثباتها إِذَا وقَفَ؛ لأنّ هَذِهِ الهاء هاء سكت، ولا يلحقها، ولا يحلقها إعرابٌ، وَقَدْ أنبأت عنْ علة ذَلِكَ فيما سلف، وإنما أعدتُ ذكره؛ لأن ابْنُ مُجاهد أخبرني، قَالَ: قَالَ نصر بْن عاصم: سَمِعْتُ أبا عَمْرو، يَقُولُ: «ما هيه» يقف عندها، وكل هاء للتأنيث تصير فِيْ الدَّرج تاءً إلا هَذِهِ. فأمَّا قولُ الشَّاعِرِ:
حاملةً دَلْوُكِ لا مَحْمُوْلَهْ ... مَلْأى مِنَ المَاءِ كَعَيْنِ المُوْلَهْ
فإن الشاعر بناه على الوقف، وهي هاء التأنيث، ولو بناه عَلَى الِإدراج لقال:
محمولةً، والمولِة: العنكبوت.
стр. 540
ومن سورة التكاثر
قَرَأَ ابْنُ عَبَّاس وحده: «الْهَاكُمُ» بالمدّ فالألف الأولى توبيخٌ، والثانية ألفُ قطعٍ.
وكان حيَّان من العَرَبِ تفاخروا وتكاثروا بالِإحياء، فقالوا منا فلان ومنا فلان، حَتَّى تفاخروا بالأموات، وزاروا المقابر يعدُّون موتاهم. فأنزلَ اللَّه تَعَالى موبخًا بهم، فَقَالَ: ﴿ألهاكم التَّكاثر﴾.
وروي عن الكسائي: «أألهاكم» بهمزتين مثل: «أأنذرتهم» والصَّحيح عنْ السبعة كلهم: «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ» عَلَى الخبرِ بألفٍ واحدةٍ، ثُمَّ أوعدهم اللَّه فَقَالَ: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيْمَ﴾.
قَرَأَ القراء: «لَتَرَوُنَّ» بفتح التاء إلا الكِسَائِيّ وابن عامر فإنهما ضما التاء، وأجمعوا عَلَى ضم الواو من غير همزٍ لالتقاء الساكنين، إلا ما روى الْعَبَّاس عنْ أَبِي عَمْرو «لترؤن» بالهمز، وهو جائز عند الكِسَائِيّ، خطأ عند الْمَازِنِي والبصريين؛ لأن كلَّ حركة كانت غير لازمة لم يجز همزها، وإنما يجوز قلب الواو همزة إِذَا كانت الضمة والكسرة عليها لازمتين نحو «أُقِّتَتْ» «ووُقِّتَتْ» وإعا، ووعا، والأصل فِيْ «لَتَرَوُنَّ الجَحِيْمَ» لترئيون عَلَى وزن لتفعلون، فنقلوا فتحة الهمزة إلى الراء، وحذفوا الهمزة تحفيفًا، ثُمَّ استثقلوا الضمة عَلَى الياء فحذفوها، فالتقى ساكنان الواو والياء، فأسقطوا الياء لالتقاء السَّاكنين، ثُمَّ التقى ساكنان الواو والنون الشديدة فحركوا الواو بالضمة لالتقاء الساكنين، ومثله: «اشتَرُواْ الضَّلالةَ» ونحوه كَثِيْر.
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ﴾ لتفعلن أيضا غير أن الواو قبلها ضمة فلم تحتمل الحركة، فأسقطوها لسكونها النون الشديدة، والواو فِيْ لترون قبلها فتحة فاحتملت الحركة.
وقولُه تَعَالى: ﴿عَنِ النَّعِيمَ﴾.
فِيهِ عشرةُ أَقوالٍ أَحسنُها عنْ ولاية عليِّ بْن أَبِي طالبٍ ﵁.
стр. 541
ومن سورة العَصر
قَرَأَ النَّاسُ كلُّهم: «والعَصْرِ» بإسكان الصَّاد إلا سلّامًا أبا المُنذر فإنه قَرَأَ «والعَصِرْ» بكسر الصاد، وكأنه أراد الوَقف كما قرأ أبو عمرو: «وتواصوا بالصبر» بكسر الباء، وبإسكان الراء فيما حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهد عنْ سُليمان أَبِي عَبْد اللَّه، عنْ أَبِي حاتم، قَالَ: قَرَأَ أَبُو عَمْرو: «وتَواصَوا بالصَّبِرْ» بكسر الباء، وإسكان الراء، أراد: بالصبر فنقل كسرة الراء إلى الباء؛ لأن العرب لا تقف إلا عَلَى ساكن فيقولون مررت ببكِر، وكنت عند عمرو، وأضرب بالسيف .... ، وجاني بكرِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَنَا جَرِيْرٌ كُنيَتِي أَبُو عَمِرو ... أَضْرِبُ بالسَّيِفِ وسَعْدٌ فِيْ القصر
وقال آخر:
علمنا أخوالنا بنو عَجَلْ ... شُرْبَ النَّبِيْذِ واعتِقَالًا بالرِّجِلْ
وقال آخر:
أَرَتْنِيَ حِجْلًا عَلَى سَاقهَا ... فَهَشَّ الفُؤَاْدُ لِذَاك الحِجِلْ
الحِجْلُ: الخِلْخَالُ:
وقال آخر:
يا عجبًا والدَّهرُ باقٍ عَجَبُهْ ... من عَنَزِيٍّ سَبَّنِيْ لَمْ أَضْرِبُهْ
وأراد: لم أضرْبهُ بإسكانِ الباءِ وضمِّ الهاءِ، فنقل ضمة الهاء إلى الباء ليكون واقفًا عَلَى ساكن. فالصَّبرُ: ضدُّ الجزع ساكنُ الباءِ، وأمَّا هَذَا الدَّواء الَّذِي يُشرب فالصَّبِرُ بكسر الباء، واحدتها صَبِرَةٌ، وبها سمي الرَّجُلُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
صَهْصَلِقُ الصَّوتِ بعينيها الصَّبِرْ ... يهرٌّ مَنْ قالتها ولا تَهِرْ
ويروى:
يفر من قاتلها ولا تفر.
يَصِفُ امرأةً سَلْفَعًا جريئةً رفيعةَ الصَّوتِ.
ومن ذَلِكَ حديثُ رَسُول اللَّه ﷺ : «ماذا فِيْ الأمرين من الشِّفاء».
الشِّفاءُ: الصَّبِرُ. الشَّفاء: الحرفُ.
وأجمعَ النَّاسُ عَلَى إسكانِ السِّين «لَفِي خُسْرٍ» إلا عِيسى بْن عُمَر، فإنه قَرَأَ: «لَفِي خُسُرٍ» بضمتين.
стр. 542
ومن سورة الهمزة
قَالَ أَبُو عبد الله تَقُولُ العربُ: رَجُلٌ هُمَزَةٌ لُمَزةٌ: إِذَا كَانَ يَعيب النَّاس ويَغتابهم، ويُنشد:
إِذَا لَقِيْتُكَ تُبْدِي لي مكاشرة ... وإن أغب فأنتَ الهامِزُ اللُّمَزَة
وقولُه تَعَالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا﴾.
قَرَأَ حمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ: «جمَّع» مُشدَّدًا.
وقرأ الباقون: «جَمَعَ» مخَفَّفًا، واتفقوا عَلَى تشديد الدَّالِ فِيْ «وَعَدَّدَهُ» إلا الْحَسَن الْبَصْرِيّ، فإنه قَرَأَ: «مالًا وَعَدَدَهُ» مخفَّفًا أي: جمع مالا وأحصى عدده.
وقرأ الحسن أيضا: «لينبذان» على التثنية أي وهو وماله، والوقف عَلَى «كلا» فِيْ هَذِهِ السُّورة هُوَ الاختيار لأنَّه ردٌّ «يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا» أي لَيس كما حسب.
وكذلك رَأَيْت ابنَ مجاهدٍ يقف عليها فِيْ الصَّلاة عَلَى طوال الدَّهرِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّها عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾.
وَقَدْ ذكرتُ اختلافهم فِيْ لا أُقْسِمُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فِيْ عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾.
فيها أربع قراءات:
قَرَأَ أهلُ الكوفةِ إلا حفصًا: «عُمُدٍ» بضمتين مثل صَبُور وصُبُرٍ، وعَمُوْدٍ وعُمُدٍ.
وقرأ الباقون: «فِيْ عَمَدٍ» بفتحتين، وهو جمعُ عَمود أيضًا مثل أَديم وأَدَمٍ.
وروى عنْ عِيسَى بْن عُمر: «فِيْ عَمْدٍ مُمَدَّدَةٍ» وفي عُمْدٍ بفتح العين وضمَّها، وإسكان الميم.
стр. 543
ومن سورة الفيل
قَالَ أَبُو عَبْد الليل: نزلت هَذِهِ السُّورة بمكة. وذلك أن أبرهة الحَبِشيَّ، ويُقال أصحمة الأشرم بعث أبا يكسوم، ويكسوم ابنه، ويقال: يكسوب، وهو يَفعول من الكسب بعث ابنه في جيش ومعه الفيل، وُولد رَسُول اللَّه ﷺ عام الفيل.
قَالَ ابنُ مخلد - الشَّيخُ الصَّالِحُ -: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن شبيب، عنْ ابْنُ أَبِي أُويس، عنْ سُليمان بْن بلال، عنْ يَحيى بْن سَعِيد، عنْ عمرة، عن عائشة، قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه، يعني: فقيرين، وهما يسألان بمكَّة، ليخرب البيت الحَرام ويجعل الفيل مكان البيت، كي يعظَّمَ ويعبْدَ كتعظيم الكعبة، وأمره أن يقتل من حال بينه وبينه، فسار أَبُو يكسوم بمن معه حَتَّى نزل بوادٍ دون الحرم.
فلمَّا أن أراد أن يَسوق الفيل إلى مكَّة، ويدخله الحرم. فوقف فأمر فسقوه الخَمْرَ ففعلوا، فلما أرادوا إِدخاله الحرم ثانية بَرَكَ، فإذا خلَّوا سبيله ولى راجعًا، ففزعوا من ذَلِكَ، وأرسل اللَّه طيرًا أبابيل، قيل واحد الأبابيل أبول. فقيل: كانت طيرا خضرا، منقارها حجر لا يخطئ يافوخ الرّجل ويسقط من دُبُره، فيموت. ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾، قَالَ: السِّجِّيْلُ، الشَّدِيْدُ. وقيل: من سجِّيل «سَنْك كِل» أي طين وحَجَرٍ بالفارسية.
وقرأ عِيسَى بْن عُمر: «يَرِمْيهِمْ» لأنَّ الطير يذكر ويؤنث «كعصف مأكول» أي كورق الزرع مأكول، أيب: بالٍ.
وقال مقاتل: كَانَ الفِيلُ قبل مولِد رَسُولِ اللَّه ﷺ بأَربعينَ سنةً. ولم يختَلِف السَّبعة فِيْ هَذِهِ السُّورة إلا أنّ أبا عَمْرو يدغم «كَيفْ فَّعَلَ رَبُّكَ» الفاءَ فِيْ الفاء، واللَّامَ فِيْ الرَّاءِ إِذَا قَرَأَ بالِإدغام، وَقَدْ ذكرتُ علة ذَلِكَ فيما سلف.
стр. 544
ومن سورة قريش
قرأ القراء السبعة خلا ابْنُ عامر: «لِإيلَاف» بِلامٍ مكسورةٍ وبعدها ياءٌ «إيْلافِهِمْ» مثل الأول، مثل إيمانهم؛ لأنَّه مصدر ألف يؤلف إيلافًا فهو مؤلَفٌ، وأصل الياء السَّاكنة همزةٌ غير أنها صارت ياء لانكسار ما قبلها، وإنما ذكرته لأنَّ ابنَ مُجاهدٍ حَدَّثَنِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد، عنْ عاصم قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن حسن، عنْ يُونس بْن حبيب، عنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ قَرَأَ: «إلْفِهِمْ» بإسكان اللام، وكسر الهمزةِ والفاء جعله مصدرَ أَلِفَ يَأْلَفُ إلْفًا، فهو آلفٌ.
وقد روي عن النبي ﷺ قَرَأَ: «ويل أُمّكم قريش إِلْفِهِمْ».
وقرأ أَبُو جَعْفَرٍ: «إلَافِهِمْ» بفتح اللَّامِ، وهو مصدر ألف أيضًا.
وقرأ عاصمٌ فِيْ الشَّواذِ عَنْهُ «لإئلاف قريش» بهمزتين أتيا بعد اللَّامِ «إِءْلافِهِمْ» بهمزتين، والمشهور عَنْهُ مثل قراءِة أَبِي عَمْرو.
وقرأ ابْنُ عامر: «لِإلافِ قُرِيْش» بقصرها بكسر الهمزة ولا يمدها «إِلافِهِمْ» مثل أَبِي عَمْرو. وكأنَّ ابنَ عامرٍ أراد «لِإيلاف» فترك المدَّ تخفيفًا.
واختلفَ أهلُ العَرَبِيَّةِ فِيْ هَذِهِ اللَّام، فَقَالَ قومٌ: هِيَ لامُ التَّعجُّبِ، ومعناه: أعجب يا مُحَمَّد لِإلاف اللهِ قُريشًا، وذلك أن قريشًا كانوا ببلاد غير ذي زرع، كانوا يرتحلون رحلتين، رحلة الشتاء ورحلة فِيْ الصَّيف إلى اليمن والشام فيمتارون ما يحتاجون إِلَيْه، فشقَّ ذَلِكَ عليهم فكفاهم اللَّه أمر الرِّحلتين. بل كانت تأتيهم العير والقوافل بما يحتاجون إِلَيْه، فذكَّرهم اللَّه نعمتَه عليهم؛ صرف الفيل عنهم، وكفاهم أمر الرحلتين، ومع ذَلِكَ لا يؤمنون، فقيل: اللام لام التعجب، وقيل: اللام لام الِإضافة، وهي متصلة ب «أَلَمْ تَرَ» فعلى هَذَا القول: «ألم تر» و «لِإيلاف» سورةٌ واحدةٌ «فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ».
وقال الخَلِيْلُ وأصحابُهُ اللَّامُ مُتَّصِلةٌ ب «فَلْيَعْبُدُواْ» وتلخيصه فليعبدوا ربَّ هَذَا البيت لإيْلاف قُريشٍ عَلَى التَّقديمِ والتَّأخيرِ.
стр. 545
ومن سورة «أرأيت»
قَرَأَ نافعٌ: «أَرَايتَ» بتليين الهمزةِ.
وقرأ الكِسَائِيُّ بتركِ الهَمزة: «أَرَيتَ» وَقَدْ ذكرتُ علته فِيْ سورة الأنعام.
وقرأ ابنُ مَسْعُودٍ: «أَرَأَيتُكَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ» وَقَدْ ذكرتُه أيضًا.
وقرأ الباقون: «أَرَأَيْتَ» بالهمزِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾.
اتفقَ القُراءُ عَلَى تشديد العَين؛ لأنَّه من دَعّ يَدُعُّ أي: دَفَعَ، كما قَالَ تَعالى: ﴿يَومَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ وإنَّما ذكرته لأنَّ أبا رجاء قَرَأَ: «فَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُ اليَتِيمَ» بفتح الدَّالِ وتخفيفِ العَين، أي: يترك.
واتَّفقوا أيضًا عَلَى «يُرَاءُونَ» بعدَ الرَّاءِ أَلِفٌ، وبعدَ الألفِ همزةٌ مثل: يراعون، وإنما ذكرته لأن ابنَ أَبِي إِسْحَاق الحضرميَّ قَرَأَ: «الَّذِيِْنَ هُمْ يُرؤُّنَ» بتشديد الهمزة مثل يرعُّون، وهي لغةٌ، يُقال: رَأَيْت ورأَيتُ، يُرَائِي، يُرَئَّى بمعنى واحدٍ، ومعنى ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، فَقَالَ: والله ما تركوها ولكن أزالوها عنْ مَواقيتها، ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قيل: الزَّكاة. وقيل: النارُ والفأسُ والمِلحُ، ونحوه.
стр. 546
ومن سورة الكوثر
قَرَأَ القراء: «إنا أعْطَيناكَ» بالعين، وإنما ذكرته لأنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَرَأَ: «إنَّا أنْطَيْناكَ الكَوْثَرَ» والكوثرُ: نهرٌ فِيْ الجنَّةِ، وقيل: الكوثرُ: الخيرُ الكثيرُ، وهو فَوْعَلٌ من الكثرة، والواو زائدةٌ، وَيُقَال: للرجل الكثير العَطاء كوثر، وأَنشد:
فَهُمْ أهلات حول قيس بن عاصم ... إذا أدلجوا باللَّيْلِ يَدْعُوْنَ كَوْثَرَا
ولُغَةٌ للعَرَبِ يقولون: أَنْطِ يا رَجُل، أي: اسكت.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قيل فِيْ تفَسيره: أي: خذ شمالك بيمينك فِيْ الصَّلاة، وقيل: العيدين يوم الفطر ويوم الَأضحى، فصلِّ لربِّك وانحر البُدْنَ، وقيل: استقبل القبلة بنحرك.
﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ الهمزة بعد النُّون، لأنَّه فاعل من شَنَأَ يَشْنَأُ فهو شانِئٌ، وأنشد:
ومِنْ شَانِئٍ ظَاهرٍ غَمْزُهُ ... إِذَا مَا انْتَسَبْتُ لَهُ أنْكَرَنْ
والشَّانِئُ: المبغضُ. والأبترُ: أي: لا عقب لَهُ، يُقال: حية أبتر مقطوعة الذَّنب، و «هُوَ» فاصلةٌ عند البصريين، وعمادٌ عند الكوفيين؛ لأنه لو قيل إن شانئك الأبتر بغير هُوَ جازَ أن يكون نعتًا، وخبرًا فإذا فصلت بينهما ب هُوَ صحَّ أَنَّهُ خبرٌ، ألم تَسمع قولَه تَعَالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ أتى بفاصلة جاز أن يكون بدلًا وصفةً، فلما قَالَ: «وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى» ولم يقل وأنَّه هُوَ أهلك؛ لأن الفعل لا يكون بدلا من الاسم فصح أَنَّهُ خبر، فأنت فِيهِ قائلٌ فِيْ الكلام: إنَّ زيدًا قائمٌ، ولا يُقال: إن زيدًا هُوَ قائم، فإذا قلتَ: أن زيدًا القائم جازَ أن تَقُولُ: إن زيدًا هُوَ القائم، ولا تكون الفاصلة إلا بين معرفتين الثَّاني محتاج إلى الأول كمفعولي ظَننت، واسم كَانَ وخبرها، واسم إنَّ وخبرها.
стр. 547
ومن سورة الكافِرون
قولُه تَعَالى: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.
قَرَأَ القَّراءُ بفتح العين؛ لأنَّه فاعل من عَبَدَ يَعْبُدُ، وإنَّما ذكرته لأنَّ عَبْد الوارث روى عنْ ابنِ عامرٍ: «عابِدُوْنَ» بالِإمالةِ لكَسرةِ الباءِ، وكلُّ فاعلٍ يجوزُ فِيهِ الِإمالة لكسرة عين الفعل إلا أن يأتي حرف مانع. وَقَدْ ذكرته فِيْ مواضع.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ: «وَلِيْ دِين» بإسكان الياء.
وروى عنْ ابْنُ عامر برواية هشام «وَلِيْ» بسكون الياء وتحركها واختلف عنْ ابْنُ كَثِيْر ونافع وعاصم فروى عَنْهُمْ «وَلِيْ دين» ساكنًا، «وَلِيَ دِينِ» محركًا، وَقَدْ ذكرت علته، غير أن من اختار فتح الياء هاهنا، وأسكن فِيْ نظيره، قَالَ: لأن الياءَ اسم، وهو عَلَى كلمةٍ واحدةٍ فقَوَّيتُها بالحركة.
стр. 548
ومن سُورة «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ»
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: هَذِهِ السُّورة من أواخر ما أَنزل اللَّه تَعَالى عَلَى مُحَمَّد ﷺ ، وذلك أن النَّبِيّ ﷺ لما قَرَأَ: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» قَالَ نعيتُ إليّ نفسي. وكان يُسْلِمُ الرَّجلُ والرَّجلان فلمَّا كَانَ فِيْ آخرِ عُمرِهِ كان يسلم القبيلة بأسرها والحي بأجمعه، قال تَعَالى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ الأفواج: جمع فَوْجٍ، وهو الجماعة.
стр. 549
ومن سُورة «تَبَّت»
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: لما أنزل اللَّه تَعَالى عَلَى مُحَمَّد ﷺ : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام عَلَى المَروة، وقال: يا آل غَالبٍ، فاجتمعت إليه، فقال: يا آل لؤي، فانصرفت أولا غَالب سوى لُؤيّ، ثُمَّ قَالَ بعد ذَلِكَ حَتَّى انتهى إلى قُصَيٍّ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَذِهِ قُصَيٌّ قَدْ أتتك فما لهم عندك، فَقَالَ: إنَّ اللَّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فقد أبلغتُكُم، فقُولوا لا إله إلا اللَّه تُفلحوا، فَقَالَ: ما دَعوتنا إلا لهذا تبًّا لَكَ، فأنزل اللَّه تَعَالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي: خَسِرَت، فيقال: إنَّما كنى لأن اسمه عَبْد العزي، فتبت الأولى دُعاءٌ، والثَّانيةُ: خَبَرٌ كما تَقُولُ: أهلك اللَّه فلانًا، وَقَدْ هَلَكَ «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» وفي حرف ابْنُ مَسْعُود «وَقَدْ تَبَّ» يُصحِّحُ ما قلت؛ لأن قَدْ مَعَ الفعل الماضي يَصيرُ حالًا، فقد تَبَّ بمعنى تابٌ هَذَا قول النَّاس كلهّم، ولا يكون الماضي حالًا إلا مَعَ وَقَدْ إلا ما حَدَّثَنِي أَبُو عمر، عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء، عنْ الكِسَائِيّ، قَالَ قَدْ يكون الماضي حالًا بغير قَدْ.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَدَا أبِي لَهبٍ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيْر وحده: «لَهْبٍ» بإسكان الهاء.
والباقون يفتحونه فكأنه جعلها لغةٌ مثل وَهَبٍ ووهب، ونهر ونهر، فالاختيار الفتح ليوافق رءوس الآي ﴿الحطب﴾ و ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿حَمَّالَةَ الحَطَبِ﴾.
قَرَأَ عاصم وحده: «حَمَّالَةَ» بالنَّصب عَلَى الشَّتمِ والذَّمِّ أي: أشتم حمالةَ الحَطَبِ وأذمُّ وأَعنى، أنشدني ابْنُ دريد:
سَقَوْنِى الخَمْرَ ثُمَّ تَكَنَّفُوْنِي ... عُدَاةَ اللهِ مَنْ كَذِبٍ وزُوْرِ
وقرأ الباقون بالرَّفع جعلوه ابتداء وخبرًا، «وامْرَأَتُهُ حَمَّالَهُ الحَطَبِ» أي هِيَ حمالةُ.
وفي حرفِ ابْنُ مَسْعُود: «وَمُرَيَّتَهُ حمَّالةٌ للحَطَبِ» فقيل: كانت تحمل الشَّوك فتلقيه عَلَى طريقِ رَسُول اللَّه ﷺ وقيل: كانت تَمشي بالنَّميمة، يُقال للنَّميمة:
الحَطَبُ؛ لأنَّها تُلهب كما تُلهب النَّارُ، وأنشد:
مِنَ البِيْض لَمْ تُصْطَدْ عَلَى ظَهْر لَأمةٍ ... وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ القَوْمِ بالحَطَبِ الرَّطْبِ
стр. 550
ومن سورة الِإخلاص
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: «الصَّمَدُ» فِيْ اللُّغة: الَّذِي قَدْ انتهى سؤدده، والصَّمَدُ: الَّذِي لا جوفَ لَهُ، والصَّمَدُ: الَّذِي لا يُطعم، والصَّمَدُ: الباقي بعد فناء خَلقه.
فإن سألَ سائلٌ لم ثنيت «قلُ» فِيْ أوائل هَذِهِ السُّور وفي أوامر اللَّه تَعَالى: وأنت إِذَا قلت لآخر: قُل لا إله إلا اللَّه أجابك، فَقَالَ: لا إله إلا اللَّه، ولم يقل: قل لا إله إلا اللَّه؟
فالجوابُ: أن اللَّه تَعَالى أَنزلَ القرآن عَلَى لسان مُحَمَّد بلسان الرُّوح الأمين صلى اللَّه عليهما، فمعناه لي جبريل: «قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ» فحكى النَّبِيّ صلى اللَّه عَلَيْهِ ما أُلقي إِلَيْه.
وأخبرني ابْنُ دُريدٍ، عنْ أَبِي حاتِمٍ، عنْ أبي عبيدة، قال: يقال لي «قل هو الله أحد»، و «قل يا أيها الكافرون»: المقشقشتان ومعناهما المُبريتان من الكُفر، والنَّفاق، كما يقشقش الهناء الجرب.
وَقَدْ حَدَّثَنِي أَبُو عُمَر، عنْ ثَعلب، عنْ ابْنُ الَأعرابي، قَالَ: قُلتُ لأعرابي: أَتقرأ من القُرآن شيئًا، قَالَ: نَعم أقرأ القلاقل: «قُل هَوَ اللَّه أَحَدٌ» و «قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ» و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ».
وحدَّثني أَبُو عَبْد اللَّه الكاتب، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عُبَيْدٍ، عنْ الأصمعي، قَالَ:
حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مروان، عنْ سَعِيد بْن سمرة بْن جندب، قَالَ: لقيتُ أعرابيَّة فأعجبتني فصاحتها، وظُرفها، وعَقلها، فقلت: إني لأنفس بمثلك أن تكون لي هذه الفصاحة، والظرف، والعقل ولا تحسي من كتاب اللَّه شيئًا، قَالَتْ: وما عِلْمُكَ بذلك، بلى ها الله إني لأقرأه ثُمَّ ألوكه لوك العلج. قلت: فاقرئي. فقرأت: ﴿والشَّمسِ وضُحَاها﴾ قراءةً حسنة حَتَّى بلغت ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ قَالَتْ: حِلفة بَلَغَت مَداها لا يَدخل الجنّة ولا يَرَاها إلا من نَهى النَّفسَ عنْ هَواها.
وحدَّثني أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الَأصمعي، عنْ سعيدِ بْن عثمان، قَالَ: قلت لأعرابي من بني عُقَيْلٍ: هَلْ تُحسن من كتاب اللَّه شيئًا، قَالَ: كيف لا أُحسن، وعلينا أَنزل الله، قَالَ: قلتُ: فأقرأ، فافتتح وقرأ ﴿والضُّحَى﴾ قراءةً حسنةً حَتَّى
стр. 551
بلغ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيْكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيْمًا فَآوَى﴾ التفتَ إلى صاحبه، فَقَالَ: إن هَؤُلَاءِ العُلُوج يقولون: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ولا والله لا أقولها.
وقولُه تَعَالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
كَانَ ابنُ مُجاهدٍ إِذَا قَرَأَ لأبي عَمْرو فِيْ الصَّلاة وقفَ عَلَى أَحَدٍ وقفةً خفيفةً، ويَقطع ألف الوَصل فيقول: «قُلْ هُوَ اللَّه أحَدْ أللهُ الصَّمَدُ»، ويُحكى ذَلِكَ عنْ أَبِي عُمَر أَنَّهُ كَانَ يختاره، ويقول: إن العرب لا تكاد تَصِلُ مثل هَذَا.
وَقَدْ روى عنْ أَبِي عَمْرو وغيره «أَحَدُ اللَّه» بترك التنوين؛ لأن التَّنوين والنُّون السَّاكنة الخفيفة تُضارعان اللام لتقارب مخرجيهما فيزولان عند اللام الساكنة، والَأكثر أن تُكسرَ لالتقاءِ السَّاكنين، فتقول: رأيتُ جعفرِ الظريف، «وَلَكِنِ الشَّياطِينَ»، و «لَكِنِ الرّاسِخُونَ» وأمَّا من حذف فنحو قولِ الشَّاعِر، - أَنشد سيبويه -:
فَلَسْتُ بِآتيْهِ وَلَا أسْتَطِيْعُهُ ... وَلَكِ اسْقِنِي إنْ كانَ مَاؤُكَ ذَا فَضْلِ
أراد: ولكن، فَحَذَفَ النُّون.
وقال آخر في حذف التنوين:
أمي خِنْدَفُ وإِلْيَاسَ أَبِي ... حَيْدَةُ خَالِي ولَقيطٌ وعَلِي
وَحَاتِمُ الطَّائِيُّ وهَّابُ المِئِي
وقال أخر:
لَتَجِدَنّي بالسُّيُوفِ بَرَّا ... وبالقَنَاةِ مدعسا مكَرَّا
إِذَا غُطَيْفُ السلمي فرا
أراد: غطيف، فَحَذَفَ التنوين.
وقرأ الباقون: «أَحَدٌ اللهُ» بالتنوين، وكسروا لالتقاء الساكنين.
وقرأ تعالى: «ولم يولد وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ.»
قَرَأَ حمزة: «كفْوًا» بسكون الفاء.
وقرأ الباقون: «كُفُؤًا» بضم الفاء والهمزة إلا حفصًا، عنْ عاصم فإنه كَانَ لا يهمز، والعربُ تَقُولُ: ليس لفلان كُفوٌ ولا مِثلٌ ولا مَثيلٌ ولا بلمه ولا نظيرٌ. والله تَعَالى لا كفءَ لَهُ، ولا كفَّ لَهُ ولا كفى لَهُ، ولا كفاء لَهُ، كلُّ هَذِهِ لغاتٌ بمعنى لا مثل له
стр. 552
تَعالى، وليس كمثله شيءٌ و «أحدٌ» يرتفع، لأنَّه اسم «كَانَ» و «كفوًا» ينتصب لأنَّه نعت نكرة متقدمة كما تَقُولُ: عندي ظريفًا غلامٌ تريد: عندي غلامٌ ظريفٌ فلما قدمت النعت عَلَى المنعوت نصبته عَلَى الحال فِيْ قول البَصريين، وعلى الخِلاف فِيْ قولُ الكُوفيين والتقدير فِيْ الآية عَلَى هَذَا: ولم يكن له أحد كفوا، أنشدني أبو يعلى الرَّوْذَرِيُّ:
وبِالْجِسِم مِنّى بَيِّنًا لَوْ نَظَرْتِهِ ... شُحُوْبٌ وإن تَسْتَخْبِرِي العَيْنَ تُخْبِرِ
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: الرِّوايةُ الصَّحِيْحَةُ:
وإنْ تَسْتَنْجِدِي الدَّمْعَ يُنْجِدِ
والأحد بمعنى الواحد، يُقال: أحد ووحد، وواحد، وامرأة أناه، والأصل وناه، وليس فِيْ كلام العرب واوٌ مفتوحةٌ قلبت همزةً إلا هذان عند سيبويه، وزاد غيره أَيْنَ أخيهم، يريد: أَيْنَ سفرهم والأصل: وَخْيُهم، وواحد الآلاء أَلَى، والأصل ولى كل مال زكي ذهبت أبلته أي: وبلته. فأمَّا الواوُ المفتوحةُ إِذَا قُلبت همزة كراهةً لاجتماع واوين.
فكثيرٌ، تَقُولُ فِيْ جمعِ واعيةٍ: أواعٍ، والأصل وواعٍ، فأعرف ذَلِكَ.
стр. 553
ومن سورة الفلق
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: الفَلَقُ: الصَّبحُ، والفَرَقُ مثله، وقيل الفَلَقُ: جُبٌّ فِيْ جَهَنَّم و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ قيل: وادٍ فِيْ جَهَنَّم نعوذ بالله مِنْهُ ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ اللَّيل إِذَا دَخَلَ بظُلمته، وقيل: القَمَرُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾.
اتَّفق القُرَّاءُ عَلَى تشديد الفاء عَلَى فعّالات وإنّما ذكرته؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بن القاسم مولى أَبي بَكْر قَرَأَ: «ومِنْ شَرّ النّفِثاتِ» فنافثة ونافثات مثل ساحرة، وساحرات، وهو يدل عَلَى المرة الواحدة، فإذا شددته دل عَلَى التكرير، والتَّكثير مثل ساحرٍ وسحَّارٍ، والنفاثات السَّواحر: بنات لبيد بْن الأعصم كن سحرن رَسُول اللَّه ﷺ فجُعل سحره في جف طلع أيب: فِيْ قشر طلع فِيْ رَاعُوْفَةِ بئرٍ، وهي صَخْرَةٌ يقومُ عليها الماتِحُ إِذَا دَخَل البئر، وكان السّحر وترًا فِيهِ إحدى عَشْرَةَ عُقدَة، واشَتَكى رَسُولُ اللَّه ﷺ شكوى شَديدةً فبينا هُوَ كذلك إذ أتاه مَلَكَان فَجَلَسَ أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فَقَالَ أحدهما لصاحبه: ما علّته، قَالَ: به طب، أيب:
سحرٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّه، قَالَ: بناتُ لَبيد، قَالَ: وأينَ ذَلِكَ، قَالَ: فِيْ جُفِّ طلعةٍ تحتَ رَاعُوفة بئرِ بني فلان، فانتَبَه رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وبَعَثَ عليًّا كرم اللَّه وجهه وعمَّارًا فاستخرجا السِّحر. وأنزلَ اللَّه تَعالى المعوذتين وهما إحدى عشرةَ آية عَلَى عَدَدِ العُقد، وكلما تلوا آية انحلَّت عقدة ووجد رَسُول اللَّه خفّةً حَتَّى حلُّوا العقد فقام رَسُولُ اللَّه ﷺ كأنما أُنشط من عِقَالٍ، وأمر بالتَّعوذ، والتَّبرك بهما وكان كثيرَ ما يعوِذ بهما سبطيه الحسن والحسين سيدي شباب أهلِ الجَنَّة.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
اتَّفقَ القُرَّاءُ عَلَى فتح الحاء من «حَاسِدٍ» وإنما ذكرتُه لأنَّ ابنَ مُجاهدٍ حَدَّثَنِي عنْ الحمَّال، عنْ أَحْمَد بْن يَزيْدٍ، عنْ روح، عنْ أَحْمَد بْن مُوسَى، عنْ أَبِي عَمْرٍو «مِنْ شَرِّ حًاسدٍ» بالِإمالة من أجل كسرة السين قَدْ ذكرت العلة فِيْ إمالة كلِّ فاعلٍ، وجوازه وامتناع الِإمالة إِذَا كَانَ فِيهِ حرفٌ مُسْتَعْلٍ.
стр. 554
ومن سورة النَّاس
قَرَأَ الكِسَائِيّ وحده فِيْ رواية أبي عُمَر: «بِرَبِّ النَّاسِ» بالِإمالة.
وقرأ الباقون بالتَّفخيم، فمَن أمال فمن أجلِ كسرةِ السّين مثل النار، ومَنْ فَتَحَ فعلى الَأصلِ؛ لأنَّ الأصلَ فِيْ النَّاس النيس أَوْ النّوس فصارت الواو والياء ألفًا لانفتاح ما قبلهما.
وقال آخرون: الأصلُ النسى فجعل لام الفعل ياء من نسيت، قَالَ: ثُمَّ قدموا وأخروا كما قَالَ عاث وعثا.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾.
بفتح الواو؛ إجمال لأنَّ الوسواسَ اسمُ الشَّيطان، وهو الغَرورَُ والخَنَّاسُ، والجَانُّ، والعفريتُ، والجلانُ، والبلانُ، والعطبُ، والدلسُ، والدلامنُ، والخيتعورُ، والشّيصبانُ، والمهذبُ، والشيطانُ، واللَّعِينُ، والموسوسُ، والأزنيبُ، والسَّفيهُ، قيل فِيْ قولُه تَعَالى: ﴿أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ قَالَ: السَّفِيْهُ: إبليس، والوَسْوَاسُ: صوتُ حلى النِّساء أيضًا وأنشدَ:
تَسْمَعُ الحَلْي وَسْوَاْسًا إِذَا انْصَرَفَتْ ... كَما اسْتَغَاث برِيْحٍ عشْرِقٍ زَجِلُ
فأمَّا الوِسْوَاسُ بكسرِ الواو فمصدر وَسْوَسَ يُوَسْوِسُ وَسْوَسَةً ووِسْواسًا ﴿فِيْ صُدُوْرِ النَّاسِ﴾ والنَّاسُ جنّهم وأنسهم والناس يقع عَلَى الجِنّ والِإنس رأيت ناسًا من الجنّ، وناسًا من بني آدم، وَيُقَال لمن لا خير فِيهِ: نَسْنَاسٌ. وحدثنا عن ابن حميد، قال حدثنا سلمة، قَالَ: حَدَّثَنَا المُبارك بْن الأزهر، عنْ شريك بن عَبْد اللَّه بْن أَبِي نمر، عنْ صالح مولى التوأمة، عنْ ابْنُ عَبَّاس، قَالَ: إن من الملائكة قبيلًا يُقال لهم: الجن. فكان إبليس يوسوس ما بين السّماء والأرض فمسخه اللَّه شيطانًا.
وحدثنا عن ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق، قَالَ:
النِّسْنَاسُ: خلقٌ باليَمن لأحدهم يدٌ ورجلٌ، وعينٌ واحدُ ينقر، أي: يقفز قفزًا، أهل اليمن يصطادونهم فخرج قومٌ فِيْ صيدٍ فرأوا ثلاثةً منهم فأدركوا واحدًا فعقروه، وذَبَحُوْهُ، وتوارى اثنان فِيْ الشَّجر، فَقَالَ: اذبحه فإنه سمين، قَالَ: ويقول أحد الاثنين: أكل ضرو، والضرو: شجرٌ، فدخلوا شجر الزيتون فأخذوا الثَّاني فذبحوه فَقَالَ
стр. 555
للذي ذبحه ما أنفع الصَّمت، فَقَالَ الثالث: أنا الصميت، فأخذوه فَذَبَحُوه أيضًا.
وحَدَّثَنَا عنْ ابنُ حُميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمة، عنْ الشرقي بْن القُطامي، قَالَ:
النسناس: خلق باليمن لأحدهم يد ورجل، وعين يَنقُزُ بها، وهو صيدٌ لأهلِ اليمنِ، قَالَ: فخرجَ رجلان فِيْ طلبِ واحدٍ منهم هرم فأدركاه فعرفاه، فالتفت إليهما، وهو يَقُولُ:
يَا رُبَّ يَوْمٍ لو أَرَدْتُمَانِيْ ... لَمِتُّمَا أَوْ لَتَرَكْتُمَانِيْ
والنَّاسُ في القرآن عَلَى أقسامٍ: فقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فإنه يعني مُحَمَّدًا ﷺ .
وقولُه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يعني إِبْرَاهِيم خليلُ الرَّحْمَن ﵇.
تم الكتاب بحمد الله ومنه